The words you are searching are inside this book. To get more targeted content, please make full-text search by clicking here.

تفسير القرآن الكريم_compressed

Discover the best professional documents and content resources in AnyFlip Document Base.
Search
Published by Ghada Alnawawy, 2021-11-09 00:37:41

تفسير القرآن الكريم_compressed

تفسير القرآن الكريم_compressed

‫ولو أ�يقنوا بذلك َلـ َما خافوا التخ ُّطف منه بعد ا إليمان‪.‬‬ ‫‪ ٥١‬ولقد �أنزلنا آ�يات القر آ�ن مب ِّينة متتابعة بع�ضها �ِإثر‬
‫بع�ض بالمواعظ والزواجر ليتذ ّكروا‪ ‬فيفلحوا‪.‬‬
‫‪ ٥٨‬وكم أ�هلكنا ِم ْن �أهل قرية َط َغ ْت وتج ّبت ولم‬
‫ت�شكر ِن َعم الله عليها‪ ،‬فتلك منازلهم باقية ا آلثار‬ ‫‪ ٥٣ ٥٢‬الذين �آتيناهم الكتاب ِم ْن قبل نزول القر�آن‬
‫ي�شاهدونها في ا أل�سفار لم ي�سكنها �أحد إ�لا الم�سافر أ�و‬ ‫ِم ْن م�ؤمني أ�هل الكتاب‪ ،‬هم بمحمد ‪ - -‬وبالقر�آن‬
‫الما ّر بالطريق يوم ًا أ�و �ساعة‪ ،‬وكان الله تعالى هو الوارث‬ ‫ي ؤ�منون‪ .‬و إ�ذا ُيتلى عليهم القر آ�ن قالوا‪ :‬آ�منا به �إنه الح ُّق‬
‫ِم ْن عند ربنا؛ ِلـ َما عرفوا في كتابهم من �صفة النبي ‪‬‬
‫لما خ َّلفه ه ؤ�لاء بعد‪� ‬إهلاكهم‪.‬‬ ‫وكتابه‪� ،‬إ ّنا كنا ِم ْن َقبل تن ُّزل القر آ�ن متم�سكين بدين‬

‫‪ ٥٩‬وما كان ِم ْن �ُس ّنة ربك في عباده أ�ن يهلك القرى‬ ‫ا إل�سلام‪ ،‬م�ؤمنين بمحمد ‪.‬‬
‫الظالم َة‪ ،‬إ� ّل بعد أ�ن يبعث في �أم تلك القرى ‪ -‬وهي‬
‫�أ�صلها و�أعظمها‪ -‬ر�سول ًا يتلو عليهم آ�يات الله المنزلات‪،‬‬ ‫‪ ٥٤‬أ�ولئك ُيع َطون أ�جرهم م ّرتين ب�صبرهم على الإيمان‬
‫ويب ِّلغهم دعوته‪ ،‬ويقيم الحج َة ويقطع المع ِذرة‪ ،‬وما كان‬ ‫بالتوراة وا إليمان بالقر�آن‪ ،‬ويدفعون الـ َخ�صل َة القبيحة‬
‫ربك ُمه ِل َك القرى بعد إ�ر�سال الر�سل‪� ،‬إ ّل و أ�هلها‬ ‫بالـ َخ�صل ِة الح�سنة‪ ،‬فيدفعون ا ألذى بال�ِّسلم‪ ،‬والمع�صي َة‬
‫م�ستحقون العذاب بظلمهم‪ ،‬وهو إ��صرارهم على الكفر‬
‫والمعا�صي والعناد‪ ،‬بعد الإعذار إ�ليهم‪ .‬وهذا تنبي ٌه ألهل‬ ‫بالطاعة‪ ،‬ومما رزقناهم يت�ص ّدقون‪.‬‬
‫مكة التي هي أ�م القرى‪ ،‬ولمن حولها؛ ل َيحذروا عاقب َة ما‬
‫‪ ٥٥‬و�إذا �سمعوا الباطل �أو ال�شت َم من الم�شركين؛‬
‫هم عليه من‪ ‬الكفر‪.‬‬ ‫أ�عر�ضوا عنه وقالوا لأ�صحاب ال ّلغو‪ :‬لنا �أعما ُلنا‬
‫و ُنحا�َسب عليها‪ ،‬ولكم �أعمالكم و ُتا�سبون عليها‪،‬‬
‫‪392‬‬ ‫�سلا ٌم و أ�ما ٌن م ّنا لكم‪ ،‬لا نقابل لغ َوكم بمثله‪ ،‬لا نريد‬

‫محاور َة الجاهلين وجدالهم‪.‬‬

‫‪ ٥٦‬إ� ّنك ‪ -‬يا محمد‪ -‬لا تقدر َأ� ْن ُتد ِخ َل في الإ�سلام‬
‫ك َّل َمن �أحبب َت أَ� ْن يدخل ِم ْن قومك وغيرهم‪ ،‬ولكن الله‬
‫يخلق الهداية في قلب َم ْن ي�شاء‪ ،‬وهو أ�علم بمن يختار‬

‫هدايته ويقبلها‪.‬‬

‫‪ ٥٧‬وقال بع�ُض كفار قري�ش‪ :‬إ� ْن ن ّتبع الهدى و َندخ ْل‬
‫معك في هذا الدين تخطفنا العرب و ُتخرجنا من‬
‫أ�ر�ضنا‪ ،‬فر ّد الله تعالى عليهم‪ :‬أ� َولم نجعل مكا َنهم حرم ًا‬
‫ذا َ�أم ٍن ب ُح ْرمة البيت‪ ،‬ي أ�من فيه �ساكنوه‪ ،‬و َمن يلتجئ‬
‫�إليه من غيرهم ‪ -‬بينما ال‪ ‬ي�أمن َم ْن حولهم ِم ْن �أهل‬
‫القرى كما ي أ�منون‪ُ -‬يجمع و ُيجلب إ�لى هذا الحرم ِم ْن‬
‫ك ِّل جهة ثمرا ُت ك ِّل �صنف ونوع‪ ،‬نعم ًة ِم ْن عندنا؟!‬
‫ولك ّن أ�كثر َهم َج َهل ٌة لا يعلمون أ�ن ذلك رز ٌق من عند‬
‫الله‪ ،‬و أ�نه �سبحانه هو الذي م َّكن الحرم لهم‪ ،‬مع �ِشكهم‪،‬‬

‫اليوم �شريك ًا ين�صركم ويخ ّل�صكم مما نزل بكم؟‬ ‫‪ ٦٠‬و�أ ّي �شيء ُأ�عطيتم من �أ�سباب الدنيا و َملا ِّذها‪،‬‬
‫وتعلق ْت به نفو�ُسكم فما هو إ� ّل متا ٌع وزينة‪� ،‬أيام ًا‬
‫‪ ٦٣‬قال الذين ح ّق عليهم العذا ُب‪ ،‬وهم �أئمة‬ ‫قلائل‪ ،‬وهي م ّدة الحياة الفانية‪ .‬وما عند‪ ‬الله من النعيم‬
‫الكفر الذين َتع َّي عليهم الجواب‪ :‬ربنا ه�ؤلاء ا ألتباع‬ ‫الدائم الذي تنالونه في ا آلخرة ثواب ًا لأعمالكم خي ٌر ِم ْن‬
‫الذين َد َعوناهم إ�لى الغ ِّي‪ ،‬أ��ضللناهم بطري ِق الو�سو�س ِة‬ ‫ذلك؛ ألن ل ّذته ل ّذ ٌة خال�صة عن النواق�ص وال�شوائب‬
‫والت�سويل‪ ،‬لا با إلكراه وا إللجاء‪ ،‬ف�ض ُّلوا باختيارهم كما‬ ‫والنقائ�ص‪ ،‬أ�فلا تعقلون أ� ّن الباقي خير من الفاني و أ� َّن‬
‫�ضللنا‪ ،‬تب ّر�أنا إ�ليك منهم فيما اختاروه من الكفر‪ .‬ولـ َّما‬ ‫ا�ستبدال الذي هو أ�دنى بالذي هو خير �سفاه ٌة وخرو ٌج‬
‫كان الطائ ُع ألئمة الكفر في كفرهم و�ضلالهم ُي َ�ص ِّي‬
‫�أئم َة الكفر بمنزلة المعبود‪ ،‬قال أ�ئمة الكفر‪ :‬ربنا إ�نهم لم‬ ‫عن ُمقت�ضى العقل؟‬
‫يعبدونا‪ ،‬بل كانوا يعبدون أ�هواءهم ويطيعون �شهواتهم‪.‬‬
‫‪ ٦١‬أ�ف َم ْن وعدناه وعداً ح�سن ًا‪ ،‬وهو الجنة؛ فهو‬
‫‪ ٦٤‬وقيل للم�شركين‪ :‬ادعوا الذين اتخذتموهم �شركا َء‬ ‫مدركه لا َمحال َة‪ ،‬كمن م ّتعناه متا َع الحياة الدنيا الذي‬
‫لله ل ُيخ ِّل�صوكم من العذاب؛ فد َعوهم فلم يجيبوهم‬ ‫هو َم ُ�شوب بال َك َدر والمتاعب‪ ،‬ثم هو يوم القيامة من‬
‫لعجزهم عن ا إلجابة وال ُّن�صرة‪ ،‬ولـ ّما ر�أوا العذاب يوم‬
‫القيامة َتنوا �أنهم كانوا ي�ستجيبون لداعي الهدى في‬ ‫المح َ�ضين للح�ساب والعقاب‪.‬‬

‫الدنيا‪.‬‬ ‫‪ ٦٢‬واذك ْر ‪� -‬أيها الر�سول‪ -‬يوم ينادي الله الكفا َر ندا َء‬
‫توبي ٍخ‪ ،‬فيقول لهم‪ :‬أ�ين �شركائي الذين كنتم تزعمون في‬
‫‪ ٦٦ ٦٥‬واذك ْر ‪ -‬أ�يها الر�سول‪ -‬يوم ينادي الله‬ ‫الدنيا أ�نهم �شركائي‪ ،‬فتعبدونهم ِم ْن دوني؟ هل تجدون‬
‫الم�شركين فيقول‪ :‬ما كان جوابكم لمن �ُأر�سل إ�ليكم من‬
‫النب ِّيين؟ ف َخ ِفي ْت عليهم الـ ُحجج وا ألعذار‪� ،‬إذ لم يكن‬ ‫‪393‬‬
‫لهم عذر ولا ُح ّجة‪ ،‬فهم لا ي�س�أل بع ُ�ضهم بع�ض ًا عن‬

‫جواب يجيبون به؛ ِل َف ْرط الحيرة والده�شة‪.‬‬
‫‪ ٦٧‬ف أ� ّما َم ْن تاب ِمن ال�شرك و آ�من بربه وبر�سوله الذي‬
‫�أر�سله إ�ليه‪ ،‬و َج َم َع بين الإيمان والعم ِل ال�صالح‪ ،‬فع�سى‬

‫�أن يكون من الفائزين عند الله بالنعيم المقيم‪.‬‬

‫‪ ٦٩ ٦٨‬ور ُّبك يخلق ما ي�شاء أ�ن يخلقه‪ ،‬فلا إ�يجا َب‬
‫عليه م ْن أ�حد‪ ،‬ويختار ما ي�شاء اختيا َره‪ ،‬لي�س لهم أ� ْن‬
‫يعتر�ضوا على‪ ‬الله في اختياره َم ْن ير�سله بر�سالته‪ ،‬تن َّزه‬
‫اللهُ أ�ن ينازعه �أحد‪ ،‬وتعالى عن �إ�شراكهم‪ .‬ور ُّبك يعلم ما‬
‫ُت�ضمر �صد ُورهم ِم ْن عداو ٍة لك ‪ -‬أ�يها الر�سول‪ -‬وما‬

‫يعلنون ِم ْن َمطاعنهم فيك‪.‬‬
‫‪ ٧٠‬وهو الله الم�ست�أ ِثر با أللوهية المخت�ُّص بها‪ ،‬لا معبو َد‬
‫بح ٍّق �إلا هو‪ ،‬له الحمد في الدنيا والآخرة‪ ،‬وله الق�ضا ُء بين‬
‫عباده‪ ،‬و�إليه وحده ُير ّد الخلق جميع ًا بالبعث والن�شور‪.‬‬

‫‪� ٧٦‬إ َّن قارون كان من قوم مو�سى؛ ف َظ َلمهم وت َ�س َّلط‬ ‫‪ ٧١‬قل ‪ -‬أ�يها الر�سول‪� :-‬أخبروني أ�يها النا�س إ� ْن جعل‬
‫عليهم‪ ،‬و آ�تيناه من الكنوز ما إ� َّن مفاتحه َل َيـ ْث ُق ُل َحم ُلها‬ ‫الله عليكم الليل دائم ًا لا نها َر فيه إ�لى يوم القيامة‪ ،‬هل‬
‫على الجماعة ا ألقوياء من الرجال؛ فعند ذلك ن�صحه‬ ‫إ�ل ٌه غي ُر الله ي�أتيكم بنها ٍر ت�ستقيم به حياتكم وت�سعون فيه‬
‫عقلاء قومه وقالوا له‪ :‬لا َتبط ْر وتتعا َل �إعجاب ًا بكثرة‬ ‫لتحقيق معاي�شكم‪ ،‬وت�صريف �ش ؤ�ونكم؟ �أفلا ت�سمعون‬
‫ما آ�تاك الله من المال‪� ،‬إ ّن الله لا يح ُّب ال َب ِط ِرين الذين لا‬ ‫ما َأ�ر�شدناكم إ�ليه �سما َع تد ُّب ٍر وا�ستب�صار‪ ،‬تهتدون به إ�لى‬
‫عبادة الله الذي بيده وحده ذلك‪ ،‬و�إلى َن ْفي ال�شركاء عنه؟‬
‫ي�شكرون الله على نعمه ويتك ّبون بها على عباده‪.‬‬
‫‪ ٧٢‬قل ‪� -‬أيها الر�سول‪ -‬لهم‪� :‬أخبروني إ� ْن جعل الله‬
‫‪ ٧٧‬وال َت ِم� ْس فيما آ�تاك اللهُ من المال والثرو ِة الدا َر‬ ‫عليكم النهار دائم ًا لا لي َل معه إ�لى يوم القيامة؛ هل‬
‫ا آلخر َة ب أ�ن تت�صدق على الفقراء و َت�صل الرحم‪ ،‬ولا‬
‫َت ْن� َس أ�ن ت�أخذ بن�صيبك من الدنيا‪ ،‬ف إ�نك لا ُتلام عليه‬ ‫إ�ل ٌه غي ُر الله ي�أتيكم بليل ت�ستقرون فيه و َت ْنتظم به �أمور‬
‫‪ -‬وهو ما يكفيك وي�صلحك منها‪ -‬و أ� ْح ِ�س ْن إ�لى عباد‬ ‫حياتكم؟ أ�فلا تب�صرون �آيات الله الم�شهود َة في كونه‪،‬‬
‫الله وا�ست ْع ِمل ِن َعم‪ ‬الله في طاعته‪ ،‬ولا َت ْطلب الف�ساد في‬
‫ا ألر�ض بالظلم والبغي و�إنفاق المال في المعا�صي؛ �إ ّن الله‬ ‫ال ّدال َة على قدرته تعالى ورحمته ووحدانيته؟‬

‫لا َير�ضى ِفعل المف�سدين‪.‬‬ ‫‪ ٧٣‬و ِم ْن آ�ثار رحمة الله بكم �أَ ْن جعل لكم الليل‬
‫والنهار يتعاقبان بال ُّظلمة وال�ضياء؛ لت�سكنوا في الليل‪،‬‬
‫‪394‬‬ ‫ولتبتغوا ِم ْن ف�ضله بالنهار ب أ�نواع المكا�سب؛ لكي تعرفوا‬

‫نعم َة الله في ذلك فت�شكروه عليها‪.‬‬

‫‪ ٧٤‬ويوم القيامة ينادي الله الم�شركين؛ فيقول مو ّبخ ًا‬
‫وم ؤ� ّنب ًا لهم‪ :‬أ�ين �شركائي الذين كنتم تزعمون في الدنيا‬

‫أ�نهم‪� ‬شركائي؟‬

‫‪ ٧٥‬و�أخ َرجنا من كل �أمة �شهيداً‪ ،‬وهو نب ُّيهم‪ ،‬ي�شهد‬
‫عليهم ب أ�نه ب ّلغهم ر�سالة ر ّبهم و َن َ�صح لهم‪ ،‬فقلنا للأمم‬
‫التي خالف ْت أ�نبيا َءها بعد أ�ن �شهد ْت عليهم �أنبيا ؤ�هم‬
‫بالبلاغ وال ُّن�صح‪ :‬هاتوا برهانكم على �صحة ما كنتم‬
‫عليه من ال�شرك ومخالف ِة �أنبيائكم‪ ،‬فعجزوا عن ا إلتيان‬

‫بالبرهان وعلموا أ� ّن الـ ُح ّجة البالغ َة لله عليهم‪ ،‬و�أ ّن الح َّق‬
‫لله‪ ،‬وغاب عنهم ما كانوا ي َّدعونه و َيختلقون ِمن �ُألوهية‬
‫غير الله و�شفاع ِة آ�لهتهم‪ ،‬ألنه َو ْهم لا حقيقة له‪ ،‬ولم ُي ْغ ِن‬

‫عنهم �شيئ ًا بل �ض ّرهم و أَ� ْ�صلاهم النا َر‪.‬‬

‫وبر�سله‪ ،‬و َع ِمل ا ألعمال ال�صالحة‪ ،‬خي ٌر مما أ�وتي قارون‪،‬‬
‫ولا ُي َل ّقى هذه القوة والعزيمة في الدين �إلا ال�صابرون على‬

‫الطاعات وعن ال�شهوات وزينة الدنيا‪.‬‬

‫‪ 81‬ف َخ�سفنا بقارون وبداره الأر�َض‪ ،‬فما كان له من‬
‫جماعة يمنعونه من عذاب الله‪ ،‬وما كان من الممتن ِعين مما‬

‫نزل به ِمن‪ ‬الخ�سف‪.‬‬

‫‪ 82‬و�صار الذين تم ّنوا منزل َة قارون من الدنيا با ألم�س‬ ‫‪ 78‬قال قارون‪� :‬إ ّنا �أوتي ُت الما َل على ا�ستحقا ٍق م ّني‬
‫متع ّجبين مما فعل اللهُ به‪ ،‬نادمين على ما تم َّنوه‪ ،‬يقولون‪:‬‬ ‫وعل ٍم بوجوه َت�صيله و َجمعه‪ ،‬فقال‪ ‬الله‪َ� :‬أ َو َلـم يكن‬
‫َو ْيلنا‪ ،‬إ� ّن‪ ‬الله بحكمته وق�ضائه يب�سط الرزق لمن ي�شاء‬ ‫من ُجملة العلم الذي عنده‪ :‬أ� ّن الله قد أ�هلك ِم ْن قبله‬
‫و ُي�ض ّيقه على َم ْن ي�شاء لا لكرام ٍة تقت�ضي ال َب�س َط ولا‬ ‫ِم َن القرون َم ْن هو �أ�ش ُّد منه و أ�قوى و أ�غنى و�أكث ُر جمع ًا‬
‫ل َهوا ٍن يقت�ضي الت�ضيي َق ب ْل ك ُّل ذلك ابتلا ٌء وفتن ٌة‪،‬‬ ‫للمال؟ ولا ُي�س أ�ل المجرمون عن ذنوبهم إ�ذا أ�راد الله‬
‫وقالوا‪ :‬لولا أَ� ْن َم َّن الله علينا بف�ضله وكرمه ب�أنه لم‬ ‫�إهلاكهم ِلعلمه تعالى بعملهم‪ .‬وفي هذا تهدي ٌد و إ�نذا ٌر‬
‫يجعلنا مثل قارون لخ�سف بنا كما خ�سف به‪ ،‬ح ّق ًا إ� ّنه‬
‫للمجرمين أ�ن ُي ؤ�خذوا بغت ًة‪.‬‬
‫لا يفلح‪ ‬الكافرون‪.‬‬
‫‪ 79‬فخرج قارون على قومه في زينته‪ ،‬قال الذين‬
‫‪ 83‬تلك الدار العظيم ُة التي �َس ِمع َت َخبرها وبلغك‬
‫و�ص ُفها‪ ،‬وهي الجنة‪ ،‬نجعلها للذين لا يريدون تك ُّباً في‬ ‫غ ّرتهم مظاهر الحياة الدنيا وزين ُتها‪ :‬يا ليت لنا ِمث َل‬
‫الأر�ض ولا عمل ًا بالمعا�صي كحا ِل فرعون وقارون؛‬ ‫ما ُأ�عطي قارون من المال والجاه‪� ،‬إنه لذو ح ٍّظ عظيم‬

‫والعاقب ُة المحمود ُة للمتقين‪.‬‬ ‫من‪ ‬الدنيا‪.‬‬

‫‪َ 84‬م ْن جاء بالح�سنة فله خير منها ب�أن ُن�ضاعفها له‪،‬‬
‫و ُنثيبه عليها ثواب ًا عظيم ًا‪ ،‬و َم ْن جاء بما لا ير�ضاه الله‬
‫تعالى فلا‪ُ  ‬يجزون إ� ّل جزا َء عملهم‪ ،‬و ِم ْن َف�ضله العظيم‬
‫�أ ّل يجزي ال�سيئ َة إ� ّل مث َلها‪ ،‬ويجزي الح�سن َة بع�شر �أمثالها‬

‫إ�لى �سبعمائة‪�ِ  ‬ضعف �إلى أ��ضعا ٍف كثيرة‪.‬‬

‫‪ 80‬وقال الذين أ�وتوا العلم بالله وبما َو َعد في ا آلخرة‪:‬‬
‫احذروا الهلا َك‪ ،‬ثوا ُب الله في ا آلخرة لمن آ�من به‬

‫‪395‬‬

‫‪ 3‬ولقد فت ّنا الذين من قبلهم من �أَتباع ا ألنبياء؛‬ ‫‪ 85‬يقول الح ُّق ج َّل جلاله لر�سوله ‪ :‬إ� ّن الذي �أنزل‬
‫فل ُيظه َر َّن اللهُ بالابتلاء والامتحان الذين �ص َدقوا في‬ ‫عليك القر آ�ن و�َأ ْوج َب عليك تلاو َته وتبلي َغه والعم َل بما‬
‫الإيمان بالثبات عليه‪ ،‬وليعلم َّن الكاذبين بالرجوع عنه‪.‬‬ ‫فيه‪َ ،‬ل َرا ُّدك �إلى بلدك ‪ -‬مكة‪ -‬فاتح ًا بعد أ�ن ُت ْخرج منها‪.‬‬
‫قل له�ؤلاء الم�شركين‪ :‬ربي �أعلم ب َم ْن جاء بالح ِّق‪ ،‬و أ�علم‬
‫‪ 4‬أ�م َظ َّن الذين يعملون ال�سيئات ِمن ال�شرك‬ ‫ب َم ْن هو في �ضلا ٍل وا�ض ٍح‪ ،‬وهم أ�نتم‪ ،‬و�سيجا َزى كل‬
‫والمعا�صي و إ�ذاية الم�سلمين أ�ن ُي ْع ِجزونا فلا نقدر على‬
‫عقابهم‪ ،‬بئ�س ما ُيق ِّدرون ويظنون في ح ِّق الله تعالى �أ ّن‬ ‫فريق بما ي�ستحقه‪.‬‬
‫‪ 86‬وما كن َت ‪ -‬يا محمد‪ -‬ت ْأ� ُم ُل أ�ن يوحى إ�ليك‬
‫�شيئ ًا َي ُفوته �أو ُيعجزه‪ ،‬وهو القادر على كل �شيء‪.‬‬ ‫القر�آن‪ ،‬لك َّن الله أ�لقاه إ�ليك؛ رحم ًة منه‪ ،‬فلا تكون َّن ُمعين ًا‬

‫‪َ 5‬م ْن كان ي�أ ُمل في ثواب الله ويخا ُف ح�سابه أ�و‬ ‫للكافرين على دينهم بمداراتهم والإجاب ِة �إلى طلبا ِتهم‪.‬‬
‫ف�إ َّن الوقت الذي َع َّينه الله لهذه‬ ‫البع َث في الآخرة‬ ‫ينتظر‬ ‫‪ 87‬ولا يمنع ّنك كي ُد ه�ؤلاء و�أذاهم عن العمل ب آ�يات‬
‫الزمان المح َّدد له‪ ،‬وهو ال�سميع‬ ‫َلآ ٍت لا َمحال َة في‬ ‫الغاية‬ ‫الله وتبليغها بعد �إذ أ�نزلها ربك �إليك‪ ،‬وا ْد ُع �إلى توحيده‬
‫وعبادته‪ ،‬ولا تكون َّن من الم�شركين‪ .‬وفي هذه ا آلية والتي‬
‫ِلـ َما يقوله عباده‪ ،‬العليم بما يفعلونه‪ ،‬فلا يفوته �شيء‪.‬‬ ‫قبلها َق ْط ٌع ألطماع م�شركي مكة �أن يميل �إليهم النب ُّي ‪‬‬

‫‪ 6‬و َم ْن جاه َد نف َ�سه بال�صبر على م�شا ِّق الطاعات‪،‬‬ ‫أ�دنى َميل فيما يطلبون �أو �أ ْن ُيداريهم‪.‬‬
‫والبعد عن المعا�صي ومذمو ِم ال�شهوات‪ ،‬ف إ�نما يجاهد‬ ‫‪ 88‬ولا تعب ْد مع الله معبوداً آ�خر‪ ،‬ف إ�نه لا معبود بح ٍّق‬
‫لنف�سه؛ ألن منفع َة ذلك وثوابه راج ٌع �إليه‪� ،‬إ ّن الله لغن ٌّي‬ ‫�سوى الله؛ إ�ذ لا خال َق ولا راز َق ولا ُمعطي ولا مانع �إ ّل‬
‫هو �سبحانه‪ ،‬ك ُّل �شيء كائن ًا ما كان فا ٍن زائ ٌل إ� ّل ذاته‬
‫عن العالمين‪.‬‬ ‫المق َّد�سة ف�إنها موجودة باقية ي�ستحيل في حقها الفناء‪،‬‬
‫له الق�ضاء الناف ُذ في َخلقه‪ ،‬و�إليه يرجعون عند َب ْعثهم‬
‫يوم القيامة ليجزي المح�سن ب إ�ح�سانه والم�سيء ب إ��ساءته‪.‬‬
‫والخطا ُب في ا آلية للنبي ‪ ،‬والمق�صود �أهل ِدينه‪،‬‬

‫وذلك لع�صمته وا�ستحالة �صدور ال�شرك‪ ‬منه‪.‬‬

‫‪} 1‬ﮡ{‪� :‬سب َق الكلا ُم على هذه الحروف‬
‫الـ ُمق َّطعة في �أول �سورة البقرة‪.‬‬

‫‪َ� 2‬أ َظ َّن النا� ُس �أن ُيتركوا على ما هم عليه‬
‫لمجرد قو ِلهم‪ :‬آ�منا بالله دون أ�ن ُيختبروا في دينهم‬
‫بالابتلاءات؟! َك ّل لنختبر ّنهم بما ن�شاء من الم�صائب‪،‬‬
‫وم�شا ِّق الأوامر والنواهي‪ِ ،‬ل ُنبين المخ ِل�َص من المنافق‪،‬‬

‫وال�صاد َق من الكاذب‪.‬‬

‫‪396‬‬

‫‪ 10‬و ِمن ال َّنا�س َم ْن يقول آ�م ّنا بالله‪ ،‬فيدخل في ُجملة‬ ‫‪ 7‬والذين آ�منوا وعملوا ال�صالحات ل ُنذهب َّن عنهم �إ ْث َم‬
‫الم�سلمين‪ ،‬ف�إذا م�َّسه أ�ذى ِمن ال َكفرة‪ ،‬ب�َأ ْن ع َّذبوه على‬ ‫ما كانوا عليه قبل إ��سلامهم من �شر ٍك ومعا�ٍص‪ ،‬ول ُن ِثيب َّنهم‬
‫الإيمان‪َ ،‬ج ِز َع ِمن ذلك و�س َّوى ل َ�ضعف �إيمانه بين ما‬ ‫َأ�ح�سن مثوبة على ما كانوا يعملون من ا ألعمال ال�صالحة‬
‫هو فيه ِمن العذاب وبين عذاب الله في ا آلخرة‪ ،‬ولم‬
‫في ا إل�سلام وما قبله‪.‬‬
‫ي�صبر على الأذى؛ فارت َّد عن الإيمان اتقا ًء لهذا العذاب‬
‫العاجل‪ ،‬ولا م�ساوا َة بين هذا العذاب الذي ا ّتقاه في‬ ‫‪ 8‬و أ�َ َم ْرنا الإن�سان بتعا ُهد والديه وا إلح�سا ِن �إليهما‪.‬‬
‫الدنيا وما َينتظر الكافرين من عذاب‪ ‬الل ِه في الآخرة‪،‬‬ ‫و إ� ْن ب َذلا الجه َد في َح ْملك على �أن ت�شرك بي �شيئ ًا؛ فلا‬
‫ولئن جاء ن�صرٌ من ربك للم�ؤمنين �أو َغنيمة َليقو ُل َّن‪ :‬إ� ّنا‬ ‫ت�ستج ْب لهما في ذلك؛ �إذ لا طاع َة لمخلوق في مع�صية‬
‫كنا متابعين لكم في دينكم ثابتين عليه؛ ف أ�عطونا ن�صيب ًا‬ ‫الخالق‪� ،‬إليَّ َمعا ُدكم وم�صيركم‪َ :‬من َأ�ح�س َن إ�لى والديه‬
‫و َم ْن أ��ساء‪ ،‬و َم ْن �آمن منكم و َمن أ��شرك‪ ،‬ف أ�ُخبركم بما كنتم‬
‫من الـ َمغنم‪ ،‬أ� َولي�س الله ب�أعلم بما في �صدور العالمين من‬
‫ا إلخلا�ص أ�و النفاق؟!‬ ‫تعملون و�ُأجازيكم عليه‪.‬‬

‫‪ 11‬ول ُيظهر ّن اللهُ تعالى ما يعلم ِمن حا ِل الم ؤ�منين‬ ‫‪ 9‬والذين َثبتوا على ا إليمان وعلى عم ِل ال�صالحات‬
‫بما َيظهر منهم ِمن الثبات عند الـ ِم َحن التي يمتحنهم‬ ‫ل ُندخل َّنهم في ُجمل ِة عبادنا ال�صالحين‪ ،‬الذين ر ِ�ضينا‬
‫الله بها‪ ،‬ول ُيظهر ّن الله تعالى ما يعلم من حال المنافقين‬
‫عنهم ور�ضوا ع ّنا‪.‬‬
‫بع�صيانهم وارتدادهم عند البلايا والمحن‪.‬‬
‫‪397‬‬
‫‪ 12‬وقال الذين كفروا ِم ْن �صناديد قري�ش للذين‬
‫آ�منوا‪ :‬ا ّت ِبعوا �سبي َلنا الذي َن�سلكه‪ ،‬وهو الرجوع إ�لى‬
‫ديننا‪ ،‬و َل َن�ضمن َّن لكم َح ْم َل �أوزاركم‪ ،‬وما هم بحاملين‬

‫�شيئ ًا من أ�وزارهم‪ ،‬و�إنهم لكاذبون في هذا الا ِّدعاء‪.‬‬

‫‪ 13‬وليحم ُل َّن أ�ثقا َل أ�نف ِ�سهم ب�سبب كفرهم و أ�ثقال ًا‬
‫�ُأ َخر غير التي �ضمنوا للم ؤ�منين حملها‪ ،‬وهي �أثقال‬
‫الذين كانوا �سبب ًا في �ضلالهم‪ ،‬ول ُي�س أ� ُل َّن يوم القيامة ع ّما‬
‫كانوا َي ْختلقون من الأكاذيب وا ألباطيل التي أ��ضلوا بها‬

‫�أتبا َعهم و�ص ُّدوهم عن �سواء‪ ‬ال�سبيل‪.‬‬

‫‪ 14‬ولقد �أر�سلنا نوح ًا إ�لى قومه ف أ�قام فيهم يدعوهم‬

‫�إلى عبادة الله وتوحيده أ�ل َف �سنة إ�لا خم�سين عام ًا‪ ،‬فلم‬
‫ي�ستجيبوا و أ��صروا على التكذيب‪ ،‬ف أ�غرقهم طوفا ُن الماء‬

‫وهم ظالمون �أنف َ�سهم بالكفر وال�شرك‪.‬‬

‫�إن�شائها وفي �إن�شاء ما يخرج منها وما يعي�ش فيها؛ لتعرفوا‬ ‫‪ 15‬ف�أنجينا نوح ًا و َم ْن تبعه ممن كان معه في ال�سفينة‪،‬‬
‫وجع ْلنا هذه ال�سفينة ِعبر ًة و ِعظة للعالمين ي ّتعظون بها‪.‬‬
‫عظي َم قدرة الله بالم�شاهدة‪ ،‬ثم هو �سبحانه كما بد أ�كم‬
‫ُين�شئكم مر ًة أ�خرى بعد موتكم‪ ،‬إ�نه على كل �شيء قدير؛‬ ‫‪ 16‬و�أر�سلنا �إبراهي َم ‪ -‬عليه ال�ّسلام‪ -‬فقال لقومه‪:‬‬
‫�أخ ِل�صوا العباد َة لله وحده واتقوه‪ ،‬ذلكم خير لكم مما‬
‫فلا ُيعجزه �شيء �أراده‪.‬‬
‫�أنتم عليه من الكفر‪ ،‬إ� ْن كان لكم علم بم�صلحتكم و َتيي ٌز‬
‫‪ُ 21‬يع ِّذب َم ْن ي�شاء ب َعدله‪ ،‬ويرحم َم ْن ي�شاء ب َف�ضله‪،‬‬ ‫لما هو خي ٌر لكم مما هو �ش ٌّر لكم‪.‬‬
‫و�إليه ُتر ّدون للح�ساب والعقاب‪.‬‬
‫‪ 17‬إ� ّنا تعبدون ِم ْن دون الله أ��صنام ًا ت�صنعونها‬
‫‪ 22‬وما �أنتم بم ْف ِلتين من العذاب �إ ْن هربتم في الأر�ض‬ ‫ب أ�يديكم وتزعمون أ�نها آ�لهة كذب ًا؟! إ� ّن الذين تعبدون‬
‫الف�سيح ِة أ�و كنتم في ال�سماء التي هي َأ�ف�س ُح و�أَب�سط لو‬ ‫ِم ْن دون الله لا ي�ستطيعون �أن يرزقوكم �شيئ ًا من الرزق‪،‬‬
‫ا�ستطعتم الو�صو َل �إليها وال ّتح�صن بها‪ ،‬وما لكم ِم ْن دون‬ ‫فاطلبوا عند الله الرز َق؛ ف إ�نه القادر على ذلك‪ ،‬و َتو�َّسلوا‬
‫الله ِم ْن وليٍّيتولى �أموركم‪ ،‬ولا نا�ص ٍر يمنعكم ِم ْن عذابه‪.‬‬ ‫�إلى َمطالبكم بعبادته‪ ،‬مق ِّيدين لما خ ّ�صكم به من النعم‬
‫ب�ُشكره‪� ،‬إلى الله ُت َر ّدون ِم ْن بعد َماتكم‪ ،‬فا�ستعدوا للقائه‬
‫‪ 23‬والذين كفروا بدلائ ِل الل ِه على وحدانيته أ�و بكتبه‬
‫�أو معجزاته‪ ،‬وكفروا بلقائه‪ ،‬أ�ولئك يئ�سوا ِم ْن عفوي‬ ‫بعبادته وال�شك ِر له على �أَ ْن ُعمه‪.‬‬

‫ومغفرتي‪ ،‬و�أولئك لهم عذا ٌب �ألي ٌم موج ِـ ٌع‪.‬‬ ‫‪ 18‬و�إ ْن تك ِّذبوني‪ ،‬ف�إ َّن تكذي َبكم لا ي�ض ّرني‪ ،‬ف�إ َّن‬
‫ال ُّر�سل َقبلي قد ك َّذبتهم ُ�أممهم وما �ض ّروهم‪ ،‬و�إنما �ض ّروا‬
‫أ�نف َ�سهم حيث ح َّل بهم العذاب‪ .‬وما على الر�سول‬
‫إ�لا �َأ ْن يبلغ ما ُأ�ر�سل به بلاغ ًا وا�ضح ًا لا خفا َء فيه‪ ،‬وما‬
‫عليه أ�ن ُي�ص ِّدقه قومه بل هم الم�س ؤ�ولون عن ذلك‪ ،‬وقد‬
‫خرج ُت ِم ْن ُع ْهدة التبليغ‪ ،‬ب أ�ن ب َّلغتكم بلاغا ب ِّين ًا لا َمزي َد‬

‫عليه‪ ،‬فلا ي�ض ُّرني تكذيبكم بعد ذلك‪.‬‬

‫‪ 19‬أ� َولم َي َر ه ؤ�لاء الكفار المنكرون للبعث كيف ُين�شئ‬
‫اللهُالخلق ابتدا ًء بعد �أن لم يكن؟ ولـ ّما كان الكفار يرون‬
‫ذلك و ُيق ُّرون به‪ ،‬أ�خبرهم الله تعالى أ�نه يعيده بعد َفنائه‬
‫ويبعثه مر ًة �أخرى للح�ساب‪ ،‬و أ� ّن الإعادة بعد ا إلفناء‬

‫ي�سيرة على قدرة الله‪.‬‬

‫‪ 20‬قل ‪ -‬أ�يها الر�سول‪ -‬لكفا ِر قو ِم َك المنكرين‬

‫للبعث‪� :‬سيروا في ا ألر�ض فانظروا عجائ َب القدرة في‬

‫‪398‬‬

‫‪ 26‬ف�ص ّدق لو ٌط بر�سالة �إبراهيم و أ�َ�سلم له‪ ،‬وقال‬

‫�إبراهيم‪ :‬إ�ني مهاج ٌر �إلى حيث أ�مرني ربي بالهجرة‪،‬‬
‫�إنه هو العزيز الذي يمنعني من �أعدائي‪ ،‬الحكي ُم الذي لا‬

‫ي�أمرني إ� ّل بما هو خير لي‪.‬‬

‫‪ 27‬ووهبنا لإبراهيم اب َنه �إ�سحاق وحفي َده يعقوب‬ ‫‪ 24‬فما كان جوا َب قوم �إبراهيم حين دعاهم إ�لى‪ ‬الله‬
‫ابن �إ�سحاق ‪ -‬عليهم ال�سلام‪ -‬وجعلنا في ذرية �إبراهيم‬ ‫إ� ّل �أن قال بع ُ�ضهم لبع�ض‪ :‬اقتلوه �أو ح ّرقوه؛ ف أ�نجاه الله‬
‫من النار حين قذفوه فيها؛ ب أ�ن جعلها َب ْرداً و�سلام ًا عليه‪،‬‬
‫وما َتنا�سل منه ا ألنبيا َء والكت َب ال�سماوية‪ ،‬و�آتيناه الثنا َء‬ ‫إ� َّن في َج ْع ِل الل ِه النا َر برداً و�سلام ًا على �إبراهيم و إ�نجا ِء الل ِه‬
‫الـ َح َ�سن في الدنيا‪ ،‬و إ�نه في ا آلخرة لفي ُزمرة ال ّ�صالحين‪.‬‬ ‫له آليا ٍت لقوم ي ؤ�منون بوجوده �سبحانه وبعجيب قدرته‬

‫‪ 28‬واذك ْر ‪ -‬يا محم ُد‪ -‬ق�ص َة نبينا لوط ًا إ�ذ أ�ر�سلناه‬ ‫وخف ِّي لطفه وتدبيره‪.‬‬
‫لقومه فقال لهم‪� :‬إنكم لت أ�تون ال ِف ْعلة البالغ َة في ال ُقبح‪ ،‬لم‬
‫‪ 25‬وقال �إبراهي ُم لقومه‪� :‬إ ّنا ا ّتخذتم ِم ْن دون الله‬
‫َيفعلها أ�حد ِم ْن‪ ‬قبلكم!‬ ‫أ��صنام ًا �آلهة ِل َتجتمعوا على عبادتها وتتفقوا عليها‬
‫ا�ستبقا ًء للمو َّد ِة بينكم‪ ،‬ثم يوم القيامة تتبر أ� ا أل�صنام‬
‫‪� 29‬أ إ�نكم لت أ�تون الرجال �شهو ًة ِم ْن دون الن�ساء‪،‬‬ ‫ِم ْن عاب ِديها‪ ،‬وتتبر�أ القادة من ا ألتباع‪ ،‬ويلعن ا ألتبا ُع‬
‫وتتع ّر�ضون للم�سافرين بالقتل و�أخ ِذ المال كما هو �ش أ� ُن‬ ‫قادتهم الذين كانوا ُيلزمونهم بعبادة ا ألوثان و ُيزينون‬
‫ُق ّطاع الطرق‪ ،‬وت أ�تون في َمل�سكم الذي تجتمعون‬ ‫لهم عبادتها‪ ،‬وحينئ ٍذ يكون م�أوى الجميع النار‪ ،‬وما‬
‫فيه ا ألعما َل المن َكرة كال�سخرية من النا�س ور ْم ِي الما ّرة‬ ‫لأح ٍد منهم ِمن نا�ص ٍر يحميه فيك�شف عنه عذا َب ر ّبه‬
‫بالح�صى و�إيذائهم بما لا يليق من الأقوال وا ألفعال؟ فما‬
‫الذي لا كا�شف له‪  ‬إ�لا هو‪.‬‬
‫كان جوا َب قوم لوط إ� ّل أ�ن قالوا م�ستهزئين ُم َت َح ِّدين‪:‬‬
‫ائتنا بعذاب الله‪ ،‬إ� ْن كن َت من ال�صادقين فيما َتع ُدنا ِمن‬ ‫‪399‬‬

‫نزول العذاب‪.‬‬

‫‪ 30‬قال لوط‪ :‬ر ِّب ان�صرني على القوم المف�سدين الذين‬
‫�أف�سدوا �أنف َ�سهم ب َ�شنيع ما يفعلون‪ ،‬و ُيكرهون غيرهم‬

‫على المعا�صي الفواح�ش‪.‬‬

‫‪ 31‬ولـ ّما جاءت الملائك ُة إ�براهي َم يب�ّشونه ب�أن‪ ‬الله‬
‫�سي ؤ�تيه ولداً ِم ْن زوجته �سارة‪ ،‬وهو �إ�سحاق‪ ،‬ثم ِم ْن‬
‫إ��سحا َق ول َده يعقو َب‪ ،‬قالت الملائكة إلبراهيم بعد �أن‬
‫ب�ّشوه‪ :‬إ� ّنا ُمه ِلكو أ�ه ِل قرية قوم لوط‪ ،‬وهي �َس ُدوم‪،‬‬
‫إ� ّن �أهلها كانوا ظالمي أ�نف�سهم ظلم ًا ي�ستحقون عليه‬

‫الإهلا َك‪ ‬والتعذيب‪.‬‬

‫‪ 32‬قال إ�براهيم‪-‬عليهال�سلام‪-‬للملائكة‪َ :‬أ�تُه ِلكونهم‬

‫وفيهم نب ُّي الله لوط؟! قالت الملائكة‪ :‬نحن �أعلم بمن‬
‫فيها‪ ،‬ل ُن َن ّجي ّنه و�أه َله من الهلاك الذي �سينزل بقريته �إ ّل‬

‫امر�أ َته كانت من الباقين في العذاب‪.‬‬

‫‪ 37‬فك ّذ َب �أه ُل َم ْدين �شعيب ًا فيما جاءهم به ِم ْن‬ ‫‪ 33‬ولـ ّما جاءت الملائك ُة لوط ًا في �صورة رجال‪،‬‬
‫عند الله؛ ف أ�خذتهم ال َّزلزل ُة ال�شديد ُة التي َرجف ْت‬ ‫ولم يعرف أ�نهم ملائكة؛ �ساءه َمي ُئهم وغ َّمه؛ مخاف َة أ�ن‬
‫منها قلوبهم‪ ،‬ف أ��صبحوا في دارهم واقعين على‬ ‫يق�صدهم قو ُمه ب�سوء‪ ،‬و َ�ض ُعف ْت ق ّو ُته و ِحيل ُته عن تدبير‬
‫َخلا�صهم‪ ،‬وقالوا لـ ّما ر�أوا فيه �أثر ال َّ�ضجر والخوف‪:‬‬
‫الأر�ض هالكين‪.‬‬ ‫ال‪ ‬تخ ْف ولا تحز ْن فلن يتمكنوا م َّنا‪ ،‬و أَ�ع َلموه �أنهم‬
‫ملائكة‪ ،‬وقالوا له‪� :‬إ ّنا من ُّجوك من العذاب الناز ِل‬
‫‪ 38‬و أ�هلكنا عاداً وثمود‪ ،‬وقد تب ّي لكم يا أ�هل‬ ‫بقومك وم َن ُّجو �أهلك مع َك �إ ّل امر�أتك‪ ،‬ف�إنها هالك ٌة‬
‫مكة في �أ�سفاركم �آثا ُر م�ساكنهم وما َلـ ِح َقهم من‬
‫ال ّدمار‪ ،‬وز ّين ال�شيطان لعا ٍد وثمو َد أ�عمالهم من الكفر‬ ‫فيمن يهلك ِم ْن قومها‬
‫والمعا�صي؛ ف�ص ّدهم عن الطريق الذي �ُأمروا ب�سلوكه‪،‬‬
‫وهو الإيمان بالله ور�سوله‪ ،‬وقد كانوا متمكنين من النظر‬ ‫‪ 34‬إ� ّنا منزلون على �أهل هذه القرية عذاب ًا من ال�سماء‬
‫ب�سبب ف�سقهم وارتكا ِبهم الفاح�شة‪.‬‬
‫والا�ستب�صا ِر وتمييز الحق من الباطل‪ ،‬ولكنهم لم يفعلوا‪.‬‬
‫‪ 35‬ولقد �أبقينا ِم ْن قرى قوم لوط آ�ثار منازلهم المد َّمرة‬
‫الـ َخ ِربة‪ِ ،‬عبر ًة ظاهر ًة وعلام ًة وا�ضح ًة لقوم ي�ستعملون‬

‫عقولهم في الاعتبار والا�ستب�صار‪.‬‬

‫‪ 36‬و�أر�سلنا �إلى َم ْدين �أخاهم �شعيب ًا‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫يا قوم اعبدوا الله وحده‪ ،‬وخافوا اليو َم الآخر‪،‬‬
‫واعملوا بما ترجون به ثواب الله‪ ،‬ولا تتمادوا فيما‬

‫�أنتم عليه من الف�ساد‪.‬‬

‫‪400‬‬

‫ت�أوي إ�ليه‪ ،‬و إ� َّن بيتها في غاية ال�ضعف والوهن ال‪ ‬يدفع‬ ‫‪ 39‬و�أهلكنا قارو َن وفرعون وهامان‪ ،‬ولقد جاءهم‬
‫مو�سى بالدلالات الوا�ضحا ِت على ِ�صدقه؛ فا�ستكبروا‬
‫عنها ح ّراً ولا برداً فكذلك الأوثا ُن لا تملك لعابدها نفع ًا‬
‫ولا �ض ّراً؛ لو كانوا يعلمون �أ ّن هذا مث ُلهم و أ� ّن ما تم�ّسكوا‬ ‫في ا ألر�ض‪ ،‬وما كانوا معجزين ر َّبهم وفائتين عذا َبه‪ ،‬بل‬
‫أ�دركهم �أم ُر الله فلم يفوتوه‪.‬‬
‫به ِمن الدين َب َلغ هذه الغاية ِمن الوهن!‬
‫‪ 40‬فعاقبنا ك ّ ًل ِم ْن ه�ؤلاء المذكورين ب�سبب ذنبه؛‬
‫‪� 42‬إ َّن الله يعلم ما يعبدون ِم ْن دونه ِم ْن جميع‬ ‫فمنهم َم ْن �َأمطرنا عليهم حجار ًة ِمن ال�سماء‪ ،‬وهم قوم‬
‫ا أل�شياء‪ ،‬ويعلم عد َم �صلاحيتها لما ُي�ؤ ِّملونه منها‪ ،‬وهو‬ ‫لوط‪ ،‬ومنهم َم ْن �أخذته ال�صيح ُة؛ كثمود و�أهل مدين‪،‬‬
‫العزيز الغالب الذي لا �شريك له‪ ،‬الحكي ُم في َت ْر ِك‬ ‫ومنهم َم ْن خ�سفنا به ا ألر�ض كقارون‪ ،‬ومنهم َم ْن �أغرقنا‬
‫كقوم نوح وفرعو َن وقو ِمه‪ ،‬وما كان الله ليظلمهم‬
‫الـ ُم َعا َجلة بالعقوبة‪.‬‬
‫فيعاقبهم بغير ذنب‪ ،‬ولكن كانوا �أنف َ�سهم يظلمون‬
‫‪ 43‬وتلك ا ألمثال التي ذكرناها في القر�آن ‪ -‬والتي‬ ‫بالتع ُّر�ض للعذاب بالكفر‪ ‬والطغيان‪.‬‬

‫منها هذا المثل ال�ساب ُق‪َ -‬ن ْ�ضبها للنا�س �إر�شاداً لهم‬ ‫‪َ 41‬م َث ُل َم ْن أ��شرك بالله الأوثا َن في ال َّ�ضع ِف و�سو ِء‬
‫وتنبيه ًا وتقريب ًا لما قد َيب ُعد عن أ�فهامهم‪ ،‬وما يعقلها إ� ّل‬ ‫الاختيار كمثل العنكبوت فيما تتخذه لنف�سها ِمن بي ٍت‬
‫العالمون بالل ِه و�صفات ِه و أ��سمائ ِه‪ ،‬وبمواق ِع كلام ِه و ِحكم ِه‪.‬‬

‫‪ 44‬خلق اللهُ ال�سماوات وا ألر�ض بالحكم ِة والعدل‬
‫و ألم ٍر ح ٍّق‪ ،‬ولم يخلقهما عبث ًا‪ ،‬إ� ّن في ذلك لـ ُح ّج ًة‬
‫وا�ضح ًة للم ؤ�منين على وحدانية الله وقدرته و ِحكمته‪.‬‬

‫و ُخ�ّص الم ؤ�منون بالانتفاع بها؛ ألنهم هم المنتفعون بها‬
‫على الحقيقة‪.‬‬

‫‪ 45‬ات ُل ‪� -‬أيها الر�سول‪ -‬ما ُ�أوحي إ�ليك من القر آ�ن‬

‫تلاو َة َتد ُّبر واعتبا ٍر‪ ،‬و ُد ْم على إ�قامة ال�صلاة ب إ�تقانها‬
‫ِفعل ًا وح�ضوراً وخ�شوع ًا‪ ،‬إ� ّن ال�صلاة تنهى عن ا ألفعال‬
‫القبيح ِة؛ كالزنا و�شرب الخمر ونحوهما‪ ،‬و َتنهى ع ّما‬
‫ُينكره ال�شرع‪ ،‬و َل ِذ ْك ُر الل ِه في ال�صلاة وغيرها �أكب ُر في‬
‫النهي عن الفح�شاء والمنكر مما �سواه؛ لأن الانتهاء عن‬

‫المعا�صي لا يكون �إلا ِم ْن ذاك ٍر لله ُمراق ٍب له‪ ،‬والله يعلم‬
‫ما ت�صنعون ِمن الخير والطاعة؛ فيثي ُبكم �أح�س َن الثواب‪.‬‬

‫‪401‬‬

‫‪ 51‬كيف يطلبون معجز ًة والقر آ�ن أ�عظم المعجزات‬ ‫‪ 46‬ويا أ�يها الذين آ�منوا لا تجادلوا اليهو َد والن�صارى‬
‫و�أو�ضحها دلال ًة على �صحة النبوة‪ ،‬فه ّل اكتفوا به؟‬ ‫�إلا بالجميل من القول‪ ،‬وهو الدعو ُة �إلى‪ ‬الله ب�آياته والتنبيه‬
‫وهو معجز ٌة م�ستمر ٌة بخلاف غي ِره من الآيات‪ ،‬التي‬ ‫على ُحججه بال ِّلين والرفق‪� ،‬إلا الذين ظلموا وتجاوزوا‬
‫ي�شهدها َم ْن َح�ضرها‪ ،‬و َت ِ�ص ُل لغيره بالخبر عنها‪ ،‬والقر�آن‬ ‫الحدو َد في �أقوالهم و�أفعالهم فلكم ا إلغلا ُظ لهم في‬
‫القول ومعاملتهم بالمثل‪ ،‬و�إذا ح ّدثكم �أه ُل الكتاب بما‬
‫أ�ي�ض ًا رحم ٌة وتذ ِكرة لمن تدبره‪.‬‬ ‫لم تتب ّينوا حاله مما في كتبهم فلا تتع َّر�ضوا له بت�صدي ٍق‬
‫‪ 52‬قل لهم‪ :‬كفى بالله �شاهداً على �صدق ما أ� َّدعيه‬ ‫ولا بتكذي ٍب وقولوا‪� :‬آمنا بالذي �ُأنزل �إلينا من القر�آن‪،‬‬
‫وعلى تكذيبكم لي‪ ،‬وهو الم َّطلع على �أمري و أ�مركم‬ ‫وبالذي أُ�نزل إ�ليكم من التوراة وا إلنجيل‪ ،‬ومعبو ُدنا‬
‫يعلم ما �أنا عليه ِمن الحق‪ ،‬وما �أنتم عليه ِمن الباطل‪ ،‬لا‬
‫تخفى عليه خافي ٌة‪ ،‬والذين �آمنوا بما �سوى الله وكفروا‬ ‫ومعبودكم واح ٌد‪ ،‬ونحن له مطيعون خا�ضعون‪.‬‬
‫بالله و آ�ياته أ�ولئك هم البعيدون عن رحمة‪ ‬الله وهم‬
‫‪ 47‬وكما �أنزلنا الكت َب على َم ْن قبلك �أنزلنا إ�ليك‬
‫الخا�سرون في الدنيا وا آلخرة‪.‬‬ ‫يا ر�سول الله القر آ� َن‪ ،‬فالذين �آتيناهم الكتاب ِم ْن قبلك ِم ْن‬
‫م�ؤمني �أهل الكتاب ي ؤ�منون ب�أننا �س َنبعث َك وي�ؤمنون بما‬
‫‪402‬‬ ‫ُأ�نزل �إليك‪ ،‬و ِم ْن أ�هل مكة َم ْن ي ؤ�من به‪ ،‬وما يجحد ب�آياتنا‬

‫مع ظهورها إ�لا المتو ِّغلون في الكفر الم�ص ِّممون عليه‪.‬‬

‫‪ 48‬وما كن َت ‪ -‬يا ر�سول الله‪ -‬قبل نزول القر�آن عليك‬
‫تقر�أ�شيئ ًامنالكتبال�سابقةولاتكت ُبها‪،‬ولوكن َتكذلك‬
‫َل َطعن الم�شركون فيما جئ َت به‪ ،‬وقالوا‪� :‬إنما هذا �شيء َت َع َّلمه‬

‫وكتبه‪ ،‬فمجي ُئ َك بهذا و أ�ن َت أ�ُ ّم ٌّي معجز ٌة ظاهر ٌة‪.‬‬

‫‪ 49‬بل في هذا الذي جاءك ِمن العلم دلائ ُل وا�ضحات‬
‫ُيودعها الله في �صدور الذين أ�وتوا العلم‪ ،‬وما يجحد‬
‫نبو َة محمد ‪ - -‬وينكر معجز َة هذا الكتاب �إلا‬

‫المتجاوزون للحدود في المكابرة والف�ساد‪.‬‬

‫‪ 50‬وقال المك ِّذبون‪ :‬ه ّل ُ�أنزل على محمد �آيا ٌت‬
‫ِم ْن ربه تكون ُح ّج ًة له علينا كما ُجعلت الناق ُة ل�صالح‬
‫والمائد ُة لعي�سى‪ ،‬قل لهم‪� :‬إ ّن الله هو القادر وحده على‬

‫الت�أييد بالمعجزات ح�سبما �شاء ومتى �شاء‪ ،‬و إ�نما �ش أ�ني‬
‫الإنذا ُر ولي�س �إنزا ُل ا آليات بيدي‪.‬‬

‫‪ ٥٧‬ولا ُتقيموا بدا ٍر لا ت�ستطيعون فيها إ�قام َة دينكم‬

‫وتتركوا الهجرة خوف ًا من الموت‪ ،‬ف�إ ّن كل نف�س لابد‬
‫أ�ن تذوق المو َت‪ ،‬و�إلينا بعد الموت ُتر ّدون للح�ساب‬

‫فا�ستعدوا لذلك‪.‬‬

‫‪ ٥٩ ٥٨‬والذين آ�منوا وعملوا ال�صالحات ل ُن�سكن ّنهم‬
‫مناز َل عالي ًة في الجنة‪ ،‬تجري من تحتها الأنهار‪ ،‬ماكثين‬
‫فيها أ�بداً‪ ،‬و ِنعم جزا ُء العاملين بطاعة الله‪ ،‬الذين �صبروا‬
‫على �أذى الم�شركين وعلى ُم َفارق ِة الأوطان وا أله ِل‬
‫والأموال‪ ،‬ولم يتركوا دينهم ل�ش ّد ٍة لَـ ِحقتهم‪ ،‬وعلى الله‬

‫يعتمدون وبن�صره يثقون‪.‬‬

‫الفق َر فكم من‬ ‫أ�و تخافوا‬ ‫الرز ِق‬ ‫ولا تهتموا ألم ِر‬ ‫‪٦٠‬‬
‫ا ِّدخاره ولك ّن‬ ‫رزقها ولا‬ ‫َحمل‬ ‫�ضعيف ٍة لا ت�ستطيع‬ ‫دا ّب ٍة‬

‫الله يرزقها لحظ ًة بعد لحظ ٍة‪ ،‬فكذلك يرزقكم حيث‬

‫كنتم‪ ،‬والله لا يخفى عليه �شيء ِمن �أمور خلقه‪� ،‬سمي ٌع‬
‫ألقوالكم‪ ،‬علي ٌم بما في �ضمائركم‪.‬‬

‫‪ ٦١‬ولئن �س�ألت ‪ -‬يا محمد‪ -‬ه ؤ�لاء الم�شركين‪َ :‬م ْن‬ ‫‪ ٥٣‬وي�ستعج ُلك بالعذاب ه�ؤلاء الذين يطلبون‬
‫خ َلق ال�سماوات والأر�ض ف�سواه ّن‪ ،‬و�س ّخر ال�شم�س‬ ‫الآيات‪ ،‬ولولا �أج ٌل مع َّي في �ساب ِق عل ِم‪ ‬الله في اللوح‬
‫والقمر يجريان دائبين لم�صالح عبا ِده؟ ليقو ُل ّن‪ :‬الذي‬ ‫المحفوظ لجاءهم العذاب عاجل ًا‪ ،‬ولي�أتينهم فج�أ ًة وهم‬
‫خلق ذلك وف َعله اللهُ‪ ،‬ف�أ ّنى ُي�صرفون عن توحيده بعد‬
‫على َغفلتهم‪ ‬مقيمون‪.‬‬
‫إ�قرارهم بذلك؟‬
‫‪ ٥٤‬ي�ستعجلك ‪ -‬أ�يها الر�سول‪ -‬ه�ؤلاء الم�شركون‬
‫‪ ٦٢‬الله و ْح َده بلا �شري ٍك يو�ِّسع في الرزق لمن ي�شاء ِم ْن‬ ‫بمجيء العذاب ونزو ِله بهم‪ ،‬و إ� ّن جهنم يوم القيامة‬
‫َخلقه امتحان ًا‪ ،‬وي�ض ّيق على َم ْن ي�شاء ابتلا ًء‪ ،‬ك ُّل ذلك‬
‫جا ٍر على ِحكم ٍة لا ي َّطلع عليها النا�س‪ ،‬إ� ّن الله عليم بمن‬ ‫جامع ٌة لهم‪ ،‬لا َيبقى أ�ح ٌد منهم إ�لا دخلها‪.‬‬
‫لا َي�صلح له إ�لا ال�سعة في الرزق‪ ،‬و َم ْن لا َي�صلح له إ�لا‬
‫ال�ضيق فيه‪ ،‬ولا يخفى على‪ ‬الله حا ُلكم ولا حاجاتكم‪.‬‬ ‫‪ ٥٥‬يوم يغ�شى الكافرين العذا ُب في جهنم ِم ْن جميع‬
‫الجهات‪ ،‬ويقول الله لهم‪ :‬ذوقوا جزاء �أعما ِلكم ال�سيئ ِة‬
‫‪ ٦٣‬ولئن �س�ألت ‪ -‬أ�يها الر�سول‪ -‬ه ؤ�لاء الم�شركين‪:‬‬
‫َم ْن ن ّزل من ال�سحاب ما ًء ف�أخرج به من الأر�ض �أنواع‬ ‫في الدنيا‪.‬‬
‫النبات؟ ليقو ُل ّن‪ :‬الله‪ ،‬فكيف ي�شركون به؟ فقل لهم‪ :‬لله‬
‫كما ُل ال�شك ِر والثنا ِء وهو أ�هله‪ ،‬و إ�ليه التو ُّجه بالعبادة‬ ‫‪ ٥٦‬يا عبادي الذين و ّحدوني و آ�منوا بي وبر�سولي‬
‫وحده‪ ،‬ولك َّن أ�كثر النا�س لا يتفكرون في ِنعم الله‬ ‫محمد ‪ - -‬إ� ّن �أر�ضي وا�سع ٌة‪ ،‬ف إ� ْن لم ت�ستطيعوا‬
‫إ�ظها َر عبادتي في مكا ٍن فاخرجوا �إلى غيره‪ ،‬و�َأخ ِل�صوا‬
‫فيعقلوا ما يجب له ِمن ال�شكر والثناء‪.‬‬
‫لي العبادة‪ ‬والطاعة‪.‬‬

‫‪403‬‬

‫‪} ١‬ﮫ{‪� :‬سب َق الكلا ُم على هذه الحروف‬ ‫‪ ٦٤‬وما هذه الحياة الدنيا �إلا ُغرور ينق�ضي عن‬
‫قريب‪ ،‬كال�شيء الذي َي ْلعب به ال�صبيان يجتمعون عليه‬
‫الـ ُمق َّطعة في أ�ول �سورة البقرة‪.‬‬ ‫ويبتهجون به �ساع ًة ثم يتفرقون عنه مت َعبين‪ ،‬و إ� ّن الدار‬
‫الآخر َة لهي الحياة الدائمة الخالدة‪ .‬ولو كانوا يعلمون‬
‫‪َ ٥ - ٢‬غ َل َب ْت فار� ُس الرو َم في �أَدنى أ�ر�ض العرب‬
‫منهم ‪ -‬وهي أ�طراف ال�شام‪ -‬والرو ُم ِمن بعد َغ َلب ِة فار�س‬ ‫حقيق َة الدارين لما اختاروا الفاني على الباقي وما �أ�شركوا‬
‫إ�ياهم �س َيغ ِلبون فار� َس‪ ،‬وتكون الدول ُة لهم‪ .‬و�سيكون‬
‫الن�صر في ِب ْ�ضع �سنين ‪ -‬والب�ضع من الثلاث �إلى الت�سع‪-‬‬ ‫بالله غيره‪ ،‬ولكنهم لا يعلمون‪.‬‬

‫ويو َم تغلب الرو ُم فار� َس‪ ،‬و ُينجز‪ ‬الله و ْع َده‪ ،‬يفرح‬ ‫‪ ٦٥‬وه�ؤلاء الم�شركون ‪ -‬على ما ُو ِ�صفوا به من‬
‫الم ؤ�منون أ�ي�ض ًا بن�صرهم على قري�ش‪ ،‬ين ُ�ص الله �سبحانه‬ ‫الكفر‪� -‬إذا ركبوا �سفين ًة ِمن ال�سفن و َج َرت بهم في‬
‫َم ْن ي�شاء ِم ْن خلقه على َم ْن ي�شاء‪ ،‬وهو القو ُّي الذي لا‬ ‫البحر وخافوا الغرق‪ ،‬تو َّجهوا �إلى الله وحده‪ ،‬طالبين منه‬
‫ُيغلب الرحيم بخلقه‪ .‬وقد ح�صل ما �أخبر به الله تعالى‪.‬‬ ‫النجاة ولم ي�ستغيثوا بما يعبدون ِم ْن دون الله‪ ،‬ولك ْن بالله‬
‫الذي خلقهم‪ ،‬فلما خ ّل�صهم من تلك ال�شدة و�صاروا‬

‫�إلى البر عادوا إ�لى ما كانوا عليه من ال�شرك والعناد‪.‬‬

‫‪ ٦٦‬يعودون �إلى ما كانوا عليه ِمن ال�شرك ليكونوا‬
‫جاحدين ِنع َم الله عليهم ومنها نعمة ا إلنجاء من الغرق‪،‬‬
‫قا�صدين التم ُّت َع بها والتل ُّذ َذ لا غير‪ ،‬ف�سوف يعلمون‬

‫عاقب َة‪ ‬كفرهم‪.‬‬

‫‪� ٦٧‬أ َولم يعلم ه ؤ�لاء الم�شركون �أنا جعلنا بل َدهم مك َة‬
‫م�صون ًا ِمن ال َّنهب والتعدي �سالم ًا أ�هله ِمن كل �سوء‪،‬‬
‫والنا� ُس من حولهم ُيعتدى عليهم قتل ًا و�َسبي ًا‪ ،‬أَ� َف ِبال�شرك‬

‫بالله ُيق ُّرون‪ ،‬وبنعمة الله التي خ َّ�صهم بها يجحدون؟!‬

‫‪ ٦٨‬ولا أ�حد أ�ظل ُم ممن اخ َتلق على الله كذب ًا ‪ -‬ب�َأ ْن‬
‫زعم له �شريك ًا أ�و َن َ�س َب �إليه ا ألمر بالفواح�ش‪ -‬أ�و ك ّذ َب‬
‫بما بعث به ر�سوله محمداً ‪� - -‬أ َل َي�ستو ِج ُب ه�ؤلاء‬
‫الم�شركون الخلو َد الدائم في جهنم بافترائهم على الله‬

‫وتكذيبهم الر�سول؟‬

‫‪ ٦٩‬والذين جاهدوا نفو�َسهم ِمن �أج ِلنا َلنهدي َّنهم‬
‫ُطر َق ال�سي ِر �إلينا‪ ،‬و�إ ّن الله َلـ َمع المح�سنين بالن�صر والمعونة‬

‫في الدنيا والثواب والمغفرة في الآخرة‪.‬‬

‫‪404‬‬

‫‪� ٩‬أ َولم َيتن َّقلوا في ا ألر�ض فينظروا إ�لى َم�صارع‬
‫ا ألمم قبلهم فيعتبروا بهم؟ فقد كانوا أ��ش َّد منهم ق ّو ًة‪،‬‬
‫حرثوا ا ألر�َض و َك�شفوا عن بع�ض ذخائرها‪ ،‬و َع َمروها‬
‫ب ُفنون العمارة �أكثر ِمن ِعمارة ه�ؤلاء‪ ،‬وجاءتهم ر�ُسلهم‬
‫بال ُحجج الظاهرا ِت فك ّذبوهم ف أ�هلكهم الله‪ ،‬فما كان‬

‫الله ليظلمهم ب أ�ن يد ّمرهم بلا �سبب‪ ،‬أ�و ِمن غير إ�عذا ٍر‪،‬‬
‫ولك ْن كانوا �أنف�سهم يظلمون‪ ،‬حيث ارتكبوا ما أ�دى‬

‫إ�لى تدمي ِرهم‪.‬‬

‫‪ ١٠‬ثم كان عاقب َة ه ؤ�لاء الذين أ��سا ؤ�وا بالكفر‬ ‫‪ ٦‬و ْع ُد الله للم ؤ�منين واق ٌع لا َر ْي َب فيه‪ ،‬وهو‬
‫والمعا�صي ‪ -‬بعد عقوبتهم في الدنيا بالدمار‪ -‬العقوب ُة‬ ‫ال‪ُ  ‬يخلفهم لأنه لي�س في مواعيده ُخ ْلف‪ ،‬ولك ّن �أكثر‬
‫التي هي َ�أ�سو أُ� العقوبات‪ ،‬وهي النار التي �أع ّدها الله‬ ‫النا�س لا يعلمون أ� ّن و ْع َد الله ح ّق و أ� ّنه ال‪ُ  ‬ي ْخ ِلف‪ ‬الميعاد‪.‬‬
‫للكافرين‪ ،‬ألنهم ك ّذبوا ب�آياته وكانوا ب ُحجج الله ور�سله‬
‫‪ ٧‬يعلمون ِم ْن َ�أ ْم ِر دنياهم ظاه َر ُه المتع ّلق بتدبير‬
‫َي�سخرون‪.‬‬ ‫َمعا�شهم وم�صالحهم‪ ،‬و ُه ْم عن أ�مر الدار ا آلخرة والتز ّو ِد‬
‫لها من هذه الدنيا ‪ -‬للنجاة من عقاب الله ووعيده‬
‫‪ ١١‬الله �سبحانه وحده ُين�شئ المخلوقين ابتدا ًء‪ ،‬ثم‬
‫ُيعيدهم بعد إ�فنائهم خلق ًا جديداً‪ ،‬ثم إ�ليه بعد موتهم‬ ‫والفوز بوعده الجميل ونعيمه ‪� -‬ساهون لاهون‪.‬‬

‫ُيح�شرون ِل َف ْ�ص ِل الق�ضاء بينهم‪.‬‬ ‫‪ ٨‬أ�َ َولم يتف ّكر ه�ؤلاء المكذبون بالبعث ِم ْن قو ِمك في‬
‫�أنف�سهم وفيما أ�ودعه الله �إياها من دقائق ال ِحكمة وعجيب‬
‫‪ ١٢‬ويوم تقوم ال�ساعة يي�أ�س الم�شركون و َي�سكتون‬ ‫ال َّ�صنعة‪ ،‬وفي الكون الف�سيح ِم ْن حولهم ليعلموا �أن الله ما‬
‫متح ِّيين‪.‬‬ ‫َخ َل َق ال�سماوا ِت وا ألر�ض وما بينهما عبث ًا‪ ،‬و إ�نما خلقها‬
‫بالحق والحكمة البالغ ِة إ�لى �أج ٍل مق ّد ٍر َتفنى عنده ثم يكون‬
‫‪ ١٣‬ولم يكن لهم يو َم القيامة ِم ْن �شركائهم الذين‬ ‫البعث؟ و إ� َّن كثيراً ِم َن النا�س لجاحدون للحياة ا آلخرة‬
‫َعبدوهم ِم ْن دون الله �شفعا ُء ي�شفعون لهم‪ ،‬وكانوا يومئذ‬
‫جاحدين لما َعبدوا ِم ْن دون الله متبرئين ِم ْن عبادتهم‪،‬‬ ‫منكرون للح�ساب والجزاء فيها‪.‬‬

‫�آ ِي ِ�سين ِم ْن َن ْفعهم‪.‬‬

‫‪ ١٤‬ويوم تجيء ال�ساع ُة و ُيح�شر الخل ُق يتف ّرق أ�ه ُل‬
‫ا إليمان بالله و أ�ه ُل الكفر و َي َتميز أ��صحا ُب الجنة من‬

‫أ��صحاب‪ ‬النار‪.‬‬

‫‪ ١٥‬ف�أ ّما الذين آ�منوا بالله ور�سوله وعملوا بما �أمرهم‬
‫به فهم في جن ٍة ذا ِت �أزها ٍر و أ�نها ٍر ُي�َ ّسون و ُيك َرمون‪.‬‬

‫‪405‬‬

‫والنهار ل َت�ْسكن أ�نف�ُسكم وترتاح أ�ج�سامكم‪ ،‬وبع ُثكم‬ ‫‪ ١٦‬و أ� ّما الذين جحدوا توحي َد الله وك ّذبوا ر�ُسله‬
‫فيهما لتبتغوا ِم ْن ف�ضل ربكم في َط َل ِب المعا�ش‪ ،‬و إ� َّن في‬ ‫و�أنكرواال َبع َثبعدالممات‪،‬ف أ�ولئكفيالعذابمقيمون‪.‬‬
‫ذلك لعبر ًة لكم ودليل ًا متكرراً ِم ْن �أنف�سكم على البعث‬
‫بعد الموت لقو ٍم ي�سمعون �آيا ِت‪ ‬الله �سما َع تد ُّب ٍر واعتبار‪.‬‬ ‫‪ ١٨ ١٧‬ف�سبحان الله تنزيه ًا له ع ّما لا يليق به‪،‬‬
‫‪ ٢٤‬و ِم ْن �أد َّلة قدرته �أن يريكم البر َق خوف ًا من‬ ‫والحمد لله �شكراً وثنا ًء كما هو �أ ْه ُله‪ ،‬ت�سبيح ًا و َحمداً‬
‫ال�صواعق وطمع ًا في الغيث‪ ،‬و ُين ِّزل من ال�سماء ما ًء‬ ‫يملآن ال�سماوات والأر�َض وما بينهما‪ ،‬و َي�شغل‬
‫فيحيي به الأر�ض الميت َة ف ُت ْن ِب ُت ويخر ُج زرعها بعد‬ ‫الأوقا َت‪� :‬صبح ًا وظهراً و َع�ش ّي ًا وليل ًا‪ .‬وقد جمعت‬
‫ُجدوبها و ُي ْب�سها‪ ،‬إ� ّن في ِفعله ذلك كذلك َل ِعبراً و أ�دلة‬ ‫هاتان الآيتان أ�وقات ال�صلوات الخم�س المفرو�ضة‪:‬‬

‫لقو ٍم يعقلون عن‪ ‬الله حججه و�أد ّلته‪.‬‬ ‫حيث وقعت ا إل�شار ُة إ�لى ال�صبح والظهر بلفظهما‪،‬‬

‫‪406‬‬ ‫و إ�لى الع�صر بالع�ش ِّي‪ ،‬و إ�لى المغرب والع�شاء بالم�ساء‪.‬‬

‫‪ ١٩‬وهو القادر على �إخراج الح ِّي من الميت‪ ،‬و إ�خراج‬
‫المي ِت من الح ِّي‪ ،‬وعلى إ�حياء الأر�ض بعد موتها‪ ،‬ولا‬
‫َر ْي َب �أن القادر على ا�ستمرار الحياة قاد ٌر على إ�خراجكم‬

‫من ا ألر�ض أ�حيا ًء بعد َماتكم‪.‬‬

‫‪ ٢٠‬و ِم ْن �آياته تعالى الدا َّل ِة على قدرته أ� ْن خ َلق‬
‫أ�باكم آ�دم ِم ْن ترا ٍب‪ ،‬ثم إ�ذا �أنتم ب�شرٌ ِم ْن د ٍم ولح ٍم في‬

‫ا ألر�ض‪ ‬تنت�شرون‪.‬‬

‫‪ ٢١‬و ِمن آ�ياته �سبحانه أ�ن خ َل َق من َن ْف�س ِج ْن�سكم‬
‫و�َش ْك ِل أ�نف ِ�سكم زوجا ٍت لتطمئنوا �إليها‪ ،‬وجعل بين‬
‫ا ألزواج التوا َّد والتراح َم‪� ،‬إ ّن في ذلك َل ِع َباً لقو ٍم يت�أملون‬

‫تلك الدلائل ويتفكرون فيها‪.‬‬

‫‪ ٢٢‬و ِم َن الـ ُحجج الدا َّل ِة على عظيم قدرته �سبحانه‬
‫َخ ْل ُق ال�سماوات وا ألر�ض‪ ،‬واختلا ُف َمنط ِق أ�ل�سن ِتكم‬
‫ولغا ِتها‪ ،‬واختلا ُف أ�لوا ِنكم و�صفاتكم‪ ،‬إ� ّن في فعله‬
‫ذلك كذلك ألدل ًة ظاهر ًة لا تخفى على عاقل‪ ،‬ينتفع بها‬

‫�أهل العلم والفهم‪.‬‬

‫‪ ٢٣‬و ِم ْن ُحججهالدا َّل ِة علىكمالقدرتهنو ُمكمبالليل‬

‫الذي ُيجري الأفعا َل على مقت�ضى ِحكمته‪.‬‬

‫‪�َ ٢٨‬ضب الله لكم ‪� -‬أيها الم�شركون‪ -‬مثل ًا بما تعرفونه‬
‫فيما بينكم فا�ست ِمعوا له‪ :‬هل لكم مما ملك ْت أ�يما ُنكم ِمن‬
‫عبيدكم و�إما ِئكم �شركا ُء لكم في أ�موالكم و�أه ِلكم‪،‬‬
‫ف�أنتم و ُه ْم �سواء في الت�صرف فيه‪ ،‬تخافون ه ؤ�لاء العبي َد‬
‫فلا تت�صرفون فيما تملكون دون إ�ذنهم‪ ،‬كما َيخ�شى الح ُّر‬
‫أ�ن َي�ْس َتب َّد بالت�صرف فيما يملك دون �إ ْذن �شريكه؟! ف�إذا‬
‫لم تر�ضوا �أن ي�شارككم عبي ُدكم ون َّزهتم �أنف َ�سكم عن‬
‫ذلك‪ ،‬فكيف تجعلون بع�ض َخ ْلقي وعبيدي �شركا َء لي في‬
‫ا�ستحقاق العبادة؟! كذلك نب ِّي الآيا ِت وا ألمثا َل ال َّدال َة‬

‫على وحدانيتنا لقوم يعقلون الحقائق‪ ،‬فينتفعون بها‪.‬‬

‫‪ ٢٩‬ولي�س له ؤ�لاء الم�شركين حج ٌة في �إ�شراكهم‪ ،‬بل‬ ‫‪ ٢٥‬ومن �آياته قيا ُم ال�سماوات والأر�ض وا�ستم�سا ُكها‬
‫اتبعوا �أهواءهم بغير علم‪ ،‬ف َم ْن يقدر على هداية َم ْن‬ ‫بغير َعم ٍد‪ ،‬ثم �إذا دعاكم دعو ًة واحد ًة وقد �أ�صبحتم‬
‫أ��ضله‪ ‬الله؟ وما لهم من نا�صرين ُي َخ ِّل�صونهم من ال�ضلال‬ ‫تراب ًا وعظام ًا‪ ،‬إ�ذا �أنتم تخرجون ِم ْن قبوركم �أحيا ًء كما‬

‫ويحفظونهم من آ�فاته‪.‬‬ ‫كنتم �أ ّول م َّرة‪.‬‬

‫‪ ٣٠‬ف�أخ ِل�ص ‪ -‬يا ر�سول الله‪ -‬دي َنك لله �أنت و َم ْن‬ ‫‪ ٢٦‬ولله م ْل ُك َم ْن في ال�سماوات والأر�ض ِم ْن م َل ٍك‬
‫تبعك‪ ،‬مائل ًا عن كل ما �سواه من ا ألديان‪ ،‬وا ْل َزموا ِفطر َة‬ ‫وج ٍّن و إ�ن� ٍس وحيوان ونبات وجماد‪ ،‬وك ُّلهم منقادون‬
‫الله التي َخلق النا� َس عليها في أ��صل ن�ش أ�تهم ‪ -‬وهو ما‬
‫تقت�ضيه العقول ال�سليمة‪ ،‬و�إنما كفر َم ْن كفر لعار�ٍض‬ ‫ل ِف ْعله فيهم لا يمتنعون عنه‪.‬‬
‫أ�خرجه عن أَ��صل ِفطرته‪ -‬فما ينبغي أ�ن ُتب ّد َل تلك الفطر ُة‬
‫أ�و ُتغير‪ ،‬ذلك الدين الذي لا ِعوج فيه‪ ،‬ولك ّن أ�كثر النا�س‬ ‫‪ ٢٧‬وهو الذي يخلق الخل َق �أول ًا‪ ،‬ثم يعيدهم بعد‬
‫الموت للبعث‪ ،‬وا إلعاد ُة �أ�سه ُل عليه من الابتداء قيا�س ًا‬
‫لا يعلمون ذلك فلذلك ي�صدون عنه �صدوداً‪.‬‬
‫على أ��صولكم و إ� ّل ف�إنهما بالن�سبة لقدرته �َسواء‪ .‬وله‬
‫‪ ٣١‬تائبين راجعين إ�لى الله مقبلين‪ ،‬وخافوا عقوب َته‪،‬‬ ‫الو�ص ُف الأعلى الأكمل والقدر ُة العا َّم ُة والحكم ُة ال َّتامة‬
‫و�أتقنوا ال�صلا َة و�أدوها في وقتها‪ ،‬ولا تكونوا ممن ُي�ش ِرك‬ ‫و�سائ ُر �صفا ِت الكمال الذي لي�س لغيره ما ي�ساويه‬
‫أ�و يدانيه‪ ،‬ي�صفه به َم ْن في ال�سماوات وا ألر�ض ِدلال ًة‬
‫بالله غي َر ُه في العبادة‪.‬‬ ‫و ُن ْطق ًا‪ ،‬وهو العزيز الذي لا ُيعجزه �شيء �أراده‪ ،‬الحكي ُم‬

‫‪ ٣٢‬من الذين ف ّرقوا دي َنهم باختلافهم فيما يعبدونه‪،‬‬ ‫‪407‬‬
‫وكانوا ِف َرق ًا في ذلك ك ُّل طائف ٍة منهم م�سرورون بما هم‬

‫به‪ ‬متم�ِّسكون‪.‬‬

‫‪ ٣٣‬و إ�ذا م� َّس ه ؤ�لاء الذين يجعلون مع الله إ�له ًا �آخر‬
‫�ض ٌّر‪ ،‬ف أ��صابتهم �شد ٌة و َج ْد ٌب و َقح ٌط �أف َردوا ر َّبهم‬
‫بالدعاء والت�ضرع �إليه وا�ستغاثوا به تائبين �إليه ِمن �شركهم‬

‫وكفرهم‪ ،‬ثم إ�ذا ك�شف ر ُّبهم ‪ -‬تعالى ِذكره‪ -‬عنهم ذلك‬
‫ال�ض َّر وف ّرجه عنهم و أ��صابهم برخاء وخ�صب و�سع ٍة‪ ،‬إ�ذا‬

‫جماع ٌة منهم يعبدون مع ر ِّبهم ا آلله َة وا ألوثان‪.‬‬

‫‪ ٣٤‬ليجحدوا نعم َة الله عليهم التي ِمن ُج ْم َلتها‬
‫خلا ُ�صهم ِمن كل �شدة‪ ،‬فتمتعوا قليل ًا بتحقيق َل َّذاتكم‬
‫وما ي�س ُّركم في هذه الدنيا ف�سوف تعلمون و َبال كف ِركم‪.‬‬

‫‪� ٣٥‬إننا لم ُن َن ِّز ْل على ه ؤ�لاء الم�شركين كتاب ًا ي�شهد‬
‫ب�صحة �ِشكهم وبحقيق ِة ما يفعلون! فلي�س لهم ُح ّج ٌة‬

‫ت�شهد ب�صحة �شركهم‪.‬‬

‫تريدون به تكثي َر �أموالكم وتنمي َتها فلا َي ْزكو عند الله‪ ،‬وما‬ ‫‪ ٣٦‬و�إذا �أ�صا َب النا� َس م ّنا خ�ص ٌب وعافي ٌة في الأبدان‬
‫أ�عطيتم ِم ْن �صدق ٍة تبتغون به َو ْجه الله خال�ص ًا فهو الذي‬ ‫وا ألموال فرحوا بذلك‪ ،‬و�إن ت�صبهم م ّنا ِ�ش ّد ٌة ِمن َج ْد ٍب‬
‫وبلا ٍء في ا ألموال أ�و ا ألبدان ب�سبب ما ق ّدمت �أيديهم ِم َن‬
‫تنالون به ال ِّ�ضعف من الرزق الح�س ِن وا ألج ِر والثواب‪.‬‬
‫المعا�صي �إذا هم يي أ��سون ِم ْن رحمة الله وفرجه‪.‬‬
‫‪ ٤٠‬الله هو الذي �أن�ش أ�كم و أ�وجدكم ابتدا ًء‪ ،‬ثم رزقكم‬
‫ما َت ُقوم به أ�بدا ُنكم‪ ،‬ثم يميتكم عند انق�ضاء �آجالكم‪ ،‬ثم‬ ‫‪� ٣٧‬أ َولم يعلموا أ� ّن الله يو�ِّسع الرز َق لمن ي�شاء امتحان ًا‪،‬‬
‫ُيحييكم بعد َماتكم ليجازيكم على �أفعالكم‪ ،‬هل ِم ْن‬ ‫وي�ض ِّيقه على َم ْن ي�شاء ابتلا ًء‪� ،‬إ ّن في ذلك التو�سيع‬
‫أ�وثانكم و آ�لهتكم التي تجعلونها لله �شركاء َم ْن يفعل ِم ْن‬ ‫والت�ضيي ِق واختلا ِف النا�س في الغنى والفقر َلدلال ًة‬
‫تلك ا ألفعال �شيئ ًا‪ :‬فيخ ُلق‪ ،‬أ�و يرزق‪ ،‬أ�و يميت؟ تن ّزه اللهُ‬ ‫وا�ضح ًة على كمال قدرة الله و ِحكمته ُيدر ُكها َم ْن‬

‫وتعالى عن �ِش ِك ه�ؤلاء الم�شركين‪.‬‬ ‫�ص ّد َق ُحججه‪ ‬و�أق َّر بها‪.‬‬

‫‪َ ٤١‬ظ َهر الف�ساد في ال َ ِّب والبحر حيث َق ّلت المناف ُع‬ ‫‪ ٣٨‬ف�َأع ِط ذوي القربى حقو َقهم من ال ِ ّب وال�صلة‪،‬‬
‫وكثرت الم�ضا ُّر وا ألمرا�ض ب�سب ما ك�سب ْت �أيدي النا�س‬ ‫و�أع ِط الم�سكين المحتا َج والم�ساف َر المنقط َع عن �أهله ووطنه‬
‫من المعا�صي وا آلثام‪ِ ،‬ل ُي�صي َبهم بنتائج �أعمالهم كي ُي ِنيبوا‬ ‫ما َفر�ض الله لهما في مالك‪ ،‬ف�إيتا ُء هذه الحقوق خي ٌر للذين‬

‫إ�لى الح ّق ويتوبوا مما هم عليه من المعا�صي‪.‬‬ ‫يريدون وجه الله‪ ،‬و أ�ولئك هم الفائزون بكل خير‪.‬‬

‫‪408‬‬ ‫‪ ٣٩‬وما دفعتم للنا�س ِم ْن أ�موالكم على َو ْج ِه الربا‬

‫‪ِ ٤٥‬ل َيجزي اللهُ الذين �آمنوا بالله ور�سوله وعملوا‬ ‫‪ ٤٢‬قل ‪ -‬أ�يها الر�سول‪ -‬له�ؤلاء الم�شركين ِمن قو ِمك‬
‫بطاعته ِم ْن ف�ضله الذي و َعد �أن يجزي به المطيعين يوم‬
‫وللنا�س جميع ًا‪� :‬سيروا في نواحي الأر�ِض �َس ْ َي اعتبا ٍر‬
‫القيامة‪ ،‬إ�نه ال‪ ‬يح ُّب‪ ‬الكافرين‪.‬‬ ‫وتد ُّب ٍر فانظروا إ�لى م�ساكن َم ْن كان َقبلكم وتفكروا‬
‫كيف �أهلكهم الله ود ّمر مناز َلهم ب�سبب �شرك أ�كث ِرهم‬
‫‪ ٤٦‬و ِم ْن �آياته الدا َّل ِة على كمال قدرته أ�ن ُير�سل‬
‫الريا َح ِل ْتب�ِّشكم بالغيث والرحمة‪ ،‬و ِلين ِّزل عليكم ما‬ ‫وتكذيبهم الر�س َل و�إ�صرا ِرهم على المعا�صي‪.‬‬
‫يحيي البلا َد و ُي ْخ�صبها‪ ،‬و ِل َتجري ال�سف ُن في البحر عند‬
‫ُهبوبها ب�إرادته‪ ،‬و ِل َتطلبوا ف�ض َل الله بالتجارات و�أنواع‬ ‫‪ ٤٣‬فو ِّج ْه وج َهك ‪� -‬أيها الر�سول‪ -‬لطاعة ربك‬
‫وا�ستق ْم على الـ ِم َّل ِة التي لا ِعوج فيها ولا خلل‪ِ ،‬م ْن قبل‬
‫المعاي�ش‪ ،‬ولت�شكروا نعمة الله تعالى فيها‪ ‬وتو ِّحدوه‪.‬‬ ‫أ�ن ي أ�تي يو ٌم من الله لا َي ُر ُّده �أح ٌد‪ ،‬يومئ ٍذ يتف ّرق النا�س‪،‬‬

‫‪ ٤٧‬ولقد أ�ر�سلنا ‪� -‬أيها الر�سول‪ِ -‬م ْن قبلك ر�سل ًا‬ ‫فري ٌق في الجنة وفري ٌق في ال�سعير‪.‬‬
‫�إلى قومهم الكفر ِة كما أ�ر�سلناك إ�لى قومك‪ ،‬فجا�ؤوهم‬
‫‪َ ٤٤‬م ْن كفر بالله َف َعليه �أوزا ُر كف ِره و�آثا ُم جحود ِن َعم‬
‫بالـ ُحجج الوا�ضحات على �صدقهم فك ّذبوهم ف أ�هلكنا‬ ‫ربه‪ ،‬و َم ْن عمل ما �أمره الله به في الدنيا وانتهى عما نهاه‬
‫المك ِّذبين‪ ،‬وكان ح ّق ًا علينا َن�ص ُر الم ؤ�منين على الكافرين‪.‬‬ ‫عنه ف�أولئك يه ِّيـ ُئون لأنف�سهم ما ينتفعون به في‪ ‬الآخرة‪.‬‬

‫‪ ٤٨‬الله الذي ير�سل الرياح فتن�ش ُئ �سحاب ًا‪ ،‬فين�شره‬
‫الله و َي ْجمعه في ال�سماء كيف ي�شاء‪ ،‬ويجع ُل ال�سحا َب‬
‫ِقطع ًا متفرق ًة‪ ،‬فترى الم َط َر يخرج ِم ْن خلال ذلك‬
‫ال�سحاب‪ ،‬ف إ�ذا �أ�صاب بذلك المط ِر أ�ر�َض َم ْن ي�شاء ِم ْن‬

‫خلقه �إذا هم يفرحون‪.‬‬

‫‪ ٤٩‬و إ� ْن كانوا ِم ْن قبل �أن ين َّزل عليهم ذلك الغي ُث‬
‫َلـ ُم ْكتئبين قانطين لا يملكون و�سيل ًة لجل ِب الماء إ�ليهم‪.‬‬

‫‪ ٥٠‬فانظر نظ َر اعتبا ٍر وا�ستب�صا ٍر �إلى آ�ثار الغيث من‬
‫النبات وا أل�شجار و�أنواع الثمار‪ ،‬كيف يحيي به الله‬

‫الأر�َض بعد ُي ْب�سها‪ ،‬إ� ّن الذي ق َدر على �إحياء ا ألر�ض‬
‫بعد موتها لقاد ٌر على �إحيائهم بعد موتهم‪ ،‬وهو على‬

‫كل �شي ٍء �أرا َده قدي ٌر‪ ،‬لا يمتنع عليه �شيء‪.‬‬

‫‪409‬‬

‫‪ ٥٨‬ولقد ب ّينا وع َّددنا للنا�س في هذا القر�آن ا ألمثا َل‬ ‫‪ ٥١‬ولئن �أر�سلنا ريح ًا ت�أتي على ما َنبت في الأر�ض‬
‫تنبيه ًا لهم‪ ،‬و إ�قام ًة للحجة عليهم‪ ،‬ولئن جئ َت ‪� -‬أيها‬ ‫ِمن الزرع وا أل�شجار فتجعله ياب�س ًا م�صف ّراً َلـ َما اتعظوا‬
‫الر�سول‪ -‬ه�ؤلاء القوم بكل معجزة ِح�ِّسي ٍة من ِج ْن�س ما‬
‫ُأ�وتي الر�سل ِم ْن قبلك‪ ،‬ليقول ّن الذين جحدوا ر�سالتك‬ ‫و َلبقوا على كفرهم‪.‬‬
‫و�أنكروا نبوتك‪ :‬ما أ�ن َت و َم ْن تبعك �إلا أ��صحاب‬
‫‪ ٥٢‬ف�إ ّنك ‪ -‬أ�يها الر�سول‪ -‬لا تقدر �أن ُتفهم ه ؤ�لاء‬
‫�أباطيل‪.‬‬ ‫الم�شركين الذين قد َختم الله على أ��سماعهم‪ ،‬ف�س َلبهم‬
‫ف ْه َم ما ُيتلى عليهم ِمن مواع ِظ تنزيل ِه‪ ،‬لأنهم كالموتى‪،‬‬
‫‪ ٥٩‬كذلك يخ ِت ُم الله على قلوب الذين لا يعلمون‬ ‫وكما ال‪ ‬تقدر أ�ن ُت�س ِمع ال�ص َّم الدعا َء �إذا هم و َّلوا‬
‫حقيق َة ما ت�أتيهم به َف ُه ْم لا يفقهون عن الله ُح ّج ًة ولا‬ ‫عنك مدبرين‪ ،‬كذلك لا تقدر �أن ُت�س ِمع َمن كان‬
‫ي�صل �إلى قلوبهم �شي ٌء من الحق الذي �ُأنزل إ�ليك من‬
‫كالأ�صم‪ ‬دعو َتك �إلى‪ ‬الله‪.‬‬
‫ربك‪.‬‬
‫‪ ٥٣‬وما �أنت ‪� -‬أيها الر�سول‪ -‬بها ٍد َم ْن َعمي عن‬
‫‪ ٦٠‬فا�صبر ‪� -‬أيها الر�سول‪ -‬على ما ينا ُلك ِمن‬ ‫طريق الحق‪ ،‬ولا بقاد ٍر على َ� ْصفه عن �ضلالته‪ ،‬ف�أنت لا‬
‫أ�ذاهم‪ ،‬وب ِّلغهم ر�سال َة ر ِّبك‪ ،‬إ� ّن وعده بن�صرك عليهم‬ ‫ُت�سمع �سما َع قبو ٍل و�إفها ٍم إ�لا َم ْن ي ؤ�من بالقر آ�ن وينقاد‬
‫ح ٌّق‪ ،‬فلا‪ ‬ت ْ�ض َطر ْب لكلام ه�ؤلاء الم�شركين بالله الذين لا‬
‫ألوامر‪ ‬الله‪ ‬ونواهيه‪.‬‬
‫ي�صدقون بالبعث بعد الممات‪.‬‬
‫‪ ٥٤‬الله هو الذي خلقكم ِ�ضعاف ًا‪ ،‬ثم جعل ِم ْن بعد‬
‫�ضع ِف الطفو َل ِة قو َة ال�شبا ِب‪ ،‬ثم جعل من بعد القوة‬
‫�ضع َف ال ِك َب‪ ،‬يخلق ما ي�شاء من ال َّ�ضع ِف والقوة‬
‫وال�شباب وال�شيبة‪ ،‬وهو العليم بتدبير خلقه‪ ،‬القدي ُر على‬

‫ما‪ ‬ي�شاء‪.‬‬

‫‪ ٥٥‬ويو َم تقوم ال�ساعة و ُيبعث الخل ُق يحلف الكافرون‬
‫ما لبثوا في قبورهم غي َر �ساع ٍة واحد ٍة‪ ،‬كذلك كانوا‬
‫ُي�ص َرفون عن الحق في البعث‪ ،‬كما ُ�صفوا عن ال�صدق‬

‫في مدة ُلبثهم في القبور‪.‬‬

‫‪ ٥٦‬وقال الذين أ�ُوتوا العل َم والإيمان بالبعث وهم‬
‫الملائكة وا ألنبياء والم ؤ�منون‪ :‬لقد َلبثتم فيما ك َتب الله‬
‫في �ساب ِق علم ِه إ�لى يوم البعث‪ ،‬فهذا يوم البعث الذي‬
‫أ�نكرتموه‪ ،‬ولكنكم كنتم لا تعلمون في الدنيا �أنه يكون‪،‬‬

‫فلذلك كنتم‪ ‬تك ِّذبون‪.‬‬

‫‪ ٥٧‬فيو َم ُيبعثون ِم ْن قبورهم لا َينفع المك ِّذبين بالبعث‬
‫في الدنيا اعتذا ُرهم‪ ،‬ولا هم ُي�ستتابون يومئ ٍذ عما كانوا‬

‫يك ِّذبون به في الدنيا‪.‬‬

‫‪410‬‬

‫‪ ٦‬و ِمن النا�س َمن ي�شتري ما ُيلهي عن دين‪ ‬الله‬ ‫‪} ١‬ﭑ{‪� :‬سب َق الكلا ُم على هذه الحروف‬
‫وطاعته مما لا خي َر فيه ولا فائدة‪ِ ،‬ل َي�ص َّد عن �سبيل الهدى‬
‫وما يق ِّرب �إلى‪ ‬الله‪ ،‬جهل ًا منه بما عليه ِمن ال ِو ْزر‪ ،‬ويتخذ‬ ‫الـ ُمق َّطعة في �أول �سورة البقرة‪.‬‬
‫�سبيل الله ومنه َجه �سخري ًة‪ ،‬أ�ولئك لهم يوم القيامة‬ ‫‪ ٢‬تلك ا آليات التي تتلوها هي �آيات الكتاب ِذي‬
‫ال ِحكم ِة البالغ ِة الذي لا َخ َل َل في َن ْظ ِمه و�ألفاظه ولا‬
‫عذا ٌب يهينهم‪ ‬ويخزيهم‪.‬‬
‫اختلا َف في معانيه و�أحكامه‪.‬‬
‫‪ ٧‬و�إذا تتلى عليه �آياتنا أ�عر�ض عنها ا�ستكباراً ك أ�نه‬
‫لم ي�سمعها‪ ،‬ك�أ ّن في أ�ذنيه َ�صمم ًا‪ ،‬فب�ّشه بعذاب مو ِجع‬ ‫‪ ٣‬هذا الكتاب الحكيم بيا ٌن ورحمة للذين �أح�سنوا‬
‫َيحيق به يوم القيامة لا َمحال َة‪ .‬والتب�شير هنا على �سبيل‬ ‫فعملوا بما فيه من �أوامر الله ونواهيه‪.‬‬

‫التهكم ِلـ َما كان منه من الا�ستهزاء وال�سخرية‪.‬‬ ‫‪ ٤‬الذين يحافظون على ال�صلاة كامل ًة ب�شرائطها‬
‫وخ�شوعها‪ ،‬ويدفعون الزكاة لم�ستح ّقيها على الو ْج ِه‬
‫‪� ٨‬إ ّن الذين و َّحدوا الله و�ص ّدقوا ر�سوله واتبعوه‪،‬‬ ‫الم�شروع‪ ،‬يفعلون ذلك وهم بجزاء الله و ُح�ْسن ثوابه في‬
‫وعملوا ب أ�مر الله ونهيه لهم بف�ضل الله نعي ُم الجنا ِت التي‬
‫ا آلخرة موقنون‪.‬‬
‫�أع َّدها‪ ‬الله لعباده ال�صالحين‪.‬‬
‫‪ ٥‬أ�ولئك على بيا ٍن ِمن ربهم ونور‪ ،‬و أ�ولئك هم‬
‫‪ ٩‬ماكثين فيها إ�لى غير نهاية‪ ،‬و َع َدهم اللهُ بذلك‬ ‫الفائزون في الدنيا والآخرة‪.‬‬
‫وعداً ح ّق ًا لا �شك فيه ولا ُخ ْل َف‪ ،‬وهو العزيز الذي لا‬
‫َي ْغلبه �شيء فيمنعه عن تحقيق َو ْعده ووعيده‪ ،‬الحكي ُم‬
‫الذي لا ي أ�تي عقا ُبه وثوا ُبه و�سائ ُر �أفعاله إ�لا على َو ْف ِق‬

‫ال ِحكم ِة وما َتقت�ضيه ِمن العدل والرحمة‪.‬‬

‫‪ ١٠‬و ِم ْن آ�ثار قدرته وبدائع ِحكمته �أنه خلق‬
‫ال�سماوات ورفعها بغير عم ٍد كما ترونها‪ ،‬وجعل على‬
‫َظ ْهر الأر�ِض جبال ًا �شوام َخ لئلا ت�ضطرب بكم‪ ،‬ون�ش َر‬
‫في ا ألر�ض ِم ْن كل �أنواع الدوا ِّب‪ ،‬و أ�نز َل من ال�سماء‬
‫مطراً ف أ�نب َت به ِم ْن ك ّل �صن ٍف ِم ْن �أ�صناف النبات أ�زواج ًا‬

‫تتلاقح‪ ،‬ح�سن َة المنظر‪ ،‬كثير َة النفع‪.‬‬

‫‪ ١١‬هذا الذي ت�شاهدونه قد َخ َل َق ُه الله‪ ،‬ف أ�روني ماذا‬
‫خ َلق الذين تعبدون ِم ْن دونه حتى ا�ْس َتو َجبوا عندكم‬
‫العبادة! ما ع َب َد ه�ؤلاء الم�شركون ا أل�صنا َم ِم ْن أ�جل أ�نها‬
‫َت ْخلق �شيئ ًا‪ ،‬و�إنما دعاهم �إلى ذلك انحرا ُفهم عن �سبيل‬

‫الحق و�ضلا ُلهم‪ ‬الوا�ض ُح‪.‬‬

‫‪411‬‬

‫‪ ١٧‬يا ُبن َّي أ�ق ِم ال�صلاة بحدودها‪ ،‬و أْ�مر النا� َس بطاعة‬ ‫‪ ١٢‬ولقد آ�تينا لقمان الفق َه في الدين‪ ،‬والعق َل‬
‫الله وا ْن َه ُه ْم عن معا�صيه‪ ،‬وا�صب ْر على ما أ��صابك‬ ‫والإ�صاب َة في القول‪ ،‬وقلنا له‪ :‬ا�شك ِر اللهَ على ما �أعطاك‬
‫من ال�شدائد وا ألذى في ا ألمر بالمعروف والنهي عن‬ ‫من الحكمة‪ ،‬و َم ْن ي�شكر الله على نعمه عليه ف إ�نما ي�شكر‬
‫المنكر‪� ،‬إ ّن ذلك من الأمور المفرو�ضة التي يجب الثبا ُت‬ ‫لنف�سه؛ لأ ّن منفع َة �شك ِره تعود عليه ويزيده الله من‬
‫ف�ضله‪ ،‬و َم ْن ك َفر نعم َة الله عليه ف إ�لى نف�سه أ��ساء؛ أل ّن‬
‫والمداوم ُة‪ ‬عليها‪.‬‬ ‫الله هو الغني فلا يحتاج �إلى �ُشكر �أح ٍد‪ ،‬وهو َح ِقي ٌق‬
‫‪ ١٨‬ولا ُت ْع ِر�ض بوجهك ع َّمن ك َّلم َته تكبراً منك‬
‫وا�ستحقاراً‪ ،‬ولا تم�ِش في الأر�ض مختال ًا‪� ،‬إ ّن الله لا‬ ‫بالحمد‪ ،‬محمو ٌد على كل حال‪.‬‬

‫يحب ك َّل متك ِّ ٍب فخو ٍر متعا ٍل على النا�س‪.‬‬ ‫‪ ١٣‬واذك ْر ‪� -‬أيها الر�سول‪ -‬إ�ذ قال لقمان لابنه وهو‬
‫‪ ١٩‬واعت ِد ْل في م�شيك بالتو�سط فيه بين ال�سرعة‬ ‫يعظه‪ :‬يا ُبن َّي لا ت�شرك بالله‪� ،‬إ ّن ال�شرك بالله هو �أ�ش ُّد‬
‫وال ُبطء‪ ،‬واخ ِف�ْض ِم ْن �صوتك �إ ّن �أقب َح ا أل�صوات‬ ‫أ�نوا ِع الت َع ِّدي‪ ،‬و أ�عظ ُمها �إجحاف ًا بالح ّق؛ ألن الت�سوي َة‬
‫ل�صو ُت الحمير؛ أ�لا ترى �أن �صوتها لـ ّما علا ا�ستق َبحه‬
‫بين الخالق والمخلوق ظل ٌم عظي ٌم‪.‬‬
‫النا� ُس‪ ،‬و�صار عندهم �أقب َح ا أل�صوات!‬
‫‪ ١٤‬و�أم ْرنا الإن�سا َن بطاعة والديه وب ِّرهما وخا�ص ًة‬
‫‪412‬‬ ‫أ�مه‪َ ،‬ح َملته في بطنها‪ ،‬كلما ازداد حم ُلها ثقل ًا ازدادت‬
‫هي �ضعف ًا‪ ،‬و أ�ر�ضعته ُع�صار َة نف ِ�سها عامين اثنين لمن‬
‫�أراد �أن يتم مدة الر�ضاعة‪ ،‬و َع ِه ْدنا �إلى كل �إن�سان �أ ِن‬
‫ا�شكر لي نعمي عليك‪ ،‬وا�شكر ف�ض َل والديك لتربيتهما‬

‫لك‪ ،‬إ�لى الله م�صي ُرك وهو �سائ ُلك عن جميع ذلك‪.‬‬

‫‪ ١٥‬و�إن كان الوالدان كافرين و َب َذلا �أق�صى طاقتهما‬
‫ِل َي ْحملاك على �أن تعبد معي غيري فلا تطعهما في ذلك‪،‬‬
‫و�أطعهما فيما عداه ِمن المعروف‪ ،‬وعا ِم ْلهما بالإح�سان‪،‬‬
‫واب ُذ ْل لهما من ُخ ُل ِقك وما ِلك غاي َة جهدك‪ ،‬وا ّتبع في‬
‫الدين طريق َم ْن رج َع إ�ليَّ بالتوحيد والإخلا�ص في‬
‫الطاعة‪ ،‬ولا َت َّتب ْع �سبي َل الكافرين و إ� ْن كانوا من الوالدين‬
‫�أو ا ألقربين‪ ،‬ثم إ�ليَّ م�صي ُركم بعد َماتكم‪ ،‬ف�أجازي‬

‫المح�س َن منكم ب إ�ح�سانه والم�سي َء ب�إ�ساءته‪.‬‬

‫‪ ١٦‬يا ُبن َّي إ� ّن ال َخ�صل َة ِمن الإح�سان أ�و ا إل�ساءة إ� ْن تكن‬
‫متناهي ًة في ال�صغر كحب ِة الخردل‪ ،‬و َتكن مع �صغرها‬
‫في جوف �صخر ٍة أ�و في باط ٍن ِمن الأر�ض �أو عا ٍل من‬
‫ال�سماوات ُيح ِ�ضها الله فيحا ِ�سب عليها‪ ،‬إ� ّن الله لطيف‬

‫با�ستخراجها خبي ٌر بمكانها‪.‬‬

‫ب َط َر ِف الحب ِل الذي لا يخا ُف َم ْن تم�ّس َك به انقطا َعه‪،‬‬ ‫‪� ٢٠‬ألم تعلموا أ� ّن الله �س َّخر لكم ما في ال�سماوات‬
‫و�إلى الله ت�صير ا ألمور وهو المجازي عليها‪.‬‬ ‫ِمن ال�شم�س والقمر والنجو ِم وما في ا ألر�ض ِمن الثمار‬
‫وا ألنهار والدوا ِّب لتنتفعوا بها‪ ،‬و�أت َّم عليكم نعمه‬
‫‪ ٢٣‬و َم ْن ك َفر ولم ُي�ْس ِلم وجهه لله فلا تهت َّم بكفره‪،‬‬ ‫ظاهر ًة لا ينكرها إ�لا ُمكا ِبر وباطن ًة قد ُتعر ُف بالدليل‬
‫ف إ� ّن م�صيرهم يوم القيامة �إلينا‪ ،‬ثم نخبرهم ب�أعمالهم‬ ‫وقد لا تعرف؟ و ِم َن النا�س َم ْن يجادل في توحيد الله‬
‫الخبيثة التي عملوها في الدنيا‪ ،‬ثم نجازيهم عليها‪� ،‬إ ّن الله‬ ‫و�صفاته بغير عل ٍم م�ستفا ٍد من برها ٍن ودلي ٍل‪ ،‬ولا هداي ٍة‬
‫من ر�سو ٍل‪ ،‬ولا كتا ٍب مني ٍر �أنزله الله‪ ،‬بل بمجرد التقليد‬
‫عليم بما يخفونه في �صدورهم و�س ُيعاقبهم عليه‪.‬‬
‫�أو العناد والا�ستكبار‪.‬‬
‫‪ُ ٢٤‬ن ِه ُلهم في هذه الدنيا زمان ًا قليل ًا يتمتعون بمتاعها‬
‫الفاني‪ ،‬ولك ْن لا ُن ْهملهم‪ ،‬بل ُنح�صي عليهم آ�ثامهم ثم‬ ‫‪ ٢١‬و�إذا قيل لهم‪ :‬ات ِبعوا ما �أنزل الله على ر�سوله‬
‫نجازيهم عليها يوم القيامة‪ ،‬فيكون م آ� ُلهم المحتو ُم �إلى‬ ‫ِمن التوحيد وال�شرائع‪ ،‬قالوا‪َ :‬ب ْل ن ّتبع ما وجدنا عليه‬
‫آ�باءنا من ا ألديان‪ ،‬أ�ي ّتبعونهم مع أ�نهم لل�شيطان َت َب ٌع وهو‬
‫العذاب الم�ضا َعف‪.‬‬ ‫يدعوهم ‪ -‬بتزيينه لهم �سو َء أ�عمالهم‪� -‬إلى عذاب النار؟‬

‫‪ ٢٥‬ولئن �س أ�ل َت ‪ -‬يا ر�سول الله‪ -‬ه�ؤلاء الم�شركين‪:‬‬ ‫‪ ٢٢‬و َم ْن ي�ست�سلم لله ب ُك ِّليته و ُي ْخل�ص َق ْ�صده لله وهو‬
‫َم ْن خ َلق ال�سماوات وا ألر�ض؟ ليقو ُل ّن لو�ضوح‬ ‫مح�س ٌن في �أعماله‪ ،‬فقد تع ّلق ب�أوثق ما ُيتع ّلق به‪ ،‬وتم�ّسك‬
‫الدليل‪ :‬خلقهن الله‪ ،‬قل‪ :‬الحم ُد لله على ظهور‬
‫الـ ُح ّجة عليكم‪ ،‬واعترا ِفكم بما ُيو ِج ُب بطلا َن‬ ‫‪413‬‬
‫اعتقا ِدكم ب�شر ِك الأ�صنام‪ ،‬بل أ�كثرهم �سفهاء لا‬

‫يفكرون ولا يتدبرون في عاقبة ما يعملون‪.‬‬

‫‪ ٢٦‬لله م ْلك كل �شي ٍء في ال�سماوات وا ألر�ض‪� ،‬إ ّن الله‬
‫هو الغن ّي عن كل ما �سواه‪ ،‬الم�ستح ُّق لغاي ِة ال�شك ِر والثناء‬

‫في ُ�صنعه‪ ‬و�آلائه‪.‬‬

‫‪ ٢٧‬ولو �أ ّن ما في الأر�ض ِم ْن �شجر ٍة كانت �أقلام ًا‪،‬‬
‫وكان البحر ك ُّله ِمداداً ‪� -‬أي حبراً‪ -‬ويم ُّده �سبع ُة �أبحر‬
‫أ�خرى‪ ،‬و ُكتب ْت بهذه الأقلام والـ ِمداد كلما ُت الله‪،‬‬
‫لنفدت الأ�شجا ُر والبحا ُر ولم تن َفد كلما ُت الله‪ ،‬فالأ�شجا ُر‬
‫والبحار ُمتناهي ٌة‪ ،‬وكلما ُت‪ ‬الله غير متناهي ٍة‪ ،‬إ� ّن الله عزي ٌز لا‬

‫يع ِجزه �شيء‪ ،‬حكي ٌم لا يخرج عن علمه وحكمته �أ ْمر‪.‬‬

‫‪ ٢٨‬ما خ ْل ُقكم ‪� -‬أيها النا�س‪ -‬وبع ُثكم جميع ًا عند الله‬
‫�إلا كخ ْلق نف� ٍس واحد ٍة وب ْع ِثها‪ ،‬وكل ذلك ه ّ ٌي عليه‪،‬‬
‫�إ ّن الله �سمي ٌع ِلـ َما يقول ه ؤ�لاء الم�شركون ويفترونه على‬

‫ربهم‪ ،‬ب�صي ٌر بما يعملون وهو مجازيهم على ذلك‪.‬‬

‫‪ ٣٣‬يا أ�يها النا�س امتثلوا �أ ْم َر الله تعالى واجتنبوا‬ ‫‪� ٢٩‬ألم َت َر ‪� -‬أيها الإن�سان المتف ِّكر‪� -‬أن الله بقدرته‬
‫نواهيه‪ ،‬وخافوا يو َم الح�ساب الذي لا ُيغني فيه والد‬ ‫وحده ُيدخل اللي َل في النهار ويدخل النهار في الليل‪،‬‬
‫عن ولده �شيئ ًا‪ ،‬وال‪ ‬مولو ٌد هو ُم ْغ ٍن عن والده �شيئ ًا‪،‬‬ ‫فيتفاوت بذلك طو ُل ك ٍّل منهما زياد ًة ونق�صان ًا؛ لين َ�ش أ�‬
‫إ� َّن وعد الله بالح�ساب والجزاء ح ٌّق ثابت‪ ،‬فلا ُتلهينكم‬ ‫بذلك تعاق ُب ف�صول ال�سنة‪ ،‬و�أنه تعالى �سخر ال�شم�س‬
‫والقمر لم�صالح خلقه ومنافعهم‪ ،‬وك ٌّل من ال�شم�س‬
‫الحيا ُة الدنيا وزين ُتها عن الحياة الأخرى‪ ،‬ولا تخدع َّنكم‬ ‫والقمر يجري ب�أمره في َف َلكهما طلوع ًا و�ُأفول ًا إ�لى وق ٍت‬
‫و�ساو� ُس ال�شيطان ب�سبب ِح ْل ِم الله تعالى و�صبره عليكم‪.‬‬ ‫معلوم في َق َدر الله عز‪ ‬وجل‪ ،‬و�أنه تعالى م َّطلع على ما‬

‫‪ ٣٤‬اخت�َّص اللهُ تعالى بمفاتيح الغيب‪ :‬فهو وحده يعل ُم‬ ‫تعملون في الليل والنهار لا يخفى عليه‪� ‬شيء؟‬
‫وق َت قيا ِم ال�ساعة وانتها ِء الدنيا‪ ،‬وهو الذي ُينز ُل الغيث‬
‫رحم ًة بخلقه‪ ،‬ويعل ُم ما يخلق في الأرحام‪ ،‬وما تدري‬ ‫‪ ٣٠‬ذلك الذي ذكره الله تعالى وا�صف ًا به نف َ�سه ِم ْن‬
‫َن ْف� ٌس ما الذي تك�سبه في َغ ِدها ِم ْن خير �أو �شر‪ ،‬وما تدري‬ ‫�َسع ِة ِع ْلمه و�شمو ِل قدرته وعجائب ُ�صنعه لدليل باهر‬
‫نف�س ب�أ ِّي مكان يكون موتها فيه‪ .‬فالله عليم بكل هذه‬ ‫على أ�نه هو الإله الحق الذي ي�ستحق العباد َة وحده‪ ،‬وما‬
‫يعبده الم�شركون من دون الله باط ٌل وزائ ٌل لا ي�ستح ُّق‬
‫الأمور علم ًا �شامل ًا‪ ،‬خبير بظواهر الأمور وبواطنها‪.‬‬ ‫�أن ُيعبد‪ ،‬و�أ ّن الله هو العل ُّي على كل �شيء في َمكانته‬
‫و�صفاته‪ ،‬الكبي ُر الذي دو َنه كل �شيء في �سلطانه وذاته‪.‬‬

‫‪� ٣١‬ألم َت َر ‪� -‬أيها ا إلن�سان‪ -‬أ� ّن ال�سفن تجري في البحر‬
‫ب�أمر الله وب ُلطفه ورحمته؟ ف إ�نه لولا ما �أودعه الله في الماء‬
‫وا ألر�ض وال�سماء من القوانين لما َج َر ْت؛ ِل ُييكم بذلك‬
‫بع�َض دلائل قدرته وحكمته ورحمته‪ ،‬إ�ن في ذلك‬
‫لدلائل على أ�لوهيته �سبحانه وعظي ِم قدرته‪ ،‬يهتدي‬
‫وينتفع بها الم ؤ�من ال�صبو ُر على الطاعة والبلاء‪ ،‬الكثي ُر‬

‫ال�شكر على النعم وا آللاء‪.‬‬

‫‪ ٣٢‬و إ�ذا ركب الم�شركون ال�سف َن و أ�حاط بهم مو ٌج‬
‫له ‪ -‬ل�ش ّد ِة ارتفاعه‪ُ -‬ظ َل ٌل كالجبال وخافوا من الهلاك‪،‬‬
‫ذكروا اللهَ تعالى وحده‪ ،‬ولم ي�ستغيثوا بغيره‪ ،‬ف�إذا‬
‫ن ّجاهم و�أو�صلهم �إلى البر �سالمين‪ ،‬فمنهم معتد ٌل بين‬

‫ال�صلاح و�ض ِّده‪ ،‬ومنهم كاف ٌر بنعمة‪ ‬الله جاحد لها‪،‬‬
‫وما ينكر علاما ِت وحدانيته وف�ضله عليه إ�لا ك ُّل َغ َّدا ٍر‬

‫فاج ٍر �شدي ِد ال ُكفران‪.‬‬

‫‪414‬‬

‫تتفكرون لتعلموا �أنه تعالى هو الم�ست ِح ُّق وحده‪ ‬للعبادة؟!‬

‫‪ ٥‬يد ّبر اللهُ تعالى أ�مر الدنيا ك ِّلها بكل ما يحتويه‬
‫الكون من ال�سماوات وا ألر�ض إ�لى �أن تقوم ال�ساعة‪،‬‬

‫ثم يرجع إ�ليه ذلك الأمر ك ُّله وي�صير إ�ليه في يوم مقداره‬

‫�ألف �سنة مما تعدون‪.‬‬

‫‪ ٦‬ذلك الخالق المد ِّبر هو عالم ك ِّل ما غا َب عن‬
‫المخلوقات وخف َي‪ ،‬وما �شاهدوه من المح�سو�سات َر أْ� َي‬
‫العي ِن‪ ،‬وهو الغال ُب على أ�مره الذي لا يمتنع على قدرته‬

‫�شيء‪ ،‬الرحيم الذي و�سع ْت رحم ُته ك َّل �شيء‪.‬‬

‫‪ ٧‬الله الذي �أَ ْح َك َم و�أتق َن َخ ْل َق كل �شيء‪ ،‬وبد�أ خل َق‬
‫�آدم ‪ -‬عليه ال�سلام‪ -‬من طين‪.‬‬

‫‪ ٨‬ثم جعل ن�س َل ا إلن�سان‪ ،‬أ�ي ذريته التي تن�سل من‬ ‫‪} ١‬ﭑ{‪� :‬سب َق الكلا ُم على هذه الحروف‬
‫�صلبه ِم ْن نطف ٍة تنف�صل و ُت َ�س ُّل ِم ْن ما ٍء �ضعي ٍف محت َق ٍر في‬
‫الـ ُمق َّطعة في �أول �سورة البقرة‪.‬‬
‫ظاهر الأمر و ُمقت�ضى العادة‪.‬‬
‫‪ ٢‬هذا القر�آن لا �ش َّك في تنزيله ِم ْن عند الله‪،‬‬
‫‪ ٩‬ثم �س ّوى الله تعالى َخلق ا إلن�سان في رحم أ�مه‬ ‫ر ِّب‪ ‬العالمين‪.‬‬
‫ونفخ فيه من ُروحه تكريم ًا له وت�شريف ًا‪ ،‬وجعل لكم‬
‫‪ -‬أ�يها النا�س‪ -‬ال�سم َع وا ألب�صا َر والقلو َب؛ لت�سمعوا‬ ‫‪َ� ٣‬أ ْم يقول الكافرون‪ :‬ا ْخ َت َل َق محم ٌد القر�آن من تلقاء‬
‫وتب�صروا وتعقلوا‪ ،‬ولت�شكروا ر َّبكم‪ ،‬ولكن قليل ًا َم ْن‬ ‫نف�سه؟ بل هو الح ُّق الثابت المن َّزل من عند الله؛ ِل ُتح ِّذر‬
‫به ‪ -‬أ�يها الر�سول‪ -‬قوم ًا ما جاءهم ر�سو ٌل ِم ْن قبلك‪،‬‬
‫ي�شكر ر َّبه على نعمه‪.‬‬
‫لعلهم يهتدون �إلى الإيمان بالله وحده‪.‬‬
‫‪ ١٠‬وقال منكرو البعث‪� :‬أ�إذا متنا و ِ�صنا تراب ًا مختلط ًا‬
‫بتراب الأر�ض لا يتميز عنه‪� ،‬أ ُيعقل �َأ ْن ُن ْب َع َث ونعو َد َخلق ًا‬ ‫‪ ٤‬الله الذي أ�وج َد بعد العدم ال�سماوا ِت وا ألر�َض‬
‫جديداً؟! بل هم في الواقع منكرون للآخرة والح�ساب‬ ‫وما بينهما في �ستة �أيام لتعرفوا كما َل قدرته‪ ،‬ثم ا�ستوى‬
‫على العر�ش‪ ،‬لي�س لكم نا�صر غير الله ين�صركم‪ ،‬ولا �شفيع‬
‫بين يدي الله تعالى‪.‬‬ ‫ي�شف ٌع لكم للنجاة ِم ْن عذابه إ� ّل ب�إذنه �سبحانه‪� ،‬أفلا‬

‫‪ ١١‬قل ‪� -‬أيها الر�سول‪ -‬لمنكري البعث‪ :‬يتو ّفاكم م َل ُك‬ ‫‪415‬‬

‫الموت الذي ُو ّكل بقب�ض �أرواحكم عند انتهاء �آجالكم‪،‬‬
‫ثمتر ّدون إ�لىخالقكم؛فيحا�سبكمعلىجميع�أعمالكم‪.‬‬

‫‪ ١٢‬ولو ترى ‪ -‬أ�يها الر�سول‪ -‬حين يقوم منكرو‬
‫البع ِث‪ ،‬وقد َخ َف�ضوا ر�ؤو�سهم عند ربهم من ال ُّذل‬

‫والخزي‪ ،‬قائلين‪ :‬ربنا �أب َ� ْصنا ما كنا ننكر من البعث‪،‬‬
‫و�سمعنا ت�صدي َق ما كانت ر�س ُلك ت أ�مرنا به في الدنيا‪،‬‬
‫فار ِجعنا �إلى دار الدنيا؛ نعم ْل عمل ًا �صالح ًا‪� ،‬إ ّنا قد أ�يق ّنا‬
‫بما ك ّنا به في الدنيا مك ِّذبين‪ .‬لو ر�أي َت ذلك‪ ،‬لر�أي َت‬

‫�أمراً‪ ‬فظيع ًا‪.‬‬

‫وهذا العطاء الجزيل ب�سبب �أعمالهم ال�صالحة في الدنيا‪.‬‬ ‫‪ ١٣‬لو أ�ردنا هداي َة النا�س َق�ْساً دون اختيار منهم َل َفعلنا‪،‬‬
‫ولكن وجب القو ُل م ّني‪ :‬ألم أل َّن جهنم من الذين اختاروا‬
‫‪ ١٨‬أ�ف َم ْن كان في هذه الدنيا م�ؤمن ًا بالله ح َّق ا إليمان‪،‬‬
‫ك َم ْن كان فيها فا�سق ًا وخارج ًا عن طاعة الله تعالى وعن‬ ‫ال�ضلال َة على الهدى من ال ِج ّن ِة والنا�س جميع ًا‪.‬‬

‫دينه الذي ارت�ضاه لعباده؟ لا ي�ستوون عند الله‪.‬‬ ‫‪ ١٤‬فذوقوا العذاب يا �أهل النار؛ ب�سبب غفلتكم عن‬
‫ا آلخرة‪ ،‬وتر ِككم التزو َد لها بما ينجيكم من �شدائدها‬
‫‪� ١٩‬أ ّما الذين �آمنوا بالله ور�سوله‪ ،‬وعملوا ال�صالحات‪،‬‬ ‫و أ�هوالها‪� ،‬إنا تركناكم اليوم في العذاب‪ ،‬وذوقوا‬
‫فلهم جنا ُت النعي ِم التي َي أ�وون إ�ليها وينزلون فيها نزو َل‬
‫التكريم؛ ثواب ًا على أ�عمالهم ال�صالحة التي كانوا يعملونها‬ ‫العذاب الخال َد الدائ َم في جهنم جزا ًء بما كنتم تعملون‬
‫في الدنيا من الكفر بالله‪ ،‬وتكذيب الر�سل‪.‬‬
‫في الدنيا‪.‬‬
‫‪� ١٥‬إ ّنا ي�ص ّدق ب آ�ياتنا الذين إ�ذا ُو ِعظوا بها؛ �سجدوا لله‬
‫‪ ٢٠‬و أ� ّما الذين خرجوا عن ا إليمان إ�لى الكفر‪،‬‬ ‫خا�شعين‪ ،‬ون َّزهوه عما لا يليق به‪ ،‬و َح ِمدوه على نعمه‪،‬‬
‫فم�سك ُنهم و ُمقامهم النار‪ ،‬وه�ؤلاء الكفار كلما أ�رادوا‬ ‫وهم ال‪ ‬ي�ستكبرون عن ال�سجود والت�سبيح له �سبحانه‪.‬‬
‫�أن يخرجوا منها‪� ،‬أُعيدوا فيها‪ ،‬ويقال لهم توبيخ ًا‪:‬‬
‫‪� ١٦‬إ ّن ه ؤ�لاء الم�ؤمنين ال�صادقين‪َ ،‬ت َتنحى �أج�سا ُمهم‬
‫ذوقوا عذا َب النار الذي كذبتم به في الدنيا‪.‬‬ ‫عن �أماكن نومهم وراحتهم وتتركها؛ للته ُّجد في‬
‫َج ْوف الليل‪ ،‬يدعون ربهم َخ ْوف ًا ِمن �سخطه وعقابه‪،‬‬
‫و َط َمع ًا في جنته ورحمته‪ ،‬ومما رزقناهم ينفقون في‬

‫وجوه ال ِ ِّب والخير‪.‬‬

‫‪ ١٧‬فلا َت ْعلم ن ْف� ٌس من النفو�س‪ ،‬ما �أعده الله تعالى‬
‫له�ؤلاء الم ؤ�منين المته ّجدين بالليل والنا� ُس نيام‪ِ ،‬م ْن ثوا ٍب‬
‫تق ُّر به أ�عينهم‪ ،‬و َت�سعد به قلوبهم‪ ،‬وتبتهج له نفو�سهم‪،‬‬

‫‪416‬‬

‫وكانوا يوقنون ب�آيات ربهم و ُحججه على عباده‪.‬‬ ‫‪َ ٢١‬و ُن ْق ِ�س ُم لنذيق َّن ه�ؤلاء الفا�سقين في الدنيا العذا َب‬
‫ا ألدنى ِم ْن قح ٍط وقت ٍل و�َأ�ْ ٍس وم�صائ َب؛ لعلهم يرجعون‬
‫‪ ٢٥‬إ� َّن ربك ‪ -‬أ�يها الر�سول‪ -‬هو يق�ضي بين ا ألنبياء‬ ‫ويتوبون ِم ْن ذنوبهم قبل أ�ن يدركهم عذا ُب النار الذي‬
‫و�أممهم‪ ،‬وبين الم ؤ�منين والكافرين‪ ،‬فيما كانوا فيه‬
‫يختلفون ِمن ح ٍّق وباط ٍل فيجازي ك َّل واحد بما ي�ستحق‪.‬‬ ‫لا ينجي منه توبة �أو رجوع‪.‬‬

‫‪� ٢٦‬ألم يب ّي الله له ؤ�لاء الجاحدين من كفار قري�ش‪:‬‬ ‫‪ ٢٢‬لا �أح َد �َأ ْظل ُم لنف�سه ممن ذ ّكره الله ب�آياته‪ ،‬ثم كان‬
‫كم �أهلك ِم ْن قبلهم من ا ألمم ال�سابقة كعا ٍد وثمود‬ ‫منه بعد التذكير بها‪ ،‬الإعرا�ُض عنها‪ ،‬م�ستكبراً جاحداً‬
‫وغيرهما‪ ،‬يم ُّرون في أ��سفارهم على م�ساكن هذه ا ألمم‬
‫وي�شاهدون آ�ثا َر ما َلـ ِح َقهم من العذاب؟! �إ ّن في ذلك‬ ‫معانداً‪ ،‬و�سينتقم الله ِم ْن كل َم ْن �أَجرم وكفر‪ ‬ب�آياته‪.‬‬
‫دلالا ٍت وبراهي َن على قدرة الله؛ أ�فلا ي�سم ُع ه ؤ�لاء هذه‬
‫‪ ٢٣‬ولقد �آتينا مو�سى الكتاب و�أتممنا له ما وعدناه من‬
‫ا آليات بما فيها ِم ْن عظا ٍت فينتفعوا بها؟‬ ‫ن�صرنا‪ ،‬فلا تكن في �ش ٍّك ِم ْن ن�ص ِرنا لك والانتقا ِم من‬

‫‪ ٢٧‬أ� َع ِمي ه�ؤلاء الجاحدون ولم يروا �َس ْوقنا للماء �إلى‬ ‫أ�عدائك‪ ،‬وجعلنا التوراة هادي ًا ومر�شداً لبني �إ�سرائيل‪.‬‬
‫ا ألر�ض الياب�س ِة التي لا نبات بها‪ ،‬فنخرج به زرع ًا ت أ�كل‬
‫منه موا�شيهم ِمن إ�ب ٍل وبقر وغنم‪ ،‬وي أ�كلون هم كذلك‬ ‫‪ ٢٤‬وجعلنا ِم ْن بني �إ�سرائيل ُهدا ًة يهدون النا�س �إلى‬
‫منه‪ ،‬أ�فلا يب�صرون ذلك فيعلموا أ� ّن القادر على �إحياء‬ ‫توحيد الله وطاعته؛ وقد جعلنا ه�ؤلاء الهدا َة �أئم ًة لـ َّما‬
‫�صبروا على طاعتنا‪ ،‬وعلى م�شا ِّق الدعوة في �سبيل الله‪،‬‬
‫الأر�ِض بعد موتها قاد ٌر على �إحيائهم بعد موتهم؟!‬
‫‪417‬‬
‫‪ ٢٨‬ويقول الم�شركون للم�ؤمنين ‪ -‬على �سبيل الا�ستهزاء‬
‫والإنكار‪ :-‬متى يوم ال َف�صل‪ ،‬الذي يتح َّقق لكم فيه‬
‫الن�صر كما تزعمون؟ ف إ� ْن كنتم �صادقين في قولكم‪،‬‬

‫فادعوا ر َّبكم أ�ن ُي َع ِّجل بهذا اليوم‪.‬‬

‫‪ ٢٩‬قل ‪� -‬أيها الر�سول‪ -‬في الر ِّد على ه ؤ�لاء الم�شركين‪:‬‬
‫�إ ّن يوم الف�صل بيننا وبينكم قري ٌب‪ ،‬يو َم لا ينفع �إيما ُن‬
‫الكفار وهم َي ْل ِفظون أ�نفا�سهم عند َماتهم‪ ،‬ولا هم‬

‫ُيهلون لتوبة �أو اعتذار‪.‬‬

‫‪ ٣٠‬ف�أعر�ْض ‪� -‬أيها الر�سول‪ -‬عن ه�ؤلاء الم�شركين‪،‬‬
‫وانتظر يو َم الف�صل والق�ضاء‪ ،‬وتحقي ِق الوعيد بهلاكهم‬

‫وعذابهم‪� ،‬إنهم منتظرون ذلك‪ ،‬وهو �آتيهم‪.‬‬

‫لغير �آبائهم مع علمكم بذلك‪ ،‬وكان الله وا�س َع المغفرة‬ ‫‪ ١‬يا أ�يها النب ُّي ُد ْم على ما أ�نت عليه من تقوى‪ ‬الله‪،‬‬
‫عظي َم الرحمة بعباده‪.‬‬ ‫وعلى عدم طاعة الكافرين والمنافقين‪ ،‬فلا‪َ  ‬تقب ْل أ�قوالهم‬

‫‪ ٦‬النب ُّي �أرح ُم بالم�ؤمنين و أَ�ولى بالمحبة والطاعة من‬ ‫و�إ ْن أ�ظهروا �أنها ن�صيحة‪ ،‬إ� َّن الله علي ٌم بكل �شيء‪ ،‬ومنه‬
‫أ�نف�سهم‪ ،‬و�أزواج النبي ‪ - -‬ك أ�مهاتهم في الاحترام‬ ‫ما ت�ضمره نفو� ُس �أعدائك‪ ،‬حكي ٌم فيما ي�أمر وينهى‪.‬‬
‫وا إلكرام و ُحرمة النكاح‪ .‬وا إلر ُث ب�سبب القرابة �َأ ْولى‬
‫ِمن الإرث لمج َّرد ا ألُخ ّو ِة والموالا ِة في ال ِّدين ‪ -‬خلاف ًا‬ ‫‪ ٢‬واع َم ْل ‪� -‬أيها النبي‪� -‬أنت و أ�ُ َّم ُتك بما ينزل الله‬
‫ِلـ َما كان معمول ًا به في �صدر الإ�سلام‪ -‬ولكن �إ ْن �أردتم‬ ‫عليك ِمن َو ْحيه‪� ،‬إن الله م ّطلع على كل ما تعملون‪،‬‬
‫�أن ُتو�صوا إ�لى َم ْن واليتم في ال ّدين ِمن غي ِر ال َو َرث ِة فلا‬
‫حرج عليكم‪ .‬كان ذلك الحكم ‪ -‬وهو توارث ذوي‬ ‫ال‪ ‬تخفى عليه خافية‪.‬‬

‫ال َقرابات فيما بينهم‪ -‬مكتوب ًا في اللوح المحفوظ‪ .‬وقد‬ ‫‪ ٣‬وا ْع َت ِمد على الله تعالى في القيام ب�أعباء الوحي‬
‫�َأ ْع َلمناكم بذلك فوج َب عليكم العم ُل به‪.‬‬ ‫وتكاليفه‪ ،‬وكفى بربك حافظ ًا لك‪ ،‬وكفيل ًا بتدبير �َأ ْمرك‪.‬‬

‫‪ ٤‬كما �أ ّن الله تعالى لم يخلق للإن�سان قلبين في‬

‫�صدره‪ ،‬كذلك لم يجعل المر�أ َة الواحد َة زوج ًا للرجل و أ� ّم ًا‬
‫له‪ ،‬فلا َت�صير الزوج ُة التي ُيظا ِهر منها زو ُجها ‪ -‬بقوله‪:‬‬
‫أ�ن ِت عل َّي كظهر ُ�أ ِّمي‪ -‬كا أل ّم له في الـ ُحرمة‪ ،‬وكذلك‬
‫لم يجعل ا ألدعيا َء ‪� -‬أي ا ألبناء الذين َت َتبنونهم‪� -‬أبنا ًء‬
‫لكم‪ ،‬فلا َي ْثب ُت ن�س ٌب بال َّتب ّني ولا حقو ُق ُبن ّو ٍة‪ ،‬فقو ُلكم‬
‫بال ِّظهار وبالتب ِّني هو مج َّرد قو ٍل ب�أفواهكم ال‪ ‬حقيق َة له‪،‬‬
‫واللهُ�سبحانه يقول الح َّق الذي يجب اتبا ُعه‪ ،‬وهو يهدي‬

‫إ�لى �سبيل الر�شاد‪.‬‬

‫‪ ٥‬ا ْن ُ�س ُبوا ه�ؤلاء الأدعياء �إلى آ�بائهم الحقيقيين‪ ،‬ف�إ َّن‬
‫ذلك أَ� ْع َد ُل عند الله تعالى‪ ،‬و�أ�شر ُف للآباء وا ألبناء‪ ،‬ف إ�ن‬
‫لم تعلموا �آباءهم الحقيقيين‪ ،‬فهم �إخوانكم في الدين‬

‫والعقيدة‪ ،‬وهم مواليكم ‪� -‬أي ن�صرا ؤ�كم‪ -‬فقولوا لهم‪:‬‬

‫يا �أخي أ�و يا مولاي ‪َ  -‬يق�صدون بذلك أ�خو َة الدين‬
‫وولايته ‪ -‬ولي�س عليكم �إث ٌم فيما وقعتم فيه من خط ٍأ�‬
‫�ساب ٍق لم تتعمدوه‪ ،‬و�إنما ي ؤ�اخذكم فيما تع َّمدتم ِن�سبتهم‬

‫‪418‬‬

‫‪ ١٠‬واذكروا َن ْ� َص الله حين جاءكم جنو ُد‪ ‬ا َلأحزاب‬
‫ِم ْن أ�على الوادي ِمن جه ِة الم�شر ِق‪ ،‬و ِم ْن أ��سف ِل الوادي‬
‫ِم ْن جهة المغرب‪ ،‬وحين �َش َخ َ�ص ِت ا ألب�صار ِم ْن �شدة‬

‫الـ َح ْية وال َّده�شة‪ ،‬وفزعت القلو ُب فزع ًا �شديداً‪ ،‬ك�أنها‬
‫ِم ْن �ش ّدة الفزع َب َلغت الحناجر‪ ،‬وتظنون بالله ُمختل َف‬

‫الظنون؛ ِمن ن�ص ٍر وهزيم ٍة‪ ،‬ونجا ٍة وهلا ٍك‪.‬‬

‫‪ ١١‬في هذه المحنة الع�صيب ِة التي تكاثر ْت على‬
‫الم ؤ�منين فيها ا ألعداء‪ ،‬وطال فيها الح�صار اخ ُت ِب الم ؤ�منون‬

‫وا�ض َطربوا ا�ضطراب ًا‪� ‬شديداً‪.‬‬

‫‪ ١٢‬واذكر ‪� -‬أيها النب ُّي‪ -‬حين يقول المنافقون والذين‬
‫في قلوبهم �ش ٌّك و َ�ضع ُف اعتقاد‪ :‬ما وع َدنا اللهُ ور�سول ُه‬
‫بالن�صر والتمكين �إلا َو ْعداً باطل ًا لا حقيق َة له؛ فلا‬

‫ت�ص ِّدقوه‪.‬‬

‫‪ ١٣‬و�إذ قالت طائفة من المنافقين‪ :‬يا أ�هل يثرب ‪ -‬أ�ي‬ ‫‪ ٧‬واذكر ‪ -‬أ�يها الر�سول‪ -‬حين �أخذنا ِم ْن جميع‬
‫المدينة‪ :-‬لا مكان لكم في َ�أر�ض المعركة تقيمون فيه‪،‬‬ ‫النبيين ميثا َقهم �أَ ْن يب ِّلغوا �شرائعنا ُألممهم‪ ،‬و أ�خذنا هذا‬
‫ف َ�أنتم ُعر�ضة للهزيمة والهلاك؛ فارجعوا إ�لى منازلكم‬ ‫الميثاق منك ومن نوح و�إبراهيم ومو�سى وعي�سى ابن‬
‫لتنجوا‪ ،‬وي�ست أ�ذن فريق �آ َخر من المنافقين النبي ‪- -‬‬
‫بالعودة إ�لى منازلهم قائلين‪� :‬إن بيوتنا غي ُر َح ِ�صينة نخاف‬ ‫مريم‪ ،‬و�أخذنا منهم بذلك عهداً م ؤ� َّكداً‪ ‬عظيم ًا‪.‬‬
‫عليها من العدو‪ ،‬فك َّذبهم الله ب�أنها مح َّ�صنة‪ ،‬و�أنهم ما‬
‫‪ ٨‬أ�خذ الله العه َد ِم ْن ه�ؤلاء ا َلأنبياء‪ ،‬لي�س أ�لهم ع ّما‬
‫يريدون با�ستئذانهم �إلا الهر َب من القتال‪.‬‬ ‫قالوه وب ّلغوه ِم ْن �شرائعه ال�صادقة‪ ،‬وع ّما أ�جا َبهم به‬

‫‪ ١٤‬ولو َدخل ْت عليهم المدين َة جيو� ُش الأحزاب من‬ ‫أ�قوا ُمهم‪ ،‬و أ�ع َّد الله للكافرين بالر�سل عذاب ًا أ�ليم ًا‪.‬‬
‫جوانبها ثم ُط ِل َب ِم ْن ه�ؤلاء المنافقين الر َّد ُة ومقاتل ُة‬
‫الم�سلمين لتركوا بيو َتهم و َلـ َما تر َّددوا في الا�ستجابة لهم‬ ‫‪ ٩‬يا أ�يها الم ؤ�منون‪ ،‬اذكروا نعمة الله التي �أنعم‪ ‬بها‬
‫عليكم في َو ْق َع ِة الأحزا ِب‪ ،‬حين تحالف ْت عليكم جنو ُد‬
‫ولم يت�أخروا إ�لا زمن ًا ي�سيراً‪.‬‬ ‫ا ألحزاب‪ ،‬ف�أر�سلنا عليهم ريح ًا �شديد ًة اقتلع ْت �أوتا َدهم‬
‫وخيا َمهم‪ ،‬و َق َل َب ْت ُق ُدورهم‪ ،‬و أ�ر�سلنا جنوداً لم تروها‬
‫‪ ١٥‬وقد كان ه ؤ�لاء المنافقون المعت ِذرون عاهدوا‬ ‫من الملائكة؛ و َق َذفنا الرع َب في قلوبهم‪ ،‬وكان الله بما‬
‫الله أ�ما َم ر�سوله ِمن َقبل غزو ِة الخند ِق �أ ْن لا يف ّروا من‬ ‫تعملون �أيها الم�ؤمنون ‪ِ -‬من َح ْفر الخندق والثبا ِت مع‬
‫معرك ٍة‪ ،‬ولكنهم خانوا العه َد‪ ،‬وكان عه ُد الله جديراً‬
‫النبي ‪ - ‬ب�صيراً‪.‬‬
‫بالوفاء‪ ،‬و�س ُي�س أ�لون عنه يوم القيامة‪.‬‬

‫‪419‬‬

‫ي�س أ�لون عن �أخباركم مع الكفار‪ ،‬ولو كانوا بينكم في‬ ‫‪ ١٦‬قل ‪� -‬أيها النبي‪ -‬له ؤ�لا ِء المنافقين الفا ِّرين من‬
‫المعركة‪ :‬لن ينفعكم الفرا ُر من الموت‪ ،‬أ�و من القتل‬
‫المدينة ما قاتلوا معكم �إلا قتال ًا ي�سيراً؛ لأ ّن غايتهم لي�ست‬ ‫إ� ْن ق�ضى الله بذلك‪ ،‬فلا تتمتعون بحياتكم �إلا قليل ًا‬
‫ُن ْ�صتكم ولكن ت�ضليلكم و إ�يهامكم �أنهم معكم‪.‬‬
‫ب َق ْدر‪� ‬أعماركم‪.‬‬
‫‪ ٢١‬لقد كان لكم ‪� -‬أيها الم�سلمون‪ -‬في ر�سول الله‬
‫محمد ‪ - -‬قدو ٌة ح�سنة؛ فاقتدوا به في جهاده‬ ‫‪ ١٧‬قل‪� -‬أيها النبي‪ -‬لهم‪َ :‬م ْن يمنعكم ِم ْن ق�ضاء‪ ‬الله‬
‫�إ ْن أ�راد بكم هلاك ًا أ�و هزيمة �أو أ�راد بكم ن�صراً أ�و خيراً؟‬
‫و َ�صبره وعبادته و�سائ ِر �أفعاله‪ ،‬و�إنما يقتدي بر�سول الله‬
‫‪ - -‬الم ؤ�م ُن ال�صادق الذي يرجو ما عند الله ِم ْن‬ ‫ولا يجدون لهم من دون الله قريب ًا ينفعهم‪ ،‬ولا ن�صيراً‬
‫خي ٍر في الدنيا وا آلخرة‪ ،‬و َذ َك َر اللهَ ذكراً كثيراً في حالة‬
‫يدفع ال ُّ� َّض عنهم‪.‬‬
‫الخوف وا ألمن‪ ،‬وفي ال�شدة والرخاء‪.‬‬
‫‪ ١٨‬إ� َّن الله يعلم المنافقين والـ ُمث ِّبطين القائلين‬
‫‪ ٢٢‬ولـ ّمار�أىالم�ؤمنونجيو� َشالأحزابوقد�أحاطت‬ ‫أل�صحابهم‪َ� :‬أ ْق ِبلوا إ�لينا واتركوا محمداً فلا تحاربوا‬
‫بهم قالوا‪ :‬هذا ما وعدنا الله ور�سوله‪ِ ،‬من تحقيق الن�صر‪،‬‬
‫معه‪ ،‬ف إ� ّنا نخاف عليكم الهلاك‪ ،‬وهم لا ي�شاركون في‬
‫�أو ال�شهادة‪ ،‬و َ�ص َد َق الله ور�سوله في الوعد والابتلاء‪،‬‬ ‫القتال �إلا قليل ًا ب َق ْد ِر ما ُيو ِهمون الم ؤ�منين أ�نهم معهم‪.‬‬
‫وما زادهم هذا الأمر إ�لا ثبات ًا وت�سليم ًا بق�ضائه و ُحكمه‪.‬‬
‫‪ُ ١٩‬بخلاء عليكم بالمعونة وا إلنفاق في �سبيل‪ ‬الله؛‬
‫ِلـ َما في نفو�سهم من الحقد‪ ،‬ف�إذا جاءت الحر ُب خافوا‬
‫الهلاك‪ ،‬وظهر هذا الخو ُف في وجوههم ور�أي َتهم‬
‫ينظرون إ�ليك‪ ،‬تدور �أعي ُنهم ك َد َوران عي ِن الذي يعاني‬
‫�َسكرا ِت الموت‪ ،‬ف إ�ذا انتهت الحر ُب وذهب الخوف‪،‬‬
‫اجتر ؤ�وا عليكم وخا َ�ص ُموكم في �ش�أن الغنائم ب�أل�سن ٍة‬
‫�َسليط ٍة حر�ص ًا منهم على �أن لا يفوتهم �شيء منها‪ ،‬ذلك‬
‫ألنهم لم ي�ؤمنوا بقلوبهم‪ ،‬ف�َأ ْذ َه َب الله ثوا َب أ�عمالهم‪،‬‬
‫وكان َف ْ�ض ُح نفا ِقهم و إ�ذها ُب ثواب أ�عمالهم ه ِّين ًا على‬

‫الله تعالى‪.‬‬

‫‪ ٢٠‬يظ ُّن المنافقون ُجبن ًا وخوف ًا أ�ن الأحزاب الذين‬
‫ُهزموا مازالوا يحا�صرون المدينة ولم يرجعوا من حيث‬
‫�أتوا مع أ�نهم قد رحلوا خائبين‪ ،‬و�إ ْن يرجع الأحزا ُب‬
‫مر ًة أ�خرى‪ ،‬لتم َّنى ه�ؤلاء المنافقون أ�ن يكونوا في َم أ�ْمن‬
‫مع الأعراب في البادية بعيدين عن القتال في المدينة‪،‬‬

‫‪420‬‬

‫الأحزاب ِم ْن ري ٍح وملائكة‪ ،‬وكان الله قوي ًا لا ُيعجزه‬
‫ن�ص ُر الم�ؤمنين‪ ،‬عزيزاً لا يمتنع عليه إ�ذلا ُل الكافرين‪.‬‬

‫‪ ٢٦‬و أ�نزل الله الذين عاونوا الأحزا َب المخذول َة‬
‫‪ -‬وهم يهود بني ُقريظة‪ِ -‬م ْن ح�صونهم‪ ،‬و أ�لقى في‬
‫قلوبهم الخو َف ال�شدي َد‪ ،‬تقتلون ‪� -‬أيها الم ؤ�منون‪ -‬فريق ًا‪،‬‬
‫وت�أ�سرون فريق ًا �آخر‪ ،‬جزا ًء على خيانتهم ونق ِ�ضهم للعهد‪.‬‬

‫‪ ٢٧‬و أ�ورثكم ‪ -‬أ�يها الم�ؤمنون‪ -‬أ�ر َ�ضهم ومنازلهم‬
‫و أ�موالهم‪ ،‬و أ�ورثكم بعد ذلك أ�ر�ض ًا لم تط�أها أ�قدا ُمكم‬
‫ِم ْن قبل ‪ -‬وهي �أر�ض خيبر المح َّ�صنة‪ -‬وكان الله على‬

‫كل �شيء قديراً‪.‬‬

‫‪ ٢٨‬يا أ�يها النبي قل لن�سائك اللائي َي ْط ُل ْ َب منك زياد َة‬ ‫‪ِ ٢٣‬من الم�ؤمنين رجال و َّفوا �أكم َل وفا ٍء بما عاهدوا الله‬
‫النفقة بعد أ�ن فتح الله على الم�سلمين ديار بني قريظة‬ ‫عليه ِمن ت�أييد الر�سول ‪ - -‬ومن الثبات معه في كل‬

‫وخيبر و�أموالهم‪ :‬إ�ن كنت َّن ُت ِرد َن الحيا َة الدنيا وزينتها‪،‬‬ ‫َموط ٍن‪ ،‬فمنهم َم ْن و َّفى بعهده حتى �أدركه �أج ُله فمات‬
‫ف�أ ْق ِب ْل َن �أُمتعك َّن بما �شرع الله للن�ساء ِمن الـ ُمتعة عند‬ ‫�شهيداً‪ ،‬ومنهم َم ْن ينتظر‪ :‬ال�شهادة أ�و الن�صر‪ ،‬وما غ َّيوا‬

‫الطلاق و ُ�أفارقكن ِم ْن غير ُخ�صوم ٍة أ�و َ�ض ٍر أ�و �إيذا ٍء‪.‬‬ ‫عه َد الله ولا نق�ضوه‪ ،‬ولا ب ّدلوه‪.‬‬

‫‪ ٢٩‬و إ� ْن كنت َّن ُت ؤ�ثرن ر�ضا الله ‪� -‬سبحانه‪ -‬وح َّب‬ ‫‪ِ ٢٤‬ل ُي ِثي َب اللهُ أ�َه َل ال�صد ِق ب ِ�صدقهم اللهَ بما عاهدوه‬
‫ر�سوله ‪ -‬عليه ال�صلاة وال�سلام‪ -‬ونعي َم الدا ِر ا آلخرة‬ ‫عليه‪ ،‬ووفا ِئهم له به‪ ،‬ويع ّذ َب المنافقين بكفرهم بالله‬
‫على متاع الدنيا وزين ِتها‪ ،‬ف�إ َّن الله هي�أ َل ُك َّن أ�جراً‬ ‫ونفاقهم‪ ،‬أ�و يتو َب عليهم من نفاقهم؛ فيهديهم ل إليمان‪،‬‬
‫عظيم ًا‪ ،‬جزا َء الإح�سان باختيا ِر ُك َّن اللهَ ور�سوله على‬
‫�إ ّن الله غفو ٌر للم�سيء‪ ،‬رحي ٌم به إ�ذا تاب إ�ليه‪ ‬و�أناب‪.‬‬
‫متاع الدنيا وزينتها‪.‬‬
‫‪ ٢٥‬و َ� َص َف الله هجو َم الكفار عن (المدينة) ورجعوا‬
‫‪ ٣٠‬يا ِن�سا َء النبي َم ْن ي�أ ِت منك َّن بمع�صية ظاهر ِة‬ ‫منهزمين خائبين والغي ُظ يملأ قلوبهم؛ ألنهم لم يحققوا‬
‫ال ُقب ِح؛ ُي�ضا َعف لها العذاب �ضعفين؛ لأن ما َق ُب َح من‬
‫غيرهن هو منه َّن أَ� ْقبح‪ ،‬وكان ذلك العقا ُب على الله ه ِّين ًا‬ ‫ن�صراً ولا غنيمة‪ ،‬وكفى الله الم ؤ�منين القتال‪ ،‬بما �س َّلط على‬

‫�سهل ًا‪.‬‬

‫‪421‬‬

‫‪ ٣١‬و َمن َت ُدم منك َّن على الطاعة لله ور�سوله وتعم ْل‬
‫�صالح ًا ن ؤ�تها مثل �أج ِر غيرها مرتين‪ :‬مر ًة على الطاعة‬
‫ومر ًة على �إر�ضاء النبي ‪ ،‬و�أع َددنا لها في الجنة رزق ًا‬

‫ح�سن ًا جليل ًا‪.‬‬

‫عند‪ ‬الله وكذلك الم�ص ّدقا ِت‪ ،‬والدائمين على طاعة‬ ‫‪ ٣٢‬يا ن�سا َء النب ِّي لي�س َق ْد ُرك ّن عند الله ك َق ْد ِر‬
‫الله والدائمات‪ ،‬وال�صادقين وال�صادقات قول ًا وعمل ًا‪،‬‬ ‫غيرك ّن من ال�صالحات‪ ،‬ف أ�نت َّن أ�كر ُم وثوابك َّن �أعظم إ�ذا‬
‫ابت َع ْد ُت َّن عن مخالفة الله ور�سوله‪ ،‬فلا يك ْن كلا ُمك ّن‬
‫وال�صابرين وال�صابرات على طاعة‪ ‬الله و َت ْر ِك معا�صيه‪،‬‬ ‫عند مخاطبة الرجال ِمن وراء ال�ستار ل ِّين ًا رقيق ًا‪ ،‬حتى‬
‫والخا�شعين والخا�شعات توا�ضع ًا‪ ‬لله بالقلوب والجوارح‪،‬‬ ‫ال‪ ‬يطمع الذي في نف�سه رغب ُة �سو ٍء‪ ،‬و ُق ْل َن قول ًا بعيداً عن‬

‫والمت�ص ّدقين والمت�ص ّدقات فر�ض ًا ونفل ًا‪ ،‬م ّما رز َق ُهم‬ ‫ال ِّريبة‪ ‬وا إل ْطماع‪.‬‬
‫الله‪ ،‬والحافظين فرو َجهم والحافظات ع ّما‪ ‬ال‪ ‬يح ُّل‪،‬‬
‫والذاكرين الله كثيراً والذاكرات بقلوبهم و�أل�سنتهم‬ ‫‪ ٣٣‬وا ْل َز ْم َن بيوتك ّن إ� ّل ل�ضرورة‪ ،‬ولا ُتظ ِهر َن ما‬
‫لا يجوز إ�ظها ُره ِمن الزينة كما كان �ش ْ�أ َن الن�ساء قبل‬
‫تلاو ًة وت�سبيح ًا ونحوهما‪ ،‬ك ُّل �أولئك �أع َّد الله لهم‬ ‫الإ�سلام‪ ،‬و أ� ِقم َن ال�صلاة و�أ ِّدي َن الزكاة على الو ْجه‬
‫مغفر ًة لذنوبهم و�أجراً عظيم ًا على طاعتهم‪.‬‬ ‫الم�شروع‪ ،‬و أ� ِطع َن الله ور�سوله فيما �أمر ونهى‪ ،‬ف�إ ّن الله‬
‫ما أ�مركم بهذا يا �أهل البيت إ� ّل ل ُيذه َب عنكم الذنوب‬

‫وا آلثام وي�صونكم ع ّما لا يليق ببيت النب ّوة‪.‬‬

‫‪ ٣٤‬واذكر َن ما ُيتلى في بيوتك َّن من القر�آن‪ ،‬ودا ِومن‬
‫على ا�ستح�ضار َهدي النبي ‪ - -‬واعرف َن ح َّق ذلك‬
‫و َق ْدره‪ ،‬فقد َخ ّ�ص ُك ّن الله بال َعي�ش مع نب ّيه ‪ - -‬ف�ضل ًا‬
‫منه ونعم ًة‪ ،‬واحذر َن مخالف َة الل ِه �سبحانه ف إ� ّنه خبي ٌر‬

‫با ألحوال لا يخفى عليه‪� ‬شيء‪.‬‬

‫‪َ ٣٥‬ذ َكر اللهُ الن�سا َء بجان ِب الرجا ِل و َو َع َدهما‬
‫بوحدة الجزاء عند اتحاد العمل ر ْفع ًا ل�ش أ�نه ّن‪ ،‬ولكي‬
‫لا َيظ ّن �أح ٌد أ�نه َّن َي ْختلف َن عن الرجال في �شيء من‬
‫ذلك‪ ،‬فب ّي �سبحانه أ� ّن الذين �أ�س َلموا لله واللاتي �أ�س َل ْم َن‬
‫انقياداً ألحكامه قول ًا وفعل ًا‪ ،‬والم�ص ّدقين بما جاء ِمن‬

‫‪422‬‬

‫اللهُ �إ ّياها‪ ،‬لئلا يكون على الم�ؤمنين حر ٌج إ�ذا تزوج‬ ‫‪ 36‬لا ي�ستقيم اجتما ُع ا إليما ِن وعد ِم الر�ضا بحكم الله‬
‫�أحدهم مطلق َة َمن تب َّناه بعد انق�ضا ِء ع َّدتها‪ ،‬وك ُّل �أم ٍر‬ ‫ور�سوله في قلب م ؤ�م ٍن ولا م�ؤمن ٍة‪ ،‬فلا اختيا َر لمخلو ٍق‬
‫فيما حكم به الخالق �سبحانه‪ ،‬والنب ُّي ‪ - -‬يحكم‬
‫�أراده الله فهو كائ ٌن لا َمحالة‪.‬‬ ‫ب ُحكم الله تعالى‪ ،‬و َم ْن رف�ض حك َمه كفر‪ ،‬و َم ْن َك ِره دون‬
‫رف�ٍض انحر َف عن عمل �أهل ا إليمان انحراف ًا ب ّين ًا �شديداً‪.‬‬
‫‪ 38‬ما كان على النبي ت�ضيي ٌق �أو َلو ٌم فيما َق َ�سم الله‬
‫له فهذه �ُس ّنة الله وعادته في أ�نبيائه ال�سابقين وقد ق َّدر‬ ‫‪ 37‬و�إذ تقو ُل ‪ -‬أ�يها الر�سول‪ -‬للذي �أَنعم‪ ‬الله‬
‫طلا َق زينب زو ِج ُمتب َّنى النبي ‪ ‬كما ق ّدر زواجها‬
‫ِم ْن نبيه ‪ - -‬وما �أ َم َر به الله فهو ق�ضا ٌء �ساب ٌق في علمه‬ ‫عليه بالإ�سلام و�أنعم َت عليه با إلعتاق ‪ -‬وهو زيد‪ ‬بن‬
‫حارثة‪ :-‬أ�م�س ْك علي َك زوج َك زين َب بنت َج ْح�ش فلا‬
‫ال‪َ  ‬م َّرد له‪.‬‬ ‫تط ِّل ْقها‪ ،‬وا َّت ِق الله في أ�مرها‪ ،‬وا�صبر على ما َب َد َر منها‬
‫في حقك‪ .‬تقول ‪ -‬يا ر�سول‪ ‬الله‪ -‬ذلك له وتخفي في‬
‫‪ 39‬وقد رفع الله الحر َج عن أ�نبيائه إ�ذ هم لا ي أ�تون‬ ‫نف�سك ا أل ْم َر الذي َأ�ع َلمك اللهُ أ�نه �سيظهره‪ ،‬أ�ن زيداً‬
‫ب�شيء ِمن عندهم بل يب ِّلغون ما �أر�سلهم الله به ‪ .‬ومحم ٌد‬ ‫�سيطلق زينب وتتزوجها‪ ،‬وت�ستحي من النا�س أ�ن يقال‪:‬‬
‫‪ - -‬وا ألنبيا ُء ‪ -‬عليهم ال�سلام‪ -‬لا يتركون تبلي َغ‬
‫�شيء مما �أُر�سلوا به‪ ،‬إ�ذ هم يخ�شون الله‪ ،‬ولا يخ�شون‬ ‫تز َّو َج مطلق َة ُمتب ّناه‪ .‬والله �أحق �أن ت�ستحي منه‪ ،‬فلما‬
‫أ�حداً غير الله فلا َي ْتكون �شيئ ًا مما أُ�ر�سلوا به‪ ،‬وكفى بالله‬ ‫ق�ضى زي ٌد منها حاجته وط َّل َقها وانق�ض ْت عد ُتها ز َّوجك‬

‫ظهيراً‪ ،‬وكافي ًا للمخاوف‪.‬‬ ‫‪423‬‬

‫‪ 40‬ما كان محم ٌد أ�با �أح ٍد من رجالكم؛ �إ ْذ ك ُّل أ�بنائه‬
‫ماتوا قبل البلوغ‪ ،‬و أ�ُب ّوته لأمته ُ�أب ّوة رعاية لا ُتوجب‬
‫تحري َم النكاح‪ ،‬وهو ‪ ‬خات ُم النب ّيين‪ ،‬لا نب َّي بعده‪،‬‬
‫وكان الله بكل �شيء عليم ًا‪ ،‬فهو يعلم أ�نه َج ِدي ٌر ب َخ ْت ِم‬

‫النبوة وكيف يكون �ش�أ ُنه مع الم�ؤمنين‪ ‬وغيرهم‪.‬‬

‫‪ 42 41‬يا أ�يها الذين �آمنوا اذكروا الله ذكراً كثيراً‪،‬‬
‫فالذكر ِمن لواز ِم ا إليمان‪ ،‬وهو تهلي ٌل وتكبي ٌر وتلاو ُة‬
‫قر آ� ٍن و�صلا ٌة وعباد ٌة‪ ،‬مع المواظبة ب ُح ُ�ضور القلب‪،‬‬
‫و�َس ِّبحوا الله‪ ،‬في �أول النهار و آ�خره‪ .‬والت�سبي ُح هو تنزيه‬

‫الله عن كل نق�ص‪ ،‬وهو ِذ ْك ٌر لك ْن �ُأعيد لأهميته‪.‬‬

‫‪ 43‬هو الذي ين ّز ُل عليكم رحم َته وبركاته‪ ،‬وتدعو‬
‫لكم ملائك ُته بالمغفرة والرحمة‪ ،‬ليخرجكم من ظلمات‬
‫الكفر وال�ضلال و�س ِّيئ الأعما ِل إ�لى نور الإيمان والر�شاد‪.‬‬

‫‪ 44‬تح ّي ُة الم�ؤمنين في الآخرة �سلا ٌم من الله وملائكته‪،‬‬
‫وت�أمي ٌن من العذاب و�سائ ِر المكروهات‪ ،‬و أ�ع َّد‪ ‬الله‬

‫للم ؤ�منين �أجراً كريم ًا وهو الجنة وما فيها مما ال‪َ  ‬عين ر�أ ْت‬
‫ولا �أذن �سمع ْت ولا خطر على قلب َب�َش‪.‬‬

‫‪ 45‬يا �أيها النبي �إنا �أر�سلناك �إلى النا�س بر�سالتنا َت�شهد‬
‫لمن آ�من و َع ِمل �صالح ًا و َت�شهد على َم ْن كفر وع�صى‪،‬‬

‫و ُتب�ِّش الم�ؤمن بالثواب في الجنة و ُتنذر الكافر بالنار‪.‬‬

‫‪ 46‬و أ�ر�سلناك داعي ًا إ�لى ا إليمان بالله و�صفاته وما‬
‫َ�أ ْخبر به‪ ،‬و�أن َت ‪� -‬أيها الر�سول‪� -‬إنما تدعو إ�لى الله ب�أمره‬
‫و َع ْونه إ�ذ لا َّقوة لأح ٍد إ�لا به �سبحانه‪ ،‬و�أن َت فيما تدعو‬
‫�إليه قدو ٌة كالم�صباح المنير ُتر�شد بقولك و ِفعلك‪ ،‬وتد ُّل‬

‫النا�س على طريق الحق ‪.‬‬

‫ُح َي ّي و ُجويرية بنت الحارث ر�ضي الله عنهما �أعتقهما‬ ‫‪ 47‬ث ّم أ�مر الله نب َّيه ‪ ‬أ�ن يب�شر الم�ؤمني َن بالثواب‬
‫‪ ‬وتزوج بهما‪ -‬و أ�حللنا ل َك أ�ن تتزوج بنا ِت ع ّمك‬ ‫العظيم‪ ،‬وبما خ َّ�صهم به �سبحانه من العفو عن ال�سيئات‬
‫وبنا ِت ع ّماتك وبنات خالك وبنات خالاتك اللاتي‬
‫هاجرن ف ُك َّن معك في دار الهجرة‪ ،‬وكذلك �أَ ْح َل ْلنا لك‬ ‫وم�ضاعفة الح�سنات‪.‬‬
‫ك َّل امر�أ ٍة م ؤ�منة �إ ْن وهب ْت نف َ�سها لك ‪ -‬أ�يها النبي‪ -‬بلا‬
‫َمه ٍر إ� ْن أ�رد َت �أن تتزوجها‪ ،‬وهذه خال�صة لك َو ْحدك‬ ‫‪ 48‬كان النبي ‪ ‬لا يطيع الكافري َن والمنافقين‪ ،‬ف أَ� َم َره‬
‫من دون الم�ؤمنين‪ ،‬فلا تح ُّل لهم هذه ال ِه َب ُة‪ ،‬بل لاب ّد من‬ ‫الله أ�ن َي ُدوم على ذلك ولا ُيبالي ب�إيذائهم له‪ ،‬و أ�ن َي ْع َتمد‬
‫ال َع ْقد والمهر في الزواج‪ .‬قد َع ِلمنا ما فر�ضنا عليهم من‬ ‫على‪ ‬الله وحده في ر ِّد أ�ذاهم عليهم وفي ك ِّل �أم ٍر �أهمه‪،‬‬
‫الح ّق في �ش�أن �أزواجهم وما ملك ْت أ�يما ُنهم‪ ،‬وقد �أحللنا‬
‫لك ما َذ َكرنا لكي لا يكون عليك ت�ضيي ٌق في هذا الأمر‪،‬‬ ‫وهو كافيه ولا كاف َي غيره ف إ� ّنه متك ِّفل بذلك‪.‬‬
‫وكان الله غفوراً لمن وقع في الحرج ِم ْن عباده‪ ،‬رحيم ًا‬
‫‪ 49‬يا أ�يها الذين آ�منوا �إذا َع َق ْدتم على الم�ؤمنات ثم‬
‫بالتو�سعة‪ ‬عليهم‪.‬‬ ‫طلقتموهن قبل الـ َم�سي�س والمبا�َشة‪ ،‬فلي�س لكم عليهن‬
‫ح ُّق العد ِة‪ ،‬ف َم ِّتعوهن على َق ْدر ُع�سركم و ُي�سركم‪،‬‬
‫‪424‬‬
‫وفارقوه ّن ب�إح�سان ِم ْن غير ت�ضييق �أو َمن ِع ح ٍّق‪.‬‬

‫‪ 50‬يا �أيها النبي �إنا �أحللنا لك �أزواجك اللاتي �آتيت‬

‫مهو َرهن‪ ،‬و أ�حللنا لك ما ملكت يمي ُنك من الإماء مما‬
‫�أفاء الله عليك ‪ -‬ومما �أفاء الله على نبيه‪� :‬صف ّي ُة بنت‬

‫أ�ن ُتطلقهن لتتزوج غيرهن بدل ًا منهن‪ ،‬ولو �أعجبك‬

‫ُح�ْس ُن غي ِرهن‪ ،‬لكن يح ُّل لك ما ملك ْت يمي ُنك‪ ،‬والله‬
‫م َّطلع على كل �شيء‪ ،‬لا يخفى عليه �شيء من �أمر العباد‪.‬‬

‫‪ 53‬يا أ�يها الذين �آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إ�لا إ�ذا‬ ‫‪ 51‬و ِمن َر ْح َمته أ�نه و�َّسع عليك ‪ -‬يا ر�سول الله‪ -‬في‬
‫�أمر ن�سائك ف�أ ِذ َن لك �أن ت ؤ� ِّخـر َم ْن ت�شـاء منهن؛ فلا‬
‫َ�أ ِذ َن لكم �إلى طعام‪ ،‬ف�إذا �أذن لكم فادخلوا في الوقت‬ ‫تجعل لها ِق�سم َة ا أليام بينهن‪ ،‬و ُت ؤ�وي �إليك َم ْن ت�شاء‬
‫منهن فتجعل لها ح ّظ ًا‪ ،‬و َم ْن �أردتها من اللاتي َع َز ْلتهن‬
‫المنا�سب‪ ،‬ولا ت أ�توا مب ّكرين تنتظرون ُن ْ�ض َج الطعام‪،‬‬ ‫عن ال ِق�سمة فلا ُجناح عليك في ذلك‪ ،‬وهذا �أقرب �إلى‬
‫ولكن �إذا ُدعيتم �إلى الدخول فادخلوا‪ ،‬ف إ�ذا �أكلتم‬ ‫�أن َتق َّر �أعينهن ولا َيحز َّن و َير َ�ضين ك ُّلهن بما �آتيتهن �إذا‬
‫َع ِل ْمن أ� ّن‪ ‬الله هو الذي ف ّو�ض �إليك �أمر الق�سمة‪ .‬ثم ن َّبه‬
‫فاخرجوا ولا َتبقوا وقت ًا طويل ًا لي أ�ن�س بع ُ�ضكم بحديث‬ ‫الله الم�ؤمنين والم�ؤمنات على �أ َّل ُيخفوا في �أنف�سهم إ�لا ما‬
‫بع�ض ؛ لأن بقاءكم في بيته كثيراً ‪ -‬كما وقع بعد َو ِليمة‬ ‫ُير�ضي ربهم‪ :‬فهو يعلم �سبحانه ما في قلوبهم ِم ْن ح ٍب‬
‫زواجه بزينب‪ -‬كان ي�ؤذيه في�ستحيي أ�ن ُي�ص ِّر َح لكم‬ ‫أ�و ُكر ٍه و ِم ْن َمي ٍل �أو نفو ٍر‪ ،‬وكان‪ ‬الله عليم ًا بما ت�ضمر‬
‫بذلك‪ ،‬والله لا ي�ستحيي ِم ْن بيان الح ّق؛ وكذلك �إذا‬ ‫ال�صدور ِم ْن خير أ�و �شر‪ ،‬حليم ًا ال‪ ‬يعجل بعقوبة َم ْن ق ّ�ص‬
‫أ�تيتم بيو َت ن�سا ِئه و�س أ�لتموهن حاج ًة فا�س�ألوه َّن ِم ْن‬
‫خ ْلف الحجاب ال‪ ‬تنظروا �إليهن ولا َي ْنظرن �إليكم؛ ألن‬ ‫فهو َج ِدير �أن‪ُ  ‬يطاع‪.‬‬
‫ذلكم َ�أ ْن َفى للتهمة و َ�أ ْبعد للو�سو�سة عنكم وعنهن‪ ،‬ولا‬
‫يح ُّل لكم ب أ� ِّي و ْجه أ�ن ت ؤ�ذوا ر�سول الله ولا أ�ن تتزوجوا‬ ‫‪ 52‬لا َيح ُّل لك ‪� -‬أيها النبي‪� -‬أن تنكح الن�ساء بعد‬
‫ن�ساءه ِم ْن بعده �أبداً ف إ� َّن ذلك ِم ْن كبائر ما نهى الله عنه‬ ‫ن�سائك اللاتي اختر َن اللهَ ور�سو َله والدا َر ا آلخر َة‪ ،‬ولا‬
‫ِلـ َما فيه من المنافا ِة لما يجب لنبيه ‪ ‬ح ّي ًا وم ّيت ًا ِمن‬
‫‪425‬‬
‫التعظيم لـ ُحرمته والتكريم ل�ش أ�نه‪.‬‬

‫‪� 54‬إ ْن ُتظهروا �شيئ ًا مما ي ؤ�ذي النبي ‪ - -‬أ�و تخفوه‬

‫ف�إ ّن الله كان به عليم ًا و�سيحا�سبكم عليه‪.‬‬

‫بعباده فيما ي�أمرهم‪.‬‬ ‫‪ 55‬لي�س على ن�ساء النبي إ�ِث ٌم في الظهور بلا حجاب‬
‫�أمام آ�بائهن �أو أ�بنائهن �أو إ�خوانهن �أو �أبنا ِء �إخوانهن �أو‬
‫‪َ 60‬أ� ْق�سم الله تعالى لنبيه ‪ ‬على أ�نه �إ ْن لم َينته‬ ‫أ�بنا ِء �أخواتهن �أو الن�سا ِء الم�سلمات المخت ّ�صات ب ُ�صحبتهن‬
‫المنافقون عن نفاقهم و�إيذائهم‪ ،‬وكذلك الذين في‬ ‫وخدمتهن �أو إ�مائهن‪ .‬ثم و ّجه الله تعالى ال ِخطاب �إليه َّن‬
‫قلوبهم رغب ُة التعر�ِض للم�ؤمنات ب َق ْ�صد الفجور وكذلك‬ ‫حين أ�راد تحذيرهن من التق�صير في هذا الأمر ف�أمرهن‬
‫المرجفون الذين يذيعون ا ألخبا َر الكاذب َة في المدينة ُب ْغي َة‬ ‫بالتقوى ون َّبه ُه َّن على أ�نه �شهي ٌد عليهن وعلى كل �شيء‬
‫الفتنة ون�ش ِر الا�ضطراب في قلوب الم�ؤمنين‪ ،‬لئن لم ينتهوا‬
‫عن كل ذلك ف َل ُن َح ِّر�ض ّنك على عقابهم بالقتل وال َّطر ِد‬ ‫وهو يعاقب من‪ ‬يخالفه‪.‬‬
‫حتى يخرجوا من المدينة فلا يجاورونك فيها إ�لا زمن ًا‬
‫‪َ� 56‬أخبر اللهُ عن نف�سه وملائكته أ�نهم ي�ص ُّلون على‬
‫قليل ًا يته َّي�ؤون فيه للخروج‪.‬‬ ‫النبي إ�ظهاراً ل ِع َظم ف�ضله ‪ ‬وف�ض ِل ال�صلا ِة عليه‪ ،‬و أ�مر‬
‫�سبحانه الم�ؤمنين ب أ�ن ُي�ص ّلوا عليه وي�سلموا ت�سليم ًا ‪ -‬ب�أن‬
‫‪ 61‬ويكونون مطرودين ُمبعدين عن رحمة الله‪ :‬أ�ينما‬ ‫يقولوا‪ :‬اللهم �ص ِّل على محمد و�سلم �أو نحو ذلك‪-‬‬
‫ُو ِجدوا ُِقب�َض عليهم ف ُيق َتلون قتل ًا لا َهوا َدة فيه‪.‬‬ ‫وال�صلا ُة منه �سبحانه هي الرحمة‪ ،‬و ِم ْن غيره هي دعاء‬
‫بها‪ ،‬والت�سليم في الأ�صل دعاء بال�سلامة ثم يت�ضمن َف ْو َق‬
‫‪ 62‬يفعل الله بهم ذلك ح�سب �ُس َّنته في ا ألمم ال�سابقة‪،‬‬
‫و�س َّنته لا تتبدل ولا تتخلف لا يغي ِّرها ولا َيقدر أ�ح ٌد على‬ ‫ذلك التحي َة والتعظيم‪.‬‬

‫تغييرها‪.‬‬ ‫‪� 57‬إ ّن الذين ي�ؤذون الله بكفرهم به كقولهم‪ :‬هو‬
‫ثالث ثلاثة‪ ،‬وبو�صفه بما لا يليق كقولهم‪ :‬إ�نه فقير‪،‬‬
‫‪426‬‬ ‫وي ؤ�ذون ر�سو َله ِب َقول ِة ال�ُّسوء في بع�ض ن�سائه أ�و ب أ�ي قول‬
‫أ�و فعل ُينق�ص من �ش أ�نه‪ ،‬ه�ؤلاء َط َر َدهم الله و أ�بعدهم‬
‫ِم ْن رحمته في الدارين‪ ،‬وه ّي�أَ لهم في ا آلخرة عذاب ًا ِم ْن‬

‫جن�س عملهم ي�ؤذيهم في نفو�سهم ويذلهم‪.‬‬

‫‪ 58‬ث ّم َأ� ْلـ َح َق اللهُتعالى إ�يذاء الم ؤ�منين والم�ؤمنات ب�إيذائه‬
‫و إ�يذاء ر�سوله ‪ - -‬زياد ًة في ت أ�كيد الزجر عن �أذى‬
‫الم ؤ�منين و�س ّماه ُبهتان ًا وهو الاتهام الباطل‪ ،‬و�س ّماه �إثم ًا‬
‫ُمبين ًا وهو الذن ُب الوا�ض ُح الب ِّي‪ ،‬وهذا ك ُّله حا ِ�ص ٌل إ�ذا‬
‫كان بغير اكت�ساب منهم‪ ،‬أ� ّما َم ْن أ�تى �إثم ًا ف ُأ�وذ َي ب�سببه‬
‫أ�و اعتدى َف ُر َّد عليه الاعتداء فلا �إثم في إ�يذائه ومعاقبته‪.‬‬

‫‪ 59‬يا �أيها النبي ُم ْر �أزوا َجك وبناتك وك َّل الن�ساء‬
‫الم�ؤمنات ب أ�ن َي�سترن أ�بدانهن جميعها بجلابيبهن د ْفع ًا‬
‫للفتنة و َف ْرق ًا بينهن وبين غيرهن من المتبرجات فلا‬
‫ُيتعر�ض له َّن ب�سوء‪ ،‬وكان الله غفوراً للذنوب رحيم ًا‬

‫قاد َتنا وعظماءنا في الكفر ؛ َف َ�صفونا عن طريق‪ ‬الهدى‪.‬‬

‫‪ 68‬ربنا َع ّذ ْبهم عذاب ًا م�ضاعف ًا واطردهم عن رحمتك‬
‫طرداً بعيداً‪.‬‬

‫‪ 69‬يح ِّذر تعالى الم�ؤمنين من �إيذاء نب ِّيهم ‪ ‬كي لا‬ ‫‪ 63‬ي�س�ألك النا� ُس عن ال�ساعة ‪� -‬أي وقت قيام النا�س‬
‫يكونوا ِمث َل الذين �آذوا مو�سى ِم ْن قومه �إذ َو َ�صفوه بما لا‬ ‫للح�شر والح�ساب‪ -‬ا�ستفهام ًا �أو ا�ستهزا ًء �أو اختباراً ك ٌّل‬
‫يليق به وبمقام النبوة‪ ،‬فب ّر أ�َه الله مما قالوا‪ ،‬و�أظهر َك ِذبهم‪،‬‬ ‫بح�سب ما في قلبه‪ ،‬قل‪� :‬إنما ِع ْلمها عند الله‪ ،‬لم ُي ْطل ْعك‬
‫وكان مو�سى ‪ -‬عليه ال�سلام‪ -‬عند الله ذا‪ ‬منزل ٍة عظيم ٍة‬ ‫ولم ُيطل ْع أ�حداً على وقتها‪ ،‬ولعل حدوث القيامة قريب‪.‬‬

‫ودعو ٍة مجاب ٍة‪.‬‬ ‫‪� 64‬إن الله َط َر َد الكافرين و�أب َعدهم ِم ْن رحمته و أ�ع َّد‬
‫لهم ناراً ملتهب ًة هائج ًة‪.‬‬
‫‪ 70‬يا أ�يها الذين �آمنوا احذروا عقا َب الله واجتنبوا‬
‫أ�ذى ر�سوله وك َّل ما يكره‪ ،‬وقولوا قول ًا م�ستقيم ًا‪،‬‬ ‫‪ 65‬ماكثين فيها بلا نهاية‪ ،‬لا يجدون َم ْن يدفع‬
‫قا ِ�صداً إ�لى الحق والعدل بريئ ًا ِم ْن كل انحرا ٍف أ�و ف�سا ٍد‪.‬‬ ‫عنهم العذاب‪ ،‬ولا يجدون ن�صيراً يعينهم‪ ،‬في�صرف‬

‫‪� 71‬إ ْن تفعلوا ذلك يجع ْل �أعما َلكم خال�ص ًة لوجهه‬ ‫عنهم‪ ‬العذاب‪.‬‬

‫موافقة ل�شرعه ويتقب ْلها منكم و َي ْع ُف عن �سيئاتكم‪ ،‬و َم ْن‬ ‫‪ 66‬يوم ُنق ِّلب وجو َههم و�سا ِئ َر �أج�سا ِدهم ِم ْن جه ٍة‬
‫يطع‪ ‬الله ور�سوله ب ِف ْعل ِما �أمر به و َت ْر ِك ما نهى عنه فقد‬ ‫إ�لى �أخرى في النار يتمنون لو أ�نهم كانوا قد أ�طاعوا‪ ‬الله‬

‫فاز بال�سعادة في الدارين‪.‬‬ ‫ور�سو َله ِلي َّتقوا ما هم فيه من العذاب‪.‬‬

‫‪ 72‬إ� َّنا عر�ضنا �أمان َة الخلافة والتكلي ِفعلى ال�سماوات‬ ‫‪ 67‬وقال الكافرون وهم في جهنم‪ :‬ربنا إ�نا �أطعنا‬
‫والأر�ض والجبال‪ ،‬فاخترن ا إلعفا َء منها خوف ًا ِمن ثقلها‬
‫وعد ِم القدرة على الوفاء ب َت ِبعاتها‪ ،‬و َق ِب َل الإن�سا ُن على‬
‫َ�ضعفه أ�ن يحملها غير م�شفق ِم ْن ثقلها ولا مق ّد ٍر عاقبة‬
‫التق�صير في الوفاء بحقها‪ ،‬إ�نه كان ظلوم ًا لنف�سه جهول ًا‬

‫بربه؛ لركوبه المع�صي َة وخيان ِته ما ا�ست�ؤمن عليه‪.‬‬

‫‪ 73‬و إ�نما كان َعر�ُض ا ألمان ِة وتحمي ُل الإن�سان إ� ّياها؛‬
‫ِل ُيظهر العبا ُد نياتهم بعملهم‪ ،‬فيعذب َم ْن لم َي ْقم بح ِّق‬
‫الأمانة و َتظا َهر بحملها وهم المنافقون والمنافقات‪� ،‬أو‬
‫�أعلن الكف َر والع�صيان وهم الم�شركون والم�شركات‪،‬‬
‫�أ ّما الم�ؤمنون والم�ؤمنات فيتوب الله على َم ْن ق ّ�ص منهم‬

‫و ُيح�سن جزاءه‪ ،‬ويكرم الطائ َع منهم ويرفع مقامه‪.‬‬

‫‪427‬‬

‫‪ 5‬والذين َج ُّدوا في محاولة �إبطا ِل �آياتنا التي‬ ‫‪ 1‬الحمد التا ُّم ك ُّله ُم�ست َح ٌّق لله تعالى الذي له ما‪ ‬في‬
‫أ�نزلناها ظا ِّنين أ�نهم يعجزوننا �أولئك لهم يوم القيامة‬ ‫ال�سماوات وا ألر�ض َخ ْلق ًا وم ْلك ًا‪ ،‬وا�ستحقا ُقه للحمد‬
‫�أَ ْظ َه ُر ما يكون في الآخرة حين يرى الخل ُق �أ ّل �أثر لغير‬
‫عذا ٌب �شدي ٌد‪ ‬مو ِج ٌع‪.‬‬ ‫قدرته في ت�صريف أ� ّي �شيء‪� ،‬أ ّما في الدنيا ف أ�ثرها م�ستو ٌر‬
‫‪� 6‬أ ّما الذين �أُوتوا العلم فيعلمون ِعلم اليقي ِن أ�ن‬ ‫في ا أل�سباب‪ ،‬وهو الحكيم في تدبير �ش�ؤون خلقه‪ ،‬الخبير‬
‫القر آ�ن الذي ُ�أنزل عليك هو منزل ِم ْن ربك دو َن �ش ٍّك‬
‫و�أنه ير�شد إ�لى المنهج القويم منه ِج العزي ِز الذي لا ُيغالب‪،‬‬ ‫بما في نفو�سهم ِمن �شك ٍر وجحو ٍد وخي ٍر و�ش ٍّر‪.‬‬

‫الم�ستح ِّق لكل ثنا ٍء و َح ْم ٍد‪.‬‬ ‫‪ 2‬يعلم ما يدخل في ا ألر�ض من ا ألمطار والأموات‬
‫‪ 7‬وقال الذين كفروا ببع ِث الل ِه المخلوقات‪ِ ،‬ل َيحجبوا‬
‫النا� َس عن دعوة ر�سول الله و ِل ُيظهروها في �صورة ا ألمر‬ ‫وك ِّل كبير و�صغير‪ ،‬ويعلم ما يخرج منها من النبات‬
‫الم�ستن َكر‪ :‬هل ند ُّلكم على رج ٍل يخبركم بخبر عجيب‪،‬‬
‫هو أ�نكم إ�ذا متم و َبليتم وتف ّرق ْت أ�جزا�ؤكم في الأر�ض‬ ‫والماء والمعادن وغي ِر ذلك‪ ،‬ويعلم ما ينزل من ال�سماء‬
‫ِم ْن �أمطا ٍر وخيرات و ِمن الملائكة والوحي والأقدار‪،‬‬
‫تعودون خلق ًا جديداً؟!‬ ‫ويعلم ما ي�صعد �إليها من الملائك ِة والأعمال والدعوات‬

‫‪428‬‬ ‫والأرواح‪ ،‬وهو الرحي ُم بخلقه ينزل لهم رزقهم‬
‫ومناف َعهم وينزل الوح َي على الر�سل لهدايتهم‪ ،‬وهو‬

‫الغفور لذنوبهم وتق�صيرهم في الطاعة‪.‬‬

‫‪ 3‬وقال منكرو البعث‪ :‬لا ت أ�تينا ال�ساع ُة التي ُيبعث‬
‫فيها الخلق للح�ساب‪ ،‬قل لهم ‪ -‬أ�يها الر�سول‪� :-‬إ ّن‬
‫قولكم باط ٌل و�سوف ت أ�تيكم‪ ،‬و�ُأق�سم على ذلك بربي‬

‫عال ِم الغي ِب علم ًا محيط ًا‪ ،‬لا يغيب عنه �شيء مهما �صغر‬
‫ولو كان بمقدار �أ�صغ ِر َنلة أ�و هباء ٍة �سواء كان في ال�سماء‬
‫�أو في ا ألر�ض ولا �أ�صغ ُر من ذلك ولا �أكبر‪ ،‬فما ِم ْن �شيء‬
‫منه �إلا هو م�س َّجل في كتاب ‪ -‬وهو اللوح المحفوظ‪-‬‬
‫ُي ِبين ع ّما �ُس ِّجل فيه أ�ت َّم البيان حين يريد الله ذلك؛ فهو‬

‫تعالى قاد ٌر على البعث والح�ساب‪.‬‬

‫‪� 4‬ست أ�تي ال�ساعة ليجزي الله الذين �آمنوا وعملوا‬
‫ال�صالحات جزا ًء يليق ب�إيمانهم وع ِملهم ال�صالح‪،‬‬
‫�أولئك لهم مغفرة لذنوبهم وتق�صيرهم‪ ،‬ولهم رز ٌق‬

‫َح َ�س ٌن وا�س ٌع من نعي ِم الجنة ل�صبرهم على الطاعة وعلى‬
‫اجتناب المع�صية‪.‬‬

‫�إذا َذكر اللهَ تعالى‪ ،‬وجعلنا الحدي َد في يديه ل ّين ًا ي�ش ِّكله‬ ‫‪ 8‬وقالوا‪ :‬هل اخ َتلق هذا القو َل عمداً �أم به َم� ٌّس من‬
‫كما يريد‪.‬‬ ‫الجن؟ ف أ�جابهم الله تعالى بقوله‪ :‬بل هم حين ينكرون‬

‫‪ 11‬يا داود‪ :‬ا�ص َن ْع دروع ًا مح َكم ًة وا�ضب ْط مقدا َر‬ ‫البعث و ُيك ّذبون بالآخرة واقعون ب�سبب إ�نكارهم‬
‫حلقاتها حتى تكون متنا�سب ًة متما�سك َة الن�س ِج‪ ،‬واعم ْل‬ ‫وتكذيبهم في العذاب يوم القيامة‪ ،‬وفي ال�ضلال البعيد‬
‫�أن َت و َم ْن معك عمل ًا �صالح ًا‪ ،‬فالله ب�صي ٌر بعملكم‬
‫عن الح ّق في الدنيا‪.‬‬
‫ون ّياتكم لا يخفى عليه منها �شيء ‪.‬‬
‫‪ 9‬ث ّم و َّب َخهم �سبحانه على َتركهم التد ُّب َر الهادي‬
‫‪ 12‬و�س ّخرنا ل�سليمان الري َح ت�سير به َغدا ًة ‪ -‬أ�ي ِم ْن‬ ‫�إلى الإيمان فقال‪ :‬هل عموا فلم ينظروا إ�لى ما يحيط‬
‫�أول النهار �إلى الزوال‪ -‬م�سير َة �شهر‪ ،‬و َرواح ًا ‪ -‬أ�ي ِم َن‬ ‫بهم في ال�سماء وا ألر�ض ِم ْن �آيات الله الدا َّل ِة على قدرته‪،‬‬
‫الزوال إ�لى الغروب‪ -‬م�سيرة �شهر‪ ،‬فكانت تقطع به في‬ ‫فهو إ� ْن �شاء َخ َ�س َف بهم ا ألر�َض �أو أ��سقط عليهم ِق َطع ًا‬
‫يوم واح ٍد م�سير َة �شهرين بال�سير المعتاد‪ ،‬و آ�تيناه نعم ًة‬ ‫ُمه ِلك ًة من ال�سماء؟! إ� ّن في ذلك َلدلائ َل وا�ضح ًة لك ّل‬

‫�أخرى فجعلنا له النحا�س َعين ًا �سائل ًة ي�صنع منها ما ي�شاء‪،‬‬ ‫ع ْب ٍد يتد َّبر ويريد العودة إ�لى الح ّق‪.‬‬
‫و�سخرنا له ِمن الجن َم ْن يعمل له ما ي�شاء ب إ�ذن ربه‪ ،‬و َم ْن‬
‫‪ 10‬ولقد آ�تينا داود النب ّو َة والكتاب والملك وتف�ضلنا‬
‫َي ْع ِدل منهم عن طاعته ُن ِذ ْقه ِم ْن عذاب النار‪.‬‬ ‫عليه ِمن َل ُد ّنا بزياد ٍة ف أ�مرنا الجبا َل والطير أ�ن تر ِّدد معه‬

‫‪ 13‬يعمل له الج ُّن ما يريد ِم ْن بناء الم�ساجد والق�صور‪،‬‬
‫ويعملون له تماثيل‪ ،‬وهي كل �شيء َ�ص َّورته على ِمثل هيئته‬
‫‪ -‬ولم تكن التماثيل مح ّرم ًة في �شريعتهم‪ -‬ويعملون له‬
‫ِ�صحاف ًا لطعا ِم �ضيوفه كبيرة ك ِحيا�ض الماء وقدوراً للطبخ‬
‫عظيم ًة ثابت ًة على مواقدها لا تتحرك ل�ضخامتها‪ ،‬ثم‬
‫قال الله تعالى ل�سليمان و َمن معه ِمن �آل داود‪ :‬اعملوا‬
‫يا آ�ل داود بطاعة‪ ‬الله �شكراً على �إنعامه‪ .‬و أ�خ َبهم �أ ّن‬

‫ال�شاكرين ِم ْن عباده ح َّق ال�شكر قليلون‪.‬‬

‫‪ 14‬ث ّم قال الله تعالى‪ :‬فلما قب�ضنا رو َحه لم ي�شعر الج ُّن‬
‫ولا �آ ُل داود بموته‪ ،‬وقد مات �سليمان عليه ال�سلام وهو‬

‫م َّتكئ على ع�صاه ف�أكل ْت منها داب ُة ا ألر�ض ‪ -‬وهي‬
‫ا َأل َر َ�ض ُة �آكلة الخ�شب ‪ -‬فانك�سرت الع�صا فخ َّر على‬
‫الأر�ض وعلموا أ�نه مات منذ ُم َّدة طويلة و َع ِل َم الج ُّن الذين‬
‫يزعمون ِع ْل َم الغيب �أنهم لو كانوا يعلمون الغي َب لم يبقوا‬

‫في العمل ال�شا ِّق المهين لهم بعد موته عليه ال�سلام‪.‬‬

‫‪429‬‬

‫أ�جمعين إ�لا عبادك منهم المخ َل�صين ظن ًا منه �أنهم يتبعونه‪،‬‬ ‫‪ 15‬أ�خ َ َب �سبحانه عن �شكر �آل داود ثم أ�خبر مقاب َل‬
‫فلما اتبعوه في الدنيا َ�ص َد َق عليهم ظ ُّنه في قدرته على‬ ‫ذلك عن بع�ض التاركين �شك َره وهم قبيلة �سب أ�؛ حيث‬
‫إ�غوائهم إ�لا فئ ًة من الم ؤ�منين‪ ،‬ف إ�نهم خ َّيبوا ظ َّنه بطاعتهم‬ ‫جعل لهم من �إنعامه آ�ي ًة تذ ّكر بقدرته ووحدانيته‬
‫ووجوب �شكره‪ ،‬هذه ا آلية هي ب�ساتين عن يمين وا ِديهم‬
‫لله تعالى‪.‬‬ ‫الذي ي�سكنون وعن �شماله‪ ،‬فقال لهم على ل�سان‬
‫ر�سولهم‪ :‬كلوا مما رزقكم ر ُّبكم الذي يرعاكم وا�شكروا‬
‫‪ 21‬وما كان له �أن َيقهرهم على الكفر‪ ،‬و إ�نما كان منه‬ ‫له با إليمان وا ألعمال ال�صالحة ف�أنتم في أ�ت ِّم نعمة؛ بلد ُتكم‬
‫مجرد الو�سو�سة والتزيين‪ ،‬لنعلم ‪ -‬علم ًا ظاهراً موجوداً‬
‫تقوم به الحجة‪َ -‬م ْن ي ؤ�من بيوم القيامة ممن هو منها في‬ ‫طيب ٌة وربكم‪ ‬غفو ٌر‪.‬‬
‫�ش ّك‪ ،‬ور ُّب َك ‪ -‬يا محمد‪ -‬على كل �شي ٍء حفيظ‪ ،‬لا‬
‫‪ 16‬ف�أع َر�ضوا عن طاعتنا ف�أر�سلنا عليهم �َسيل ًا مد ِّمراً‬
‫يفوته �شيء‪َ ،‬يرى أ�عمال عباده ويجازيهم‪ ‬عليها‪.‬‬ ‫ل َ�س ّدهم وب ّدلناهم بجنتيهم جنتين ُتنبتان ثمراً حام�ض ًا‬
‫‪ 22‬قل ‪ -‬أ�يها الر�سول‪ -‬للم�شركين ِمن أ�هل مكة‪:‬‬ ‫م ّراً و�شجراً �ضخم ًا بلا ثمر وهو ا ألَ ْثل‪ ،‬و ُتنبتان قليل ًا‬
‫ادعوا الذين زعمتموهم �شركا َء لله لجل ِب نف ٍع �أو دفع‬
‫ُ� ٍّض فلن يجيبوكم لأنهم لا يملكون ذر ًة مما في ال�سماء‬ ‫من �شجر ال�سدر الذي يثمر النبق‪.‬‬
‫وا ألر�ض‪ ،‬وما لهم فيهما ِم ْن �شيء‪ ،‬ولو على �سبيل‬
‫ال�ّ ِشكة‪ ،‬وما له �سبحانه ُم ِعي ٌن منهم على فعل �شيء أ�و‬ ‫‪ 17‬وقد جزيناهم ذلك الجزاء ب�سبب كفرهم‪ ،‬ولا‬
‫نجازي هذا الجزا َء إ�لا َم ْن بال َغ في إ�همال �شكر الله‪.‬‬
‫تدبير �أمر‪ ،‬فكيف يكونون �شركا َءه في الألوهية؟!‬
‫‪ 18‬و ِمن إ�نعامنا على �َس َب�ٍأ أ� ْن جعلنا بينهم وبين مدن‬
‫‪430‬‬ ‫ال�شام التي باركنا فيها بتو�سعة �أرزا ِقها و َب ْع ِث كثي ٍر من‬
‫الر�سل من أ�هلها ُمدن ًا ظاهر ًة للناظرين‪ ،‬وق ّدرنا بينها‬
‫م�ساف ًة معلومة‪ ،‬يم ُّر الم�سافر بالمدينة �أول النهار ويبلغ‬
‫الأخرى �آخره‪ ،‬وقلنا لهم‪� :‬سيروا فيها ليل ًا أ�و نهاراً في‬
‫�أمن دائم ولا تخ�شوا فيها عدواً ولا �س ُبع ًا ولا جوع ًا ولا‬
‫عط�ش ًا‪ ،‬فكان الم�سافر يقطع الم�ساف َة ِمن �أر�ِض �سب�أ �إلى‬

‫ال�شام �آمن ًا لا يحتاج إ�لى �شيء‪.‬‬

‫‪ 19‬فم ّلوا دوا َم النعمة‪ ،‬وتم َّنوا تباعد الأ�سفار ‪ -‬ب�أ ّل‬
‫يجدوا في طريقهم �إلى المدن المباركة ُقرى عامرة‪-‬‬
‫فع َّجله‪ ‬الله لهم‪ ،‬كما زال ْت النعم ا ألخرى‪ ،‬وظلموا‬
‫أ�نف َ�سهم بمع�صيتهم لله فف َّرقهم الله في البلاد والبوادي �ش َّر‬
‫تفريق و�صاروا عبر ًة يتحدث النا�س ب�ش أ�نهم‪ ،‬إ� َّن فيما‬
‫جرى لهم لدلائل ظاهرة على معاقبة الله لمن كفر نعمه‬
‫يعتبر بها ك ُّل ذي َ�صبر دائ ٍم عن المعا�صي وك ُّل �شاك ٍر‬

‫ال�شك َر الكثي َر لربه‪.‬‬
‫‪ 20‬وقد قال إ�بلي�س حين طرده الله‪ :‬فبعزتك أُلغوي َّنهم‬

‫عن �ِإجرامنا لو كنا مجرمين‪ ،‬ولا ي�س أ�لنا عن �أعمالكم‬ ‫‪ 23‬وال�شفاعة عند الله لا تكون ابتدا ًء إ�لا ممن �أَ ِذ َن له‬
‫َمهما كانت‪ ،‬فنحن ندعوكم رحم ًة لكم لا خوف ًا من‬ ‫أ�ن ي�شفع‪ ،‬ولا تنفع إ�لا َم ْن �أَذن �سبحانه بال�شفاعة له حتى‬
‫إ�ذا ك�شف اللهُ الفز َع عن قلوب الم�شفوع لهم �س أ�لوا‬
‫�ضر ِر‪� ‬ضلالكم‪.‬‬ ‫�شفعاءهم ماذا قال ربكم في �ش�أننا؟ قالوا‪ :‬قال الح َّق‪،‬‬
‫أ�ي تف ّ�ضل ربنا بقبول �شفاعتنا؛ �إ ّنه �سبحانه هو المتفرد‬
‫‪ 26‬قل لهم ‪� -‬أيها الر�سول‪� :-‬سوف َيظهر َم ْن كان‬ ‫بالعلو‪ ‬والكبرياء‪ ،‬فلا َي�شفع عنده �أحد ولا ُي�شفع ألحد‬
‫على الحق يوم القيامة إ� ْذ َيجمع بيننا ر ُّبنا ويك�شف لك ٍّل‬
‫من الفريقين حقيق َة حا ِله‪ ،‬ثم يحكم بيننا بالحق فهو‬ ‫إ�لا ب�إذنه ور�ضاه‪.‬‬
‫لا َيجور على �أحد‪ ،‬وهو الحاكم العليم بحا ِل المطيع‬
‫‪ 24‬قل ‪� -‬أيها الر�سول‪ -‬للم�شركين الذين يعبدون‬
‫والعا�صي‪.‬‬ ‫�آلهة أ�خرى‪َ :‬م ْن يرزقكم من ال�سماوات وا ألر�ض‪،‬‬
‫ثم قل لهم‪ :‬الله هو الذي يرزقكم‪ ،‬ف إ�نهم و إ� ْن �أن َك َرته‬
‫‪ 27‬قل ‪ -‬يا محمد‪ -‬للذين اتخذوا مع الله �آلهة‬ ‫أ�ل�سن ُتهم تق ُّر به قلو ُبهم‪ ،‬ثم قل لهم ‪ -‬بعد تذكيرهم‬
‫�أخرى‪� :‬أروني ه ؤ�لاء الذين أ�لحقتموهم به في العبادة؟‬ ‫بهذه الحجة الغالبة‪ :-‬إ� َّن أ�حد الفريقين ‪ -‬نحن �أو �أنتم‬
‫وذلك ل ُيظهر ُب ْع َدها عن ا�ستحقاق العبادة‪ .‬وقل لهم‪ :‬ك ّل‬ ‫في هذا الحوار‪ -‬على هدى �أو في �ضلال وا�ضح‪ .‬وهذا‬
‫‪ -‬زجراً لهم عن �إلحاق ما لي�س أ�هل ًا للعبادة بالله تعالى‪-‬‬ ‫على ِجهة التن ُّزل و َح ْم ِل المنكرين على الإذعان وا إلقرار‬
‫بل ال�ش�أ ُن الح ُّق في الوجود أ�ن الإله هو‪ ‬الله وحده‪ ،‬القاه ُر‬
‫لكل �أحد فلا يمكن �أن يكون له �شريك‪ ،‬وهو الحكيم في‬ ‫بالحجة‪.‬‬

‫تدبير الكون؛ فك ُّل ما فيه �شاه ٌد بوحدانيته‪.‬‬ ‫‪ 25‬قل لهم ‪� -‬أيها الر�سول‪� :-‬إ ّن الله لا ي�س أ�لكم‬
‫‪ 28‬وما أ�ر�سلناك ‪ -‬يا محمد‪ -‬ألم ٍة دو َن �أمة‪ ،‬بل‬
‫�أر�سلناك رحم ًة للنا�س جميع ًا‪ :‬العرب وغيرهم‪َ ،‬ب�شيراً‬ ‫‪431‬‬
‫لمن �آمن بالخير‪ ،‬ونذيراً لمن �ض َّل بحلول العذاب‪ ،‬ولك َّن‬
‫�أكثر النا�س لا يعلمون ذلك‪ ،‬لإعرا�ضهم عن التد ّبر في‬

‫أ�مور ر�سالتك‪.‬‬

‫‪ 30 29‬ويقول الكافرون لك وللم ؤ�منين على و ْج ِه‬
‫الا�ستبعاد والإنكار‪ :‬متى يكون هذا الذي تنذرنا به‬
‫و َت ِعدنا بحلوله؟! فقل لهم ‪ -‬أ�يها الر�سول‪ :-‬لكم َم ْو ِع ٌد‬
‫في يو ٍم محتو ٍم لا يمكنكم �أن تت أ�خروا عنه وقت ًا ي�سيراً ولا‬

‫�أن تتقدموا‪.‬‬

‫‪ 31‬وقال الذين كفروا عناداً منهم‪ :‬لن ن ؤ�من بهذا‬
‫القر�آن الذي ت ّدعي يا محمد أ�ن الله �أنزله‪ ،‬ولا بالكتب‬
‫التي تق ّدم ْت‪ .‬مع �أنهم ي�ؤمنون ب�إبراهيم عليه ال�سلام‪،‬‬
‫و ِلذا كان جوابه ا إلعرا�ض عنهم دون تعقيب‪ ،‬و�أنذ َر ُهم‬
‫تعالى بقوله‪ :‬ولو ترى إ�ذ الكفار الظالمون محبو�سون‬
‫في َمو�ضع الح�ساب عند ربهم يلو ُم بع ُ�ضهم بع�ض ًا؛‬
‫يقول التابعون ال�ضعفا ُء لقادتهم في الكفر‪ :‬لولا �أنكم‬

‫�صددتمونا عن اتباع الر�سول لك ّنا م�ؤمنين‪.‬‬

‫ِم ْن أ�موالهم و ُي َر ُّبون أ�ولادهم على طاعة الله‪ ،‬ف أ�ولئك‬ ‫‪ 32‬أ�جابهم الم�ستكبرون فقالوا على �سبيل ا إلنكار‪:‬‬
‫يجزون جزا ًء م�ضا َعف ًا على �أعمالهم ِمن ع�شر ِة �أ�ضعا ٍف‬ ‫أ�نحن ر َد ْدناكم عن الهدى الذي دعاكم إ�ليه محمد‬
‫�إلى ما �شاء الله من الزيادة‪ ،‬وهم في ُغرف الجنة �آمنون‬ ‫‪ - -‬بقو ٍة �أو �سلطان؟ لي�س ا ألم ُر كذلك‪ ،‬بل‬

‫فيها من العذاب‪.‬‬ ‫�أعر�ضتم عن الح ّق بر�ضاكم فكنتم مجرمين بلا إ�كراه‪.‬‬

‫‪ 38‬والذين ي�سعون في ُحججنا و آ�ي كتابنا با إلبطال‬ ‫‪ 33‬وقال ال�ضعفاء لقادتهم المتكبرين‪ :‬لي�س ا ألم ُر كما‬
‫والطعن فيها وال�ص ِّد عن �سبيل الله‪ ،‬متو ِّهمين �إفلاتهم م ّنا‬ ‫تزعمون بل الذي �ص َّدنا هو مك ُركم في الليل والنهار‬
‫وعد َم قدرتنا عليهم‪ ،‬ف أ�ولئك ُت�ضرهم الملائكة المو َّكلة‬ ‫ِل َت�صرفونا عن الحق إ�ذ كنتم ت�أمروننا أ�ن نكفر بوحدانية‬
‫الله ونجعل له �شركاء في ربوبيته‪ ،‬و�أ�س َّر الفريقان الندام َة‬
‫بهم رغم ًا عنهم في عذاب جه ّنم‪ ،‬لا يغيبون عنها‪.‬‬ ‫على كفرهم لـ ّما ر أ�وا العذا َب ووقعوا فيه‪ ،‬وجعلنا‬
‫�أطوا َق الحديد في �أعناقهم‪ ،‬فهذا جزاء الكافرين‪ ،‬وما‬
‫‪ 39‬قل ‪� -‬أيها الر�سول‪ -‬لل ّنا�س‪ :‬إ� ّن ربي هو المتف ِّ�ضل‬
‫بالرزق على خلقه فيو�ّسع على بع�ضهم وي�ض ّيق على‬ ‫جزيناهم �إلا بما ينا ِ�س ُب كف َرهم‬
‫بع�ضهم‪ ،‬و�أ ُّي �شيء من أ�رزاقكم تنفقونه فيما ير�ضيه‬
‫فهو ُي ْخ ِلفه عليكم‪ ،‬بيده الأرزا ُق و أ��سبا ُبها وهو خير‬ ‫‪ 34‬وك ّلما �أر�سلنا �إلى �أهل قري ٍة ر�سول ًا ليحذرهم‬
‫و َبا َل كفرهم انبرى كبرا ؤ�هم المترفون في وجوهم‬
‫الرازقين‪.‬‬ ‫معلنين بك ِّل عنا ٍد وجحو ٍد‪ :‬إ� ّنا بما ُأ�ر�سلتم به كافرون‪.‬‬
‫وهذه ا آلية مما ُأ�نزل ليخفف عن ر�سول الله ‪� - -‬أث َر‬
‫‪432‬‬
‫تكذيب قومه له‪.‬‬

‫‪ 35‬وقال �أولئك الزعماء المن َّعمون لر�سلهم‪ :‬نحن‬
‫مكرمون عند الله فقد َج َع َلنا �أكثر أ�موال ًا و�أولاداً‪،‬‬

‫ولذلك ال‪ ‬يمكن أ�ن نكون عنده مع َّذبين‪.‬‬

‫‪ 36‬قل لهم ‪ -‬أ�يها الر�سول‪ :-‬إ� ّن ربي يو�سع رز َقه‬
‫على َم ْن ي�شاء ِم ْن عباده أ�و يجعله محدوداً َح�ْسب‬
‫إ�رادته لا َح�ْس َب قر ِب العب ِد منه و ُبعده عنه‪ ،‬فتو�سيعه‬
‫عليكم لا يدل على أ�نكم غير مع َّذبين‪ ،‬ولك ّن أ�كثر النا�س‬
‫لا يعلمون ِحكم َة الله الحقيقية في توزيع ا ألرزاق‪،‬‬
‫فيزعمون أ� ّن الغن َّي قري ٌب من الله و أ� ّن َك ْثة ما ِله تد ُّل‬

‫على كرامته عنده‪.‬‬

‫‪ 37‬ا ألموال وا ألولاد نف ُ�سها لا ُتق ِّرب �أه َلها من‬
‫الله ُقربى‪ ،‬لكنها تق ِّرب أ�ه َل ا إليمان الذين يت�ص ّدقون‬

‫وا�ضحة الدلالة على أ�نها ِم ْن عند الله‪ -‬قالوا عن النبي‪:‬‬
‫ما هذا إ�لا رجل لا َم ِز َّية له على غيره من الرجال يريد �أن‬
‫َي�صرفكم عما كان يعبد �آبا�ؤكم من ا أل�صنام‪ ،‬وقالوا عن‬
‫القر آ�ن‪ :‬ما هذا إ� ّل َك ِذ ٌب ُمخت َل ٌق ُن�سب إ�لى الله زوراً‪،‬‬
‫وقالوا ‪ -‬مبالغ ًة في الكفر بالقر�آن‪ :-‬ما هذا إ�لا �سح ٌر ب ِّ ٌي‬
‫وا�ض ٌح‪ .‬فقال الله‪ :‬وما �أعطينا م�شركي قري�ش والعرب‬
‫ُك ُتب ًا من َّزلة من عندنا َد َر�سوها فوجدوا فيها برهان ًا على‬
‫�شركهم ف�أ�شركوا‪ ،‬ولا َب َع ْثنا �إليهم ر�سول ًا قبلك ينذرهم‬
‫بالعقاب إ�ذا تركوا ما هم عليه من ال�شرك‪ ،‬فمن �أين �أتوا‬

‫بهذا ا إل�صرار على الكفر والتكذيب؟!‬

‫‪ 45‬وقد ك َّذب ا ألقوا ُم الذين كانوا ِمن َقب ِل قومك‪ ،‬وما‬
‫بلغ قو ُمك ُع�ش َر ما �ُأعطي ا ألولون ِم ْن قوة وطو ِل عمر‪،‬‬
‫فك َّذب أ�ولئكا أل ّولونا ألنبيا َءالذين ُبعثوا إ�ليهمفعذب ُتهم‪،‬‬

‫فانظروا كيف كان إ�نكاري على َم ْن هو �أ�شد منكم‪.‬‬

‫‪ 46‬قل ‪ -‬أ�يها الر�سول‪ -‬لقومك الذين ك ّذبوك‬
‫وزعموا �أ ّنك مجنون‪ :‬ما َ�أن�ص ُحكم إ� ّل بن�صيح ٍة واحدة‪،‬‬
‫افليح ّتق�ؤمتد ٍةف؛ِّر ِقفي�إنن‪،‬كاثمنليون‬ ‫في طلب‬ ‫�أن تقوموا مخ ِل�صين‬ ‫وهي‬
‫تتفكروا‬ ‫وواحداً واحداً‪ ،‬ثم‬ ‫اثنين‬ ‫‪ 40‬واذكر ‪ -‬أ�يها الر�سول‪ -‬يو َم يجمع الله الم�شركين‬
‫ف ّكرتم كذلك وتحريتم ال�صدق لأيقنتم ا�ستحالة �أن يكون‬ ‫وما كانوا يعبدون من دونه‪ ،‬ثم يقول للملائكة‬
‫‪ -‬إ�ظهاراً لكذب الم�شركين‪ :-‬أ�ه ؤ�لاء كانوا يعبدونكم أ�م‬
‫ب�صاحبكم الذي تعرفون �صدقه وعق َله و�أمانته جنو ٌن‪،‬‬
‫وما هو �إ ّل نذي ٌر لكم يح ّذركم من عذا ٍب �شدي ٍد قريب‬ ‫كانوا يعبدون غي َركم؟‬
‫منكم‪ ،‬إ�ن َب ِقيتم على ما �أنتم عليه من التكذيب وا إل�صرار‬ ‫‪ 41‬فقال الملائكة‪ :‬نن ِّزهك يا ر َّبنا عن َأ� ْن ُيعبد معك‬
‫غي ُرك‪ ،‬بل نحن لك عابدون مطيعون‪ ،‬لا نر�ضى قول‬
‫على الكفر‪.‬‬ ‫الم�شركين الذين يزعمون �أنهم كانوا يعبدوننا‪ ،‬و إ� ّنا‬
‫كانت طاع ُتهم للج ّن الذين �أمروهم بعبادة غيرك‪ ،‬وبهم‬
‫‪ 47‬قل ‪ -‬أ�يها الر�سول‪ -‬لقومك الذين ك َّذبوك‪ :‬ما‬
‫طلبته ِم ْن ما ٍل على أ�داء ر�سالة ربي إ�ليكم فهو هب ٌة لكم‪،‬‬ ‫كانوا ي�ؤمنون‪.‬‬
‫‪ -‬والمعنى أ�ني لم أ�طلب منكم �أجراً فيحملكم ذلك على‬
‫ال�ش ّك في �صدقي‪ -‬بل �أجري لي�س �إ ّل على ربي‪ ،‬وهو‬ ‫‪ 42‬ولـ ّما قالوا ذلك وظهر كذ ُب الم�شركين‪ ،‬قال‪ ‬الله‬
‫لهم‪ :‬فاليوم ‪ -‬أ�ي يوم القيامة‪ -‬لا ينفع العابدون‬
‫�سبحانه �شهي ٌد على َخ ْلقه ك ِّلهم‪.‬‬ ‫والمعبودون بع ُ�ضهم بع�ض ًا ولا ي�ض ُّرون؛ أل َّن النف َع وال�ض َّر‬
‫ك ّله بيد الله وحده‪ ،‬ويقول الله للذين ظلموا بعبادتهم‬
‫‪ 48‬قل ‪ -‬أ�يها الر�سول‪ -‬للم�شركين‪ :‬إ� ّن ربي الله الذي‬ ‫غيره‪ :‬ذوقـوا عـذا َب ال ّنـار التي كنتم تكذبون بها‬
‫ا�ألربا�سلطنليبيكر�مشي افلباحطقيَلقتببهي‪،‬نا�إن ِهت�اسلبح ِّحقانالهذعاليـ�أ ٌموبحكاهل�إلغييَّ فٍيببيل ُاد‬
‫في‪ ‬الدنيا‪.‬‬
‫يخفى عليه �شيء في ال�سماوات ولا في الأر�ض‪.‬‬
‫‪ 44 43‬وحينما ُتتلى عليهم آ�يات القر آ�ن ‪ -‬وهي‬

‫‪433‬‬

‫ر�سل ًا بينه وبين �أنبيائه‪ ،‬وجعل لهم �أجنح ًة لي�سرعوا �إلى‬ ‫‪ 49‬قل ‪� -‬أيها الر�سول‪ :-‬جاء الح ُّق بنزول القر آ�ن‬
‫�أداء ما �أمرهم به‪ ،‬فمنهم ذوو جناحين ومنهم ذوو ثلاث ٍة‬ ‫و َه َلك الباط ُل‪ ،‬فلم َي ْب َق للباطل �شي ٌء َيبد�ؤه ويعيده‪.‬‬
‫ومنهم ذوو �أربع ٍة‪ ،‬يزيد في َخ ْلق الملائكة وغيرهم ما‬
‫‪ 50‬ولـ ّما قال الم�شركون للنبي ‪ : ‬إ�نك �ضلل َت‬
‫ي�شاء‪ ،‬فهو �سبحانه القادر الذي لا ُيعجزه �شيء‪.‬‬ ‫ب�سبب َت ْرك دين آ�بائك؛ قال له الله تعالى‪ :‬قل لهم‬
‫‪ 2‬ما ُير�سل الله لعباده ِم ْن رز ٍق وعافي ٍة وعل ٍم وغير‬ ‫إ� ْن �ضلل ُت ف�ضر ُر ذلك على نف�سي لا ي�صيبكم‪ ،‬و�إن‬
‫ذلك فلا يمكن أ�ن يمنعه أ�حد‪ ،‬وما َين ُع فلا يمكن �أن ير�سله‬ ‫اهتدي ُت إ�لى الح ِّق فب�سبب الوحي الذي ينزله إ�ليَّ ربي‪،‬‬
‫�أحد‪� ،‬سبحانه هو الغالب على ِفعل ما ي�شاء‪ ،‬الحكيم في‬ ‫فهو �سبحانه �سمي ٌع ي�سمع ما �أقول‪ ،‬قري ٌب م ِّني ومنكم‬

‫�أفعاله فلي�س منها �شيء إ�لا هو في مو�ضعه اللائق به‪.‬‬ ‫يجازي ك َّل فري ٍق بما ي�ستحق‪.‬‬
‫‪ 51‬ث ّم ذكر الله �سبحانه م�صي َرهم فقال‪ :‬ولو ترى‬
‫‪ 3‬ث ّم دعا �سبحانه عباده �إلى تذ ُّكر نعمه لي�شكروها‪،‬‬ ‫‪� -‬أيها الر�سول‪ -‬ما يعتري الك َفرة ِم ْن خو ٍف وانقبا�ض‬
‫فقال يا �أيها ال ّنا�س‪ :‬اذكروا نعمة الله عليكم هل ِم ْن خالق‬ ‫عند البعث؛ لر أ�ي َت أ�مراً فظيع ًا‪ ،‬حيث لا َم ْهرب لأح ٍد‬
‫غير الله‪ ،‬يعني لا خال َق غي َره يرزق عباده الما َء ونح َوه‬ ‫منهم ولا ملج َأ�‪ ،‬وي�سحبون جميع ًا من الـ َمح�شر �إلى‬
‫من ال�سماء‪ ،‬والنبا َت وغيره من ا ألر�ض‪ ،‬ثم خاط َب‬
‫المن�صرفين عن َتذ ُّك ِر نعمه‪ ،‬مع أ�نه لا �إله �إلا هو‪ ،‬ولا راز َق‬ ‫جهنم‪.‬‬
‫�إلا هو فقال م�ستنكراً عليهم‪} :‬ﰇﰈ{‪ ،‬يعني‬ ‫‪ 52‬وقالوا حينئ ٍذ‪� :‬آم ّنا بالقر آ�ن وما فيه‪ ،‬وكيف‬
‫يمكنهم تناو ُل التوبة حينئ ٍذ مع ُبعدها‪ ،‬بعد �أن �أعر�ضوا‬
‫ف ِم ْن أ�ين جاءكم الان�صرا ُف عن الح ِّق الذي‪ ‬جاءكم؟!‬
‫عنها في الدنيا وكانت ممكن ًة قريبة؟!‬
‫‪434‬‬ ‫‪ 53‬يفعلون ذلك مع �أنهم كفروا ِم ْن قب ُل بالنبي وبما‬
‫جاء به من الكتاب وبما ا�شتمل عليه ‪ -‬وقد كانوا في الدنيا‬
‫يرمون النب َّي بما يعلمون �أنه بعيد عنه من ال�ِّسحر والكهانة‬

‫وال�شعر فيقولون قول ًا بعيداً عن الحق وال�صواب‪.‬‬
‫‪ 54‬وقد حا َل اللهُبينهم وبين ما ي�شتهون من الانتفاع‬
‫با إليمان بعد الموت والنجا ِة من النار ودخو ِل الجنة‬
‫ح�سب �ُس َّنة الله في أ��شباههم ال�سابقين في الكفر‪ ،‬وذلك‬
‫ألنهم كانوا في �ش ٍّك ِمن �أمر الر�سول ‪� - -‬ش ّك ًا‬

‫يدعو إ�لى التردد‪ ‬والا�ضطراب ‪.‬‬

‫‪ 1‬بد�أَ اللهُتعالى ب َح ْمده تعليم ًا لعباده وتعظيم ًا لنف�سه‬
‫با�ستحقاق الحمد على بدائع َخ ْلقه‪ ،‬فقد َجعل الملائك َة‬

‫‪ 7‬ث ّم ب ّي �سبحانه م�صي َر حز ِب ال�شيطان وم�صي َر‬ ‫‪ 4‬و�إ ْن يكذبوك ‪� -‬أيها الر�سول‪ -‬في ر�سالتك فلا‬
‫الم ؤ�منين فقال‪ :‬الذين اتبعوا خدا َع ال�شيطان فكفروا‪،‬‬ ‫َتزن‪ ،‬وا�صب ْر كما �صبر �أُولو العزم من الر�سل‪ ،‬فقد‬
‫لهم يوم القيامة عذا ٌب �شديد‪ ،‬والذين خالفوه ف آ�منوا‬ ‫ُك ِّذ َب ر�سل ِم ْن قبلك كثيرون آ�تاهم الله دلائ َل وا�ضح ًة‬
‫وعملوا ال�صالحات‪ ،‬لهم مغفر ٌة لذنوبهم‪ ،‬ولهم �أج ٌر‬ ‫ومعجزات باهرة‪ ،‬و�إلى الله ترجع ا ألمور كلها‪ ،‬ومنها‬
‫�أمرك و�أمر �أولئك المكذبين‪ ،‬فيجازيك على �صبرك‬
‫كبير وهو دخول الجنة‪.‬‬
‫ويجازيهم على تكذيبهم بما ي�ستحقون‪.‬‬
‫‪ 8‬هل الذي َغ َلب هواه على عقله حتى ر�أى ما‬
‫يهواه ح�سن ًا ‪ -‬وهو في نف�سه قبيح‪ -‬كمن ر�أى الح َّق‬ ‫‪ 5‬ث ّم و َع َظهم الله تعالى لعلهم يتوبون فقال‪ :‬يا‬
‫ح�سن ًا والباطل قبيح ًا؟! لا ي�ستويان‪� ،‬إن الله يعلم رغب َة‬ ‫�أيها النا�س �إ َّن ما وعدكم الله به من الثواب والعقاب في‬
‫الفريقين ف ُي�ض ُّل منهما َم ْن ي�شاء‪ ،‬ويهدي َم ْن ي�شاء‬ ‫ا آلخرة هو ح ٌّق‪ ،‬فلا تنخدعوا ب�شهوات الحياة الدنيا‬
‫ح�سب ما علم من رغبتهما‪ ،‬فلذلك لا تهلك نف َ�سك‬ ‫وتتركوا اتباع الحق‪ ،‬ولا تنخدعوا بو ْع ِد ال�شيطان‬
‫‪ -‬أ�يها النبي‪ -‬حزن ًا و َح�سر ًة عليهم‪ ،‬إ�ن الله عليم بحقيقة‬
‫وتزيينه فهو كثير الخداع بالباطل‪.‬‬
‫ما ي�صنعون فيجازيهم‪ ‬عليه‪.‬‬
‫‪� 6‬إ ّن ال�شيطان عد ٌّو لكم فلا ت�ص ّدقوا ِخداعه‬
‫‪ 9‬ذ َّكر الله �سبحانه ال ّنا� َس بقدرته على إ�حياء الخلق‬ ‫وعا ِملوه على �أنه عدو‪ ،‬فهو لا يدعو َم ْن يتبع خطواته‬
‫للح�ساب بوا�سطة �صور ٍة تتكرر أ�مامهم فقال‪ :‬واللهُ‬ ‫�إلا �إلى الكفر والع�صيان؛ وذلك ي�ؤ ِّدي �إلى �أن يكونوا‬
‫الذي أ�ر�سل الرياح على البحر وموا�ضع الماء ف ُتح ِّر ُك‬
‫البخار فيكون �سحاب ًا في�سوقه الله تعالى �إلى أ�ر�ض ياب�سة‬ ‫من �أهل النار‪.‬‬
‫لا نبات فيها فيحييها الله ب إ�نبات الزرع بعد ما كانت‬
‫ميتة‪ ،‬كذلك لا ريب أ�ن الله قادر على بعث الأموات‬ ‫‪435‬‬

‫يوم القيامة‪.‬‬

‫‪َ 10‬من كان يريد لنف�سه الع َّز َة ف ْليط ُلبها من الله تعالى؛‬
‫لأن الع َّز َة ك َّلها له؛ و�إنما ُتطلب الع ّزة من عنده بكلم ِة‬
‫التوحيد‪ ،‬إ�ليه ي�صعد ذك ُره الط ّيب‪ِ ،‬من كلم ِة التوحي ِد‬
‫وغي ِرها‪ ،‬والعم ُل ال�صالح الذي يتق ّبله يرفعه �إليه‪ ،‬والذين‬
‫مكروا بر�سول الله المك َر ال�س ِّي َئ ِل َي ْحب�سوه �أو يقتلوه أ�و‬
‫يخرجوه لهم عذا ٌب �شديد‪ ،‬ومك ُر َم ْن كان كذلك‬

‫َي ْبطل ويزول‪.‬‬
‫‪ 11‬والله ابتد�أ خل َق أ��ص ِلكم الذي ترجعون إ�ليه جميع ًا‬
‫ِم ْن تراب‪ ،‬ثم جعل ن�س َلكم من نطفة واحدة مل َّقحة ثم‬
‫جعلكم ذكوراً و�إناث ًا لتتزاوجوا و َي�ْسكن بع ُ�ضكم إ�لى‬
‫بع�ض‪ ،‬ولا تحم ُل �أنثى ولا ت�ضع َحملها إ�لا بعلم الله‪ ،‬ولا‬
‫َيطول ُع ُم ُر �أح ٍد ولا ينق�ص �إلا وقد كتبه الله عنده في‬
‫اللوح المحفوظ‪ ،‬وهذا كله ‪ -‬مع كونه عظيم ًا‪ -‬هو على‬

‫الل ِه ي�سي ٌر‪.‬‬

‫‪ 16‬وب َّي لهم �سبحانه افتقا َرهم �إليه وغناه عنهم‬ ‫‪ 12‬وكما كانت قدر ُته تعالى في خلق ا إلن�سان عجيب ًة‬
‫ب�أنه �إ ْن �شا َء أ� ْن ُي ْفنيهم ويخ ُل َق عباداً آ�خرين يعبدونه لا‬ ‫و ِعل ُمه ب�سائر �أحواله عجيب ًا‪ ،‬كانا كذلك فيما أَ�نعم الله‬
‫عليه به كالبحرين ال َع ْذب والـ ِملح‪ ،‬فهما مختلفان‬
‫ي�شركون به �شيئ ًا َل َفع َل ذلك‪.‬‬ ‫ال‪ ‬ي�ستويان‪� ،‬أحدهما كام ُل ال ُعذوبة كام ُل ا إلرواء‪،‬‬
‫والثاني �شدي ُد الـ ُملوحة‪ ،‬ومع اختلافهما ي�أكل الإن�سان‬
‫‪ 17‬ولي�س هذا التبديل ممت ِنع ًا عليه ولا �صعب ًا عليه‪.‬‬ ‫ِم ْن ك ٍّل منهما لحم ًا ط ّري ًا وي�ستخرج النا� ُس حلي ًة يتزينون‬
‫بها‪ ،‬ويرى ا إلن�سا ُن ال�سف َن ت�ش ُّق الماء �ش ّق ًا ذا ِهب ًة را ِجع ًة‬
‫‪ 18‬ولا َتمل نف� ٌس ُمذنب ٌة ذنو َب نف� ٍس ُمذنبة أ�خرى‪،‬‬ ‫ليبتغي النا� ُس بوا�سطتها ِم ْن ف�ضل الله‪ ،‬ولعلهم ي�شكرونه‬
‫و�إ ْن تد ُع نف� ٌس قد �أثقلتها الذنو ُب نف�س ًا �أخرى لتحمل‬
‫عنها بع�ض ذلك الثقل لا َيحمل عنها أ�ح ٌد �شيئ ًا ولو‬ ‫على نعمه‪.‬‬
‫ي�سيراً‪ ،‬و�إ ْن كان الذي تدعوه ذا قراب ٍة �شديد ٍة كالابن‬
‫والأب‪ ،‬ثم قال الله تعالى لر�سوله‪� : ‬إ ّن هذا الإنذار‬ ‫‪ 13‬و ِم ْن ف�ضله �سبحانه �أنه ُيدخل اللي َل على النهار‬
‫ونح َوه لا ينتفع به �إلا الذين يخافون ر َّبهم حيث لا‬ ‫في أ�خذ �شيئ ًا من أ�جزائه‪ ،‬و ُيدخل النهار على الليل في�أخذ‬
‫يراهم أ�ح ٌد �سواه‪ ،‬و أ� َّدوا ال ّ�صلا َة بحقوقها‪ ،‬والذين ز ّكوا‬ ‫كذلك �شيئ ًا من �أجزائه‪ ،‬وذ َّل َل ال�شم� َس والقمر َي�ْس َبحان‬
‫نفو�َسهم بالإيمان والطاعة وتج ُّن ِب المع�صية‪ ،‬و إ�نما تنفع‬ ‫في َف َلكهما �إلى وق ٍت معلوم عنده‪ ،‬ذ ِلكم الذي َف َعل ك َّل‬
‫التزكي ُة �صاح َبها‪ ،‬ثم ي�صير الجميع �إلى الله دون غيره‬ ‫ما تق ّدم ِذ ْكره أل ْج ِلكم هو الله ر ُّبكم‪ ،‬له ُملك كل �شيء‬
‫وت�صريفه‪ ،‬أ� ّما الذين تدعونهم �آله ًة ِم ْن دونه فلا‪ ‬يملكون‬
‫فيكافئ ك ّ ًل بعمله‪.‬‬ ‫�أ َّي �شيء مهما كان ي�سيراً كال ِقطمير‪ .‬وهو الق�شرة الرقيقة‬

‫‪436‬‬ ‫الملفوفة على نواة‪ ‬التمر‪.‬‬

‫‪ 14‬ث ّم ب َّي الله لعابدي ا أل�صنام منتهى عجزها‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫�إنكم ‪ -‬يا عابدي ا أل�صنام‪� -‬إ ْن تدعوا ما تعبدون من‬

‫الأ�صنام لا ي�سمعوا دعاءكم لأنها جما ٌد‪ ،‬ولو �سمعوا‬
‫‪ -‬افترا�ض ًا‪ -‬ما أ�جابوا طلبكم ألنهم عاجزون لا يملكون‬

‫�شيئ ًا‪ ،‬فانتبهوا‪ ،‬ويو َم القيامة يجحدون َدعوى �أنكم‬
‫َع َبد ُتو ُهم فيتب ّر�ؤون منكم‪ ،‬وهذا ك ُّله يخبركم الله به‬

‫إ�خبا َر الخبير‪ ،‬العال ِم ب ُك ْنه ا أل�شياء وحقائقها‪.‬‬

‫‪ 15‬وبعد ما ب ّي الله ح ّق َّية ربوبيته و َز ْي َف دعوى‬
‫ربوبية الأ�صنام ذ َّكر النا� َس بحقيقتهم وهي أ�نهم فقراء‬
‫فقراً تا ّم ًا �إلى الله‪ ،‬و أ�نه غن ٌّي عنهم لا يحتاج �شيئ ًا ‪ ،‬وهو‬

‫َمحمو ٌد بذاته لا يحتاج �إلى َح ْم ِد �أحد‪.‬‬

‫�أ ّم ٍة َقبل أ�متك �إلا �َس َلف فيها ر�سو ٌل‪ ،‬يح ّذرها عقوبة الله‪.‬‬ ‫‪ 19‬وما ي�ستوي الأعمى عن الهدى وهو الكافر‪،‬‬
‫والب�صير بالهدى وهو الم�ؤمن‪.‬‬
‫‪ 25‬و�إ ْن يك ِّذبك قومك فقد ك َّذب ال�سابقون‬
‫�أنبياءهم مع أ�نه قد جاءتهم ر�سلهم بالـ ُحجج الظاهرة‪،‬‬ ‫‪ 20‬وما ت�ستوي ظلما ُت الباط ِل والكفر‪ ،‬وال‪ ‬نو ُر‬
‫وبال�صحف وبالكتب التي تنير ُطرق الهدى وتزكي‬ ‫الحق والإيمان‪.‬‬

‫القلوب وفيها المباد ُئ وا ألحكام‪.‬‬ ‫‪ 21‬ولا َب ْرد الظ ِّل و�ستره‪ ،‬ولا الح ُّر و إ�يذا ؤ�ه‪.‬‬
‫‪ 22‬وما ي�ستوي الأحياء ولا ا ألموات ‪ -‬يعني الم�ؤمنين‬
‫‪ 26‬ث ّم ع َّذب اللهُ الذين كفروا في الدنيا‪� ،‬ألم تكن‬ ‫والكفار‪ -‬إ� ّن الله يهدي قلو َب َم ْن ي�شاء بما ُي�سمعهم من‬
‫عقوبتي لهم �شديد ًة هائلة؟! فل َيحذر المك ّذبون لك‬ ‫الحق في�ستجيبون له‪ ،‬وما أ�نت ‪� -‬أيها الر�سول‪ -‬بها ٍد‬

‫يا محمد ِمثل عاقب ِة الذين ِم ْن قبلهم‪.‬‬ ‫الكفا َر الذين أ�ما َت الكف ُر قلو َبهم‪.‬‬
‫‪ 23‬ما �أنت ‪� -‬أيها الر�سول‪� -‬إ ّل ُمح ِّذ ٌر لهم ِم ْن عذاب‬
‫‪ 28 27‬ن َّبه تعالى ر�سوله ‪ ‬على دلائل قدرته‬ ‫الدنيا وا آلخرة‪ ،‬ولي�س بيدك �أن تخلق الهدى في قلوبهم‪.‬‬
‫‪ -‬وذلك على ِجهة التقرير المو َّجه إ�لى عموم المك َّلفين‪-‬‬
‫أ�نه �سبحانه �أنزل من ال�سماء ما ًء ف�أخرج به ثمرات من َّوعة‬ ‫‪� 24‬إ ّنا �أر�سلناك إ�لى العالمين بدعوة الح ِّق مب�ّشاً بالجنة‬
‫الأ�صناف وا أل�شكال‪ ،‬وكاختلا ِف الثمرات اختلا ُف‬ ‫َمن اتبعك‪ ،‬منذراً بالنار َم ْن ع�صاك ور َّد دعوتك‪ ،‬وما ِم ْن‬
‫الجبا ِل‪ ،‬فمنها ُج َد ٌد ‪ -‬أ�ي طرائق‪ِ -‬بي� ٌض و أ�خرى‬
‫ُح ْم ٌر مختل ٌف أ�لوانها‪ ،‬و�ُسو ٌد �شديدة ال�سواد‪ .‬ومن‬ ‫‪437‬‬
‫النا�س والدوا ّب وا ألنعام ‪ -‬وهي ا إلبل والبقر والغنم‪-‬‬
‫مختل ٌف أ�لوانه كذلك‪ ،‬و�إ ّنا يعل ُم ما في ذلك وغيره ِم ْن‬
‫أ��سرار القدرة والحكمة العلما ُء خا�ص ًة الذين امتلأ ْت‬
‫قلو ُبهم بخ�شية الله وخ�شية عقابه‪ ،‬إ� ّن الله عزي ٌز ال‪ُ  ‬يغالبه‬

‫أ�ح ٌد غفو ٌر لمن خافه‪.‬‬

‫‪ 29‬إ� ّن الذين ُيداومون على قراءة القر�آن‪ ،‬و أ�عطوا‬
‫ال�صلا َة ح َّقها ب أ�ن أ�دوها في وقتها و أ�ح�سنوا هيئ َتها‬
‫وخ�شوعها‪ ،‬و�أنفقوا في �سبيل الله ِم ْن أ�نواع النفقات‬
‫الواجبة والم�ست َح ّبة‪� ،‬س ّراً وعلاني ًة‪ ،‬طلب ًا لثوابه تعالى‬
‫ور�ضاه يرجون عند الله تجار ًة لن تخ�سر؛ بل هي رابح ٌة‪،‬‬

‫ُت�ضاعف الح�سن ُة فيها �أ�ضعاف ًا‪ ‬م�ضاعفة‪.‬‬

‫‪ 30‬وذلك لأنه �سبحانه يوفيهم حقو َقهم كامل ًة‬
‫ويزيدهم ما ي�شاء �إح�سان ًا منه وف�ضل ًا؛ �إذ هو غفو ٌر‬
‫يتجاوز عن العظيم ِم ْن ذنوبهم‪َ� ،‬شكو ٌر ي�ضاعف ثوا َب‬

‫القليل ِم ْن طاعاتهم‪ ،‬عظي ُم ال�شكر على طاعاتهم‪.‬‬

‫‪ 31‬وهذا القر آ�ن الذي �أوحيناه �إليك هو الح ُّق‪ ،‬وهو‬
‫م�ص ّد ٌق للكتب التي �سبقته‪ ،‬إ�ن الله محي ٌط بجميع أ�مور‬

‫عباده‪ ،‬ب�صي ٌر بظواهرهم وبواطنهم‪ ،‬عال ٌم ب�أحوالهم‪،‬‬
‫م َّطلع على ما في قلوبهم‪.‬‬

‫‪ 32‬وبعد ما �أوحينا �إليك الكتا َب أ�ورثناه الذين‬
‫ا�صطفيناهم ِمن الأمم ‪ -‬وهم أ�متك‪ -‬فبع�ُض الوارثين‬
‫مرتك ٌب ل آلثام غالب ٌة عليه‪ ،‬وبع ُ�ضهم مقت ِ�ص ٌد َخ َلط عمل ًا‬
‫�صالح ًا و�آخر �س ّيئ ًا ‪ ،‬وبع ُ�ضهم �ساب ٌق بالخيرات فاع ٌل لها‬
‫مجتن ٌب ل�سواها بتوفيق الله له‪ ،‬ذلك الا�صطفاء هو الف�ضل‬

‫الكبير الذي لا ي ُـدانيه ف�ضل‪.‬‬

‫‪ 33‬وجزاء ه ؤ�لاء الم�صط َفين هو ا إلقام ُة الدائمة في‬

‫جنات النعيم‪ ،‬يلب�سون فيها ُحل ّي ًا من الذهب ول ؤ�ل�ؤاً‬
‫وثياب ًا ناعم ًة من حرير‪.‬‬

‫عمل ًا �صالح ًا غير الذي كنا نعمله في حياتنا الدنيا‪،‬‬ ‫‪ 34‬وقالوا‪ :‬الحم ُد لله الذي أ�راحنا من الهموم ال ُّدنيوية‪،‬‬
‫ه ِّم المر�ض والرزق‪ ،‬وه ِّم الخوف من الخاتمة والمو ِت‬
‫فيجيبهم �سبحانه‪ :‬أ� َو َلـم ُنعطكم ِمن ال ُعمر ما يكفيكم‬ ‫وعذا ِب القبر وعذا ِب النار‪� ،‬إ ّن ربنا لغفو ٌر �َس َت ذنوبنا‬
‫للتذ ُّكر كما كفى المتذكرين‪ ،‬و أ�ر�سلنا �إليكم َم ْن‬
‫يح ِّذركم العذاب؟ فذوقوا العذا َب‪ ،‬فلا نا�صر ولا �شافع‬ ‫وتجاوز عنا‪� ،‬شكو ٌر تق َّب َل منا و�ضاع َف �أجر ح�سناتنا‪.‬‬
‫يومئ ٍذ للكافرين الذين ظلموا أ�نف�سهم ولم ي ؤ�دوا ح ّق الله‬
‫‪ 35‬وهو الذي أ��سكننا الجن َة وهي دار باقية‪� ،‬أه ُلها‬
‫عليهم‪.‬‬
‫خالدون فيها‪ ،‬لا يم�ُّسنا فيها َت َعب‪ ،‬ولا يم�ُّسنا فيها َ�ض ْع ٌف‬
‫‪ 38‬إ� ّن الله عالـ ٌم ك َّل غي ٍب في ال�سماوات وا ألر�ض‪،‬‬ ‫ولا إ� ْعيا ٌء‪.‬‬
‫و ِمن ُجملة ذلك أ�نه علي ٌم بما ُت�س ُّره كل ال�صدور‪.‬‬
‫‪ 36‬و أ� ّما جزاء الكافرين‪ ،‬فهو نار جهنم‪ ،‬لا ُيحكم‬
‫عليهم بالموت فيموتوا في�ستريحوا‪ ،‬ولا ُيخ َّفف عنهم‬
‫ما ا�ستو َجبوه ِم ْن عذابها‪ ،‬وبمثل ذلك الجزاء َنزي ك َّل‬
‫َم ْن �أ�ص َّر على الكفر وتجاوز الح َّد في الجحود والطغيان‪.‬‬

‫‪ 37‬وهم ي�ص ُرخون فيها ُ�صاخ ًا عظيم ًا ِمن ِ�ش َّدة‬
‫العذاب وي�ستغيثون قائلين‪ :‬ربنا أ�خرجنا منها فنعمل‬

‫‪438‬‬

‫الـ ُحجج الباهرة‪ ،‬ظهر ُبطلا ُن َز ْعمهم �أ ّن لله �شركاء‪،‬‬ ‫‪ ٣٩‬هو الذي جعلكم خلفاءه في أ�ر�ضه و َم َّكن لكم‬
‫وتب ّي أ�نهم لا َي ِع ُد بع�ضهم بع�ض ًا و َم ْن ي�صدقهم من‬ ‫فيها‪ ،‬ولذلك ف أ�نتم م�س ؤ�ولون عنده‪َ :‬م ْن َكف َر فعليه‬
‫أ�تباعهم إ� ّل وعوداً كاذب ًة خادعة‪ ،‬بزعمهم �أ ّن �أوثانهم‬ ‫�ضر ُر ُكفره يتح ّمله و ْح َده دون غيره‪ ،‬وال‪ ‬يزيد الكافرين‬
‫كف ُرهم عند ربهم إ�لا بغ�ض ًا �شديداً‪ ،‬ولا يزيدهم عند‬
‫�شفعاء لهم عند الله تعالى‪.‬‬
‫ربهم إ�لا ُبعداً وهلاك ًا ‪.‬‬
‫‪� ٤١‬إ ّن الله ُي�سك ال�سماوات وا ألر�َض بقدرته‪،‬‬
‫و َيدفع عنهما الزوا َل والفناء‪ ،‬ولئن زالتا ‪ -‬فيما لو رفع‬ ‫‪ ٤٠‬قل ‪ -‬أ�يها الر�سول‪ -‬للم�شركين‪� :‬أخ ِبوني عن‬
‫الله �إم�سا َكه لهما‪ -‬لا يم�سكهما أ�ح ٌد ِم ْن بعده‪ ،‬إ� ّنه كان‬
‫حليم ًا لا يع ّج ُل بعقوبة الكافري َن و أ�ه ِل المعا�صي‪ ،‬غفوراً‬ ‫�آلهتكم الذين تعبدونهم من دون الله‪ ،‬ماذا خلقوا من‬

‫لمن تا َب‪ ‬و آ�م َن‪.‬‬ ‫ا ألر�ض فكانوا به �شركاء لله؟ ولـ ّما كان ذلك غي َر واق ٍع‬
‫انتقل إ�لى ال�س�ؤال ع ّما هو �َأ ْبعد عن ا إلمكان فقال‪ :‬أ�م‬
‫‪ ٤٢‬و�َأق�سم م�شركو مكة َق َ�سم ًا م ؤ� َّكداً أ��ش َّد الت�أكيد‬ ‫لهم م�شارك ٌة في خلق �شيء من ال�سماوات‪� ،‬أو تدبيره؟‬
‫لئن جاءهم ر�سو ٌل ِم ْن عند الله ليكو ُن َّن أ�هدى من الأمم‬
‫ا ألخرى؛ لمعرفتهم تكذيب بني إ��سرائيل ل ألنبياء‪ ،‬فل ّما‬ ‫ولـ ّما كان ذلك غير واقع �أي�ض ًا انتقل إ�لى دلي ٍل نقل ٍّي‪،‬‬
‫جاءهم ر�سول الله ‪ - -‬ما زادهم مجي ُئه إ�لا ُبعداً عن‬ ‫ف َ�س أ�لهم �سبحانه‪� :‬إ ْن كان َأ�نزل عليهم كتاب ًا ا�ستندوا إ�لى‬
‫ُح ّجة ظاهر ٍة منه‪ ،‬ولـ ّما لم يكن لهم جوا ٌب على هذه‬
‫الحق‪ ‬وتكذيب ًا‪.‬‬

‫‪ ٤٣‬وقد َف َعلوا ذلك تعا ِلي ًا وا�ستكباراً عن اتباع الحق‪،‬‬
‫و�إمعان ًا في التدبي ِر ال�س ِّيئ والخدا ِع بالباطل‪ ،‬وما أ�دركوا‬
‫أ� ّن المكر ال�س ِّي َئ لا يقع �إلا على �أهله فيحيط بهم‪ ،‬فهل‬
‫ينتظر ه ؤ�لاء إ� ّل �ُس ّن َة الله في ال�سابقين أ�مثا ِلهم‪ ،‬وهي أَ� ْن‬
‫يجعل عاقب َة مكرهم عليهم‪ .‬و�ُس ّن ُة الله في محا�سبة خلقه‬

‫لا تتغير ولا تتحول ع ّمن أ�راد �َأ ْن تق َع عليه‪.‬‬

‫‪� ٤٤‬أ َولم ي�سيروا في الأر�ض؟ يعني قد �ساروا و�شاهدوا‬
‫�آثار ِنقم ِة الله التي ح َّلت با ألمم الكافرة كعاد وثمود‪،‬‬

‫فقد كانوا �أ�ش ّد قو ًة منهم فما نفعتهم قو ُتهم في الهرب‬

‫من العذاب‪ ،‬واللهُ لا يمكن أ�ن ُيعجزه ع ّما يريد �شي ٌء في‬
‫ال�سماوات وال‪ ‬في الأر�ض مهما كان‪ ،‬فهو علي ٌم ب�ش�ؤون‬

‫خلقه‪ ،‬قاد ٌر على �أن يفع َل بهم ما ي�شاء ‪.‬‬

‫‪439‬‬

‫‪ ٤٥‬ولو ُيع ِّجل الله العقوب َة للنا�س بذنوبهم ما ترك على‬
‫ظهر ا ألر�ض ح ّي ًا من ا ألحياء يد ُّب عليها‪ ،‬من النا�س ومما‬
‫�س َّخره لهم‪ ،‬ولكنه يعاملهم بحل ٍم في�ؤ ّخرهم �إلى يوم‬
‫القيامة‪ ،‬ف�إذا جاء ذلك الوق ُت عام َلهم بما َع ِلمه منهم‪،‬‬

‫فهو ب�صي ٌر بعباده‪ ،‬لا يخفى عليه �شيء من �أمورهم‪.‬‬

‫‪ ١٠‬و ألنهم كانوا كذلك ي�ستوي عندهم �إنذا ُرك‬ ‫‪} ١‬ﭬ{ �سب َق الكلا ُم على هذه الحروف الـ ُمق ّطعة‬
‫‪� -‬أيها الر�سول‪ -‬وعد ُم إ�نذارك‪ ،‬فهم في الحالتين لا‬ ‫في �أول البقرة‪.‬‬

‫ي ؤ�منون‪.‬‬ ‫‪�ُ ٣ ٢‬أق�سم بالقر آ�ن الحكيم‪� :‬إ ّنك ‪ -‬يا محمد‪-‬‬
‫لمن المر�سلين و إ� ْن �أنكر الجاحدون‪.‬‬
‫‪ ١١‬ولا ينتفع ب إ�نذارك �إ ّل َمن ا َّتبع ما �أُنزل إ�ليك من‬
‫لا يراه �أحد‬ ‫بميغخفار ٍةفواال�لسهَع ٍةباللغذينوببه‪،‬وبح�يِّشهث‬ ‫وكان‬ ‫القر آ�ن‬ ‫‪ ٤‬و إ� ّنك ‪� -‬أيها الر�سول‪ -‬على طري ٍق م�ستقيم‪ ،‬وهو‬
‫ب أ�ج ٍر َح�س ٍن‪،‬‬ ‫فب�ِّشه‬ ‫�سواه؛‬ ‫دين الحق الذي يو�صل �سا ِل َكه إ�لى ر�ضوان الله وجنته‪.‬‬

‫وهو دخول الجنة‪.‬‬ ‫‪ ٥‬هذا القر آ�ن الحكيم �أنزله الله الغال ُب بم�شيئ ِته‬
‫وقدرته‪ ،‬فلا يكون إ� ّل ما يريد‪ ،‬الرحي ُم الذي �َأح�سن �إلى‬
‫‪ ١٢‬ث ّم ذ َكر �سبحانه أ�نه هو الذي ُيحيي بقدرته الموتى‬
‫يوم القيامة ل ُتجزى ك ُّل نف�س بما ك�سبت‪ ،‬و أ�نه تعالى‬ ‫خلقه‪ ،‬بما �أنزل إ�ليهم من هداية القر�آن ‪.‬‬
‫يكتب �أعما َلهم التي َع ِملوها في الدنيا خي َرها و�ش َّرها‪،‬‬
‫ويكتب ما بقي له َ�أث ٌر َح�س ٌن من �أعمالهم كبناء الم�ساجد‬ ‫‪ ٦‬أَ�نزله ل ُتح ِّذر به قو َمك ِم ْن عذاب الله و�ش�ؤم‬
‫وكتابة العلم‪ ،‬أ�و َأ�ث ٌر �س ِّي ٌئ ك�ضلال الذين أ��ضلوهم‪ ،‬وقد‬ ‫معا�صيه؛ ف�إ ّن �آباءهم ا ألقربين لم ينذرهم �أح ٌد ِم ْن قبلك‬
‫أ�ح�صى �سبحانه ك َّل �شيء عملوه في كتا ٍب مبي ٍن كا�ش ٍف‬
‫ف َن َ�ش�ؤوا بعيدين عن الحق غافلين عن دين الله‪.‬‬
‫عن ك ّل �صغير ٍة وكبير ٍة‪.‬‬ ‫‪ ٧‬لقد �سبق ِع ْل ُم الله ب أ� ّن �أكثرهم ‪� -‬أي �أكثر ُكبراء‬
‫م�شركي مكة‪ -‬لا ي�ؤمنون‪ ،‬ف َح َّق عليهم قول الله تعالى‪:‬‬

‫}ﭬﭭﭮﭯﭰﭱ{‪.‬‬

‫‪� ٨‬ش َّبه الله تعالى حا َلهم في �إعرا�ضهم بقو ٍم �ُش َّدت‬
‫�أيديهم إ�لى أ�عناقهم بال�سلا�سل‪ ،‬ف�صارت ر�ؤو�سهم‬
‫مرفوع ًة ال‪ ‬ت�ستطيع �إب�صا َر دلائ ِل الحق الوا�ضحة أ�مامها‪.‬‬
‫‪ ٩‬وبا إل�ضافة إ�لى ا ألغلال هم كقو ٍم ُب ِني أ�ما َمهم‬
‫�س ٌّد و ِم ْن خلفهم �َس ٌّد ف�صارت �أب�صا ُرهم محجوب ًة فلا‬
‫يب�صرون �شيئ ًا مما ينفعهم‪ ،‬يعني �أنهم لا يرون دلائ َل‬

‫ا إليمان ولا ي�ستطيعون �سلو َك �سبيل الهدى‪.‬‬

‫‪440‬‬

‫ونخ�شى أ�ن تح َّل بنا م�صيب ٌة �إذا تركنا عبادة أ��صنامنا‪،‬‬ ‫‪ ١٣‬و َم ِّث ْل ‪ -‬أ�يها الر�سول‪ -‬لقومك مثل ًا أ��صحا َب‬
‫ف ُك ُّفوا عن دعوتكم لنا‪ ،‬و�إن لم َت ُك ّفوا فق�سم ًا لنرمي ّنكم‬ ‫القرية حين جاءها المر�سلون يدعون �أهلها إ�لى‬

‫بالحجارة‪ ،‬ول ُي�صيب ّنكم م ّنا عذا ٌب م ؤ�لـ ٌم‪.‬‬ ‫الإيمان‪ ‬بالله‪.‬‬

‫‪ ١٩‬قال لهم ال ُّر�سل‪ُ� :‬ش ؤ�مكم ب�سبب كفركم‬ ‫‪ ١٤‬فقد �أر�سل الله �إليهم اثنين فك ّذبوهما ف أ�يدناهما‬
‫و أ�عما ِلكم فهو معكم ولي�س ب�سببنا‪ ،‬أ�تقولون لنا‪} :‬ﮄ‬ ‫بثال ٍث‪ ،‬فقال ال ُّر�سل الثلاث ُة لأهل القرية‪� :‬إ ّنا �إليكم‬
‫ﮅﮆﮇ{ ألننا ذ َّكرناكم ودعوناكم إ�لى الله؟ لي�س‬
‫التذكي ُر �ش�ؤم ًا ولكنكم قوم مجاوزون الح َّد في الكفر‬ ‫مر�سلون من عند الله‪.‬‬

‫والع�صيان‪.‬‬ ‫‪ ١٥‬قال أ�ه ُل القرية لهم‪ :‬ما أ�نتم �إ ّل ب�شرٌ ِمث ُلنا ولو‬
‫كنتم مر�سلين لكان لكم �صف ٌة تميزكم عنا‪ ،‬واللهُ لم ُينزل‬
‫‪ ٢٠‬وجاء ِمن �أطراف المدينة رج ٌل م�ؤم ٌن وهو يج ُّد في‬
‫ال�َّسير‪ ،‬فقال ألهل القرية‪ :‬يا قو ِم اتبعوا ه ؤ�لاء‪ ‬المر�سلين‪.‬‬ ‫�شيئ ًا من الوحي ول�ستم مر�سلين بل �أنتم تكذبون‪.‬‬

‫‪ ٢١‬وب َّ َي لهم أ� ّن حال ه ؤ�لاء الر�سل يد ُّل على‬ ‫‪ ١٦‬قال لهم ال ُّر�سل ُم ْق�سمين م ؤ� ِّكدين �أ ّن الله �أر�سلهم‪:‬‬
‫إ�خلا�صهم‪ ،‬فهم لا ي�س�ألونكم أ�جراً فتظنوا أ�نهم‬ ‫ر ُّبنا يعلم �إ ّنا �إليكم لمر�سلون‪.‬‬
‫يدعونكم من أ�َ ْجله‪ ،‬وهم مع ذلك يقولون ال ُهدى‬
‫ويعملون به‪ ،‬والمهتدي لا يقوم �إ ّل بعم ِل َخ ْيي الدنيا‬ ‫‪ ١٧‬ولا يج ُب علينا إ� ّل �َأ ْن نب ّلغكم ر�سال َة الله بلاغ ًا‬
‫وا�ض َح الح ّجة‪.‬‬
‫وا آلخرة‪.‬‬
‫‪ ١٨‬قال لهم �أه ُل القرية‪� :‬إ ّنا َت�شاء ْمنا بكم وبدعوتكم‬
‫‪ ٢٢‬ث ّم ب َّي لهم أ� ّن ما يدعوهم إ�ليه الر�سل ح ٌّق‪ ،‬و�أ ّن‬
‫ا إلعرا�ض عن الله م�ستن َك ٌر ومخال ٌف للفطرة‪ ،‬يقول‪:‬‬ ‫‪441‬‬
‫فلا �شيء يدعوني �إلى َت ْرك عبادته‪ ،‬و�إليه �سبحانه وتعالى‬

‫المر ِجع والم آ� ُب فيجزيكم ب�أعمالكم‪.‬‬

‫‪� ٢٣‬أ�أعبد آ�له ًة غيره؟! وهذه الآلهة إ� ْن �أرادني الرحم ُن‬
‫ب�ض ٍّر لم ُت ّغن عني �شفاعتهم �شيئ ًا‪ ،‬ولا ينقذوني من ال ُّ� ّض‪.‬‬

‫‪ ٢٤‬إ� ّن �إذا فعل ُت ذلك �أكون واقع ًا في �ضلا ٍل وا�ض ٍح‬
‫لا َيخفى على �أحد‪.‬‬

‫‪ ٢٥‬إ� ّن �آمن ُت بربكم فا�سمعوا ُن�صحي‪ .‬لكنهم لم‬
‫يقبلوا ُن�صحه بل قتلوه‪.‬‬

‫‪ ٢٧ ٢٦‬فلما ُقتل ورجع إ�لى الله �شهيداً قيل له‪:‬‬
‫ا ْدخل الجن َة‪ ،‬عندها تم َّنى �أن يعلم قو ُمه ب�أ ّن الله غفر له‬

‫لإيمانه و�أك َر َمه بدخول الجنة ليرغبوا في ا إليمان‪.‬‬


Click to View FlipBook Version