عليه ( )1بما لا يمكن حصر فساده ،ولا يعلم تفصيله إلا الله.
ثم أكد قبح ذلك بأن اللوطية عكسوا فطرة الله التي فطر عليها
الرجال ،وقلبوا الطبيعة التي ركبها الله في الذكور ،وهي شهوة النساء
دون شهوة الذكور .فقلبوا الأمر ،وعكسوا الفطرة والطبيعة ،فأتوا
الرجال شهوة من دون النساء( . )2ولهذا قلب الله سبحانه عليهم ديارهم،
قلبوا هم وبمسوا( )3في العذاب على فجعل عاليها سافلها .وكذلك
()4
رؤوسهم.
ثم أكد سبحانه قبح ذلك بأن حكم عليهم بالاسراف ،وهو مجاوزة
الحد ،فقال ( :بل أنتص فوم شسرفوت !) [الأعراف . ]8 1 /
فتأمل هل جاء ذلك أو قريبا منه في الزنى؟
وأكد سبحانه ذلك عليهم بقوله ( :ونجينه صت القزلة ألتى كانت
تغمل لمخبهمث ) [الأنبباء .]74 /ثم أكد عليهم الذم بوصفين في غاية
القبح ،فقال ! :انهو كانوا [ /86ب ] قؤهـسولم فسقين !) [ا!نبيا ء. )7 4 /
أن!في على ائقؤهـ وسماهم "مفسدين" في قول نبيهم ( :رب
أئمفسديف !) [العنكبوت . ]03 /وسماهم "ظالمين " في قول الملائكة
!) لابراهيم ( :إنا مفلكوا أقل هذه اتقربة إن أهلها !انوا طلمن
[العنكبوت . ]3 1 /
( )1أي تزيد عليه .وفي ف " :عليها" .والكلمة ساقطة من ل .
(" )2دون شهوة . . .النساء" ساقط من س .
( )3س " :قلبوا ونكسوا" .
" ساقط من ز . (" )4ثم أكد قبح ذلك . . .رؤوسهم
104
فتأمل من عوقب بمثل هذه العقوبات ،ومن ذمه الله ( )1بمثل هذه
المذمات! ولما جادل فيهم خليله إبراهيم الملائكة ،وقد أخبروه
بإهلاكهم ،قيل له ( :يإئرهص أضض عن فذا إنه فذ جا أض هـئك فىاضهم ءاتهئم
]. 76 عذ اب غترعض دولر !) [ هود/
وتأمل خبث اللوطية وفرط تمردهم على الله ،حيث( )2جاؤوا نبيهم
لوطا لما سمعوا بأنه قد طرقه أضياف هم من أحسن البشر صورا ،فأقبل
اللوطية إليه ( )3يهرولون .فلما راهم قال لهم ( :يقومص هؤلاء بناق هر
أصاهرلكئم ) [هود ،]78 /ففدبص أضيافه ببتاته ،يزوجهم بهن ،خوفا على
نفسه وأضيافه من العار الشديد ،فقال ( :ئقؤمص هؤلاء بناق هر أصاهرلكئم
،تقوا الله ولا تخزون فى ضئفى ألئس منكؤ رجل زشيد !) [هود ، ]78 /فردوا
عليه ،ولكن رد جبار عنيد ( :لقذ عفت ما لنا فى بناتك مق حق صانك لنغلو ما
من قلب مكروب نرلد) [هود . ]97 /فنفث نبي الله نفثة مصدور ،وخرجت
عميد( ، )4فقال ( :لؤ أن لى بكئم قوة أؤءاوى إك صنز نصديد ) [هود. ]08 /
فتفس له رسل الله ،وكشفوا له عن حقيقة الحال ،وأعلموه أنهم ليسوا( )
ممن يوصل إليهم ولا إليه بسببهم ،فلا تخف منهم ،ولا تعبأ بهم ،وهون
علياص ،فقالوا ( :لئوصذ إنا رسل رئاص لن يصثوا إلصك ) [هود ]81 /وبشروه بما
جاؤوا به من الوعد له ،ولقومه من الوعيد المصيب ،فقالوا! :و فأسر
ئن اليل ولا يلئفت من!ئم أصد إلا ائصانك إنه مصيبها ما أصابهئم بأفلثءلقظع
( )1زاد في س " :عليه " ،وهو خطأ.
( )2ز" :حين".
( )3لم يرد "إليه" في س .
( )4العميد :الشديد الحزن .
( )5ل " :أنه ليس".
204
ان موعدهم ألضبح ) ([ )1هود . )81 /فاستبطأ نبيئ الله موعد هلاكهم (،)2
وقال :أريد أعجل [/87أ] من هذا ،فقالت الملائكة ( :ألئس ألصبح
بقرليم!).
فوالله ما كان بين هلاك أعداء الله ونجاة نبيه وأوليائه إلا ما بين السحر
وطلوذع الفجر ،وإذا بديارهم قد اقتلعت من أصولها ،ورفعت نحو
السماء ،حتى سمعت الملائكة نباج الكلاب ونهيق الحمير .فبرز
المرسوم الذي لا يرد من عند الرب الجليل إلى عبده ورسوله جبريل بأن
يقلبها عليهم ،كما أخبر به في محكم التنزيل ،فقال عز من قائل ( :فلئا
جاء أضنا جدقنا غدها سافلها وأمطزنا علتها حجازهة قن سجلى ) [هود/
. )82
للمتقين ،ونكالأ وسلفَا لمن ايهي للعالمين ،وموعظة فجعلهم
شاركهم في أعمالهم من المجرمين ،وجعل ديارهم بطريق السالكين.
! إن فى ذلك لأيمز ئقتوكين !وإخها لبسبيل مقيص ! إن فى ذلك لأية
لقموضمنين!)[الحجر.]77-75 /
أخذهم على غرة وهم نائمون ،وجاءهم بأسه وهم في سكرتهم
يعمهون ،فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون ،فانقلبت ( )3تلك اللذات
الافا فأصبحوا بها يعذبون :
( )1وردت الآية في جميع النسخ والطبعات التي بين يدقي بتكملتها الاتية فيما بعد،
للسياق . ولعله سهو من النساخ ،ف!ن إثباتها هنا مخالف
( )2ل " :أمر موعد هلاكهم ".
( )3ز" :تقلبت ".
304
عذابا فصارت في الممات عذابا()1 مآرب كانت في الحياة لأهلها
ذهبت اللذات ،وأعقبت الحسرات .وانقضت الشهوة ،وأورثت
طويلا .رتعوا مرتعا وخيما ،فأعقبهم الشقوة .تمتعوا قليلا ،وعذبوا
عذابا أليما .أسكرتهم خمرة تلك الشهوة ،فما استفاقوا منها إلا في ديار
المعذبين .وأرقدتهم تلك الغفلة ،فما استيقظوا إلا وهم في منازل
الهالكين .فندموا والله أشد الندامة حين لا ينفع الندم .وبكوا على ما
أسلفوه بدل الدموع بالدم .
فلو رأيت الأعلى والأسفل من هذه الطائفة ،والنار تخرج من منافذ
وجوههم وأبدانهم ،وهم بين أطباق الجحيم ،وهم يشربون بدل لذيذ
الشراب كؤوس الحميم ،ويقال لهم ،وهم على وجوههم يسحبون :
أ الزمر ( ، ) 2 4 /آضلؤها فاضبروا أؤ لا لقحبروا سوا! ( ذوقوا ما كننم تكسبون !)
أ الطور. ] 1 6 / !) علييهتم إنماثخزون ما كفتنغملون
ولقد قرب الله سبحانه مسافة العذاب بين هذه الأمة وبين إخوانهم
في [/87ب] العمل ،فقال مخوفا لهم أن يقع الوعيد( :وما ! من
ببعيو !) أهود. ) 83 / آ ظ!جت
فيوم معاد الناس إن لكم أجرا فيا ناكحي الذكران يهنيكم البشرى
فإننكم زفا إلى الجنة الحمرا()2 كلواواشربواوازنواولوطواوأبشروا
( )1ف " :في المعاد" مكان "في الممات " .وسيأتي مرة أخرى في ص (.)548
وقد أنشده المؤلف في طريق الهجرتين ( ،)911وروضة المحبين (،)632
فى المشيب ". والفوائد ( )46وفيها " :كانت في الشباب . . .فصارت
( )2زفا :اي تزفون .وفي ف " :فإن لكم" ،ولعفه مغير.
وقالوا :إلينا عجلوا لكم( )1البشرى فإخوانكم قد مهدوا الدار قبلكم
سيجمعنا الجئار في ناره الكبرى ()2 وهانحن أسلاف لكم في انتظاركم
يغيبون عنكم بل ترونهم جهرا ولا تحسبوا أن الذين نكحتم
ويشقى به المحزون في الكرة الأخرى ويلعن كل منكم لخليله
كما اشتركا في لذة توجب الوزرا كل منهم بشريكه يعذب
فصل
في الأجوبة عما احتج به من جعل عقوبة هذه الفاحشة دون عقوبة الزنى
أما قولهم :إنها معصية لم يجعل الله فيها حدا معينا ،فجوابه من
وجوه :
أحدها :أن المبلغ عن الله جعل حد صاحبها القتل حتفا ،وما شرعه
رسول الله !سي! فإنما شرعه عن الله .فإن أردتم أن حدها غير معلوم بالشرع
فهو باطل ،وإن أردتم أنه غير ثابت بنص الكتاب لم يلزم من ذلك انتفاء
حكمه لثبوته بالسنة.
الثاني :أن هذا ينتقض عليكم بالرجم ،فإنه إنما ثبت بالسنة.
فإن قلتم :بل ثبت بقرافي نسخ لفطه وبقي حكمه ،قلنا :فينتقض
عليكم بحد شارب الخمر.
الثالث :أن نفي دليل معين لا يستلزم نفي مطلق الدليل ولا نفي
الرحمن " . ( )1ف " :فقالوا " .
ل ،ز " :أسلافا " .ف " :سيجمعنا()2
504
المدلول ،فكيف وقد قدمنا أن الدليل الذي نفيتموه غير منتف؟
وأما قولكم :إنه وطء في محل لا تشتهيه الطباع ،بل ركب الله
الطباع على النفرة منه ،فهو كوطء الميتة والبهيمة ؛ فجوابه من وجوه :
أحدها :أنه قياس فاسد الاعتبار ،مردود بسنة رسول الله !يم
وإجماع الصحابة ،كما تقدم بيانه.
الثاني :أن قياس وطء الأمرد الجميل الذي فتنته تربي على كل
)1(- .
هتنه /88[ ،أ] على وطء أتافي أو امرأة ميتة ،من أفسد القياس .وهل
تغزل أحد قط بأتان أو بقرة أو ميتة ،أو سبى ذلك عقل عاشق ،أو أسر
قلبه ،أو استولى على فكره ونفسه ؟ فليس في القياس أفسد من هذا .
الثالث :أن هذا منتقض بوطء الأم والبنت والأخت ،فإن النفرة
الطبيعية عنه حاصلة ،مع أن الحذ فيه من أغلظ الحدود في أحد القولين،
وهو القتل بكل حال محصنا كان أو غير محصن .وهذا إحدى
الروايتين ( )2عن الامام أحمد ،وهو قول إسحاق بن راهويه وجماعة من
أهل الحديث.
وقد روى أبو داود( )3من حديث البراء بن عازب قال :لقيت عمي
وابن الجارود ( )681والدارمي ( )1س " :من در فتنة " ،خطا.
( )2ف " :وهو ."...س" :أحدالروايتين ".
( )3برقم .4457وأخرجه النسائي ()3332
( )2285وغيرهم من طريق زيد بن أبي أنيسة عن عدي بن ثابت عن يزيد بن
البراء عن أبيه فذكره .
ورواه السذي وأشعث بن سوار -وقد اختلف عليه -والربيع بن الركين
وغيرهم عن عدي عن البراء عن خاله فذكره ،بإسقاط (يزيد بن البراء) .أخرجه=
604
ومعه الراية ،فقلت :إلى أين تريد()1؟ قال :بعثني رسول الله ! إلى
رجل نكح امرأة أبيه من بعده أن أضرب عنقه ،واخذ ماله.
:عم البراء حسن ( .)2قال الجوزجاني قال الترمذي :هذا حديث
اسمه الحارث بن عمرو(.)3
وفي سنن ابن ماجه ( )4من حديث ابن عباس ( ) قال :قال رسول الله
" حسن وقا ل : ()1 362 ( ) 1 8 6 1 0 ، ) 1 8 5 7 8 ، 1 8 5 5 7وا لتر مذ ي أحمد
غريب " ،وابن ماجه ( )7026وغيرهم.
زيد بن أبي أنيسة لزيادته (يزيد بن البراء) .انظر أبو حاتم حديث ورجح
وعلل الدارقطني (.)22-6/02 العلل لابن أبي حاتم ()7012،1277
والحديث سنده جيد.
( )1ف " :فقلت :أين تريد" .
( )2في المتن المطبوع مع تحفة الأحوذي" :حسن غريب " ،ومثله في نسخة
طرق الحديث " :لقيت خالي " .وانظر الإصابة الكروخي (ق 89/ب).
( )3ويقال :إنه خاله .وفي بعض
(.)1/588
( )4برقم ( .)2568وأخرجه الترمذي ( ) 1462وأحمد في المسند )2727(03 0 /1
والطبري في التهذيب (مسند ابن عباس )871 -والطبراني (/11رقم ) 01158
وابن عدي في الكامل ( )5/286وابن حبان في المجروحين ( )011 /1من
طريق إبراهيم بن إسماعيل (ابن أبي حبيبة ) عن داود بن حصين عن عكرمة عن
ابن عباس مختصرا ومطولا .قال الترمذي " :هذا حديث لا نعرفه إلا من هذا
الوجه ،وابراهيم بن إسماعيل يضعف في هذا الحديث ".
منكر ،لم يروه غير ابن أبي حبيبة ". وقال أبو حاتم الرازي " :هذا حديث
العلل (.)1367
( )5ف " :ابن ماجه عن ابن عباس " .وفي ط المدني وعبدالظاهر وغيرهما" :وفي
سنن أبي داود وابن ماجه ". . .وهو مخالف لجميع النسخ التي بين يدي،
704
!يم " :من وقع على ذات محرم فاقتلوه " .
ورفع إلى الحجاج رجل اغتصب أخته على نفسها ،فقال :احبسوه ،
رسول الله !يم .فسألوا عبدالله بن واسألوا( )1من هاهنا من أصحاب
رسول الله غ!يم يقول (" :)2من تخطى حرم فقال :سمعت مطزف،
المؤمنين فخطوا وسطه بالسيف "(. )3
الصحابة وخطأ أيضا ،فإن الحديث المذكور لم يرد في سنن أبي داود.
( )1ف ،ز " :وسلوا" .
(" )2يقول" ساقط من س ،ف .
( )3أخرجه ابن أبي عاصم (/5رفم )2817والبغوي في معجم
(/4رقم )1712وابن قانع في معجم الصحابة ( )562وأبو نعيم في معرفة
الصحابة ( /4رقم )1712والخرائطي في اعتلال القلوب ( )111وفي مساوىء
الأخلاق ( )575والعقيلي في الضعفاء ( )202 - 102 /2وابن عدي في الكامل
( )3/175وغيرهم من طريق رفدة بن قضاعة عن صالح بن راشد القرشي قال :
أتي الحجاج برجل فذكره .
رفدة ولخطئه في الحديث .وحكم لا يثبت ،لضعف قلت :هذا حديث
أبو حاتم وأبو زرعة بأنه خطأ وغلط .وقال البخاري :لم يصح حديثه (أي
حديث صالح بن راشد) وقال مرة :ولم يصح إسناده .وقال ابن منده :غريب.
وقال ابن السكن :في إسناده نظر.
ويرى أبو زرعة أن الصحيح أنه من فتوى عبدالله بن مطرف بن الشلير.
هكذا رواها عنه قتادة وداود بن أبي هند.
قلت :هذه الفتوى أخرجها الطبري في التهذيب (مسند ابن عباس )988 - 887-
من طريق قتادة ،وابن أبي شيبة في اعتلال القلوب ()112 والخرائطي
(- 131 /4الاصابة ) والطبري في التهذيب ( )198من طريق حميد عن بكر بن
عبدالله فذكره .وسند الفتوى صحيح.
راجع :علل ابن أبي حاتم ( ) 9136والجرح والتعديل () 182 ، 153 - 152 /5
والتاريخ الكبير للبخاري ( )34 /5( ، ) 927 / 4والاصابة . ) 4 59 1 ( 131 / 4
804
وفيه دليل على القتل بالتوسيط .وهذا دليل مستقل في المسألة،
وهو أن من لا يباح ( )1وطؤه بحال فحد وطئه القتل .دليله :من وقع على
أمه وابنته .وكذلك يقال في وطء ذوات المحارم ووطء من لا يباح له
وطؤه بحال ،فكان ( )2حده القتل ،كاللوطي.
والتحقيق أن يستدل على المسألتين بالنص .والقياس يشهد لصحة
كل منهما.
وقد( )3اتفق المسلمون على أن من زنى بذات محرم فعليه الحد،
وإنما اختلفوا في صفة الحذ :هل هو القتل بكل حال ،أو حده حد
الزاني ؟ على قولين:
فذهب الشافعي ومالك وأحمد في إحدى روايتيه ( )4أن [/88ب] حده
حد الزاني.
وذهب أحمد وإسحاق وجماعة من أهل الحديث إلى أن حدّه القتل
بكل حال .
وكذلك اتفقوا كلهم على أنه لو أصابها باسم النكاح عالما -أنه
يحد ،إلا أبا حنيفة وحده ( ) ،فإنه رأى ذلك شبهة مسقطة للحد.
ومنازعوه يقولون :إذا أصابها باسم النكاح فقد زاد الجريمة غلظا وشدة ،
( )1س " :لا يباح له" .وسقطت "من" من ف .
( )2س ،ز :إوكان".
( )3لم يرد "وقد" في ف .
الروايتين " .وفي الحاشية " :روايتيه ". ( )4س " :إحدى
(" )5وحده" لم يرد في ف ،ل .
904
عظيمين :محذور العقد ،ومحذور الوطء ؛ فكيف فإنه ارتكب محذورين
تخفف عنه العقوبة بضم محذور العقد إلى محذور الزنا؟
وأما وطء الميتة ،ففيه قولان للفقهاء ،وهما في مذهب أحمد
وغيره .أحدهما :يجب به الحد ،وهو قول الأوزاعي ،فإن فعله أعظم
جرما وأكثر ذنئا لأنه انضم إلى فاحشته هتك حرمة الميتة.
فصل
وأما( ) 1وطء البهيمة ،فللفقهاء فيه ثلاثة أقوال :
أحدها :أنه يؤدب ( ،)2ولا حد عليه .وهذا قول مالك وأبي حنيفة
والشافعي في أحد قوليه ،وقول إسحاق .
والقول الثاني ( :)3أن حكمه حكم الزاني ؛ يجلد إن كان بكرا،
ويرجم إن كان محصنا .وهذا قول الحسن.
والقول الثالث :أن حكمه حكم اللوطي .نص عليه أحمد ،فيخرج
على الروا.يتين في حده :هل هو القتل حتفا ،أو هو كالزاني؟
والذين قالوا :حده القتل ،احتجوا بما رواه أبو داود( )4من حديث
( )1س":فأما".
( )2ف " :أن يؤب".
والطبري في التهذيب (مسند ابن الترمذي ()1455 ( )3ز" :والثاني".
( )4برقم ( )4464وأخرجه
عباس )087 -والحاكم )9408( 4/693والبيهقي ( )8/233من طريق
عمرو بن أبي عمرو عن عكرمة عن ابن عباس فذكره .
منكر ،تكلم فيه الأئمة كالامام أحمد والبخاري وأبي داود - وهو حديث
041
ابن عباس عن النبي خمي! " :من أتى بهيمة فاقتلوه واقتلوها معه " .
قالوا :ولأنه وطء لا يباح بحال ،فكان فيه القتل كحد اللوطي.
ومن لم ير عليه حدا قالوا :لم يصح فيه الحديث ،ولو صح لقلنا
به ،ولم يحل لنا مخالفته .قال إسماعيل بن سعيد الشاثنجي :سألت
أحمد عن الذي يأتي البهيمة ،فوقف عندها ،ولم مييمبت حديث عمرو بن
أبي عمرو في ذلك( .)1وقال الطحاوي :الحديث ضعيف .وأيضا
()2
لمحراويه ابن عباس ،وقد أفتى بأنه لا حد عليه ( . )3قال أبو داود :وهذا
والترمذي وغيرهم .وسبب نكارته -كما ذكر أكثر أهل العلم -أن فتوى ابن
عباس أن من أتى بهيمة فلا حذ عليه .وسيأتي تخريجه.
ورواه عباد بن منصور عن عكرمة عن ابن عباس فذكره .أخرجه الطبري في
التهذيب )23(55 0 / 1والبيهقي ( )233 /8والحاكم . )08 5 0 (693 /4
قلت :وفيه .عباد بن منصور مدلس ،فلعله أسقط إبراهيم بن محمد بن أبي
يحعى الأسلمي وهو متروك .قال ابن حبان في المجروحين ( )2/166في
ترجمة عباد بن منصور" :كل ما روى عن عكرمة سمعه من إبراهيم بن أبي
يحعى عن داود بن الحصين ،فدئسها عن عكرمة ".
وانظر علل ابن أبي حاتم (.)1345
( )1المغني (.)352 /12
( )2س ،ز" :فرواية" ،تحريف.
(" )3عليه" ساقط من س ( .ص) .وأخرج قوله أبو داود ( )4465والترمذي في
السنن ( )1455والعلل الكبير ( ،)428والطبري في التهذيب ()986-867
والحاكم )5108(4/693 والطحاوي في شرح المشكل ()441-9/044
والخرائطي في مساوىء الأخلاق ( )457والبيهقي ( )234 /8من طريق شعبة
والثوري وأبي الأحوص وشريك وأبي بكر بن عياش وأبي عوانة وإسرائيل كلهم
عن عاصم بن بهدلة عن أبي رزين عن ابن عباس قال " :من أتى بهيمة فلا حذ=
411
يضعف الحديث.
ولا ريب أن الزاجر الطبعي عن إتيان البهيمة أقوى من الزاجر
الطبعي( )1عن التلوط ،وليس الأمران في طباع [/98أ] الناس سواء،
فإلحاق أحدهما بالاخر من أفسد القياس ،كما تقذم .
فصل
وأما قياسكم وطء الرجل لمثله على تدالك المرأتين ،فمن أفسد
القياس ،إذ لا إيلاج هناك ،وإنما نظيره مباشرة الرجل الرجل من غير
إيلاج ؛ على انه قد جاء في بعض الاثار المرفوعة " :إذا أتت المرأة المرأة
فهما زانيتان"( ،)2ولكن لا يجب الحد بذلك لعدم الايلاج ،وإن أطلق
عليه ".
ورواه أبو حنيفة عن عاصم بن عمر عن أبي رزين عن ابن عباس فذكر مثله.
أخرجه النسائي في الكبرى ( )7341والطحاوي في شرح المشكل ()044 /9
وقال " :هذا غير صحيح ،وعاصم بن عمر ضعيف في الحديث ".
الصواب رواية الجماعة .وعاصم هو ابن بهدلة كما جاء مصزحا به في رواية
وأبي عوانة .والأثر حسن الاسناد .وبهذا الأثر أعله الثوري وأبي الأحوص
البخاري والترمذي وأبو داود والطحاوي .
(" )1عن إتيان . . .الطبعي" ساقط من ف .
( )2أخرجه الآجري في ذم اللواط ( )17مختصرا والبيهقي في الكبرى ()8/233
من طريق محمد بن عبدالرحمن عن خالد الحذاء عن ابن سيرين عن أبي موسى
فهما زانيان . " . . .قال البيهقي: الرجل فذكره .وأوله " :إذا أتى الرجل مرفوعا
هذا لا أعرفه ،وهو منكر بهذا الاسناد" .قال ابن عبدالرحمن "ومحمدبن
التركماني معفبا على البيهقي " :قلت :هو معروف يقال له المقدسي القشيري ،
وقال :ذكره ]7/325 عن . . .ذكره ابن أبي حاتم في كتابه أ الجرح روى
ويفتعل= أبي عنه فقال :متروك الحديث ،كان يكذب البخاري .وسألت
412
عليهما اسم الزنى العام ،كزنى العين واليد والرجل والفم.
إذا ثبت هذا فاجمع المسلمون على أن حكم التلوط مع المملوك
كحكمه مع غيره .ومن ظن أن تلوط الانسان بمملوكه جائز ،واحتح على
ذلك بقوله تعالى ( :إلا على أزؤجه!أؤما ملكت إئمخهتم هانهتم غئرملومين ! )
أ المعارج ،]03 /وقاس ذلك على أمته المملوكة ،فهو كافر يستتاب ،كما
عنقه .وتلوط الانسان بمملوكه يستتاب المرتد .فإن تاب وإلا ضربت
كتلوطه بمملوك غيره في الاثم والحكم.
فصل
فإن قيل :وهل( )1مع ذلك كفه من دواء لهذا الداء العضال ،ورقية
لهذا السحر القتال ؟ وما الاحتيال لدفع هذا الخبال ؟
الحديث " .
وله طريق اخر ذكره البخاري في تاريخه ( )81 /2وابن أبي حاتم في مقدمة
الجرح ( . )342 /1وأخرجه الاجري في ذم اللواط ( ) 16والطبراني في الأوسط
)4157( 3/153والخطيب في تالي تلخيص المتشابه ( )268من طريق أبي
داود الطيالسي عن بشر بن الفضل عن أبيه عن خالد الحذاء عن أنس بن سيرين
عن أبي يحى عن أبي موسى مرفوعا" :لا تباشر المراة المرأة إلا وهما
إلا بهذا عن أبي موسى زانيتان . ". . .قال الطبراني " :لا يروى هذا الحديث
الاسناد ،تفرد به أبو داود .وأبو يحى الذي روى عنه أنس بن سيرين في هذا
الحديث هو معبد بن سيرين ".
قلت :وقع عند الاجري " :عن ابي يحى المعرقب" .واسمه مص!ع .وثقه
(.)3/93 العجلي ،ولم يعرفه ابن معين وتكلم فيه ابن حبان في المجروحين
والحديث لا يصح .فيه مقبول .تهذيب الكمال (.)28/15 وقال ابن حجر:
بشر بن الفضل بن الوليد العيزار .قال الأزدي :مجهول .
( )1س ،ل " :فهل".
413
وهل من طريق قاصد إلى التوفيق ؟ وهل يمكن السكران بخمرة
الهوى أن يفيق؟
وهل يملك العاشق قلبه ،والعشق قد وصل إلى سويدائه؟ وهل
للطبيب بعد ذلك حيلة في برئه ( )1من سوء دائه؟
إن لامه لائم التذ بملامه ذكرا( )2لمحبوبه ،وإن عذله عاذل أغراه
عذله( ،)3وسار به في طريق مطلوبه .ينادي عليه شاهد حاله ،بل لسان
قاله (:)4
وقف الهوى بي حيث أنت فليس لي متأخر عنه ولا متقدم
ما من يهون عليك ممن يكرم وأهنتني فأهنت نفسي جاهدا
إذ كان حظي منك حظي منهم أشبهت أعدائي فصرت أحبهم
حيا لذكرك فليلمني اللوم () أجد الملامة في هواك لذيذة
ولعل هذا هو المقصود بالسؤال الأول الذي وقع عليه الاستفتاء،
والداء الذي طلب له الدواء .
قيل :نعم ،الجواب من رأس "وما أنزل الله سبحانه من داء إلا
( )1ف " :من برئه ".
( )2ف " :ذاكرا".
( " )3أغراه عذله " ساقط من س .
( )4ف " :شاهد حاله بلسان قاله ".
( )5الأبيات لأبي الشيص الخزاعي في ديوانه ( .)101وقد أوردها المصنف في
روضة المحئين ( ،)204وانتقدها في طريق الهجرتين (.)965
414
أنزل [/98ب] له دواء .علمه من علمه ،وجهله من جهله "(.)1
والكلام في دواء هذا الداء من طريقين:
أحدهما :حسم مادته قبل حصولها.
والثاني :قلعها بعد نزولها.
وكلاهما يسير على من يسره الله عليه ،ومتعذر على من لم يعنه،
فإن أزمة الأمور بيديه.
هذا الداء ،فأمران : فأما الطريق المانع من حصول
احدهما :غض البصر( ،)2كما تقدم ،فإن النظرة سهم مسموم من
سهام إبليس .ومن أطلق لحظاته دامت حسراته .وفي غض البصر عدة
منافع ،وهو بعض أجزاء هذا الدواء النافع (. )3
أحدها :أنه امتثال لأمر الله الذي هو غاية سعادة العبد في معاشه
ومعاده ،فليس للعبد في دنياه واخرته أنفع من امتثال أوامر ربه تبارك
وتعالى .وما سعد من سعد في الدنيا والاخرة إلا بامتثال أوامره ( ،)4وما
شقي من شقي في الدنيا والاخرة إلا بتضييع أوامره .
الثانية :أنه يمتنع من وصول أثر السهم المسموم الذي لعل فيه هلاكه
( )1تقدم في أول الكتاب .
( )2والثاني سيأتي في الفصل القادم .
(" )3وهو بعض . . .النافع " انفردت بها نسخة ف .وانظر في فوائد غضق البصر:
روضة المحبين ( ،)202- 491هـاغاثة اللهفان ( .)601- 301وانظر ما سبق
في افات النظر في ص (.)348
ز " :أوامر رئه " . ()4
415
الى قلبه.
الثالثة :أنه يورث القلب أن!ا بالله وجمعية على الله ،فإن إطلاق
البصر يفرق القلب ،ويشتته ،ويبعده من الله .وليس على العبد شيء أضر
من إطلاق البصر ،فإنه يوقع الوحشة بين العبد وبين ربه.
الرابعة :أنه يقوي القلب ويفرحه ،كما أن إطلاق البصر يضعفه
ويحزنه.
الخامسة :أنه يكسب القلب نوزا ،كما أن إطلاقه يكسبه ( )1ظلمة.
ولهذا ذكر سبحانه اية النور عقيب الأمم بغض البصر فقال ( :قل
أ النور . )03 /ثم قال()2 للمؤمنين يغفحوا من أتصرهتم !ئحفظوا فرويهؤ)
والازصن مثل نورو كمشكؤه فيها مصباح ) إثر ذلك ! ( :أدله نور السمؤت
أ النور )35 /أي :مثل نوره في قلب عبده المؤمن الذي امتثر أوامره
واجتنب نواهيه.
وإذا استنار القلب أقبلت ( )3وفود الخيرات إليه من كل ناحية ،كما
أنه إذا أظلم أقبلت سحائب البلاء والشر عليه من كل مكان .فما شئت
من بدع وضلالة ،واتباع هوى ،واجتناب هدى ،وإعراض عن أسباب
السعادة ،واشتغال بأسباب الشقاوة ! فإن ذلك إنما [/09ا] يكشفه له النور
الذي في القلب ،فإذا فقد( )4ذلك النور بقي صاحبه كالأعمى الذي
( )1ف":يلبسه ".
(" )2قال" ساقط من ف .
( )3ف " :أقبل".
( )4س " :نفد" ،وفي حاشيتها " :خ فقد".
416
يجوس في حنادس الظلمات .
السادسة :أنه يورثه فراسة صادقة يميز بها بين المحق والمبطل()1
والصادق والكاذب .
وكان شجاع الكرماني ( )2يقول :من عمر ظاهره باتباع السنة،
بصره عن المحارم ،وكفث نفسه عن وباطنه بدوام المراقبة ؛ وغض
الشهوات ،واغتذى بالحلال = لم تخطى ء فراسته .وكان شجاع هذا لا
تخطى ء له فراسة (. )3
والله سبحانه يجزي العبد على عمله بما هو من جنس عمله ،ومن
ترك لله شيئا( )4عؤضه الله خيرا منه ،فإذا غض بصره عن محارم الله عوضه
الله ( ) بأن يطلق نور بصيرته عوضا عن حبسه ( )6بصره لله ،ويفتح عليه ()7
باب العلم والايمان والمعرفة والفراسة الصادقة المصيبة التي إنما تنال
منها " :الباطل". ( )1س " :الحق والباطل " .ل " :الحق والصادق " فسقط
( )2كذا في جميع النسخ وروضة المحبين ( .)002وفي إغاثة اللهفان (:)501
"ابو شجاع " وفي المدارج ( )484 /2والروح (" :)535شاه الكرماني ،،وهذا
الأخير هو الصواب .فهو أبو الفوارس شاه بن شجاع الكرماني .كان من أولاد
الصوفية (.)291 الملوك وعلماء الصوفية .مات قبل الثلاثمائة .طبقات
والرسالة القشيرية ( .)428وقد نقل المؤلف ( )3انظر حلية الأولياء (،)01/253
قول شاه في كتبه المذكورة في التعليق السابق أيضا .وفي ف " :شيخنا" بدلا
من "شجاع هذا" ،وهو غريب.
( )4ل " :شيئا لله ".
من س . الله لما ساقط (" )5خيرا منه . . .عوضه
( )6س " :من حبسه ".
( )7س " :وفتح الله عليه ".
417
ببصيرة القلب (. )1
وضد هذا ما وصف الله به اللوطية من العمه الذي هو ضذ البصيرة ،
[الحجر ، ]72 /فوصفهم فقال تعالى ( :لعقرك إفهم لنى سكر!هم يعمهون !)
بالسكرة التي هي فساد العقل ،والعمه الذي هو فساد البصيرة .
فالتعلق بالصور يوجب فساد العقل ( ،)2وعمه البصيرة ،وسكر
القلب ( ،)3كما قال القائل:
ومتى إفاقة من به سكران ()4؟ سكران سكر هوى وسكر مدامة
وقال الاخر(: )5
العشق أعطم مما بالمجانين قالواجننت بمن تهوى فقلت لهم
وإنما يصرع المجنون في الحين ()6 العشق لا يستفيق الدهر صاحبه
وفيه " :أنى يفيق فتى به ( )1ف " :لا تنال إلا ببصيرة القلب ".
(" )2والعمه الذي هو فساد . . .العقل " ساقط من س .
( )3ز" :سكرة القلب ".
( )4من أبيات للخليع الشامي ،في يتيمة الدهر (،)271 /1
سكران " .وقد أنشده المؤلف في التبيان ( ،)273وروضة المحبين (،)302
والمدارج (.)803 /3
ونقلهما في إغاثة اللهفان س " :اخر" .
( )6أنشدهما المؤلف في روضة المحبين (،)292، 013
( )873من اعتلال القلوب للخرائطي .وقد نسبهما في الروضة ( )242الى
قيس ،وهو مجنون ليلى ،كما في الأغاني ( ،)2/32ومصارع العشاق
( .) 181 /2 ، 126 /1وانظر ديوانه ( . )218والرواية " :قالت جننت على رأسي
فقلت لها الحب "...وفي البيت الثاني " :الحب ليس يفيق "...وكذا في
الاعتلال ( ،)377إلا أن فيه "العشق" مكان "الحب".
418
وقوة ،فيجمع الله له بين السابعة :أنه يورث القلب ثباتا وشجاعة
سلطان البصيرة والحجة وسلطان القدرة والقوة ،كما في الأثر :الذي
يخالف هواه يفرق الشيطان ( )1من ظله(. )2
وضد هذا( )3تجد في( )4المتبع لهواه من ذل النفس ووضاعتها
ومهانتها وخستها وحقارتها ما جعله الله سبحانه فيمن عصاه ،كما قال
بهم البراذين ،إ ن بهم البغال ( ) ،وهملجت الحسن :إنهم وإن طقطقت
ذل المعصية في رقابهم .أبى الله إلا أن يذل من عصاه (. )6
وقد جعل الله سبحانه العز قرين طاعته ،والذل قرين معصيته ،فقال
تعالى ( :ويده ألعزة ولرسوله -وللمؤمنب[ ) %المنانقون )8 /وقال ( :ولا
[ال عمران . ) 913 / تهنوا ولا تخزدؤا وأنتم ألأغلؤن إن كنتو فومنين !)
والايمان قول وعمل ،ظاهر وباطن.
وقال تعالى [/09ب] ( :منن كان يرلد أئعزه فدئه ألع!" جميعأ إلته يضحعد
أل! ألظئب والعمل ألضخلح يرفعهو) [فاطر . ) 1 0 /أي :من كان يريد العزة
فليطلبها بطاعة الله وذكره من الكلم الطيب والعمل الصالح.
( )1ز " :لسلطا ن " ،تحر يف.ا
( )2أخرجه أبو نعيم في الحلية ( )06 /4عن وهب
شهوته بن منبه قال " :من جعل
تحت قدمه فزع الشيطان من ظله" .وأخرجه أيضا ( )2/365عن مالك بن
دينار قال " :من غلب شهوة الحياه الدنيا فذلك الذي يفرق الشيطان من ظله".
( )3ف " :وضده " .
(" )4تجد في" ساقط من ل .
( )5ف " :النعال" ،تصحيف.
( )6تقدم تخريجه في ص (.)146
941
وفي دعاءالقنوت " :إنه لا يذل من واليت ،ولا يعز من عاديت "(. )1
طاعته .ومن ومن أطاع الله فقد والاه فيما أطاعه فيه ،وله من العز بحسب
عصاه فقد عاداه فيما عصاه فيه ،وله من الذل بحسب معصيته.
الثامنة :أنه يسد على الشيطان مدخله إلى القلب ،فإنه يدخل مع
النظرة ،وينفذ معها إلى القلب أسرع من نفوذ الهواء في المكان الخالي،
فيمثل له حسن( )2صورة المنظور إليه ،ويزينها ،ويجعلها صنما يعكف
عليه القلب .ثم( )3يعده ،ويمنيه ،ويوقد على القلب نار الشهوة ،ويلقي
عليه ( )4حطب المعاصي التي لم يكن يتوصل إليها بدون تلك الصورة ،
فيصير القلب في اللهيب ( ) .فمن ذلك اللهيب ( )6تلك الأنفاس التي يجد
( )1أخرجه أبو داود ( ) 1426 ، 1425وابن ماجه ( ) 1 178والترمذي ( )464وأحمد
)1721، 1718( 002، 1/991وابن خزيمة ( )5901وابن الجارود ()272
والبيهقي ( )2/902وغيرهم من طريق أبي إسحاق السبيعي ويونس بن أبي
إسحاق والعلاء بن صالح عن بريد بن أبي مريم عن أبي الحوراء عن الحسن بن
علي فذكره .
وخالفهم شعبة فرواه عن بريد بن أبي مريم به مثله ولم يذكر "في الوتردا.
أخرجه أحمد )1723( 1/002وابن خزيمة ( )6901وابن حبان ()722
إلا أن ابن خزيمة طعن في لفظة "في الوتر" أو "في قنوت وغيرهم.
والحديث صحيح
(.)6901 الوتر" ،فليراجع كلامه في صحيحه
(" )2حسن" من س .
(" )3ثم" ساقطة من ل .
( )4ف " :عليها".
( )5ل " :اللهب".
( )6ف ،ل " :اللهب".
042
فيها وهح النار ،وتلك الزفرات والحرقات .فإن القلب قد أحاطت به
النيران من كل جانب ،فهو( )1في وسطها كالشاة في وسط التنور.
ولهذا كانت عقوبة أصحاب الشهوات للصور المحرمة ( )2أن جعل
لهم في البرزخ تنورم! )3من نار ،وأودعت أرواجهم فيه إلى يوم حشر
أجسادهم ،كما أراه الله تعالى لنبيه ع! في المنام في الحديث المتفق على
صحته (. )4
والاشتغال بها، التاسعة :أنه يفرغ القلب للفكرة في مصالحه
بينه وبينه ،فينفرط ( ) عليه ويحول البصر يشتته عن ذلك، وإطلاق
أموره ،ويقع في اتباع هواه وفي الغفلة عن ذكر ربه .قال تعالى ( :ولا
[الكهف. ]28 / نطبع من أغفلنا دلبه عن كرنا وائبع هوئه وكات افؤو فرطا !)
وإطلاق النظر يوجب هذه الأمور الثلاثة بحسبه.
العاشرة :أن بين العين والقلب منفذا وطريقا يوجب انفعال أحدهما
عن الآخر ،وأن يصلح بصلاحه ويفسد بفساده .فإذا( )6فسد القلب فسد
النظر ،وإذا فسد النظر فسد القلب .وكذلك في جانب الصلاح ( ،)7فإذا
خربت العين وفسدت [/19ا] خرب القلب وفسد ،وصار كالمزبلة التي
( )1س":فهي "،خطأ.ز":فهو".
المحزمة " . ف " :وا لصور()2
ف " :تنورا " )3(.
( )4تقدم في ص (.)154
( )5ف ،ل " :فيفرط" .ز" :فيتفرط".
( )6ف !" :اذا".
( )7ف " :صلاح العين ".
421
س()1
النجاسات والقاذورات والأوساخ ،فلا يصلح لسكنى معرفة هي محل
الله ومحبته والانابة إليه والأنس به والسرور بقربه فيه ،وإنما يسكن فيه
أضداد ذلك.
فهذه إشارة إلى بعض فوائد غض البصر تطلعك على ما وراءها.
فصل
الثاني ( :)2اشتغال القلب بما يصده عن ذلك ،ويحول بينه وبين
()3
إما خوف مقلق ،أو حب مزعح .فمتى خلا القلب الوقوع فيه .وهو
من خوف ما فواته أضر عليه من حصول هذا المحبوب ،أو خوف ما
حصوله أضرس عليه من فوات هذا المحبوب ( ،)4أو محبة ما هو أنفع له
وخير له من هذا المحبوب وفواته أضر عليه من فوات هذا المحبوب -
لم يجد بذا من عشق الصور.
وشرح هذا أن النفس لا تترك محبوبا إلا لمحبوب أعلى منه ،أ و
خشية مكروه حصوله أضر عليها من فوات هذا المحبوب .وهذا يحتاج
صاحبه إلى أمرين إن فقدا أو أحدهما لم ينتفع بنفسه:
أحدهما :بصيرة صحيحة يفرق بها بين درجات المحبوب
والمكروه ،فيؤثر أعلى المحبوبين على أدناهما ،ويحتمل أدنى
()1ز":محمل ".
داء العشق. ( )2يعني :الأمر الثاني المانع من حصول
ما حصوله ... من ل " :أو خوف (" )3وهو" ساقط من ف .
( )4ف،ز" :فوات المحبوب " .وقد سقط
المحبوب ".
422
المكروهين ليخلص من أعلاهما .وهذا خاصة العقل ،ولا يعد عاقلا من
كان بضد ذلك ،بل قد تكون البهائم أحسن حالا منه.
الثاني :قوة عزم وصبر يتمكن بها من هذا الفعل والترك .فكثيرا ما
.. ، )1( .
لمسه وهمته الرجل قدر التفاوت ،ولكن يأبى له ضعف يعر!
وعزيمته على إيثار الأنفع ،من جشعه وحرصه ووضاعة نفسه وخسة
همته .ومثل هذا لا ينتفع بنفسه ،ولا ينتفع به غيره .
وقد منع الله سبحانه إمامة الدين إلا من أهل الصبر واليقين ،فقال
تعالى وبقوله يهتدي المهتدون ( :وحعقنا متهم أبمة يههدوت بأصنا لمحا
!روا و!انوا ئايننا يوقنون !)([ )2السجدة. )24 /
وهذا هو الذي ينتفع بعلمه ( ،)3وينتفع به( )4الناس .وضده لا ينتفع
بعلمه ،ولا ينتفع ( ) به غيره .ومن الناس من ينتفع بعلمه في نفسه ،ولا
)6( .ء .
الناس في لوره .والثاني .فالاول يمشي في نوره ويمشي ينتع به عيره
قد طفىء نوره فهو يمشي في الظلمات ومن تبعه في ظلمته [/19ب].
والثالث يمشي في نوره وحده .
أئمة ،" . . .وهو سهو والتباس بالآية ( )1س":يعلم ".
( )2من س .وفي النسخ الأخرى " :وجعلناهم
الكريمة 73من سورة الأنبياء.
( )3وقع في ف هنا وفيما يأتي " :بعمله".
( )4ل " :وينةح بهإ.
من ل . ل ،ز" :ولا ينفع به".
"ومن الناس . . .غيره " ساقط()6
423
فصل
إذا عرفت هذه المقدمة ،فلا يمكن أن يجتمع في القلب ( )1حب
المحبوب الأعلى وعشق الصور أبدا ،بل هما ضدان لا يتلاقيان ،بل
لابد أن يخرج أحدهما صاحبه .فمن كانت قوة حبه كلها للمحبوب
الأعلى الذي محبة ما سواه باطلة وعذاب على صاحبها ،صرفه ذلك عن
محبة ما سواه .وإن أحبه ( )2لم يحبه الا لأجله ولكونه وسيلة له إلى
محبته ،أو قاطعا له عما يضاد محبته وينقضها(.)3
والمحبة الصادقة تقتضي توحيد المحبوب ،وأن لا يشرك ( )4بينه وبين
غيره في محبته .وإذا كان المحبوب من الخلق يأنف ويغار أن يشرك
(. )5 رو .
لمحى محبته ،ويمقته لذلك ( ،)6ويبعده ،ولا يحطيه بقربه، محبه عيره
ويعده كاذبا في دعوى محبته ؛ مع أنه ليس أهلا لصرف قوة المحبة إليه،
فكيف بالحبيب الأعلى الذي لا تنبغي المحبة إلا له وحده ،وكل محبة
لغيره فهي عذاب على صاحبها ووبال ؟ ولهذا لا يغفر الله سبحانه أ ن
يشرك به في هذه المحبة ،ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء .
فمحبة الصور تفوت محبة ( )7ما هو أنفع للعبد منها ،بل( )8تفوت
()1ف":للقلب ".
()2س":ف!ذا".
()3ف،ل":ينقصها".
( ) 4ف " :ولا يشرك " .
( )5س ،ف " :محبة غيره " .تصحيف.
( )6س " :كذلك" ،تحريف.
( )7كلمة "محبة" ساقطة من ز .
"تفوت . . .بل" ساقط من ل . ()8
424
محبة ما ليس له صلاح ولا نعيم ولا حياة نافعة إلا بمحبته ( )1وحده .
فليختر إحدى المحبتين ،فإنهما لا تجتمعان في القلب ولا ترتفعان منه.
بل من أعرض عن محبة الله وذكره والشوق إلى لقائه ابتلاه بمحبة غيره ،
فيعذبه بها في الدنيا وفي البرزخ وفي الاخرة .فإما أن يعذبه بمحبة
الأوثان ،أو بمحبة الصلبان ،أو بمحبة النيران ،أو محبة المردان ،أ و
محبة النسوان ،أو محبة الأثمان ( ،)2أو محبة العشراء والخلان ( ،)3أ و
"()4
ما دون ذلك مما هو في غاية الحقارة والهوان ،فالانسان عبد محبه
محبوبه كائنا ما كان ! كما قيل:
أنت القتيل بكل من أحببته فاخترلنفسك في الهوى من تصطفي( )
فمن لم! يكن إلهه ( )6مالكه ومولاه ،كان إلهه هواه .قال تعالى:
! أفرءيت من اتخذ إلههو هوله وأض! الله فى عو وختم فى كعهء و!قبه -وجعل عك بصره
[الجاثية . ) 23 / غشؤه فمن يهديه من بعد اله أفلا [ /29أ] تذكرون !)
( )1ز":لمحبته ".
(" )2أو محبة الأثمان " ساقط من س .وفي ف " :أو بمحبة الانسان ".
"العشران" فيها حاشية لم يظهر في ( )3ف " :العشران أو محبة الخلان " .وتحت
التصوير منها إلا" :جمع عشير".
ثماني مرات .وقد النسخ في إثبات "محبة" أو "بمحبة" ،وقد جاءت ( )4اضطربت
اتبعنا نسخة س .أما غيرها ،فقد وردت في ف بالباء في المواضع الستة
السنن الأولى ،وفي ل ،ز في الموضع الأول فقط.
( )5لابن الفارض في ديوانه ( ،)151وقد أنشده المؤلف في تهذيب
( ،) 181 /6وبدائع الفوائد ( ،)672وروضة المحبين ( )568، 162أيضا.
( )6ف " :الله ".
425
فصل
وخاصية التعبد( :)1الحب مع الخضوع والذل للمحبوب ،فمن
أحب شيئا وخضع له فقد تعبد قلبه له .بل التعبد آخر مراتب الحب،
"علاقة" ويقال له التتيم أيضا( .)2فإن اول مراتبه :العلاقة ،وسميت
.قال(: )4 لتعلق القلب ( )3بالمحبوب
ولم يبد للأتراب من ثديها حجم( ) وعلقت ليلى وهي ذات تمائم
وقال آخر(: )6
أفنان رأسك كالثغام المخلس()7 أعلاقة أم الوليد بعد ما
ثم بعدها الصبابة ،وسميت بذلك لانصباب القلب إلى المحبوب .
فصلا في مراتب المحبة ،وذكر ( )1ز" :وخاضة التعبد" .س " :وخاصية تعبد".
( )2عقد المؤلف في مدارج السالكين ()3/27
واشتقاقها عشر مراتب ،أولها العلاقة ،واخرها الخلة .وانظر في أسماء الحب
ومدارح المحبين (،)201 وروضة روضة المحبين (.)59
( )3من س ،وكذا في بدائع الفوائد (،)952
السالكين ( )3/27وفي النسخ الأخرى " :لتعلق المحب ".
( )4ف " :قال بعضهم ".
) وغيره .انظر ديوانه (. ) 186 ليلى في الأغاني (2/13 ( )5لمجنون
( )6ف ،ل " :الاخر" .وفي ز ورد البيت الآتي بعد السابق دون فاصل.
والمدارح والروضة (،)201 ( )7أنشده المصنف في البدائع (،)256،952
وهو للمرار بن سعيد الفقعسي .انظر خزانة الأدب (.)11/232 (.)3/27
وفي ف " :بعيدما" .الثغام :نبات أبيض الثمر والزهر ،يشبه به الشيب.
المخلس :الذي بعضه هائح وبعضه أخضر .شبه به شعره الشميط ،وهو الذي
اختلط بياضه بالسواد.
426
قال(:)1
تحملت ما يلقون من بينهم وحدي ()2 تشكى المحبون الصبابة ليتني
فلم يلقهاقبلي محب ولابعدي ()3 فكانت لقلبي لذة الحب كلها
ئم الغرام ،وهو لزوم الحب للقلب لزوما لا ينفك عنه .ومنه سمي
الغريم غريفا لملازمته صاحبه ( . )4ومنه قوله تعالى ( :إت عذابها؟ن
غراما !) [الفرقان . )65 /وقد أولع ( ) المتأخرون باستعمال هذا اللفظ
في الحب ،وقل أن تجده في أشعار العرب .
به الرب تعالى، ئم العشق ،وهو إفراط المحبة .ولهذا لا يوصف
ولا يطلق في حقه(.)6
ثم الشوق ،وهو سفر القلب إلى المحبوب أحث السفر( .)7وقد
جاء إطلاقه في حق الرب تعالى ( ،)8كما في مسند الامام أحمد( )9من
لشاعر الحماسة .انظر ( )1ف " :وقال بعضهم ".
( )2س " :يشكو" .ل " :يشتكي" ،وكلاهما تحريف.
( )3أنشدهما المصنف في روضة المحبين ()271،927
حماسة أبي تمام ( )03 /2والبيتان لمجنون ليلى في ديوانه (.)29
( )4ف " :لملازمة صاحبه " .وهو ساقط من ل .
ف " :وقد ولع ".
( )6وانظر روضة المحبين (.)011
( )7انظر روضة المحبين ( ،)1 12وطريق الهجرتين ( )713والمدارج (.)53 /3
( )8زاد بعض من قرأ نسخة س " :مجازم" في حوض ياء "تعالى" ،وهو تصزف
وأخرجه النسائي ( )6013والطبراني في الدعاء ()625 قبيح منه.
(.)18325( 4/264 )9
وغيرهم من طريق إسحاق الأزرق وغيره عن شريك القاضي عن أبي هاشم عن=
427
حديث عمار بن ياسر أنه( )1صلى صلاة فأوجز فيها ،فقيل له في ذلك،
فقال :أما( )2إني دعوت فيها بدعوات كان النبي !ير يدعو بهن " :اللهم
إني أسالك بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق ،أحيني إذا كانت الحياة
خيرا لي( ، )3وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي .اللهم وأسألك خشيتك في
الغيب والشهادة ،وأسألك كلمة الحق في الغضب والرضا( ،)4وأسألك
القصد في الفقر والغنى ،وأسألك نعيما لا ينفد ،وأسألك قرة عين لا
تنقطع ،وأسألك برد العيش بعد الموت ،وأسالك لذة النظر إلى وجهك
الكريم ( ) ،وأسألك الشوق إلى لقائك ،في غير ضراء مضرة ولا فتنة
مضلة .اللهم زئئا بزينة الايمان ،واجعلنا هداة مهتدين " .
الأبرار إلى لقائي ،وأنا إلى /219ب] وفي أثر اخر" :طال شوق
لقائهم أشد شوقا"(. )6
أبي مجلز قال :صلى بنا عمار ،فذكره .
ورواه حماد بن زيد وحماد بن سلمة وغيرهما عن عطاء بن السائب عن أبيه
عن عمار فذكره .أخرجه النسائي ( )5013وابن حبان ( )7191والبيهقي في
الأسماء والصفات ( )2 4 4وغيرهم.
ابن حبان والحاكم وغيرهما. والحديث صححه
( )1ف " :في أنه".
( )2لم ترد "أما" في ف .وسقط قبلها "قال" من ز .
(" )3إذا . . .لي" ساقط من س .
( )4س " :في الحق والرضا".
(" )5الكريم" ساقط من ف .
( )6أورده المؤلف في طريق الهجرتين ( ،)715وروضة المحبين ( ) 113وقال فيه:
الفردوس ( )6708عن أبي "جاء في أثر إسرائيلي " .وقد أخرجه صاحب
(ص). الدرداء ،وانظر :إحياء العلوم ( ،)324 /4وحلية الأولياء ()01/69
428
وهذا هو المعنى الذي عبر عنه النبي !شيم بقوله " :من أحب لقاء الله
أحب الله لقاءه "(. )1
وقال بعض أهل البصائر( )2في قوله تعالى ! :و من ؟ن يزجوا لقا أدده فإن
أجل الله لأست ) [العنكبوت : ]5 /لما علم الله سبحانه شدة شوق أوليائه إلى
لهم أجلا وموعدا للقاء لقائه ،وأن قلوبهم لا تهدأ دون لقائه ،ضرب
تسكن نفوسهم به.
وأطيب العيش وألذه على الاطلاق عيش المحبين المشتاقين المستأنسين،
فحياتهم هي الحياة الطيبة في الحقيقة ،ولا حياة للعبد أطيب ولا أنعم
ولا أهنأ منها .وهى الحياة الطيبة المذكورة في قرنله تعالى ( :من عمل
صلحا فن ذ!ر أؤ أنثى وهومؤمن فلنجين! حيوة طيبة ) [النحل . ] 79 /ليس
المراد منها الحياة المشتركة بين المؤمنين والكفار( ، )3والأبرار والفجار،
من طيب المأكل والملبس والمشرب والمنكح ؛ بل ربما زاد أعداء الله
على أوليائه في ذلك أضعافا مضاعفة.
وقد ضمن الله سبحانه لكل من عمل صالحا أن يحييه حياة طيبة،
وأخرجه عبدالغني المقدسي في الترغيب في الدعاء ( )16عن أحمد بن مخلد
الخراساني قال :قال الله عز وجل :ألا قد طال شوق الأبرار إلى لقائي ،وإني
إليهم ( " . . .ز). شوقي إلا بفضل المشتاقون إليهم لأشد شوقا .وما تشوق
رضي الله عنه .أخرجه البخاري في الرقاق ،باب ( )1من حديث عبادة بن الصامت
من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ( ،)7065ومسلم في الذكر والدعاء ،باب من
لقاء الله .)2683( 0 0 . أحب
( )2هو أبو عثمان الحيري النيسابوري ( 892هـ) .انظر الرسالة القشيرية (.)332
وقد نقل المؤلف قوله في روضة المحبين ( )581 ، 113أيضا.
(" )3والكفار" ساقط من ف .
942
فهو صادق الوعد الذي لا يخلف وعده .وأي حياة أطيب من حياة من
اجتمعت همومه كلها ،وصارت هما واحدا في مرضاة الله ،ولم شعث
قلبه بالاقبال على الله ( ،)1واجتمعت إراداته وأفكاره التي كانت منقسمة
-بكل واد منها شعبة -على الله .فصار ذكر محبوبه الأعلى ،وحبه،
والشوق إلى لقائه ،والأنس بقربه = هو المستولي عليه ( . )2وعليه تدور
همومه وإراداته وقصوده( ،)3بل خطرات قلبه .فإن سكت سكت بالله،
وإن نطق نطق بالله .وإن سمع فبه يسمع ،وإن أبصر فبه يبصر .وبه يبطش،
وبه يمشي ،وبه يتحرك ،وبه يسكن .وبه يحيا ،وبه يموت ،وبه يبعث؛
كما في صحيح البخاري عنه غ!ي! فيما يروي عن ربه تبارك وتعالى أنه قال :
()4
عليه .ولا يزال عبدي إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت " تقرب
يتقرب إليئ بالنوافل حتى أحبه .فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمح به،
وبصره الذي يبصر به [/39أ] ،ويده التي يبطش بها ،ورجله التي يمشي
بها( ) .فبي يسمح ،وبي يبصر ،وبي يبطش ،وبي يمشي.
( )1س" :لم يشغب قلبه ."...ل،خا" :لم يتشغب قلبه ."...وفي ف" :لم
يشغب قلبه بالاقبال على سوى الله تعالى " ،وهذا صحيح في المعنى ،ولكن
رجحنا ماجاء في ز .ويؤيده قول المؤلف في المدارج (" :)3/69ولا يلم
شعث القلوب شيء غير الاقبال على الله " ،وفيه (" :)164 /3ففي القلب شعث
وفيط لا يلفه إلا الاقبال على الله " .وانظر ما يأتي في كتابنا هذا (.)694
المدني وعبدالظاهر وغيرهما" :ولم يتشعب قلبه ،بل أفبل على الله " ،والظاهر
أنه تصزف من الناشرين.
(" )2عليه" ساقط من س .
(" )3وقصوده" ساقط من ف .
ف " :وما تقرب " .
( )5ل " :عليها" .
043
لأعيذنه .وما ترددت عن وألءس( )1.سألنى لأعطينه( ، )2ولئن استعاذنى()3
شيء انا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن ،يكره الموت وأكره
مساءته ،ولا بد له منه "(.)4
فتضمن هذا الحديث الشريف الالهي -الذي حرام على غليظ الطبع
كثيف القلب فهم معناه والمراد به -حصر أسباب محبته في أمرين :أداء
إليه ( ) بالنوافل. فرائضه ،والتقرب
وأخبر سبحانه أن أداء فرائضه أحب ما تقرب به إليه ( )6المتقربون،
( )1ف،ز":فلئن ".
(" )2فبي يسمع . . .لأعطينه" ساقط من ل .
( )3س ،ز" :استعاذ بي".
( )4من حديث أبي هريرة رصي الله عنه .أخرجه البخاري في الرقاق ،باب التواضع
ما عدا قوله " :فبي يسمع . . .وبي يمشي " .وبهذه الزيادة نقله (،)2065
المؤلف من رواية البخاري في روضة المحبين ( )554والمدارج (،)2/413
وكذا شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى ( )511 /5وغيره .قال الألباني " :لم أر
هذه الزيادة عند البخاري ولا عند غيره ممن ذكرنا من المخرجين ،وقد ذكرها
الحافظ في أثناء شرحه للحديث نقلا عن الطوفي ولم يعزها لأحد" .سلسلة
الأحاديث الصحيحة ( .)4/191وانظر في شرح الحديث :مجموع الفتاوى
(ص) .هذه الرواية ذكرها الحكيم الترمذي في نوادر الأصول (.)18/912
(ق /56أ/07 ،أ/091 ،أ) بدون سند ،فقال :يحقق ذلك حديث عائشة رضي
الله عنها عن رسول الله -شي! عن جبريل عن ربه جل وعز قال " :إذا أحببت
عبدي كنت سمعه وبصره ولسانه ،فبي يسمع ،وبي يبصر ،وبي ينطق ،وبي
يعقل " (ز).
"إليه" ساقط من ف .
(" )6به" ساقط من س .وفي ل " :أحسث إليه مما تقرب به".
431
ثم بعدها النوافل ؛ وأن المحب لا يزال يكثر من النوافل حتى يصير
محبوبا لله .فإذا صار محبوبا لله أوجبت محبة الله له محبة أخرى منه لله،
فوق المحبة الأولى ( ،)1فشغلت هذه المحبة قلبه عن الفكرة والاهتمام
عليه روحه ،ولم يبق فيه سعة لغير محبوبه البتة. بغير محبوبه ،وملكت
فصار ذكر محبوبه وحبه ومثله الأعلى مالكا لزمام قلبه ،مستوليا على
روحه ،استيلاء المحبوب على محبه( )2الصادق في محبته التي ( )3قد
اجتمعت قوى حبه كلها له(.)4
ولا ريب أن هذا المحب إن سمع سمع بمحبوبه ،وإن أبصر أبصر
به ،وإن بطثر بطثر به ،وإن مشى مشى به .فهو في قلبه ( ) ،ومعه،
وأنيسه ،وصاحبه .فالباء هاهنا باء المصاحبة ( ،)6وهي مصاحبة لا نظير
لها ،ولا تدرك بمجرد الاخبار عنها والعلم بها ،فالمسألة حالية لا علمية
محضة.
وإذا كان المخلوق يجد هذا في محبة المخلوق ( )7التي لم يخلق لها
ولم يفطر عليها ،كما قال بعض المحبين:
ومثواك في قلبي فأين تغيمب؟()8 خيالك في عيني وذكرك في فمي
وقد= ( )1ف " :محبة الله محبة أخرى هي فوق .". . .
( )2ف " :حئه".
( )3كذا في جميع النسخ ،ولعل الصواب " :الذي".
(" )4له" ساقط من س .
(" )5في" ساقطة من س .
( )6وانظر عدة الصابرين (.)97 - 78
( )7ف " :محبته المخلوق ".
( )8لأبي الحكم ابن غلندو الإشبيلي الطبيب .انظر معجم الأدباء (.)4911
432
وقال اخر(: )1
وأسأل عنهم من لقيت وهم معي()2 ومن عجب أني أحن إليهم
ويشتاقهم قلبي وهم بين أضلعي ()3 وتطلبهم عيني وهم في سوادها
وهذا ألطف من قول الاخر:
إذ أنت فيه مكان السز لم تغب إن قلت غبت فقلبي لا يصدقني
فقد تحيرت بين الصدق والكذب ()4 أو قلت ما غبت قال الطرف ذا كذب
فليس شيء أدنى إلى المحب من محبوبه ،وربما تمكنت منه المحبة
حتى يصير أدنى إليه من نفسه ،بحيث ينسى نفسه [/39ب] ولا ينساه ( ) ،
كما قال(:)6
انشده المصنف في روضة المحبين ( ،)01 0وطريق الهجرتين ( ،)46ومع بيت
اخر في مفتاح دار السعادة ( .)1/943وانظر الجواب الصحيح (،3/336
،)368ومنهاج السنة (.)5/377
( )1ف ،ز" :الآخر".
وقد أنشده المؤلف في هداية ( )2ز" :ومن عجبي ".
( )3البيتان للقاضي الفاضل في ديوانه (.)294
الحيارى ( ،)153والروضة ( ،)385، 01 0والمفتاح ( ،)1/943وشيخه في
والمنهاج والجواب الصحيح ()3/336،368 الرد على البكري (،)934
(.)5/377
( )4انشدهما المصنف في هداية الحيارى (.)154
( )5ف " :بحيث إنه ينسى نفسه ولا ينسى محبوبه ".
( )6س " :قال اخر).1
433
تمثل لي ليلى بكل سبيل ()1 أريد لأنسى ذكرها فكأنما
وقال اخر(: )2
وتأبى الطباع على الناقل ()3 يراد من القلب نسيانندم
وخص في الحديث ( )4السمع والبصر واليد والرجل بالذكر ،فإن
هذه الالات الات الادراك ،والات الفعل ،والسمع والبصر يوردان على
القلب الارادة والكراهة ،ويجلبان إليه الحب والبغض ،فيستعمل اليد
والرجل .فإذا كان سمع العبد بالله وبصره بالله كان محفوظا في الات
إدراكه ،وكان ( ) محفوظا في حبه وبغضه ،فحفظ في بطشه ومشيه.
وتأمل كيف اكتفى بذكر السمع والبصر واليد والرجل عن اللسان .
فإنه إذا كان إدراك السمع الذي يحصل باختياره تارة وبغير اختياره تارة ،
وكذلك البصر قد يقع بغير الاختيار فجأ ،)96وكذلك حركة اليد والرجل
التي لابد للعبد منها؛ فكيف بحركة اللسان التي لا تقع( )7إلا بقصد
واختيار ،وقد يستغني العبد عنها إلا حيث أمر بها؟ وأيضا فانفعال اللسان
عن القلب أتم من انفعال سائر الجوارح ،فإنه ترجمانه ورسوله (. )8
لكثئر في ديوانه (.)252 ()1
ف " :الآخر" . ()2
( )3للمتنبي في ديوانه (.)593
( )4س " :هذا الحديث " .
من ف . "سمع العبد . . .وكان " ساقط ()5
(" )6فجأة" ساقط من ف .
( )7س " :الذي لا يقع".
(" )8ورسوله" ساقط من س .
434
وتأمل كيف حقق تعالى كون العبد به عند سمعه وبصره وبطشه
ومشيه ،بقوله " :كنت سمعه الذي يسمع به ،وبصره الذي يبصر به،
ويده التي يبطش بها ،ورجله التي يمشي بها" تحقيفا لكونه مع عبده ،
وكون عبده به ،في إدراكاته بسمعه وبصره ،وحركاته بيده ورجله؟
وتأمل كيف قال " :فبي يسمع ،وبي يبصر ،وبي يبطش " ،ولم يقل:
فلي يسمع ،ولي يبصر ،ولي يبطش ؟(. )1
وربما يظن الطان أن اللام أولى بهذا الموضع ،إذ هي أدل على
الغاية ووقوع هذه الأمور لله ،وذلك أخص من وقوعها به.
وهذا من الوهم والغلط ،إذ ليست الباء هاهنا لمجرد الاستعانة ،فإن
الأبرار والفجار وإدراكاتهم إنما هي بمعونة الله لهم ،وإنما الباء حركات
هاهنا للمصاحبة ،أي :إنما يسمع ويبصر ويبطمش ويمشي ،وأنا صاحبه
ومعه ( ،)2كقوله في الحديث ( ) الاخر" :أنا مع عبدي ما ذكرني
بي شفتاه "(. )4 وتحركت
(" )1ولم يقل . . .يبطش " ساقط من ل .
( )2وانظر روضة المحبين (.)555
(" )3الحديث" ساقط من س .
( )4أخرجه البخاري تعليقا من حديث أبي هريره رضي الله عنه في كتاب التوحيد،
باب قول الله تعالى ( :لاتحزك بهء لسانك ) وفعل النبي !كييه حيث ينزل عليه
الوحي ( .ص) .أخرجه ابن المبارك في الزهد ( )569وأحمد 2/054
والبخاري في خلق أفعال العباد ( )436وابن حبان في ()75901،76901
صحيحه ( )815والطبراني في مسند الشاميين ( )1417والبيهقي في الشعب
وابن عساكر ( )51 - 05 /07من طريق ربيعة بن يزيد الدمشقي ()605،705
وعبدالرحمن بن يزيد بن جابر وسعيد بن عبدالعزيز والأوزاعي -في الرواية-
435
)1(.ء
المعية الخاضة [/49أ] المذكورة في قوله ! :وهي لاتخزن وهده
إت أدله معنا ) [التوبة ،)04 /وقول النبي لمجم " :ما ظنك باثنين الله
[العنكبوت)96 / ثالثهما"( ، )2وقوله تعالى ( :ولمن أدئه لع ألمحسنين !)
! ) [النحل ) 128 / وقوله ( :إن أدئه ح أئذين أتموا ؤألذين هم ئحسوت
!) [ا!نفال ) 4 6 /رل ( :كل رل ( :وأضبروأ إن ألئه مع أفيجمت
إن معى ربئ سيهدين !) [الشعراء )62 /رل تعالى لرس وهارون :
[طه. )3( ) 4 6 / اشتمع وأرهـ!) ( إننى مع!مآ
فهذه الباء مفيدة لمعنى هذه المعية( )4دون اللام .ولا يتأتى للعبد
والصبر والتوكل ونزوله في منازل العبودية إلا بهذه الباء وهذه الإخلاص
المعية.
فمتى كان العبد بالله هانت عليه المشاق ،وانقلبت المخاوف في
حقه أمانا .فبالله يهون كل صعب ،ويسهل كل عسير ،ويقرب كل بعيد.
الراجحة عنه -ومحمد بن مهاجر كلهم عن إسماعيل بن عبيدالله عن كريمة ابنة
المزنية أنها قالت :حدثنا أبو هريرة ونحن في بيت هذه -يعني أم الحسحاس
الدرداء -أنه سمع رسول الله !يو فذكره .وهذا سند صحيح ،وكريمة تابعية
ادده عنهما .أخرجه البخاري في فضائل وثقها ابن حبان .
(" )1هي" ساقط من ز .
( )2من حديث أنس عن أبي بكر رضي
أصحاب النبي ع!ي! ،باب مناقب المهاجرين ()3653؛ ومسلم في فضائل
الصحابة ،باب من فضائل أبي بكر (.)2381
( )3وانظر مجموع الفتاوى (.)924 /11
( )4ف ،ز" :مفيدة لهذه المعية".
436
وبالله تزول الهموم والغموم ( )1والأحزان .فلا هم مع الله ،ولا غم(،)2
ولا حزن ،إلأ حيث يفوته ( )3معنى هذه الباء . ،فيصير قلبه حينئذ كالحوت
إذا فارق الماء ،يثب ويتقلب ( )4حتى يعود إليه.
ولما حصلت ( ) هذه الموافقة من العبد لربه في محابه حصلت
موافقة الرب لعبده في حوائجه ومطالبه ،فقال " :ولئن سألني لأعطينه
ولئن استعاذني لأعيذنه" أي :كما وافقني في مرادي بأمتثال أوامري
والتقرب إلي بمحابي ،فأنا أوافقه في رغبته ورهبته فيما يسألني أن أفعله
أن يناله. ()6
به ،ويستعيذني
وقوي أمر هذه الموافقة من الجانبين ،حتى اقتضى تردد الرب
سبحانه ؛ في إماتة عبده ،لأنه يكره الموت ،والرب تعالى يكره ما يكرهه
عبده ويكره مساءته ؛ فمن هذه الجهة يقتضي أن لا يميته .ولكن مصلحته
إلا ليصحه ،ولا أفقره في إماتته ،فإنه ما أماته إلا ليحييه ،ولا أمرضه()7
أبيه إلا إلا ليغنيه ،ولا منعه إلا ليعطيه ،ولم يخرجه من الجنة في صلب
ليعيده إليها على أحسن احواله ،ولم يقل لأبيه :اخرج منها ،إلا هو يريد
أن يعيده إليها(. )8
" )11الغموم" ساقط من س .
" )21ولا غم" ساقط من ف .
)31ف " :يفوت العبد".
)41ف " :ينفلت" ،تصحيف.
" )51حتى يعود ". . .إلى هنا ساقط من ز .
)61ف " :سألني" .و"به" ساقط من س .
)71ل " :وما أمرضه".
)81وانظر جواب شيخ الاسلام عن سؤال عن التردد المذكور في الحديث في=
437
فهذا هو الحبيب على الحقيقة لا سواه ،بل لو كان في كل منبت
شعرة من العبد محبة تامة لله لكان بعض ما يستحقه على عبده :
ما الحب إلا للحبيب الأول نقل فؤادك حيث شئت من الهوى
وحنينه أبدا لأول منزل ()1 كم منزل في الأرض يألفه الفتى
فصل
ثم التتيم ،وهو اخر مراتب الحب ،وهو تعبد المحب لمحبوبه.
التعئد: إذا عبده .ومنه تيم الله ،أي عبد الله .وحقيقة يقال :تيمه الحب
.ومنه قولهم " :طريق معئد" أي مذلل قد للمحبوب الذل والخضوع
لمحبوبه .ولهذا ذللته الأقدام .فالعبد هو الذي ذئله الحمث والخضوع
كانت أشرف أحوال العبد ومقاماته هي العبودية ،فلا منزل له أشرف
منها.
وقد ذكر الله سبحانه أكرم الخلق عليه وأحبهم إليه -وهو رسوله
محمد لمج! -بالعبودية في أشرف مقاماته ،وهي :مقام الدعوة إليه،
بالنبوة ،ومقام ا لاسراء( ، )2فقال ( :وأف!لماقام عئد أدده يذعؤ ومقام التحدي
فى ريب مما لرئنا [الجن ) 1 9 /وقال ( :وإن !نمغ ؟دوا يكولؤن عليه بدا !)
عك عبدنا فأتوا بسور فن فثلاء) [البقرة )23 /وقال ! :و سثحن الذى أسرى
بعتد ء لئلأ مف المح!جد ائحراو إلى اقمت!جد الأقصا) [الإسراء. ] 1 /
مجموع الفتاوى ( . ) 131 - 912 /18وانظر أيضا (.)95 - 1/58 0
( )1لأبي تمام في ديوانه بشرح التبريزي (.)4/253
( )2انظر طريق الهجرتين ( ،)18ومدارج السالكين ( ،)3/92وشفاء العليل
( ،)243وروضة المحبين ( )143ومفتاح دار السعادة (.)011 /1
-- -دلأ 438
وفي حديث الشفاعة " :اذهبوا إلى محمد ،عبد غفر الله له ما تقدم
ءس ()1
.فنال مقام الشفاعة بكمال عبوديته وكمال مغفره من دنبه وما تاخر"
الله له.
والله ( )2سبحانه خلق الخلق لعبادته وحده لا شريك له ،التي هي
أكمل أنواع المحبة ،مع أكمل أنواع الخضوع والذل .وهذا هو حقيقة
الاسلام وملة إبراهيم التي من رغب عنها فقد سفه نفسه .قال( )3تعالى:
( ومن يرغب عن قلأ إننهو إلا من سفه نفسو ولقد اضطفينة فى الذ نيا وايم فى
الأخرة لمن الضلحيهئ ! إذ قال له رئه ؤ أشلخ قال أشلضت لرب الفلمين!
لكم الدين فلا تموتن ا لأ وأنتو ووضى بها إئبىهو بنيه ويغقولب يبنئ إن أدله انظ
مسلمون !بم أتم كنتم شهدا إذ حصر يغقوب أتمؤت إد قال لبنيه ما تغبدون من
بعدى قا لوا لغبد إلهك وإلة ءابا يك إئرهو وإسمعيل واشحق إلفا وصدا ونخن
[البقرة . ] 1 33 - 1 3 0 / ل! م!لمون !)
عندالله الشرك [ ،ه /9ا] والله لا يغفر أ ن الذنوب ولهذا كان أعظم
يشرك به.
وأصل ( )4الشرك بالله الاشراك به في المحبة ،كما قال تعالى:
ألله والذين ءامنوأ !يو ومى ألناس من ينخذ من دون الله أندادم يحئوضهم كحب
( )1من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه .أخرجه البخاري في التوحيد ،باب
( )0741وغيره ؛ ومسلم في الايمان ،باب قول الله تعالى ( :لماظقت يدئ)،
أدنى أهل الجنة منزلة فيها (.)391
" والله " . ف " :فإنه " مكان()2
ف " :فقال " )3(.
( )4كلمة "أصل" ساقطة من ل .
943
أشذ حئا نئه ) أ البقرة ،]165 /فأخبر سبحانه أن من الناس من يشرك به،
فيتخذ من دونه ندا يحبه كحب الله ؛ وأخبر أن الذين امنوا أشد حبا لله من
أصحاب الأنداد لأندادهم.
الأنداد لله ،فإنهم وقيل :بل المعنى أنهم أشد حبا لله من أصحاب
وإن أحبوا الله ،لكن لما أشركوا( )1بينه وبين أندادهم في المحبة ضعفت
( )3محبتهم له كانت أشد من لله لما خلصت ث ()2
محبتهم لله .والموحدون
محبة أولئك .والعدل برب العالمين والتسوية بينه وبين الأنداد هو في
هذه المحبة ،كما تقدم .
ولما كان مراد الله من خلقه هو خلوص هذه المحبة له أنكر على من
اتخذ من دونه وليا أو شفيعا( )4غاية الانكار ،وجمع ذلك تارة ،وأفرد
أحدهما عن الاخر بالانكار تارة ،فقال تعالى ( :أدله الذى ظق ألسفؤت
وا لأزض وما بئنهط فى ستة أئامي ثوأشتوئ على اثعرشى ما لكم من دونه ع! من ولم ولا
) أ السجدة ] 4 /وقال ! :و وأنذز ؟ الذين نحافون أن شفيع أفلا نتذكرودط ()5
ئحشروا إك رئهؤ لنس لهرئن دونص ولىبر ولاشفيع لعلهنم يئقون) أ الانعام . ] 5 1 /
لا أولؤ!الؤا وقال في الافراد ! :و أهـاتخذوا من دون الله شفعة!ل
" :شركوا " . ( )1ما عداس
(" )2لله" ساقط من ز .
" ،سقط وتحريف. لما حصلت ( )3ز" :والموحدون
( )4ز " :وليا وشفيعا" .
مكانها الاية الثالثة من سورة يونس .وقد ( )5هذه الآية ساقطة من ز .وجاءت
وردت كلتاهما في ف .ولاشك أن إيراد الاية المذكورة من سورة يونس في
هذا السياق خطأ من بعض الن!اخ ،فإئها من مواضع الافراد لا الجمع.
044
يملكوق شئا ولا يغقثوت !) [الزمر )43 /وقال تعالى ( :من ورايهئم
جهغ ولا يغنى عنهم فا كسبوا شثا ولا ما اتخذوا من دون أدله أؤلا والم عذاب
[الجاثية. ) 1 0 / عظيم !)
فإذا والى ( )1العبد ربه وحده أقام له الشفعاء ،وعقد الموالاة ( )2بينه
وبين عباده المؤمنين ،فصاروا أولياءه في الله ،بخلاف من اتخذ مخلوقا
وليا من دون الله.
فهذا لون وذاك لون ،كما أن الشفاعة الشركية الباطلة لون،
والشفاعة الحق الثابتة التي إنما تنال بالتوحيد لون .وهذا موضع فرقان
بين أهل التوحيد وأهل الاشراك .والله يهدي من يشاء إلى صراط
مستقيم.
مع الاشراك بالله في والمقصود أن حقيقة العبودية لا تحصل
المحبة ،بخلاف المحبة لله ،فإنها من لوازم العبودية [ه /9ب] وموجباتها؛
فإن محبة الرسول -بل تقديمه في الحب ( )3على الأنفس ( )4والاباء
والأبناء -لا يتم الايمان إلا بها ،إذ محبته من محبة الله .وكذلك كل حب
عنه !يم أنه قال " :ثلاث من كن فيه وجد في الله ولله ،كما في الصحيحين
حلاوة الايمان " -وفي لفظ في الصحيح " :لايجد حلاوة الايمان إلا من
كان فيه ثلاث خصال :-أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما،
وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله ،وأن يكره أن يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه
( )1ف " :فإن ولى".
( )2ل " :وعقد له الموالاة ".
(" )3في الحب " ساقط من س .وفي ل " :في المحبة ".
( )4ف " :النفس".
441
الله منه ،كما يكره أن يلقى في النار"(.)1
وفي الحديث الذي في السنن " :من أحب لله ،وأبغض لله ،وأعطى
الايمان "(.)2 لله ،ومنع لله ،فقد استكمل
رجلان في الله إلا كان أفضلهما وفي حديث اخر" :ما تحاب
أشدهما حبا لصاحبه "(.)3
الله عنه .أخرجه البخاري في الإيمان ،باب أنس بن مالك رضي ( )1من حديث
حلاوة الايمان ( ،)16باللفظ الأول ،وفي الأدب ،باب الحب في الله ()4106
باللفظ الثاني ؟ ومسلم في الايمان ،باب خصال من اتصف بمن وجد حلاوة
الايمان (.)43
( )2أخرجه أبو داود ( )4681والطبراني (/8رقم )7737والبغوي في شرح السنة
(/13رقم )9346واللالكائي في شرح أصول الاعتقاد ( )1618وغيرهم من
طريق يحيى بن الحارث الذماري عن القاسم بن عبدالرحمن عن أبي أمامة
فذكره مرفوغا.
ورواه عبدالرحمن بن يزيد عن القاسم عن أبي أمامة موقوفا .أخرجه ابن ابي
واللالكائي في شرح أصول الاعتقاد ( .)1714قلت: شيبة )93471(7/145
عبدالرحمن بن يزيد جاء مصرحا عند اللالكائي بأنه "ابن جابر" ،وهو ثقة.
كما أشار إلى ذلك أنه عبدالرحمن بن يزيد بن تميم ،وهو ضعيف والصواب
البخاري وغيره .
وروي من طرق أخرى عن يحى الذماري ،ولا تثبت.
وورد من حديث معاذ الجهني عند الترمذي ( )2521وقال " :حسن"،
وأحمد ( )3/438وفي سنده ضعف.
( )3أخرجه البخاري في الأدب المفرد ( )544والطيالسي في مسنده ( )2166وابن
حبان في صحيحه ( )566والبزار في مسنده (/13رقم )9686والحاكم
)7321( 4/918وغيرهم من طريق مبارك بن فضالة عن ثابت عن أنس مرفوعا
ابن حبان والحاكم .وقال الذهبي :هذا حديث حسن= فذكره .والحديث صححه
442
فإن هذه المحبة من لوازم محبة الله وموجباتها وكلما كانت أقوى
كان أصلها كذلك.
فصل
وههنا اربعة أنواع من المحبة يجب التفريق بينها ،وإنما ضل من
ضل بعدم التمييز بينها:
احدها :محبة الله .ولا تكفي وحدها في النجاة من عذابه والفوز
(! )1
بثوابه ،فإن المشركين وعباد الصليب واليهود وغيرهم يحبون الله.
الثاني :محبة ما يحبه الله ( .)2وهذه هي التي تدخله في الاسلام ،
وتخرجه من الكفر ؛ وأحب الناس إلى الله أقومهم بهذه المحبة وأشدهم
لاسنا د . ا
وتابعه عبدالله بن الزبير الحميدي عن ثابت به ولا يثبت.
قلت :رفعه خطأ ،والصواب أنه من قول مطرف بن عبدالله الشخير .وإليه
ذهب الخطيب فرواه حماد بن سلمة عن ثابت عن مطرف قال " :كنا نتحدث أنه
في تاريخه (.)044 /9 في الله " . . .ذكره الخطيب رجلان ما تحاب
ورواه سليمان بن المغيرة عن غيلان بن جرير سمعت مطرفا يقول " :ما
تحاب قوم في الله عز وجل إلا كان أفضلهما أشدهما حثا لصاحبه " فذكرت
وابن عساكر ذلك للحسن ،فقال :صدق .أخرجه أحمد في الزهد ()1326
(.)57/491
قال الدارقطني " :رواه حماد بن سلمة عن ثابت مرسلا وهو الصواب " العلل
( 4/36ق.)1/
وقد ورد هذا اللفظ عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير وأبي فزارة .أخرجه
أحمد في الزهد ( )2242وهناد في الزهد (.)485
( )1ف " :بنعيمه".
( )2ف ،ل " :يحب الله ".
443
فيها.
الثالث :الحب لله وفيه .وهي من لوازم محبة ما يحب ،ولا يستقيم
محبة ما يحب الا بالحب فيه وله.
الرابع ( :)1المحبة مع الله .وهي المحبة الشركية ،وكل من أحب
شيئا مع الله ،لا لله ولا من أجله ولا فيه ،فقد اتخذه ندا من دون الله،
وهذه محبة المشركين.
وبقي قسم خامس :ليس مما نحن فيه ،وهو المحبة الطبعية ،وهي
ميل الانسان إلى ما يلائم طبعه ،كمحبة العطشان للماء ،والجائع
للطعام ،ومحبة النوم والزوجة ( )2والولد .فتلك لا تذأ إلا إذا ألهت عن
عن محبته ،كما قال تعالى ( :يهأيها ألذين ءاضصالاتمه! ذكر الله وشغلت
أفولكخ ولا أؤلد!م عن ص!ر أدله ) [المنافقون ]9 /وقال ( :رجال لا
نلهيهتم تجر [ /69أ] ولا بيعممن تجر الله ) [النور. ]37 /
فصل
ثم الدلة ،وهي تتضمن ( )3كمال المحبة ونهايتها ،بحيث لا يبقى
في قلب المحب سعة لغير محبوبه ،وهي منصب لا يقبل المشاركة
الله وسلامه ) لخليلين صلوات خلص( ()4
بوجه ما .وهذا المنصب
ف " :وا لرا بع " )1(.
( )2ل " :ومحبة الزوجة ".
( )3س " :وهو يتضمن ".
(" )4ما" ساقطة من ل .
( )5ف " :خاص".
444
كما قال غ!يم " :إن الله اتخذني خليلا ،كما عليهما :إبراهيم ومحمد،
اتخذ إبراهيم خليلا"(. )1
وفي الصحيح عنه !م " :لو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا
لاتخذت أبا بكر خليلا ،ولكن صاحبكم خليل الله "(.)2
وفي حديث اخر " :إني أبرأ إلى كل خليل من خلته "(. )3
ولما سأل إبراهيم الولد ،فأعطيه ،وتعلق حبه بقلبه ،فأخذ منه
شعبة ؛ غار الحبيب على خليله أن يكون في قلبه موضع لغيره ،فأمره
بذبحه ( .)4وكان الأمر في المنام ،ليكون تنفيذ المأمور به أعظم ابتلاء
وامتحانا .ولم يكن المقصود ذبح الولد ،ولكن المقصود ذبحه من قلبه،
القلب للرب .فلما بادرالخليل إلى الامتثال ،وقدم محبة الله ليخلص
المقصود ،فرفع الذبح .وفدي بذبح عطيم ،فإن على محبة ولده ؛ حصل
و بل لابد أن يبقى بعضه ثم أبطله ( ) رأشا، الرب تعالى ما أمر بشيء
أ
بدله ،كما أبقى شرعية الفداء ،وكما أبقى استحباب الصدقة بين يدي
المناجاة ،وكما أبقى الخمس صلوات بعد رفع الخمسين وأبقى ثوابها
( )1من حديث جندب رضي الله عنه .اخرجه مسلم في المساجد ،باب النهي عن
على القبور .)532( 0 0 . بناء المساجد
( )2من حديث عبدالله بن مسعود رضي الله عنه .أخرجه مسلم في فضائل الصحابة،
الله عنه باب من فضائل أبي بكر الصديق رضي الله عنه (.)2383
( )3أخرجه مسلم في الموضع السابق من حديث ابن مسعود رضي
ولفطه " :ألا إئي أبرأ إلى كل خل من خله". ()2383/7
( )4ف " :بذبح ولده ".
( )5ف " :وأبطله".
445
وهي خمسون في وقا ل " :لا يبد ل ( ) 1القول لدفي ،هي خمس،
ا لأ جر "( . ) 2
فصل
وأما ما يظنه بعض الغالطين أن المحبة أكمل من الخلة ،وأن إبراهيم
حبيب الله ،فمن جهله .فإن المحبة عامة ،والخلة خليل الله ( ،)3ومحمد
خاصة ،والخلة نهاية المحبة .وقد أخبر النبي ع! أن الله اتخذه خليلا،
ونفى أن يكون له خليل غير ربه ،مع إخباره ( )4بمحبته ( ) لعائشة ولأبيها
ولعمر بن الخطاب وغيرهم (. )6
المتطهرين، التوابين ،ويحمث وأيضا فإن الله ( )7سبحانه يحب
المتقين (،)8 ويحب الصابرين /69[،ب] ويحب المحسنين ،ويحب
التائب حبيب بالخليلين .والشاب المقسطين .وخلته خاصة ويحب
ث ()9
لله.
( )1ف " :مايبدل " .
(" )2هي خمس و" ساقط من ف .وهو جزء من حديث الاسراء ،أخرجه البخاري
في أول كتاب الصلاة ( ،)934ومسلم في الايمان ،باب الاسراء ( )163عن
الله عنه ،أخرجه البخاري (،)3662 أنس بن مالك رضي الله عنه.
(" )3خليل الله " ساقط من ف .
( )4س " :اختياره " ،تصحيف.
( )5ف ،ز " :بحئه " .
( )6كما في حديث عمرو بن العاص رضي
ومسلم ( )2384كلاهما في فضائل الصحابة.
( )7ف ،ز " :وأيضا فالله " .
في ط المدني- (" )8ويحب المتقين " ساقط من ف .
( )9كذا وقعت هذه الجملة هنا في جميع النسخ ،وقد وضعت
446
وإنما هذا( )1من قلة العلم والفهم عن الله ورسوله.
وقد تقدم ( )2أن العبد لا يترك ما يحبه ويهواه إلا لما يحبه ويهواه (،)3
محبة لأقواهما محبة ؛ كما أنه يفعل ما يكرهه لكن يترك أضعفهما
لحصول ما محبته أقوى عنده من كراهة ما يفعله ،أو لخلاصه من مكروه
كراهته عنده أقوى من كراهة ما يفعله (. )4
وتقدم أن خاصية العقل ( ) إيثار أعلى المحبوبين على أدناهما،
وأيسر المكروهين على أقواهما .وتقدم ( )6أن هذا كمال قوة الحب
والبغض.
القلب .فإن ولا يتم له هذا إلا بأمرين :قوة الادراك ،وشجاعة
التخلف ( )7عن ذلك والعمل بخلافه يكون إما لضعف الادراك بحيث إنه
وغيرها قبل الجملة السابقة ،وهو أقرب .وقد رواه ابن أبي الدتيا في كتاب
التوبة وأبو الشيخ في كتاب الثواب من حديث أنس بسند ضعيف .وبلفظ "إن
الله يحب الشالث التائب " .قاله العراقي في تخريح الاحياء (( .)5 /4ص).
( )1ف " :هذه".
( )2ف ،ز" :قد تقدم " دون الواو.
"إلا . . .يهواه " ساقط من ل )3(.
من س ،ل . . . .يفعله " ساقط (" )4أو لخلاصه
الغفلة إيثارآ المحبوبين " ،تحريف العقل " .وفي ز" :خاصة "خاصة ( )5ف:
سم.
( )6س " :ده ".
( )7ف" :المتخلف".
447
لم يدرك مراتجا المحبوب والمكروه على ما هي( )1عليه ،وإما لضعف
في النفس وعجز في القلب لا يطاوعه لايثار الأصلح له ،مع( )2علمه
بأنه الأصلح .فإذا صح إدراكه ،وقوسا نفسه ،وتشجع ( )3القلب على
الأعلى والمكروه الأدنى ؛ فقد وفق لأسباب السعادة . إيثار المحبوب
فمن الناس من يكون سلطان شهوته أقوى من سلطان عقله وإيمانه،
فيقهر الغالب الضعيف ( .)4ومنهم من يكون سلطان إيمانه وعقله
أقوى ( ) من سلطان شهوته.
وإذا كان كثير من المرضى يحميه الطبيب عما يضره ،فتأبى عليه
نفسه وشهوته إلا تناوله ،ويقدم شهوته على عقله ،وتسميه الأطباء
"عديم المروءة "؛ فهكذا أكثر مرضى القلوب يؤثرون ما يزيد مرضهم
لقوة شهوتهم له(. )6
فأصل الشر من ضعف الادراك ،وضعف النفس ودناءتها .وأصل
الخير من كمال الادراك ،وقوة النفس وشرفها وشجاعتها.
فالحب والارادة أصل كل فعل ومبدؤه ،والبغض والكراهة أصل كل
ترك( )7ومبدؤه .وهاتان القوتان في القلب أصل سعادة العبد وشقاوته.
( )1س " :ما كان".
"له مع". ( )2ما عدا ز" :لرفع" وهو تحريف
( )3س " :وشجع".
( )4ف ،ز" :للضعيف".
(" )5من سلطان عقله ". . .ساقط من ل .
(" )6له" ساقط من ف .
( )7س " :أصل ترك" .وفي ز" :كل شيء" بدلا من "كل فعل" ،و"كل ترك".
448
ووجود الفعل الاختياري لا يكون إلا بوجود سببه من الحب
والارادة .وأما عدم الفعل فتارة يكون لعدم مقتضيه وسببه ،وتارة يكون
لوجود البغض والكراهة المانع منه .وهذا متعلق الأمر والنهي ،وهو
الذي ( )1يسمى الكف ،وهو متعلق الثواب والعقاب .
وبهذا( )2يزول الاشتباه في مسألة الترك ،هل هو أمر وجودي و
أ
عدمي ؟ والتحقيق أنه قسمان :فالترك المضاف إلى عدم السبب المقتضي
عدمي ،والمضاف إلى السبب المانع من الفعل وجودي (. )3
فصل
وكل واحد من الفعل والترك الاختياريين إنما يوثره الحي لما فيه من
حصول المنفعة التي يلتذ بحصولها ،أو زوال الألم ( )4الذي يحصل له
قلبه .قال : الشفاء بزواله ( ) .ولهذا يقال :شفى صدره ،وشفى
وليس منها شفاء الداء مبذول ()6 هي الشفاء لدائي لو ظفرت بها
يؤبره العاقل ،بل الحيوان البهيم ؛ ولكن يغلط فيه وهذا مطفوب
أكثر الناس غلطا قبيحا ،فيقصد حصول اللذة بما يعقب عليه ( )7أعظم
(" )1الذي" ساقط من ل .
( )2في س " :بهذا" دون الواو.
( )3انطر :إغاثة اللهفان (.)824
( )4ل ،ز" :وزوال الألم ".
من ل . (" )5بزواله . . .قال هي" ساقط
االرمة ،و هو من شو هد سيبو يه ( )6البيت لهشام بن عقبة ،أخي ذي
(71،177 /1أ .وانطر مصارع العشاق (.)091 /2
( )7ف " :على نفسه ".
944
الألم ،فيؤلم نفسه من حيث يظن أنه يحصل لذتها ،ويشفي ( )1قلبه بما
يعقب عليه غاية المرض .
وهذا شأن من قصر نظره على العاجاط ،ولم يلاحظ العواقب.
وخاصة العقل :النظر في العواقب ( ،)2فأعقل الناس من اثر لذته وراحته
الاجلة الدائمة على العاجلة المنقضية الزائلة ؛ وأسفه الخلق من باع نعيم
الأبد وطيب الحياة الدائمة واللذة العظمى التي لا تنغيص ( )3فيها ولا
،وهي سريعة نقص( )4بوجه ما ،بلذة منغصة مشوبة بالالام والمخاوف
الزوال ( ) وشيكة الانقضاء .
قال بعض العلماء( : )6فكرت فيما يسعى فيه العقلاء ،فرأيت سعيهم
كله في مطلوب واحد ،وإن اختلفت طرقهم في تحصيله ؛ رأيتهم
جميعهم إنما يسعون في دفع الهم والغم عن نفوسهم .فهذا بالاكل
والشرب ( ،)7وهذا بالتجارة والكسب ،وهذا بالنكاح ،وهذا بسماع
المطربة ،وهذا باللهو واللعب .فقلت :هذا المطلوب الغناء والأصوات
مطلوب العقلاء ،ولكن الطرق كلها غير [/79ب] موصلة إليه ،بل لعل
أكثرها إنما يوصل إلى ضده .ولم أر في جميع هذه الطرق طريقا موصلة
()1ل،ز":يشقي "،تصحيف.
. . .العواقب " ساقط من ل . "وخاصة ()2
( )3ف " :تنغص".
(" )4نقص" ساقط من ل .
(" )5الزوال" ساقط من ز .
المؤلف كلامه .انظر :الأخلاق والسير (.)16 - 13 ( )6هو ابن حزم ،وقد لخص
(" )7والشرب" ساقط من ف .
045