The words you are searching are inside this book. To get more targeted content, please make full-text search by clicking here.

تفسير القرآن الكريم_compressed

Discover the best professional documents and content resources in AnyFlip Document Base.
Search
Published by Ghada Alnawawy, 2021-11-09 00:37:41

تفسير القرآن الكريم_compressed

تفسير القرآن الكريم_compressed

‫�شيء‪ ،‬ولا ي�ستطيع �أح ٌد أ�ن يدرك ولو �شيئ ًا قليل ًا من علمه‬ ‫‪ ٢٥٣‬أ�ولئك الر�سل الكرام الذين ذكرناهم ف َّ�ضلنا‬
‫إ�لا ما �أراد أ�ن ُي ْع ِل َم به‪ ،‬أ�حاط كر�س ُّي ُملكه بال�سماوات‬ ‫بع�ضهم ببع�ض الخ�صائ�ص‪ ،‬فمنهم َم ْن ف َّ�ضله‪ ‬الله ب�أن ك َّلمه‬
‫والأر�ض ‪ -‬والكر�س ُّي مخلوق عظيم‪ ،‬وتن َّزه الله �أن‬ ‫دون وا�سطة‪ ،‬كمو�سى ‪ -‬عليه ال�سلام‪ -‬ومنهم َم ْن رفع‬
‫يكون محملا ًو على �شيء �أو محدوداً ب�شيء‪ ،‬وو ِ�سع‬ ‫رتبته ومنزلته على �سائر ا ألنبياء ‪ -‬وهو نبينا محمد ‪-‬‬
‫علمه و�سلطانه ال�سماوات وا ألر�ض‪ -‬ولا ي�ش ّق عليه‬
‫تعالى حف ُظهما‪ ،‬وهو المتعالي عن النق�ص‪ ،‬ذو العظمة‬ ‫و�آتى الله عي�سى ابن مريم ا آليات الوا�ضحات على �صدق‬

‫الذي دونه ك ُّل �شيء‪.‬‬ ‫نبوته‪ِ ،‬م ْن إ�حياء الأموات‪ ،‬و إ�براء المر�ضى‪ ،‬و�أعانه‪ ‬الله‬
‫وحفظه بجبريل ‪ -‬عليه ال�سلام‪ -‬ولو أ�راد الله أ� ّل يقتت َل‬
‫‪ ٢٥٦‬لا إ�جبار على الدخول في الإ�سلام‪ ،‬قد َو َ�ضح‬
‫با ألدلة الظاهرة طري ُق الحق من طريق ال�ضلال‪ ،‬فمن‬ ‫الذين جا�ؤوا ِم ْن بعد الر�سل ِم ْن بعد ما �أر�شدهم الله �إلى‬
‫َي َد ْع ربوبي َة ك ِّل معبود من دون الله‪ ،‬وي�ؤم ْن ب أ�ن الله‬ ‫الحق وقامت عليهم الحج ُج البينا ُت لما اقتتلوا‪ ،‬ولكن‬
‫إ�لهه ور ُّبه ومعبوده‪ ،‬فقد تم�َّسك من الدين ب�أقوى أ��سباب‬ ‫اقت�ض ْت حكمته عدم �إرادة ذلك‪ ،‬فافترقوا‪ ،‬فمنهم َم ْن‬
‫النجاة‪ ،‬التي ال‪ ‬انحلا َل ولا انقطا َع لها‪ ،‬والله �سميع‬ ‫لزم دين الأنبياء‪ ،‬ومنهم َم ْن كفر به‪ ،‬ف�أ ّداهم ذلك �إلى‬
‫ألقوال عباده‪ ،‬عليم ب أ�فعالهم‪ ،‬و�سيجازيهم على ذلك‪.‬‬ ‫الاقتتال‪ ،‬ولو أ�راد الله عدم اقتتالهم بعد هذا الاختلاف‬

‫‪٤٢‬‬ ‫�أي�ض ًا ما اقتتلوا‪ ،‬ولك ّن الله يدفع النا�س بع�ضهم ببع�ض‪،‬‬
‫و ُيجري ا ألمور بحكمته‪ ،‬ويفعل ما‪ ‬يريد‪.‬‬

‫‪ ٢٥٤‬يا َم ْن آ�منتم بالله واليوم الآخر‪ ،‬أ�نفقوا في �سبيل‬
‫الله مما رزقناكم ِم ْن �أموالكم‪ ،‬وت�ص َّدقوا على المحتاجين‪،‬‬
‫و�آتوا منها الحقو َق التي فر�ضناها عليكم‪ِ ،‬م ْن قبل مجيء‬
‫يو ٍم لا ت�ستطيعون فيه تدار َك ما فاتكم‪ ،‬وهو يوم القيامة‪،‬‬
‫إ�ذ ال‪ ‬يمكن فيه البي ُع فت�شترون �أنف�سكم به من العذاب‪،‬‬
‫ولا مودة بين الع�صاة تنفعهم‪ ،‬ولا �شفاعة فيه إ� ّل ِم ْن‬
‫بعد إ�ذنه تعالى‪ ،‬والكافرون بالله هم الظالمون ألنف�سهم‬

‫بتكذيبهم للر�سل وتجاوز حدود الله‪.‬‬

‫‪ ٢٥٥‬الله هو الم�ست ِح ّق لجميع الكمالات‪ ،‬الذي لا‬
‫معبو َد بح ّق �سواه‪ ،‬فهو الدائ ُم البقاء‪ ،‬لا �أ ّول ولا �آخر‬
‫لوجوده‪ ،‬القائ ُم بحفظ الخلق وتدبير أ�مره‪ ،‬الذي لا‬
‫يغفل عنهم �أبداً‪ ،‬فلا ي�صيبه نعا�س ولا نوم‪ ،‬له كل ما في‬

‫ال�سماوات وا ألر�ض ملك ًا و َخلق ًا وتدبيراً‪ ،‬لي�س ألحد‬
‫�أن ي�شفع عنده إ�لا ب�إذنه‪ ،‬و ِع ْل ُم ُه �سبحانه محيط بكل‬

‫قتله‪ ،‬و أ��ستبقي َم ْن أ�ردت ا�ستبقاءه‪ .‬ف أ�تى إ�براهي ُم ‪ -‬عليه‬ ‫‪ ٢٥٧‬الله هو المعي ُن والنا�ص ُر للم�ؤمنين به تعالى‪ ،‬يك�شف‬
‫ال�سلام‪ -‬ب ُح َّجة أ�و�ضح لا تجري فيها المغالطة؛ ليقطع‬ ‫عنهم بتوفيقه دواعي الكفر ببراهين الإيمان‪ ،‬فيخرجهم‬
‫مجادلته‪ ،‬فقال‪ :‬إ�ن الله الذي أ�عبده ي�أتي بال�شم�س من‬
‫الم�شرق ف ْأ�ت بها �أنت من المغرب‪ .‬ف ُد ِه�ش هذا الكافر‬ ‫بذلك من ظلمات ال�شك والحيرة واتباع الهوى‪ ،‬إ�لى‬

‫وانقطعت ُحجته‪ ،‬والله لا يوفق �إلى الحق المعاندين‬ ‫نور الهدى واليقين‪ ،‬والذين كفروا ت�ستولي عليهم‬
‫الم�ص ِّرين على الباطل‪.‬‬
‫ال�شياطين ف ُتزي ُن لهم ما هم فيه من الجهالات وال�ضلالات‬
‫‪� ٢٥٩‬أ َوما علمت ‪ -‬أ�يها الر�سول‪َ -‬م َث َل الذي َم َّر على‬ ‫فيحيدون به عن الهدى إ�لى ظلمات الكفر‪ ،‬أ�ولئك هم‬
‫مدينة‪ ،‬وهي خربة خالية من أ�هلها و�سكانها‪ ،‬قد �سقطت‬
‫أ��صحا ُب النار الملازمون لها‪ ،‬ال‪ ‬يخرجون منها‪  ‬أ�بداً‪.‬‬
‫حيطا ُنها على �سقوفها‪ ،‬فقال م�ستعظم ًا �ش أ�ن �إحيائها أ�و‬
‫م�ستبعداً له من �شدة خرابها بعد �أن ر آ�ها من قب ُل عامر ًة‬ ‫‪ ٢٥٨‬أ� َما علم َت ‪� -‬أيها الر�سول‪ -‬أ�م َر الم ِل ِك الذي‬
‫جادل إ�براهيم ‪ -‬عليه ال�سلام‪ -‬في �ألوهية ربه و�صفاته‬
‫‪ -‬وهو يعلم �أن الله هو الذي خلقها‪ -‬كيف يحيي الله‬
‫ب�سبب غروره بالملك الذي �أعطاه الله �إياه؟ �إذ قال‬
‫هذه المدينة و أ�ه َلها فتعو َد كما كانت؟ ف�أماته الله مئة‬
‫عام‪ ،‬ثم أ�حياه ِل ُي ِظهر له �سهولة ا إلحياء عليه تعالى‪ ،‬فقال‬ ‫إ�براهيم له وهو يدعوه إ�لى الحق‪ :‬ربي الذي بيده الحياة‬
‫له الله‪ :‬كم مكثت م ِّيت ًا؟ فقال بح�سب ظنه‪ :‬مكث ُت يوم ًا‬ ‫والموت‪ ،‬يحيي َم ْن ي�شاء ويميت َم ْن ي�شاء‪ ،‬ف أ�َعمى المل َك‬
‫أ�و بع�َض يوم‪ .‬فقال الله له‪ :‬بل مكثت م ِّيت ًا مئة عام‪ .‬ثم‬ ‫غرو ُره وقال مغالط ًا‪� :‬أنا ُأ�حيي و أُ�ميت‪ ،‬ف أ�قتل َم ْن �أردت‬
‫�أراه الله مظاهر متباينة لقدرته تعالى‪ ،‬ف�أمره �أن ينظر �إلى‬

‫حال طعامه الذي كان معه كيف حفظه الله طول هذه‬

‫المدة فلم يتغير‪ ،‬و�أمره �أن ينظر إ�لى حماره وقد َب ِل َي فلم‬
‫تبق إ�لا ِعظامه ولم ُي ْحفظ كما ُح ِف َظ الطعام‪ ،‬وقد فعل‬
‫الله ذلك لتكون ‪� -‬أيها ال�سائل‪ -‬مثال ًا وا�ضح ًا للنا�س‬

‫على قدرة الله على البعث‪ .‬وقال تعالى له أ�ي�ض ًا‪:‬انظر‬
‫�إلى ِعظام حمارك كيف نقيمها ونر ِّك ُب بع�ضها على‬
‫بع�ض‪ ،‬ثم نك�سوها باللحم‪ ،‬ونعيدها حية كما كانت‪.‬‬

‫فلما ات�ضح له ذلك ِعيان ًا‪ ،‬قال‪� :‬أعلم أ�ن الله على كل‬

‫�شيء قدير‪.‬‬

‫‪٤٣‬‬

‫يتبعها أ�ذى بالم ِّن وغيره‪ ،‬والله غن ّي عن هذا ا إلنفاق‪،‬‬ ‫‪ ٢٦٠‬واذكر ‪ -‬أ�يها الر�سول‪ -‬ق�ص َة �إبراهيم‪� ،‬إذ دعا‬
‫َح ِلي ٌم عن معاجلة َم ْن َ ُي ُّن وي ؤ�ذي بالعقوبة‪.‬‬ ‫ربه قائل ًا‪ :‬ر ِّب �أ ِرني ِعيان ًا كيفية �إحياء الموتى‪ ،‬ف�س�أله‪ ‬الله‬
‫وهو �أعلم به‪� :‬أولم ت ؤ�من بقدرتي على الإحياء؟ قال‪:‬‬
‫‪ ٢٦٤‬يا أ�يها الذين �آمنوا لا ُت�ض ّيعوا ثوا َب �صدقاتكم‬
‫ب إ�تباعها بالم ِّن والأذى‪ ،‬فتكونوا في عدم الانتفاع بهذه‬ ‫بلى �آمنت‪ ،‬ولكن �س أ�لت ذلك ألزداد ب�صير ًة و�سكو َن‬
‫ال�صدقات كحال المنافق الذي ينفق ماله ليراه النا�س‪ ،‬لا‬ ‫قل ٍب باجتماع المعاينة مع ما ا�ستق ّر في قلبي من العلم‬
‫يق�صد بذلك وجه الله وثواب ا آلخرة‪َ ،‬ف َم َث ُل حال هذا‬ ‫بذلك‪ .‬فقال الله تعالى له‪ُ :‬خ ْذ �أربع ًة من أ�نواع الطير‬
‫المرائي كمثل َحجر �أمل� َس عليه تراب‪ ،‬يظنه الرائي �أر�ض ًا‬ ‫المختلفة فا�ضممهن �إليك لتت�أملهن وت ْع ِر َف أ��شكالهن‪،‬‬
‫ُم ْن ِبت ًة‪ ،‬ف�أ�صابه مطر غزير‪ ،‬ف أ�زال الترا َب وتركه أ�مل� َس‬ ‫ثم اذبحهن وق ّطعهن‪ ،‬ثم اجعل على كل جبل من‬
‫لا ُين ِبت ولا ُيح َ�صد منه �شيء‪ ،‬فكذلك ه�ؤلاء المرا ؤ�ون‬
‫لا ينتفعون يو َم القيامة ب�شيء مما عملوا في الدنيا ولا‬ ‫الجبال جزءاً من هذه الطيور‪ ،‬ثم اد ُعهن �إليك ي�أتينك‬
‫يجدون له ثواب ًا‪ .‬والله لا يوفق الكافرين لإ�صابة الحق‪،‬‬ ‫م�سرعا ٍت‪ ،‬قد ُع ْد َن كما ك َّن‪ ،‬واعلم أ�ن الله قادر لا‬
‫ف إ�ياكم أ�يها الم�ؤمنون أ�ن ي َت�س َّرب إ�ليكم �شيء من أ�حوالهم‪.‬‬
‫يعجزه �شيء‪ ،‬حكيم قد �أتقن‪ ‬كل �شيء‪.‬‬
‫‪٤٤‬‬
‫‪َ ٢٦١‬مث ُل نفق ِة الذين ينفقون أ�موالهم في طاعة‪ ‬الله من‬
‫الجهاد وغيره من �أنواع البر‪ ،‬في ِعظم جزائها وبركتها‬

‫كمثل ح َّبة ُزرعت في أ�ر�ض ط ّيبة ف أ�خرجت �سب َع �سنابل‪،‬‬
‫في كل �سنبلة مئ ُة حبة‪ ،‬والله ي�ضاعف �إلى ال�سبعمئة ويزيد‬

‫بف�ضله �أكث َر من ذلك لمن ي�شاء‪ ،‬والله وا�سع الف�ضل‪ ،‬عليم‬

‫ب َم ْن ي�ستحق الم�ضاعفة و َم ْن لا ي�ستحق‪.‬‬

‫‪ ٢٦٢‬الذين يبذلون أ�موالهم ابتغا َء مر�ضاة الله وطلب ًا‬
‫لثوابه ثم لا ُي ْتبعون ما �أنفقوا من ال�صدقات م ّن ًا ِب َع ِّد‬
‫ال�صدقات على من ُت ُ�ص ِّد َق عليهم وتذكي ِرهم بها‪ ،‬ولا‬
‫�أ ّي نوع من أ�نواع ا ألذى‪ ،‬ه�ؤلاء المح�سنون لهم ثوابهم‬
‫وجزا�ؤهم عند الله‪ ،‬ولا خو ٌف عليهم فيما ي�ستقبلونه‬

‫بع َد الممات من �أهوال يوم القيامة‪ ،‬وغيرها‪ ،‬ولا هم‬
‫يحزنون على ما خ ّلفوا وراءهم من الدنيا‪ ،‬ألنهم قد‬

‫�صاروا �إلى ما هو خي ٌر لهم من ذلك‪.‬‬

‫‪ ٢٦٣‬كلم ٌة طيب ٌة ُي َر ُّد بها ال�سائل‪ ،‬و�ست ٌر على حاجته‪،‬‬
‫وعف ٌو وتجاو ٌز عن إ��ساءته إ�ن أ��ساء‪ ،‬خي ٌر عند الله من �صدقة‬

‫ري ٌح �شديد فيه نار فاحترقت‪ ،‬فب ِق َي لا �شيء عنده‪ .‬فهذا‬ ‫‪َ ٢٦٥‬و َم َث ُل نفقة الذين ينفقون أ�موالهم في وجوه الخير‬
‫َم َث ٌل آ�خر للنفقة التي يكون باعثها الرياء‪ ،‬ي�أتي �صاح ُبها‬ ‫مبتغين مر�ضاة الله‪ ،‬ومث ّبتين أ�نف َ�سهم على ا إلنفاق ب�سبب‬
‫يوم القيامة وهو في �أ�شد الحاجة إ�ليها فيجدها قد أ�حرقها‬ ‫ت�صديقهم بوعد الله َك َم َث ِل ب�ستا ٍن ب�أر�ض طيبة مرتفعة‪،‬‬
‫ف�أ�صاب هذا الب�ستان مط ٌر �شدي ٌد ف أ�عطى ثمرته م�ضا َع َف ًة‪،‬‬
‫الرياء فذهبت‪ ،‬وبمثل هذا البيان الوا�ضح في �أمر النفقات‬ ‫ف�إ ْن لم ُي�صب هذا الب�ستان مط ٌر �شدي ٌد فالمطر الخفيف‬
‫يكفيه ل ُي ْث ِم َر؛ ل ِطي ِب �أر�ضه‪ ،‬كذلك عم ُل الم ؤ�منين ابتغاء‬
‫يبين الله لكم ا آليات لتتفكروا فيها فتعتبروا‪.‬‬ ‫وجه الله لا يبور ولا يتخ ّلف خي ُره‪ ،‬و�أجرهم متفاو ٌت‬
‫بح�سب الإخلا�ص‪ ،‬والله لا يخفى عليه �شيء من‬
‫‪ ٢٦٧‬يا �أيها الذين �آمنوا ز ّكوا وت�ص ّدقوا ِم ْن ِخيار‬
‫أ�موالكم التي اكت�سبتموها و ِم ْن طيبات ما أ�خرجنا لكم‬ ‫�أعمالكم‪ ،‬و�سيجازيكم‪ ،‬ف�أح ِ�سنوا‪.‬‬
‫من الأر�ض من الزروع والثمار‪ ،‬ولا تق�صدوا المال‬
‫‪ ٢٦٦‬أ�يح ُّب �أح ُدكم �أن تكو َن له جن ٌة (ب�ستان) فيها من‬
‫الرديء تنفقون منه دون غيره‪ ،‬والحال أ�نكم لا تقبلونه‬ ‫�أ�شجار النخيل والعنب‪ ،‬تجري خلال هذه الجنة ا ألنهار‪،‬‬

‫في معاملاتكم لرداءته �إلا أ�ن تت�سامحوا وتتغافلوا عما‬ ‫له فيها من كل �أنواع الثمرات‪ ،‬وهو في �أ�ش ّد الحاجة �إلى‬
‫ثمرتها‪ ،‬و�أ�صابه ال ِك َ ُب ف�أعجزه عن العمل‪ ،‬وذر َّي ُت ُه ذر َّي ٌة‬
‫فيه‪ ،‬فكيف َت ْع َمدون إ�ليه فتخ ّ�صونه با إلنفاق دون ما‬ ‫�صغا ٌر لا قدر َة لهم على الك�سب‪ ،‬ف أ��صاب تلك الجن َة‬
‫عندكم من ال َّطيب؟ واعلموا �أن الله غني عن نفقاتكم‪،‬‬
‫‪٤٥‬‬
‫�شاكر لمن ت�صدق �صدقة طيبة‪ ،‬بقبولها منه و�إثابته عليها‪.‬‬

‫‪ ٢٦٨‬ال�شيطا ُن يخ ّوفكم من الفقر‪ِ ،‬ل ُت ْم�سكوا ما‬
‫ب�أيديكم فلا تنفقوه في مر�ضاة الله‪ ،‬ويغريكم أ�ي�ض ًا‬
‫بمعا�صي الله و َت ْر ِك طاعته‪ ،‬والله يعدكم َو ْع َد ال�صدق‬
‫الذي لا يتخلف أ�ن يغفر ذنوبكم ويزيدكم من ف�ضله‪،‬‬

‫فلا تخ َ�ش ْوا الفق َر و�أنتم تنفقون‪� ،‬إن الله وا�سع الف�ضل‬
‫والمغفرة‪ ،‬عليم بما أ�نفقتم في �سبيله‪ ،‬يح�صيه لكم‪،‬‬

‫و�سيجزيكم عليه‪.‬‬

‫‪ ٢٦٩‬ي�ؤتي الله العلم النافع الذي ي�ؤدي ب�صاحبه �إلى‬

‫ح�سن الفهم و�إ�صابة الحق في القول والعمل َم ْن ي�شا ُء‬
‫ِم ْن عباده ‪ -‬و ِم ْن تلك الحكم ِة ما ذ َّك ْرناكم به في ا آليات‬
‫ال�سابقات‪ -‬و َم ْن ي�ُؤ َت هذا العل َم فقد ُ�أعطي عطاء‬
‫عظيم ًا‪ ،‬يجمع له خيري الدنيا والآخرة‪ ،‬وما ينتفع‬
‫بما ُذ ِك َر من المواعظ في ا آليات �إلا أ��صحا ُب العقول‬

‫ال�سليمة‪ ،‬البعيدة عن طغيان‪ ‬الأهواء‪.‬‬

‫‪ ٢٧٠‬و أ� ُّي �صدق ٍة ت�ص ّدقتم بها‪ ،‬أ�و نذ ٍر نذرتموه طاعة‬
‫لله‪ ،‬ف�إن الله يعل ُم ذلك كله‪ ،‬و�سيجزيكم عليه‪ ،‬والذين‬
‫يمنعون ح ّق الله‪ ،‬وينفقون �أموالهم في المعا�صي‪ ،‬لي�س‬

‫لهم َم ْن ين�صرهم يوم القيامة‪ ،‬ويدفع عنهم عقاب‪ ‬الله‪.‬‬

‫‪ ٢٧١‬إ� ْن ُتظ ِهروا ما َت َتطوعون به من ال�صدقات ‪ -‬من‬
‫غير رياء‪ -‬فهذا �أم ٌر ح�س ٌن‪ ،‬و�إن ُت ِ� ُّسوها عن النا�س‪،‬‬
‫وتعطوها الفقراء �سراً خ�شية الرياء واجتناب ًا لإحراجهم‬

‫فهو خير لكم‪ ،‬ويكفر الله ب�صدقاتكم بع�َض �سيئاتكم‪،‬‬

‫والله يعلم ما ُت�س ُّرون وما ُتعلنون من ال�صدقات وغيرها‪،‬‬
‫لا تخفى عليه نواياكم‪ ،‬و�سيوفيكم �أجوركم‪.‬‬

‫غير إ�لحاح‪ ،‬تع ُّفف ًا منهم‪ ،‬وما تبذلوا ِم ْن مال قلي ٍل أ�و كثي ٍر‬ ‫‪ ٢٧٢‬لي�س عليك ‪� -‬أيها الر�سول‪� -‬أن تجعل النا�س من‬
‫فلا يخفى على الله‪ ،‬و�سيجزيكم عليه‪.‬‬
‫الم�شركين وغيرهم مهتدين‪ ،‬و إ�نما عليك البلاغ‪ ،‬فالذي‬
‫‪ ٢٧٤‬الذين يبذلون �أموالهم في وجوه الخير ابتغاء‬
‫مر�ضاة الله في �أ ِّي وق ٍت ِم ْن لي ٍل �أو نها ٍر‪ ،‬وفي جميع‬ ‫بيده ذلك هو الله تعالى‪ ،‬يوفق َم ْن ي�شاء من خلقه �إلى‬
‫ا ألحوال �س ّراً وعلانية‪ ،‬فلهم ب�سبب ذلك الإنفاق‬ ‫ا إل�سلام‪ ،‬فلا تمنعوا الم�شركين وغيرهم �صدقة التطوع‪،‬‬
‫الثواب العظيم يوم القيامة‪ ،‬وقد ُأ� ِّمنوا فلا يخافون مما‬
‫ي�ستقبلون من أ�هوال في الآخرة‪ ،‬ولا يحزنون على ما‬ ‫وما تبذلونه أ�يها الم�ؤمنون من مال فثوا ُبه ألنف�سكم‪،‬‬
‫والم�ؤمنون إ�نما ينفقون طلب ًا لمر�ضاة الله وثوابه‪ ،‬لا لغر�ٍض‬
‫فاتهم من الدنيا‪.‬‬
‫�آخر‪ ،‬فلا تنفقوا �إلا ابتغا َء مر�ضاة الله‪ ،‬و�أ ُّي �شيء تبذلونه‬
‫‪٤٦‬‬ ‫من الخير بهذا الق�صد ي ؤ� َّد �إليكم ثوا ُبه تا ّم ًا م�ضاعف ًا‪،‬‬

‫و أ�نتم ال‪ُ  ‬ت ْن َق�وصن من ثواب نفقاتكم �شيئ ًا‪.‬‬

‫‪ ٢٧٣‬خير َم ْن تت�ص ّدقون عليه ‪� -‬أيها الم ؤ�منون‪ -‬الفقرا ُء‬
‫الذين حب�سوا �أنف�سهم على التع ُّل ِم والجها ِد في �سبيل الله‪،‬‬
‫قد منعهم الا�شتغا ُل بذلك عن التفرغ لل�سعي في ا ألر�ض‬

‫طلب ًا للمعا�ش ‪ -‬وهم فقراء المهاجرين الذين كانوا ي�أوون‬
‫�إلى ُ�ص ّفة م�سجد ر�سول الله ‪ -‬يظ ُّنهم َم ْن لم يعرف‬
‫حالهم أ�غنيا َء ل�صبرهم َو ْتر ِكهم الم�س أ�ل َة‪َ ،‬ت ْع ِر ُفهم ‪ -‬أ�يها‬
‫الناظر‪ -‬ب آ�ثار الحاجة فيهم‪ ،‬من ال�ضعف والإجهاد‬

‫ورثاثة الحال‪ ،‬لا ي�س أ�لون النا�س ال َب ّتة‪� ،‬س ؤ�ال �إلحاح �أو‬

‫‪� ٢٧٧‬إن الذين �ص ّدقوا بالله ور�سوله وبما جاء به من‬
‫عند ربهم‪ ،‬وعملوا ال�صالحات التي �أمرهم الله عز وجل‬

‫بها‪ ،‬و�أقاموا ال�صلاة المفرو�ضة بحدودها و أ�دوها تامة‪،‬‬

‫و أ�خرجوا الزكاة المفرو�ضة عليهم في �أموالهم‪ ،‬لهم ثوا ُب‬
‫ذلك عند ربهم‪ ،‬ولا خو ٌف عليهم من عقابه على ما‬

‫�سلف منهم في جاهليتهم وكفرهم قبل �أن تجيئهم موعظ ُة‬
‫ربهم‪ ،‬وال‪ُ  ‬ح ْز ٌن على ما فاتهم ِم ْن حظوظ دنياهم‪.‬‬

‫‪ ٢٧٨‬يا أ�يها الذين آ�منوا خافوا الله وا�ست�شعروا هيبته في‬

‫قلوبكم‪ ،‬واتركوا طل َب ما بقي لكم من الربا عند النا�س‬
‫إ�ن كنتم مح ّققين �إيمانكم قلا ًو وعمل ًا‪.‬‬

‫‪ ٢٧٩‬ف�إن لم َت ْر َتدعوا عما نهاكم الله عنه فتر َّقبوا حرب ًا‬ ‫‪ ٢٧٥‬الذين يتعاملون بالربا �أخذاً و إ�عطا ًء لا يقومون من‬
‫من الله ور�سوله‪ ،‬و�إن أ�نبتم �إلى ربكم وتركتم أ�كل الربا‬ ‫قبورهم يوم القيامة إ�لا كما يقوم الم�صرو ُع حا َل �صرعه‬
‫وتخ ُّب ِط ال�شيطان له؛ ذلك لأنهم اعتر�وضا على �أحكام‬
‫فلكم أ�خ ُذ ر�ؤو�س �أموالكم دون زيادة عليها ق ّلت �أو‬ ‫الله في �شرعه‪ ،‬فقالوا‪� :‬إنما البي ُع مث ُل الربا ‪ -‬في أ�ن كل ًا‬
‫كثرت‪ ،‬لا َت ْظ ِلمون غرماءكم ب�أخذ الزيادة‪ ،‬ولا ُتظلمون‬ ‫منهما حلا ٌل ويجوز التر ُّب ُح به‪ -‬فر ّد الله زعمهم وب ّي‬
‫أ�نه أ�ح ّل البي َع وح ّرم الربا‪ ،‬ف َم ْن َب َلغه أ�م ُر ربه بتحريم‬
‫�أنتم من ِق َب ِلهم بالمطل والنق�ص‪.‬‬ ‫الربا واهتدى به فله ما �أخذه من الربا قبل تحريمه‪ ،‬و�أم ُره‬
‫موكو ٌل �إلى الله فيما ي�ستقبل ع�صم ًة وتوفيق ًا‪ ،‬و َم ْن عاد‬
‫‪ ٢٨٠‬و إ� ْن كان الم ِدي ُن غير قادر على ال�سداد ل ُع�ْسته‬ ‫�إلى التعامل بالربا با�ستحلاله بعد تحريمه ف�أولئك يلازمون‬
‫ف�أمهلوه عند حلول دينه �إلى وقت ُي�ْ ِسه‪ ،‬و أ�ن ُتب ِّرئوه‬
‫من ر أ��س المال ك ِّله أ�و بع�ضه أ�ف�ض ُل لكم �إن كنتم تعلمون‬ ‫النار خالدين فيها‪.‬‬

‫ف�ضل ذلك‪.‬‬ ‫‪ُ ٢٧٦‬ين ِق�ُص الله الربا و ُيذهب بركة المال الداخل فيه‪،‬‬
‫ويزيد ما َل المت�صدق وي�ضاعف أ�جره فيه‪ ،‬والله لا يحب‬
‫‪ ٢٨١‬واحذروا ‪� -‬أيها النا�س‪ -‬يوم ًا ُتـ َر ّدون فيه �إلى الله‪،‬‬
‫فيجازى ك ُّل واحد منكم بما عمل من خير �أو �شر‪ ،‬دون‬ ‫ك َّل ُم ِ� ٍّص على الكفر بربه‪ ،‬مقيم عليه‪ ،‬م�ستح ّل لأكل‬
‫الربا‪ ،‬متما ٍد في ا إلثم والحرام‪.‬‬
‫�أن يناله ظل ٌم بنق�ص ح�سنة �أو زيادة �سيئة‪ ،‬فت�أهبوا يا عباد‬
‫الله لم�صيركم إ�ليه‪.‬‬ ‫‪٤٧‬‬

‫تتبادلونها يداً بيد دون ت أ�خير‪ ،‬فلا مانع في هذه الحالة‬ ‫‪ ٢٨٢‬يا أ�يها الذين آ�منوا إ�ذا كان لبع�ضكم َدين على‬
‫ِمن ترك الكتابة لعدم الحاجة إ�ليها‪ ،‬و�َأ�ش ِهدوا على تلك‬
‫بع�ض‪� ،‬أو تبايعتم بال َّدين إ�لى �أجل معلوم‪ ،‬فاكتبوا ذلك‬
‫التجارة وعلى بيعكم مطلق ًا دفع ًا للنزاع ‪ -‬وهذا �أمر‬
‫ال َّدين حفظ ًا للحقوق ودفع ًا للنزاع ‪ -‬والأمر بالكتابة‬
‫إ�ر�شاد لا وجوب عند جمهور العلماء‪ -‬و ْل َيـ َت َفا َد الدائ ُن‬
‫والمدين أ�ن ُيل ِحقا أ� َّي �ضرر بكاتب أ�و �شاهد‪� ،‬سواء أ�رادا‬ ‫هنا على �سبيل الا�ستحباب عند جمهور الفقهاء‪ -‬و ْل َي ُقم‬
‫به َح ْم َلهما على كتابة غير الحق �أو قول غير الحق‪� ،‬أو غير‬ ‫بالكتابة �شخ� ٌص أ�مي ٌن ماهر فيها‪ ،‬كتاب ًة بالحق من غير‬
‫ذلك‪ ،‬ف إ��ضرارهما خرو ٌج عن طاعة الله‪ ،‬واتقوا الله فيما‬ ‫زيادة ولا نق�صان ولا تقدي ِم �أج ٍل ولا ت أ�خير‪ ،‬وكما ع َّلم‬
‫�أمركم به ونهاكم عنه‪ ،‬و ُي َع ِّل ُمكم الله ما ُي ْ�ص ِل ُح به دنياكم‬
‫و�أخراكم‪ ،‬والله �سبحانه عالم بما ي�صلحكم‪ ،‬لا يخفى‬ ‫اللهُ الكات َب الكتابة وجعله ماهراً فيها فلا ينبغي أ�ن‬
‫يمتنع عن الكتابة �إذا ُد ِعي إ�ليها ‪ -‬و إ�نه لي أ�ثم إ�ن امتنع‬
‫عليه �أي �شيء ِم ْن أ�عمالكم‪.‬‬ ‫عن الكتابة‪ ،‬إ�ذا لم يوجد موثوق به فيها �سواه‪َ -‬ف ْل َي ْكتب‬
‫الكات ُب ال َّدين بالعدل كما ع ّلمه الله‪ ،‬وليتو ّل الم ِدي ُن‬
‫إ�ملا َء ما عليه من ال َّدين على الكاتب‪ ،‬وليتق الم ِدي ُن ر َّبه‬
‫ولا ينق�ص منه �شيئ ًا‪ ،‬ف إ�ن كان الم ِدين لا يح�سن ا إلملاء‪،‬‬

‫ب�أن كان �سفيه ًا‪ ،‬ب أ� ِّي نو ٍع من �أنواع ال�سفه التي تفيد‬

‫عد َم ُح�ْس ِن ت�صرفه في المال‪� ،‬أو �ضعيف ًا كال�صبي وال�شيخ‬
‫الكبير‪� ،‬أو لا ي�ستطيع الإملاء ‪ -‬لخر� ٍس‪� ،‬أو �ضعف نطق‪،‬‬

‫أ�و جه ٍل بلغ ِة الوثيقة �أو لا خبرة له ب�إملاء هذه المكاتبات‪،‬‬

‫�أو لعد ِم قدر ٍة على الح�وضر للإملاء �أو نحو ذلك‪َ -‬ف ْليقم‬

‫وليُّ المدين بالإملاء عنه بالعدل‪ ،‬و أ��شهدوا على ذلك‬
‫ال َّدين رجلين َع ْد َلين من الم�سلمين‪ ،‬زياد ًة للتوثق‪ ،‬ف�إن لم‬

‫يتي�سر لكم رجلان‪ ،‬ف أ��شهدوا رجل ًا وامر�أتين ممن تر�وضن‬

‫�شهادتهم لعدالتهم و�ضبطهم‪ ،‬خ�شي َة �أن تن�سى إ�حدى‬

‫المر أ�تين ف ُتذ ّك َر إ�حداهما ا ألخرى‪ ،‬ولا يمتنع ال�شهود عن‬
‫أ�داء ال�شهادة وتح ُّم ِلها متى ُدعوا �إليها‪ ،‬حتى ال‪ ‬ت�ضيع‬
‫الحقوق‪ ،‬ولا َ َت ُّلوا من كتابة ال َّدين �إلى الوقت المح ّدد‬
‫له �سواء أ�كان هذا الدين كبيراً �أم �صغيراً ‪ ،‬فكتابته أَ� ْع َد ُل‬
‫في �شريعة الله‪ ،‬و َأ� ْقو ُم في الدلالة على �وصاب ال�شهادة‪،‬‬
‫و�َأ ْقرب �إلى عدم ح�وصل ريبة‪ ،‬و إ�لى زوالها إ�ن ح�صلت‪،‬‬

‫�إلا �إذا كان التعام ُل على �سبيل التجارة الحا�ضرة‪ ،‬التي‬

‫‪٤٨‬‬

‫فيغفر لمن ي�شاء ويعذب من ي�شاء‪ ،‬وهو تعالى على كل‬ ‫‪ ٢٨٣‬و إ�ن كنتم م�سافرين وتداينتم ولم تجدوا كاتب ًا‬

‫�شيء قدير‪.‬‬ ‫يكتب لكم‪ ،‬وكذا �إن لم تجدوا �أدوات كتابة‪ ،‬فليكن‬

‫‪� ٢٨٥‬ص َّد َق و أ�يق َن ر�سو ُل الله محم ٌد ‪ - -‬بما‬ ‫َب َد َل الكتابة َر ْه ٌن ُيدفع ل�صاحب الحق �ضمان ًا لحقه عند‬
‫�أوحي �إليه من ربه من الكتاب‪ ،‬و�ص ّدق الم�ؤمنون أ�ي�ض ًا‬ ‫تع ُّذر أ�خذه من الم ِدين‪ ،‬ف�إن َو ِث َق الدائن بالم ِدين فداينه بلا‬
‫رهن‪ ،‬فلي�ؤد المدي ُن دينه الذي ا ؤ�تمن عليه �أدا ًء ح�سن ًا من‬
‫مع نبيهم بالله وملائكته وكتبه ور�سله‪ ،‬وهم لا يفرقون‬ ‫غير �إنكار �أو مماطلة‪َ ،‬و ْلي ّتق‪ ‬اللهَر َّبه في حقوق غيره‪ ،‬ولا‬
‫بين �أح ٍد من ر�سله‪ ،‬وي ؤ�منون بهم جميع ًا‪ ،‬فلا ي ؤ�منون‬ ‫تمتنعوا �أيها ال�شهود عن �أداء ال�شهادة التي تحملتموها إ�ذا‬

‫ببع�ض ويكفرون ببع�ض‪ ،‬و�أ َّكدوا �إيما َنهم القلب َّي بقولهم‬ ‫ُدعيتم إ�ليها‪ ،‬و َمن يمتنع عن أ�دائها‪ ،‬ف إ� َّن قلبه آ�ثم ‪� -‬إذ إ�نه‬
‫الل�ساني م َّتجهين �إلى الله تعالى في خطابهم قائلين‪ :‬ر َّبنا‬ ‫لم َي ْح ِم ْله على الكتمان إ�لا ما في قلبه من �إثم وف�ساد‪-‬‬
‫�سمعنا تنزيلك المح َكم‪ ،‬وا�ستجبنا لما فيه‪ ،‬فامنحنا اللهم‬
‫والله عليم بكل أ�عمالكم و�سيجازيكم بها‪.‬‬
‫مغفرتك‪� ،‬إليك وح َدك الم�صير والمرجع‪.‬‬

‫‪ ٢٨٦‬إ�ن الله لا يك ِّلف نف�س ًا ف َي َتع ّبدها �إلا بما َي َ�سعها‪،‬‬
‫فلا ُي�ض ِّيق عليها ولا ُي ْجهدها‪ .‬لك ِّل نف� ٍس ما عمل ْت من‬
‫خير‪ ،‬وعليها ما عمل ْت من �شر‪ ،‬فا�ضرعوا إ�لى الله أ�يها‬
‫الم�ؤمنون داعين‪ :‬ر َّبنا لا تعاقبنا إ�ن ن�سينا �شيئ ًا مما افتر�ضته‬
‫علينا �أو أ�خط�أنا في فعل �شيء نهيتنا عن فعله‪ ،‬ر َّبنا ولا‬
‫ت�ش ّدد علينا في الت�شريع كما �ش ّدد َت على َم ْن قب َلنا ِمن‬
‫أ�هل الكتاب‪ ،‬ر ّبنا ولا ُتك ّلفنا من ا ألعمال ما لا ُنطيق‬
‫القيام به لثقل ِح ْم ِله علينا‪ ،‬واع ُف عنا بكرمك‪ ،‬واغفر‬
‫لنا بف�ضلك‪ ،‬وارحمنا برحمتك الوا�سعة‪� ،‬إنك ملاونا‬

‫ومال ُك أ�مرنا؛ فان�صرنا يا ر ّب على القوم الكافرين‬
‫و�أعداء الله الجاحدين‪.‬‬

‫‪ ٢٨٤‬واعلموا أ�ن لله ما في ال�سماوات وا ألر�ض ملك ًا‬
‫وتدبيراً و إ�حاط ًة‪ ،‬و�سواء �أ ْظهرتم ما في �أنف�سكم �أو‬
‫�أخفيتموه؛ ف�إن الله يعلمه و�سيحا�سبكم به يوم القيامة؛‬

‫‪٤٩‬‬

‫هذا المت�شابه إ�لا الله‪ .‬و أ� ّما العلماء الرا�سخون المتمكنون‬ ‫‪} ١‬ﭑ{‪� :‬سبق الكلام على هذه الحروف‬
‫في العلم‪ ،‬فيقولون‪ :‬آ�منا بالمت�شابه‪ ،‬و َن ِك ُل معرف َة حقيقة‬ ‫الـ ُمق َّطعة في �أول �سورة البقرة‪.‬‬
‫معناه إ�لى الله‪ُ ،‬ك ٌّل من المح َكم والمت�شابه ح ٌّق و�صد ٌق من‬
‫عند ربنا‪ ،‬وير ُّدون فهم المت�شابه �إلى الم ْح َكم‪ ،‬وما يدرك‬ ‫‪ ٢‬الله‪ ،‬هو ا إلله الذي لا معبو َد بح ٍّق �إلا هو‪ ،‬الح ُّي‬
‫هذه الحقائق الدينية وي َّتعظ بمواعظ القر آ�ن وهديه‪� ،‬إلا‬ ‫الذي ال‪ ‬يموت‪ ،‬القائم ب أ�مر كل �شيء يكل ؤ�ه ويحفظه‬

‫أ��صحاب العقول ال�سليمة‪ ،‬البعيد ِة عن الأهواء‪.‬‬ ‫ويدبر‪� ‬أمره‪.‬‬
‫‪ ٨‬ويقول ه ؤ�لاء العلماء الرا�سخون‪ :‬ر ّبنا لا ُت ِزغ‬
‫قلوبنا عن الحق والهدى بعد إ�ذ وفقتنا وهديتنا �إليه‪،‬‬ ‫‪ ٣‬ن ّزل الله عليك ‪� -‬أيها الر�سول‪ -‬القر�آن بالحق‬
‫و َه ْب لنا منك رحم ًة وتوفيق ًا تث ِّبت بهما قلوبنا على‬ ‫الذي لا ريب فيه‪ ،‬م�صدق ًا لما قب َله من الكت ِب المنزلة‪ ،‬وقد‬
‫الحق‪ ،‬وتع�صمنا بهما عن اتباع الهوى‪ ،‬إ�نك �أنت‬ ‫�أنزل الله من قبله التوراة على مو�سى ‪ -‬عليه ال�سلام‪-‬‬

‫الوا�سع الف�ضل‪ ،‬المعطي بلا‪� ‬س�ؤال ولا ح�ساب‪.‬‬ ‫والإنجيل على عي�سى ‪ -‬عليه ال�سلام‪.-‬‬
‫‪ ٩‬ويقولون‪ :‬ر ّبنا �إننا نعلم �أنك جامع النا�س جميع ًا‬
‫‪ -‬كما َو َع ْد َت‪ -‬للح�ساب والجزاء يوم القيامة‪ ،‬الذي‬ ‫‪� ٤‬أنز َلهما من قب ِل نزول القر�آن‪ ،‬لهداية النا�س‪ ،‬فلما‬
‫هو ح ٌّق لا �ش َّك في وقوعه‪ ،‬فهب لنا فيه رحمة وف�ضل ًا‪،‬‬ ‫انحرفوا �أنزل القر آ� َن فارق ًا بين الحق والباطل‪ ،‬والذين‬
‫جحدوا آ�يا ِت الله المنزلة لهم عذا ٌب عظي ٌم‪ ،‬والله عزي ٌز‬
‫�إنك لا تخلف الميعاد‬
‫ال‪ُ  ‬ي َغا َلب‪ ،‬ذو انتقام ممن جحد ُحججه‪ ‬و�أدلته‪.‬‬
‫‪٥٠‬‬
‫‪ ٥‬إ� ّن الله محي ٌط عل ُمه بالخلائق‪ ،‬لا يخفى عليه �شيء‬
‫في الأر�ض ولا في ال�سماء‪� ،‬صغيراً كان �أو كبيراً‪ ،‬ظاهراً‬

‫�أو باطن ًا‪.‬‬

‫‪ ٦‬هو وح َده الذي ي�و ّصركم جميع ًا في �أرحام‬
‫أ�مهاتكم كما ي�شاء‪ِ ،‬من ذك ٍر و�أنثى‪ ،‬و َح َ�س ٍن وقبيح‪،‬‬
‫و�شقي و�سعيد‪ ،‬لا معبو َد بح ٍّق �سواه‪ ،‬العزي ُز الذي لا‬

‫ُيغا َلب‪ ،‬الحكي ُم في �أمره وتدبيره‪.‬‬

‫‪ ٧‬وهو تعالى الذي �أنزل عليك ‪� -‬أيها الر�سول‪-‬‬
‫القر�آن‪ :‬منه �آيات وا�ضحات الدلالة‪ ،‬لا التبا�س فيها ولا‬
‫ا�شتباه‪ ،‬هن أ��صل الكتاب الذي ُيرجع �إليه عند الا�شتباه‪.‬‬
‫ومنه �آيا ٌت �ُأ َخر غير وا�ضحة الدلالة‪ ،‬ي�شتبه معناها‪� ،‬أو‬
‫يتبادر من ظاهرها غير المراد بها ولا ُيعرف المرا ُد منها‪،‬‬
‫إ�لا بر ِّدها إ�لى الم ْح َك ِم الوا�ضح من ا آليات؛ ف أ�ما الذين‬
‫في قلوبهم َمي ٌل عن الحق إ�لى الأهواء الباطلة‪ ،‬فيتعلقون‬
‫بظاهر المت�شا ِبه من الكتاب ويتركون الم ْح َك َم؛ طلب ًا لفتنة‬
‫الم ؤ�منين عن دينهم‪ ،‬بالت�شكيك والتلبي�س‪ ،‬وطلب ًا لت�أويله‬
‫على ح�سب أ�هوائهم الفا�سدة‪ ،‬ولا يعلم حقيقة ت�أويل‬

‫و ِلـ َمن على �شاكتلهم من الكفار‪� :‬س ُتغ َلبون في الدنيا‪،‬‬ ‫‪� ١٠‬إ ّن الذين جحدوا الح َّق الذي عرفوه من نبوة‬
‫وتح�شرون في الآخرة �إلى نار جهنم؛ فتدخلونها لتكون‬ ‫محمد ‪ - -‬لن ُتنجيهم �أموالهم ولا �أولادهم من‬
‫عقوبة الله �إن �أح ّلها بهم‪ ،‬عاجل ًا في الدنيا أ�و �آجل ًا‬
‫لكم فرا�ش ًا‪ ،‬وبئ�س الفرا�ش هي‪.‬‬ ‫في ا آلخرة‪ ،‬فتدفعها عنهم‪ ،‬وه�ؤلاء هم َح َطب النار‬

‫‪ ١٣‬قد كان لكم �أيها اليهود آ�ي ٌة دال ٌة على �أن الله مع ٌّز‬ ‫يوم‪ ‬القيامة‪.‬‬
‫دي َنه‪ ،‬ونا�صرٌ ر�سو َله‪ ،‬وهي ما كان يوم بد ٍر حين التقت‬
‫طائفة من الم�ؤمنين يقاتلون ل ُن ْ�صة دين الله‪ ،‬وطائفة‬ ‫‪ ١١‬إ� ّن حال ه ؤ�لاء الكافرين الذين جحدوا الح َّق‬
‫�أخرى من الكفار تقاتل ا�ستعلا ًء وا�ستكباراً‪ ،‬وهم كفار‬ ‫‪ -‬في تكذيبهم وا�ستحقاقهم العذاب‪ -‬كحال آ�ل فرعون‬
‫قري�ش‪ ،‬فكان من ت أ�ييد الله للم�سلمين أ�ن ر آ�هم الم�شركون‬ ‫والذين ِم ْن قبلهم كعاد وثمود وغيرهم‪ ،‬ك ّذبوا ب آ�ياتنا مع‬
‫ِ�ض ْع َفي عددهم؛ ر ؤ�ي ًة ظاهر ًَة‪ ،‬والله يق ِّوي بن�صره َم ْن‬ ‫و�وضحها‪ ،‬ف أ�هلكناهم ب�سبب تكذيبهم وذنوبهم‪ ،‬والله‬
‫ي�شاء‪� ،‬إن في ذلك الت أ�ييد من الله للم�ؤمنين ون�صره لهم‬
‫�شديد العقاب لمن كفر به وك ّذب ر�سله‪.‬‬
‫لعبر ًة عظيمة لمن له ب�صيرة وفهم‪.‬‬
‫‪ ١٢‬قل يا ر�سول الله له�ؤلاء اليهود الذين ك ّذبوك‬
‫‪ُ ١٤‬ج ِب َل النا� ُس على حب ال�شهوات‪ ،‬و ِم ْن َ�أ ْظ َه ِر ما‬ ‫وعادوك‪ ،‬وغ َّرتهم ق ّوتهم فلم يعتبروا بما حدث لغيرهم‪،‬‬
‫ُجبلوا على ُحبه منها‪ :‬الن�ساء‪ ،‬والبنون‪ ،‬والمال الكثير من‬
‫الذهب والف�ضة‪ ،‬والخيل الح�سان‪ ،‬المع َّلمات بعلامات‬

‫الح�سن كال ُغ َّرة والتحجيل‪ ،‬و ُجبلوا على ُح ِّب ا ألنعام‬
‫من البقر والإبل والغنم‪ ،‬وح ِّب الزروع والثمار‪ .‬ذلك‬
‫متاع الحياة الدنيا‪ ،‬والذي ِم ْن �ش أ�نه أ�ن يزول ويفنى‪ ،‬والله‬

‫عنده المقام الكريم والثواب الدائم العظيم في‪ ‬الآخرة‪.‬‬

‫‪ ١٥‬قل يا ر�سول الله للنا�س‪َ :‬أ� ُؤ�خبركم بخير من‬
‫هذه المتع واللذائذ الدنيوية الفانية؟ خير منها ما �أع ّده‬
‫الله تعالى في الآخرة لمن خافه و�أطاعه فيما �أمر ونهى‪،‬‬

‫فقد أ�ع َّد لهم فيها ب�ساتين تجري من تحت ق�وصرها‬
‫و�أ�شجارها الأنهار‪ ،‬خالدين فيها‪ ،‬ولهم فيها زوجات‬
‫ُم َط ّهرات من كل َد َن� ٍس وعيب‪ ،‬ويكرمهم الله بر�وضانه‪،‬‬
‫الذي هو أ�كبر نعيم‪ ،‬والله ب�صير ب�سرائر عباده و أ�حوالهم‪،‬‬

‫يجازي الم�سيء ب إ��ساءته والمح�سن ب�إح�سانه‪.‬‬

‫‪٥١‬‬

‫والن�صارى ولم�شركي العرب‪ :‬قد تب َّي لكم الحق‪ ،‬فهل‬ ‫‪ ١٦‬ه�ؤلاء المتقون الطائعون الذين أ�ع َّد الله لهم هذا‬
‫أ��سلمتم لله وحده كما �َأ�ْس َل ْم ُت؟ ف إ�ن �أ�سلموا لله وفعلوا ما‬ ‫النعيم‪ ،‬يت�ضرعون �إلى الله طالبين منه المغفرة قائلين‪ :‬ربنا‬
‫يقت�ضي ذلك وهو ا ّتبا ُعك على دينك‪ ،‬فقد اهتدوا �إلى‬ ‫إ�ننا �آمنا بك و�ص ّدقنا ر�سولك‪ ،‬فاغفر لنا ذنوبنا‪ ،‬و ِقنا‬
‫الر�شاد‪ ،‬و�إن �أعر�وضا‪ ،‬فما عليك ‪ -‬يا محمد‪� -‬إلا تبليغ‬
‫الر�سالة‪ ،‬وقد ب ّلغ َتهم‪ ،‬فلا ي�ضرك عنا ُدهم‪ ،‬والله م ّطلع‬ ‫عذاب النار‪.‬‬

‫على عباده‪ ،‬و�سيجزيهم على �أعمالهم‪.‬‬ ‫‪ ١٧‬وهم ال�صابرون على أ�داء الطاعات وترك‬
‫المعا�صي‪ ،‬وعلى الـ ِمحن وال�شدائد‪ ،‬وال�صادقون في‬
‫‪� ٢١‬إ َّن الذين يجحدون �آيات الله الدالة على توحيده‬ ‫�أقوالهم ونياتهم‪ ،‬الخا�ضعون لله الملازمون لعبادته‬
‫و ِ�ص ْدق أ�نبيائه‪ ،‬ويقتلون ا ألنبياء‪ ،‬ظلم ًا وبغي ًا بغير ح ٍّق‪،‬‬ ‫وطاعته‪ ،‬المنفقون من �أموالهم في وجوه الطاعات‬
‫ويقتلون الم�صلحين الذين ي�أمرونهم بالعدل في ح ِّق الله‬ ‫وال ُق ُربات التي �َأ ِذ َن الله بها‪ ،‬القائمون لله �آخر الليل‬

‫وح ِّق النا�س‪ ،‬فب�شرهم بعذاب ُم ْو ِجع ُمهين‪.‬‬ ‫ي�س�ألونه المغفرة‪.‬‬

‫‪ ٢٢‬ه�ؤلاء المو�وصفون بتلك ال�صفات القبيحة ب َط َلت‬ ‫‪� ١٨‬شهد اللهُ‪ -‬وكفى به �شهيداً‪ -‬أ�نه المتف ِّرد با أللوهية‪،‬‬
‫�أعما ُل الخير التي عملوها‪ ،‬فلا ينتفعون بثوابها في‬ ‫و�أن جميع َم ْن �سواه عبي ٌد له‪ ،‬و�أنه قائم على �ش�ؤون خلقه‬
‫وجميع �أمره بالعدل‪ ،‬و�أقرت بذلك الملائكة‪ ،‬وا ألنبياء‬
‫الآخرة‪ ،‬ولا ب�آثارها الط ّيبة في الدنيا‪ ،‬ولي�س لهم نا�صر‬ ‫والعلماء‪ .‬لا إ�له �إلا هو‪ ،‬له العزة الكاملة‪ ،‬فلا ُيغا َلب ولا‬
‫ين�صرهم ِم ْن عذاب الله الذي �َأنذرهم به‪.‬‬
‫ُي�شا َرك‪ ،‬وله الحكمة التامة في خلقه وجميع‪� ‬أمره‪.‬‬

‫‪ ١٩‬إ� ّن الدين الح َّق عند الله‪ ،‬والذي لا يقبل �سواه‪ ،‬هو‬
‫ا إل�سلام ‪ -‬وهو ا إلقرار بتوحيد الله‪ ،‬والخ�وضع له واتباع‬
‫�شريعة ُر�ُس ِله ك ٌّل في زمنه‪ ،‬إ�لى أ�ن ُختموا بمحمد ‪-‬‬
‫وما اختلف �أهل الكتاب من اليهود والن�صارى‪ ،‬في �أمر‬
‫دينهم فكانوا �أ�شياع ًا و�أحزاب ًا وتعا َدوا فيما بينهم‪ ،‬ل ُ�شبه ٍة‬
‫ولكن بعدما عرفوا الحق‪ ،‬وقامت عليهم الحجج‪ ،‬وذلك‬
‫ب�سبب الح�سد وطلب الريا�سة والجاه فيما بينهم‪ ،‬و َم ْن‬
‫يكف ْر ب�آيات الله الدالة على توحيده‪ ،‬ف�إن الله يجازيه‬

‫على كفره عن قري ٍب‪ ،‬ف إ�نه تعالى �سريع الح�ساب‪.‬‬

‫‪ ٢٠‬ف�إ ْن جادلك ‪ -‬يا محمد‪ -‬الن�صارى في أ�مر عي�سى‬
‫عليه ال�سلام‪ ،‬وخا�صموك فيه بالباطل بعد أ�ن ب َّي ّنا لهم‬
‫الحق‪ ،‬فلا تجادلهم‪ ،‬وقل‪� :‬أخل�ص ُت عبادتي لله وحده‪،‬‬
‫لا �شريك له ولا ولد‪ ،‬وا ْن َقد ُت له أ�نا و َمن ا ّت َبعني على‬
‫ديني‪ .‬وقل ‪ -‬يا محمد‪ -‬للذين �أوتوا الكتاب من اليهود‬

‫‪٥٢‬‬

‫و أَ� َخ َذ ك ُّل واح ٍد جزا َء ما اكت�سب‪ ،‬وهم لا يظلمون؟‬

‫‪ُ ٢٦‬قل ‪ -‬أ�يها النبي‪ :-‬يا أ�لله يا مال َك الـ ُمل ِك‪،‬‬
‫يا َم ْن له ُملك الدنيا والآخرة‪ ،‬تعطي الملك َم ْن ت�شاء‬
‫ِم ْن عبادك‪ ،‬ب�أن تم ِّلكه و ُت�س ِّلطه على َم ْن ت�شاء‪ ،‬وت�س ُلب‬
‫الملك ممن ت�شاء أ�ن ت�س ُلبه منه‪ ،‬و ُتع ُّز من ت�شاء ب إ�عطائه‬
‫الملك وال�سلطان‪ ،‬و ُتذ ُّل من ت�شاء ب�سلب ملكه وت�سليط‬
‫عد ّوه عليه‪ ،‬ك ُّل ذلك بيدك و إ�ليك‪ ،‬لا �إلى غيرك‪ ،‬لا‬

‫يقدر على ذلك غي ُرك‪.‬‬

‫‪ُ ٢٧‬تدخل ما َن َق�ص َت ِم ْن وقت الليل في وقت‬
‫الونحب َّاي ٍتم‪.‬ن‪..‬الم ِّيمنت بخمالاييتاجحدَّيةد‬ ‫و ُتخرج‬ ‫النهار‪ ،‬وبالعك�س‪،‬‬
‫وحيوا ٍن‬ ‫في الح ِّي ِم ْن �إن�سا ٍن‬

‫أ��ص ُلها مادة لا حياة فيها‪ .‬و ُتخرج الـم ِّيت ِمن الح ِّي بما‬
‫يتح ّلل ِمن خلاياه الح ّية‪ .‬وهذا في دورة الحياة بالن�سبة‬
‫لماكد ُّتله اكلاـئمنِّيت ُةحفٍّيي تفيك أ�وثينانءححييااٍةته؛ج فد�إيذدا ٍةمفايتكاتئحن َّلا ٍلتوأ�دخخرلىْت‪.‬‬
‫و َتـ ُجو ُد على َم ْن ت�شاء ِم ْن خلقك بغير محا�سبة لمن‬
‫�أعطيته؛ ألن خزائنك لا َتنق�ص‪.‬‬ ‫‪ ٢٣‬أ� َل َت ْع َجب ‪ -‬أ�يها الر�سول‪ -‬من حال اليهود‪،‬‬
‫الذين نالوا ح ّظ ًا وافراً من التوراة؟ ُيط َلب منهم �أن‬
‫‪ ٢٨‬لا ت َّتخذوا ‪� -‬أيها الم�ؤمنون‪ -‬الكفا َر �أعوان ًا‬ ‫يتحاكموا �إلى التوراة‪ ،‬المنزلة من عند الله‪ ،‬لتحكم‬
‫و�أن�صاراً‪ ،‬توالونهم في دينهم و َت ُد ُّلونهم على عورات‬ ‫بينهم فيما تنازعوا فيه‪ ،‬ثم ُي ْع ِر�ض فري ٌق منهم عن‬
‫الم�سلمين‪ ،‬و َم ْن يتخذ الكافرين �أولياء ويترك ولاية‬ ‫قبول حكم الله‪ ،‬وهم قو ٌم طبيعتهم الإعرا�ُض عن‬
‫الم�ؤمنين‪ ،‬فقد ب ِر َئ من الل ِه وب ِر َئ اللهُ منه‪ ،‬إ�لا أ�ن تخافوا‬
‫منهم مخاف ًة؛ فتظهروا لهم ال َولاية ب أ�ل�سنتكم؛ وت�ضمروا‬ ‫الحق‪ ،‬وا إل�صرا ُر على الباطل‪.‬‬
‫لهم العداوة بقلوبكم‪ ،‬ويخ ِّوفكم الله من نف�سه؛ �أن‬
‫ترتكبوا معا�صيه �أو توالوا �أعداءه‪� ،‬إلى الله مرجعكم‬ ‫‪ ٢٤‬ذلك ا إلعرا�ُض عن ُح ْكم التوراة وما فيها‬
‫من الحق؛ من �أجل قولهم‪ :‬لن تم�َّسنا النا ُر إ�لا �أيام ًا‬
‫وم�صيركم بعد مماتكم‪ ،‬فيحا�سبكم على أ�عمالكم‬ ‫معدودات ‪ -‬وهي الأيام الأربعون التي عبدوا فيها‬
‫العجل‪ -‬ثم يخرجنا منها ربنا؛ اغتراراً منهم با ِّدعائهم‬
‫‪ ٢٩‬قل ‪ -‬أ�يها النبي‪ -‬للذين �أمر َتهم أ� َّل ي َّتخذوا‬
‫الكافرين �أولياء ِم ْن دون الم ؤ�منين‪ :‬إ� ْن تكتموا ما ا�ستق َّر‬ ‫أ�نهم �أبنا ُء الله و أ�حبا�ؤه‪.‬‬
‫في قلوبكم ِم ْن موالاة الكافرين و ُن�صرتهم‪ ،‬أ�و ُتظهروا‬
‫ذلك؛ لا ي ْخ َف منه على الله �شيء؛ ف�إن علمه تعالى‬ ‫‪ ٢٥‬ف�أ ّي حا ٍل يكون حال ه�ؤلاء القو ِم الذين قالوا‬
‫محي ٌط بكل ما في ال�سماوات وما في ا ألر�ض‪ ،‬والله قاد ٌر‬ ‫هذا القو َل‪ ،‬وف َعلوا ما ف َعلوا‪ ،‬من إ� ْعرا�ضهم عن كتاب‬
‫الله‪ ،‬واغ ِتارهم بر ِّبهم‪ ،‬وافترائهم الكذ َب إ�ذا ح�شرناهم‬
‫أ�ن ُيعاجلكم بالعقوبة على موالاتكم الكافرين‪.‬‬ ‫وجمعناهم ليو ٍم لا �ش َّك في وقوعه‪ ،‬وهو يوم القيامة‪،‬‬

‫‪٥٣‬‬

‫‪ ٣٠‬و ُيح ِّذركم الله نف َ�سه‪ ،‬يو َم تجد ك ُّل نف� ٍس ما عملته‬
‫من خير حا�ضراً مـو َّفـراً‪ ،‬والذي عملته من �سوء‪ ،‬تو ُّد لو‬
‫�أ ّن بينها وبينه غاي ًة بعيدة‪ ،‬ويخ ِّوفكم الله �سخ َطه وعقا َبه‪،‬‬
‫و ِم ْن ر�أفته ورحمته لكم َأ� ْن ح َّذركم من موالاة �أعدائه‪.‬‬

‫‪ ٣١‬قل ‪� -‬أيها الر�سول‪� :-‬إن كنتم كما تزعمون‬

‫تحبون الله‪ ،‬و أ�نكم تع ِّظمون الم�سيح حب ًا منكم لر ّبكم؛‬
‫فحققوا قولكم باتباعي ‪ -‬ف إ�ن ذلك علام ُة ِ�ص ْد ِقكم في‬

‫محبتكم لله‪ُ -‬يحببكم الله وي�صفح و َيع ُف عما م�ضى من‬
‫ذنوبكم‪ ،‬والله غفور لذنوب عباده‪ ،‬رحيم بهم‪.‬‬

‫‪ ٣٢‬قل ‪ -‬أ�يها الر�سول‪ :-‬أ�طيعوا الله ور�سو َله محمداً‪،‬‬

‫ف إ�ن أ�عر�وضا عما دعوتهم إ�ليه‪ ،‬ف�أ ِعل ْمهم �أن‪ ‬الله ال‪ ‬يحب‬
‫الجاحد للحق‪ ،‬بعد معرفته له‪.‬‬

‫‪ -‬والله عليم بما ولد ْت‪ -‬ث ّم قالت‪ :‬ولي�س الذكر الذي‬ ‫‪ ٣٣‬إ� ّن الله اختار آ�دم ونوح ًا‪ ،‬واختار الم ؤ�منين من �آل‬
‫كنت أ�رجوه لخدمة بيتك المق ّد�س كا ألنثى في ذلك‪،‬‬ ‫�إبراهيم و�آل عمران‪َ ،‬ف َّ�ض َل كل ًا منهم على �أهل زمانه‬
‫و إ�ني �سميت هذه المولودة مريم‪ ،‬و إ�ني ُأ�جيرها و�أح ِّ�صنها‬
‫بك يا ر ّب هي و�أولادها ِم ْن �شر ال�شيطان الذي يقذف‬ ‫لدينهم الذي كانوا عليه وهو دين الإ�سلام‪.‬‬

‫بال�شر والو�سو�سة في قلوب بني آ�دم‪.‬‬ ‫‪ ٣٤‬ذ ِّري ًة بع�ضهم ِم ْن بع�ض في ال�صلاح والدين‪،‬‬
‫والإخلا�ص والتوحيد لله‪ ،‬والله �سمي ٌع ألقوال العباد‬
‫‪ ٣٧‬ت َّقبل اللهُ مري َم ِم ْن أ�مها لخدمة بيت المقد�س قبلا ًو‬
‫ح�سن ًا‪ ،‬و أ�نبتها ر ُّبها حتى �صارت بالغ ًة كاملة‪ ،‬و�ض َّمها‬ ‫عليم‪ ‬ب�أفعالهم‪.‬‬
‫الله �إلى زكريا ‪ -‬عليه ال�سلام‪ -‬ليتكفل بتربيتها‪ .‬كلما‬
‫دخل زكريا على مجل�سها وم�لّصها وجد عندها‬ ‫‪ ٣٥‬اذك ْر ‪� -‬أيها الر�سول‪ -‬لقومك‪ ،‬حين قالت زوجة‬
‫طعام ًا‪ ،‬فقال لها‪ :‬من أ�ين لك هذا الرزق؟ قالت‪ :‬رز ٌق‬ ‫العبد ال�صالح عمران ‪ -‬وهي �أم مريم جدة عي�سى عليه‬
‫�ساقه الله �إليَّ‪ ،‬إ�ن الله ي�سوق الرزق لمن ي�شاء من خلقه‬ ‫ال�سلام‪� -‬إني جعل ُت لك يا ر ِّب الذي في بطني نذراً‬
‫مح َّرراً‪� ،‬أي‪ :‬خال�ص ًا ِم ْن �وشاغل الدنيا لخدمة بيتك‬
‫بغير إ�ح�صا ٍء ولا عد ٍد‪.‬‬ ‫المقد�س‪ ،‬فتق َّب ْل مني ما نذر ُت لك �إنك �أنت ال�سميع‬

‫‪٥٤‬‬ ‫لدعائي‪ ،‬العليم بنيتي‪.‬‬

‫‪ ٣٦‬فل ّما ولد ْت‪ ،‬قالت على وجه التح�ُّس والاعتذار‪:‬‬
‫يا ر ِّب �إنها �أنثى! �أي لا ت�صلح للخدمة في بيت الـ َمقد�س‬

‫يخلق ولداً من ال َّرجل الكبير الذي يئ�س من الولد‪ ،‬ومن‬
‫العاقر التي ال‪ ‬تلد‪ ،‬كما خلقك من قب ُل ولم تك �شيئ ًا‪.‬‬

‫‪ ٤١‬قال زكريا عليه ال�سلام‪ :‬يا ر ّب اجعل لي علامة‪،‬‬
‫أ�عرف بها َح ْم َل زوجتي‪ ،‬قال‪ :‬علامتك �أن لا َت ْق ِد َر‬
‫على كلام النا�س إ�لا با إل�شارة‪ ،‬ثلاثة أ�يام من غير َخ َر� ٍس‬
‫ولا عاه ٍة ولا مر�ٍض‪ .‬ثم �أمره الله بكثرة الذكر وال�شكر‬
‫والت�سبيح في تلك الأيام من حين الزوال �إلى الغروب‪،‬‬

‫ومن طلوع الفجر �إلى ال�ضحى‪.‬‬

‫‪ ٤٢‬واذكر ‪ -‬أ�يها الر�سول‪ -‬وقت قول الملائكة لمريم‪:‬‬

‫إ�ن الله ا ْختار ِك وا ْجتبا ِك لطاعته وما خ َّ�ص ِك به من‬
‫كرامته‪ ،‬وط َّهرك من ال ِّر َيب وا ألدنا�س‪ ،‬واختارك على‬

‫ن�ساء العالمين في زمانك‪ ،‬فف َّ�ضلك عليهم‪.‬‬

‫‪ ٤٣‬يا مري ُم �أ ْخل�صي عباد َة ر ِّبك‪ ،‬واخ�شعي لطاعته‬ ‫‪ ٣٨‬لـ ّما ر�أى زكريا ما ر�أى عن َد مريم من رزق الله‬
‫وعبادته‪ ،‬مع َم ْن خ�شع له ِم ْن خلقه‪� ،‬شكراً له على‬ ‫الذي يرزقها‪ ،‬فعند ذلك دعا ر ّبه‪ ،‬ورجا �أن يرزقه من‬
‫امر أ�ته العاقر‪ ،‬مع ِك َب ِ�س َّنه ولداً‪ ،‬فقال‪ :‬يا ر ّب ارزقني‬
‫الا�صطفاء‪ ‬والتف�ضيل‪.‬‬
‫من عندك ولداً مبارك ًا‪� ،‬إنك ت�سمع دعاء َم ْن دعاك‪.‬‬
‫‪ ٤٤‬هذه الأخبار التي ق�ص�صناها عليك ‪� -‬أيها‬
‫الر�سول‪ -‬هي ِم ْن أ�خبار الغيب التي لم ت َّطلع عليها‬ ‫‪ ٣٩‬فنادته الملائكة في حال قيامه م�صلي ًا في محرابه‪:‬‬
‫�أنت ولا قومك‪ ،‬وما كنت عندهم حين اقترعوا على‬
‫�أن الله يخبرك بما ي�سرك‪ ،‬وهو هبته لك ولداً ي�س َّمى‬
‫َم ْن يكفل مريم‪ ،‬وما كن َت عندهم حين اخت�صموا فيها‬ ‫يحيى‪ ،‬م�ص ِّدق ًا بعي�سى ‪ -‬عليه ال�سلام‪ -‬و�شريف ًا في قومه‬
‫أ�يهم �أح ُّق بها و�أولى‪ .‬والغر�ُض بيا ُن �أن هذه ا ألخبار‪،‬‬ ‫في عبادته وحلمه وورعه‪ ،‬وعفيف ًا يحب�س نف�سه عن‬
‫إ�نما جاءت ِم ْن عند الله العليم؛ لتكون برهان ًا على �صدق‬
‫ال�شهوات‪ ،‬ونبي ًا من �أنبيائه ال�صالحين‪.‬‬
‫ر�سالة محمد ‪.‬‬
‫‪ ٤٠‬قال زكريا ‪ -‬عليه ال�سلام‪ :-‬ر ِّب من أ�ين ي أ�تيني‬
‫‪ ٤٥‬اذكر ‪ -‬أ�يها الر�سول‪ -‬حين قالت الملائكة لمريم‪:‬‬ ‫غلا ٌم‪ ،‬وكيف يكون ذلك‪ ،‬وقد بلغ ُت من ال�س ِّن ما‬
‫�إن الله يب�ِّش ِك بب�شرى من عنده هي ول ٌد يكون وجوده‬ ‫بلغ ُت‪ ،‬وامر أ�تي عاقر لا تلد؟ ‪ -‬ولم يكن قوله عليه‬
‫بكلمة من‪ ‬الله‪ ،‬من غير �أب‪ ،‬هذا المولود ا�سمه عي�سى‬ ‫ال�سلام �شك ًا ولكن ليتثبت من الب�شارة‪ -‬ف�أجابه الله‬
‫ولقبه الم�سيح‪ ،‬يكون �س ِّيداً ومع َّظم ًا في الدنيا‪ ،‬ومن‬
‫تعالى‪ :‬الأمر ه ِّ ٌي على الله‪ ،‬يفعل ما ي�شاء فلا يعجزه �أن‬
‫المق َّربين عند‪ ‬الله في الآخرة‪.‬‬

‫‪٥٥‬‬

‫�أر�سلني الله تعالى؛ لأُح َّل لكم بع�ض ما كان محرم ًا‬ ‫‪ ٤٦‬ويك ِّلم النا� َس وهو طفل ر�ضيع على ال�سرير‪،‬‬
‫عليكم في التوراة‪ .‬وقد جئتكم ب آ�ية تلو ُ�أخرى من‬ ‫وكذلك يك ِّلمهم وهو بالغ كبير‪ ،‬بما �أوحاه‪ ‬الله إ�ليه؛‬
‫الله على �صدقي فيما �أقول لكم‪ ،‬فخافوا عذاب الله‬ ‫دلال ًة على براء ِة �أُ ّمه مما رماها به المف َتون‪ ،‬و ُحج ًة له على‬

‫و�أطيعوا أ�مري‪.‬‬ ‫ُن ُب َّوته‪ ،‬وهو من عبادنا‪ ‬ال�صالحين‪.‬‬

‫‪� ٥١‬إنني ل�ست ب�إل ٍه‪ ،‬بل �أنا عب ٌد لله‪ ،‬فالله ر ّبي ور ّبكم‬ ‫‪ ٤٧‬قالت مريم منده�ش ًة من وجود الولد على خلاف‬
‫فاعبدوه وح َده‪ ،‬ولا ت�شركوا به غيره‪ ،‬هذا هو الطريق‬ ‫العادة‪ِ :‬من أ�ين يكون لي ولد ولم َيْ َ�س�ْسني رجل‪ ،‬ولم‬
‫�أكن امر�أة بغ ّي ًا؟! ف�أجابها الوحي‪ :‬هكذا َي ْخل ُق الله منك‬
‫الم�ستقيم‪ ،‬الذي ي�ؤدي ب�صاحبه إ�لى النعيم المقيم‪.‬‬ ‫ولداً لك من غي ِر �أن َ َي�َّس ِك ب�شرٌ‪ ،‬فيجعله الله آ�ي ًة للنا�س‬
‫و ِعبر ًة‪ ،‬ف�إنه ي ْخلق ما ي�شاء‪ ،‬وي�صنع ما يريد‪ ،‬لا يتع َّذر‬
‫‪ ٥٢‬فل ّما َو َج َد عي�سى من اليهود‪ :‬الجحو َد لنب ّوته‪،‬‬ ‫عليه خ ْل ُق �شيء �أراد خلقه‪� ،‬إذا �أراد أ�مراً‪ ،‬ف�إنما يقول له‪:‬‬
‫والتكذيب لر�سالته؛ قال ألتباعه‪َ :‬من �أن�صاري في‬
‫ن�صرة دين‪ ‬الله؟ قال الم�ؤمنون الأ�صفياء من أ�تباعه‪ :‬نحن‬ ‫«كن» فيكون ما �أراد‪.‬‬
‫أ�ن�صار الله‪� ،‬ص َّدقنا بالله‪ ،‬وا�شهد أ�نت يا عي�سى ب أ�ننا‬
‫م�سلمون‪ .‬وفي هذا دلالة على أ�ن الإ�سلام بمفهومه‬ ‫‪ ٤٨‬و ُيع ِّلم اللهُ هذا الولد الكتابة والفقه في الدين‪،‬‬
‫والتوراة التي أُ�نزلت على مو�سى‪ ،‬وا إلنجيل الذي �سينزل‬
‫العام دين جميع ا ألنبياء‪.‬‬
‫عليه‪� ،‬أي‪ :‬على عي�سى عليه ال�سلام‪.‬‬
‫‪٥٦‬‬
‫‪ ٤٩‬ونجعله ر�سلا ًو �إلى بني إ��سرائيل م ؤ�يداً بالمعجزات‬
‫الدالة على �صدق ر�سالته؛ يخبرهم‪ :‬ب�أني ر�سول الله‬
‫إ�ليكم‪ ،‬قد جئتكم ب آ�ية وا�ضحة من ربكم تدل على‬
‫�صدق ر�سالتي‪ ،‬و آ�يتي هي �أني �أُ�و ِّصر من الطين ك�شكل‬
‫الطائر‪ ،‬ف�أنفخ فيه فيكون طيراً ب إ�ذن الله‪ ،‬و أ�َ�ْشفي ا ألعمى‬
‫الذي ُيولد أ�عمى‪ ،‬وكذلك من به َب َر�ص‪ ،‬م ّما لا يقدر‬
‫على �شفائه ذو ط ٍّب بعلا ٍج‪ ،‬و�ُأحيي الموتى بقدرة‪ ‬الله‬
‫وم�شيئته لا بقدرتي‪ ،‬و�ُأخبركم بما ت�أكلون م ّما لم �ُأعاينه‬
‫و�أ�شاهده معكم‪ ،‬وما تدخرونه في بيوتكم ولا ت أ� ُك ُلونه‪.‬‬
‫�إ ّن في هذه ا آليات الباهرات التي أ�ظهرها الله على يدي‬
‫لعبر ًة لكم‪ ،‬ودليل ًا قاطع ًا على �صدق ر�سالتي‪ ،‬إ�ن كنتم‬

‫م�ص ِّدقين ب ُح َج َج الله و�آياته‪.‬‬

‫‪ ٥٠‬وجئ ُتكم م�ص ِّدق ًا لر�سالة مو�سى وكتابه‪ ،‬عامل ًا‬
‫ب�أحكامها �إلا ما خ َّفف الله عن �أهلها في الإنجيل‪ ،‬وقد‬

‫جحدوا نب َّوتك من جميع ال ِملل �إلى يوم القيامة‪.‬‬

‫‪ ٥٦‬ف أ� ّما الذين جحدوا نبوتك‪ ،‬وك َّذبوك وقالوا فيك‬
‫الباطل؛ ف�إني أ�ع ِّذبهم في الدنيا بالقتل وال�سبي والذلة‬

‫والم�سكنة‪ ،‬وفي ا آلخرة بنار جهنم‪ ،‬وما لهم من عذاب‬
‫الله مان ٌع‪ ،‬ولا عن أ�ليم عقابه دا ِف ٌع‪ ،‬ولا �شفاعة لهم من‬

‫غي ِرهم؛ ألنه العزيز ذو الانتقام‪.‬‬

‫‪ ٥٧‬و�أ ّما الذين �ص َّدقوا ودانوا بالإ�سلام الذي بعثتك‬
‫به؛ ف أ�عطيهم جزا َء �أعمالهم ال�صالحة كامل ًا‪ ،‬واللهُ لا‬
‫يح ّب َم ْن ظلم غيره‪ ،‬أ�و و�ضع �شيئ ًا في غير مو�ضعه؛‬

‫فكيف يظلم خل َقه؟‬

‫‪ ٥٨‬تلك الأنباء التي نتلوها عليك ‪ -‬يا محمد‪ -‬هي‬ ‫‪ ٥٣‬ر َّبنا �ص َّدقنا بما �أنزل َت على نبيك عي�سى ِمن‬
‫من ال ِع َ ِب والـ ُحجج على َمن حا َّجك ِمن أ�هل الكتاب‪،‬‬ ‫كتابك‪ ،‬و ِ�صنا أ�تباعه على دينك الذي ابتعثته به‪،‬‬
‫وهي من القر�آن ذي الحكمة الفا�صلة بين الحق والباطل‪.‬‬
‫و�أعوا َنه على الحق الذي أ�ر�سلته به إ�لى عبادك‪ ،‬ف�أثب ْت‬
‫‪� ٥٩‬إ َّن َخ ْل َق عي�سى عند الله من غير �أب‪ ،‬كخ ْلق آ�دم‪:‬‬ ‫�أ�سماءنا مع أ��سماء الذين �شهدوا بالحق‪ ،‬و أ�ق ُّروا لك‬
‫خلقه من تراب‪ ،‬ثم قال له‪ :‬كن‪ ،‬ب�شراً؛ ف إ�ذا هو كائن‬
‫بالتوحيد‪ ،‬و�ص َّدقوا ر�ُسلك‪ ،‬وا َّتبعوا �أم َرك ونه َيك‪.‬‬
‫كما أ�مر الله �سبحانه‪.‬‬
‫‪ ٥٤‬و َد َّب َر بع�ُض الذين كفروا من بني �إ�سرائيل لقتل‬
‫‪ ٦٠‬هذا الذي �أنب أ�تك ‪ -‬أ�يها الر�سول‪ -‬به ِم ْن خبر‬ ‫عي�سى عليه ال�سلام‪ ،‬ف�أحبط الله تعالى مكرهم ور َّده‬
‫عي�سى هو الحق ِم ْن عند ربك‪ ،‬فلا تكن من ال�شا ِّكين في‬ ‫عليهم‪ ،‬ب�أن �ألقى ِ�ش ْب َه عي�سى على �أحدهم‪ ،‬فقتلوه‪ ،‬والله‬

‫أ� َّن ذلك كذلك‪.‬‬ ‫خير َم ْن يدبر إلبطال كيد �أعدائه‪.‬‬

‫‪َ ٦١‬ف َم ْن جادلك ‪ -‬أ�يها الر�سول‪ -‬في الم�سيح عي�سى‬ ‫‪ ٥٥‬وذلك حين قال الله تعالى لعي�سى‪ :‬إ�ني قاب ُ�ضك‬
‫ابن مريم‪ِ ،‬م ْن بعد ما جاءك من العلم الذي قد ب َّينته لك‬ ‫من ا ألر�ض وراف ُعك �إلى مح ِّل كرامتي‪ ،‬ومخ ِّل�صك‬
‫فيه وهو أ�نه عبد لله؛ فقل‪ :‬هلموا َف ْل َن ْد ُع أ�بناءنا و�أبناءكم‬ ‫من الذين جحدوا ما جئ َت به من الحق‪ ،‬وجاع ُل الذين‬
‫ون�ساءنا ون�ساءكم و�أنف�سنا و�أنف�سكم‪ ،‬ثم نجتهد في‬ ‫اتبعوك على منهاجك من الإ�سلام وفطرته‪ ،‬فوق الذين‬
‫الدعاء �أن يجعل الله لعنته على الكاذبين منا ومنكم في‬

‫�ش�أن عي�سى عليه ال�سلام‪.‬‬

‫‪٥٧‬‬

‫‪� ٦٨‬إ َّن أ�ح َّق النا�س ب إ�براهيم و ُن�صرته وولايته الذين‬ ‫‪ ٦٢‬إ� َّن هذا الذي �أنب أ�تك به ‪ -‬أ�يها الر�سول‪ -‬من أ�مر‬
‫�سلكوا طريقه‪ ،‬فو َّحدوا الله مخل�صين له الدين‪،‬‬ ‫عي�سى عليه ال�سلام ِمن �أنه عبدي ور�سولي وكلمتي‬
‫ومحم ٌد ‪ - -‬والذين �ص َّدقوه‪ ،‬والله نا�ص ُر الذين‬ ‫التي أ�لقي ُتها �إلى مريم‪ ،‬ورو ٌح مني‪ ،‬لهو الق�ص�ص الحق‪،‬‬
‫آ�منوا بمحمد ‪ -‬وبما جاءهم به ِم ْن عند الله‪ -‬على َم ْن‬ ‫فاعلموا أ�نه لي�س للخلق معبو ٌد بح ٍّق إ�لا الله؛ لأنه الخالق‬
‫المالك المت�صرف‪ ،‬و أ�نه هو العزيز في انتقامه ممن ع�صاه‪،‬‬
‫خالفهم ِم ْن �أهل ال ِملل والأديان‪.‬‬
‫الحكيم في تدبيره‪ ،‬وقد ب ّي لكم‪ ‬فاحذروا‪.‬‬
‫‪ ٦٩‬تم َّنت جماع ٌة من اليهود والن�صارى لو ي�ص ّدونكم‬
‫‪ -‬أ�يها الم�ؤمنون‪ -‬عن الإ�سلام ويردونكم عنه �إلى ما هم‬ ‫‪ ٦٣‬ف إ�ن أ�َ ْدب َر ه�ؤلاء الذين حا ُّجوك فيما جاءك من‬
‫عليه من الكفر‪ ،‬ف ُيهلكونكم بذلك‪ ،‬وما ُيهلكون �أحداً‬ ‫الحق في أ�مر عي�سى وغيره من الهدى فلم يقبلوه؛ ف�إن‪ ‬الله‬
‫غير أ�تباعهم و أ��شياعهم‪ ،‬لا�ستحقاقهم من الله �سخطه‬ ‫عليم بع�صيانهم‪ ،‬و إ�عرا�ضهم عن الحق‪ ،‬و إ�ف�سادهم‬

‫وغ�ضبه ولعنته‪.‬‬ ‫لغيرهم بذلك ا إلعرا�ض؛ و�سيجازيهم‪ ‬عليه‪.‬‬

‫‪ ٧٠‬يا �أهل الكتاب من اليهود والن�صارى ِلـ َم‬ ‫‪ ٦٤‬قل ‪� -‬أيها الر�سول‪ -‬لليهود والن�صارى َه ُل ّموا إ�لى‬
‫تجحدون بما في كتاب الله الذي أ�نزله على أ�نبيائكم ِمن‬ ‫كلم ِة عد ٍل بيننا وبينكم‪ ،‬وهي أ�ن نو ِّحد‪ ‬الله فلا نعبد‬
‫غيره ولا يدين بع�ضنا لبع�ٍض بالطاعة في معا�صي الله‪� ،‬أو‬
‫آ�ياته و�أدلته‪ ،‬و أ�نتم ت�شهدون أ�نه ح ٌّق من عند ربكم؟‬ ‫يع ِّظمه بال�سجود له كما ي�سجد لربه‪ ،‬ف�إن �أعر�وضا ع ّما‬
‫دعو َتهم إ�ليه؛ فقولوا أ�يها الم�ؤمنون للمعر�ضين‪ :‬ا�ش َهدوا‬

‫ب أ� َّنا م�سلمون‪.‬‬

‫‪ ٦٥‬يا أ�هل التوراة والإنجيل ِلـ َم تجادلون في إ�براهيم‪،‬‬
‫فت َّدعون �أنه كان على دينكم‪ ،‬ودي ُنكم‪ :‬إ� ّما يهودي ٌة تعمل‬
‫بالتوراة‪� ،‬أو ن�صراني ٌة تعمل با إلنجيل‪ ،‬وهذان الكتابان لم‬

‫ينزلا إ�لا ِم ْن بعد إ�براهيم‪ ،‬فكيف يكون منكم ذلك؟!‬

‫‪ ٦٦‬ها أ�نتم جادلتم فيما لكم به عل ٌم ِم ْن أ�مر دينكم؛‬
‫ف ِل َم تخا�صمون فيما لا علم لكم به من أ�مر �إبراهيم‬
‫ودينه‪ ،‬ولم تجدوه في كتب الله‪ ،‬ولا �أتتكم به �أنبيا�ؤكم‪،‬‬
‫ولا �شاهدتموه فتعلموه؟! والله يعلم ما غاب عنكم من‬

‫ذلك‪ ،‬و�أنتم ال‪ ‬تعلمونه‪ ،‬فلا ت ّدعوا الباطل‪.‬‬

‫‪ ٦٧‬ما كان �إبراهيم يهودي ًا ولا ن�صراني ًا ولا كان من‬
‫الم�شركين الذين يعبدون ا أل�صنام‪ ،‬ولكن كان م ّت ِبع ًا أ�مر‬
‫الله وطاعته‪ ،‬م�ستقيم ًا على مح َّجة الهدى التي ُ�أمر‬
‫بلزومها‪ ،‬خا�شع ًا لله بقلبه‪ ،‬متذلل ًا بجوارحه‪ ،‬مذعن ًا لما‬

‫فر�ض عليه و أ�لزمه من �أحكامه‪.‬‬

‫‪٥٨‬‬

‫�أن ُي�س ِقط �أح ٌد ُح َّج َتكم عند ربكم‪ ،‬فلا حجة ألحد‬
‫عليكم‪ ،‬ألنكم أ�كر ُم على الله بما ف�ضلكم به عليهم‪ .‬قل يا‬
‫محمد‪� :‬إن الف�ض َل بيد الله ي�ؤتيه من ي�شاء‪ ،‬لا ما تمنيتموه‬

‫أ�نتم يا مع�شر اليهود‪.‬‬

‫‪ ٧٤‬يخت�ُّص بنب َّوته من ي�شاء‪ ،‬والله ذو الف�ضل الذي‬
‫لا ي�شبهه ف�ض ٌل من إ�ف�ضال خلقه‪ ،‬ولا يقاربه في جلالة‬

‫َخ َطره ولا يدانيه‪.‬‬

‫‪ ٧٥‬و ِمن أ�هل الكتاب َم ْن إ�ن ت أ�منه ‪ -‬يا محمد‪ -‬على‬ ‫‪ ٧١‬يا �أهل الكتاب ِلـ َم تخلطون التوراة والإنجيل‬
‫َق ْد ٍر عظي ٍم ِمن المال‪ ،‬ي�ؤ ّده إ�ليك ولا َي ُخ ْنك فيه‪ ،‬ومنهم‬ ‫بالباطل الذي تكتبونه ب أ�يديكم �إخفاء للحق وت�ضليل ًا‬
‫الذي إ�ن ت أ�منه على دينار َي ُخ ْنك فيه فلا ي ؤ� ِّده إ�ليك‪ ،‬إ�لا‬ ‫للنا�س‪ ،‬و ِلـ َم تكتمون ما في كتبكم ِمن نع ِت محم ٍد‬
‫�أن ُتل ّح عليه في التقا�ضي والمطالبة‪ ،‬ذلك ب أ�نهم قالوا‪ :‬لا‬
‫حر َج علينا فيما أ��صبنا من �أموال العرب ولا �إثم‪ ،‬ألنهم‬ ‫ومب َعثه ونبوته مع علمكم به؟‬
‫على غير الحق‪ ،‬وهم بهذا يقولون الكذ َب على الله ب أ�نه‬
‫‪ ٧٢‬وقالت طائف ٌة من اليهود الذين يقر ؤ�ون التوراة‪:‬‬
‫�أح ّل لهم ذلك‪ ،‬وهم يعلمون أ�نه لم ُيح ّله لهم‪.‬‬ ‫�ص ِّدقوا بالذي ُأ�نزل على الذين �آمنوا بمحمد �أول النهار‪،‬‬
‫واجحدوا ما �ص َّدقتم به في آ�خره‪ ،‬لعلهم يرجعون عن‬
‫‪ ٧٦‬بلى َمن �أوفى بعهد الله الذي عاهده في كتابه‪،‬‬
‫ف آ�من بمحمد و�ص َّدق بما جاء به من الله‪ ،‬من أ�داء الأمانة‬ ‫دينهم معكم وي َدعون ما جاءهم به‪ ‬محمد‪.‬‬
‫�إلى من ائتمنه عليها‪ ،‬واتقى ما نهاه الله عنه من الكفر به‬
‫‪ ٧٣‬وقالت تلك الطائفة‪ :‬لا ت�ص ِّدقوا إ�لا َم ْن تبع دينكم‬
‫و�سائر معا�صيه‪ ،‬فهو المتقي‪ ،‬و�إن الله يحب الذين يتقونه‬ ‫فكان يهودي ًا ‪ -‬ينهون بذلك عن ت�صديق الم�سلمين في‬

‫فيخافون عقابه‪ ،‬ويطيعونه‪.‬‬ ‫�ش�أن الدين‪ -‬قل أ�يها الر�سول‪� :‬إن الحق هو ما يبينه الله‬

‫‪� ٧٧‬إن الذين ي�ستبدلون عه َد الله باتباع محمد‬ ‫تعالى وما يهدي إ�ليه‪ ،‬لا ما تزعمون �أيها اليهود أ�نكم‬
‫وت�صديقه‪ ،‬ويحلفون �أيمان ًا كاذبة ي�ستح ّلون بها ما‬ ‫تحتكرونه‪ .‬وقالت هذه الطائفة‪ :‬لا ت�ص ِّدقوا أ�ن ُي ْن َز َل‬
‫على أ�حد من الكتاب ِم ْث ُل ما أ�ُنزل عليكم‪ ،‬ولا ت�ص ِّدقوا‬
‫ح َّرم الله عليهم من �أموال النا�س التي ائ ُتمنوا عليها‪،‬‬
‫�إنما ي�ستبدلون بذلك ِعو�ض ًا خ�سي�س ًا من ع َر�ض الدنيا‬
‫و ُحطامها‪ ،‬أ�ولئك لا ح َّظ لهم في خيرا ِت ا آلخرة‪ ،‬ولا‬
‫يك ّلمهم الله يوم القيامة بما ي�س ُّرهم‪ ،‬ولا يعط ُف عليهم؛‬
‫مقت ًا لهم‪ ،‬ولا يط ّهرهم من د َن�س ذنوبهم و ُك ْفرهم‪،‬‬

‫ولهم عذاب مو ِجع‪.‬‬

‫‪٥٩‬‬

‫‪ ٧٨‬و�إ َّن من اليهود جماع ًة ُييلون أ�ل�س َن َتهم في قراءة‬
‫التوراة مح ِّرفين لها لتظنوا أ� َّن هذا المح َّر َف من كتاب‬
‫الله وتنزيله‪ ،‬وهو لي�س منه‪ ،‬ويزعمون �أ َّن هذا الذي‬
‫�ألحقوه بها هو م ّما �أنزل الله إ�لى �أح ٍد من �أنبيائه‪ ،‬وهو لي�س‬
‫مما َ�أنزل الله‪ ،‬لكنهم يتعمدون قو َل الكذب وال�شهادة‬

‫بالباطل‪ ،‬طلب ًا للرئا�سة والخ�سي�س من ُحطام الدنيا وهم‬
‫يعلمون �أنهم كاذبون‪.‬‬

‫‪ ٧٩‬وما ينبغي ألحد من الب�شر �أن ين ِّزل الله عليه كتابه‪،‬‬
‫ويع ِّلمه ف�ص َل الحكمة ويعطيه النبوة‪ ،‬ثم يدعو النا�س‬
‫�إلى عبادته دون الله‪ ،‬ولكنه �إذا آ�تاه ذلك ف�إنما يدعوهم‬

‫إ�لى العلم بالله ومعرفة �شرائعه‪ ،‬و�أن يكونوا ر�ؤ�ساء في‬

‫المعرفة ب�أمر الله ونهيه‪ ،‬بكونهم معلمي النا�س الكتا َب‬
‫وبكونهم دار�سيه‪.‬‬

‫‪ ٨٢‬والمتو ّلو َن عن الإيمان بالر�سل ‪ -‬الذين و�صف الله‬ ‫‪ ٨٠‬وما كان للنبي أ�ن ي�أم َركم أ�يها النا�س أ�ن تتخذوا‬
‫�أمرهم‪ -‬بعد العهد والميثاق اللذ ْين �أُخذا عليهم بذلك‬ ‫الملائكة والنبيين آ�له ًة ُيعبدون من دون الله‪ ،‬ولن ي�أمركم‬
‫نب ّيكم بجحود وحداني ِة الله بع َد �إذ �أنتم منقادون له‬
‫هم الخارجون عن دين الله وطاعة ربهم‪.‬‬
‫بالطاعة‪ ،‬متذللون له بالعبودية‪.‬‬
‫‪ ٨٣‬أ�فغير دين الله يلتم�سون ويريدون؟ وله خ�شع َم ْن‬
‫في ال�سماوات وا ألر�ض‪ ،‬فخ�ضع له بالعبودية‪ ،‬و أ�ق ّر له‬ ‫‪ ٨١‬واذكر ‪ -‬أ�يها الر�سول‪� -‬إذ �أخذ الله ميثاق النب ِّيين‪:‬‬
‫ب�إفراد الربوبية‪ ،‬وانقاد له ب�إخلا�ص التوحيد والألوهية‪،‬‬ ‫بح ِّق ما �آتيتكم من كتاب وحكمة‪ ،‬ثم جاءكم ر�سو ٌل من‬
‫عندي م�ص ِّد ٌق لما معكم ‪ -‬وهو محمد ‪ -‬لت�ص ِّد ُق َّنه‬
‫طائعين وكارهين‪ .‬و�إليه ي�صيرون بعد مماتهم فيجزي‬ ‫ولتن ُ� ُص َّنه‪ .‬ثم قال الله تعالى لهم‪ :‬أ��أقررتم بالميثاق الذي‬
‫واثقتموني عليه‪ ،‬و أ�خذتم على ما واثقتموني عليه عهدي‬
‫المح�سن منكم ب�إح�سانه والم�سيء ب إ��ساءته‪.‬‬
‫وو�صيتي‪ ،‬وق ِبلتم ذلك مني ور�ضيتموه؟ قال النب ُّيون‪:‬‬
‫أ�قررنا بما �ألزمتنا‪ .‬قال الله تعالى‪ :‬ف ْل َي�ْشهد بع ُ�ضكم على‬
‫بع�ض بما �أقررتم به‪ ،‬وا�شهدوا على �أتباعكم من ا ألمم‪� ،‬إذا‬

‫أ�نتم أ�خذتم ميثاقهم على ذلك‪ ،‬و أ�نا معكم من ال�شاهدين‬

‫عليكم وعليهم بذلك‪.‬‬

‫‪٦٠‬‬

‫يو ِّفق للحق وال�وصاب الذين ب َّدلوا الحق �إلى الباطل؛‬ ‫‪ ٨٤‬ف�إن ابتغوا غي َر دين الله؛ فقل لهم ‪� -‬أيها الر�سول‪:-‬‬
‫فاختاروا الكفر على ا إليمان‪.‬‬ ‫�ص َّدقنا بالله أ�نه ر ّبنا لا نعب ُد �أحداً �سواه‪ ،‬و�ص َّدقنا بما‬
‫أ�نزل علينا من وحيه‪ ،‬وبما �أنزل على �إبراهيم و�إ�سماعيل‬
‫‪ ٨٨ ٨٧‬ه�ؤلاء الذين كفروا بع َد �إيمانهم و�شهادتهم‬ ‫و إ��سحاق ويعقوب وا أل�سباط الاثني ع�شر‪ ،‬و�ص َّدقنا �أي�ض ًا‬
‫�أن الر�سول ح ٌّق؛ جزا ؤ�هم �أن ي ِح َّل بهم من الله الإق�صاء‬ ‫بما �أُنزل على مو�سى وعي�سى من الكتب والوحي‪ ،‬وبما‬
‫وا إلبعاد من رحمته‪ ،‬وجزا ؤ�هم من جميع الملائكة‬ ‫�أُنزل على النب ِّيين‪ ،‬لا ن�ص ِّدق بع َ�ضهم و َن ْك ُفر ببع�ضهم‪،‬‬
‫والنا�س الدعا ُء بما ي�سو ؤ�هم من العقاب‪ ،‬وهم ماكثون‬ ‫كما كفرت اليهود والن�صارى‪ ،‬ولكننا ن�ؤمن بجميعهم‬
‫في عقوبة الله‪ ،‬لا ُيخ َّف ُف عنهم من العذاب �شيئ ًا في حا ٍل‬
‫ون�صدقهم‪ ،‬ونحن لله منقادون وله‪ ‬متذللون‪.‬‬
‫من ا ألحوال‪ ،‬ولا هم ُيهلون في ؤ� َّخر عنهم العذاب‪.‬‬
‫‪ ٨٥‬و َم ْن يطلب دين ًا غي َر دين الإ�سلام ل َيدين به؛ فلن‬
‫‪ ٨٩‬إ�لا الذين تابوا من ارتدادهم عن إ�يمانهم؛‬ ‫يقبل الله منه‪ ،‬وهو في ا آلخرة من الباخ�سين �أنف�سهم‬
‫فرجعوا �إلى ا إليمان بالله ور�سوله‪ ،‬وعملوا ال�صالحا ِت‬
‫من ا ألعمال؛ ف�إ ّن الله ِلـ َمن َف َع َل ذلك بعد كفره �سات ٌر‬ ‫حظو َظها ِمن رحمة الله عز وجل‪.‬‬
‫عليه ذنبه الذي كان منه من الردة‪ ،‬فتار ٌك عقوبته عليه‪،‬‬
‫‪ ٨٦‬كيف ُير�شد الله لل�وصاب ويو ِّفق للإيمان قوم ًا‬
‫متع ِّط ٌف عليه بالرحمة‪.‬‬ ‫جحدوا نبو َة محم ٍد ‪ - -‬بعد ت�صديقهم إ�ياه‪ ،‬وبعد‬
‫�أن �َش ِهدوا �أنه ر�سو ُل الله �إلى خلقه ح ّق ًا‪ ،‬وجاءتهم‬
‫‪ ٩٠‬إ�ن الذين كفروا من اليهود بمحمد ‪ - -‬عند‬ ‫ال ُح َج ُج من عند الله والدلائل ب�صحة ذلك؟! والله لا‬
‫َم ْبعثه‪ ،‬بعد �إيمانهم به قبل �أن ُيبعث‪ ،‬ثم ازدادوا كفراً بما‬
‫أ��صابوا من الذنوب في كفرهم و ُمقامهم على �ضلالتهم؛‬ ‫‪٦١‬‬
‫لن ُتقبل توب ُتهم من ذنوبهم التي �أ�صابوها في كفرهم‪،‬‬
‫حتى يتوبوا من كفرهم بمحمد ‪ - -‬وي�ص ِّدقوه فيما‬
‫جاء به من عند الله‪ ،‬وه�ؤلاء الذين كفروا بعد إ�يمانهم‬
‫ثم ازدادوا كفراً؛ هم الذين �ضلوا �سبيل الحق؛ ف أ�خط�ؤوا‬

‫منهجه‪ ،‬وتركوا ُه َدى الدين حير ًة منهم وعم ًى عنه‪.‬‬
‫‪ ٩١‬إ�ن الذين جحدوا نبو َة محمد ‪ ،‬ولم ي�ص ِّدقوا‬
‫به وبكل ما جاء به من عند الله من أ�هل كل ِم َّلة‪ ،‬وماتوا‬
‫على ذلك؛ فلن ُيقبل ِمن أ�حدهم في الآخرة ِع َو� ٌض‬
‫يفتدي به نف�سه من العقاب‪ ،‬ولو كان له من الذهب‬
‫ما يم أل الأر�ض من م�شرقها إ�لى مغربها‪ ،‬ف َد َف َع ُه ِعو�ض ًا‬
‫م ّما �س ُيح ّل الله به ِم ْن عقوبته‪ ،‬وه ؤ�لاء لهم عن َد الله في‬
‫ا آلخرة عذا ٌب موج ٌع‪ ،‬وما لهم ِم ْن نا�ص ٍر في�ستنقذهم‬

‫ِم ْن عذاب الله‪.‬‬

‫و�آثار من �آثار خليله‪ ،‬منها �أثر قدم إ�براهيم في الح َجر‬ ‫‪ ٩٢‬لن ُتدركوا ‪� -‬أيها الم ؤ�منون‪ -‬ما تطلبونه من‬
‫الذي قام عليه عند بنائه للبيت‪ ،‬و َم ْن دخله كان �آمن ًا‬ ‫جوامع الخير‪ ،‬وح�سن الثواب في ا آلخرة‪ ،‬حتى تت�صدقوا‬
‫على نف�سه ما دام فيه‪ .‬وفر�ض الله الحج على َمن ا�ستطاع‬ ‫من ج ّيد أ�موالكم و أ�ن َف ِ�سها عندكم‪ ،‬و أ� ُّي �شيء تنفقونه‬
‫ال�سبيل �إليه من المك َّلفين‪ ،‬و َمن ترك فر�ض الله؛ فالله غني‬ ‫قليل ًا �أو كثيراً َيعل ُمه الله‪ ،‬و�سيجازيكم عليه في الآخرة‪.‬‬
‫عنه وعن َحجه وعن العالمين جميع ًا‪ .‬وقد ع ّب عن ذلك‬
‫‪ ٩٣‬لـ ّما اعتر�ضت اليهود على ر�سول الله ‪ ‬فقالوا‪:‬‬
‫بالكفر تغليظ ًا وت�شديداً‪.‬‬ ‫تزعم أ�نك على م ّلة إ�براهيم‪ ،‬وكان �إبراهيم لا ي أ�كل لحو َم‬
‫ا إلبل و أ�لبا َنها و�أنت ت�أك ُلها؟! فقال‪« :‬كان ذلك ِح ّل‬
‫‪ ٩٩ ٩٨‬قل ‪ -‬أ�يها الر�سول‪ -‬ألهل الكتاب‪ِ :‬لـ َم‬ ‫إلبراهيم»‪ .‬فقالوا‪ :‬ك ُّل ما نح ّرمه كان محرم ًا على نوح‬
‫تجحدون ُحجج الله الدال َة على �صدق نب ّوتي؟ والله‬ ‫و إ�براهيم؛ فنزلت هذه الآية تكذيب ًا لهم‪ :‬أ�ن كل الطعام‬
‫�شهيد على أ�عمالكم‪ .‬وقل لهم‪ِ :‬لـ َم ت�صرفون عن دين‬ ‫الط ّيب كان ِح ّل لبني يعقوب ‪ -‬عليه ال�سلام‪� -‬إلا ما‬
‫الله َم ْن �آمن به‪ ،‬ب إ�لقاء ال�ُّشبه‪ ،‬و إ�نكار الحق‪ ،‬تطلبون لهذه‬ ‫ح ّرم يعقو ُب على نف�سه‪ ،‬من لحوم ا إلبل و أ�لبانها ‪ -‬ولم‬
‫ال�سبيل اعوجاج ًا‪ ،‬و�أنتم عالمون أ�نها �سبيل الله؟! والله‬ ‫يكن ذلك في �شريعة �إبراهيم ومن قبله حرام ًا‪ ،‬وقد ح َّرمه‬
‫يعقو ُب وفا ًء بنذره‪ -‬وكان ذلك قبل أ�ن تنزل التوراة‬
‫لي�س بغافل عما تعملون‪.‬‬ ‫‪ -‬وكان في التوراة ت�صديق ذلك‪ -‬فقل لهم أ�يها الر�سول‪:‬‬

‫‪ ١٠٠‬يا أ�يها الذين آ�منوا بالله ور�سوله‪� ،‬إن تطيعوا‬ ‫ائتوا بالتوراة فاتلوها �إن كنتم �صادقين في زعمكم أ�ن‬
‫جماعة من اليهود والن�صارى‪ ،‬ي�ضلوكم فيردوكم بعد‬
‫الأمر لي�س كما قلناه‪ ،‬فافت�ضحوا وبان‪ ‬كذ ُبهم‪.‬‬
‫إ�يمانكم جاحدين بما آ�منتم به‪ ،‬فلا ت�أمنوهم‪.‬‬
‫‪ ٩٤‬ف َمن ا�ستم َّر على الكذب على الله منكم يا مع�شر‬
‫‪٦٢‬‬ ‫اليهود‪ِ ،‬م ْن بعد �أن جعلنا التوراة في�صل ًا بيننا‪ ،‬وبعد ما‬
‫ظهرت الحجة‪ ،‬ف�أولئك هم المكابرون القائلون على‬

‫الله الباطل‪.‬‬

‫‪ ٩٥‬قل �أيها الر�سول‪� :‬ص َد َق اللهُ فيما �أخبرنا به‬
‫‪� -‬أي‪ :‬و�أنتم الكاذبون‪ -‬ف إ�ن كنتم أ�يها اليهود ُمح ِّقين‬
‫في دعواكم �أنكم على الدين الذي ارت�ضاه الله ألنبيائه‪،‬‬
‫فاتبعوا مل َة إ�براهيم‪ ،‬حنيف ًا‪ :‬مائل ًا عن كل ِدين إ�لى‬

‫الإ�سلام‪ ،‬وما كان من الم�شركين بالله في عبادته �أحداً‪.‬‬

‫‪� ٩٧ ٩٦‬إن أ�ول بي ِت عباد ٍة ُو�ضع للنا�س و ُن�ُسكهم‪،‬‬
‫هو البي ُت الحرا ُم الذي بمكة‪ ،‬الذي بناه إ�براهيم‪ ،‬الذي‬
‫َي ْزعم اليهود والن�صارى �أنهم على دينه ومنه ِجه‪ ،‬ولا‬
‫َيح ُّجون �إليه! وهو بيت مبارك‪ ،‬كثير الخيرات‪ ،‬هدى‬
‫للعالمين‪ .‬وفيه علاما ٌت وا�ضحا ٌت على ف�ضله و ُحرمته‪،‬‬

‫في الجاهلية تتقاتلون‪ ،‬ف�أ ّلف الله بالإ�سلام بين قلوبكم‪،‬‬

‫ف�صرتم بنعمة الله �إخوان ًا‪ ،‬وكنتم بكفركم على طرف‬

‫حفرة من النار‪ ،‬ف أ�نقذكم منها بالإيمان‪ .‬وهكذا يبين الله‬

‫لكم البيا َن الوا�ض َح‪ ،‬لعلكم تهتدون �إلى �سبيل الر�شاد‬
‫فلا ت�ضلوا عنها‪.‬‬

‫‪ ١٠٤‬ولتكن منكم ‪ -‬أ�يها الم�ؤمنون‪ -‬جماعة يدعون‬
‫�إلى ا إل�سلام و�شرائعه‪ ،‬وي أ�مرون بالمعروف ‪ -‬وهو طاعته‬
‫تعالى‪ ،‬وك ُّل �أم ٍر فيه �صلاح‪ -‬وينهون عن مع�صيته وعن‬
‫كل ف�ساد‪ .‬والقائمون بهذا هم الفائزون فوزاً كامل ًا‬

‫عند الله‪.‬‬

‫‪ ١٠٥‬ولا تكونوا �أيها الم�ؤمنون ‪ -‬بترككم ا ألم َر‬ ‫‪ ١٠١‬كيف ُي َت َ�ص ّور منكم ‪ -‬أ�يها الم�ؤمنون‪ -‬الكف ُر بعد‬
‫بالمعروف والنه ّي عن المنكر‪ -‬ك أ�هل الكتاب الذين‬ ‫ا إليمان‪ ،‬ولديكم ما يمنع منه؟! ف آ�يات الله ُتـقر أ� عليكم‪،‬‬
‫تف َّرقوا واختلفوا في دين‪ ‬الله ب�سبب ذلك‪ِ ،‬م ْن بعد‬ ‫ور�سول الله بينكم‪ ،‬يردكم إ�لى ال�وصاب‪ ،‬و َمن ي�ستم�سك‬
‫ما جاءتهم الحج ُج المب ِّين ُة للحق‪ ،‬والمو ِج َبة للاتفاق‪.‬‬ ‫بدين الله وطاعته فقد ُو ِّفق إ�لى الطريق الم�ستقيم‪ ،‬فلا‬
‫ُيخ�شى عليه ال ّ�ضلال‪ .‬وفي هذا َت ْيئي�س ألهل الكتاب من‬
‫والفاعلون ذلك لهم عذاب عظيم‪.‬‬
‫إ��ضلال الم ؤ�منين الطائعين‪.‬‬
‫‪ ١٠٧ ١٠٦‬ويكون هذا العذاب يوم القيامة‪ ،‬يوم تبي�ُّض‬
‫وجوه الم ؤ�منين وت�س َو ّد وجوه الكافرين‪ ،‬ف�أ ّما الذين‬ ‫‪ ١٠٢‬يا َم ْن �ص ّدقتم بالله تعالى ور�سوله‪ ،‬اتقوا الله تمام‬
‫ا�سود ْت وجو ُههم‪ ،‬فيقال لهم توبيخ ًا‪� :‬أكفرتم بعد أ�ن‬ ‫التقوى‪ ،‬وهي ب�أَ ْن يطاع �سبحانه فلا ُيع�صى‪ ،‬و ُي ْذكر فلا‬
‫فطرناكم على الإيمان‪ ،‬و أ�خذنا عليكم العهد والميثاق‬ ‫ُين�سى‪ ،‬و ُي�شكر فلا ُيكفر‪ ،‬ودوموا أ�يها الم�ؤمنون على‬

‫بالإيمان‪ ،‬وجاءتكم البينات؟ فذوقوا العذاب ب�سبب‬ ‫ا إل�سلام حتى يدرككم الموت و�أنتم‪ ‬عليه‪.‬‬

‫كفركم‪ .‬و�أ ّما الذين اب ّي�ض ْت وجو ُههم‪ ،‬وهم الم ؤ�منون‬ ‫‪ ١٠٣‬وتم�َّسكوا ‪ -‬أ�يها الم ؤ�منون‪ -‬بدين الله الذي أ�مركم‬
‫الذين اختاروا الحق وثبتوا على العهد والميثاق‪ ،‬فهم في‬ ‫به‪ ،‬وما َع ِه َد إ�ليكم في كتابه‪ ،‬من الألفة والاجتماع على‬
‫كلمة الحق؛ ولا َتف ّرقوا‪ ،‬واذكروا �أيها الم ؤ�منون ‪ -‬المرا ُد‬
‫جنة‪ ‬الله‪ ،‬لا يخرجون منها أ�بداً‪.‬‬ ‫بهم الأو�س والخزرج‪ -‬نعم َة‪ ‬الله عليكم حين كنتم أ�عداء‬

‫‪ ١٠٨‬هذه الآيات ال�سابقات التي ب َّي َن ْت �أحوال أ�هل‬
‫الكتاب‪ ،‬و�سوء عاقبتهم وعاقبة الكافرين‪ ،‬و ُح�ْس َن‬
‫عاقبة الم ؤ�منين‪ ،‬هي �آيات نق ّ�صها علي َك ‪ -‬أ�يها‬
‫الر�سول‪ -‬م�شتملة على الحق والعدل‪ ،‬ولا يظلم الله‬

‫�أحداً ِم ْن خلقه‪.‬‬

‫‪٦٣‬‬

‫ال�صغائر قد ُيف�ضي �إلى الكبائر‪ ،‬وا إل�صرار على الكبائر‬ ‫‪ ١٠٩‬ولله وح َده ما في ال�سماوات وما في ا ألر�ض؛‬
‫قد يف�ضي إ�لى الكفر‪.‬‬ ‫ُملك ًا و َخلق ًا وتدبيراً‪ ،‬و إ�ليه م�صير الخلائق‪ ،‬فيجازي ك ّ ًل‬

‫‪ ١١٤ ١١٣‬و أ�هل الكتاب الذين �سبق ذكرهم ‪ -‬أ�ي‬ ‫بما‪ ‬ي�ستحق‪.‬‬
‫من الم�ؤمنين والفا�سقين‪ -‬لا ي�ستوون‪ ،‬فالذين �أ�سلموا‬
‫منهم هم جماعة م�ستقيمة على الهدى‪ ،‬يقر ؤ�ون القر آ�ن‬ ‫‪ ١١٠‬أ�نتم ‪ -‬يا مع�شر الم�سلمين‪ -‬خي ُر �أمة ُ�أخرجت‬
‫ويتدبرونه �ساعات الليل في �صلاتهم وتهجدهم‪ ،‬وهم‬ ‫لنفع النا�س‪ ،‬لكونكم قائمين على �أمر الدين‪ ،‬ت�أمرون‬
‫ي�سجدون فيها خا�شعين لله‪ .‬و ُي�ص ِّدقون بالله وبالبعث‬ ‫النا�س بك ّل معروف؛ من ا إليمان بالله ور�سوله‪ ،‬والعمل‬
‫بعد الموت وبالح�ساب‪ ،‬وي أ�مرون النا�س با إليمان بالله‬ ‫ب�شريعته‪ ،‬وتنهون عن الكفر وعن كل ف�ساد‪ ،‬وت ؤ�منون‬
‫وبمحمد ‪ - -‬وينهونهم عن الكفر بالله وتكذيب‬ ‫بالله‪ ،‬فتذعنون له وتخل�وصن‪ ،‬ولو �آمن �أهل الكتاب‬
‫ر�سوله‪ ،‬ويبتدرون فعل الخيرات‪ ،‬وه ؤ�لاء ممن �صلحت‬ ‫ك إ�يمان الم�سلمين بالله وبجميع ر�سله وكتبه لكان خيراً‬
‫لهم في دنياهم و آ�خرتهم‪ ،‬ولكنهم لم يفعلوا‪ ،‬فقليل‬
‫�أحوالهم عند الله‪ ،‬وا�ستحقوا ر�ضاه‪ ‬وثناءه‪.‬‬ ‫منهم َم ْن ي ؤ�من ‪ -‬كعبد الله بن �سلام و�أ�صحابه من‬
‫اليهود‪ ،‬والنجا�شي و�أ�صحابه من الن�صارى الذين‬
‫‪ ١١٥‬وما يفعل ه�ؤلاء ِمن الأعمال ال�صالحة َف َل ْن ي�ضيع‬ ‫أ��سلموا‪ -‬و أ�كث ُر أ�هل الكتاب خارجون عن طريق الحق‪،‬‬
‫�أج ُره عند الله‪ ،‬بل يجزيهم به �أوفر الجزاء‪ ،‬والله عليم‬ ‫ُم ْع ِر�وضن ع ّما في كتبهم من ا ألمر با إليمان بمحمد ‪.‬‬

‫بمن‪� ‬أطاعه‪.‬‬ ‫‪ ١١١‬ب�َّ َش اللهُالم�سلمين بالن�صر على أ�هل الكتاب‪ ،‬فقال‬
‫عز وجل‪ :‬لن ي�ضركم أ�يها الم�ؤمنون ه ؤ�لاء اليهود إ�لا �أذى‬
‫ي�سيراً‪ ،‬يعني بالل�سان‪ِ :‬م ْن طعنهم في دينكم أ�و تهديد �أو‬
‫إ�لقاء �ُشبهة‪ ،‬و إ�ن يقاتلوكم يو ّلوكم الأدبا َر منهزمين‪ ،‬ثم‬

‫لا يكون لهم ن�صرٌ عليكم‪.‬‬

‫‪ ١١٢‬أ�لز َم اللهُ اليهو َد ال ِّذلة وال َّ�ص َغار �أينما كانوا‪ ،‬بما‬
‫ي�س ّلط عليهم من غيرهم‪ ،‬فلا ي أ�منون �إلا أ�ن يعت�صموا‬
‫بعه ٍد ِمن الله ‪ -‬وهو َع ْقد ال ِّذمة لهم و َ� ْض ُب الجزية‬
‫عليهم‪� -‬أو يعت�صموا بعه ٍد وحماي ٍة ِم َن ال َّنا� ِس‪ ،‬فلا‬
‫يعي�وشن إ�لا في حماية غيرهم‪ ،‬ورجعوا بغ�ضب ِمن‬
‫الله هم ي�ستحقونه‪ ،‬و�أحاطت بهم الم�سكنة ‪ -‬وهي‬
‫ال�ضعف والخوف الذي ُي َ�س َّل ُط عليهم ِم ْن داخلهم‪-‬‬
‫وك ُّل ذلك العقاب ب�سبب كفرهم ب آ�يات الله الدالة على‬
‫�صدق �أنبيائه‪ ،‬وما �شرع لهم من �شرائعه‪ ،‬وب�سبب قتلهم‬
‫ا ألنبياء ظلم ًا وعدوان ًا‪ ،‬و إ�نما كفروا وقتلوا ا ألنبياء ب�سبب‬
‫كثرة معا�صيهم وتعديهم لحدود الله؛ ف إ� ّن ا ِإل�صرار على‬

‫‪٦٤‬‬

‫‪ -‬ب�سبب عداوتهم‪ -‬في إ�ف�ساد أ�مركم‪ ،‬ويحبون ما ي�ش ُّق‬ ‫‪� ١١٦‬إ ّن الذين جحدوا نب ّو َة محمد ‪ِ - -‬من �أهل‬
‫عليكم من ال�ضرر وا ألذى‪ ،‬قد ظهرت البغ�ضا ُء �صراح ًة‬ ‫الكتاب وغيرهم‪ ،‬لن َتدفع عنهم �أموالهم التي جمعوها‬
‫ِمن أ�قوالهم‪ ،‬و ِمن فلتات أ�ل�سنة المنافقين منهم‪ ،‬وما‬ ‫في الدنيا ولا �أولا ُدهم �شيئ ًا ولو ي�سيراً من عذاب الله يوم‬
‫ُتخفي �صدو ُرهم من العداوة �أكبر مما ُيظهرونه‪ ،‬قد ب ّينا‬ ‫القيامة‪ ،‬ولا في الدنيا إ� ْن ع ّجله لهم‪ ،‬وه ؤ�لاء هم �أهل‬
‫لكم �أيها الم�ؤمنون علاما ِت عداوتهم لكم‪ ،‬ودلائ َل �سوء‬
‫نواياهم إ�ن كنتم تعقلون ما ُب ّي لكم‪ ،‬فتد ّبروا واتعظوا‬ ‫النار الملازمون لها ملازمة لا نهاية لها ولا انقطاع‪.‬‬

‫به‪.‬‬ ‫‪ ١١٧‬إ� ّن َم َث َل نفق ِة الكفا ِر في هذه الحياة الدنيا ِمن‬
‫�أموالهم في وجوه البر والخير المختلفة ‪ -‬في عدم‬
‫‪ ١١٩‬ها �أنتم ‪ -‬أ�يها الم�ؤمنون الموا ّدون لهم‪ -‬تح ّبونهم‪،‬‬ ‫انتفاع �صاحبها بها في ا آلخرة‪ ،‬وهو في �أ�شد الحاجة‬
‫ِلـ َما يظهرون لكم من ا إليمان‪ ،‬أ�و لما بينكم وبينهم من‬ ‫إ�ليها‪ -‬كمثل ريح فيها َب ْرد �شديد‪ ،‬أ��صابت َز ْر َع قو ٍم‬
‫القرابة وال�صلات‪ ،‬وهم لا يح ّبونكم‪ ،‬وت�ؤمنون بالقر آ�ن‬ ‫ظلموا �أنف َ�سهم بالكفر وارتكاب المعا�صي ‪ -‬وقد أ� َّملوا‬
‫وبكتابهم وبالكتب التي أ�نزلها الله على ر�سله‪ ،‬وهم لا‬ ‫ثمر َة زرعهم ور َج ْوا نف َعه‪ -‬ف�أهلكته‪ ،‬وما ظلمهم الله‪،‬‬
‫ي ؤ�منون ب�شيء من كتابكم‪ ،‬و�إذا لقوكم قال المنافقون‬ ‫ولكنهم ظلموا أ�نف�سهم بعدم ا إليمان الذي هو �شرط في‬
‫منهم ب أ�ل�سنتهم تقي ًة‪� :‬آم ّنا بدينكم وكتابكم‪ .‬و إ�ذا خلا‬
‫بع ُ�ضهم �إلى بع�ض أ�ظهروا العداو َة و�شد َة الغيظ عليكم؛‬ ‫قبول ا ألعمال‪.‬‬
‫ِلـ َما يرون من ائتلافكم‪ ،‬قل ‪� -‬أيها الر�سول �أنت‬
‫و�أتباعك على �سبيل الدعاء عليهم‪ :-‬موتوا بغيظكم‪ ،‬إ�ن‬ ‫‪ ١١٨‬يا أ�يها الذين �آمنوا‪ ،‬لا تتخذوا ممن هم على غير‬
‫دينكم؛ أ�خلاء تطلعونهم على أ��سراركم‪ ،‬فهم لا يق ِّ�صون‬
‫الله عليم بما ت�ضمره قلوبهم وقلوب خلقه جميع ًا‪.‬‬
‫‪٦٥‬‬
‫‪ ١٢٠‬و إ� ْن تنالوا ‪� -‬أيها الم ؤ�منون‪� -‬أمراً ح�سن ًا من ن�ص ٍر �أو‬
‫نعمة ُي ْح ِز ْن ه ؤ�لاء اليهو َد والمنافقين ذلك‪ ،‬و إ�ن ي�ص ْبكم‬
‫مكروه ي�س ُّرهم‪ ،‬و�إذا كان ا ألمر كذلك فكيف تحبونهم‬
‫وتتخذون منهم بطانة؟! و إ�ن تتلقوا �أيها الم ؤ�منون أ�ذاهم‬
‫بال�صبر والحذر منه‪ ،‬لا ي�ضركم مكرهم �شيئ ًا‪ ،‬إ�ن الله محيط‬

‫علم ًا بما يعمل ه ؤ�لاء من الف�ساد‪ ،‬و�سيو ِّفيهم جزاءهم‪.‬‬

‫‪ ١٢١‬واذك ْر ‪ -‬يا ر�سول الله للم ؤ�منين ليعتبروا‪ -‬حين‬
‫خرج َت ِم ْن منزل أ�هلك يوم أ�ُحد‪ ،‬تتخذ للم ؤ�منين‬
‫موا�ضع لقتال عدوهم‪ ،‬والله �سميع لما يقوله الم ؤ�منون‬
‫وغيرهم حين �شاورتهم في �أمر الخروج لذلك‪ ،‬عليم‬
‫بما في �ضمائركم‪ ،‬وقد �أحبط ب�صبركم كي َد المنافقين‬

‫فلم ي�ض َّركم‪.‬‬

‫‪ ١٢٩‬ولله وحده جميع ما في ال�سماوات وما في‬ ‫‪ ١٢٢‬واذكر ‪ -‬يا ر�سول الله‪ -‬نعم َة الله عليكم بتثبيتكم‬
‫الأر�ض ملك ًا وت�صرف ًا وتدبيراً‪ ،‬يغفر ذنوب َم ْن ي�شاء من‬ ‫يوم أ�حد‪ ،‬حين همت جماعتان منكم �أن ترجعا �ضعف ًا‬
‫الم�ؤمنين ف�ضل ًا وكرم ًا‪ ،‬ويعذب من ي�شاء أ�ن يعذبه عدل ًا‬ ‫منهما عن لقاء العدو‪ ،‬تبع ًا لمن رجع من المنافقين‪،‬‬
‫فع�صمهم الله وث َّبتهم‪ ،‬والله متولي �أمرهما بحفظه‬
‫منه‪ ،‬والله غفور لعباده‪ ،‬وا�سع الرحمة بهم‪.‬‬
‫وتوفيقه‪ ،‬وعلى الله وحده فليتوكل الم ؤ�منون‪.‬‬
‫‪ ١٣٠‬يا �أيها الذين آ�منوا بالله ور�سوله لا تتعاطوا الربا‬
‫بعد أ�ن هداكم الله للإ�سلام؛ فت�أكلوه كما كنتم ت�أكلونه‬ ‫‪ ١٢٣‬واذكروا أ�يها الم�ؤمنون ن�صر الله لكم يو َم بدر‪،‬‬
‫في جاهليتكم �أ�ضعاف ًا م�ضاعفة ‪ -‬وقد كانوا في الجاهلية‬ ‫و أ�نتم قليلو ال َع َدد وال ُع ّدة‪ ،‬وهذا الن�صر نعمة تقت�ضي‬
‫عند حلول �أجل �سداد ال َّدين يزيدون في المال مقابل‬ ‫ال�شكر‪ ،‬فاتقوا الله بملازمة طاعته وطاعة ر�سوله‪،‬‬
‫ت أ�خير ا ألجل‪ ،‬فربما فعلوا ذلك مراراً في�صير ال َّدين‬
‫�أ�ضعاف ًا م�ضاعفة‪ -‬واتقوا الله في �أمر الربا فلا ت أ�كلوه‪،‬‬ ‫لتكونوا من ال�شاكرين‪.‬‬

‫لتكونوا من المفلحين في الدنيا وا آلخرة‪.‬‬ ‫‪� ١٢٤‬إذ تقول أ�يها النبي في يوم بدر للم ؤ�منين ‪ -‬تقوي ًة‬
‫لقلوبهم عندما علموا ب إ�مداد بع�ض الكفار لبع�ض ف�ش ّق‬
‫‪ ١٣٢ ١٣١‬واتقوا أ�يها الم�ؤمنون النار أ�ن َت ْ�ص َل ْوها‬ ‫ذلك عليهم‪� :-‬ألن يكف َيكم �أن ُي َّدكم ر ُّبكم بثلاثة �آلاف‬
‫ب�أكلكم الربا‪ ،‬وبترك طاعتي؛ فت�شاركوا الكفار فيما‬
‫ُ�أ ِع ّد لهم من العذاب‪ ،‬و�أطيعوا الله فيما �أمر به ونهى‬ ‫من الملائكة من َزلين لن�صرتكم؟‬

‫عنه‪ ،‬و�أطيعوا ر�سوله محمداً؛ ل ُ ْت َحموا فلا ُت َع َّذبوا‪.‬‬ ‫‪ ١٢٥‬بلى‪ ،‬يكفيكم أ�يها الم�ؤمنون هذا ا إلمداد‪ ،‬ف�إن‬
‫ت�صبروا على لقاء عدوكم وتتقوا مع�صي َة الله ومخالف َة‬
‫نبيه ‪ - -‬وي�أتكم الكفار في الحال م�سرعين يعينون‬
‫عدوكم‪ ،‬يز ْدكم ربكم فيمددكم بتمام خم�سة �آلا ٍف‬
‫من الملائكة‪ ،‬مع ِّلمين �أنف َ�سهم بعلاما ٍت مخ�وص�صة‬

‫ُيع َرفون‪ ‬بها‪.‬‬
‫‪ ١٢٧ ١٢٦‬وما جعل الله هذا الوعد والمدد إ�لا ب�شارة‬
‫لكم بالن�صر‪ ،‬ولت�سكن به قلوبكم من الخوف‪ ،‬وما‬
‫الن�صر �إلا ِم ْن عند الله العزيز الحكيم‪ ،‬لا بال ُع ّدة وال َع َدد‪،‬‬
‫فا�ستعينوا به‪ ،‬وتوكلوا عليه‪ .‬وما الن�ص ُر الذي ن�صره الله‬
‫لكم إ�لا ليهل َك طائف ًة من الم�شركين بالقتل‪ ،‬أ�و ي�صي َبهم‬
‫بغ ٍّم و َك َم ٍد‪ ،‬ب�سبب القتل والهزيمة‪ ،‬فيرجعوا إ�لى �أهليهم‬

‫بالخيبة لم ينالوا �شيئ ًا مما �أ َّملوه‪.‬‬

‫‪ ١٢٨‬لي�س لك ‪� -‬أيها الر�سول‪ِ -‬م ْن �أمر الكفار �شيء‪،‬‬
‫إ�نما أ�نت ر�سو ٌل م أ�مو ٌر ب إ�نذارهم وجهادهم‪ ،‬و إ�نما‬
‫أ�م ُرهم إ�لى الله‪ ،‬ف�إ ّما �أ ْن يهلكهم أ�و ي�صيبهم ب َك َم ٍد‪� ،‬أو‬
‫يتوب عليهم �إن �أ�سلموا‪� ،‬أو يعذبهم ب�سبب �إ�صرارهم‬

‫على الكفر‪.‬‬

‫‪٦٦‬‬

‫‪ ١٣٦‬ه�ؤلاء المتقون المو�وصفون بال�صفات ال�سابقة‪،‬‬ ‫‪ ١٣٣‬وبا ِدروا ‪ -‬أ�يها الم�ؤمنون‪ -‬و أ�قبلوا على تح�صيل‬
‫جزا�ؤهم أ�ن الله تعالى يعطيهم ما أ� َّملوه‪ ،‬فيعفو عما‬ ‫ا ألعما ٍل التي تنالون بها مغفرة ربكم‪ ،‬وتنالون بها َج ّن ًة‬
‫�َس َل َف من ذنوبهم‪ ،‬ويدخلهم في الآخرة جنات تجري‬ ‫عظيم ًة‪� ،‬سعتها ك�سعة ال�سماوات وا ألر�ض‪ ،‬أ�ع َّدها الله‬
‫من تحتها ا ألنهار‪ ،‬مقيمين فيها لا يخرجون منها‪ ،‬ونعم‬
‫للمتقين الذين �صانوا �أنف�سهم عن محارمه‪.‬‬
‫هذا الأجر �أجراً‪ ‬للعاملين‪.‬‬
‫‪ ١٣٤‬والمتقون الذين �أُ ِع َّدت الجنة لهم‪ِ ،‬م ْن �صفتهم‬
‫‪ ١٣٧‬يقول الله تعالى ُم َ�س ّلي ًا للم�ؤمنين ع ّما �أ�صابهم‬ ‫�أنهم ينفقون أ�موالهم في �سبيل الله في حال ي�سرهم‬
‫يوم ُ�أحد‪ ،‬ومب�شراً لهم‪ :‬قد �سبق ْت ِم ْن قبلكم �أيها‬ ‫وع�سرهم‪ ،‬فلم ُي ْب ِطرهم الرخا ُء‪ ،‬ولم يمنعهم �ضي ُق العي�ش‬
‫الم ؤ�منون وقائع و�أحداث‪ ،‬فهذا الذي جرى لكم قد‬ ‫فيبخلوا‪ ،‬وهم الذين يكتمون غيظهم‪ ،‬وي�صفحون عن‬
‫جرى مثله مع َم ْن كانوا قبلكم من أ�تباع ا ألنبياء‪ ،‬ثم‬ ‫عقوبة َم ْن ظلمهم‪ .‬واجتماع هذه ال�صفات هو كمال‬
‫كانت العاقبة لهم‪ ،‬والدائرة على الكافرين‪ ،‬وتلك من‬
‫�سنن الله تعالى الجارية‪ ،‬ف�سيروا في الأر�ض لتعلموا‬ ‫الإح�سان‪ ،‬والله يحب المح�سنين‪.‬‬
‫كيف كان عاقبة تكذيبهم الأنبياء‪ ،‬وكيف كانت �ُس َّنتي‬
‫فيهم �ُس َّن ًة واحدة‪ ،‬وكيف كانت قوة الظالمين �إلى‬ ‫‪ ١٣٥‬و ِم ْن �صفات ه ؤ�لاء المتقين أ�نهم �إذا فعلوا ذنب ًا‬
‫فاح�ش ًا‪ ،‬أ�و ظلموا أ�نف�سهم بارتكاب �أي نوع من �أنواع‬
‫زوال‪ ،‬وعاقبتهم إ�لى هلاك‪.‬‬ ‫الذنوب‪ ،‬ذكروا ح َّقه تعالى ووعيده فخافوه و�س�ألوه �أن‬
‫ي�ستر عليهم و�ألا ي�ؤاخذهم به ‪ -‬و َم ْن يعفو عن الذنب‬
‫‪ ١٣٨‬هذا الذي َتق َّدم في ا آليات ال�سابقة من تذكير‬ ‫وي�ستر عباده �إلا الله؟‪ -‬و َ�أ ْق َلعوا عن ذنوبهم فلم ي�ستمروا‬
‫الله تعالى للم�ؤمنين وتعريفهم حدوده و َح ِّ�ضهم على‬
‫لزوم طاعته والاعتبار ب أ�حوال ال�سابقين‪ ،‬هو بيان للنا�س‬ ‫عليها‪ ،‬وهم يعلمون �أنهم إ� ْن تابوا تاب‪ ‬الله‪ ‬عليهم‪.‬‬
‫عامة‪ ،‬وهدى وتذكير للمتقين من الم ؤ�منين‪ ،‬لأنهم‬

‫المنتفعون به حق ًا‪.‬‬

‫‪ ١٣٩‬ولا َت ْ�ض ُعفوا ‪ -‬يا �أ�صحاب محمد‪ -‬عن قتال‬
‫عدوكم‪ ،‬ولا تحزنوا على ما أ��صابكم من القتل والجروح‬
‫يوم ُأ�حد‪ ،‬و أ�نتم الغالبون ب�إيمانكم‪ ،‬فلا تهنوا و�أيقنوا بما‬

‫وعدنا‪.‬‬

‫‪ ١٤٠‬إ� ْن ُي�صبكم ‪ -‬أ�يها الم�ؤمنون‪ -‬قت ٌل �أو جرا ٌح‪ ،‬فقد‬
‫�أ�صاب الم�شركين يوم بدر مث ُله‪ .‬وهذا ت�سلية للم ؤ�منين‬
‫‪� -‬أي فلا تهنوا ولا ت�ش ّكوا في ن�صر ربكم‪ -‬و إ�ن أ�يام‬
‫الدنيا؛ ِمن ال َغ َلب ِة والهزيم ِة تداو ٌل بين النا�س‪ ،‬وهذا‬
‫التداول ليعلم الله الم ؤ�منين ال�صابرين على م�شا ّق الجهاد‪،‬‬
‫وليك ِر َم الله منكم بال�شهادة َم ْن أ�راد إ�كرامه‪ ،‬والله لا‬
‫يح ُّب َم ْن ظلموا �أنف�سهم بكفرهم �أو بمع�صيتهم‪ ،‬و إ�نما‬

‫يح ُّب الم ؤ�منين الثابتين على الحق‪.‬‬

‫‪٦٧‬‬

‫الغنيمة ‪ -‬وهذا تعري� ٌض بمن �شغلتهم الغنائم يوم �أحد‪-‬‬ ‫‪ ١٤١‬وجعل الله هذا التداو َل في ال َغ َلبة والهزيمة ل ِحكم‬
‫ن�ؤته من ثوابها‪ .‬و َم ْن يرد ثواب الآخرة‪ ،‬أ�ي إ�علاء كلمة‬ ‫�ُأخر‪ ،‬منها‪�َ :‬أ ْن ُيط ّهر الله بها الم ؤ�منين وي�صفيهم من‬
‫الله والدرجة في الآخرة ن ؤ�ته منها‪ ،‬و�سنجزي ال�شاكرين‪.‬‬ ‫الذنوب‪ ،‬ويخل�صهم من المنافقين‪ ،‬ومنها �أن يمحق الله‬

‫‪ ١٤٧ ١٤٦‬وكم ِم ْن نب ٍّي قاتل معه أ�قوام �صادقون‪ ،‬فما‬ ‫بها الكافرين فيهلكهم �شيئ ًا ف�شيئ ًا‪.‬‬
‫�ضعفوا تبع ًا لما أ��صابهم‪ ،‬وما َذ ُّلوا ألعدائهم‪ ،‬والله يحب‬
‫ال�صابرين‪ .‬وما كان قولهم عند ال�شدة ونزول الم�صائب‬ ‫‪ ١٤٢‬ولـ َّما ب َّي الله للم ؤ�منين ما أ��صابهم من �ضعف‬
‫في القتال‪� ،‬إلا بما يدل على �صبرهم وطلب عون ربهم‪،‬‬ ‫يوم ُ�أحد‪ ،‬ب َّي لهم �أن دخول الجنة لا يح�صل �إلا ببذل‬
‫فقالوا‪ :‬ربنا اغفر لنا ذنوبنا‪ ،‬و�إ�سرافنا في أ�مرنا‪ ،‬وث ِّبت‬ ‫الأرواح وال�صبر على الجهاد‪ ،‬فقال‪ :‬أ�م ح�سبتم أ�ن‬
‫تدخلوا الجنة‪ ،‬ولـ ّما يح�صل منكم الجهاد ح َّق الجهاد‬
‫�أقدامنا‪ ،‬وان�صرنا على القوم الكافرين‪.‬‬
‫ويح�صل منكم ال�صبر على عواقبه‪.‬‬
‫‪ ١٤٨‬فا�ستجاب الله دعاءهم‪ ،‬ف آ�تاهم ثواب الدنيا بالن�صر‬
‫والغنيمة والثناء الح�سن‪ ،‬و�آتاهم ُح�س َن ثواب الآخرة‪،‬‬ ‫‪ ١٤٣‬ولقد كنتم �أيها الم�ؤمنون قبل أُ�ح ٍد تم َّنون القتال‬
‫وهي الجنة‪ ،‬والله يحب المح�سنين ‪ -‬أ�ي‪ :‬وه�ؤلاء‬ ‫والموت في �سبيل الله لـ َّما علمتم ما نال �شهداء بدر‬
‫مح�سنون والله يحبهم‪ -‬وكل ما �سبق آ�يا ُت عتا ٍب‬ ‫من الكرامة‪ ،‬فقد ر�أيتم ما كنتم تتم ّنون و أ�نتم تنظرون‬

‫وتوجيه للم ؤ�منين‪ ،‬وليكونوا كال�صادقين ِم ْن قبلهم‪.‬‬ ‫ب�أعينكم ما تمنيتم‪ ،‬فلم فررتم وتقهقرتم؟‬

‫‪٦٨‬‬ ‫‪ ١٤٤‬ولـ َّما ُأ��شيع يوم أ�ُحد مو ُت ر�سول الله ‪- -‬‬
‫و أ��صاب الم�ؤمنين ما �أ�صابهم من ال�شدة والقتل‪ ،‬قال‬
‫قوم‪ :‬لئن كان ُق ِت َل محمد ‪ - -‬لنطلبن من الم�شركين‬
‫ا ألمان؛ ف إ�نهم لع�شائرنا و إ�خواننا‪ ،‬ولو كان محمد حي ًا‬
‫لم نهزم فترخ�وصا في الفرار‪ .‬وثبت �آخرون فقالوا‪:‬‬
‫قاتلوا على ما قاتل عليه نب ُّيكم حتى تلحقوا به‪ ،‬فعاتب‬
‫الله الفارين عتاب ًا �شديداً‪ ،‬وذ ّكرهم ب�أن محمداً ‪- -‬‬
‫ما هو إ�لا ر�سول كال�سابقين من الر�سل الذين إ�ذا انق�ضت‬
‫آ�جالهم ماتوا وقب�ضهم الله إ�ليه‪ ،‬أ�ف إ� ْن مات �أو ُقتل ارتددتم‬
‫ورجعتم �إلى الكفر؟! و َم ْن ينقلب على عقبيه فلن ي�ضر‬
‫الله �شيئ ًا‪ ،‬و�إنما ي�ضر نف�سه‪ ،‬و�سيجزي الله ال�شاكرين‬

‫بثباتهم على الحق خير الجزاء‪.‬‬

‫‪ ١٤٥‬ولي�س لنف�س َ�أ ْن تموت إ�لا ب�أمر الله ‪� -‬سواء �أنتم أ�م‬
‫نبيكم ‪َ -‬ك َتب الله ذلك عنده كتاب ًا له �أج ٌل معلو ٌم‬
‫لا يتقدم ولا يت أ�خر‪ ،‬فالفرار من القتال لا يدفع الموت‪،‬‬
‫والثبا ُت لا يقطع الحياة‪ ،‬و َم ْن ُي ِر ْد بقتاله ثواب الدنيا‪� ،‬أي‬

‫‪ ١٥٢‬ولـ ّما رجع الم ؤ�منون �إلى المدينة بعد ُأ� ُح ٍد‪ ،‬وقد‬ ‫‪ ١٤٩‬ح َّذر الله تعالى من ا ّتباع الكفار بعدما �أمر باتباع‬
‫�أ�صيبوا‪ ،‬قال بع�ضهم لبع�ض‪ :‬من أ�ين �أ�صابنا هذا وقد‬ ‫ال�صادقين من �أتباع المر�سلين‪ ،‬فقال‪ :‬يا أ�يها الذين آ�منوا �إن‬
‫وعدنا‪ ‬الله الن�صر؟ ف أ�نزل الله هذه الآية �إجاب ًة عن ذلك‪:‬‬ ‫تطيعوا الذين كفروا؛ بالخ�وضع لهم �أو طل ِب أ�مانهم‪� ،‬أو‬
‫ب�أنه تعالى ح ّقق لكم �أيها الم�ؤمنون وعده‪ ،‬فن�صركم‬ ‫تطيعوا المنافقين الذين ُي َخ ِّذلونكم ويلقون ال�ُّش َب َه بينكم؛‬
‫أ�ول ا ألمر حين م ّكنكم من أ�عدائكم‪ ،‬تقتلونهم‬ ‫يردوكم إ�لى َ�ضع ٍف وهوا ٍن‪� ،‬أو كفر و�ضلال كما كنتم‬
‫وت�ست أ��صلونهم بت أ�ييده‪ ،‬وا�ستمر ذلك حتى َ�ض ُعفت‬ ‫من قبل‪ ،‬فتخ�سروا الدنيا وا آلخرة‪ .‬وهذا تحذي ٌر عا ٌّم من‬
‫�أنف�سكم ‪ -‬والمق�وصد بهم بع�ض الرماة‪ -‬فلم ت�صبروا على‬
‫الثبات مكانكم كما أ�مركم نب ُّيكم حين ر أ�يتم الم ؤ�منين‬ ‫اتباع الكافرين إ�لى يوم‪ ‬القيامة‪.‬‬
‫يجمعون الغنائم‪ ،‬وتنازعتم في البقاء أ�و النزول لجمع‬
‫الغنائم‪ ،‬وع�صيتم أ�مر نب ِّيكم‪ ،‬فترك �أكثركم أ�ماكنهم‪ ،‬من‬ ‫‪ ١٥٠‬واعت ِ�صموا بالله أ�يها الم�ؤمنون‪ ،‬ولا تهنوا‪ ،‬ف إ� ّن الله‬
‫بعد ما �أراكم الله ما تحبون من الن�صر والغنيمة‪ .‬منكم‬ ‫ملاوكم‪ ،‬ف أ�طيعوه وا�ستغنوا بموالاته عمن �سواه‪ ،‬فهو‬
‫أ�يها الرماة َم ْن يريد الثواب العاجل‪ ،‬وهو الغنيمة فنزل‬
‫لجمعها‪ ،‬ومنكم َم ْن ثبت مكانه محافظة على عهد‬ ‫نا�صركم‪ ،‬وهو خير النا�صرين‪.‬‬
‫ر�سول‪ ‬الله ‪ - -‬وابتغاء ما عند الله من الثواب بذلك‬
‫الفعل في الدار الآخرة‪ ،‬ثم �صرفكم عن قتالهم ‪ -‬ب�سبب‬ ‫‪� ١٥١‬س ُنلقي الرعب في قلوب َم ْن يريد قتالكم من‬
‫مع�صيتكم‪ ،‬ففررتم وكان ما كان من القتل‪ -‬ليمتحن الله‬ ‫الكافرين‪ ،‬ب�سبب �إ�شراكهم في عبادة الله ما لم ينزل الله‬
‫�صبركم على الم�صائب وثباتكم على الإِيمان‪ ،‬ول ُ َي ّبيكم‬ ‫به ُح ّج ًة ولا برهان ًا؛ إ�ذ ا إل�شراك به تعالى لم ي�أذن به الله‬
‫فلا تعودوا مرة �أخرى إ�لى مخالفة ر�سولكم ‪- -‬‬ ‫في دين من ا ألديان‪ ،‬ومرجعهم �إلى النار‪ ،‬وبئ�ست النار‬
‫ولقد عفا الله عن ذنبكم‪ ،‬والله ذو ف�ضل على الم ؤ�منين‪.‬‬ ‫مثوى للذين ظلموا أ�نف�سهم باكت�ساب ما �أوجب عقابه‪.‬‬

‫‪ ١٥٣‬واذكروا يا �أهل ُ�أح ٍد لطف ًا من أ�لطاف الله تعالى‬
‫بكم؛ إ�ذ ُت ْ�ص ِعدون‪� ،‬أي تفرون م�سرعين في الوادي‪،‬‬
‫ال‪ ‬يلتفت بع�ضكم إ�لى بع�ض‪ ،‬هرب ًا من عد ّوكم‪،‬‬
‫والر�سول يناديكم من خلفكم‪�« :‬إليّ عبا َد الله‪� ،‬إليّ عباد‬
‫الله»‪ ،‬ثم لطف بكم ف أ�ثابكم‪ ،‬أ�ي �أعقبكم َغ ّم ًا مت�صل ًا‬
‫ب َغ ّم‪ ،‬وهو غم �إ�شاعة قتل نبي الله ‪ - -‬م ّت�صل ًا بغ ٍّم‬
‫�ساب ٍق‪ ،‬هو غم ما أ��صابكم من الجروح والقتل وغلبة‬
‫الم�شركين‪ ،‬وقد �أ�شا َع اللهُ بينكم خب َر قتل نبيكم‬
‫‪ - -‬ليخف َف فر ُح معرف ِة نجاته ‪ - -‬عنكم الحز َن‬
‫على ما فاتكم ِم ْن ن�صر وغنيمة‪ ،‬وما أ��صابكم ِم ْن قتل‬
‫وجراحات ‪ -‬فداواهم الله بهذا‪ -‬والله علي ٌم ب أ�عمالكم‬

‫ونياتكم أ�يها الم�ؤمنون‪ ،‬فاتقوه وراقبوه‪.‬‬

‫‪٦٩‬‬

‫عن عقوبة ذنوبهم‪ ،‬والله غفور‪ ،‬ي�ستر ويعفو‪ ،‬حليم‪ ،‬فلا‬ ‫‪ ١٥٤‬ث ّم َل َط َف الله بكم ‪� -‬أيها الم�ؤمنون‪ -‬لطف ًا �آخر؛‬
‫يعجل بعقاب َم ْن ع�صاه‪.‬‬ ‫وهو أ�نه أ�نزل عليكم من بعد الحزن الذي أ��صابكم أ�من ًا‬
‫من النعا�س‪ ،‬فنمتم نوم ًا خفيف ًا كان �سكينة لقلوبكم‪،‬‬
‫‪ ١٥٦‬ح ّذر الله الم ؤ�منين من م�شابهة الكفار في القول‬ ‫وتجديداً لن�شاطكم‪ ،‬وقد �شمل هذا النعا�س �أهل ال�صدق‬
‫�أو الاعتقاد‪ ،‬وذلك ب�ألا يكونوا كالذين كفروا بالله فلم‬ ‫وا إليمان‪ ،‬ولم ي�شمل المنافقين‪ ،‬الذين َج َل َب ْت عليهم‬
‫ي�ؤمنوا به تعالى وبق�ضائه وقدره‪ ،‬فقالوا إلخوانهم من‬ ‫نفو�سهم المري�ضة وظنو ُنهم ال�سيئة اله َّم وخو َف القتل‪،‬‬
‫�أهل الكفر إ�ذا مات بع ُ�ضهم في �سفر �أو تجارة‪� ،‬أو قتلوا‬ ‫يظنون بالله ظنون ًا باطلة من أ�وهام الجاهلية‪ِ ،‬م ْن �ُسو ِء‬
‫في غزاة‪ :‬لو �أقاموا فلم يخرجوا ما �أ�صابهم مو ٌت أ�و‬ ‫تدبير الله تعالى لنبيه ‪ - -‬وت�و ّص ِرهم خذلانه له‬
‫قتل‪ ،‬ف ُيع ِق ُبهم الله بهذا القول وهذا الظن حزن ًا و َغ ّما في‬ ‫وللم ؤ�منين‪ ،‬وقد ظهر هذا الظ ُّن في قولهم‪ :‬هل لنا من‬
‫قلوبهم ب�سبب عدم �إيمانهم ‪ -‬وهذا ر ٌّد ألقوال المنافقين‬ ‫الأمر من �شيء؟ �أي لم نكن نحن ال�سبب في الخروج‬
‫ال�سابقة‪ -‬والله هو الذي بيده ا إلحياء والإماتة‪ ،‬أ�ي فلا‬ ‫لمقابلة العدو الذي ن�ش أ� عنه ما ن�ش أ� ‪ -‬وهذا من اللمز‬
‫تجزعوا أ�يها الم ؤ�منون لموت َم ْن مات منكم‪ ،‬والله يرى ما‬ ‫والت�شكيك في نبوة ر�سول الله ‪ -‬قل �أيها الر�سول‬
‫لهم‪ :‬إ�ن ك َّل ما جرى بتدبير الله‪ .‬وه ؤ�لاء المنافقون‬
‫تعملون فاتقوه‪.‬‬ ‫ُيخفون في أ�نف�سهم من الكفر وال�شك ما لا يظهرون‬
‫لك يا محمد‪ ،‬يقولون فيما بينهم‪ :‬لو كان أ�مر الخروج‬
‫‪ ١٥٧‬فجا ِهدوا أ�يها الم�ؤمنون في �سبيل الله واعلموا‬ ‫ب أ�يدينا ما خرجنا من المدينة إ�لى هذا المكان الذي ُقتل‬
‫�أنكم �إن ُقتلتم في �سبيل إ�علاء كلمة الله أ�و ُمتم َل َي ْغ ِف َر َّن‬ ‫فيه أ�قاربنا وع�شائرنا‪ .‬قل لهم‪ :‬لو كنتم في بيوتكم‪،‬‬
‫الله لكم وليرحمنكم‪ ،‬وهذا خي ٌر مما يجمعه المنافقون‬ ‫وق ّدر‪ ‬الله عليكم �أن تموتوا‪ ،‬لخرج منكم الذين كتب الله‬
‫عليهم القتل ف ُقتلوا في ا ألماكن التي حددها الله لقتلتهم‪.‬‬
‫المتخلفون عن الجهاد‪.‬‬ ‫وقد كان ما كان ليختبر الله به ما في �صدوركم فيميز‬
‫الخبيث من الطيب ويظهر َأ� ْم َر الم�ؤمن من المنافق‪ ،‬وليط ِّهر‬
‫‪٧٠‬‬ ‫قلوبكم ‪� -‬أيها الم�ؤمنون‪ -‬من الو�ساو�س وال�شبهات التي‬
‫ت�سمعونها بما يريكم من عجائب ُ�صنعه‪ ،‬من الأ َم َنة‪،‬‬
‫و�صرف العدو‪ ،‬و إ�ظهار �سرائر المنافقين‪ ،‬والله عليم بما‬

‫تخفيه �صدور عباده‪ ،‬فيعاملهم به ويحا�سبهم عليه‪.‬‬

‫‪ ١٥٥‬ث ّم ب َّي الله تعالى ال�سبب الخفي فيما حدث‬
‫للم ؤ�منين يوم �أحد‪ ،‬فقال‪� :‬إن الذين تو َّلوا منكم‪،‬‬
‫�أيها الم ؤ�منون‪ ،‬ففروا يوم التقى جم ُع الم�ؤمنين وجم ُع‬
‫الكافرين‪� ،‬إنما �أوقعهم ال�شيطان في هذه الزلة ب�سبب‬
‫بع�ض ذنوبهم‪ ،‬من ع�صيان أ�مر الر�سول وا�ستعجال‬
‫الغنيمة وغير ذلك ‪ -‬وفي هذا َر ٌّد على المنافقين في‬
‫تعري�ضهم بالنبي ‪ ‬ب�إلقاء ال ّت ِب َع ِة عليه حين أ�مرهم‬
‫بالخروج �إلى ُأ�حد‪ -‬ولقد عفا الله عن الم�ؤمنين فتجاوز‬

‫‪ ١٦١‬ما كان لنب ٍّي ولا ُي َت�و َّصر في حقه‪ ،‬أ�ن ي أ�خذ �شيئ ًا‬
‫من الغنائم لنف�سه ِخ ْفي ًة‪ ،‬أ�و أ�ن يق�سمه بين طائفة من‬
‫الم ؤ�منين ويترك طائفة بغير حق‪� ،‬أي فلا تتعجلوا أ�يها‬

‫الم ؤ�منون الغنيمة �أو تخفوا �شيئ ًا منها‪ ،‬و َمن يخ ْن من‬
‫غنائم الم�سلمين �شيئ ًا ي أ�ت به يوم القيامة في المح�شر‪،‬‬
‫مف�وضح ًا على ر�ؤو�س الخلائق‪ ،‬ثم ُي ْع ِط الله ك َّل نف�س‬

‫جزاء ما ك�سبت من خير أ�و �شر وافي ًا يوم القيامة‪.‬‬

‫‪ ١٦٣ ١٦٢‬أ�يكون من اكت�سب الخير فاتبع �أوامر الله‬
‫واجتنب نواهيه كمن جاء يوم القيامة مح َّمل ًا ب�سخط‬
‫من الله ب�سبب مخالفته ألمره �سبحانه‪ ،‬وكان مرجعه‬

‫وم�صيره إ�لى النار‪ ،‬وبئ�س ذلك الم�صير؟ كلا‪ .‬فه�ؤلاء‬

‫الطائعون والعا�وصن منازلهم متباينة تمام التباين يوم‬

‫القيامة‪ ،‬فلمن �أطاع الله الثوا ُب العظيم‪ ،‬ولمن باء‬
‫ب�سخطه العذا ُب ا ألليم‪ ،‬والله م َّطلع على �أعمالهم‬

‫جميع ًا ومجازيهم عليها‪.‬‬

‫‪ ١٦٤‬لقد تف ّ�ضل الله على الم�ؤمنين ب أ�ن بعث فيهم‬ ‫‪ ١٥٨‬ولئن ُم ّتم ‪ -‬أ�يها الم�ؤمنون‪ -‬أ�و ُقتلتم ف إ�ن مرجعكم‬
‫ر�سلا ًو عربي ًا مث َلهم‪ ،‬يعرفونه ويفهمونه‪ ،‬وهو �أ�شفق‬ ‫�إلى الله‪ ،‬فيجازيكم ب أ�عمالكم‪ ،‬ف�آثروا ما‪ ‬ير�ضيه‪.‬‬
‫النا�س بهم‪ ،‬يقر�أ عليهم كتاب الله و ُيطهرهم من الكفر‬
‫والذنوب‪ ،‬ويعلمهم القر�آن وال�س ّنة‪ ،‬وقد كانوا من‬ ‫‪ ١٥٩‬فبرحم ٍة عظيم ٍة أ�ودعها الله في قبلك ‪� -‬أيها‬
‫قبل إ�ر�سال الر�سول إ�ليهم لفي حيرة و�ضلال وا�ضح‪،‬‬ ‫النبي‪ -‬رفقت بالم�ؤمنين هذا الرفق العظيم بعد‬
‫ما كان من خطئهم يوم �أحد‪ ،‬ولو كنت جافي ًا في‬
‫وهو �ضلالات ال�شرك والجهالة‪ .‬وهذا تنبيه للم�ؤمنين‬ ‫القول‪ ،‬قا�سي القلب لتفرقوا ِم ْن حولك‪ ،‬فتجاو ْز عن‬
‫ليتذكروا نعمته ب إ�ر�ساله محمداً ‪ - -‬لئلا يلتفتوا‬ ‫هفواتهم‪ ،‬وا�ستغفر الله لهم‪ ،‬وا�ستم َّر في م�شاورتك‬
‫لهم‪ ،‬تطييب ًا لنفو�سهم‪ ،‬ف إ�ذا عزم َت على أ�م ٍر بعد ما‬
‫لحظة عن لزوم هديه ‪.‬‬ ‫تب َّي لك �وصا ُبه فام�ض له‪ ،‬واعتم ْد على الله‪� ،‬إ ّن الله‬

‫‪�َ ١٦٥‬أ ِحي َن أ��صابتكم �أيها الم�ؤمنون م�صيبة ب ُأ�حد‪ ،‬وقد‬ ‫يح ُّب المتوكلين عليه‪.‬‬
‫�أ�صبتم بت أ�ييد الله لكم من الم�شركين يوم بدر ِم ْث َليها ‪-‬‬
‫وذلك �أن الم�شركين َقتلوا من الم�سلمين ب ُأ�حد �سبعين‬ ‫‪ ١٦٠‬الأمور ك ُّلها بيد الله تعالى؛ ف إ� ْن ُي ِع ْنكم على‬
‫أ�عدائكم‪ ،‬فلن يغلبكم أ�حد منهم‪ ،‬و�إن يترك‪ ‬الله عونكم‪،‬‬
‫و َقتل الم�سلمون منهم ببدر �سبعين و�أ�سروا �سبعين‪ -‬قلتم‬ ‫فلن ين�صركم أ�حد مع خذلان الله لكم‪ ،‬وعلى الله وحده‬
‫متعجبين‪ِ :‬م ْن أ�ين أ��صابنا هذا‪ ،‬ونحن م�سلمون وفينا‬
‫ر�سول الله؟ قل لهم أ�يها النبي‪ :‬هو ِم ْن عند �أنف�سكم‪ ،‬حين‬ ‫فاعتمدوا وبه فا�ستعينوا‪.‬‬
‫خالفتم �أمري‪ ،‬إ�ن الله قادر على ن�صركم وخذلانكم‪،‬‬

‫فلما ع�صيتم �أ�صابكم ما أ��صابكم‪.‬‬

‫‪٧١‬‬

‫‪ ١٧٢‬و ِم ْن ه�ؤلاء الذين لا ُي ِ�ضيع اللهُ أ�جرهم‪ :‬الم ؤ�منون‬ ‫‪ ١٦٦‬والذي أ��صابكم �أيها الم ؤ�منون يوم أُ� ُحد‪ ،‬يوم‬
‫الذين ا�ستجابوا لله والر�سول‪ ،‬بعد ما أ��صابهم القت ُل‬ ‫التقيتم بجمع الكافرين‪ ،‬كان بق�ضاء الله وقدره‪،‬‬
‫والجرا ُح ب�أُحد ‪ -‬وكان الم�سلمون قد خرجوا مع‬
‫الر�سول ‪ ‬ا�ستجاب ًة ألمره بعد انتهاء غزوة �أُ ُح ٍد في �إثر‬ ‫ول ُيظهر‪ ‬اللهُ به �أهل الإيمان‪ ،‬ف�س ِّلموا له وا�صبروا‪.‬‬
‫الكفار الذين قاتلوهم ليرى النا� ُس أ�ن بهم قو ًة‪ -‬فثوا ُب‬
‫ه ؤ�لاء الذين أ�ح�سنوا منهم بالا�ستمرار على الطاعة‪،‬‬ ‫‪ ١٦٧‬و ِم ْن حكمته �أن َيـ ِميز الله المنافقين‪ ،‬ويظهرهم‬
‫لكم ‪ -‬أ�يها الم�ؤمنون‪ -‬حينما رجعوا عن القتال وهم‬
‫واتقوا مخالفة ر�سولهم �أج ٌر عظي ٌم‪.‬‬ ‫في الطريق‪ ،‬وقد قلتم لهم‪ :‬قاتلوا معنا في �سبيل الله‪ ،‬ف إ� ْن‬
‫لم تقاتلوا فك ِّثوا عددنا‪ ،‬فقالوا‪ :‬لو نعلم �أنكم تقاتلون‬
‫‪ ١٧٣‬وه�ؤلاء الم ؤ�منون ال�صادقون هم الذين ثبتوا حينما‬ ‫ل�سرنا معكم‪ .‬هم في هذه الحالة أ�قرب لإظهار الكفر من‬
‫قال لهم بع�ُض العرب تثبيط ًا وتخويف ًا لهم‪ ،‬بعد �ُأ ُح ٍد‪:‬‬ ‫إ�ظهار ا إليمان‪ ،‬يقولون ب أ�فواههم ما لا يعتقدونه ‪ -‬ألنهم‬
‫إ� ّن كفار قري�ش قد جمعوا لكم الرجال والعتاد‪ ،‬فاتقوا‬ ‫اعتقدوا ح�وصل القتال‪ ،‬ولكن ر�أوا فيه هلاكهم‪ -‬والله‬

‫لقاءهم الذي تواعدتم عليه‪ ،‬ف إ�نه لا طاقة لكم بهم‪،‬‬ ‫�أعلم بكذبهم وبما يكتمونه‪ ،‬وقد �أظهر لكم علاماته‪.‬‬

‫فزادهم هذا التخوي ُف ثبات ًا في دينهم‪ ،‬و ُن�صر ًة لنبيهم‪،‬‬ ‫‪ ١٦٨‬و ِم ْن علامات نفاقهم �شمات ُتهم بالم ؤ�منين‬
‫وقالوا‪ :‬ح�سبنا الله فهو يكفينا �أ ْمرهم‪ ،‬وهو ِن ْعم المولى‬ ‫وتخطئ ُتهم في خروجهم للقتال‪ ،‬حيث قالوا إلخوانهم‬
‫المنافقين بعد ما قعدوا عن القتال و�أ�شاعوا هذا القول‪:‬‬
‫لمن تلاوه‪.‬‬ ‫لو �أطاعنا الذين قتلوا ب�ُأحد في عدم الخروج للقتال‬
‫وفي الرجوع عنه ما ُقتلوا‪ .‬قل لهم �أيها الر�سول‪� :‬إذا‬
‫كنتم تظنون أ�نكم دفعتم عن أ�نف�سكم القتل بقعودكم‬
‫في بيوتكم‪ ،‬فادفعوا عن أ�نف�سكم الموت الذي ق ّدره الله‬

‫على جميع خلقه‪.‬‬

‫‪ ١٦٩‬ولا تح�سب َّن ‪ -‬أ�يها النبي‪ -‬الذين ُقتلوا من الم�ؤمنين‬
‫في الجهاد في �سبيل الله أ�موات ًا لا َي ُح�ُّسون ولا يتنعمون‪،‬‬

‫بل إ�نهم �أحياء عند الله يرزقون‪.‬‬

‫‪ ١٧١ ١٧٠‬وال�شهداء في فرح و�سرور بما آ�تاهم الله‬
‫من الكرامة‪ ،‬وم�سرورون بحال �إخوانهم الذين كانوا‬
‫يجاهدون معهم وتركوهم �أحياء‪ ،‬ب�أنهم عندما يلحقون‬
‫بهم �سيكونون في كرامة الله فلا يخافون ولا يحزنون‬
‫على مفارقة الدنيا فرح ًا با آلخرة‪ .‬ويفرحون بما َح َباهم‬
‫من نعمه‪ ،‬وبما يزيدهم من ف�ضله‪ ،‬وب�أنه تعالى لا ُي ِ�ضيع‬

‫أ�جر الم ؤ�منين‪ ،‬بل يوفيهم ما‪ ‬وعدهم‪.‬‬

‫‪٧٢‬‬

‫ت�شكيك الم�ؤمنين‪ ،‬و َع ْرقل ِة الدعوة‪ ،‬و ُن�صرة الكافرين‪،‬‬ ‫‪ ١٧٤‬فرجع الذين ا�ستجابوا لله والر�سول بالخروج‬
‫لأنهم لن ُيغ ِّيوا �شيئ ًا مما أ�راده الله‪ ،‬ومنه إ�ظها ُر دينه‬ ‫للقاء العدو‪ ،‬وفو�وضا �أمرهم إ�ليه تعالى بعافي ٍة من‬
‫على الدين كله‪ ،‬يريد الله �أ ّل يجعل له ؤ�لاء المنافقين‬ ‫الله‪ ،‬حيث لم َي ْل َقوا ع َّدوهم‪ ،‬وبف�ض ٍل ِم ْن ربهم بما‬
‫�أ�صابوه ِم ْن �أرباح تجارة كانوا ا َّتروا بها‪ ،‬وبما نالوه‬
‫ن�صيب ًا من ثواب الآخرة‪ ،‬ولهم فيها عذا ٌب عظي ٌم‪.‬‬ ‫من الثواب‪ ،‬ولم يم�س�سهم �أذى أ�و مكروه من ع ِّدوهم‪،‬‬
‫و أ�ر�وضا بهذا الخروج ر َّبهم‪ ،‬والله ذو �إح�سان عظيم‬
‫‪� ١٧٨ ١٧٧‬إن الذين ارت ُّدوا عن دينهم فا�ستبدلوا‬
‫الكفر با إليمان‪ ،‬لن ينق�وصا الله أ�و دينه �شيئ ًا‪ ،‬و إ�نما‬ ‫على عباده‪.‬‬
‫ي�ضرون أ�نف�سهم بفعل ما يوجب لها عقاب ًا �شديداً لا‬
‫ُيطاق‪ .‬ولا يظ َّن َن الذين كفروا �أن إ�مهالنا لهم بطول‬ ‫‪ ١٧٥‬إ� َّن ما قيل لكم ‪� -‬أيها الم ؤ�منون‪ِ -‬م ْن أ� َّن الم�شركين‬
‫العمر وتوفي ِر و�سائل العي�ش هو خير ألنف�سهم‪� ،‬إنما‬ ‫قد جمعوا لكم ال ُع َّد َة والرجا َل ل ُي َخ ِّذلوكم عن لقائهم‪،‬‬
‫ُنهلهم ليزيدوا من آ�ثامهم‪ ،‬إليثارهم الكفر على‬ ‫�إنما هو تخويف من ال�شيطان لكم جاء على ل�سان‬
‫أ�وليائه‪ ،‬فلا تخافوا الم�شركين ولا َي ْع ُظم �أم ُرهم في‬
‫الإيمان‪ ،‬ولهم يوم القيامة عذا ٌب ُم ِذ ٌّل‪ُ  ‬مهين‪.‬‬ ‫قلوبكم‪ ،‬وخافوني باتقاء مع�صيتي وبفعل �أمري‪ ،‬فهذا‬

‫‪ ١٧٩‬لي�س من حكمة الله و�ُسننه في خلقه �أن يترك‬ ‫مقت�ضى الإيمان‪.‬‬
‫الم ؤ�منين ال�صادقين‪ ،‬على ما هم عليه من ا�ستمرار حالة‬
‫ال َّلب�س بينهم وبين المنافقين واختلاط أ�هل الخبث بهم‪،‬‬ ‫‪ ١٧٦‬ولا يحزنك ‪� -‬أيها الر�سول‪ -‬ه�ؤلاء المنافقون‬
‫دون أ�ن يميز المنافق ‪ -‬و إ�ن طال �ستره‪ -‬من الم�ؤمن‬ ‫الذين يبادرون ويجتهدون في �أعمال الكفر‪ِ ،‬م ْن‬
‫ال�صادق‪ ،‬وذلك بما يبتليكم به من المحن ‪ -‬ومنها ما‬
‫َح َد َث يوم �أحد‪ -‬وما كان من �سنن الله �أن يطلعكم‬ ‫‪٧٣‬‬
‫�أيها الم ؤ�منون على الغيب؛ ومنه �سرائر العباد‪ ،‬فتعلموا‬
‫المنافقين من الم ؤ�منين‪ ،‬ولكن ُيظهرهم بالاختبارات‬
‫والمحن‪� ،‬إلا من ا�صطفاه الله من الر�سل فيطلعه على‬
‫بع�ض ما في �ضمائر عباده‪ ،‬ف�أخ ِل�وصا‪ ‬لله ولر�سوله‪،‬‬
‫و إ�ن ت�ؤمنوا ح َّق ا إليمان‪ ،‬وتتقوا الله بالمداومة على‬

‫طاعته‪ ،‬فلكم أ�جر عظيم‪.‬‬

‫‪ ١٨٠‬لا ي ُظ َّن َّن الذين يبخلون بما تف َّ�ضل اللهُ عليهم من‬
‫ِن َع ٍم و أ�موال ‪ -‬فلم يخرجوا ما وجب عليهم فيها من‬
‫زكاة و�إنفاق في �سبيل الله‪ -‬أ�ن ذلك خير لهم‪ ،‬ك ّل‬
‫بل هو �ش ٌّر عظيم لهم‪� ،‬س ُي ْج َعل ذلك طوق ًا في �أعناقهم‬
‫يع َّذبون به يوم القيامة‪ ،‬ولله وحده يرجع ما في‬
‫ال�سماوات وا ألر�ض ‪� -‬أي فما لهم يبخلون بما أ�نعم به‬

‫عليهم؟!‪ -‬والله بما تعملون خبير‪.‬‬

‫عن النار و�ُأدخل الجنة فقد ظفر بالنجاة والخير العظيم‪،‬‬ ‫‪ ١٨٢ ١٨١‬لقد �سمع الله قول اليهود الذين قالوا‪ :‬إ� َّن‬
‫وما لذات الدنيا ونعيمها �إلا متاع زائل َي ُغ ّر ا إلن�سان‪.‬‬ ‫الله فقير �إلينا ونحن أ�غنياء عنه ‪ -‬وكان ذلك بعد نزول‬

‫فلا تجزعوا لفقد �إخوانكم‪ ،‬ولا تركنوا �إلى الدنيا‪.‬‬ ‫قوله تعالى‪} :‬ﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩ{‪،‬‬
‫‪َ ١٨٦‬و ِّطنوا أ�نف�سكم أ�يها الم ؤ�منون على الطاعة لله‬
‫وال�صبر على البلاء‪ ،‬ف إ�نكم لا تزالون ُت ْخ َت َبون في‬ ‫فقالوا‪ :‬ي�ستقر�ضنا ربنا‪� ،‬إنما ي�ستقر�ض الفقي ُر الغن َّي‪-‬‬
‫�أموالكم بتكاليف ا إلنفاق في �سبيل الله وبما ي�صيبها‬ ‫فقال الله متوعداً لهم‪� :‬سنكتب ما قالوا من هذا الفح�ش‬
‫من النق�ص وا آلفات‪ ،‬ولا تزالون ُتختبرون في أ�نف�سكم‬
‫بالم�صائب‪ ،‬ول َت�ْسم ُع َّن من اليهود والن�صارى ومن الكفار‬ ‫في �صحف آ�ثامهم‪ ،‬فلا ُيحى ولا ُي ْ�صفح عنه‪ ،‬و�سنكتب‬
‫كثيراً مما ي�ؤذيكم في دينكم‪ ،‬و�إ ْن ت�صبروا على أ�ذاهم‬ ‫قت َلهم بع�َض الأنبياء ال�سابقين ‪-‬؛ و�إنما أ�دخلهم الله في قتل‬
‫فتثبتوا وتتقوا الله بطاعته ف إ�ن ذلك مما �أمركم به أ�مراً‬ ‫ا ألنبياء و إ� ْن لم يقتلوا لأنهم را�وضن به‪ ،-‬و�سنجزيهم‬
‫بذلك‪ ،‬فنقول لهم‪ :‬ذوقوا عذاب النار المحرقة‪ .‬وذلك‬
‫م ؤ� َّكداً فالتزموه‪.‬‬ ‫العذاب جزاء جرائمكم وتج ُّر ِئكم على‪ ‬الله‪ ،‬والله‬

‫‪٧٤‬‬ ‫ال‪ ‬يظلم‪� ‬أحداً‪.‬‬

‫‪ ١٨٣‬و ِم ْن �شناعات اليهود وكذبهم قولهم‪� :‬إ َّن الله‬
‫�أو�صانا في ُكتبه �ألا ن�ص ِّدق ر�سلا ًو فيما جاء به حتى ي�أتينا‬
‫بذبيحة �أو غيرها مما ُي َتقرب به إ�لى الله فت أ�تي نار فتحرقها‪.‬‬
‫فر َّد الله عليهم �أن تعليقكم الإيما َن بالر�سل على ما ذكرتم‬
‫مخال ٌف لواقعكم‪ ،‬فقل لهم ‪ -‬أ�يها الر�سول‪ :-‬قد‬
‫جاءكم ُر�ُس ٌل من قبلي بمعجزات كثيرة وبهذا ال ُقربان‪،‬‬
‫َف ِل َم قتلتموهم إ�ن كنتم �صادقين فيما قلتم؟ �أي ف أ�نتم �أيها‬
‫اليهود الذين كفرتم بمحمد ‪ - -‬في الكذب والكفر‬

‫ك�أ�سلافكم ألنكم علمتم نبوته بعلامات كثيرة‪ ،‬ومع‬

‫ذلك لم ت�ؤمنوا به‪.‬‬

‫‪ ١٨٤‬ف إ� ْن ك ّذبك ‪ -‬يا محمد‪ -‬اليهو ُد بعد َأ� ْن عرفوا‬
‫�صدق نب َّوتك‪ ،‬فلا تحز ْن‪ ،‬فقد ك َّذب ْت �أ�سلا ُفهم الر�س َل‬
‫بعد أ�ن جا�ؤوا بالحجج الوا�ضحة على �صدقهم‪ ،‬وبال ُّزبر‬
‫الم�شتمل ِة على المواعظ وال ِحكم‪ ،‬والكتب العظيمة المبينة‬

‫لل�شرائع وا ألحكام‪.‬‬

‫‪ ١٨٥‬ك ُّل َن ْف� ٍس مخلوقة لاب َّد لها أ�ن تموت‪ ،‬و إ�نكم �إنما‬
‫ُت ْع َطون جزاء أ�عمالكم تام ًا وافي ًا يوم القيامة‪َ ،‬ف َم ْن أُ�بعد‬

‫‪ ١٨٩‬ولله ُملك جميع ما في ال�سماوات وما في‬
‫ا ألر�ض‪ ،‬تعالى أ�ن يفتقر �إلى �شيء‪ ،‬وهو قاد ٌر على كل‬

‫�شيء‪ ،‬ومنه تعجيل العقوبة للمجرمين في الدنيا‪.‬‬

‫‪ ١٩٠‬تف َّكروا �أيها الم�ؤمنون في بدائع خلق ال�سماوات‬

‫وا ألر�ض‪ ،‬ف�إن في خلق ال�سماوات وا ألر�ض على‬

‫هذا النظام البديع‪ ،‬وما فيهما من ا آليات العظيمة من‬
‫كواك َب وبحا ٍر وزروع و أ��شجار‪ ،‬ومنافع للنا�س‪ ،‬وفي‬
‫تعاقب الليل والنهار َلدلائل وعظات ألولي ا أللباب؛‬

‫أ��صحاب العقول المنتبهة ال�سليمة‪.‬‬

‫‪ ١٩١‬و أ�ولو ا أللباب هم الذين يذكرون الله في �صلاتهم‬ ‫‪ ١٨٧‬واذك ْر ‪� -‬أيها الر�سول‪ -‬إ�ذ �أخذ الله العهد‬
‫وعلى جميع أ�حوالهم قائمين وقاعدين وم�ضطجعين‪،‬‬ ‫على أ�هل الكتاب ل ُي َبي ُن َّن للنا�س ما �أنزل الله في التوراة‬
‫وا إلنجيل‪ ،‬ومنه ما جاء فيها ِم ْن �صفتك و�أمر ر�سالتك‬
‫ويتفكرون في بديع خلق ال�سماوات وا ألر�ض ا�ستدلال ًا‬ ‫بالحق‪ ،‬ف�ض ّيع َخ َل ُفهم هذا ا ألمر ولم يلتفتوا �إليه‪ ،‬ونق�وضا‬
‫ما ُ�أخذ عليهم من الميثاق‪ ،‬فكتموا عن النا�س أ�مر نبوتك‬
‫واعتباراً‪ ،‬فتلهج أ�ل�سنتهم با إلقرار بربوبيته تعالى متذلِّلين‬ ‫والب�شارة بك فيها‪ ،‬وقد فعلوا ذلك لينالوا حظ ًا قليل ًا من‬

‫�إليه م�ستجيرين من عذابه‪ ،‬قائلين‪ :‬ر َّبنا ما خلق َت هذا‬ ‫حطام الدنيا‪ ،‬فبئ�س هذا ال�شراء الذي ا�شتروه‪.‬‬
‫عبث ًا ولا لعب ًا‪ ،‬بل دليل ًا على وجودك ول ِح َك ٍم عظيمة‬
‫أ�نت تعلمها‪ ،‬تن َّزه َت ع ّما لا يليق بك‪ ،‬آ�منا بك‪َ ،‬ف ِقنا‬ ‫‪ ١٨٨‬لا تظ َّن َّن ‪ -‬يا محمد‪� -‬أ ّن ه�ؤلاء اليهود الذين‬
‫يفرحون ب�إ�ضلال النا�س وبكتمانهم ِ�صفتك‪ ،‬وبما نالوا في‬
‫و َ�أ ِجرنا ِم ْن عذاب النار‪.‬‬ ‫مقابل ذلك ِم ْن منافع الدنيا‪ ،‬وزادوا على �سوء ما �صنعوا‬
‫طل َب ما لم ي�ستحقوه‪ ،‬وهو ثناء �أهلهم وغيرهم عليهم‬
‫‪ ١٩٢‬ويقولون ُمع ِّبين عن �شدة خوفهم وطلبهم الوقاية‬ ‫ب�أنهم َح َف َظ ُة �شريعتهم و ُح َّرا�سها‪ ،‬والحال أ�نهم لم يفعلوا‬
‫من العذاب‪ :‬ر ّبنا �إنك َمن ُتدخل النا َر فقد �أخزيته ‪ -‬أ�ي‬ ‫بل فعلوا عك�س ذلك‪ ،‬فلا‪ ‬حت�سب ّنهم بعيدين من العذاب‬
‫أ�هنته و أ�ذللته‪ -‬وما للظالمين الذين أ��شركوا بك َم ْن يمنع‬ ‫الذي �أع ّده‪ ‬الله ألعدائه في الدنيا من الخ�سف والم�سخ وما‬

‫عنهم عذابك يوم القيامة‪.‬‬ ‫�شابه ذلك‪ .‬ولهم و ألمثالهم عذا ٌب �ألي ٌم في ا آلخرة‪.‬‬

‫‪ ١٩٤ ١٩٣‬ويت�ضرعون قائلين‪ :‬ر َّبنا إ�ننا �سمعنا نب َّيك‬ ‫‪٧٥‬‬
‫محمداً ‪ - -‬وكتابك الذي �أَنزل َت يدعواننا �إلى‬
‫الإيمان بك فبادرنا وما تخ ّلفنا‪ ،‬ر ّبنا فا�صفح عن ذنوبنا‬
‫فلا ت ؤ�اخذنا بها‪ ،‬وامح ع ّنا خطايانا‪ ،‬و�أمتنا على الإيمان‬
‫والطاعة‪ ،‬ر َّبنا و�آتنا ما وعدتنا على َ�أ ْل ِ�سنة ر�سلك‪ ،‬من‬
‫ثواب الدنيا والجنة في ا آلخرة ‪ -‬والمق�وصد بالر�سل‬
‫هنا محمد ‪ -‬ولا تخزنا يوم القيامة‪ ،‬إ�نك كريم لا‬

‫تخلف ما وعد َت به عبادك من الخير‪.‬‬

‫‪ ١٩٥‬ف�أجاب الله دعاءهم‪ :‬ب أ�ني لا ُأ� ِ�ضيع ثوا َب عم ِل‬
‫العام ِل منكم من الخير‪ ،‬بل �أوفيه جزاءه كامل ًا ولا �أخزيه‪،‬‬
‫ولا فرق في ذلك بين الذكر وا ألنثى؛ فكما �أن الأ�صل‬
‫واحد والم�س�ؤولية واحدة فالثواب واحد‪ .‬فالم ؤ�منون‬
‫والم ؤ�منات الذين هاجروا �إلى إ�خوانهم من أ�هل الإيمان‪،‬‬
‫و ُ�أل ِجئوا �إلى الخروج من ديارهم بمكة‪ ،‬و أُ�وذوا ب�سبب‬
‫طاعتهم لله ولر�سوله‪ ،‬وقاتلوا الم�شركين و ُقتلوا في �سبيل‬
‫الله‪ ،‬جزا�ؤهم أ�ني أ�محو �سيئاتهم‪ ،‬و أ�دخلهم جنات‬
‫تجري ا ألنهار من تحتها‪ ،‬جزاء عظيم ًا لهم من ف�ضل الله‪،‬‬

‫والله عنده ح�سن الجزاء لمن �آمن وعمل �صالح ًا‪.‬‬

‫يوفيهم �إياه يوم القيامة‪ ،‬إ�ن الله �سريع الح�ساب لعباده؛ �إذ‬ ‫‪ ١٩٧ ١٩٦‬لا يغ ّرنك ‪� -‬أيها الر�سول‪ -‬ما عليه الكفار‬
‫من نعمة و�َسعة‪ ،‬و�سيطر ٍة ونفو ٍذ في البلاد‪ ،‬ف إ�ن ذلك‬
‫هو عالم ب أ�عمالهم لا يخفى عليه �شيء‪ ،‬وقادر لا يعجزه‬ ‫متاع ي�سير ُي َّتعون به حتى ت�أتيهم �آجالهم فيموتوا‪ ،‬فلا‬
‫يرون متاع ًا بعده‪ ،‬ثم يكون م�صيرهم يوم القيامة إ�لى‬
‫�شيء‪.‬‬
‫النار‪ ،‬وبئ�س الفرا�ش والم�ضجع نار َجهنم‪.‬‬
‫‪َ ٢٠٠‬خ َتم الله تعالى ال�سورة بو�صي ٍة جامع ٍة لما فيها من‬
‫المقا�صد‪ ،‬فقال‪} :‬ﯪﯫﯬﯭ{‪� ،‬أي‬ ‫‪ ١٩٨‬أ� ّما الذين اتقوا ربهم بتوحيده وطاعته‪ ،‬فلهم‬
‫في الآخرة جنات تجري من تحتها الأنهار‪ ،‬هي أ�ها الله‬
‫اث ُبتوا على طاعتكم لله وعلى جهاد أ�نف�سكم و أ�عدائكم‪،‬‬ ‫وجعلها إ�قام َة كرام ٍة للطائعين‪ ،‬وما عند الله من النعيم‬
‫و َت َل ّقوا ق�ضاءه بالر�ضا‪ .‬وقابلوا ‪� -‬أيها الم�ؤمنون‪�َ -‬ص ْ َب‬ ‫في الجنة للطائعين خير مما يتقلب فيه الكافرون من النعيم‬
‫�أعدائكم ب�صبر أ�كبر‪ ،‬وكونوا على َح َذ ٍر منهم‪ ،‬فداوموا‬
‫على الإعداد والمرابطة لحماية أ�ر�ضكم ودينكم‪ .‬و َخ َتم‬ ‫في الدنيا‪.‬‬
‫الو�صايا ب ِجماع الخيرات وهو ا ألمر بتقوى الله تعالى‬
‫ب�صيانة النف�س عن المعا�صي ومخالف ِة �أمر ِه �سبحانه‪،‬‬ ‫‪َ ١٩٩‬أ� ْخ َب اللهُتعالى �أن اليهود والن�صارى لي�سوا جميع ًا‬
‫�سوا ًء‪ ،‬ف ِمن �أهل الكتاب فريق آ�منوا بالله �إيمان ًا حق ًا فلم‬
‫لعلكم بذلك �أن تفوزوا بالن�صر في الدنيا‪ ،‬وح�س ِن‬ ‫ي�شركوا به‪ ،‬و�ص ّدقوا بما �أُنزل على محمد ‪ - -‬من‬
‫الثواب في الآخرة‪.‬‬ ‫الحق فدخلوا في دينه واتبعوه بعد ما كانوا عليه من اتباع‬
‫التوراة وا إلنجيل والزبور‪ ،‬وهم خا�ضعون لله بطاعته‬
‫ُم�ْستكينون له‪ ،‬لم ُيح ّرفوا كلام الله‪ ،‬ولم يكتموا �صفة‬
‫ر�سوله محمد ‪ - -‬كما فعل غي ُرهم طلب ًا للرئا�سة‬
‫ولمتاع الدنيا‪ ،‬فه�ؤلاء لهم جزاء عظيم م َّدخر عند الله‬

‫‪٧٦‬‬

‫أ�موالكم‪ ،‬ولا َت ُ�ض ّموا أ�موالهم �إلى �أموالكم من غير تمييز‬ ‫‪ ١‬يا �أيها النا�س احذروا أ�ن تخالفوا ر َّبكم فيما‬
‫فت�أكلوا منها أ�و ت�ستولوا عليها‪� ،‬إن ذلك كان عند الله‬ ‫�أمركم به أ�و نهاكم عنه‪ ،‬ف إ�نه الذي ابتد�أ خلقكم‬
‫من نف�س واحدة‪ ،‬وهو �آدم ‪ -‬وهذا الخ ْلق يقت�ضي‬
‫�إثم ًا كبيراً‪.‬‬ ‫وجو َب طاعة الخالق‪ ،‬و َك ْو ُنكم ِم ْن نف�س واحدة �أَ ْد َعى‬
‫للتراحم بينكم‪ -‬ثم خلق الله من �آدم زوجه حواء فن�شر‬
‫‪ ٤ ٣‬و إ�ن خفتم ‪ -‬يا �أو�صياء اليتامى‪� -‬أ ّل تعدلوا‬ ‫بزواجهما رجال ًا كثيراً ون�ساء‪ .‬واتقوا مع�صية‪ ‬الله الذي‬
‫في اليتيمات �إذا تزوجتموهن‪ ،‬ب أ�ن ت�سيئوا معاملتهن‬ ‫ي�س�أل بع ُ�ضكم بع�ض ًا بح ِّقه‪ ،‬كقولكم‪� :‬أ�س�ألك بالله؛‬
‫�أو تعطوهن أ�ق َّل من �صداق ِم ْث ِله ّن‪ ،‬فا ألَ ْر�ش ُد لكم أ� ّل‬ ‫فكما تعظمونه في م�صالحكم فعظموه بطاعته‪ ،‬واتقوا‬
‫تنكحوهن وانكحوا غيرهن ممن �أحلهن الله لكم‪ ،‬من‬ ‫ا ألرحام �أن تقطعوها �أو ت�ضيعوا حقوقها‪� ،‬إن الله كان‬
‫واحدة �إلى �أربع ن�سوة‪ ،‬لا تجمعون بين أ�كثر من ذلك‪،‬‬
‫ف إ�ن خ�شيتم �أ ّل تعدلوا بينهن‪ ،‬فانكحوا واحدة وذروا‬ ‫عليكم رقيب ًا‪.‬‬
‫الجمع‪� ،‬أو اقت�صروا على َم ْن تملكون من الإماء والجواري‬
‫ف إ�نه لا يجب َق�ْسم بينهن‪ ،‬فهذا �أقرب لكم و أ�عون على‬ ‫‪ ٢‬ويا �أو�صياء اليتامى �أعطوا اليتامى �أموالهم �إذا‬
‫عدم الجور‪ .‬و�أعطوا الن�ساء مهورهن �صداق ًا واجب ًا لهن‪،‬‬ ‫بلغوا الـ ُح ُل َم وكانوا يح�سنون الت�ص ُّرف فيها‪ .‬ولا تتبدلوا‬
‫ف إ�ن َو َه ْ َب لكم ‪� -‬أيها ا ألزواج‪ِ -‬م ْن �صداقه َّن �شيئ ًا‬ ‫المح َّرم عليكم من أ�موالهم بالحلال من أ�موالكم فت�أخذوا‬
‫ألنف�سكم الجيد من �أموالهم وتدفعوا إ�ليهم الرديء من‬
‫بطيب نف�س‪ ،‬فخذوه فهو حلال لكم‪.‬‬

‫‪ ٥‬ولا ُتعطوا ال�سفها َء الذين لا يح�سنون الت�صرف‬
‫في ا ألموال ‪ -‬ل�صغرهم أ�و ل�ضعف عقولهم من اليتامى‬
‫وغيرهم‪ -‬أ�موالهم‪ ،‬ف�إنها و إ�ن كانت ملك ًا لهم فلا ي�صح‬
‫تمكينهم من �إهدارها‪ ،‬لأن الله جعل لكم في الما ِل ِقوا َم‬
‫دنياكم وتح�صي َل م�صالحكم‪ ،‬واجعلوا لهم في أ�موالهم‬
‫ن�صيب ًا لحاجاتهم وما لاب َّد منه من النفقات والك�سوة‪،‬‬

‫وقولوا لهم قلا ًو‪ ‬طيب ًا‪.‬‬

‫‪ ٦‬واختبروا ُح�ْس َن ت�ص ُّر ِف اليتامى في المال بعد‬
‫التمييز وقبل البلوغ‪ ،‬ف�إذا بلغوا �س َّن النكاح ووجدتم‬
‫منهم �سلامة عقل و ُح�ْس َن ت�صرف في المال فادفعوا �إليهم‬
‫�أموالهم‪ ،‬ولا تحب�سوها عنهم وت�أكلوها بغير ما �أباحه الله‬
‫لكم؛ �إ�سراف ًا‪ ،‬ومبادر ًة منكم في ا�ستهلاك المال قبل لزوم‬
‫ت�سليمه إ�ليهم عند بلوغهم ُر�ْشدهم‪ .‬و َم ْن كان منكم‬
‫�أيها ا ألو�صياء غني ًا فا ألولى له أ�ن ي�ستعفف عن الأكل‬
‫من مال اليتيم‪ ،‬و َم ْن كان منكم فقيراً محتاج ًا فلي أ�خذ‬
‫من مال اليتيم حا َل و�صاي ِت ِه عليه بالمعروف ‪ -‬وهو َق ْدر‬
‫الحاجة بلا إ��سراف �أو �أجرة المثل‪ -‬ف�إذا دفعتم �إلى اليتامى‬

‫أ�موالهم ف�أ�شهدوا على ذلك‪ ،‬وكفى‪ ‬بالله‪ ‬محا�سب ًا‪.‬‬

‫‪٧٧‬‬

‫الميراث‪ ،‬و�إن كانت المتروكة بنت ًا واحدة ولم يكن للميت‬ ‫‪ ٨ ٧‬للذكور ول إلناث ‪� -‬صغاراً كانوا �أو كباراً‪-‬‬
‫ولد َذ َك ٌر فلها ن�صف التركة‪ .‬و َن�صي ُب أ�بوي الميت �سواء‬ ‫ِح ّ�ص ٌة معلومة من ميراث الميت من الوالدين �أو ا ألقارب‬
‫الأم �أو الأب‪� ،‬إن كان للميت ولد واحد أ�و أ�كثر‪ ،‬ذكراً أ�و‬ ‫‪ -‬قليل ًا كان ما تركه الميت �أو كثيراً‪ -‬ح ّ�ص ًة فر�ضها الله‬
‫�أنثى‪ ،‬ن�صيب ا ألبوين‪ :‬لكل واحد منهما �سد�س التركة‪،‬‬ ‫وق ّدرها بمقادير مخ�وص�صة ‪ -‬وقد نزلت هذه الآية‬
‫ف�إن لم يكن للميت ولد ذكر أ�و �أنثى وورثه �أبواه ولم‬ ‫لإبطال ما كان �شائع ًا في الجاهلية من عدم توريث الن�ساء‬
‫يكن له كذلك إ�خوة اثنان ف�صاعداً‪ ،‬فن�صيب أ�مه ثلث‬ ‫و�صغار الذكور‪ -‬و�إذا ح�ضر ق�سم َة الميراث ذوو القربى‬
‫الميراث وللأب الباقي‪ .‬ف إ�ن كان للميت الذي لم يترك‬ ‫من الميت ممن لي�س لهم ح ٌّق في الميراث أ�و اليتامى �أو‬
‫ولداً إ�خوة ذكوراً �أو �إناث ًا أ�و مختلطين عددهم اثنان أ�و‬ ‫الفقراء من غير ا ألقارب‪� ،‬أو علمتم ب�شدة حاجتهم‪،‬‬
‫�أكثر‪ ،‬فن�صيب الأم ال�سد�س‪ .‬وهذه الق�سمة التي ق�سمها‬ ‫فاجعلوا لهم �أيها الوارثون �شيئ ًا من الميراث يعينهم على‬
‫الله تعالى في الميراث تكون بعد ق�ضاء دين الميت كامل ًا‪،‬‬ ‫�س ِّد حاجتهم ‪ -‬وهذا ا ألمر على �سبيل الا�ستحباب عند‬
‫وتنفيذ و�صيته ال�صحيحة فيما لا يزيد على الثلث‪ ،‬وقد‬ ‫جمهور الفقهاء‪ -‬وقولوا لهم قلا ًو ح�سن ًا‪ ،‬كدعو ٍة لهم‬
‫ق�سم الله بينكم الميراث هذا التق�سيم العادل فعليكم أ�ن‬
‫تلتزموه‪ ،‬ولا ي�صح لكم أ�ن ُت ّكموا فيه أ�هواءكم‪ ،‬ف�إنكم‬ ‫بخير‪� ،‬أو اعتذا ٍر �إن لم يعطوا �شيئ ًا‪.‬‬
‫لا تعلمون َم ْن أ�نفع لكم ِم ْن أ��وصلكم وفروعكم في‬
‫دنياكم و�آخرتكم‪ ،‬وهذا فر�ض من الله عليكم‪� ،‬إن الله‬ ‫‪ ٩‬وليخ�ش اللهَ الذين لهم أ�ولاد �صغار‪ ،‬وهم‬
‫يخافون عليهم ‪� -‬إن ماتوا وتركوهم‪ -‬الفق َر وال�ضيع َة‪،‬‬
‫عليم بما ي�صلح عباده‪ ،‬حكيم فيما �شرع لهم‪.‬‬ ‫ب أ�ن يتقوا الله في جميع �ش ؤ�ونهم‪ ،‬وفى أ�موال اليتامى‬
‫فيفعلوا بهم ما يحبون أ�ن ُيفعل ب أ�بنائهم لو كانوا مثلهم‪،‬‬
‫ول ُي ْح ِ�سنوا القو َل لليتامى وين�صحوا لهم كما ين�صحون‬
‫ألبنائهم‪ .‬وا آلية متوجهة �أي�ض ًا �إلى َم ْن َي ْح�ضرون المري�ض‬
‫وهو يو�صي أ�و يعلمون بذلك ب�أن ي أ�مروه بعدم الح ْي ِف‬
‫في الو�صية وب ُح�ْسن الت�صرف حتى لا ي�ضر بورثته ه�ؤلاء‪.‬‬

‫‪ ١٠‬إ� ّن الذين ي أ�خذون �أموال اليتامى بغير حق‬
‫‪ -‬من الورثة �أو ا ألو�صياء �أو غيرهم في�ستولون عليها‬
‫وي�ضيعونها‪ -‬إ�نما ي أ�كلون ناراً تت�أجج في بطونهم يوم‬
‫القيامة‪ ،‬و�سيقا�سون ح َّر نا ٍر هائل ٍة لا يعلم مقدا َر �شدتها‬

‫إ�لا الله‪.‬‬

‫‪َ ١١‬ب َد�أَ اللهُ في تف�صيل ن�صيب أ�هم الوارثين من‬
‫الرجال والن�ساء الذي َأ� ْج َمله ِم ْن َقبل‪ ،‬وبد�أ بن�صيب‬
‫الأولاد لقربهم‪ ،‬فقال تعالى‪} :‬ﮓ ﮔ ﮕ‬
‫ﮖﮗ{‪ ،‬أ�ي ُي ْع ِلمكم الله ويعهد �إليكم‪ :‬للذكر‬
‫منهم ِ�ضع ُف ن�صيب الأنثى في الميراث إ�ذا اجتمعوا‪،‬‬
‫ف�إن ترك المي ُت من الأولاد إ�ناث ًا ولم يكن له ول ٌد ذك ٌر‪،‬‬
‫ف إ�ن كان عددهن اثنتين ف�أكثر فلهن الثلثان مما ترك من‬

‫‪٧٨‬‬

‫والفروع‪ -‬ف إ�ن كان للمتو َّفى في هذه الحالة أ� ٌخ من الأم‬
‫أ�و �أخت من الأم‪ ،‬ف إ�ن انفرد الأخ وحده أ�و الأخت‬
‫وحدها‪ ،‬فن�صيبه أ�و ن�صيبها هو ال�سد�س‪ .‬ف�إن كان‬
‫الإخوة وا ألخوات للأم اثنين ف أ�كثر‪ ،‬فميراثهم أ�نهم‬
‫ي�شتركون في الثلث و ُيف َّرق بينهم بال�سوية‪ ،‬لا َف ْر َق‬
‫بين ذكر و أ�نثى‪ ،‬لأن �صلة القرابة بينهم وبين الميت‬
‫�أنثى‪ ،‬وهي الأم ‪� -‬أي والباقي من الميراث يق�سم بين‬
‫�أ�صحاب الفرو�ض وال َع َ�صبات من الورثة‪ -‬وهذه‬
‫الق�سمة إ�نما تتم بعد تنفيذ الو�صية الجائزة للميت‬

‫وق�ضاء ما عليه من ديون‪.‬‬

‫ولا ي�ضر �أح ُدكم ورث َته ب�إكثار الو�صية‪ ،‬وهو ما زاد على‬ ‫‪ ١٢‬ولكم ‪ -‬أ�يها الرجال‪ -‬ن�صف ما ترك ْت‬
‫الثلث‪� ،‬أو �أن يق�صد بالو�صية إ��ضرارهم دون نية التق ُّرب‬ ‫زوجا ُتكم من الميراث بعد وفاتهن‪� ،‬إن لم يكن له َّن‬
‫إ�لى الله‪� ،‬أو �أن ي�ضرهم ب إ�كثار ال َّدين‪ .‬والذي َف َر ْ�ضناه‬ ‫ولد ‪ -‬منكم أ�و من غيركم‪� ،‬سواء كان الولد ذكراً أ�م‬
‫عليكم فيما �سبق من ق�سمة الميراث هو و�صية الله إ�ليكم‬ ‫أ�نثى‪ -‬ف إ� ْن كان لهن ولد فن�صيبكم ‪ -‬أ�يها الأزواج‪-‬‬
‫فالتزموها‪ ،‬والله عليم بم�صالح عباده‪ ،‬وبمن ي�ستحق‬ ‫هو الربع‪ ،‬مما بقي من تركات زوجاتكم بعد ق�ضاء‬
‫الميراث و َم ْن لا ي�ستحقه‪ ،‬حليم لا يعاجل بالعقوبة‪،‬‬
‫ديونهن‪ ،‬و إ�نفا ِذ و�صاياهن ال�صحيحة‪.‬‬
‫فا�ستجيبوا ألحكامه‪.‬‬
‫و أ� ّما ميراث الزوجات من الأزواج‪ ،‬ف إ�ن لهن الرب َع مما‬
‫‪ ١٣‬هذه الق�سمة التي ق�سمها لكم ربكم في‬ ‫تركتم �أيها ا ألزواج من الميراث إ�ن لم يكن لكم ولد‬
‫المواريث‪ ،‬هي حدود من الله عز وجل لكم لا يجوز‬ ‫‪ -‬منهن �أو ِم ْن غيرهن‪ -‬ف�إ ْن كان لكم ولد‪ ،‬ف َن�صيب‬
‫أ�ن تتعدوها‪ ،‬وال‪ ‬حت ُّل مخالف ُتها‪ ،‬وهي حدود ُيعلم بها‬ ‫زوجاتكم هو ال ُّثمن‪ ،‬مما يبقى بعد ق�ضاء ديونكم‪ ،‬و�إنفاذ‬
‫�أه ُل الطاعة من أ�هل المع�صية‪ ،‬و َم ْن يطع الله عز وجل‬
‫فيما أ�مر به من الأحكام‪ ،‬وفيما �شرعه من �شرائع تتعلق‬ ‫و�صاياكم ال�صحيحة‪.‬‬
‫بالمواريث وغيرها‪ ،‬يدخ ْله جنا ٍت تجري من تحت �أر�ضها‬
‫و أ��شجارها الأنهار‪ ،‬مقيمين فيها لا يموتون ولا يخرجون‬ ‫و َم ْن مات من الرجال أ�و الن�ساء كلال ًة‪ ،‬أ�ي لم يكن له‬
‫�أو لها وار ٌث من ولد أ�و والد‪ ،‬وهم ا أل�وصل والفروع‪،‬‬
‫منها أ�بداً‪ ،‬وذلك هو الفلاح الذي لي�س بعده فلاح‪.‬‬ ‫‪ -‬والكلالة هو الذي ترثه القراب ُة ِم ْن غير الأ�وصل‬

‫‪ ١٤‬و َم ْن يخال ْف �أمر الله ور�سوله‪ ،‬ويتجاوز ما ح ّده‬
‫الله من حدود طاعته‪� ،‬شا ّك ًا فيما �شرعه الله ‪ -‬ومنه ق�سم ُة‬
‫المواريث‪ -‬أ�و م�ستنكراً له‪ ،‬كما ا�ستنكره المنافقون‬
‫يدخ ْله الله ناراً عظيمة‪ ،‬خالداً فيها‪ ،‬لخروجه بهذا عن‬

‫ِم َّل ِة الإ�سلام‪.‬‬

‫‪٧٩‬‬

‫من الموت‪ ،‬فهذا الزمن الي�سير لي�س زمن توبة ‪ -‬وهذا‬ ‫‪ ١٥‬لـ ّما َذ َكر تعالى في �أول ال�سورة بع�َض ا ألحكام‬
‫ح ٌّث على ا إل�سراع بالتوبة وعدم الت�سويف‪ -‬ولا توبة‬ ‫المتعلقة بنكاح الن�ساء ومعا�شرتهن على الوجه الم�شروع‪،‬‬
‫بعد الموت لمن يموتون وهم كفار‪ ،‬وه�ؤلاء الذين ماتوا‬ ‫ذكر هنا �أحكام اجتماع الرجل والمر�أة على الوجه غير‬
‫الم�شروع‪ ،‬وهو الزنا‪ .‬فب َّي أ� َّن ُحكم َم ْن ي�أتين فاح�شة‬
‫وهم كفار �أعتدنا لهم عذاب ًا أ�ليم ًا‪.‬‬ ‫الزنا من ن�سائكم الم�سلمات‪ ،‬هو أ�ن ت�ست�شهدوا على‬
‫ذلك �أربعة رجال ُعدول‪ -‬وا�شتراط ا ألربعة ت�شدي ٌد إ�يثاراً‬
‫‪ ١٩‬كانت عادة الجاهلية �إذا مات الرجل وترك زوجة‬ ‫لل�ستر‪ -‬ف إ�ن �شهدوا بر ؤ�ية ِف ْع ِلهن ذلك‪ ،‬ف�أم�سكوهن‬
‫انتقل َح ُّق ولايتها �إلى أ�وليائه‪ ،‬ف إ�ن �شا�ؤوا زوجوها‬ ‫في البيوت عقوبة لهن ورعاية ومحافظة عليهن ودفع ًا‬
‫و�إن �شا ؤ�وا لم يزوجوها‪ ،‬أ�و تزوجها �أحدهم بغير مهر‪،‬‬ ‫للف�ساد حتى ي�أتيهن �أج ُلهن ف َي ُمتن‪� ،‬أو �إلى �أن يجعل الله‬
‫ف�أنزل الله هذه الآية إ�بطال ًا لذلك‪ :‬فلا َي ِح ُّل لكم ‪� -‬أيها‬
‫الم ؤ�منون‪� -‬أن ترثوا نكاحهن �إكراه ًا لهن من غير توكيل‬ ‫له َّن َمخرج ًا من هذا‪ ،‬ب�أن ي�شرع حكم ًا آ� َخر‪.‬‬
‫منهن‪ .‬ولا َي ِح ُّل لكم أ�يها الأزواج أ�ن ُت�ش ِّددوا عليهن‬
‫وت�ضروهن رغبة أ�ن تفتدي الزوجة نف�سها من زوجها‬ ‫‪ ١٦‬واللذان ي�أتيان فاح�شة الزنا من الرجال والن�ساء‬
‫لتفارقه ب�أن تترك له بع�ض مهرها‪� ،‬إلا �أن ت�أتي الزوجة‬ ‫منكم ‪ -‬أ�يها الم�سلمون‪ -‬عقوبتهما �أي�ض ًا أ�ن ت�ؤذوهما‬
‫ب�أمر فاح�ش كن�وشز أ�و زنا‪� ،‬أو �سوء ُخ ُل ٍق َب ّ ٍي فلكم ذلك‪،‬‬ ‫بالتوبيخ والزجر �أو الهجر‪ ،‬ف إ�ن تابا من الفاح�شة‬
‫وعاملوا زوجاتكم بالمعروف‪ ،‬ف إ�ن كرهتموهن فلا‬ ‫و َ�صلُحت �أعمالهما ف�أ�صلحوا معامل َتهما‪ ،‬و�أعر�وضا‬
‫تتعجلوا مفارقتهن؛ فع�سى أ�ن تكرهوا �شيئ ًا ويجعل‪ ‬الله‬ ‫عن تعنفيهما وتذكيرهما بجريمتهما‪� ،‬إن الله يقبل توبة‬
‫عباده‪ ،‬وا�سع الرحمة بهم‪ .‬وهذه العقوبة لهما كانت‬
‫لكم فيه خيراً كثيراً في الدنيا وا آلخرة‪.‬‬ ‫في أ�ول الإ�سلام قبل نزول الحدود‪ ،‬و ُن�سخ ذلك كله‬
‫بما �شرع اللهُ ور�سو ُله‪ ،‬فجعل الله للن�ساء �سبيل ًا من دوام‬
‫‪٨٠‬‬ ‫الحب�س‪ ،‬ب أ�ن جعل الـ َج ْلد للأبكار ‪ -‬وهم غير الم ْح َ�صنين‬
‫من الرجال والن�ساء‪ -‬والرج َم لل ُم ْح َ�صنين‪� ،‬سواء كانوا‬

‫متزوجين �أم �سبق لهم الزواج‪.‬‬

‫‪َ ١٧‬و َع َد اللهُ ع ّز وج ّل بقبول التوبة من الذين يقعون‬
‫في المعا�صي‪ ،‬جهل ًا و�سفه ًا منهم ‪ -‬وهذا الوقوع في‬
‫المع�صية �سواء كانت عن ق�صد أ�و غير ق�صد هو جهالة‪،‬‬
‫إ�ذ ك ُّل عا�ٍص جاه ٌل حين َي ْع�صي‪ ،‬ألنه �آثر العاجل على‬
‫الآجل‪ ،‬ولم ُيق ِّدر عاقب َة �أمره‪� -‬إن أ��سرعوا بتوبتهم قبل‬
‫موتهم وقبل أ�ن ت�صل �أرواحهم إ�لى حناجرهم‪ ،‬فه�ؤلاء‬
‫الذين بادروا بالتوبة �صادقين يتق ّبل الله توبتهم‪� ،‬إن‪ ‬الله‬
‫عليم بالتائبين وبما ي�صلحهم‪ ،‬حكيم في ت�شريعه للتوبة‬

‫وقبولها من عباده‪.‬‬

‫‪ ١٨‬ولا ُتقبل توب ُة الذين يعملون ال�سيئات‪� ،‬إذا كانت‬
‫توبتهم عند ح�وضر موتهم‪ ،‬وانقطع منهم َح ْب ُل الرجاء‬
‫في الحياة ب أ�ن بلغ ْت أ�رواحهم حناجرهم‪ ،‬فتيقنوا بذلك‬

‫‪ ٢٢‬ولا َي ِح ُّل لكم ‪� -‬أيها الم ؤ�منون‪� -‬أن تتزوجوا‬ ‫‪ ٢٠‬و إ�ن َر ِغبتم ‪ -‬أ�يها الم�ؤمنون‪ -‬في نكاح امر�أة‬
‫�أرامل آ�بائكم ‪ -‬ويدخل فيه الأجداد‪ ،‬وقد كان ذلك‬ ‫مكان زوجة لكم ‪ -‬قد دخلتم بها‪ -‬فلا َيح ُّل لكم أ�ن‬
‫فا�شي ًا بين العرب في الجاهلية‪� -‬سواء دخل �آبا�ؤكم بهن‬ ‫ُت َ�ض ّيقوا على َم ْن تريدون طلاقها لت أ�خذوا ِم ْن مهرها‬
‫�أم لم يدخلوا‪ ،‬و أ� ّما ما م�ضى من ذلك قبل نزول هذه‬ ‫�شيئ ًا ولو قليل ًا‪ ،‬حتى ولو كان المهر الذي دفعتموه لها‬
‫الآية فلا إ�ثم عليكم فيه‪ ،‬وتثبت به ا ألحكام المترتبة على‬ ‫مال ًا كثيراً‪� .‬أتقبلون �أن ت�أخذوه ظلم ًا و إ��ساءة منكم بغير‬
‫النكاح‪ .‬وعليه َف َم ْن كان متزوج ًا من امر أ�ة كانت زوج ًة‬ ‫�سبب؟ وتقعوا في ا إلثم بعد أ�ن ات�ضحت لكم حرم ُته‪.‬‬
‫لأبيه ِم ْن ن�سب أ�و ر�ضا ٍع؛ فيجب عليه �أن يفارقها‪� .‬إ ّن‬ ‫و إ�نما كان الأخذ بهتان ًا ألنه �سب ٌب في �أن ُيظ َّن بالمر�أة أ�نها‬
‫ذلك النكاح كان فاح�شة بالغ َة ال ُقبح‪ ،‬وممقوت ًا عند الله‬ ‫�أتت �أم َر �سو ٍء ففد ْت نف َ�سها ببع�ض المال ل ُيط ّلقها زوجها‬

‫وعند ا أل�سوياء من النا�س‪ ،‬وبئ�س هذا ال�سبيل �سبيل ًا‪.‬‬ ‫وي�ستر‪ ‬عليها‪.‬‬

‫‪ ٢٣‬و ُح ِّرم عليكم نكاح أ�مهاتكم ‪ -‬ويدخل فيهن‬ ‫‪ ٢١‬ولي�س ِمن المروءة ‪ -‬أ�يها الرجال‪ -‬أ�ن ت أ�خذوا‬
‫الجدات و�إن َع َلون‪ -‬ونكا ُح بناتكم و َم ْن تنا�سل منهن‬ ‫‪ -‬من غير �سبب‪ِ -‬عو�ض ًا من زوجاتكم عن الفراق‪،‬‬
‫من الن�ساء‪ ،‬و ُح ِّرم عليكم نكاح �أخواتكم‪ ،‬وعماتكم‪،‬‬ ‫بعد أ�ن عا�شرتموهن و�أف�ضى بع�ضكم �إلى بع�ض بالجماع‬
‫وخالاتكم‪ ،‬وبنا ِت ا ألخ‪ ،‬و َم ْن تنا�سل ِمن بنات ا ألخ‪،‬‬ ‫وغيره‪ .‬وكيف ت�أخذونه أ�ي�ض ًا وقد �َأ َخ ْذ َن منكم عهداً‬
‫وبنا ِت الأخوات و َم ْن تنا�سل منهن‪ .‬و ُح ِّرم عليكم‬ ‫متين ًا عند عقد النكاح ب�أن تم�سكوهن وتعا�شروهن‬
‫نكاح أ�مها ِتكم من الر�ضاعة‪ ،‬و�أخوا ِتكم من الر�ضاعة‪،‬‬
‫و�أمهات زوجاتكم ‪ -‬ولو لم تدخلوا بهن‪ ،‬ف ُحرم ُة‬ ‫بمعروف �أو ت�سرحوهن ب�إح�سان؟!‬
‫نكا ِح ا ألمهات تثبت بمجرد العقد على البنات‪ -‬و ُح ِّرم‬
‫عليكم نكاح ربائبكم‪ ،‬وهن بنات الزوجة من غيركم‪،‬‬ ‫‪٨١‬‬
‫واللاتي غالب ًا ما يتر َّبي َن مع أ�مهاتهن في بيوتكم‬
‫‪ -‬وتربيت ُهن في بيوتكم لي�ست �شرط ًا في التحريم‪ -‬فهن‬
‫محرمات عليكم ولو لم يتر َّبين في بيوتكم‪ ،‬ولكن ب�شرط‬
‫�أن تكونوا دخلتم ب�أمهاتهن‪ ،‬ف إ�ن طلقتم �أمها ِتهن قبل‬
‫الدخول بهن �أو ماتت ا ألم قبله فيحل لكم �أن تنكحوا‬
‫بناتهن‪ .‬و ُح ِّرم عليكم �أن تنكحوا زوجات أ�بنائكم‬
‫الذين ولدتموهم ِم ْن أ��صلابكم ‪ -‬و إ�ن لم يدخل ا ألبناء‬
‫بهن‪ ،‬و ُي ْلحق بهم ا ألبناء من الر�ضاع؛ لأنه يحرم من‬
‫الر�ضاع ما يحرم من الن�سب‪ -‬و ُح ِّرم عليكم أ�ن تجمعوا‬
‫في النكاح بين ا ألختين‪ ،‬بحيث تكونان زوجتين‬
‫ألحدكم في وقت واحد‪ .‬وما م�ضى من ذلك فلا إ�ثم‬
‫عليكم فيه‪ ،‬إ�ن الله كان غفوراً رحيم ًا‪ .‬فمن كانت تحته‬
‫�أختان اختار �إحداهما وفارق الأخرى‪ .‬وكذلك َح َّرم‬
‫النب ُّي ‪ ‬الجم َع بين المر أ�ة وعمتها‪ ،‬وبين المر أ�ة وخالتها‪.‬‬

‫وهو ال َجل َُد خم�سون َجلدة‪ ،‬وال‪َ  ‬ر ْج َم على ا ألَ َمة‪.‬‬ ‫‪ ٢٤‬و ُح ِّرم عليكم نكا ُح ك ِّل ذا ِت زوج من الن�ساء‪،‬‬
‫ونكا ُح المملوكا ِت عند عدم القدرة على نكاح الحرائر‬ ‫إ�لا �إذا كانت ممن ملكتموهن بوج ٍه م�شرو ٍع بعد حي�ٍض‬
‫إ�نما �أُبيح لمن خاف منكم على نف�سه (ال َع َن َت) �أي الفجور‬ ‫تعرفون منه عدم َح ْملها من زوجها ال�سابق‪ ،‬فالت ِزموا‬
‫والوقوع في الزنا‪ ،‬وال َّ�صب ُر عن نكاح الأ َمة أ�ولى و�أف�ضل‬ ‫بحدود الله‪ ،‬ولا تقربوا ما ح َّرمه عليكم‪ .‬ولقد أ�جاز‬
‫‪ -‬وذلك لئلا ي�صير الولد رقيق ًا‪ -‬والله وا�سع المغفرة‬ ‫الله لكم نكاح َم ْن ترغبون في زواجه َّن من الن�ساء غير‬
‫اللائي ح َّرم عليكم إ�ذا أ�تممتم �شروط الزواج ال�شرعي‬
‫عظيم الرحمة‪.‬‬ ‫الم�ستدام‪ ،‬وو َّفيتم بحقوقه المالية من المهر والنفقة‪ ،‬وي�صير‬

‫‪ ٢٦‬يريد الله بما �َ َشع لكم ِم ْن هذه ا ألحكام‪ ،‬وبما‬ ‫حينئ ٍذ ال�شرط المالي لعقد الزواج‪ ،‬الذي هو المهر‪ ،‬كامل ًا‬
‫َذ َكر من محرمات ومباحات �أن ُيب ّي لكم �شرائع دينكم‬
‫الذي ارت�ضاه لكم‪ ،‬وما خفي عنكم من م�صالحكم‪ ،‬و�أن‬ ‫ِم ْن حق الزوجة بعد الدخول بها‪ ،‬ولا إ�ثم عليكم بعدئ ٍذ‬
‫ير�شدكم �إلى �سنن الأنبياء والمر�سلين ِم ْن قبلكم في الحلال‬ ‫�إذا ترا�ضيتم فيما بينكم بالن�سبة للحقوق المالية ب أ�ن‬
‫والحرام؛ لتقتدوا بهم‪ ،‬ويتو َب بذلك عليكم مما كنتم‬
‫تقعون فيه ِم ْن مع�صية ربكم قبل �أن ي ُم َّن عليكم بالإ�سلام‪،‬‬ ‫يزا َد َمثل ًا على المهر �أو ُينق�ص منه �أو يتنازل عنه‪ ،‬وهذا‬
‫الذي �شرعه الله ِم ْن من ٍع و�إباح ٍة في الزواج‪� ،‬شرعه عن‬
‫والله عليم ب أ�حوال العباد‪ ،‬حكيم فيما‪� ‬شرعه لكم‪.‬‬ ‫علم محيط بما ُي�صلح أ�حوالكم‪ ،‬وحكم ٍة بالغ ٍة في تدبير‬
‫�أموركم‪ ،‬فهو تعالى العليم الحكيم‪ .‬و أ� ّما نكاح المتعة‪،‬‬
‫‪٨٢‬‬ ‫وهو المنتهي ب�أجل محدو ٍد متف ٍق عليه‪ ،‬ف�إنه عن هذه‬

‫الآية بمعز ٍل‪ ،‬ولفظ الا�ستمتاع الوارد فيها معناه الدخو ُل‬

‫المو ِج ُب للزوجة جميع المهر‪ ،‬كما تق ّدم‪ ،‬وجماهير �أهل‬
‫العلم على أ�ن نكاح المتعة كان مباح ًا ثم ا�ستق َّر ا ألمر‬

‫على تحريمه‪.‬‬

‫‪ ٢٥‬و َم ْن لم يجد منكم �َس َع ًة من المال‪ ،‬للزواج من‬
‫الحرائر الم ؤ�منات‪ ،‬فله �َأ ْن يتز ّوج أ� َم ًة ‪� -‬أي مملوكة‪-‬‬
‫م�ؤمنة‪ ،‬والله أ�علم بحقيقة إ�يمانكم‪ ،‬فلا تتعالوا عن نكاح‬

‫الإماء فك ُّلكم ِم ْن �آدم و أ�نتم مت�شاركون في الإيمان الذي‬
‫هو �أعظم الف�ضائل‪ ،‬ف ْليتزو ْج بها لهذه ال�ضرورة بموافقة‬
‫أ�هلها ‪ -‬أ�ي �س ّيدها‪ -‬مع إ�عطائها مهرها على ما ترا�ضيتم‬
‫به عن ِط ْي ِب نف� ٍس منكم‪ ،‬واختاروهن من العفيفات‪ ،‬لا‬
‫مـ ّم ْن يجاهرن بالزنا أ�و ممن يعا�شرن الرجال �سراً ‪� -‬إذ‬
‫كان ذلك حا�صل ًا بين بع�ض الإماء في الجاهلية‪ -‬ف�إذا‬

‫تزوج ْت ثم زن ْت؛ فعليها من الح ّد ن�ص ُف عقوبة الح ّر ِة‪،‬‬

‫القتل‪ ،‬والتعبير بقوله‪�« :‬أنف�سكم» ُم ْع ِل ٌم ب�أن الم ؤ�منين‬ ‫‪ ٢٧‬والله يريد �أن يتوب عليكم و َي ْ� ِصفكم عما كنتم‬
‫كنف�س واحدة؛ فالعدوان على �أح ٍد منهم؛ عدوان‬ ‫عليه في الجاهلية‪ ،‬ويهديكم إ�لى �شريعته‪ ،‬ويريد متبعو‬
‫ال�شهوات ِم ْن �أهل الباطل أ�َ ْن تبتعدوا عن طريق الحق‬
‫على جميع الم�سلمين‪ .‬ويدخل في النهي قت ُل الإن�سا ِن‬
‫ُبعداً �شديداً‪ ،‬فتكونوا أ�مثالهم‪.‬‬
‫نف َ�سه‪ ،‬فالله رحيم بكم‪ ،‬و ِم ْن رحمته ما ح ّرم عليكم من‬
‫المح ّرمات وللاو ذلك لهلكتم‪.‬‬ ‫‪ ٢٨‬يريد الله أ�ن ُيخ ِّفف عنكم‪ ،‬فلذلك �شرع لكم‬
‫ال�شريعة الحنيفية ال�سمحة‪ ،‬و أ�باح لكم عند ال�ضرورة‬
‫‪ ٣٠‬و َم ْن ي أ�خذ أ�موال النا�س بغير حق‪ ،‬أ�و يقتل نف�س ًا‬
‫عدوان ًا وظلم ًا‪ ،‬فم�صيره جهنم يحترق بنارها‪ ،‬وهذا‬ ‫و�شدة الحاجة ُر َخ�ص ًا ترفع الـ َح َرج عنكم‪ ،‬والتي منها‬
‫ما �أباحه من الزواج با إلماء‪ ،‬وقد ُخلق الإن�سان �ضعيف ًا‬
‫على الله ي�سير؛ ألنه لا را َّد لم�شيئته ولا مع ِّق َب لـ ُحكمه‪.‬‬
‫فنا�سبه من التكاليف ما فيه ُي�ْسٌ‪ ‬و�َسع ٌة‪.‬‬
‫‪ ٣١‬إ� ْن َتت ْركوا �أيها الم ؤ�منون كبائر الذنوب‪ :‬كا إل�شراك‬
‫‪ ٢٩‬يا أ�يها الذين آ�منوا لا ت أ�خذوا �أموال غيركم بال ُّطرق‬
‫بالله‪ ،‬وعقوق الوالدين‪ ،‬وقت ِل النف�س بغير الحق‪،‬‬ ‫التي ح َّرمها الله عليكم‪ ،‬كالربا وال ِقمار وال َغ ْ�صب‬
‫وال�سحر والزنا‪ ،‬ونحوها من الذنوب العظيمة؛ َن ُح‬ ‫وغيرها؛ ولكن يجوز لكم أ�خذ الأموال بالتجارة عن‬
‫عنكم ما دونها ِم ْن �صغائر الذنوب‪ ،‬و ُندخ ْلكم في‬ ‫ترا�ٍض وطيب نف� ٍس منكم على الوجه الذي �شرع لكم‪.‬‬
‫ا آلخرة ُمدخل ًا مك َّرم ًا لا ه َّم فيه ولا ك َد َر‪ ،‬وهو الجنة‪.‬‬ ‫ولا َي ْق ُت ْل بع ُ�ضكم بع�ض ًا حقيق ًة �أو بمبا�شرة ما ي ؤ� ّدي إ�لى‬

‫‪ ٣٢‬ولا تتمنوا ‪ -‬أ�يها الرجال والن�سا ُء‪ -‬ما ف َّ�ضل الله‬ ‫‪٨٣‬‬
‫به بع�ضكم على بع�ض‪ِ ،‬م ْن منازل الف�ضل ودرجات‬
‫الخير‪ ،‬و ْل َ ْي�َض �أح ُدكم بما ق�سم الله له‪ .‬وللرجال ن�صي ٌب‬
‫من ثواب الله وعقابه‪ ،‬جزاء ما اكت�سبوا من خي ٍر أ�و �ش ٍّر‪،‬‬
‫وللن�ساء ن�صي ٌب مثل ذلك‪ ،‬وا�س�ألوا الله توفي َقه ومعون َته‬
‫على ما ير�ضيه‪ ،‬إ�ن الله علي ٌم بما ي�صلح عباده‪ ،‬فار�وضا بما‬

‫َق َ�سم الله لكم‪.‬‬

‫‪ ٣٣‬ولك ِّل واح ٍد من الرجال والن�ساء جعلنا ورث ًة‬
‫ِم ْن أ�قاربه يرثونه‪ ،‬والذين َع َقد لهم المتو َّفى ‪ -‬من غير‬
‫قرابته‪ -‬عقداً مقت�ضاه �أن يرثوه �إذا مات ف آ� ُتوهم ن�صي َبهم‬
‫و آ�توا ك َّل ذي حق حقه ‪ -‬وفي هذه الآية �إ�شارة �إلى ما‬

‫كانوا عليه من التوارث بالتحالف‪ ،‬وكان ذلك أ�ول‬

‫ا إل�سلام ثم ُن�سخ حكمه بنزول آ�يات المواريث‪ -‬والله‬
‫م ّطل ٌع على كل �شيء ِم ْن �أعمالكم‪ ،‬و�سيجازيكم عليها‪.‬‬

‫‪ ٣٦‬واعبدوا الله ح َّق العبادة‪ ،‬ولا تجعلوا معه �شريك ًا‬ ‫‪ ٣٤‬الرجال قائمون على أ�مور الن�ساء ِمن ال ِحفظ‬
‫في �ألوهيته‪ ،‬و�أح ِ�سنوا �إلى الوالدين‪ ،‬و إ�لى أ�قربائكم‪،‬‬ ‫والتوجيه والرعاية‪ ،‬فهي ِقوام ُة م�س ؤ�ولية وتكليف؛‬
‫و�إلى اليتامى‪ ،‬والم�ساكين ‪ -‬وهم المحتاجون �إلى‬
‫الم�ساعدة لفقرهم و�ضعفهم‪ -‬و�إلى الجار الذي له قرابة‬ ‫وذلك بما خ�َّص اللهُ به الرجال من القدرة على التح ُّمل‬
‫والجا ِر الذي لي�ست له قرابة‪ ،‬والرفي ِق لكم في ك ِّل أ�م ٍر‬ ‫و ُح�ْسن التدبير‪ ،‬وبما ك َّلفهم به من ا إلنفاق على‬
‫�صال ٍح‪ ،‬والم�ساف ِر المحتاج‪ ،‬وما ملك ْت �أيما ُنكم من العبيد‬ ‫الزوجات‪ ،‬من المهر والم�أكل والملب�س وال�سكن‪ ،‬وغيرها‬
‫والإماء‪ .‬إ�ن الله تعالى لا يح ُّب المتكبرين من عباده‪،‬‬
‫من متطلبات المعي�شة‪ .‬فالن�سا ُء ال�صالحات مطيعا ٌت‪ ‬لله‬
‫المفتخرين عليهم بما أ�عطاهم من نعمه‪.‬‬ ‫تعالى ولأزواجه ّن فيما ير�ضيه تعالى‪ ،‬حافظات لما‬
‫يجب عليهن حف ُظه من ا ألموال‪ ،‬وال ِعر�ض وال�شرف‪،‬‬
‫‪ ٣٧‬ولا يح ُّب الله الذين يمتنعون عن الإنفاق مما‬
‫رزقهم الله في وجوه الخير‪ ،‬وي أ�مرون غيرهم بالبخل‪،‬‬ ‫وا أل�سرار الزوجية بما ا�ست�ؤم َّن عليه ب أ�مر الله �سبحانه‪.‬‬
‫ويكتمون ما أ�نزل‪ ‬الله في كتابهم ِم ْن �صفة نبي الله‬ ‫واللاتي تخ�وشن تر ُّف َعه َّن عن طاعتكم و�سو َء ع�شرتهن‬
‫محمد ‪� - -‬أولئك من الكافرين بالله الجاحدين‬ ‫فان�صحوه َّن بالكلمة الطيبة‪ ،‬ف�إن لم ُ ْت ِد معهن الموعظ ُة‬
‫لنعمته‪ .‬و�أع َّد الله للكافرين عذاب ًا م�ؤلم ًا ُم ِذل ًا‪ .‬وقد نزل ْت‬ ‫والن�صيحة فاهجروهن في ال ِفرا�ش؛ ف إ� ْن لم ي�ؤث ِّر ذلك‬
‫الهج ُر فيهن فا�ضربوه َّن �ضرب ًا غير �شديد‪� ،‬ضر َب‬
‫هذه ا آلية في اليهود‪.‬‬ ‫ت أ�ني ٍب ال‪� ‬ضر َب إ�يلا ٍم‪ .‬وهذا بيان لترتيب ت�أديب النا�شز‬
‫من الن�ساء‪ ،‬ف إ�ن أ�طعنكم فيما لكم الحق فيه فاحذروا‬
‫‪٨٤‬‬
‫ظل َمه ّن‪ .‬واتركوا م ؤ�اخذتهن بما �سبق منهن‪ ،‬ف إ�ن الله‬
‫العلي الكبير أ�قد ُر عليكم ِمن ُق ْدرتكم على ن�سائكم‪،‬‬

‫فاحذروا مخالفة �أمره‪.‬‬

‫‪ ٣٥‬و إ� ْن َح َدث ِخلاف بين الزوجين‪ ،‬و ِخفتم أ�ن‬
‫ُيف�ضي إ�لى ال ِفراق ف أ�ر�سلوا َح َك َمين َع ْدلين‪ :‬أ�حدهما من‬
‫�أهل الزوج والآخر من �أهل الزوجة؛ لينظرا ويحكما بما‬

‫فيه الم�صلحة لهما ‪ -‬وخ�ّص الأقارب بال ِّذكر ألنهم في‬
‫الغالب �أعرف ببواطن الأحوال‪ ،‬و أ��شد طلب ًا للإ�صلاح‪،‬‬

‫و أ�بعد عن الريبة‪ -‬ف إ� ْن خل�صت ال ّنية للإ�صلاح‪ ،‬و َّفق الله‬
‫بينهما للو�وصل لما فيه خير الزوجين‪ .‬إ�ن الله تعالى عليم‬

‫ال‪ ‬يخفى عليه �شي ٌء ِم ْن أ�مور عباده‪ ،‬خبير بما تنطوي‬
‫عليه نفو�ُسهم‪.‬‬

‫‪ ٤١‬يقول تعالى ‪ -‬مخبراً عن يوم القيامة و�شدة‬

‫أ�مره‪ :-‬كيف يكون حال الكافرين والعا�صين �إذا جئنا‬
‫يوم القيامة بك ِّل نب ٍّي �شهيداً على أ�مته‪ ،‬وجئنا بك ‪ -‬أ�يها‬
‫الر�سول‪ -‬لتكون �شهيداً على أ�متك وعلى ا ألنبياء ِم ْن‬

‫قبلك �أنهم بلغوا أ�ممهم ر�سالات ربهم؟!‬

‫‪ ٤٢‬يومئ ٍذ يتم ّنى الذين كفروا بالله وع�وصا الر�سول‬

‫لو تن�ش ُّق بهم ا ألر�ُض فتبتلعهم‪� ،‬أو يكونوا تراب ًا‪ .‬وهم‬

‫في هذا الموقف لا ي�ستطيعون �أن ُي ْخفوا عن الله أ� َّي �ش�أن‬
‫ِم ْن �ش�ؤونهم؛ �إذ لو كتموا �شيئ ًا ب�أل�سنتهم‪ ،‬ل�شهد ْت به‬

‫بقي ُة جوارحهم‪.‬‬

‫‪ ٤٣‬يا أ�يها الم�ؤمنون لا ت�أتوا ال�صلاة و أ�نتم �سكارى‬ ‫‪ ٣٨‬و�أعتدنا هذا العذاب �أي�ض ًا للذين ينفقون‬
‫�أموالهم ريا ًء و�ُسمعة؛ ولا ي�ؤمنون بوحدانية الله تعالى‬
‫حتى تم ِّيزوا وتعلموا ما تقر ؤ�ون فيها وما تقولون‪،‬‬ ‫ولا بيوم القيامة كالمنافقين و أ�مثالهم من �أهل الكفر‪،‬‬
‫وال‪ ‬تدخلوا الم�ساجد و�أنتم على جنابة حتى تغت�سلوا‪� ،‬إلا‬ ‫و�إنما َح َم َلهم على ذلك طاع ُتهم لل�شيطان‪ ،‬و َم ْن َي ُكن‬
‫إ�ذا كنتم عابري الم�ساجد عبوراً دون ا�ستقرار فيها َف َل ُكم‬ ‫ال�شيطا ُن له �صاحب ًا فبئ�س هذا ال�صاحب والقرين؛ لأنه‬

‫ذلك‪ ،‬و�إن كنتم مر�ضى لا ت�ستطيعون ا�ستعمال الماء‪� ،‬أو‬ ‫يورده المهالك‪.‬‬

‫كنتم م�سافرين ولم تجدوا ما ًء‪ ،‬أ�و ق�ضيتم حاجتكم ِم ْن‬ ‫‪ ٣٩‬وما الذي ي�ض ُّرهم لو آ�منوا بالله واليوم ا آلخر‪،‬‬
‫بول �أو غائط‪ ،‬أ�و لام�ستم الن�ساء ‪ -‬والملام�سة �إما كناية‬ ‫و أ�نفقوا بع�َض ما رزقهم الله من ف�ضله ابتغا َء ر�وضانه‬
‫تعالى؟! والله لا يخفى عليه �شي ٌء ِم ْن �أعمالهم و َق ْ�صدهم‪،‬‬
‫عن ال ِجماع أ�و هي َم� ُّس الب�شر ِة الب�شر َة‪ -‬فلم تجدوا ماء‬
‫للطهارة؛ فاق�صدوا أ�ر�ض ًا طاهرة؛ فام�سحوا بوجوهكم‬ ‫و�سيحا�سبهم عليها‪.‬‬

‫و�أيديكم منها‪ .‬إ�ن الله كثير العفو عن عباده بالترخي�ص‬ ‫‪� ٤٠‬إ ّن الله لا يظلم أ�حداً �شيئ ًا‪ ،‬ولا ينق�ص ثوا َب عمله‬
‫مهما �صغر ولو كان وزن َذ َّر ٍة‪ ،‬وي�ضا ِع ُف الح�سنات‬
‫والتو�سعة عليهم‪ ،‬كثي ُر المغفرة عن التق�صير �أو الخط�أ‪.‬‬
‫�أ�ضعاف ًا م�ضاعفة‪ ،‬و ُي ْد ِخ ُل الجنة بف�ضله‪.‬‬
‫‪ ٤٤‬أ� َل َت ْعجب ‪ -‬أ�يها الر�سول‪ -‬من ه ؤ�لاء اليهود الذين‬
‫ُ�أعطوا ح ّظ ًا ِم ْن علم التوراة‪ ،‬يختارون ال�ضلالة على‬
‫الهدى ‪ -‬وهو البقاء على اليهودية بعد أ�ن تب َّي لهم �صدق‬
‫نبوة ر�سول الله ‪ -‬ويزيدون على ذلك ب أ�ن يتمنوا لكم‬

‫�أيها الم ؤ�منون �أَ ْن ت�ضلوا �سبي َل الح ِّق كما �ض ُّلوا‪.‬‬

‫‪٨٥‬‬

‫اليهود والن�صارى‪ :‬نحن �أبناء الله و�أحبا�ؤه!! بل اللهُ‬ ‫‪ ٤٥‬والله أ�علم منكم �أيها الم ؤ�منون ب�أعدائكم‪،‬‬
‫تعالى وحده العالم بمن ي�ستح ُّق التزكية‪ ،‬وهو الذي‬ ‫ويح ّذركم منهم‪ ،‬و َح�ْس ُبكم ع ّزاً ون�صراً أ�ن يكون الله‬
‫يثني على َم ْن ي�شاء ‪ -‬ومع هذا الأمر‪ -‬ال‪ُ  ‬يب َخ�سون ِم ْن‬ ‫ول ّي ًا ونا�صراً لكم على �أعدائكم و�أعداء دينكم؛ و َم ْن‬
‫أ�عمالهم �شيئ ًا ولو كان بمقدار الخيط الذي يكون في �ش ِّق‬
‫كان كذلك فليطمئن ويكتفي بلاوية الله و ُن ْ�صته‪.‬‬
‫نواة التمرة‪.‬‬
‫‪ِ ٤٦‬م ْن ه ؤ�لاء اليهود فري ٌق يب ِّدلون كلا َم‪ ‬الله في التوراة‬
‫‪ ٥٠‬انظر ‪� -‬أيها الر�سول‪ -‬كيف يتجر�ؤون فيفترون‬ ‫ق�صداً وعمداً‪ ،‬ويقولون للر�سول ‪� :- -‬س ِم ْعنا قو َلك‬
‫على الله الكذ َب‪ ،‬بزعمهم �أنهم �أبناء الله و�أحبا ؤ�ه‪ ،‬و أ�نهم‬ ‫‪ -‬تظاهراً بت�صديقه‪ -‬و َع�صينا َ�أ ْمرك‪ - ‬يقولون ذلك‬
‫مغفو ٌر لهم! وكفى بهذه الدعوى ذنب ًا عظيم ًا وا�ضح ًا‪.‬‬ ‫هم�س ًا فيما بينهم‪ -‬وا�سم ْع ِم َّنا غير ُم�ْس َم ٍع‪ ،‬يق�صدون‬
‫الدعاء عليه ‪� ،‬أي‪ :‬لا �أ�سمعك الله‪ ،‬ويقولون‪:‬‬
‫‪� ٥١‬أ َل َت ْعج ُب ‪� -‬أيها الر�سول‪ِ -‬م ْن َ أ� ْم ِر ه�ؤلاء اليهود؛‬ ‫}ﭩ{ ُيوهمون �أنهم يريدون رعايتهم‪ ،‬أ�ي‪ :‬را ِعنا‬
‫الذين �أُوتوا ن�صيب ًا من العلم بالتوراة ي�ص ِّدقون بال ِج ْب ِت‬ ‫�َس ْم َعك وا ْف َهم ع ّنا و أ� ْف ِهمنا‪ ،‬و�إنما يق�صدون �َش ْتمه والدعاء‬
‫‪ -‬الذي هو كل ما َخ�ضع له النا�س من دون الله‪ِ :‬من‬ ‫عليه بالرعونة ‪َ -‬ح�ْس َب لغتهم‪ -‬ويريدون الطعن في‬
‫�شيطان‪� ،‬أو �ساح ٍر‪� ،‬أو كاهن‪ -‬وي�ص ّدقون الطاغوت‪،‬‬ ‫دين الإ�سلام‪ .‬ولو �أنهم قالوا‪} :‬ﭳﭴ{‪ ،‬بدل‬
‫‪ -‬وهو كل معبود من دون الله‪ -‬ويقولون لم�شركي مكة‪:‬‬ ‫قولهم‪} :‬ﭤ ﭥ{‪} ،‬ﭦ{ فقط دون‬
‫}ﭧﭨ{‪} ،‬ﭶ{ بدل }ﭩ{ لكان خيراً‬
‫أ�نتم �أهدى �سبيل ًا ِم ْن محم ٍد و أ��صحابه !‬ ‫لهم عند الله و�أعد َل و�أ�وص َب قلا ًو‪ ،‬ولك َّن الله َط َردهم‬
‫و أ�ب َع َدهم من رحمته؛ ب�سبب كفرهم وجحدهم نب َّوة‬
‫محمد ‪ - -‬فلا ي�ستجيبون لداعي الإيمان إ�لا قليل ًا‪.‬‬

‫‪ ٤٧‬يا َم ْع�شر اليهود‪� :‬آمنوا بالقر�آن الذي �أنزلناه‪ ،‬م�ؤيِّداً‬
‫لما معكم من التوراة من َقب ِل أ�ن ُنزيل معا ِلـ َم وجوهكم‪،‬‬
‫أ�و نح ّولها جهة ظهورهم ‪ -‬وهذا إ�نذا ٌر إ�له ٌّي بالغ�ضب‬
‫منه عليهم‪� -‬أو نلعنكم بم�سخكم قرد ًة وخنازير‪ ،‬كما‬
‫لع ّنا اليهو َد ِم ْن �أ�صحاب ال�سبت‪ ،‬الذين ُنهوا عن ال�صيد‬
‫فيه فلم ينتهوا؛ فجعلهم الله ِع ْب ًة ب أ�ن قال لهم‪} :‬ﮒ‬

‫ﮓﮔ{‪ ،‬وكان �أمر الله نافذاً لا َمحالة‪.‬‬

‫‪ ٤٨‬بيا ٌن من الله العزيز لعباده‪ :‬ب أ� َّن الله لا يغفر ال�شر َك‬
‫به والكف َر لمن مات ولم َي ُتب من �شركه وكفره‪ ،‬ويغف ُر‬
‫ما‪ ‬عدا ذلك من الذنوب لمن ي�شاء ِم ْن عباده‪ .‬و َم ْن ي�شرك‬

‫بالله فقد ا ْخ َت َلق وارتك َب إ�ثم ًا عظيم ًا‪.‬‬

‫‪ ٤٩‬أ�لـ ْم َت ْنظر ‪� -‬أيها الر�سول‪� -‬إلى الذين يمدحون‬
‫�أنف�سهم بالباطل‪ ،‬با ّدعاء ف�ضائل لي�س ْت لهم‪ ،‬كقول‬

‫‪٨٦‬‬

‫‪َ ٥٥‬ف ِم َن الذين �أُوتوا الكتاب من اليهود َم ْن �آم َن‬ ‫‪� ٥٢‬أولئك الذين أُ�وتوا ن�صيب ًا من الكتاب وهم‬
‫بالنب ِّي محم ٍد ‪ - -‬ومنهم َم ْن كفر به و�ص ّد النا�س‬ ‫ي ؤ�منون بال ِج ْب َت والطاغوت؛ �أخزاهم الله وطردهم ِم ْن‬
‫عن الإيمان به‪ ،‬وح�س ُبكم أ�يها ال�صا ّدون عنه عذاب ًا نا ُر‬ ‫رحمته‪ ،‬و َم ْن ُيخزه الله و َي ْط ُر ْد ُه ِم ْن رحمته فلن تجد له‬

‫جه ّنم التي تتو ّق ُد بكم �أ�شد ا إليقاد‪.‬‬ ‫نا�صراً يدفع عنه عذا َب الله و�سخطه‪.‬‬

‫‪� ٥٦‬إن الذين �َأ�ص ُّروا على تكذيبهم بما أ�نزل الله على‬ ‫‪ ٥٣‬لي�س له�ؤلاء اليهود ن�صي ٌب من الملك كما‬
‫محمد ِم ْن يهو ٍد وغيرهم من الكفار �سوف ندخلهم ناراً‬ ‫يزعمون‪ ،‬ولا ي�ستحقونه‪ ،‬إ�ذ لو كان لهم ن�صي ٌب منه‪ ،‬لما‬
‫هائل ًة عظيمة‪ ،‬كلما احترق ْت جلو ُدهم ب ّدلناهم جلوداً‬ ‫�أعطوا النا�س منه �أق َّل القليل‪ ،‬ولو كان مقدار ال ُّنقرة التي‬
‫�أخرى؛ ليدوم عذا ُبهم و�أ َلـ ُمهم‪ .‬إ�ن الله عزيز‪ ،‬لا يمتنع‬
‫تكون في ظهر ال َّنواة؛ ل�شدة بخلهم وح�سدهم‪.‬‬
‫عليه �شيء‪ ،‬حكي ٌم في ق�ضائه وجزائه‪.‬‬
‫‪ ٥٧‬والم�ؤمنون الذين �آمنوا بالله ور�سوله محم ٍد‪،‬‬ ‫‪َ ٥٤‬أ� ْم يح�سد ه ؤ�لاء اليهود محمداً ‪ - -‬و�أ�صحابه‬
‫وعملوا ا ألعمال ال�صالحة في الدنيا‪� ،‬س ُيدخلهم الله‬ ‫على نعمة النب ّوة؟ ولي�س ذلك ِب ِبد ٍع وال‪ ‬غري ٍب على‬
‫جنا ٍت تجري ِم ْن تحتها ا ألنهار‪ ،‬خالدين فيها �أبداً‪،‬‬ ‫ف�ضل الله‪ ،‬فقد �أعطينا ذرية إ�براهيم عليه ال�سلام ‪ -‬الذي‬
‫فلا يموتون ولا هم منها يخرجون‪ ،‬ولهم فيها أ�زواج‬ ‫هو َج ُّد محمد ‪ -‬النب ّوة والعلم‪ ،‬و آ�تينا بع َ�ضهم الملك‬
‫ط ّهره َّن الله ِم ْن ك ِّل �أذ ًى‪ ،‬و ُيدخلهم ِظ ّ ًل وارف ًا كثيف ًا‪،‬‬ ‫العظيم مع النب ّوة‪ ،‬كداود و�سليمان ‪ -‬عليهما ال�سلام‪-‬‬
‫فكيف يح�سدون محمداً على النب ّوة‪ ،‬وي�ستبعدون أ�ن‬
‫ينعمون به في جنات النعيم‪.‬‬
‫تكون الر�سالة في غي ِر‪ ‬اليهود؟!‬
‫‪� ٥٨‬إ َّن الله ي�أمركم ‪ -‬أ�يها الم�ؤمنون‪� -‬أن تر ُّدوا جمي َع‬
‫ما ا�ؤتمنتم عليه ِمن الله أ�و النا�س �إلى أ��صحابه‪ ،‬وي أ� ُمركم‬ ‫‪٨٧‬‬
‫إ�ذا ق�ضيتم بين النا�س أ�ن تحكموا بالعدل‪ ،‬و ِن ْع َم الموعظ ُة‬
‫يعظكم بها الله‪ ،‬في �أمره �إياكم ب�أداء الأمانة والعدل في‬

‫الق�ضاء‪ ،‬والله �سميع ألقوالكم‪ ،‬ب�صير ب�أعمالكم‪.‬‬

‫‪ ٥٩‬يا أ�يها الذين آ�منوا أ�طيعوا الله ربكم فيما �أمركم‬
‫به وفيما نهاكم عنه‪ ،‬و أ�طيعوا ر�سو َله محمداً فيما جاء‬
‫به من الحق‪ ،‬و�أطيعوا َمن يتولى منكم تدبي َر �أموركم‪،‬‬
‫ف�إن اختلفتم في �شيء فيما بينكم فاحت ِكموا فيه إ�لى‬
‫كتاب الله و إ�لى ر�سوله ‪ -‬و�ُس َّنته ِم ْن بعده‪ -‬وا�س َت ِم ّدوا‬
‫منهما ما ير�شدكم �إلى ال�وصاب‪ ،‬وهو ما لا ينفك عن‬
‫إ�يمانكم بالله وخ�وض ِعكم لأمره وا�ستح�ضاركم لح�سابه‬
‫في اليوم ا آلخر‪ .‬ذلك خير لكم من التنازع والقو ِل ِم ْن‬
‫غير دلي ٍل يد ُّلكم وهداي ٍة تر�ش ُدكم‪ ،‬و�أح�س ُن عاقبة وم آ�ل ًا‬

‫ألمر جماعتكم‪.‬‬

‫‪ ٦٠‬أ� َل تعج ُب ‪� -‬أيها الر�سول‪ِ -‬من حا ِل ه�ؤلاء‬
‫المنافقين الذين ي ّدعون أ�نهم آ�منوا بالقر آ�ن وبما �أنزل‪ ‬الله‬
‫من الكتب َقبله‪ ،‬وهم يريدون أ�ن يتحاكموا في ف�صل‬

‫الخ�وصمات �إلى الطاغوت ‪ -‬وهم ر ؤ��ساء الكفر‬
‫وال�ضلال‪ -‬ويرف�وضن حكم الله ور�سوله وقد �أُمروا‬

‫�أن يكفروا بالطاغوت! ويريد ال�شيطان بما ز َّين‬
‫لهم أ�ن ُي�ضلهم �ضلال ًا بعيداً‪ ،‬وذلك ب�صرفهم عن‬

‫حكم‪ ‬الله‪ ‬ور�سوله‪.‬‬

‫‪ ٦٥‬فلا ور ِّبك يا محمد لا ي�ؤمنون حتى يجعلوك‬ ‫‪ ٦١‬و�إذا قيل لهم‪َ :‬ه ُل ُّموا �إلى حكم الله الذي �أ ْنزل‬
‫ح َكم ًا فيما تنازعوا واختلفوا فيه من الأمور‪ ،‬ثم‬ ‫في كتابه‪ ،‬و�إلى الر�سول ليحكم بيننا ر أ�ي َت المنافقين‬

‫لا يجدوا �ضيق ًا في أ�نف�سهم مما حكم َت فيه بينهم‪،‬‬ ‫ُيعر�وضن عنك �إعرا�ض ًا �شديداً‪.‬‬

‫وي�س ِّلموا لق�ضائك و ُحكمك ت�سليم ًا مطلق ًا؛ إ�ذ ك ُّل َم ْن‬ ‫‪ ٦٢‬فكيف يكون حا ُل ه�ؤلاء الذين يريدون �أن‬
‫ي َّدعي ا إليمان‪ ،‬لا يكون إ�يمانه �صادق ًا إ�لا إ�ذا َق ِب َل حك َم الله‬ ‫يتحاكموا إ�لى الطاغوت �إذا نزل ْت بهم ِن ْقم ٌة من‪ ‬الله؟‬
‫ثم جا�ؤوك ‪ -‬أ�يها الر�سول‪ -‬يحلفون كذب ًا‪ :‬ما �أردنا‬
‫ور�سول ِه وارت�ضاه‪.‬‬
‫بتحاكمنا إ�لى غيرك إ�لا ا إلح�سا َن وال�صل َح وطل َب‬
‫التوفي ِق بين الخ�صمين‪ ،‬ال‪ ‬مخالف ًة‪ ‬لحكمك!‬

‫‪ ٦٣‬أ�ولئك يعلم الله نفا َقهم وعداوتهم للحق‪،‬‬

‫ف أ�عر�ْض يا ر�سول الله عن قبول اعتذارهم‪ ،‬وخ ِّوفهم من‬
‫النفاق‪ ،‬وح ِّذرهم ِم ْن �سوء ما ُه ْم عليه‪ ،‬و ُق ْل لهم قلا ًو‬
‫حكيم ًا م ؤ�ثراً ينفذ �إلى أ�عماق نفو�سهم‪ ،‬لعلهم يرجعون‬

‫عن نفاقهم‪.‬‬

‫‪ ٦٤‬وما أ�ر�سلنا ر�سلا ًو �إ ّل فر�ضنا طاعته على ُأ�مته‬

‫ب�أمرنا‪ ،‬ولو �أ َّن ه ؤ�لاء المنافقين حين ظلموا أ�نف�سهم‬
‫باحتكامهم �إلى الطاغوت‪ ،‬جا ؤ�وك ‪� -‬أيها الر�سول‪-‬‬

‫ُم َتو�سلين �إليك تائبين �إلى الله ُمنيبين‪� ،‬سائلين الله المغفر َة‬
‫لذنوبهم‪ ،‬وا�ستغفر َت أ�يها الر�سول لهم؛ لوجدوا اللهَ‬

‫وا�س َع المغفرة رحيم ًا بهم في ترك عقوبتهم‪.‬‬

‫‪٨٨‬‬

‫كرامته‪ ،‬ويجع ُله رفيق ًا ل ألنبياء‪ ،‬و ُف َ�ضلا ِء �أتباعهم‪ ،‬وهم‬

‫ال ِّ�صديقون الذين بلغوا الرتب َة العليا في ت�صديق �أنبيائهم‪،‬‬
‫ورفيق ًا لل�شهداء في �سبيل الله‪ ،‬و�صالحي الم�ؤمنين‪ ،‬وهم‬

‫الذين �صلحت �سرائرهم وعلانيتهم‪ ،‬و ِن ْع َم الرفقاء ه�ؤلاء‬
‫في الجنة‪.‬‬

‫‪ ٧٠‬تلك المنزل ُة العظيمة‪ ،‬هي ف�ض ٌل من الله ورحمة‪،‬‬

‫وهو الذي و َّفقهم لذلك‪ ،‬وهو علي ٌم بمن ي�ستحق‬
‫الهداية والتوفيق‪.‬‬

‫‪ ٧١‬ي�أمر الله تعالى عبا َد ُه الم�ؤمنين ب أ�خذ الـ َح َذر ِم ْن‬
‫عدوهم؛ وهذا ي�ستلزم الت أ� ُّه َب له؛ ب�إعداد ا أل�سلحة‬
‫وال ُع َدد وتكثير ال َع َدد‪ ،‬فا ْخ ُرجوا أ�يها الم ؤ�منون في �سبيل‬

‫الله لقتال عدوكم جماع ًة بعد جماع ٍة أ�و مجتمعين‪.‬‬

‫‪ ٧٢‬و إ� ّن منكم َم ْن ُي َب ِّطئ غي َره عن الجهاد‪ ،‬وهم‬ ‫‪ ٦٦‬ولو أ� ّنا َف َر�ضنا على الذين َي ْزعمون أ�نهم آ�منوا بما‬
‫المنافقون‪ .‬ف إ� ْن �أ�صابكم قت ٌل �أو جرا ٌح �أو ذها ُب ما ٍل‪،‬‬ ‫أ�ُنزل إ�ليك‪ ،‬وما أ�نزل من قبلك‪َ� ،‬أ ْن يقتل بع ُ�ضهم بع�ض ًا‪،‬‬
‫قال المنافق المتخ ِّلف �شامت ًا‪ :‬قد أ�نعم الله عل ّي حيث لم‬ ‫�أو �أَ ْن يهاجروا من �أوطانهم‪ ،‬ما ا�ستجاب لذلك إ�لا عد ٌد‬
‫قلي ٌل منهم ‪ -‬وهم الم�ؤمنون‪ - ‬ولو �أنهم ا�ستجابوا لما‬
‫�أكن حا�ضراً معهم؛ في�صيبني ما أ��صابهم‪.‬‬ ‫ُين�صحون به و ُي ْدعون إ�ليه ِم ْن طاعة الله ور�سوله ظاهراً‬
‫وباطن ًا لكان لهم في ذلك خي ُر الدنيا وا آلخرة‪ ،‬ولكا َن‬
‫‪ ٧٣‬ولئن �أ�صابكم ن�صرٌ وغنيم ٌة‪ ،‬ليقو َل َّن هذا المنافق‬
‫‪ -‬نادم ًا متح�ِّساً على ما فاته‪ -‬ك�أن لم تكن بينكم‬ ‫أ��ش ّد تثبيت ًا إليمانهم‪.‬‬
‫وبينه رابطة مودة‪ :‬يا ليتني كن ُت معهم حتى �ُأ�صيب‬
‫‪ ٦٧‬ولو أ�طاعوا فيما أُ�مروا به‪ ،‬لأعطيناهم ثواب ًا عظيم ًا‬
‫من الغنيمة‪.‬‬ ‫على �أعمالهم في ا آلخرة‪ ،‬وهو الجنة‪.‬‬

‫‪ ٧٤‬ثم ح�َّض اللهُ الم ؤ�منين على الجهاد في �سبيله‪،‬‬ ‫‪ ٦٨‬و ألر�شدناهم �إلى طري ٍق لا اعوجاج فيه‪ ،‬يو�صلهم‬
‫فقال‪ :‬فل ُيقا ِت ْل لإعلاء دين الله و ُن�صرة �شريعته الم�ؤمنون‪،‬‬ ‫�إلى �سعادة الدنيا والآخرة‪.‬‬
‫الذين يبيعون حيا َتهم الدنيا بثواب ا آلخرة‪ .‬و َم ْن يجاهد‬
‫في �سبيل الله؛ ف ُيقتل‪� ،‬أو يظفر ب�أعدائه؛ ف�سوف ن ؤ�تيه‬ ‫‪ ٦٩‬و َم ْن يعم ْل بما �أمره الله ور�سوله‪ ،‬ويتر ْك ما‬
‫نهى الله عنه ور�سو ُله‪ ،‬ف إ�ن الله ع َّز وجل ي�سكنه دار‬
‫ثواب ًا عظيم ًا‪.‬‬
‫‪٨٩‬‬

‫َح َذر الموت‪ .‬و�إ ْن يح�صل للمنافقين ما ي�س ُّرهم من رخا ٍء‬ ‫‪� ٧٥‬أ ُّي �شيء يمنعكم ‪ -‬أ�يها الم ؤ�منون‪ -‬من الجهاد‬
‫وفت ٍح وغنيم ٍة؛ قالوا‪ :‬هذا من ِق َب ِل الل ِه وبتقديره و�إ ْن‬ ‫في �سبيل الله وفي �سبيل ُن�صرة الم�ست�ضعفين‪ ،‬من الرجال‬
‫ت�صبهم �ش ّدة من هزيمة و�أل ِم جرا ٍح‪ ،‬قالوا‪ :‬هذا ب�سبب‬ ‫والن�ساء وال�صغار؛ الذين �آذاهم الم�شركون‪ ،‬ونالوهم‬
‫محمد‪ .‬وما َع ِلموا �أن ذلك ك ّله من عند الله وحده‪،‬‬
‫بق�ضائه وقدره‪ ،‬فما له ؤ�لاء المنافقين لا يكادون يفهمون‬ ‫بالعذاب ليفتنوهم عن دينهم؟! ولا و�سيل َة لديهم إ�لا‬
‫حديث ًا ُيو َّجه �إليهم‪ ،‬أ�و عظ ًة ُتلقى �إليهم‪ .‬وهذا ذ ٌّم وتوبيخ‬ ‫الا�ستغاث ُة بربهم‪ ،‬يدعونه قائلين‪ :‬ربنا �أخرجنا من هذه‬
‫القرية ‪ -‬وهي مكة‪ -‬التي ظل َمنا �أه ُلها‪ ،‬واجعل لنا من‬
‫لهم على عدم فهمهم وفقههم عن الله تعالى‪.‬‬ ‫لدنك ول ّي ًا يكفينا فتنة الكافرين ون�صيراً ين�صرنا على‬

‫‪ ٧٩‬ما �أ�صابك ِم ْن نعم ٍة وخير فبف�ضل الله و�إح�سانه‪،‬‬ ‫َم ْن َظلمنا‪.‬‬
‫وما �أ�صابك من مكروه و�ش ٍّر فبما اكت�سب ْت يداك‪ .‬ثم‬
‫قال تعالى تعظيم ًا ل�ش�أن الر�سول ‪ :- -‬و�أر�سلناك‬ ‫‪ ٧٦‬وقتا ُلكم ‪ -‬أ�يها الم ؤ�منون‪� -‬إنما هو قتا ٌل في طاعة‬
‫‪� -‬أيها الر�سول‪ -‬للنا�س عامة ر�سلا ًو تب ِّلغهم ر�سال َة‬
‫ربك‪ ،‬و َح�ْس ُبك ‪ -‬أ�يها الر�سول‪� -‬أ َّن الله �شاه ٌد على‬ ‫الله ور�وضانه؛ وهو بذلك يتلاوكم وين�صركم‪ ،‬و�أما‬

‫ِ�صدق نبوتك ور�سالتك‪.‬‬ ‫الكافرون فيقاتلون في �سبيل ُن ْ�صة ك ِّل متع ٍّد ُيعبد من‬
‫دون الله طاع ًة لل�شيطان‪ ،‬فقاتلوا �أولياء ال�شيطان و�أتباعه‬
‫‪٩٠‬‬
‫�إ ّن كيد ال�شيطان ل�ضعيف‪ ،‬فلا ت�أبهوا به‪.‬‬

‫‪� ٧٧‬ألم َت َر ‪� -‬أيها الر�سول‪ -‬إ�لى الذين َر ِغبوا في قتال‬
‫الكافرين فقيل لهم قبل الإذن بالجهاد‪ :‬امنعوا �أن ُف َ�سكم‬
‫عن قتال الم�شركين وحربهم‪ ،‬و�أدوا ال�صلاة محافظين‬

‫على أ�ركانها و�شروطها‪ ،‬و أ�عطوا الزكاة إ�لى أ�هلها‪ ،‬فل ّما‬
‫ُفر�ض عليهم القتال الذي كانوا يطلبونه؛ �إذا جماعة‬
‫منهم يخافون قتا َل الم�شركين كخوفهم ِمن الله �أو أ��ش َّد‬
‫خوف ًا‪ ،‬وقالوا جزع ًا‪ :‬ر َّبنا ِلـ َم ف َر�ض َت علينا القتال في‬
‫هذا الوقت؟ ه ّل �أ ّخرتنا �إلى وق ٍت قري ٍب‪ ،‬رغب ًة منهم في‬
‫التمتع بالحياة الدنيا‪ ،‬قل لهم ‪� -‬أيها الر�سول‪ :-‬تم ُّت ُعكم‬
‫في الدنيا قليل لأنها فانية‪ ،‬ونعي ُم ا آلخرة خي ٌر لمن اتقى‬
‫ر َّبه؛ ألنها باقية ونعيمها دائم‪ ،‬ولا َي ْن ُق�صكم الله ِم ْن‬
‫�أجور �أعمالكم �شيئ ًا‪ ،‬ولو كان �شيئ ًا ي�سيراً مقدار الخيط‬

‫الذي يكون في �ش ِّق نواة التمرة‪ .‬ف إ�ذا كان الأمر كذلك‬
‫فجاهدوا في �سبيل الله ح َّق جهاده‪.‬‬

‫‪� ٧٨‬أينما تكونوا ‪� -‬أيها النا�س‪ُ -‬ي ِ�ص ْبكم المو ُت ولو‬
‫تح ّ�صنتم دونه في الح�وصن المنيعة؛ فلا تهربوا من القتال‬

‫وتناق�ضت معانيه‪ ،‬ولر�أوا فيه تناق�ض ًا كبيراً‪ ،‬ولكنه من َّز ٌه‬ ‫‪َ ٨٠‬م ْن يطع الر�سو َل في ك ِّل ما ي أ�مر به وينهى عنه‪،‬‬
‫عن ك ِّل اختلا ٍف كثيراً كان �أو قليل ًا‪ ،‬فكيف يكون من‬ ‫فقد �أطاع الله؛ ألنه مب ِّل ٌغ عن الله �أَ ْم َره ونهيه‪ ،‬ومر�َس ٌل من‬
‫جهته‪ ،‬وم�س َّدد بوحيه‪ ،‬و َم ْن أَ�عر�ض عن طاعتك ‪� -‬أيها‬
‫عند غير الله؟!‬ ‫الر�سول‪ -‬فما بعثناك على ه ؤ�لاء المعر�ضين رقيب ًا‪ ،‬و إ�نما‬

‫‪ ٨٣‬و�إذا بلغ ه�ؤلاء المنافقين َخ َ ٌب عن �َ ِس َّية للم�سلمين‬ ‫عليك البلاغ وعلينا الح�ساب‪.‬‬
‫بانت�صارها أ�و انهزامها أ�و غير ذلك مما يتعلق بالم�سلمين‬
‫‪ -‬أ�من ًا وخوف ًا‪ -‬أ�ف َ�شوه بين النا�س و أ�ذاعوه‪ ،‬ولو ترك‬ ‫‪ ٨١‬ويقول المنافقون للنبي ‪ - -‬إ�ذا �أمرهم ب�أمر‪:‬‬
‫المنافقون الحدي َث عن ذلك ا ألمر ور ّدوه �إلى الر�سول‬ ‫لك منا الطاع ُة فيما ت�أمرنا وتنهانا ف إ�ذا ان�صرفوا عن‬
‫و إ�لى �أكابر ال�صحابة ألدرك ه ؤ�لاء َو ْج َه الت�ص ّر ِف فيه‬ ‫مجل�سك غ َّي جماع ٌة منهم ليل ًا ما التزموا به من الطاعة‬
‫با إلذاعة أ�و الكتمان‪ ،‬وذلك لما لهم من الب�صيرة والقدرة‬ ‫وعملوا على �إبطال ما قل َت‪ ،‬والله ُيح�صي عليهم ما‬
‫على الاجتهاد وتدبير ا ألمور‪ .‬وللاو توفيق الله و إ�نعا ُمه‬ ‫يد ِّبرون وما يغ ِّيون ويكتبه في �صحف أ�عمالهم؛ فتو َّل‬
‫عليكم ‪� -‬أيها الم ؤ�منون‪ -‬با إليمان و َم ْن ِع الفتنة ل�سلكتم‬ ‫عنهم ‪� -‬أيها الر�سول‪ -‬وف ِّو�ض �أمرك �إلى الله ولا ُتبا ِل‬
‫طريق ال�شيطان �إلا قليل ًا منكم‪ .‬وفي هذه ا آلية من‬
‫ا إلنكار على َم ْن يبادر إ�لى ن�شر ا ألخبار قبل التح ُّقق منها‬ ‫بهم‪ ،‬و َح�ْس ُبك اللهُ حافظ ًا ونا�صراً‪ ‬ومعين ًا‪.‬‬
‫ما لا َي ْخفى‪ ،‬فقد لا تكون لها �صحة‪ ،‬وقد تن�شر على‬ ‫‪ ٨٢‬أ�فلا يتد َّبر ويتم َّعن ه ؤ�لاء كتا َب الله؛ ليقفوا على‬
‫ائتلاف معانيه و�أحكامه؟ ولو كان القر آ�ن من عند‬
‫وج ٍه‪ ‬ي�ض ُّر‪.‬‬ ‫غير الله ‪ -‬كما يزعم الكافرون‪ -‬لاختلف ْت أ�حكا ُمه‪،‬‬

‫‪ ٨٤‬فجا ِه ْد ‪ -‬أ�يها النبي‪ -‬أ�عداء الله وقا ِتلهم ولو‬ ‫‪٩١‬‬
‫بقي َت وحدك‪ ،‬ف إ�ن الله لا يكلفك إ�لا بما فر�ضه عليك‪،‬‬
‫و ُح�َّض الم�ؤمنين على قتال الم�شركين‪ ،‬ور ِّغبهم في ثوابه؛‬
‫لعل الله �أن يدفع �ش َّر الكافرين‪ .‬واللهُ أ��ش ُّد قو ًة وانتقام ًا‬

‫منهم‪ ،‬و�أعظم‪ ‬عقوب ًة لهم‪.‬‬

‫‪َ ٨٥‬م ْن ي ؤ�ازر غيره في�سعى في َج ْل ِب منفع ٍة له �أو‬
‫دفع َم َ�ضة عنه ابتغاء وجه الله َي ُك ْن له ثوا ٌب من تلك‬
‫ال�شفاعة‪ ،‬و َم ْن ي�ؤازر غيره في باط ٍل في�سعى ألذى غيره‬
‫و�إي�صال ال�شر إ�ليه َي ُك ْن له ن�صي ٌب ِم ْن ِو ْزر ذلك‪ ،‬وكان‬

‫الله على كل �شيء �شهيداً وحفيظ ًا وح�سيب ًا‪.‬‬

‫‪ ٨٦‬و�إذا �س ّلم عليكم �أح ٌد فردوا عليه ب�أف�ضل مما‬
‫�س ّلم‪� ،‬أو ر ّدوا عليه بمثل ما �س ّلم‪ ،‬إ�ن الله تعالى كان على‬
‫�أعمالكم حفيظ ًا ومجازي ًا‪ ،‬و ِم ْن ُجملتها ما �ُأمرتم به في‬

‫التحية‪ ،‬فحافظوا عليها‪.‬‬


Click to View FlipBook Version