The words you are searching are inside this book. To get more targeted content, please make full-text search by clicking here.

الداء والدواء ابن القيم

Discover the best professional documents and content resources in AnyFlip Document Base.
Search
Published by SAMHARI R, 2020-11-19 22:01:24

الداء والدواء ابن القيم

الداء والدواء ابن القيم

‫فإن استعان عليه بمن يستميله إليه ‪ ،‬إما برغبة أو رهبة (‪ ،)1‬تعدى‬

‫الظلم وانتشر ‪ ،‬وصار ذلك الواسطة ديوثا ظالما(‪ . )2‬وإذا كان النبي !ه‬

‫قد لعن الرائش(‪- )3‬وهو الواسطة بين الراشي والمرتشي في إيصال‬
‫الرشوة ‪ -‬فما الظن بالديوث الواسطة (‪ )4‬بين العاشق والمعشوق في‬

‫الوصلة المحرمة ؟ فيتساعد العاشق والديوث على ظلم المعشوق وظلم‬
‫غيره ممن يتوقف حصول غرضهما على ظلمه في نفس أو مال أو عرض ‪.‬‬

‫فإنه كثيرا ما يتوقف المطلوب فيه على قتل نفس تكون حياتها مانعة من‬

‫غرضه ‪ .‬فكم من قتيل طل دمه بهذا السبب من زوج وسيد وقريب ! وكم‬

‫‪،‬سص (‪)5‬‬
‫امراة على بعلها‪ ،‬وجارية وعبد على سيدهما! وقد لعن‬ ‫خببت‬

‫وغيره من طريق ليث بن أبي سليم‬ ‫(‪)99223‬‬ ‫(‪ )1‬ف‪،‬ل‪":‬برهبة "‪.‬‬
‫(‪ )2‬س‪":‬ظلما"‪،‬خطأ‪.‬‬

‫(‪ )3‬أخرجه أحمد في المسند ‪5/927‬‬

‫عن أبي الخطاب عن أبي زرعة عن ثوبان قال ‪" :‬لعن رسول الله غي! الراشي‬

‫فيه كثيرا‪.‬‬ ‫الحفظ وقد اضطرب‬ ‫والمرتشي والرائش"‪.‬‬
‫والحديث مداره على ليث وهو ضعيف‬

‫وأيضا أبو الخطاب مجهول ‪ ،‬وأبو زرعة لم يسمع من ثوبان ‪ .‬ولفظة "الرائش"‬

‫والحديث ضعفه‬ ‫لم يروها إلا ليث ‪ .‬انظر طرقه في تحقيق المسند (‪.)37/86‬‬

‫الله ع!ي! الراشي‬ ‫الحاكم والمنذري والهيثمي‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬وورد عن عبدالله بن عمرو أنه قال ‪" :‬لعن رسول‬

‫والمرتشي "‪ .‬أخرجه الترمذي (‪ )1327‬وابن الجارود (‪ )586‬وابن حبان‬
‫(‪ )7705‬والحاكم ‪ )6607( 1 15 /4‬وغيرهم ‪ .‬والحديث صححه الترمذي وابن‬

‫الجارود وابن حبان والحاكم وغيرهم‪.‬‬

‫(‪ )4‬ف ز‪" :‬الذي" مكان "الواسطة "‪.‬‬
‫(‪ )5‬ف ‪" :‬خبب"‪ .‬وخئبت ‪ ،‬أي خدعت وأفسدت ‪ ،‬كما في الحديث الذي أشار إليه‬

‫المؤلف ‪" :‬من خئب عبدا على أهله فليس منا‪ ،‬ومن أفسد امرأة على زوجها=‬

‫‪105‬‬

‫رسول الله !يم من فعل ذلك ‪ ،‬وتبرأ منه(‪ ، )1‬وهو من أكبر الكبائر‪.‬‬

‫وإذا كان النبي لمجيم قد نهى أن يخطب الرجل على خطبة أخيه ‪ ،‬أ و‬

‫يستام على سوم أخيه (‪ ،)2‬فكيف بمن يسعى في التفريق بينه وبين امرأته‬

‫من الديثة(‪ )3‬لا‬ ‫وأمته حتى يتصل بهما؟ وعشاق الصور ومساعدوهم‬

‫يرون ذلك ذنئا(‪. )4‬‬

‫فإن طلب العاشق وصل معشوقه ومشاركة الزوج والسيد ‪ ،‬ففي ذلك‬
‫من إثم ظلم الغير ما لعله لا يقصر عن إثم الفاحشة إن لم يرب( ) عليها‪.‬‬

‫ولا يسقط حق الغير بالتوبة من الفاحشة ‪ .‬فإن التوبة وإن أسقطت‬

‫العبد باقي ‪ ،‬له المطالبة به يوم القيامة ‪ .‬فإن ظلم الوالد‬ ‫الله فحق‬ ‫حق‬

‫بإفساد فلذة كبده (‪ )6‬ومن هو أعز عليه من نفسه ‪/1011 ،‬ب] وظلم الزوج‬

‫وابن حبان (‪ )4363‬والحاكم ‪331 /4‬‬ ‫فليس منا"‪.‬‬
‫(‪ )1‬ورد ذلك عند أحمد ‪)08922( 352 /5‬‬

‫(‪ )7816‬وغيرهم ‪ .‬والحديث صححه ابن حبان والحاكم ‪ .‬وورد من حديث أبي‬
‫هريرة عند أحمد (‪ )2/793‬وصححه ابن حبان والحاكم‪.‬‬

‫(‪ )2‬ز‪" :‬سومه" ‪ .‬والحديث أخرجه البخاري في البيوع ‪ ،‬باب لا يبيع على بيع أخيه‬

‫) ؛ ومسلم في النكاح ‪ ،‬باب تحريم الجمع بين المرأة‬ ‫(‪2727‬‬ ‫( ‪ ) 2 1 4 0‬وفي الشروط‬

‫وعمتها وخالتها في النكاح (‪ ) 1 4 80‬من حديث أبي هريرة رضي الله عنه‪.‬‬

‫(‪ )3‬كذا ضبط بكسر أوله في س ‪ .‬والظاهر ائه أراد جمع الدتوث ‪ ،‬ولكن لا يجمع‬

‫فيعول على فعلة ‪ .‬وفي ط المدني ‪" :‬الذيايثة"‪ ،‬وأخشى أن يكون إصلاحا من‬

‫الناشر‪ .‬وضبط في حاشية ط عبدالطاهر بفتح الدال والياء‪ ،‬يعني جمع دائث‪،‬‬
‫والدائث ليس بالدتوث ‪! ،‬انما هو فريسته‪.‬‬
‫(‪ )4‬ف ‪" :‬ديثما"‪ ،‬ولعله تصحيف‪.‬‬
‫(‪ )5‬س ‪،‬ل ‪ " :‬يربوا"‪.‬‬

‫(‪ )6‬ل ‪" :‬ولده كبده " وفي ف ‪" :‬ولده كبيرة "‪ ،‬كلاهما تحريف‪.‬‬

‫‪205‬‬

‫بإ‪ .‬د حبيبته(‪ )1‬والجناية على فراشه أوعظم من ظلمه لأخذ ماله كله(‪.)2‬‬
‫ولهذا يؤذيه ذلك أعظم مما يؤذيه أخذ ماله ‪ ،‬ولا يعدل ذلك عنده إلا‬

‫سفك دمه ‪ .‬فيا له من ظلم أعظم إثما من فعل الفاحشة!‬

‫فإن كان ذلك حالا لغاز في سبيل الله وقف له الجاني الفاعل يوم‬
‫القيامة ‪ ،‬وقيل له ‪" :‬خذ من حسناته ما شئت "‪ ،‬كما أخبر بذلك النبي لمجم‪.‬‬

‫ثم قال النبي (‪)3‬لمجم ‪" :‬فما ظنكم "(‪)4‬؟ أي فما تظنون يبقي له من حسناته؟‬

‫فإن انضاف إلى ذلك أن يكون المظلوم جارا أو ذا رحم تعدد الظلم‬

‫الجنة قاطع‬ ‫وصار ظلما مؤكدا بقطيعة الرحم وأذى الجار ‪ .‬و"لا يدخل‬

‫(‪)5‬‬

‫ولا "من لا يأمن جاره بوائقه "(‪. )6‬‬ ‫رحم"‬

‫فإن استعان العاشق على وصال معشوقه بشياطين الجن (‪- )7‬إما‬

‫بسحر أو استخدام أو نحو ذلك(‪ - )8‬ضم إلى الشرك والظلم كفر السحر‪.‬‬

‫مقصده‬ ‫فإن لم يفعله هو ورضي به كان راضيا بالكفر غير كاره لحصول‬
‫به(‪ ،)9‬وهذا ليس ببعيد من الكفر‪.‬‬

‫(‪ )1‬ف ‪" :‬وظلمه بإفساد حبيبه "‪.‬‬
‫(‪" )2‬كله" ساقط من س ‪.‬‬

‫ز‪" :‬رسول الله "‪ .‬وفي ل في الموضعين ‪" :‬رسول الله "‪)3(.‬‬
‫(‪ )4‬تقدم تخريح الحديث في ص (‪.)263‬‬

‫(‪ )5‬من حديث جبير بن مطعم رضي الله عنه ‪ .‬أخرجه البخاري في الأدب ‪ ،‬باب إثم‬

‫ومسلم في البر والصلة ‪ ،‬باب صلة الرحم ‪.)2556( 0 0 .‬‬ ‫القاطع (‪)8495‬؛‬

‫(‪ )6‬تقدم تخريجه (‪.)263‬‬
‫(‪ )7‬كلمة "الجن" ساقطة من ف ‪.‬‬

‫(‪ )8‬ما عدا س ‪" :‬ونحو ذلك"‪.‬‬

‫(‪" )9‬به" ساقط من ف ‪ ،‬ل ‪ .‬وفي ف ‪" :‬مقصوده"‪.‬‬

‫‪305‬‬

‫والمقصود أن التعاون في هذا الباب تعاون على الاثم والعدوان ‪.‬‬

‫وأما ما يقترن بحصول غرض العاشق من الظلم المنتشر المتعدي‬

‫من المعشوق ‪،‬‬ ‫له مقصوده‬ ‫ضرره ‪ ،‬فأمر لا يخفى ‪ .‬فإنه إذا حصل‬

‫فللمعشوق أغراض أخر يريد من العاشق إعانته عليها ‪ ،‬فلا يجد من إعانته‬

‫بدا ‪ ،‬فيبقى (‪ )1‬كل منهما يعين الآخر على الطلم والعدوان ‪.‬‬

‫فالمعشوق يعين العاشق على ظلم من يتصل به من أهله وأقاربه‬

‫وسيده وزوجه ‪ ،‬والعاشق يعين المعشوق على ظلم من يكون غرض‬
‫المعشوق متوقفا على ظلمه ‪ .‬فكل منهما يعين الاخر على أغراضه التي‬

‫يكون (‪ )2‬فيها ظلم الناس ‪ ،‬فيحصل العدوان والطلم للناس ‪ ،‬بسبب‬

‫اشتراكهما في القبع لتعاونهما بذلك على الطلم ‪ ،‬كما جرت العادة بين‬
‫العشاق والمعشوقين من إعانة العاشق لمعشوقه على ما فيه ظلم وبغي‬
‫وعدوان (‪ ،)3‬حتى ربما يسعى له [‪/111‬ا] في منصب لا يليق به ولا يصلح‬

‫لمثله ‪ ،‬وفي تحصيل مال من غير حله ‪ ،‬وفي استطالته على غيره ‪ .‬فإذا‬
‫اختصم معشوقه وغيره أو تشاكيا لم يكن الا في جانب المعشوق ظالما‬
‫كان أو مظلوما‪.‬‬

‫هذا إلى ما ينضم إلى ذلك من ظلم العاشق للناس بالتحيل على أخذ‬

‫أو خيانة و‬ ‫أموالهم ‪ ،‬والتوصل بها إلى المعشوق (‪ )4‬بسرقة أو غصب‬
‫أ‬

‫يمين ( ) كاذبة أو قطع طريق ونحو ذلك ‪ .‬وربما أدى ذلك إلى قتل النفس‬

‫(‪)1‬س‪":‬فبقي "‪.‬‬
‫(‪ )2‬لم يرد "يكون" في س ‪.‬‬

‫(‪ )3‬س ‪" :‬عدوان وبغي "‪.‬‬
‫(‪ )4‬س ‪" :‬معشوقه"‪.‬‬

‫(‪ )5‬ف ‪" :‬سرقة أو غضبا أو جناية أو يمينا"‪.‬‬

‫‪405‬‬

‫التي حرمها الله ليأخذ ماله ‪ ،‬يتوصل (‪ )1‬به إلى معشوقه‪.‬‬

‫فكل(‪ )2‬هذه الافات وأضعافها وأضعاف أضعافها تنشأ من عشق‬

‫الصور ‪ .‬وربما حمل على الكفر الصريح ‪ .‬وقد تنصر جماعة ممن نشأ في‬
‫الاسلام بسبب العشق ‪ ،‬كما جرى لبعض المؤذنين حين أبصر امرأة‬

‫جميلة على سطح‪ ،‬ففتن بها‪ ،‬فنزل ودخل عليها‪ ،‬وسألها نفسها‪،‬‬

‫فقالت ‪ :‬هي نصرانية ‪ ،‬فإن دخلت في ديني تزوجت بك ‪ ،‬ففعل ‪ .‬فرقي‬
‫ذلك اليوم (‪ )3‬على درجة عندهم ‪ ،‬فسقط منها(‪ ،)4‬فمات ‪ .‬ذكر هذا‬

‫في كتاب "العاقبة " له( ) ‪.‬‬ ‫عبدالحق‬

‫وإذا أراد النصارى أن ينصروا الأسير أروه امرأة جميلة ‪ ،‬وأمروها أ ن‬

‫تطمعه في نفسها‪ ،‬حتى إذا تمكن حبها من قلبه بذلت له نفسها إن دخل‬

‫في دينها ‪ .‬فهنالك ‪ ( :‬يثئت ادله الذيف ءامنوا بأتقؤل الثابت فى الحيؤة الذنيا‬

‫ويفعل النه مما يشاء ) [إبراهيم‪. ] 27 /‬‬ ‫وف الأخرة ويضل الئه الطايث‬

‫وفي العشق من ظلم كل واحد من العاشق والمعشوق (‪ )6‬لصاحبه‬
‫بمعاونته له على الفاحشة ‪ ،‬وظلمه لنفسه (‪ .)7‬فكل منهما ظالم لنفسه‬

‫(‪ )1‬ف‪":‬ليتوصل "‪.‬‬
‫(‪ )2‬ل‪":‬در "‪.‬‬

‫(‪ )3‬س ‪" :‬في ذلك اليوم " ‪ .‬وفي ف ‪" :‬الرجل" مكان "اليوم"‪.‬‬
‫(‪ )4‬لم يرد "منها" في س ‪.‬‬

‫(‪ )5‬ص (‪ .)917‬وقد تقدمت القصة مفضلة (‪.)493‬‬

‫الله بعده بين القوسين ‪" :‬ما‬ ‫رحمه‬ ‫(‪ )6‬ف ‪" :‬المعشوق والعاشق "‪.‬‬
‫(‪ )7‬زاد الشيخ محمد محيي الدين عبدالحميد‬

‫فيه"‪ ،‬لأنه ظن الجملة ناقصة ‪ .‬ثم جاءت النشرات التابعة لنشرته ‪ ،‬وحذفت‬

‫القوسينا‬

‫‪505‬‬

‫وصاحبه ‪ ،‬وظلمهما متعد إلى الغير كما تقدم ‪ .‬وأعظم من ذلك ظلمهما‬
‫بالشرك ‪ .‬فقد تضمن العشق انواع الظلم كلها‪.‬‬

‫العاشق للتلف ‪ -‬وذلك ظلم‬ ‫إذا لم يتق الله ‪ ،‬فإنه يعرض‬ ‫والمعشوق‬

‫منه ‪ -‬بأن يطمعه في نفسه ‪ ،‬وينزين له‪ ،‬ويستميله بكل طريق ‪ ،‬حتى‬

‫يستخرج منه ماله ونفعه ؛ ولا يمكنه من نفسه لئلا يزول غرضه بقضاء‬

‫‪)1( 0‬‬

‫ربما قتل معشولمحه‬ ‫سوء العذاب ‪ .‬والعاشق‬ ‫يسومه‬ ‫ه منه ‪ ،‬لمحهو‬ ‫و‬

‫ليشفي نفسه منه ‪ ،‬ولا سيما إذا جاد بالوصال لغيره ‪.‬‬

‫فكم للعشق من قتيل من الجانبين ! وكم قد أزال [‪/111‬ب] من نعمة‪،‬‬
‫وأفقر من غنى ‪ ،‬وأسقط من مرتبة ‪ ،‬وشتت من شمل ! وكم أفسد من أهل‬
‫للرجل وولد! فإن المرأة إذا رأت بعلها عاشقا لغيرها اتخذت هي معشوقا‬
‫لنفسها ‪ ،‬فيصير الرجل مترددا بين خراب بيته بالطلاق وبين القيادة ‪ .‬فمن‬

‫الناس من يؤثر هذا ‪ ،‬ومنهم من يؤثر هذا(‪.)2‬‬

‫فعلى العاقل (‪ )3‬أن لا يحكم على نفسه عشق الصور ‪ ،‬لئلا يؤديه ذلك‬

‫إلى هذه المفاسد أو أكثرها أو بعضها ‪ .‬فمن فعل ذلك فهو المفرط بنفسه‬

‫فهو الذي أهلكها ‪ .‬فلولا(‪ )4‬تكراره النظر إلى‬ ‫المغرر بها‪ ،‬فإذا هلكت‬

‫وجه معشوقه وطمعه في وصاله لم يتمكن عشقه من قلبه‪.‬‬

‫فإن أول أسباب العشق الاستحسان ‪ ،‬سواء تولد عن نظر أو سماع ‪.‬‬

‫والسطور الأولى‬ ‫(‪" )1‬منه" ساقط من ز‪ .‬وفي ف ‪" :‬وهو"‪.‬‬
‫(‪" )2‬هذا" ساقط من س ‪.‬‬

‫(‪ )3‬من هنا قارن بما جاء في فتوى في العشق (‪،)181- 018‬‬

‫منقولة منها بحروفها‪.‬‬

‫(‪ )4‬ف ‪ " :‬ولولا" ‪.‬‬

‫‪605‬‬

‫فإن لم يقارنه طمع في الوصال ‪ ،‬وقارنه الاياس من ذلك ؛ لم يحدث له‬
‫العشق ‪ .‬فإن اقترن به الطمع ‪ ،‬فصرفه عن فكره (‪ )1‬ولم يشتغل قلبه به(‪)2‬؛‬
‫لم يحدث له ذلك‪.‬‬

‫فإن أطال مع ذلك الفكر في محاسن المعشوق ‪ ،‬وقارنه خوف ما هو‬
‫أكبر عنده من لذة وصاله ‪ :‬اما خوف ديني كدخول النار‪ ،‬وغضب‬

‫الجئار‪ ،‬واحتقاب الأوزار؛ وغلب هذا الخوف على ذلك الطمع‬

‫والفكر ‪ ،‬لم يحدث له العشق‪.‬‬

‫فإن فاته هذا الخوف ‪ ،‬فقارنه خوف دنيوي ‪ ،‬كخوف تلاف (‪ )3‬نفسه‬
‫وماله ‪ ،‬وذهاب جاهه وسقوط مرتبته عند الناس ‪ ،‬وسقوطه من عين من‬

‫يعز عليه ؛ وغلب هذا الخوف لداعي العشق = دفعه‪.‬‬

‫وكذلك اذا خاف من فوات محبوب هو أحب إليه وأنفع له من ذلك‬
‫المعشوق ‪ ،‬وقدم محبته على محبة المعشوق ؛ اندفع عنه العشق‪.‬‬

‫(‪ )1‬ف ‪" :‬فصرفه فكره "‪.‬‬

‫من ل ‪.‬‬ ‫(‪ )2‬ز‪" :‬ولم يشغل ‪ ." . . .‬و"بهدا ساقط‬
‫اللغة ‪ :‬التلف ‪ .‬وقد ورد في كلام الشعراء‬ ‫(‪ )3‬مصدر تلف ‪ ،‬والمذكور في كتب‬

‫الكاتب الشاعر‬ ‫والكتاب المتأخرين ‪ ،‬ومن ذلك قول ابن زيلاق الموصلي‬

‫(‪ 066‬هـ) من قصيدة ‪:‬‬

‫على تلاف النفوس تتفق‬ ‫فيك للورى فتن‬ ‫تجمعت‬

‫وقد جمع أبو العلاء بين المصدرين في‬ ‫انظر‪ :‬فوات الوفيات (‪.)4/388‬‬
‫قوله من لزومية (‪:)2/501‬‬

‫فغاية الناس في دنياهم التلف‬ ‫من قبل التلاف به‬ ‫أمرك‬ ‫تلاف‬

‫وفي النسخ المطبوعة ‪" :‬إتلاف"‪ ،‬ولعله تغيير من بعض الناسخين أو‬

‫الناشرين‪.‬‬

‫‪705‬‬

‫فإن انتفى ذلك كله ‪ ،‬أو غلبت محبة المعشوق لذلك ؛ انجذب إليه‬
‫القلب بكليته ‪ ،‬ومالت إليه النفس كل الميل‪.‬‬

‫فإن قيل(‪ : )1‬قد ذكرتم افات العشق ومضازه ومفاسده ‪ ،‬فهلا ذكرتم‬
‫منافعه وفوائده التي من جملتها ‪ :‬رقة الطبع ‪ ،‬وترويح النفس ‪ ،‬وخفتها‪،‬‬

‫وزوال ثقلها‪ ،‬ورياضتها‪ ،‬وحملها على مكارم الأخلاق من الشجاعة‬
‫والكرم والمروءة ورقة الحاشية ولطف الجانب‪.‬‬

‫وقد(‪ )2‬قيل ليحيى بن معاذ الرازي ‪ :‬إن ابنك عشق فلانة ‪ ،‬فقال ‪:‬‬
‫الحمد لله الذي صيره إلى طبع الادمي(‪!)3‬‬

‫وقال بعضهم ‪ :‬العشق داء أفئدة الكرام (‪. )4‬‬

‫وقال غيره ‪ :‬العشق لا يصلح إلا لذي مروءة ظاهرة وخليقة طاهرة ‪،‬‬
‫أو لذي لسان فاضل وإحسان كامل ‪ ،‬أو لذي أدب بارع وحسب ناصع ( ) ‪.‬‬

‫وقال اخر‪ :‬العشق يشجع جنان الجبان ‪ ،‬ويصفي ذهن الغبي‪،‬‬
‫ويسخي كف البخيل ‪ ،‬ويذل عزة الملوك ‪ ،‬ويسكن نوافر الأخلاق (‪.)6‬‬

‫وهو أنيس من لا أنيس له ‪ ،‬وجليس من لا جليس له(‪.)7‬‬

‫(‪ )1‬من هنا إلى ص (‪ )532‬فصل طويل في فوائد العشق التي ذكرها المؤلف على‬

‫لسان المعترض ‪ ،‬ثم رذ عليه‪.‬‬

‫(‪ )2‬لم يرد "وقد" في ف ‪.‬‬
‫(‪ )3‬فتوى في العشق (‪.)178‬‬

‫(‪ )4‬المرجع السابق‪.‬‬
‫(‪ )5‬المرجع السابق‪.‬‬
‫(‪ )6‬ف ‪ " :‬الأعلاق " ‪ ،‬تحريف‪.‬‬
‫(‪ )7‬فتوى في العشق (‪ ،)917‬المصون (‪ ،)46‬بهجة المجالس (‪ ،)1/823‬روضة=‬

‫‪805‬‬

‫وقال اخر ‪ :‬العشق يزيل الأثقال ‪ ،‬ويلطف الروح ‪ ،‬ويصفي كدر‬

‫الارتياح لأفعال الكرام (‪ )1‬كما قال(‪: )2‬‬ ‫القلب ‪ ،‬ويوجب‬

‫إذا غاله من حادث الحب غائله(‪)3‬‬ ‫سيهلك في الدنيا شفيق عليكم‬

‫إذا استفهموه عن حديثك جاهله‬ ‫كريم يميت السر حتى كأنه‬

‫يود بأن يمسي سقيفا لعلها إذا سمعت عنه بشكوى تراسله‬

‫لتحمد يوما عند ليلى شمائله‬ ‫ويهتز للمعروف في طلب العلى‬

‫فالعشق يحمل على مكارم الأخلاق ‪.‬‬

‫وقال بعض الحكماء(‪ : )4‬العشق يروض النفس ‪ ،‬ويهذب الأخلاق ‪.‬‬

‫تكلفي (‪. )6‬‬ ‫إظهاره( ) طبعي ‪ ،‬وإضماره‬

‫وقال اخر ‪ :‬من لم تبتهح(‪ )7‬نفسه بالصوت الشجي والوجه البهي‪،‬‬
‫فهو فاسد المزاج ‪ ،‬محتاج إلى علاج (‪. )8‬‬

‫وأنشدوا في ذلك‪:‬‬

‫المحبين (‪.)281‬‬

‫ف ‪ " :‬لأاد البر"‪.‬‬

‫الحب "‪ .‬ز ‪" :‬في جاذب ‪ ،". . .‬ولعل‬ ‫(‪ )2‬ديوان كثير عزة (‪.)248 - 247‬‬
‫(‪ )3‬س ‪،‬ل ‪" :‬جانب الحب " ‪ .‬ف ‪" :‬جاذب‬

‫الدهر"‪.‬‬ ‫‪ .‬ورواية الديوان ‪ " :‬حادث‬ ‫كليهما تصحيف‬

‫(‪ )4‬ف ‪" :‬وقال الحكماء"‪.‬‬

‫(‪ )5‬ز‪!" :‬اظهاره "‪.‬‬
‫(‪ )6‬فتوى في العشق (‪.)917‬‬

‫(‪ )7‬ف ‪" :‬يهئح"‪.‬‬
‫(‪ )8‬نسب في المرجع السابق إلى جالينوس ‪.‬‬

‫‪905‬‬

‫فأنت وعير في الفلاة سواء(‪)1‬‬ ‫إذا أنت لم تعشق ولم تدر ما الهوى‬

‫وقا ل آخر‪:‬‬

‫فكن حجزا من جانب الصخر جلمدا(‪)2‬‬ ‫إذا أنت لم تعشق ولم تدر ما الهوى‬
‫وقال آخر‪:‬‬

‫فقم واعتلف تبنا فأنت حمار(‪)3‬‬ ‫إذا أنت لم تعشق ولم تدر ما الهوى‬

‫وقال اخر‪:‬‬

‫إذا أنت لم تعشق ولم تدر ما الهوى فما لك في طيب الحياة نصيب‬

‫وقال بعض العشاق أولو العفة والصيانة ‪ :‬عموا تشرفوا واعشقوا‬

‫تظرفوا(‪. )4‬‬

‫العشاق ‪ :‬ما كنت تصنع لو ظفرت ( ) بمن تهوى ؟‬ ‫وقيل لبعض‬

‫فقال ‪ :‬كنت(‪ )6‬أمتع طرفي بوجهه ‪ ،‬وأروح قلبي بذكره وحديثه ‪ ،‬وأستر‬

‫منه ما لا يحب كشفه ‪ ،‬ولا أصير بقبح الفعل إلى ما ينقض عهده ‪ .‬ثم‬

‫الواضح المبين (‪ .)65‬ونقله‬ ‫ذتم الهوى (‪،)603‬‬ ‫(‪ )1‬المرجع السابق (‪،)917‬‬

‫المؤلف في روضة المحبين (‪ )284‬أيضا‪.‬‬

‫(‪ )2‬للأحوص في العقد (‪ ،)61 /6‬وانظر ديوانه (‪ ،)121‬وروضة المحبين (‪.)284‬‬

‫وكذا "جانب الصخر" في جميع النسخ ‪ ،‬والرواية ‪" :‬يابس الصخر"‪.‬‬
‫(‪ )3‬هذا البيت ساقط من س ‪،‬ل ‪ .‬وانظر روضة المحبين (‪.)284‬‬

‫(‪ )4‬نقله المؤلف في روضة المحبين (‪ )281‬من قول عبدالله بن طاهر أمير خراسان‬

‫المبين (‪.)62‬‬ ‫لولده ‪ .‬وانظر ‪ :‬الواضح‬

‫ف ‪ " :‬إذا ظفرت " ‪.‬‬

‫(‪" )6‬كنت" ساقط من س ‪.‬‬

‫‪051‬‬

‫أنشد[‪/112‬ب]‪:‬‬

‫خوف الديانة لست من عشاقه (‪)1‬‬ ‫أخلو به فأعف عنه تكرما‬

‫ظمأ فيصبر عن لذيذ مذاقه (‪)2‬‬ ‫كالماء في يد صائم يلتذه‬

‫وقال إسحاق بن إبراهيم (‪ : )3‬أرواج العشاق عطره لطيفة ‪ ،‬وأبدانهم‬
‫رقيقة خفيفة ‪ ،‬نزهتهم المؤانسة ‪ ،‬وكلامهم يحيي موات القلوب ‪ ،‬ويزيد‬

‫في العقول ؛ ولولا العشق والهوى لبطل نعيم الدنيا‪.‬‬

‫وقال اخر ‪ :‬العشق للأرواج بمنزلة الغذاء للأبدان ‪ .‬إن تركته ضرك ‪،‬‬
‫وإن أكثرت منه قتلك (‪ . )4‬وفي ذلك قيل‪:‬‬

‫وفيه شقاء دائم وكروب‬ ‫خليلي إن الحب فيه لذاذة‬

‫على ذاك ما عيش يطيب بغيره ولا عيش إلا بالحبيب يطيب‬

‫ولا في نعيم ليس فيه حبيب ( )‬ ‫ولا خير في الدنيا بغير صبابة‬

‫(‪" )1‬تكرما" ساقط من ز‪ .‬وفي ت مكانه ‪" :‬من الخنا"‪ .‬وفي فتوى في العشق‬
‫(‪" :)183‬كأنني"‪ ،‬وهو أجود‪.‬‬

‫(‪ )2‬انظر القول مع الشعر في فتوى في العشق (‪.)183‬‬
‫(‪ )3‬هو إسحاق بن إبراهيم الموصلي الأديب النديم المغني المشهور المتوفى سنة‬
‫‪ 235‬هـ‪ ،‬لا الامام إسحاق بن راهويه كما في بعض طبعات الكتاب ‪ .‬انظر‬

‫منازل الأحباب (‪.)185‬‬
‫(‪ )4‬البصالر والذخائر (‪ ،) 2/168‬ومنازل الأحباب (‪. ) 185‬‬
‫(‪ )5‬منازل الأحباب (‪ ،)185‬وروضة المحبين (‪ .)281‬ونقل المؤلف البيت الثالث‬
‫في الروضة (‪ )284‬وهو في الواضح المبين (‪ .)64‬وفي ز‪" :‬بغير صيانة "‪،‬‬

‫تصحيف‪.‬‬

‫‪511‬‬

‫وذكر الخرائطي (‪ )1‬عن أبي غسان قال ‪ :‬مر أبو بكر الصديق رضي الله‬
‫عنه بجارية وهي تقول ‪:‬‬

‫متماي!ا مثل القضيب الناعم‬ ‫وهويته من قبل قطع تمائمي‬

‫فسألها ‪ :‬أحرة(‪ )2‬أنت أم مملوكة ؟ قالت ‪ :‬بل مملوكة ‪ .‬فقال ‪ :‬من‬
‫هواك (‪)3‬؟ فتلكأت ‪ ،‬فأقسم عليها(‪ ، )4‬فقالت‪:‬‬

‫قتلت بحب محمدبن القاسم‬ ‫وأنا التي لعب الهوى بفؤادها‬

‫فاشتراها من مولاها‪ ،‬وبعث بها إلى محمد بن القاسم بن جعفر بن‬

‫أبي طالب ( )‪ ،‬وقال ‪ :‬هؤلاء فتن الرجال ‪ .‬وكم ‪ -‬والله ‪ -‬قد مات بهن‬
‫كريم ‪ ،‬وعطب بهن سليم!‬

‫وجاءت عثمان بن عفان جارية تستدعي على رجل من الأنصار‪،‬‬

‫فقال لها عثمان ‪ :‬ما قصتك ؟ فقالت ‪ :‬كلفت يا أمير المؤمنين بابن أخيه‪،‬‬
‫فما أنفك أراعيه ‪ .‬فقال له عثمان ‪ :‬اما أن تهبها لابن أخيك ‪ ،‬أو أعطيك‬

‫(‪ )1‬في اعتلال القلوب (‪ )231‬من طريق علي بن الأعرابي ئنا أبو غسان النهدي‬

‫مالك بن‬ ‫ولا يثبت ‪ ،‬فإن بين النهدي ‪-‬واسمه‬ ‫قال ‪" :‬مز أبوبكر‪."...‬‬

‫إسماعيل ‪ -‬وبين أبي بكر مفاوز! فالنهدي توفي سنة ‪ 921‬وأبو بكر توفي سنة‬

‫‪( 13‬ز)‪ .‬وانظر روضة المحبين (‪ )052‬والتعليق الاتي‪.‬‬
‫(‪ )2‬ف ‪ " :‬امرأة " ‪.‬‬

‫(‪ )3‬س ‪ " :‬من هو" ‪.‬‬
‫(‪" )4‬عليها" ساقط من ف ‪.‬‬
‫(‪ )5‬وهذا دليل اخر على فساد هذا الخبر‪ .‬فليس من أولاد جعفر بن أبي طالب من‬

‫وعون ‪ .‬انظر نسب قريش (‪)08‬‬ ‫يسمى قاسما‪ .‬وإنما أولاده عبدالله ‪ ،‬ومحمد‪،‬‬
‫وجمهرة أنساب العرب (‪.)68‬‬

‫‪512‬‬

‫يا أمير المؤمنين أنها له(‪. )1‬‬ ‫ثمنها من مالي ‪ .‬فقال ‪ :‬أشهدك‬

‫(‪)2‬‬

‫لا ننكر فساد العشق الذي متعلقه فعل الفاحشة‬ ‫ونحن‬

‫بالمعشوق ‪ ،‬ومانما الكلام في العشق العفيف من الرجل الظريف الذي‬
‫يأبى له دينه وعفته ومروءته أن يفسد ما بينه وبين الله ‪ ،‬وما بينه وبين‬

‫معشوقه بالحرام ‪ .‬وهذا كعشق السلف الكرام والأئمة الأعلام ‪ .‬فهذا‬
‫عبيدالله بن عبدالله بن عتبة بن مسعود أحد الفقهاء السبعة (‪ )3‬عشق حتى‬

‫اشتهر أمره ‪ ،‬ولم ينكر عليه ‪ ،‬وعد ظالفا من لامه ‪ .‬ومن شعره (‪. )4‬‬

‫كتمت الهوى حتى أضربك الكتم ولامك أقوام ولومهم ظلم‬

‫عليك الهوى قدنم لو ينفع الكتم ( )‬ ‫فنم عليك الكاشحون وقبلهم‬

‫على إثر هند أو كمن شفه سقم(‪)6‬‬ ‫فأصبحت كالنهدي إذ مات حسرة‬

‫ألا إن هجران الحبيب هو الاثم‬ ‫تجنبت إتيان الحبيب تأنما‬

‫رشاد ألا يا ربما كذب الزعم‬ ‫فذق هجرها قد كنت تزعم أنه‬

‫وهذا عمر بن عبدالعزيز‪ ،‬عشقه لجارية فاطمة بنت عبدالملك بن‬

‫المحبين‬ ‫(‪ )1‬الواضح المبين (‪ )31‬عن امتزاج النفوس للتميمي ‪ .‬وانظر‪ :‬روضة‬

‫(‪.)521‬‬

‫(‪" )2‬ونحن" ساقط من ز‪ .‬ولا يزال الكلام مستمزا على لسان المعترض ‪.‬‬

‫(‪ )3‬توفي سنة ‪ 89‬هـ‪ .‬انطر ترجمته في سير أعلام النبلاء (‪.)4/475‬‬

‫(‪ )4‬الأبيات في الأمالي (‪ ،)2 0 /2‬ومصارع العشاق (‪ )321 /1‬وغيرهما‪.‬‬

‫الرواية ‪" :‬لو نفع النم ) ‪)5(.‬‬

‫النهدفي ‪ ،‬وهند‬ ‫عبدالله بن عجلان‬ ‫‪ .‬والمقصود‬ ‫تحريف‬ ‫ما عدا ل ‪" :‬الهندي"‪)6(،‬‬

‫زوجه ‪ .‬انظر ترجمة عبدالله في الأغاني (‪.)245 /22‬‬

‫‪513‬‬

‫مروان امرأته مشهور!لأ ‪ . )1‬وكانت جارية بارعة الجمال ‪ ،‬وكان معجبا بها‪،‬‬

‫على أن تهبها له ‪ ،‬فتأبى ‪ .‬ولم تزل‬ ‫وكان يطلبها من امرأته ويحرص‬

‫الجارية في نفس عمر‪ ،‬فلما استخلف أمرت فاطمة بالجارية‪،‬‬

‫فأصلحت ‪ ،‬وكانت مثلا في حسنها وجمالها‪ ،‬ثم دخلت على عمر‪،‬‬

‫وقالت ‪ :‬يا أمير المؤمنين إنك كنت معجبا بجاريتي فلانة ‪ ،‬وسألتنيها‬

‫فأبيت عليك ‪ ،‬والآن فقد طابت (‪ )2‬نفسي لك بها ‪ .‬فلما قالت له ذلك(‪)3‬‬

‫استبان الفرج في وجهه ‪ ،‬وقال ‪ :‬عخلي بها علي ‪ .‬فلما أدخلتها عليه ازداد‬
‫بها عجبا‪ ،‬وقال لها‪ :‬ألقي ثيابك ‪ ،‬ففعلت ‪ .‬ثم قال لها على رسلك‪،‬‬

‫أخبريني لمن كنت؟ ومن أين صرت لفاطمة ؟ فقالت ‪ :‬أغرم الحجاج‬
‫عاملا له بالكوفة مالا‪ ،‬وكنت في رقيق ذلك العامل (‪ )4‬فأخذني ‪ ،‬وبعث‬

‫بي إلى عبدالملك ‪ ،‬فوهبني لفاطمة ‪ .‬قال ‪ :‬وما فعل ذلك العامل ؟ قالت‪:‬‬

‫هلك ‪ .‬قال ‪ :‬وهل ترك ولدا؟ قالت ‪ :‬نعم ‪ .‬قال ‪ :‬فما حالهم ؟ قالت‪:‬‬

‫سيئة ‪ .‬فقال ‪ :‬شدي عليك ثيابك ‪ ،‬واذهبي إلى مكانك ‪ .‬ثم كتب إلى‬

‫عامله على العراق أن ابعث إلي فلان بن فلان على البريد ‪ .‬فلما قدم قال‬

‫لأبيك ‪ .‬فلم يرفع إليه (‪ )6‬شيئا إلا‬ ‫له( ) ‪ :‬ارفع إلي جميع ما غرمه الحجاج‬

‫(‪ )1‬أخرجه الخرائطي في اعتلال القلوب (‪( .)62- 61‬ز)‪ .‬وأخرجه ابن عساكر‬
‫في تاريخ دمشق بسنده عن الهيثم بن عدي ‪ .‬والهيثم كذاب متروك الحديث‪.‬‬
‫وانظر منازل الأحباب (‪( .)65‬ص)‪.‬‬
‫(‪ )2‬ف ‪" :‬قد طابت "‪.‬‬
‫(‪" )3‬فلما‪ . . .‬ذلك" ساقط من س ‪.‬‬
‫(‪ )4‬بعده في ف ‪" :‬قالت"‪.‬‬
‫(‪" )5‬له" ساقط من ز ‪.‬‬
‫(‪" )6‬إليه" ساقط من ف ‪.‬‬

‫‪514‬‬

‫إليه ‪ .‬ثم قال له ‪ :‬إياك وإياها ‪ ،‬فلعل‬ ‫دفعه إليه (‪ . )1‬ثم أمر بالجارية فدفعت‬

‫أباك كان ألم بها ‪ .‬فقال (‪ )2‬الغلام ‪ :‬هي لك يا أمير المؤمنين ‪ .‬قال ‪ :‬لا‬
‫حاجة لي بها‪ .‬قال ‪ :‬فابتعها مني ‪ .‬قال لست إذا ممن نهى النفس عن‬

‫الهوى ‪ .‬فلما عزم الفتى على الانصراف بها قالت ‪ :‬أين وجدك بي يا أمير‬

‫المؤمنين ؟ قال ‪ :‬على حاله ‪ ،‬ولقد زاد! ولم تزل الجارية في نفس عمر‬

‫حتى مات رحمه الله‪.‬‬

‫وهذا أبو بكر محمد(‪ )3‬بن داود الظاهري ‪ ،‬العلم (‪ )4‬المشهور في‬
‫فنون العلم من الفقه والحديث والتفسير والأدب ‪ ،‬وله قول في الفقه‪،‬‬

‫وهو من أكابر العلماء ‪ ،‬وعشقه مشهور( ) ‪.‬‬

‫عليه في مرضه الذي مات فيه ‪ ،‬فقلت ‪ :‬كيف‬ ‫قال نفطويه ‪ :‬دخلت‬

‫تجدك ؟ فقال (‪ : )6‬حب من تعلم أورثني ما ترى ‪ .‬فقلت ‪ :‬وما يمنعك من‬

‫الاستمتاع به مع القدرة عليه ؟ فقال ‪ :‬الاستمتاع على وجهين ‪ :‬أحدهما‬

‫النظر المباح ‪ ،‬والاخر اللذة المحظورة ‪ .‬فأما النطر المباح فهو الذي‬

‫أورثني ما ترى ‪ .‬وأما اللذة المحظورة فمنعني منها ما حدثني أبي ‪ ،‬حدثنا‬

‫سويد بن سعيد‪ ،‬حدثنا علي بن مسهر‪ ،‬عن أبي يحيى القتات ‪ ،‬عن‬

‫مجاهد ‪ ،‬عن ابن عباس يرفعه ‪ " :‬من عشق وكتم وعف وصبر غفر الله له‪،‬‬

‫(‪ )1‬س ‪" :‬رذه عليه "‪.‬‬

‫(‪ )2‬ف ‪" :‬اد"‪.‬‬

‫(‪ )3‬ف ‪،‬ل ‪" :‬بن محمد"‪ ،‬خطأ‪ .‬وسقط "بن داود" من ل ‪.‬‬

‫" ‪ ،‬تحريف‪.‬‬ ‫‪ " :‬العالم " ‪ .‬ز ‪ " :‬المعلم‬ ‫(‪ )4‬س‬

‫(‪ )5‬انطر ترجمته في تاريخ بغداد (‪ ،)256 /5‬وسير أعلام النبلاء (‪. ) 13/901‬‬

‫(‪ )6‬ف ‪" :‬اد"‪.‬‬

‫‪515‬‬

‫وأدخله الجنة "(‪ . )1‬ثم أنشد‪:‬‬

‫وانظر إلى دعح في طرفه الساجي (‪)2‬‬ ‫انظر إلى السحر يجري في لواحظه‬

‫كأنهن نمال دب في عاج‬ ‫وانظر إلى شعراب فوق عارضه‬

‫ثم أنشد‪:‬‬

‫ء ولا ينكرون ورد الغصون‬ ‫مالهم أنكروا سواذا بخدب‬
‫ص فعيب العيون شعر الجفون (‪)3‬‬ ‫إن يكن عيب خده بدد الش!‬

‫فقلت له ‪ :‬نفيت القياس في الفقه ‪ ،‬وأثبته في الشعر ‪ .‬فقال ‪ :‬غلبة‬
‫الوجد وملكة النفس دعوا إليه ‪ .‬ثم مات من ليلته (‪. )4‬‬

‫وبسبب معشوقه صنف كتاب "الزهرة " ‪ .‬ومن كلامه فيه( ) ‪ :‬من يئس‬

‫‪)7( 5 ،‬‬ ‫(‪)6‬‬

‫من وقته سلاه [‪/114‬ا] وذلك أن أول روعات‬ ‫يهواه ولم يمت‬ ‫ممن‬

‫اليأس (‪ )8‬تأتي القلب ‪ ،‬وهو غير مستعد لها؟ فأما الثانية فتأتي القلب‪،‬‬

‫وقد وطأته لها الروعة الأولى (‪. )9‬‬

‫(‪ )1‬انظر كلام المصنف على هذا الحديث في اخر الفصل‪.‬‬
‫(‪ )2‬س ‪ " :‬من لواحظه "‪.‬‬

‫(‪ )3‬ورد الشطر الأول في ف هكذا ‪" :‬إن يكن عيبه عيب الشعر"‪.‬‬

‫(‪.)452‬‬ ‫(‪ )4‬ف ‪" :‬في ليلته " ‪ .‬وانظر ‪ :‬تاريخ بغداد (‪.)262 /5‬‬
‫(‪ )5‬وأوله عنوان الباب الثامن والأربعين منه ‪ .‬انظر ص‬

‫(‪ )6‬ز‪" :‬تأشى بمن"‪ .‬وفي س ‪" :‬باس بمن"‪.‬‬

‫(‪ )7‬في الزهرة ‪" :‬لم يلتفت "‪ ،‬ولعل صوابه ‪" :‬لم يفتلت"‪.‬‬
‫ز ‪ " :‬التأشي " ‪ ،‬تحريف‪)8(.‬‬

‫(‪" )9‬الأولى" ساقط من س ‪ .‬وفي الزهرة ‪" :‬الأولة "‪.‬‬

‫‪516‬‬

‫والتقى هو وأبو العباس بن سريح (‪ )1‬في مجلس أبي الحسن علي بن‬
‫عيسى الوزير(‪ )2‬فتناظرا في مسألة من الايلاء‪ ،‬فقال له ابن سريح ‪ :‬أنت‬
‫بأن تقول ‪" :‬من دامت لحظاته كثرت حسراته "(‪ )3‬أحذق منك بالكلام‬

‫على الفقه!‬

‫فقال ‪ :‬لئن كان ذلك فإني أقول ‪:‬‬

‫وأمنع نفسي أن تنال محرما‬ ‫أنره في روض المحاسن مقلتي‬

‫وأحمل من ثقل الهوى ما لو انه يصب على الصخر الأصم تهدما‬

‫فلولا اختلاسي رده لتكلما(‪)4‬‬ ‫وينطق طرفي عن مترجم خاطري‬

‫رأيت الهوى دعوى من الناس كلهم فلست أرى ودا صحيخا مسلما‬

‫فقال له( ) أبو العباس بن سريح ‪ :‬بم تفخر علي؟ ولو شئت قلت‪:‬‬

‫قد بت أمنعه لذيذ سناته‬ ‫ومطاعم كالشهد في نغماته‬

‫(‪ )1‬س ‪،‬ل ‪" :‬شريح"‪ ،‬تصحيف ‪ .‬وهو أحمد بن عمر بن سريح القاضي البغدادي ‪،‬‬

‫شيخ الشافعية في وقته ‪ .‬توفي سنة ‪ 603‬هـ‪ .‬انظر ترجمته في طبقات السبكي‬

‫(‪ ،)25 /3‬وسير أعلام النبلاء (‪.)102 /14‬‬

‫علي بن عيسى بن داود بن الجزاح البغدادي ‪ ،‬من بلغاء زمانه ‪ .‬وزر‬ ‫(‪ )2‬أبوالحسن‬

‫غير مرة للمقتدر والقاهر‪ .‬توفي سنة ‪ 334‬هـ‪ .‬انظر ترجمته في معجم الأدباء‬

‫وفيه ‪" :‬من كثرت‬ ‫(‪ ،)1823‬وسير أعلام النبلاء (‪.)15/892‬‬

‫(‪ )3‬وهو عنوان الباب الأول من كتاب "الزهرة" (ص ‪،)45‬‬

‫لحطاته دامت حسراته "‪ .‬وهو الصواب ‪ ،‬وكذا في زهر الاداب (‪.)728‬‬

‫(‪ )4‬في النسخ ‪" :‬وده "‪ ،‬والتصحيح من تاريخ بغداد وغيره ‪.‬‬
‫(‪" )5‬له" ساقط من ف ‪.‬‬

‫‪517‬‬

‫وأنزه اللحظات في وجناته (‪)1‬‬ ‫وحديثه‬ ‫ضنا به وبحسنه‬

‫ربه وبراته‬ ‫بخاتم‬ ‫ولى‬ ‫حتى إذا ما الصبح لاح عموده‬

‫فقال أبو بكر ‪ :‬يحفظ عليه الوزير ما أقر به حتى يقيم شاهدين على‬
‫أنه ولى بخاتم ربه وبراءته‪.‬‬

‫فقال ابن سريج ‪ :‬يلزمني في هذا ما يلزمك في قولك‪:‬‬

‫وأمنع نفسي أن تنال محرما‬ ‫أنزه في روض المحاسن مقلتي‬

‫فضحك الوزير فقال ‪ :‬لقد جمعتما لطفا وظرفا‪.‬‬

‫ذكر ذلك أبو بكر الخطيب في تاريخه (‪. )2‬‬

‫أفتنا في قواتل الأحداق (‪)3‬‬ ‫وجاءته يوما فتيا مضمونها‪:‬‬
‫يا ابن داود يا فقيه العراق‬

‫لها دم العشاق‬ ‫أم حلال‬ ‫هل عليها بما أتت من جناح‬

‫فكتب الجواب قت البيتين بخطه‪:‬‬

‫فاسمعه من قرح الحشا مشتاق‬ ‫عندي جواب مسائل العشاق‬

‫(‪ )1‬ما عدا ف ‪" :‬صئا به"‪.‬‬
‫(‪ )262 :5( )2‬ولكن سياق القصة فيه مغاير لما ذكره المصنف هنا‪ .‬فالمناظرة في‬

‫رواية الخطيب وقعت في مجلس القاضي أبي عمر محمد بن يوسف ‪ ،‬والمسألة‬
‫من مسائل الظهار‪ ،‬مع خلافات أخرى ‪ .‬وسياقها هنا يوافق ما ورد في المصون‬

‫(‪ ،)126‬وزهر الآداب (‪ ،)728‬ووفيات الأعيان (‪ ،)026 /4‬ومنازل الأحباب‬
‫(‪.)76‬‬

‫(‪ )3‬ل ‪" :‬فواتك الأحداق "‪.‬‬

‫‪518‬‬

‫وأرقت دمعا لم يكن بمراق‬ ‫لما سألت عن الهوى هيجتني‬

‫كان المعذب أنعم العشاق (‪)1‬‬ ‫إن كان معشوو يعذب عاشقا‬

‫قال صاحب كتاب "منازل الأحباب "(‪ )2‬شهاب الدين محمود بن‬

‫البيتين على‬ ‫سلمان بن فهد صاحب الانشاء(‪ :)3‬وقلت في جواب‬

‫(‪)4‬‬
‫وزنهما مجيباللسائل‪:‬‬

‫هن يلعبن في دم العشاق‬ ‫قل لمن جاء سائلا عن لحاظ‬

‫ان ثنى الحد عن دم مهراق‬ ‫ما على السيف في الورى من جناع‬
‫!ح عما جنت على العشاق‬ ‫وسيوف الفحاظ أولى بأن تص‬

‫(‪ )1‬تاريخ بغداد (‪ ،)5/257‬ومنه في مصارع العشاق (‪ .)213، 2/911‬وقد نقلها‬

‫الخطيب بسنده عن الطبراني عن بعض أصحابه قال ‪" :‬كتب بعض أهل الأدب‬

‫عن ابن أبي الدنيا أنه كان‬ ‫إلى أبي بكر‪ .". . .‬ونقل ابن خلكان (‪)4/261‬‬

‫حاضرا في مجلس أبي بكر‪ ،‬إذ جاءه المستفتي ‪ ،‬وذكر أنه ابن الرومي الشاعر‬
‫المشهور ‪ ،‬أما جواب ابن داود فذكره بهذا اللفظ‪:‬‬

‫والاشتياق‬ ‫الفراق‬ ‫بسهام‬ ‫صريع‬ ‫قتيل‬ ‫يفتيكم‬ ‫كيف‬
‫حالا‬ ‫أحسن‬ ‫التلاق‬ ‫وقتيل‬
‫عند داود من قتيل الفراق‬

‫وهذان البيتان على وزن بيتي السؤال ‪ ،‬خلافا لرواية الخطيب‪.‬‬

‫ومنازه الألباب "‪ ،‬وهو مطبوع ‪.‬‬ ‫عنوانه الكامل ‪ " :‬منازل الأحباب(‪)2‬‬

‫‪ :‬بقي في‬ ‫(‪ )3‬ولد في حلب سنة ‪ 644‬هـ‪ ،‬وتوفي بدمشق سنة ‪ .725‬قال ابن رجب‬

‫ديوان الانثاء نحوا من خمسين سنة بدمشق ومصر‪ .‬وولي كتابة السر بدمشق‬

‫وأعيان‬ ‫نحوا من ثمان سنين قبل وفاته ‪ .‬الذيل على طبقات الحنابلة ‪،4/945‬‬

‫على رواية الخطيب فقط ‪ ،‬فلحظ أن‬ ‫الدين وقف‬ ‫العصر ‪.5/372‬‬

‫(‪ )4‬وهذا يدل على أن شهاب‬

‫جواب أبي بكر لم يكن على وزن شعر السائل‪.‬‬

‫‪951‬‬

‫و‪)2(-‬‬

‫إنما كل من قتلن شهيد(‪ )1‬ولهذا يفنى ضنى وهو باو‬

‫ونظير ذلك فتوى وردت على الشيخ أبي الخطاب محفوظ بن أحمد‬

‫الكلوذاني شيخ الحنابلة في وقته (‪: )3‬‬

‫جاءت إليك وما خلق سواك لها‬ ‫قل للامام أبي الخطاب مسألة‬

‫لاحت لخاطره ذات الجمال لها(‪)4‬‬ ‫ماذا على رجل رام الصلاة فمذ‬

‫فأجابه تحت سؤاله‪:‬‬

‫سرت فؤادي لما أن أصخت لها‬ ‫قل للأديب الذي وافى بمسألة‬

‫خريدة ذات حسني فانثنى ولها( )‬ ‫إن الذي فتنته عن عبادته‬

‫فرحمة الله تغشى من عصى ولها(‪)6‬‬ ‫إن تاب ثم قضى عنه عبادته‬

‫وقال عبدالله بن معمر القيسي (‪ :)7‬حججت سنة ‪ ،‬ثم دخلت مسجد‬

‫المدينة لزيارة قبر رسول الله ع!ي! ‪ .‬فبينا أنا جالس ذات ليلة (‪ )8‬بين القبر‬

‫ما أثبتنا‪.‬‬ ‫(‪ )1‬في النسخ الخطئة ‪" :‬شهيدا" بالنصب ‪ ،‬والصواب‬

‫(‪ )2‬لم ترد في منازل الأحباب ‪ ،‬وكانت أولى به‪.‬‬

‫(‪ )3‬ولد في بغداد سنة ‪ 432‬هـ‪ ،‬وتوفي فيها سنة ‪ 051‬هـ‪ .‬ترجمته في الذيل على‬
‫طبقات الحنابلة (‪.)027 /1‬‬

‫(‪ )4‬من اللهو‪.‬‬

‫(‪ )5‬الوله ‪ :‬ذهاب العقل ‪ ،‬والتحسر من شدة الوجد ‪ .‬الصحاح (وله)‪.‬‬

‫عن ابن السمعاني‪.‬‬ ‫(‪ )6‬من اللهو ‪ .‬والقصة نقلها ابن رجب في الذيل (‪)1/276‬‬

‫(‪ )7‬القصة في المستجاد من فعلات الأجواد للتنوخي (‪ ، ) 134 - 126‬ومنازل الأحباب‬

‫وفي المستجاد‪:‬‬ ‫(‪ ،)391- 187‬ومنه في الواضح المبين (‪.)925-255‬‬

‫‪ " . . .‬ولم أجد له ترجمة‪.‬‬ ‫" عبدالله بن المعتمر‬

‫ليلة "‪.‬‬ ‫(‪ )8‬ما عدا ل ‪" :‬جالس‬

‫‪052‬‬

‫إليه ‪ ،‬فإذا هو يقول ‪:‬‬ ‫أنينا ‪ ،‬فأصغيت‬ ‫والمنبر إذ سمعت‬

‫فأهجن منك بلابل الصدر‬ ‫أشجاك نوح حمائم السدر‬
‫أهدت إليك وساوس الفكر(‪)1‬‬ ‫أم عز نومك ذكر غانية‬

‫يشكو السهاد وقلة الصبر‬ ‫يا ليلة طالت على دنف‬
‫متوقد كتولمحد الجمر(‪)2‬‬ ‫أسلمت من يهوى لحر جوى‬

‫مغرى بحب شبيهة البدر‬ ‫فالبدر يشهد أنني كلف‬

‫لا أدري‬ ‫بليت وكنت‬ ‫حتى‬ ‫[ه ‪/11‬أ] ماكنت أحسبني أهيم بها‬

‫ثم انقطع الصوت ‪ ،‬فلم أدر من أين جاء‪ ،‬وإذا به قد أعاد البكاء‬
‫والأنين ‪ ،‬ثم أنشد‪:‬‬

‫والليل مسود الذوائب عاكر(‪)3‬‬ ‫أشجاك من رصيا خيال زائر‬

‫واهتاح مقلت! الخيال الزائر(‪)4‬‬ ‫واعتاد مهجتلش الهوى برسيسه‬

‫يم تلاطم فيه موج زاخر‬ ‫ريا والظلام كأنه‬ ‫ناديت‬

‫ملك ترجل والنجوم عساكر‬ ‫والبدر يسري في السماء كأنه‬

‫رقص الحبيب علاه سكر ظاهر( )‬ ‫وترى به الجوزاء ترقص في الدجى‬

‫(‪ )1‬ف ‪" :‬ذكر غائبة " ‪ ،‬تصحيف‪.‬‬

‫‪ .‬وفي ل ‪" :‬متوقدا"‪.‬‬ ‫(‪ )2‬ما عدا ف ‪" :‬تهوى"‪ ،‬تصحيف‬

‫(‪ )3‬ف ‪" :‬من فيء"‪ ،‬ولعله تحريف‪.‬‬

‫المبين ‪ .‬وفي منازل الأحباب ‪ " :‬الخيال الباكر"‪.‬‬ ‫كذا في النسخ والواضح(‪)4‬‬

‫ف ‪" :‬ضيا الجوزاء يرقص " ‪)5(.‬‬

‫‪521‬‬

‫إلا الصباج مساعد ومؤازر‬ ‫يا ليل طلت على محمث ما له‬

‫أن الهوى لهو الهوان الحاضر‬ ‫فأجابني مت حتف أنفك واعلمن‬

‫قال ‪ :‬وكنت ذهبت عند ابتدائه بالأبيات (‪ ،)1‬فلم ينته إلا وأنا عنده ‪.‬‬
‫فرأيت شابا مقتبلا(‪ )2‬شبابه ‪ ،‬قد خرق الدمع في خده خرقين ‪ ،‬فسلمت‬

‫عليه ‪ ،‬فقال ‪ :‬اجلس ‪ ،‬من أنت؟ فقلت ‪ :‬عبدالله بن معمر القيسي ‪ .‬قال ‪:‬‬
‫ألك حاجة ؟ قلت ‪ :‬نعم ‪ ،‬كنت جالسا في الروضة ‪ ،‬فما راعني إلا‬
‫صوتك ‪ .‬فبنفسي أفديك ‪ ،‬فما الذي تجد؟ فقال ‪ :‬أنا عتبة بن الحباب بن‬

‫المنذر بن الجموج الأنصاري (‪ ،)3‬غدوت يوما إلى مسجد الأحزاب ‪،‬‬

‫فصليت فيه ‪ ،‬ثم اعنزلت غير بعيد‪ ،‬فإذا(‪ )4‬بنسوة قد أقبلن يتهادين مثل‬
‫القطا‪ ،‬وفي وسطهن جارية بديعة الجمال كاملة الملاحة ‪ ،‬فوقفت علي‬
‫وقالت ‪ :‬يا عتبة ما تقول في وصل من يطلب وصلك ؟ ثم تركتني‬
‫وذهبت ‪ ،‬فلم أسمع لها خبرا ‪ ،‬ولا قفوت لها أثرا ‪ ،‬وأنا حيران أنتقل من‬

‫مكان إلى مكان ‪ .‬ثم صرخ وأكب مغشيا عليه ‪ ،‬ثم أفاق كأنما( ) صبغت‬
‫وجنتاه بورس ‪ ،‬ثم أنشأ يقول (‪: )6‬‬

‫(‪" )1‬بالأبيات" من ل ‪.‬‬

‫(‪ )2‬ف ‪" :‬مقبلا"‪.‬‬

‫معروف ‪.‬‬ ‫(‪ )3‬في المستجاد‪" :‬عيينة بن الحباب ‪ 010 0 .‬الحباب من المنذر صحابي‬

‫الرأي يوم بدر‪ .‬وابنه خشرم من أهل الحديبية ‪ .‬انظر جمهرة‬ ‫وهو صاحب‬

‫أنساب العرب (‪ .)935‬والاصابة (‪ .)285 /2‬اما عتبة أو عيينة بن الحباب فلم‬

‫أجد له ذكرا‪.‬‬

‫ز ‪ " :‬وإذا" ‪)4(.‬‬
‫ز ‪ " :‬فكأنما" ‪)5(.‬‬

‫(‪ )6‬لم يرد "يقول" في س ‪،‬ف ‪ .‬وفي ل ‪" :‬ثم أنشد"‪.‬‬

‫‪522‬‬

‫فيا هل تروني بالفؤاد على بعد‬ ‫أراكم بقلبي من بلاد بعيدة‬

‫وعندكم روحي وذكركم عندي‬ ‫فؤادي وطرفي يأسفان عليكم‬

‫ولست ألد العيش حتى أراكم ولو كنت في الفردوس في جنة الخلد‬

‫فقلت ‪ :‬يا ابن أخي تب إلى ربك ‪ ،‬واستغفر من ذنبك (‪ ،)1‬فبين‬

‫يديك هول المطلع (‪ . )2‬فقال ‪ :‬ما أنا بسال حتى يؤوب القارظان(‪ !)3‬ولم‬

‫أزل معه إلى أن طلع الصبح (‪ ،)4‬فقلت ‪ :‬قم بنا إلى مسجد الأحزاب ‪،‬‬

‫كربتك ‪ .‬قال ‪ :‬أرجو ذاك إن شاء الله ببركة طلعتك‪.‬‬ ‫فلعل الله أن يكشف‬

‫فذهبنا حتى أتينا مسجد الأحزاب ‪ ،‬فسمعته يقول ‪:‬‬

‫ينفك يحدث لي بعد النهى طربا‬ ‫يا للزجال ليوم الأربعاء أما‬

‫يأتي إلى مسجد الأحزاب منتقبا( )‬ ‫ما إن يزال غزال منه يقلقني‬
‫وما أتى طالبا للأجر محتسبا‬ ‫يخبر الناس أن الأجر همته‬

‫مضمخا بفتيت المسك مختضبا(‪)6‬‬ ‫لو كان يبغي ثوابا ما أتى صلفا‬

‫عليه من أمر الاخرة عقيب الموت ‪ .‬قال‬ ‫(‪ )1‬ف‪":‬لذنبك "‪.‬‬
‫(‪ )2‬يعني الموقف يوم القيامة أو ما يشرف‬

‫عمر رضي الله عنه ‪" :‬لو أن لي مافي الأرض جميعا لافتديت به من هول‬

‫المطلع "‪ .‬انظر النهاية (‪.)132 /3‬‬

‫(‪ )3‬من أمثالهم في التأبيد‪ .‬انظر تفسيره في فصل المقال (‪ ،)473‬وجمهرة الأمثال‬
‫(‪.)1/123‬‬

‫(‪ )4‬ل ‪" :‬حتى طلع الفجر"‪ .‬س ‪" :‬أن حتى طلع الصبح "‪.‬‬

‫(‪ )5‬في المستجاد‪ ،‬ومنازل الأحباب ‪ ،‬والواضح المبين ‪" :‬يطلمني "‪.‬‬

‫ومنازل‬ ‫وفي المستجاد‪،‬‬ ‫(‪ )6‬الصلف ‪ :‬الغلؤ في الظرف مع تكئر‪ .‬اللسان (صلف)‪.‬‬

‫المبين ‪" :‬أتى ظهزا"‪.‬‬ ‫الأحباب ‪ ،‬والواضح‬

‫‪523‬‬

‫ثم جلسنا حتى صلينا الظهر‪ .‬فإذا بالنسوة قد أقبلن ‪ ،‬وليست‬
‫الجارية فيهن ‪ ،‬فوقفن عليه ‪ ،‬وقلن له ‪ :‬يا عتبة ما ظنك بطالبة وصلك‬

‫وكاسفة بالك (‪)1‬؟ قال ‪ :‬وما بالها؟ قلن ‪ :‬أخذها أبوها ‪ ،‬وارتحل بها إلى‬

‫السماوة ‪ .‬فسألتهن عن الجارية ‪ ،‬فقلن ‪ :‬هي ريا ابنة الغطريف‬ ‫أرض‬

‫الشلمي ‪ .‬فرفع عتبة رأسه إليهن ‪ ،‬وقال ‪:‬‬

‫وسارت إلى أرض السماوة عيرها(‪)2‬‬ ‫خليلي ريا قد أجد بكورها‬

‫خليلي إني قد عشيت من البكا فهل عند غيري مقلة أستعيرها(‪)3‬‬

‫فقلت له ‪ :‬إني قد وردت بمال جزيل أريد به أهل الستر(‪ ،)4‬ووالله‬

‫لأبذلنه أمامك حتى تبلغ رضاك وفوق الرضا! فقم بنا إلى مسجد‬

‫الأنصار ‪ .‬فقمنا وسرنا حتى أشرفنا على ملأ منهم ‪ ،‬فسلمت ‪ ،‬فأحسنوا‬

‫الرد‪ .‬فقلت ‪ :‬أيها الملأ ما تقولون في عتبة وأبيه ؟ قالوا ‪ :‬من سادات‬

‫العرب ‪ .‬فقلت ‪ :‬إنه قد رمي بداية من الهوى ‪ ،‬وما أريد منكم إلا‬

‫إلى السماوة ‪ .‬فقالوا ‪ :‬سمعا وطاعة‪.‬‬ ‫المساعده‬

‫فركبنا‪ ،‬وركب القوم معنا‪ ،‬حتى أشرفنا على منازل بني سليم‪.‬‬

‫مبادرا ‪ ،‬فاستقبلنا ‪ ،‬وقال ‪ :‬حيئتم بالإكرام‪.‬‬ ‫بنا ‪ ،‬فخرج‬ ‫فأعلم الغطريف‬

‫‪ .‬فقال ‪ :‬نزلتم أكرم منزل ‪.‬‬ ‫الله ‪ ،‬إنا لك أضياف‬ ‫فحياك‬ ‫فقلنا‪ :‬وأنت‬

‫الأنطاع والئمارق( ) ‪،‬‬ ‫العبيد أنزلوا القوم ‪ .‬ففرشت‬ ‫فنادى ‪ :‬يا معشر‬

‫في النسخ كلها‪" :‬كاشفة بالك " بالشين المعجمة ‪ ،‬تصحيف‪.‬‬ ‫(‪)1‬‬
‫ف ‪" :‬اخذن بكورها" تحريف‪.‬‬ ‫(‪)2‬‬

‫(‪ )3‬في المستجاد بيت اخر بينهما‪.‬‬
‫(‪ )4‬ز‪" :‬السير"‪ ،‬تصحيف‪.‬‬

‫(‪ )5‬النطع ‪ :‬بساط من اديم ‪ .‬والئمرقة ‪ :‬الوسادة ‪.‬‬

‫‪524‬‬

‫وذبحت الذبائح ‪ .‬فقلنا‪ :‬لسنا بذائقي طعامك حتى تقضي حاجتنا‪.‬‬

‫عقيلتك الكريمة لعتبة بن الحباب بن‬ ‫فقال ‪ :‬وما حاجتكم ؟ قلنا ‪ :‬نخطب‬

‫وأنا أدخل‬ ‫أمرها إلى نفسها‪،‬‬ ‫المنذر‪ .‬فقال ‪ :‬إن التي تخطبونها‬
‫أخبرها(‪.)1‬‬

‫ثم دخل مغضبا على ابنته ‪ ،‬فقالت ‪ :‬يا أبت ما لي أرى الغضب في‬

‫مني ‪ .‬قالت ‪ :‬سادة (‪)3‬‬ ‫وجهك ؟ فقال ‪ :‬قد ورد الأنصار يخطبونك(‪)2‬‬

‫كرام ‪ ،‬استغفر لهم النبي لمجيم‪ ،‬فلمن الخطبة منهم ؟ قال ‪ :‬لعتبة بن‬

‫عن عتبة هذا أنه يفي بما وعد ‪ ،‬ويدرك‬ ‫الحباب ‪ .‬قالت ‪ :‬والله لقد سمعت‬

‫‪ )4‬به أبدا‪ ،‬ولقد نمى إليئ بعض‬ ‫لا زوجتأ‬ ‫إذا قصد ‪ .‬فقال ‪ :‬أقسمت‬

‫حديثك معه ‪ .‬فقالت ‪ :‬ما كان ذلك( ) ‪ ،‬ولكن إذ أقسمت فإن(‪ )6‬الأنصار‬

‫لا يردون (‪ )7‬ردا قبيحا‪ ،‬فأحسن لهم الرد‪ .‬فقال ‪ :‬بأي شيء؟ قالت‪:‬‬

‫أغلظ لهم المهر(‪ ،)8‬فإنهم يرجعون ولا يجيبون ‪ .‬فقال ‪ :‬ما أحسن ما‬
‫قلت!‬

‫ثم خرج مبادرا فقال ‪ :‬إن فتاة الحي قد أجابت ‪ ،‬ولكني (‪ )9‬أريد لها‬

‫(‪ )1‬ف‪":‬أخطبها"‪.‬‬
‫(‪ )2‬ف‪":‬حد"‪.‬‬

‫(‪ )3‬س ‪ " :‬داسا ت لا‪.‬‬
‫(‪ )4‬س ‪ ،‬ف ‪ " :‬لا أزوجك " ‪.‬‬

‫(‪ )5‬س ‪ :‬دد لا‪.‬‬
‫"‬

‫(‪" )6‬إذ أقسمت فإن" ساقط من س ‪.‬‬
‫(‪ )7‬ف ‪" :‬لاترد" ‪.‬‬

‫(‪" )8‬المهر" ساقط من س ‪.‬‬
‫(‪ )9‬ف ‪" :‬ولكن"‪.‬‬

‫‪525‬‬

‫(‪05)1‬‬

‫مهر مثلها لمحمن‪ ،‬القائم به؟ فقال عبدالله بن معمر ‪ :‬أنا ‪ ،‬فقل ما شئت!‬

‫فقال ‪ :‬ألف مثقال من الذهب ‪ ،‬ومائة ثوب من الأبراد‪ ،‬وخمسة أكرشة‬

‫(‪)2‬‬

‫‪ .‬فقال عبدالله ‪ :‬لك ذلك ‪ ،‬فهل أجبت ؟ قال ‪ :‬نعم ‪ ،‬قال عبدالله‪:‬‬ ‫عنبر‬

‫فأنفذت نفرا من الأنصار إلى المدينة ‪ ،‬فأتوا بجميع ما طلب ‪ .‬ثم صنعت‬

‫الوليمة وأقمنا على ذلك أياما‪ .‬ثم قال ‪ :‬خذوا فتاتكم ‪ ،‬وانصرفوا‬

‫مصاحبين‪.‬‬

‫ثم حملها في هودج ‪ ،‬وجهزها بثلاثين راحلة من المتاع والتحف‪،‬‬
‫فودعناه ‪ ،‬وسرنا ‪ ،‬حتى إذا بقي بيننا وبين المدينة مرحلة واحدة خرجت‬

‫علينا خيل تريد الغارة ‪ ،‬أحسبها من سليم ‪ ،‬فحمل عليها عتبة بن‬
‫الحباب ‪ ،‬فقتل منهم رجالا‪ ،‬وجدل اخرين ‪ .‬ثم رجع وبه طعنة تفور‬

‫دما‪ ،‬فسقط إلى الأرض ‪/116[.‬ب] وأتتنا نجدة (‪ ،)3‬فطردت عنا الخيل‪.‬‬
‫وقد قضى عتبة نحبه ‪ ،‬فقلنا‪ :‬وا عتبتاه! فسمعتنا(‪ )4‬الجارية ‪ ،‬فألقت‬

‫نفسها عن البعير ‪ ،‬وجعلت ( ) تصيح بحرقة وأنشدت ‪:‬‬

‫أعلل نفسي أنها بك لاحقه‬ ‫تصبرت لا أني صبرت وإنما‬

‫أمامك من دون البرية سابقه‬ ‫فلو أنصفت روحي لكانت إلى الردى‬

‫(‪ )1‬ف ‪،‬ل ‪" :‬مهرا مثلها"‪.‬‬
‫(‪ )2‬ف ‪" :‬من العنبر" ‪ .‬واكرشة ‪ :‬جمع كرش ‪ ،‬وهو وعاء الطيب والثوب ‪ .‬اللسان‬
‫(كرش)‪ .‬وفي المستجاد زيادة خمسة الاف درهم من ضرب هجر‪ ،‬وعشرين‬
‫ثوبا من الوشي المطئر‪ ،‬وعقد من الجوهر‪ ،‬وعشرين نافجة من المسك الأذفرا‬

‫(‪ )3‬س ‪" :‬وانثنى بخذه " ‪ ،‬تصحيف‪.‬‬
‫(‪ )4‬ف ‪" :‬فسمعت "‪.‬‬

‫(‪" )5‬وجعلت" ساقط من ف ‪.‬‬

‫‪526‬‬

‫خليلا ولا نفس لنفس موافقه‬ ‫فما أحد بعدي وبعدك منصف‬

‫ثم شهقت ‪ ،‬وقضت نحبها ‪ .‬فاحتفرنا لهما قبرا واحدا‪ ،‬ودفناهما‬

‫ء‬ ‫و ‪.‬ء‪ -‬و(‪ )1‬ص‬ ‫‪.‬ء‬

‫إلى الحجاز ‪ ،‬ووردت‬ ‫سبع سنين ‪ .‬لم ذهبت‬ ‫‪ ،‬مالمحمت‬ ‫لمحيه ‪ .‬لم رجعت‬

‫المدينة ‪ ،‬فقلت ‪ :‬والله لآتين قبر عتبة أزوره ‪ .‬فأتيت القبر‪ ،‬فإذا عليه‬

‫شجره عليها عصائب حمر وصفر ‪ .‬فقلت لأرباب المنزل ‪ :‬ما يقال لهذه‬

‫الشجرة ؟ قالوا ‪ :‬شجرة العروسين!‬

‫ولو لم يكن في العشق من الرخصة المخالفة للتشديد إلا الحديث‬
‫الوارد بالحسن من الأسانيد‪ ،‬وهو حديث سويد بن سعيد‪ ،‬عن علي بن‬
‫مسهر‪ ،‬عن أبي يحيى القتات ‪ ،‬عن مجاهد‪ ،‬عن ابن عباس يرفعه ‪" :‬من‬

‫عشق وعف وكتم فمات ‪ ،‬فهو شهيد"(‪. )2‬‬

‫ورواه سويد أيضا عن ابن مسهر ‪ ،‬عن هشام بن عروة ‪ ،‬عن أبيه ‪ ،‬عن‬
‫عائشة مرفوعا‪.‬‬

‫ورواه الخطيب ‪ ،‬عن الأزهري ‪ ،‬عن المعافى بن زكريا ‪ ،‬عن قطبة بن‬
‫الفضل (‪ ،)3‬عن أحمد بن مسروق عنه‪.‬‬

‫(‪ )1‬ف ‪" :‬ثم رحت إلى المدينة وأقصت " ‪ ،‬وهو غلط ‪ .‬والمقصود أئه رجع إلى بلده ‪.‬‬
‫(‪ )2‬أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق (‪ )43/591‬وابن الجوزي في ذم الهوى‬

‫(‪ .) 101‬وأخرجه الخطيب في تاريخ بغداد (‪ )364 /5‬و(‪ )6/48‬و(‪)592 /11‬‬
‫و(‪ )13/85‬وابن الجوزي في العلل المتناهية (‪ )1287، 1286‬وفي ذم الهوى‬
‫(‪ )258- 256‬من طريق جماعة عن سويد بن سعيد به ‪ .‬وسيأتي كلام المؤلف‬

‫عليه في اخر الكتاب ‪.‬‬

‫(‪ )3‬ف ‪" :‬قطبة عن الفضل "‪ ،‬خطأ‪.‬‬

‫‪527‬‬

‫ورواه الزبيربن بكار‪ ،‬عن عبدالعزيز الماجشون(‪ ،)1‬عن‬
‫عبدالعزيز بن أبي حازم ‪ ،‬عن ابن أبي نجيح ‪ ،‬عن مجاهد‪ ،‬عن ابن‬

‫عباس ‪.‬‬

‫وهذا سيد الأولين والاخرين ورسول رب العالمين نظر إلى زينب‬
‫بنت جحش فقال ‪" :‬سبحان مقلب القلوب "(‪ .)2‬وكانت تحت زيد بن‬

‫حارثة مولاه ‪ ،‬فلما هم بطلاقها قال له ‪ " :‬اتق الله وأمسك عليك زوجك " ‪.‬‬
‫فلما طلقها زوجها الله سبحانه من رسوله من(‪ )3‬فوق سبع سماوات ‪،‬‬
‫فكان هو وليها وولي تزويجها من رسوله ‪ .‬وعقد [‪/117‬أ] عقد نكاجها‬

‫(‪ )1‬س ‪،‬ف ‪" :‬ابن الماجشون"‪.‬‬
‫(‪ )2‬أخرجه ابن سعد في الطبقات (‪ )201- 101 /8‬والحاكم في المستدرك ‪4/25‬‬
‫(‪ )6775‬من طريق محمد بن عمر الواقدي عن عبدالله بن عامر الأسلمي عن‬

‫الله عي! بيت زيد يطلبه ‪ . . .‬فذكره‬ ‫محمد بن يحمى بن حبان قال ‪ :‬جاء رسول‬

‫القلوب " ‪ .‬الواقدي متروك الحديث‪.‬‬ ‫الله العظيم مصرف‬ ‫مطولا ‪ .‬وفيه ‪" :‬سبحان‬

‫ورواه سليم مولى الشعبي عن الشعبي أن رسول الله مج!ذط‪ ،‬فذكره وفيه‪:‬‬

‫"سبحان الله مقلب القلوب "‪ .‬أخرجه ابن عدي في الكامل (‪ .)3/316‬قلت‪:‬‬

‫سليم ضعيف ‪ ،‬والحديث مرسل ‪( .‬ز)‪.‬‬
‫وقال المؤلف في زاد المعاد (‪" :)4/266‬وأما ما زعمه بعض من لم يقدر‬
‫رسول الله في حق قدره أنه ابتلي به في شأن زينب بنت جحتل وأنه رآها فقال ‪:‬‬
‫"سبحان مقلب القلوب "‪ ،‬وأخذت بقلبه ‪ ،‬وجعل يقول لزيدبن حارثة‪:‬‬

‫بعضهم كتابا في‬ ‫أمسكها‪ . 0 .‬فظن هذا الزاعم أن ذلك في شأن العشق وصنف‬

‫العشق ‪ ،‬وذكر فيه عشق الأنبياء‪ ،‬وذكر هذه الواقعة ‪ .‬وهذا من جهل هذا القائل‬

‫الله ع!يم إلى ما‬ ‫بالقران وبالرسل ‪ ،‬وتحميله كلام الله ما لا يحتمله ‪ ،‬ونسبته رسول‬

‫على قصة‬ ‫برأه الله منه ‪ ،‬فإن زينب ‪ .". . .‬وانظر ما سيأتي من كلام المصنف‬

‫زينب في ص (‪( )556‬ص)‪.‬‬

‫(‪ )3‬لم ترد "من" في ز ‪.‬‬

‫‪528‬‬

‫فوق عرشه ‪ ،‬وأنزل على رسوله ‪ ( :‬وإذ تقول للذى أنعم الئه علته وأنعضسا‬
‫لخه أم!ذ علئك زوجك والق ألله وغفى فى نفسربر ما الله مئديه وتخشى الناس‬

‫[الأحزاب ‪. ]37 /‬‬ ‫والفه أحق أن تخشط)‬

‫وهذا داود نبي الله لما كان تحته تسع وتسعون امرأة ‪ ،‬ثم أحما تلك‬

‫بها المائة ا ( ‪) 1‬‬ ‫‪ ،‬وكمل‬ ‫المرأة ‪ ،‬فنزوجها‬

‫وقال الزهري ‪ :‬اول حب(‪ )2‬كان في الاسلام حب النبي ع!ي! عائشة (‪،)3‬‬
‫وكان مسروق يسميها " حبيبة رسول رب العالمين "(‪. )4‬‬

‫(‪ )1‬أخرج القصة بطولها الطبري في تفسيره (‪ )151 - 015 /23‬وغيره من طريق‬
‫يزيد الرقاشي عن أنس بن مالك ‪ ،‬فذكر قصة ذلك مطولا‪ .‬وهو حديث باطل لا‬

‫ه‪ .‬وجاء نحو هذه القصة في تفسير الطبري أيضا (‪ )151 - 23/146‬عن السدي‬

‫والحسن البصري ووهب بن منبه ومجاهد وعطاء الخراساني وعن ابن عباس‬

‫ولا يصح عنه‪.‬‬
‫(‪ )2‬من "ثم أححث تلك ‪ ". . .‬إلى هنا ساقط من س ‪.‬‬
‫(‪ )3‬ز‪" :‬لعائشة" (ص)‪ .‬أخرجه ابو نعيم في الحلية (‪ )2/44‬من طريق الوليد بن‬
‫محمد الموقري عن الزهري فذكره ‪ .‬ورواه الوليد أيضا عن الزهري عن أنس‪.‬‬

‫‪-‬أطراف الغرائب )‪ .‬قلت‪:‬‬ ‫أخرجه الدارقطني في الأفراد (‪221-2/022‬‬

‫الحديث باطل موضوع ‪ ،‬والوليد متروك الحديث ‪ .‬قال الشوكاني في الفوائد‬

‫المجموعة (‪" : ) 126‬رواه الدارقطني عن أنس مرفوعا‪ ،‬وفي إسناده كذابان "‪.‬‬

‫ورواه محمد بن الزبير الحراني عن الزهري فذكره ‪ .‬أخرجه الخطيب في‬

‫فيه محمد بن الزبير‪ .‬قال ابن عدي ‪ :‬منكر الحديث عن‬ ‫تاريخه (‪.)4/34‬‬

‫والامام احمد في العلل ‪2/411‬‬ ‫الزهري ‪ .‬الكامل (‪.)238 /6‬‬

‫(‪ )4‬أخرجه ابن سعد في الطبقات (‪)8/66‬‬

‫(‪ )0284‬وأبو نعيم في الحلية (‪ )2/44‬وابن عبدالبر في التمهيد (‪)13/35‬‬
‫وغيرهم من طريق الأعمش وحبيب بن ابي ثابت عن مسلم أبي الضحى عن=‬

‫وقال أبو قيس مولى عبدالله بن عمرو ‪ :‬أرسلني عبدالله بن عمرو إلى‬

‫أم سلمة أسألها ‪ :‬أكان النبي جميم يقبل وهو صائم فقالت ‪ :‬لا ‪ .‬فقال ‪ :‬إ ن‬
‫عائشة قالت ‪ :‬كان النبي جميم يقبلها وهو صائم ‪ .‬فقالت أم سلمة ‪ :‬إن النبي‬

‫لمجير كان إذا رأى عائشة لا يتمالك عنها(‪. )1‬‬

‫وذكر سعد(‪ )2‬بن إبراهيم ‪ ،‬عن عامر بن سعد‪ ،‬عن أبيه قال ‪ :‬كان‬
‫إبراهيم خليل الله !شيم يزور هاجر في كل يوم من الشام على البراق من‬

‫مسروق أنه كان إذا حدث عن عائشة قال ‪" :‬حدثتني الصذيقة بنت الصذيق‬

‫وابن أبي‬ ‫(‪)26533‬‬ ‫حبيبة حبيب الله المبرأة فلم أكذبها"‪ .‬وسنده صحيح‪.‬‬

‫(‪ )1‬أخرجه النسائي في الكبرى (‪ )7203‬وأحمد ‪!6/69‬‬

‫عاصم في الآحاد والمثاني (‪ )0303‬والطحاوي في شرح المعاني (‪)2/39‬‬

‫والطبراني في الكبير (‪ /23‬رقم ‪ )938‬وغيرهم من طريق موسى بن علي بن‬
‫رباح عن أبيه عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص عن أم سلمة‪.‬‬

‫قال ابن عبدالبر في التمهيد (‪" :)5/125‬هذا حديث متصل ‪ ،‬لكنه ليس‬

‫يجيء إلا بهذا الاسناد‪ ،‬وليس بالقوي ‪ .‬وهو منكر على أصل ما ذكرنا عن أ م‬

‫و‪ ، . . .‬وما انفرد‬ ‫بن مهدي‬ ‫بن علي ‪ :‬عبدالرحمن‬ ‫سلمة ‪ .‬وقد رواه عن موسى‬

‫به موسى بن علي فليس بحجة ‪ ،‬والأحاديث المذكورة عن أم سلمة معارضة له‪،‬‬

‫وهي أحسن مجيئا وأظهر تواترا‪ ،‬وأثبت نقلا منه"‪.‬‬
‫قلت ‪ :‬لموسى بن علي حديث اخر غريب شاذ نظير هذا تكلم فيه الأثرم‬

‫وابن عبدالبر‪ .‬انظر الناسخ والمنسوخ للأثرم (‪ )018‬والصيام من شرح العمدة‬
‫لابن تيمية (‪( .)2/956‬ز)‪.‬‬

‫ومن أحاديث أم سلمة المعارضة له‪ :‬ما رواه مسلم في كتاب الصيام‬
‫(‪ )8011‬عن عمر بن أبي سلمة أنه سأل رسول الله ع!ير‪ :‬أيقبل الصائم ؟ فقال له‬

‫رسول الله عب‪" :‬سل هذه" الأم سلمة ) فأخبرته أن رسول الله ع!ب!م يصنع ذلك‪.‬‬

‫(ص)‪.‬‬

‫(‪ )2‬ف ‪" :‬سعيلى"‪ ،‬تحريف‪.‬‬

‫‪053‬‬

‫شغفه بها وقلة صبره عنها(‪. )1‬‬

‫وذكر الخرائطي (‪ )2‬أن عبدالله بن عمر اشترى جارية رومية ‪ ،‬فكان‬

‫يحبها حئا شديدا‪ ،‬فوقعت ذات يوم عن بغلة له ‪ ،‬فجعل يمسح التراب‬

‫ويفديها(‪ .)3‬وكانت تكثر أن تقول له ‪ :‬يا بطرون ‪ ،‬أنت‬ ‫عن وجهها‪،‬‬

‫منه ‪ ،‬فوجد عليها‬ ‫قالون ‪ .‬تعني (‪ : )4‬يا مولاي أنت جيد ‪ .‬ثم إنها هربت‬

‫وجدا شديدا ‪ ،‬وقال ‪:‬‬

‫فاليوم أعلم أني غير قالون‬ ‫قدكنت أحسبني قالون فانصرفت‬

‫قال أبو محمد بن حزم ‪ :‬وقد أحب من الخلفاء الراشدين والأئمة‬

‫المهديين كثير( ) ‪.‬‬

‫(‪ )1‬أخرجه الخرائطي في اعتلال القلوب (‪ )311‬مطولأ‪ .‬وفيه الواقدي ‪ ،‬متروك‬
‫الحديث ‪( .‬ز) وانظر روضة المحبين (‪.)275‬‬

‫(‪ )2‬وكذا قال في روضة المحبين (‪ )278‬أيضا‪ .‬وكذا عن الخرائطي في الواضح‬
‫المبين (‪ ،)92‬ولم أجده في المطبوع من اعتلال القلوب (ص)‪ .‬أخرجه ابن‬
‫عساكر في تاريخه (‪ )31/178‬من طريق شيخ من أهل المدينة عن مالك قال ‪،‬‬
‫فذكره ‪ .‬وسنده لا يصح لجهالة هذا الشيخ ‪ ،‬ولأجل الانقطاع بين مالك وابن‬

‫عمر (ز)‪.‬‬
‫(‪ )3‬س ‪،‬ل ‪" :‬ويقئلها"‪.‬‬
‫(‪ )4‬س ‪،‬ل ‪،‬ز‪" :‬يعني"‪ .‬ولم ترد الكلمة في ف ‪.‬‬
‫(‪ )5‬كذا ورد قول ابن حزم في الواضح المبين (‪ )03‬وروضة المحبين (‪.)278‬‬
‫والذي في طوق الحمامة (‪" :)5‬من الخلفاء المهديين والأئمة الراشدين "‪ .‬وقد‬
‫ذكر ابن حزم بعده عبدالرحمن بن معاوية ‪ ،‬والحكم بن هثام ‪ ،‬وعبدالرحمن بن‬
‫الحكم من حكام الأندل! وبعض كبار رجالهم ‪ .‬وفي ف ‪" :‬وقد أحب الخلفاء‬
‫الراشدون والأئمة المهدئون كثيرا"!‬

‫‪531‬‬

‫امرأة ‪،‬‬ ‫رأيت‬ ‫وقال رجل لعمر بن الخطاب ‪ :‬يا أمير المؤمنين‬

‫فعشقتها ‪ .‬فقال ‪ :‬ذاك مالا تملك (‪. )1‬‬

‫فالجواب ‪-‬وبالله التوفيق ‪ -‬أن الكلام في هذا الباب لا بد فيه من‬
‫التمييز بين الواقع والجائز(‪ )2‬والنافع والضار ‪ .‬ولا يسجل (‪ )3‬عليه بالذم‬
‫والانكار ولا بالمدج [‪/117‬ب] والقبول من حيث الجملة (‪ . )4‬وإنما يتبين‬

‫حكمه وينكشف أمره بذكر متعلقه ‪ ،‬وإلا فالعشق من حيث هو لا يحمد‬
‫ولا يذم ‪ .‬ونحن نذكر النافع من الحب والضار والجائز والحرام ‪.‬‬

‫اعلم أن أنفع المحبة على الاطلاق وأوجبها وأعلاها وأجلها محبة‬
‫من جبلت القلوب على محبته ‪ ،‬وفطرت الخليقة على تألهه ‪ .‬وبها قامت‬

‫الأرض والسماوات ‪ ،‬وعليها فطرت المخلوقات ‪ .‬وهي سر شهاده أن لا‬
‫إله إلا الله ‪ ،‬فإن "الاله" هو الذي تألهه القلوب بالمحبة والاجلال‬

‫‪ ،‬وتعبده ‪ .‬والعبادة لا تصح إلا له وحده ‪،‬‬ ‫والتعظيم والذل والخضوع‬

‫و"العبادة " هي كمال الحب مع كمال الخضوع والذل ‪ .‬والشرك في هذه‬

‫العبودية من أظلم الظلم الذي لا يغفره الله ‪ .‬والله تعالى صما لذاته من‬

‫جميع الوجوه ‪ ،‬وما سواه فإنما يحب تبعا لمحبته‪.‬‬

‫ولكن يظهر أنه غير‪.‬‬ ‫(‪ )1‬الواضح المبين (‪.)03‬‬
‫(‪ )2‬ف ‪" :‬الواقع الجائز"‪.‬‬
‫(‪ )3‬س ‪،‬ل ‪" :‬لا يستعجل "‪ .‬والمثبت من ز‪ .‬وكذا في ف‪،‬‬

‫عليه مطلقا بالمدح أو الذم ‪.‬‬ ‫أنه لا يحكم‬ ‫الحكم ‪ :‬أرسله ‪ .‬والمقصود‬ ‫وأسجل‬

‫قال المصنف في الصواعق المرسلة (‪" :)197‬وأسجل عليهم بالكفر والنفاق "‪.‬‬
‫(‪ )4‬انظر ‪ :‬روضة المحبين (‪.)31 0‬‬

‫‪532‬‬

‫وقد دل على وجوب محبته سبحانه جميع (‪ )1‬كتبه المنزلة ‪ ،‬ودعوة‬

‫جميع رسله ‪ ،‬وفطرته التي فطر عباده عليها ‪ ،‬وما ركب فيهم من العقول ‪،‬‬

‫وما أسبغ عليهم من النعم ‪ -‬فإن القلوب مفطورة مجبولة على محبة من‬

‫أنعم عليها وأحسن إليها‪ ،‬فكيف بمن كل(‪ )2‬الاحسان منه ‪ ،‬وما بخلقه‬

‫‪)3( . -‬‬

‫جميعهم من نعمه لمحمنه وحده لا شريك له ‪ ،‬كما قال تعالى ‪ ( :‬ومادم‬

‫[النحل‪]53 /‬؟ ‪ -‬وما‬ ‫ئن نغمة فمن الله ثؤ إذا مشكم ألضر فإلئه تخروبئ !)‬

‫تعرف به إلى عباده من أسمائه الحسنى وصفاته العلا ‪ ،‬وما دلت عليه اثار‬

‫مصنوعاته من كماله ونهاية جلاله (‪ )4‬وعظمته‪.‬‬

‫والمحبة لها داعيان ‪ :‬الجمال والاجمال( )‪ ،‬والرب تعالى له‬

‫الكمال المطلق من ذلك ‪ ،‬فإنه جميل يحب الجمال (‪ ،)6‬بل الجمال كله‬

‫له ‪ ،‬والاجمال(‪ )7‬كله منه ‪ .‬فلا يستحق أن يحمث لذاته من كل وجه سواه ‪.‬‬

‫الئه فأتبعوني يخبئكم الله ) [ال عمران ‪. ]3 1 /‬‬ ‫قال تعا لى ‪ ( :‬قل إن كنتوتحبون‬

‫وقال تعالى ‪ ( :‬يهأيها الذين "امنوا من يرتد منكغ عن دينه لسؤف يأقى أدئه بقؤ‪:‬‬

‫(‪" )1‬فإنما يدبئ ‪ . . .‬جميع " ساقط من ل ‪.‬‬

‫(‪ )2‬س ‪" :‬كان " ‪ ،‬تحريف‪.‬‬

‫الله " ‪.‬‬ ‫ف ‪ " :‬فمن‬ ‫(‪)3‬‬

‫(‪ )4‬كذا في س ‪ .‬وفي ف‪،‬ل ‪" :‬من كماله وبهائه وجلاله " وفي ز‪" :‬من جماله‬

‫وبهائه وجلاله "‪.‬‬

‫وأراد بالإجمال ‪ :‬الاحسان والانعام ‪ .‬وفي‬ ‫(‪ )5‬انظر مدارج السالكين (‪.)3/288‬‬

‫ف ‪ " :‬والاجلال " تحريف‪.‬‬
‫(‪ )6‬العبارة "والرفي تعالى ‪ . . .‬الجمال " ساقطة من ف ‪.‬‬

‫(‪ )7‬ف ‪ " :‬الاجلال " ‪ ،‬تحريف‪.‬‬

‫‪533‬‬

‫فى سيل ا!ء ولا ‪!2‬افون‬ ‫يحئهتم ومجئونه‪ 7‬أذلة على ائمؤيخين أعؤقي عل البهفرين يجهدوت‬

‫[‪ / 1 18‬أ] لؤمة لالو ذ لك فضل الله يؤديه من يشاة وألئه وسع عليز ج !نها ولنكم النه‬

‫ورسولم والذين ءامنوا الذين يقيمون الضلؤ ويولؤن الزبمؤة وهغ ربهعون ! ومن يتول الله‬

‫‪. )5 6‬‬ ‫‪-‬‬ ‫‪54‬‬ ‫ندة‪/‬‬ ‫[ لما‬ ‫ورسولمكل والذين ءا منوأ فإن حرني أدئو ممص ائقلبون !)‬
‫ا‬

‫والولاية أصلها الحب ‪ ،‬فلا موالاة إلا بحب ؛ كما أن العداوة أصلها‬

‫البغض ‪ .‬والله ولي الذين آمنوا ‪ ،‬وهم أولياؤه ‪ ،‬فهم يوالونه بمحبتهم له‪،‬‬

‫محبته له‪.‬‬ ‫وهو يواليهم بمحبته لهم ‪ .‬فالله (‪ )1‬يوالي عبده بحسب‬

‫ولهذا أنكر سبحانه على من اتخذ من دونه أولياء ‪ ،‬بخلاف من والى‬
‫أولياءه ‪ ،‬فإنه لم يتخذهم من دونه ‪ ،‬بل موالاته (‪ )2‬لهم من تمام موالاته‪.‬‬

‫وقد أنكر على من سوى بينه وبين غيره في المحبة ‪ ،‬وأخبر أن من‬
‫فعل ذلان فقد اتخذ من دونه أندادا يحبهم (‪ )3‬كحب الله ‪ ،‬والذين آمنوا‬

‫أشد حبا لله ‪ .‬وأخبر عمن سوى بينه وبين الأنداد في الحب أنهم يقولون‬
‫في النار لمعبوديهم ‪ ( :‬تالئه ان كا لق ضدر فبين ! إذ دنسؤليهم برث‬

‫الفلمين !) [الشعراء‪. )89 - 79 /‬‬

‫وبهذا التوحيد في الحب أرسل الله سبحانه جميع رسله ‪ ،‬وأنرذ‬

‫جميع كتبه ‪ ،‬وأطبقت عليه دعوة الرسل من أولهم إلى اخرهم ‪ ،‬ولأجله‬
‫خلق السماوات والأرض والجنة والنار‪ ،‬فجعل الجنة لأهله ‪ ،‬والنار‬

‫به فيه(‪. )4‬‬ ‫للمشركين‬

‫(‪ )1‬ز‪!":‬انه "‪.‬‬

‫من دونه بل موالاتهم "‪.‬‬ ‫(‪ )2‬ف ‪" :‬فإنهم لم يتخذوهم‬

‫س ‪،‬ف ‪" :‬يحبونهم"‪.‬‬ ‫(‪)3‬‬
‫"فيه" ساقط من ف ‪.‬‬ ‫(‪)4‬‬

‫‪534‬‬

‫وقد أقسم النبي !ي! أنه "لا يؤمن عبد حتى يكون هو أحب إليه من‬
‫ولده ووالده والناس أجمعين "(‪ ) 1‬فكيف بمحبة الرب جل جلاله؟‬

‫وقال لعمر بن الخطاب ‪" :‬لا حتى أكون أحب إليك من نفسك "(‪. )2‬‬
‫أي لا تؤمن حتى تصل محبتك لي إلى هذه الغاية‪.‬‬

‫وإذا كان النبي !يم أولى بنا من أنفسنا في المحبة ولوازمها ‪ ،‬أفليس‬
‫الرب ‪ -‬جل جلاله ‪ ،‬وتقدلست أسماؤه ‪ ،‬وتبارك اسمه ‪ ،‬وتعالى جده ‪ ،‬ولا‬

‫إله غيره ‪ -‬أولى بمحبيه (‪ )3‬وعباده من أنفس!؟‬

‫وكل ما منه إلى عبده المؤمن يدعوه إلى محبته ‪ ،‬مما يحب العبد أ و‬
‫يكره ‪ .‬فعطاؤه ومنعه (‪ ،)4‬ومعافاته وابتلاؤه ‪ ،‬وقبضه وبسطه ‪ ،‬وعدله‬
‫وفضله ‪ ،‬وإماتته وإحياؤه ‪ ،‬ولطفه وبره ‪ ،‬ورحمته [‪/118‬ب] وإحسانه‪،‬‬
‫وستره وعفوه ‪ ،‬وحلمه وصبره على عبده ‪ ،‬وإجابته لدعائه ‪ ،‬وكشف‬

‫كربه ‪ ،‬وإغاثة لهفته ‪ ،‬وتفريج كربته ‪ -‬من غير حاجة منه إليه ‪ ،‬بل( ) مع‬
‫غناه التام عنه من جميع الوجوه (‪ - )6‬كل ذلك(‪ )7‬داع للقلوب إلى تألهه‬

‫ومحبته‪.‬‬

‫بل تمكينه عبده من معصيته ‪ ،‬وإعانته عليه وستره حتى يقضي وطره‬

‫(‪ )1‬تقدم تخريجه (‪. ) 464‬‬

‫(‪. ) 464‬‬ ‫(‪ )2‬تقدم تخريجه‬

‫(‪ )3‬ل ‪،‬س ‪ " :‬بمحبته " ‪ ،‬تصحيف‪.‬‬

‫"ومنعه" من ز ‪.‬‬ ‫(‪ )4‬ف ‪" :‬عطاؤه ومنعه " ‪ .‬وقد سقط‬

‫(‪" )5‬بل" ساقطة من ز‪ ،‬و"مع" ساقطة من س ‪.‬‬

‫(‪ )6‬ف ‪" :‬كل الوجوه "‪.‬‬

‫(‪ )7‬ل ‪" :‬وكل ذلك" خطأ‪ ،‬وقد سقط منها "داع"‪.‬‬

‫‪535‬‬

‫منها‪ ،‬وكلاءته وحراسته له وهو يقضي وطره من معصيته ‪ ،‬بعينه‪،‬‬
‫ويستعين عليها بنعمه = من أقوى الدواعي إلى محبته‪.‬‬

‫فلو أن مخلوقا فعل بمخلوق أدنى شيء من ذلك لم يملك قلبه عن‬
‫محبته ‪ ،‬فكيف لا يحب العبد بكل قلبه وجوارحه من يحسن إليه على‬

‫الدوام بعدد الأنفاس ‪ ،‬مع إساءته ؟ فخيره إليه نازل ‪ ،‬وشره إليه صاعد‪،‬‬
‫يتحبب إليه بنعمه وهو غني عنه ‪ ،‬والعبد يتبغض إليه بالمعاصي وهو فقير‬

‫إليه (‪ !)1‬فلا إحسانه وبره وإنعامه عليه يصده عن معصيته ‪ ،‬ولا معصية‬
‫العبد ولؤمه يقطح إحسان ربه عنه!‬

‫فألأم اللؤم تخلف القلوب عن محبة من هذا شأنه ‪ ،‬وتعفقها بمحبة‬

‫سواه !‬

‫وأيضا فكل من تحئه من الخلق ويحبك إنما يريدك لنفسه وغرضه‬

‫منك ‪ ،‬والله سبحانه وتعالى يريدك لك ‪ ،‬كما في الأثر الالهي ‪ " :‬عبدي ‪،‬‬

‫كل يريدك لنفسه ‪ ،‬وأنا أريدك لك "(‪ )2‬فكيف لا يستحيي العبد أن يكون‬

‫عنه ‪ ،‬مشغول بحب غيره ‪ ،‬قد‬ ‫‪)3( .‬‬
‫ربه ده بهذه المنزلة ‪ ،‬وهو معرض‬

‫استغرق (‪ )4‬قلبه محبة سواه ؟‬

‫وأيضا فكل من تعامله من الخلق إن لم يربح عليك لم يعاملك‪،‬‬

‫(‪ )1‬مأخوذ من "أثر إلهي " قال وهب بن منبه إنه قرأه في بعض الكتب ‪ .‬انطر حلية‬

‫ونقله المؤلف في غير موضع ‪ .‬انطر‪ :‬زاد المعاد‬ ‫الأولياء (‪.)4/31‬‬

‫(‪ ،)4 90 /2‬ومدارج السالكين (‪.)464 /1‬‬

‫(‪ )2‬ذكره المصنف أيضا في مدارج السالكين (‪.)3/704‬‬
‫(‪ )3‬ف ‪" :‬له ربه"‪.‬‬

‫(‪ )4‬س ‪،‬ل ‪" :‬وقد استغرق "‪.‬‬

‫‪536‬‬

‫ولا بد لهأ‪ )1‬من نوع من أنواع الربح ‪ .‬والرب تعالى إنما يعاملك لتربح‬
‫أنت عليه أعظم الربح وأعلاه ‪ .‬فالدرهم بعشرة أمثاله إلى سبعمائة ضعف‬
‫إلى أضعاف كثيرة ‪ ،‬والسيئة بواحدة ‪ ،‬وهي أسرع شيء محوا ‪.‬‬

‫وأيضا فهو سبحانه خلقك لنفسه ‪ ،‬وخلق كل شيء لك في الدنيا‬
‫والاخرة ‪ .‬فمن أولى منه باستفراغ الوسمع في محبته وبذل الجهد في‬
‫مرضاته؟‬

‫وأيضا فمطالبك بل مطالب الخلق كفهم جميعا لديه ‪ ،‬وهو أجود‬

‫الأجودين ‪ ،‬وأكرم الأكرمين ‪ ،‬وأعطى عبده قبل أن يسأله فوق ما يؤمله‪.‬‬

‫يشكر القليل من العمل وينميه [‪/911‬أ]‪ ،‬ويغفر الكثير من الزلل‬

‫والأرصني بر يوو هو ! شآن ) [الرحمن ‪. )92 /‬‬ ‫من فى صا!وت‬ ‫‪،‬‬ ‫‪3‬‬ ‫!‬ ‫‪.‬‬ ‫‪)21‬‬ ‫ويمحوه‬
‫يمتئلإ‬

‫لا يشغله سمع عن سمع ‪ ،‬ولا يغلطه كثرة المسائل ‪ ،‬ولا يتبرم بإلحاج‬
‫الملحين ‪ ،‬بل يحب الملحين في الدعاء ‪ .‬ويحب أن يسأل ‪ ،‬ويغضب (‪)3‬‬

‫إذا لم يسأل ‪ .‬يستحبي من عبده حيث(‪ )4‬لا يستحبي العبد منه ‪ ،‬ويستره‬

‫لا يرحم نفسه ‪ .‬دعاه بنعمه‬ ‫لا يستر نفسه ‪ ،‬ويرحمه حيث‬ ‫حيث‬

‫وإحسانه أ ) وأياديه إلى كرامته ورضوانه ‪ ،‬فأبى ‪ .‬فأرسل رسله في طلبه‪،‬‬

‫وبعث إليه معهم عهده ‪ .‬ثم نزل سبحانه إليه بنفسه ‪ ،‬وقال ‪" :‬من يسألني‬

‫(‪" )1‬له" ساقط من س ‪.‬‬
‫(‪ )2‬بعده في س ‪ ،‬ف ‪" :‬ويسأله"‪.‬‬

‫(‪ )3‬ف ‪" :‬فيغضب"‪.‬‬

‫(‪ )4‬ف ‪" :‬من حيث"‪ .‬والعبارة "يستحي ‪ . . .‬حيث لا" ساقطة من س ‪.‬‬
‫(‪ )5‬س ‪" :‬دعاه بإحسانه "‪.‬‬

‫‪537‬‬

‫فأعطيه ؟ من يستغفرني فأغفر له؟"(‪. )1‬‬

‫تاصبى أبعث رسولي في الطلب (‪)2‬‬ ‫للوصل‬ ‫أدعوك‬

‫النوام ! (‪)3‬‬ ‫في‬ ‫ألقاك‬ ‫بنفسي‬ ‫ا ليك‬ ‫أنزل‬

‫وكيف لا تحب القلوب من لا يأتي بالحسنات إلا هو‪ ،‬ولا يذهب‬
‫بالسيئات إلا هو‪ ،‬ولا يجيب الدعوات الا هو‪ ،‬ولا يقيل (‪ )4‬العثرات‬
‫ويغفر الخطيئات ويستر العورات ويكشف الكربات ويغيث اللهفات‬

‫وينيل الطلبات سواه ؟‬

‫فهو "أحق من بز‪ ،‬وأحق من بز‪ ،‬وأحق من بد‪ ،‬وأحق من‬

‫حمد ‪ ،‬وأنصر من ابتغي ‪ ،‬وأرأف من ملك ‪ ،‬وأجود من سئل ‪ ،‬وأوسع من‬
‫أعطى ‪ ،‬وأرحم من استرحم ‪ ،‬وأكرم من قصد"( )‪ ،‬وأعز من التجىء‬
‫إليه ‪ ،‬وأكفى من توكل عليه (‪ . )6‬أرحم بعبده من الوالدة بولدها(‪ ، )7‬وأشد‬

‫(‪ )1‬سبق تخريجه (‪.)233‬‬
‫(‪ )2‬ل ‪" :‬يطلبك"‪.‬‬

‫(‪ )3‬لم يرد هذا الشعر في س ‪ .‬وذهب على الناشرين أنه نظم ‪ ،‬فأثبتوه نثرا!‬
‫(‪ )4‬ف ‪" :‬ومن يقيل " ‪ .‬وفي ل ‪ ،‬ز‪" :‬ولا يجيب الدعوات ويقيل العثرات "‪.‬‬
‫(‪ )5‬هذا لفظ حديث أخرجه الطبراني في الكبير وفي الدعاء عن أبي أمامة الباهلي‬

‫الزوائد‬ ‫قال ‪ .. . . :‬وقال الهيثمي في مجمع‬ ‫أن النبي ع!ير كان إذا أصبح‬

‫رواه الطبراني وفيه فضالة بن عبيد مجمع على ضعفه‪.‬‬ ‫(‪:)01/117‬‬

‫وقد ذكره ابن القيم مضفنا في الوابل الصيب (‪ )153‬أيضا‪.‬‬

‫(‪ )6‬س ‪،‬ف ‪" :‬توكل العبد عليه " ‪ .‬ل ‪" :‬توكل عليه العبد"‪.‬‬

‫الله عنه ‪ .‬أخرجه البخاري في الأدب ‪ ،‬باب‬ ‫عمر رضي‬ ‫(‪ )7‬كما جاء في حديث‬

‫ومسلم في التوبة ‪ ،‬باب في سعة رحمة الله تعالى=‬ ‫رحمة الولد‪)9995( . 0 .‬؛‬

‫‪538‬‬

‫فرحا بتوبة التائب من الفاقد لراحلته التي عليها طعامه وشرابه في الأرض‬
‫المهلكة ‪ ،‬إذا يئس من الحياة ثم وجدها(‪. )1‬‬

‫وهو الملك لا شريك له ‪ ،‬والفرد فلا ند(‪ )2‬له ‪ .‬كل شيء هالك إلا‬

‫وجهه ‪ .‬لن يطاع إلا بإذنه ‪ ،‬ولن يعصى إلا بعلمه ‪ .‬يطاع فيشكر ‪ ،‬وبتوفيقه‬

‫‪)3( 0‬‬ ‫‪00‬‬ ‫ص‬

‫‪ ،‬وحمه أضيع‪.‬‬ ‫!يغمر ويعمو‬ ‫ونعمته أطيع ‪ .‬ويعصى‬

‫فهو أقرب شهيد وأجل حفيظ ‪ .‬وأوفى وفي بالعهد‪ ،‬وأعدل قائم‬

‫بالقسط ‪ .‬حال دون النفوس ‪ ،‬وأخذ بالنواصي ‪ ،‬وكتب الاثار‪ ،‬ونسخ‬

‫لديه (‪)4‬‬ ‫له مفضية ‪ ،‬والسر عنده علانية ‪ .‬والغيب‬ ‫الاجال ‪ .‬فالقلوب‬

‫‪ ،‬وكل أحد إليه ملهوف ( ) ‪.‬‬ ‫مكشوف‬

‫عنت الوجوه لنور وجهه ‪ ،‬وعجزت القلوب عن إدراك كنهه ‪ ،‬ودلت‬

‫لنور وجهه‬ ‫الفطر والأدلة كلها على امتناع مثله وشبهه ‪ .‬أشرقت‬
‫عليه جميع‬ ‫الظلمات ‪ ،‬واستنارت له الأرض والسماوات ‪ ،‬وصلحت‬

‫القسط‪،‬‬ ‫‪" .‬لا ينام ‪ ،‬ولا ينبغي له أن ينام ‪ .‬يحفظ‬ ‫المخلوقات‬

‫ويرفعه ‪/911[ .‬ب] يرفع إليه عمل الليل قبل النهار‪ ،‬وعمل النهار قبل‬
‫الليل ‪ .‬حجابه النور‪ ،‬لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه‬

‫(‪. )2754‬‬

‫الله عنه ‪ .‬أخرجه البخاري في الدعوات ‪،‬‬ ‫ابن مسعود رضي‬ ‫(‪ )1‬يشير إلى حديث‬

‫باب التوبة (‪)8063‬؛ ومسلم في التوبة ‪ ،‬باب في الحض على التوبة (‪.)2744‬‬

‫(‪ )2‬س ‪،‬ل ‪" :‬لا ند"‪.‬‬

‫(‪ )3‬س ‪" :‬مص ويغمص" ‪ .‬وسقط "صم" من ز ‪.‬‬

‫ز‪" :‬عنده"‪.‬‬
‫بعض هذه الألفاظ وارد في حديث أبي أمامة السابق‪.‬‬

‫‪953‬‬

‫بصره من خلقه "(‪. )1‬‬

‫عوصب ولو ملك الوجود بأسره‬ ‫ما اعتاض باذل حبه لسواه من‬

‫فصل‬

‫وهاهنا امر عظيم يجب على اللبيب الاعتناء به ‪ ،‬وهو أن كمال اللذة‬
‫والفرح والسرور ونعيم القلب وابتهاج الروح تابع لأمرين‪:‬‬

‫في نفسه وجماله وأنه أولى بإيثار‬ ‫أحدهما‪ :‬كمال المحبوب‬
‫الحب (‪ )2‬من كل ما سواه ‪.‬‬

‫والأمر الثاني ‪ :‬كمال محبته ‪ ،‬واستفراغ الوسع في حبه ‪ ،‬وإيثار قربه‬
‫والوصول إليه على كل شيء ‪.‬‬

‫وكل عاقل يعلم أن اللذة بحصول المحبوب بحسب قوة محبته‪.‬‬
‫فكلما كانت المحبة أقوى (‪ )3‬كانت لذة المحب (‪ )4‬أكمل ‪ .‬فلذة من اشتد‬
‫ظمؤه بإدراك الماء الزلال ‪ ،‬ومن اشتد جوعه بأكل الطعام الشهي ونظائر‬

‫ذلك على حسب شوقه وشدة إرادته ومحبته‪.‬‬

‫صماذا( ) عرف هذا فاللذة والسرور والفرح أمر مطلوب في نفسه ‪ ،‬بل‬
‫هو مقصود كل حي؛ وإذا كانت اللذة مطلوبة لنفسها‪ ،‬فهي‬

‫(‪ )1‬من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه ‪ .‬أخرجه مسلم في الايمان ‪ ،‬باب‬

‫في قوله عليه السلام ‪ :‬إن الله لا ينام ‪.)917( 0 0 .‬‬

‫(‪ )2‬ل ‪ ،‬حاشية س ‪" :‬المحبة"‪.‬‬
‫(‪" )3‬أقوى" ساقط من ز ‪.‬‬
‫(‪ )4‬ف ‪" :‬الحب"‪.‬‬
‫(‪ )5‬س ‪" :‬فإذا"‪.‬‬

‫‪054‬‬

‫تذم(‪ )1‬إذا أعقبت ألما أعظم منها ‪ ،‬أو منعت لذة خيرا وأجل منها ‪ .‬فكيف‬

‫إذا أعقبت أعظم الحسرات ‪ ،‬وفوتت أعظم اللذات والمسرات ؟ وتحمد‬
‫إذا أعانت على لذة عظيمة دائمة مستقرة لا تنغيص فيها ولا نكد بوجه‬

‫ما(‪ ،)2‬وهي لذة الاخرة ونعيمها وطيب العيش فيها(‪ . )3‬قال تعالى ‪ ( :‬في‬

‫[الأعلى‪ ،]17- 16 /‬وقال‬ ‫تؤثرون ا!يؤة الدتيا ! والأخرة صئر وأئقى‪)! +‬‬

‫السحرة لفرعون لما امنوا‪( :‬فاقض مآ أنت قاضالط إنما نقضى هذ الحيؤة‬

‫الدشا ! إنا ءامنا بربخا ليغفر لنا خطيتا وما كرضنا علته من الشخر واله ضثر‬

‫وأئقئ!)(‪[ )4‬طه‪.]73-72 /‬‬

‫ا‬ ‫والله سبحانه خلق الخلق لينيلهم هذه اللذة الدائمة في دار الخلد‪،‬‬
‫وأما الدنيا فمنقطعة ‪ ،‬ولذاتها لا تصفو أبدا ولا تدوم ‪ ،‬بخلاف الآخرة فإن‬
‫لذاتها دائمة ‪ ،‬ونعيمها خالص من كل كدر وألم ‪ ،‬وفيها ما تشتهيه الأنفس‬
‫وتلذ الأعين مع الخلود أبدا ‪ .‬ولا تعلم نفس ما أخفى الله لعباده فيها( )‬
‫من قرة أعين ‪ ،‬بل فيها ما لا عين رأت ‪ ،‬ولا أذن سمعت ‪ ،‬ولا خطر على‬

‫قلب ‪/1012‬أ] بشر‪.‬‬
‫وهذا المعنى الذي قصده الناصح لقومه بقوله ‪ ( :‬يقؤ! اثبعودؤ‬

‫أقد!خ سبيل ألرشاد ! يقؤ! إنمما هذه ألجؤة ا لديخا !ح وإن لأخت‬
‫! دار الق!ار ! )(‪[ )6‬غافر‪ ]93-38 /‬فأخبرهم أن الدنيا متاع‬

‫(‪ )1‬ف‪":‬ندم"‪،‬ضحم‪.‬‬
‫(‪ )2‬ل ‪" :‬وتنكد بوجه " ‪.‬‬
‫(‪" )3‬ولا نكد‪ . . .‬فيها" ساقط من س ‪.‬‬
‫(‪ )4‬في النسخ ‪" :‬اقض" دون الفاء‪.‬‬
‫(‪ )5‬ف ‪" :‬فلا تعلم نفس ما أخفي لهم"‪.‬‬
‫في النسخ ‪" :‬اتبعوني‪ ،‬ب!ثبات الياء‪ ،‬وقد أثبتها أبو عمرو وقالون في الوصل ‪)6(= ،‬‬

‫‪541‬‬

‫يستمتع ‪ 1‬بها الى غيرها ‪ ،‬وأن الاخرة هي المستقر‪.‬‬

‫وإذا عرف أن لذات الدنيا ونعيمها متاع ووسيلة الى لذات‬
‫الاخرة (‪ ،)2‬ولذلك خلقت الدنيا ولذاتها‪ ،‬فكل لذة أعانت على لذة‬
‫الاخرة وأوصلت اليها لم يذم تناولها ‪ ،‬بل يحمد بحسب إيصالها إلى لذة‬

‫الاخرة ‪.‬‬

‫اذا عرف هذا‪ ،‬فأعظم نعيم الاخرة ولذاتها ‪ :‬النظر إلى وجه الرب‬
‫جل جلاله ‪ ،‬وسماع كلامه منه ‪ ،‬والقرب منه ؛ كما ثبت في الصحيح في‬

‫حديث الرؤية ‪" :‬فوالله ما أعطاهم شيئا أحمث إليهم من النظر إليه "(‪. )3‬‬

‫اخر‪" :‬إنه إذا تجلى لهم ورأوه نسوا ما هم فيه من‬ ‫وفي حديث‬
‫النعيم "(‪.)4‬‬

‫وفي النسأ ائي ومسند الامام أحمد من حديث عمار بن ياسر عن‬

‫رضي الله عنه ‪ .‬أخرجه مسلم‬ ‫صهيب‬ ‫وابن كثير في الحالين ‪ .‬الاقناع (‪.)755‬‬
‫(‪ )1‬س ‪،‬ل ‪ " :‬يتمتع "‪.‬‬

‫(‪ )2‬ف ‪" :‬لذة الآخرة "‪.‬‬
‫(‪ )3‬ف ‪" :‬إلى وجهه الكريم " ‪ .‬وهو من حديث‬

‫وتعالى‬ ‫إثبات رؤية المؤمنين في الاخرة رئهم سبحانه‬ ‫في الايمان ‪ ،‬باب‬
‫(‪.)181‬‬

‫وابن أبي‬ ‫(‪ )4‬أخرجه ابن ماجه (‪ )184‬والعقيلي في الضعفاء (‪)275-2/274‬‬

‫الدنيا في صفة الجنة (‪ )89‬وغيرهم بنحوه ‪ .‬فيه الفضل بن عيسى الرقاشي‬

‫متروك الحديث ‪ .‬والحديث تكلم فيه العقيلي وابن عدي وابن الجوزي وابن‬
‫كثير والبوصيري ‪ .‬وجاء عن الحسن البصري بمثله عند الآجري في الشريعة‬
‫(‪ .)572‬وفي سنده عمر بن مدرك القاص ‪ .‬قال يحى بن معين ‪ :‬كذاب ‪ .‬انظر‬

‫الجرح (‪ ) 136 /6‬ولسان الميزان (‪ /6‬رقم ‪.)0956‬‬

‫‪542‬‬

‫النبي !م في دعائه ‪" :‬وأسأ لك لذة النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك "( ‪. ) 1‬‬

‫وفي كتاب السنة لعبدالله ابن الامام أحمد(‪ )2‬مرفوعا ‪" :‬كأن الناس‬
‫يوم القيامة لم يسمعوا القرآن ‪ .‬إذا سمعوه (‪ )3‬من الرحمن ‪ ،‬فكأنهم (‪ )4‬لم‬

‫يسمعوه قبل ذلك " ‪.‬‬

‫وإذا عرف هذا‪ ،‬فأعظم الأسباب التي تحصل هذه اللذة هو أعظم‬
‫لذات الدنيا على الاطلاق ‪ ،‬وهو لذة معرفته سبحانه ولذة محبته ‪ ،‬فإن‬

‫ذلك هو جنة الدنيا ونعيمها العالي ؛ ونسبة لذاتها الفانية إليه كتفلة في‬
‫بحر‪ ،‬فإن الروج والقلب والبدن إنما خلق لذلك ‪ .‬فأطيب ما في الدنيا‬

‫معرفته ومحبته ‪ ،‬وألد ما( ) في الجنة رؤيته ومشاهدته ‪ .‬فمحبته ومعرفته‬

‫‪ .‬بل‬ ‫قرة العيون ‪ ،‬ولذة الأرواج ‪ ،‬وبهجة القلوب ‪ ،‬ونعيم الدنيا وسرورها‬

‫لذات الدنيا القاطعة عن ذلك تنقلب آلاما وعذابا‪ ،‬ويبقى صاحبها في‬

‫(‪ )1‬سبق تخريجه (‪.)942 -428‬‬
‫(‪ )2‬لم أجده في المطبوع ‪ .‬والحديث أخرجه الرافعي في التدوين (‪ )2/304‬من‬
‫طريق إسماعيل بن رافع عن محمد بن كعب القرظي عن أبي هريرة قال قال‬

‫رسول الله ع!يم ‪" :‬كأن الخلق لم يسمعوا القران حين يسمعونه من الرحمن يتلوه‬

‫عليهم يوم القيامة "‪.‬‬
‫ورواه بعضهم من قول محمد بن كعب القرظي قال ‪" :‬كأن الناس لم يسمعوا‬

‫القران قبل يوم القيامة حين يتلوه الله عليهم "‪ .‬أخرجه أبو الشيخ الأصبهاني‬

‫(الدر المنثور ‪. ) 3/13‬‬

‫والمرفوع لا يصح ‪ ،‬لأن فيه إسماعيل بن رافع المدني ضعيف‪.‬‬

‫(‪ )3‬ز‪" :‬سما"‪.‬‬

‫(‪ )4‬ف ‪" :‬كأنهم"‪.‬‬

‫الكلمة على بعض من قرأ النسخة‬ ‫(‪ )5‬س ‪" :‬والدنيا"‪ ،‬تحريف ‪ .‬ولفا أشكلت‬

‫ضرب عليها ثلاث مزات!‬

‫‪543‬‬

‫المعيشة الضنك ‪ ،‬فليست الحياة الطيبة إلا بالله‪.‬‬

‫وكان بعض المحئين تمز به أوقات ‪ ،‬فيقول ‪ :‬إن كان أهل الجنة في‬
‫مثل هذا ‪ ،‬إنهم لفي عيش طيب !(‪)1‬‬

‫يقول ‪ :‬لو علم الملوك ما نحن فيه لجالدونا‬ ‫وكان غيره [‪/012‬ب]‬
‫عليه بالسيوف (‪. )2‬‬

‫على قلب‬ ‫وإذا كان صاحما المحبة الباطلة التي هي عذاب‬
‫المحمث(‪ )3‬يقول في حاله‪:‬‬

‫ولا خير فيمن لا يحب ويعشق (‪)4‬‬ ‫وما الناس إلا العاشقون ذوو الهوى‬

‫ويقول الاخر(‪: )5‬‬

‫صاحما الدنيا محبا أو حبيبا(‪)7‬‬ ‫أف للدنيا متى ما لم يكن(‪)6‬‬

‫(‪ )1‬سبق في ص (‪.)186‬‬
‫(‪ )2‬سبق أيضا في ص (‪.)186‬‬

‫(‪ )3‬ف ‪" :‬كان المحبة ‪ . . .‬عذاب القلب والمحب "‪ .‬وفي ل ‪" :‬على قول المحب "‪.‬‬
‫(‪ )4‬البيت للعباس بن الأحنف في ديوانه (‪ .)222‬وقد عزاه المؤلف إليه في روضة‬

‫المحبين (‪ .)282‬وانظر منازل الأحباب (‪ )05‬ومدارج السالكين (‪.)212 /3‬‬
‫(‪ )5‬بل صاحب البيت السابق نفسه ‪ ،‬كما في منازل الأحباب (‪ .)05‬وانظر ديوان‬

‫العباس (‪.)58‬‬
‫ز ‪ " :‬إذا ما لم يكن " ‪ .‬وكذا في المنازل والديوان ‪ .‬وفي ل ‪ " :‬متى لم يكن " ‪ ،‬خطأ‪)6(.‬‬
‫(‪ )7‬كذا ورد البيت في س ‪ ،‬ومنازل الأحباب ‪ .‬وهي رواية مغئرة ‪ ،‬فإن الأبيات التي‬

‫منها هذا البيت من الضرب الثالث من الرمل ‪ ،‬وعجزه في الديوان (‪ )58‬هكذا‪:‬‬

‫الدنيا حبيبا أو محمت‬ ‫صاحب‬

‫والذي في النسخة س والمنازل من الضرب الأول ‪ .‬وفي خا‪" :‬محثا أو‬

‫حبيب " ‪ ،‬وفي النسخ الأخرى ‪" :‬محمث أو حبيب "‪ ،‬وهما من الضرب الثانيا‬

‫‪544‬‬

‫رت وحيد مفرد غير عاشق (‪)1‬‬ ‫ويقول الاخر‪:‬‬
‫ولا خير في الدنيا ولا في نعيمها‬

‫ذهب الزمان وأنت منفرد(‪)2‬‬ ‫ويقول الاخر‪:‬‬
‫اسكن إلى سكن تلذ بحبه‬

‫ويقول الاخر‪:‬‬

‫تحملت ما يلقون من بينهم وحدي‬ ‫تشكى المحبون الصبابة ليتني‬

‫فلم يلقها قبلي محمث ولابعدي (‪)3‬‬ ‫فكانت لقلبي لذة الحب كلها‬

‫فكيف بالمحبة التي هي حياة القلوب وغذاء الأرواج ‪ ،‬وليس للقلب‬

‫(‪ )1‬منازل الأحباب (‪ .)51‬وانظر‪ :‬روضة المحبيق (‪ ،)283‬ومدارج السالكين‬

‫(‪.)3/312‬‬

‫إحسان عباس ‪:‬‬ ‫(‪ )2‬البيت لبشار بن برد من قصيدة في ديوانه (ابن عاشور ‪،3/62 :‬‬

‫‪ )926‬مطلعها‪:‬‬

‫وتعز ترقد مثل ما رقدوا‬ ‫دع ذكر عبدة إنه فند‬
‫ورواية صدر البيت فيه‪:‬‬

‫فاسكن إلى سكني تسر به‬
‫ويروى ‪" :‬تلذ به"‪ .‬انظر‪ :‬ديوانه (العلوي ‪ ،66‬الحاشية )‪ .‬فالأبيات من‬

‫الضرب الرابع من الكامل ‪ .‬والذي ورد هنا من الضرب الثاني ‪ .‬وفي روضة‬

‫المحبين (‪ . . ." :)284‬وأنت خال مفرد" وفي مدارج السالكين (‪:)3/212‬‬

‫ذاكرة‬ ‫"وانت منفرد به" من الضرب الأول ‪ .‬ولا أدري أذلك كله من تصزف‬

‫المؤلف أم فيه نصيب للناسخين والناشرين ايضا؟‬

‫(‪ )3‬سبق البيتان في ص (‪.)427‬‬

‫‪545‬‬

‫لذة ولا نعيم ولا فلاح ولا حياة إلا بها ‪ ،‬وإذا فقدها القلب كان ألمه أعظم‬
‫من ألم العين إذا فقدت نورها‪ ،‬والأذن إذا فقدت سمعها‪ ،‬والأنف إذا‬

‫فقد شمه ‪ ،‬واللسان إذا فقد نطقه ؟ بل فساد القلب إذا خلا من محبة فاطره‬
‫وبارئه وإلهه الحق أعظم من فساد البدن (‪ )1‬إذا خلا من الروح ‪ .‬وهذا أمر‬

‫لا يصدق به إلا من فيه حياة ‪ ،‬و"ما لجرع بمئت إيلام "(‪!)2‬‬

‫والمقصود أن أعظم لذات الدنيا هو السبب الموصل إلى أعظم لذة‬

‫في الاخرة ‪.‬‬

‫ولذات الدنيا ثلاثة أنواع ‪:‬‬

‫فأعظمها وأكملها ‪ :‬ما أوصل إلى لذة الآخرة ‪ .‬ويثاب الانسان على‬

‫هذه اللذة أتم ثواب ‪ .‬ولهذا كان المؤمن يثاب على ما يقصد به وجه الله‬
‫من أكله وشربه ولبسه ونكاحه ‪ ،‬وشفاء غيظه بقهر(‪ )3‬عدو الله وعدوه ؟‬

‫بلذة إيمانه ومعرفته بالله ‪ ،‬ومحبته له(‪ ،)4‬وشوقه إلى لقائه‪،‬‬ ‫فكيف‬

‫وطمعه في رؤية وجهه الكريم في جنات النعيم؟‬

‫النوع الثالي ‪ :‬لذة تمنع لذة الاخرة ‪ ،‬وتعقب آلاما أعظم منها ‪ ،‬كلذة‬
‫الذين اتخذوا من دون الله أوثانا مودة بينهم في الحياة الدنيا‪ ،‬يحبونهم‬

‫كحب الله ‪ ،‬ويستمتعون بعضهم ببعض ‪ ،‬كما يقولون في الآخرة إذا لقوا‬
‫ربهم ‪ ( :‬رئنا اشتتتع بعضنا ببغصبر وبلغنآ أجلنا الذى أ!ت[‪ /121‬أ] لنأ قال الئار‬

‫مثولبهم خلدين فيهآ !‪ ،‬ما شاء أدئه !ن رئك صكيص علير ! كذلك نوذ بغض‬

‫(‪" )1‬إذا خلا‪ . . .‬البدن " ساقط من س ‪.‬‬
‫(‪ )2‬للمتنبيئ ‪ ،‬وقد سبق في ص (‪.)133‬‬

‫(‪ )3‬ف ‪" :‬بموت"‪.‬‬
‫(‪" )4‬له" ساقط من ز‪ .‬وكذلك "بالله" من ل ‪.‬‬

‫‪546‬‬

‫[الأنعام‪ ،] 912 - 128 /‬ولذة أصحاب‬ ‫الطفين بعفها بما كالؤا يكسبون !)‬

‫الفواحش والظلم والبغي في الأرض والعلو بغير الحق‪.‬‬

‫وهذه اللذات في الحقيقة إنما هي استدراج من الله لهم ‪ ،‬ليذيقهم بها‬
‫أعظم الالام ‪ ،‬ويحرمهم بها أكمل اللذات ؛ بمنزلة من قدم لغيره طعاما‬
‫لذيذا مسموما يستدرجه به(‪ )1‬إلى هلاكه‪.‬‬

‫قال تعا لى ‪ ( :‬سنستتذ جهم من جئث لا يعلمون في وأننل لهتم ات كيذى‬

‫[الأعراف ‪. ] 1 83 - 1 82 /‬‬ ‫تيما !)‬

‫قال بعض السلف في تفسيرها‪ :‬كلما أحدثوا ذنبا أحدثنا لهم‬

‫دابر‬ ‫‪.‬لعمه‪ . )2(-‬ء! حتجع إذا فرحوا ‪0‬سا أولؤا ‪1‬يذنهم بغتة فإذا هم مبلسون كافقطع‬

‫[الأنعام ‪. ] 4 5 - 4 4 /‬‬ ‫ئقؤس الذين ظدموا والحضدصدئو رب الفمين !)‬ ‫ا‬

‫وقال تعالى في أصحاب (‪ )3‬هذه اللذات ‪! :‬و أ!سبون أنما !ذ! بهءمن‬

‫لهم فى الحيزلت بل لا يممثعرون لآ*بم) [المؤمنون ‪. ] 56 - 5 5 /‬‬ ‫مال وبنين !دنساخ‬

‫وقال في حقهم ‪ ( :‬فلا لشجبك أئولهض ولآ أؤلدهتم إنما يرلدأدله العذبهم‬
‫بها فى الحيوة ا لديخا وتزهق أنفسهتم وهم بهفرون بى ) [التوبة ‪ 5 /‬ه ] ‪.‬‬

‫وهذه اللذات تنقلب اخرا آلاما من أعظم الآلام ‪ ،‬كما قيل‪:‬‬

‫(‪" )1‬به" ساقط من ز ‪.‬‬
‫(‪ )2‬جاء عن الضحاك قال ‪" :‬كلما جددوا معصية جددنا لهم نعمة "‪ .‬ذكره الواحدي‬
‫في الوسيط (‪ )431 /2‬والبغوي في تفسيره (‪ .)3/803‬وجاء عن عبدالله بن‬
‫داود الخريبي أخرجه ابن أبي الدنيا في الشكر (‪ ،)116‬ومن طريقه أبو نعيم في‬
‫الحلية (‪ )7/7‬والبيهقي في الأسماء والصفات (‪ ،)2401‬وسنده صحيح ‪ .‬وجاء‬

‫عن يحى بن المثنى عن أبي الشيخ (الدر المنثور ‪.)272 /3‬‬
‫(‪ )3‬ل ‪" :‬لأصحاب " ‪.‬‬

‫‪547‬‬

‫عذابا فصارت في المعاد عذابا(‪)1‬‬ ‫مآرب كانت في الحياة لأهلها‬

‫النوع الثالث ‪ :‬لذة لا تعقب لذة في دار القرار ولا ألما‪ ،‬ولا تمنع‬
‫أصل لذة دار القرار ‪ ،‬وإن منعت كمالها(‪ . )2‬وهذه اللذة المباحة التي لا‬
‫يستعان بها على لذة الآخرة ‪ .‬فهذه زمانها يسير‪ ،‬ليس لتمثع النفس بها‬

‫قدر ‪ ،‬ولابد أن تشغل (‪ )3‬عما هو خير وأنفع منها(‪. )4‬‬

‫وهذا القسم هو الذي عناه النبي لمجيم بقوله ‪" :‬كل لهو يلهو به الرجل‬
‫فهو باطل ‪ ،‬الا رميه بقوسه ‪ ،‬وتأديبه فرسه ‪ ،‬وملاعبته امرأته ؛ فإنهن من‬

‫الحق "(‪.)5‬‬

‫فما أعان على اللذة المطلوبة لذاتها فهو حق ‪ ،‬وما لم يعن عليها فهو‬
‫باطل (‪.)6‬‬

‫فصل‬
‫فهذا الحب لا ينكر ولا يذم ‪ ،‬بل هو أحمد أنواع الحب (‪ . )7‬وكذ لك‬

‫وابن ماجه‬ ‫(‪ )1‬س ‪" :‬فصارت في الممات " وقد سبق البيت في ص (‪.)404‬‬
‫(‪ )2‬ز ‪" :‬لذة كمالها"‪.‬‬
‫(‪ )3‬س ‪ " :‬تشتغل" ‪.‬‬

‫(‪" )4‬منها" ساقط من ف ‪.‬‬
‫(‪ )5‬أخرجه أبوداود (‪ )2513‬والترمذي (‪ )1637‬والنسائي (‪)0358‬‬

‫(‪ )2811‬وأحمد في المسند (‪ )4/144‬والحاكم في المستدرك (‪ .)2467‬من‬

‫وفي‬ ‫حسن"‪.‬‬ ‫عقبة بن عامر الجهني ‪ .‬قال الترمذي ‪" :‬هذا حديث‬ ‫حديث‬

‫نسخة ‪" :‬هذا حديث حسن صحيح "‪ .‬وقال الحاكم ‪ :‬صحيح الإسناد‪.‬‬
‫(‪ )6‬أشار شيخ الاسلام إلى هذا المعنى مرار‪ ،‬في الفتاوى وغيرها‪.‬‬
‫(‪ )7‬ف ‪" :‬المحبة ث!‪.‬‬

‫‪548‬‬

‫حب رسول الله عفيم ‪ .‬وإئما نعني المحبة الخاصة ‪ ،‬وهي التي تشغل قلب‬

‫المحب (‪ )1‬وفكره وذكره لمحبوبه ‪/121[ ،‬ب] وإلا فكل مسلم في قلبه‬

‫مد ت (‪)2‬‬
‫محبه لله ورسوله ‪ ،‬لا يدخل في الاسلام إلا بها ‪ .‬والناس متفاوتون مي‬

‫هذه المحبة تفاوتا لا يحصيه إلا الله ‪ ،‬فبين محبة الخليلين ومحبة‬ ‫درجات‬

‫غيرهما ما بينهما‪.‬‬

‫فهذه المحبة التي تلطف الروج(‪ ،)3‬وتخفف أثقال التكاليف‪،‬‬

‫وتسخي البخيل ‪ ،‬وتشجع الجبان ‪ ،‬وتصفي الذهن ‪ ،‬وتروض النفس‪،‬‬

‫الحياة على الحقيقة ‪ ،‬لا محبة الصور المحرمة ‪ .‬وإذا بليت‬ ‫وتطيب‬

‫السرائر يوم اللقاء كانت سريرة صاحبها من خير(‪ )4‬سرائر العباد‪ ،‬كما‬

‫قيل‪:‬‬

‫سريرة حما يوم تبلى السرائر( )‬ ‫سيبقى لكم في مضمر القلب والحشا‬

‫وهذه المحبة التي تنور الوجه ‪ ،‬وتشرج الصدر ‪ ،‬وتحيي القلب‪.‬‬

‫ن‬ ‫محبة كلام الله ‪ ،‬فإنه من علامة محبة الله ‪ .‬وإذا أردت‬ ‫وكذلك‬
‫أ‬

‫تعلم (‪ )6‬ما عندك وعند غيرك من محبة الله ‪ ،‬فانظر إلى محبة القران (‪ )7‬من‬

‫(‪ )1‬ز‪":‬قلبه "‪.‬‬

‫الله "‪.‬‬ ‫(‪ )2‬س‪،‬ف‪":‬محبة‬

‫(‪" )3‬الروح " من ف ‪.‬‬

‫(‪ )4‬ل ‪" :‬خير" دون "س"‪.‬‬

‫الأنصاري ‪ .‬انظر‪ :‬شعره المجموع‬ ‫والبيت للأحوص‬ ‫(‪ )5‬ف ‪" :‬سرائر حمث"‪.‬‬

‫(‪ .) 145‬وقد تمثل المؤلف به في روضة المحبين (‪ )504‬والتبيان (‪.)66‬‬
‫(‪ )6‬ف ‪" :‬أن تعرف "‪ ،‬رهو ساقط س س ‪.‬‬
‫(‪ )7‬ما عدا ز‪" :‬فانظر محبة القران "‪.‬‬

‫‪954‬‬

‫قلبك ‪ ،‬والتذاذك بسماعه أعظم من التذاذ أصحاب (‪ )1‬الملاهي والغناء‬
‫المطرب (‪ )2‬بسماعهم ؛ فإنه من المعلوم أن من أحب محبوبا كان كلامه‬
‫وحديثه أحب شيء إليه ‪ ،‬كما قيل‪:‬‬

‫كتابي‬ ‫فلم هجرت‬ ‫إن كنت تزعم حبي‬
‫أما تأملت ما فب‬
‫ء من لذيذ خطابي (‪)3‬‬

‫وقال عثمان بن عفان رضي الله عنه ‪ :‬لو طهرت قلوبنا لما شبعت (‪)4‬‬

‫من كلام الله ( ) ‪.‬‬

‫وكيف يشبع المحب من كلام محبوبه ‪ ،‬وهو غاية مطلوبه!‬

‫"اقرأ علي"‪ ،‬فقال ‪ :‬أقرأ‬ ‫وقال النبي ع!يم يوما لعبدالله بن مسعود‪:‬‬

‫عليك ‪ ،‬وعليك أنزل ؟ فقال ‪" :‬إني أحب أن أسمعه من غيري "‪.‬‬

‫فاستفتح ‪ ،‬وقرأ سورة النساء ‪ ،‬حتى إذا بلغ قوله ‪ ( :‬فكتف إذاجئنا من‬

‫ص أفة بشهيد وجئنا يك عك هولا سحييها ! ) أ النساء‪ ]41 /‬قال ‪:‬‬

‫الله سك!ييه تذرفان من البكاء"(‪. )6‬‬ ‫" ‪ .‬فرفح رأسه ‪ ،‬فإذا عينا رسول‬ ‫"حسبك‬

‫ساقط من ز ‪.‬‬ ‫(‪" )1‬أصحاب"‬

‫(‪ )2‬ف ‪ " :‬الغناء والطرب " ‪.‬‬
‫(‪ )3‬البيتان في روضة المحبين (‪.)312‬‬

‫(‪ )4‬س ‪،‬ف ‪" :‬ما شبعت "‪.‬‬
‫(‪ )5‬أخرجه عبدالله بن أحمد في زوائده على الزهد (‪ )678‬وفي زوائده على فضائل‬

‫من طريق‬ ‫الصحابة (‪ )775‬ومن طرلقه أبو نعيم في الحلية (‪،)7/272،003‬‬

‫سفيان بن عيينة قال ‪ :‬قال عثمان بن عفان فذكره ‪ .‬وسنده ضعيف للانقطاع ‪.‬‬
‫(‪ )6‬أخرجه البخاري في فضائل القران ‪ ،‬باب البكاء عند قراءة القران (‪)5505‬؛‬

‫ومسلم في صلاة المسافرين ‪ ،‬باب فصل استماع القران (‪.)08 0‬‬

‫‪055‬‬


Click to View FlipBook Version