The words you are searching are inside this book. To get more targeted content, please make full-text search by clicking here.

الداء والدواء ابن القيم

Discover the best professional documents and content resources in AnyFlip Document Base.
Search
Published by SAMHARI R, 2020-11-19 22:01:24

الداء والدواء ابن القيم

الداء والدواء ابن القيم

‫تدرك (‪ )1‬السابع من الولد" ‪.‬‬

‫وليست سعة الرزق والعمل (‪ )2‬بكثرته ‪ ،‬ولا طول العمر بكثرة‬
‫الشهور والأعوم ‪ ،‬ولكن سعة الرزق والعمر بالبركة فيه‪.‬‬

‫وقد تقدم (‪ )3‬أن عمر العبد هو مدة حياته ‪ ،‬ولا حياة لمن أعرض عن‬

‫الله ‪ ،‬واشتغل بغيره ‪ .‬بل حياة البهائم خير من حياته ‪ ،‬فإن حياة الانسان‬

‫بحياة قلبه وروحه ‪ ،‬ولا حياة لقلبه إلا بمعرفة فاطره‪ ،‬ومحبته‪،‬‬

‫(‪)4‬‬

‫بمربه‪.‬‬ ‫بذكره ‪ ،‬والأنس‬ ‫وحده ‪ ،‬والانابة إليه ‪ ،‬والطمأنينة‬ ‫وعبادته‬

‫[‪/04‬ب] ومن فقد هذه الحياة فقد( ) فقد الخير كفه ‪ ،‬ولو تعوض عنها بما‬

‫تعوض ‪ .‬فما في الدنيا(‪ )6‬بل ليست الدنيا بأجمعها عوضا عن هذه الحياة !‬

‫عنه شيء‬ ‫‪ ،‬وإذا فاته الله لم يعؤض‬ ‫فمن كل شيء يفوت العبد عوض‬
‫البتة‪.‬‬

‫وكيف يعؤض الفقير بالذات عن الغني بالذات ‪ ،‬والعاجز بالذات عن‬

‫القادر بالذات ‪ ،‬والميت عن الحي الذي لا يموت ‪ ،‬والمخلوق عن‬

‫الخالق ‪ ،‬ومن لا وجود له ولا شيء له من ذاته البتة عمن غناه وحياته‬

‫من لا يملك‬ ‫وكماله ووجوده ورحمته من لوازم ذاته ؟ وكيف يعؤض‬
‫مثقال ذرة عمن له ملك السموات والأرض ؟‬

‫(‪ )1‬ل‪":‬تبلغ "‪.‬‬
‫(‪" )2‬والعمل" لم يرد في ت ‪.‬‬

‫(‪ )3‬في ص (‪.)137‬‬
‫(‪" )4‬وعبادتهدا لم يرد في س ‪.‬‬

‫(‪ )5‬لم يرد "فقد" في ف ‪.‬‬
‫(‪ )6‬ت ‪،‬ل ‪" :‬تعوض مما في الدنيا"‪.‬‬

‫‪102‬‬

‫وإنما كانت معصية الله سبئا لمحق بركة (‪ )1‬الرزق والأجل ‪ ،‬لأن‬

‫الشيطان موكل بها وبأصحابها‪ ،‬فسلطانه عليهم ‪ ،‬وحوالته على هذا‬
‫الديوان ‪ ،‬وأهله أصحابه (‪)2‬؛ وكل شيء يتصل به الشيطان ويقارنه (‪،)3‬‬

‫فبركته ممحوقة ‪ .‬ولهذا شرع ذكر اسم الله تعالى عند الأكل والشرب‬

‫والجماع ‪ ،‬لما في مقارنة اسم الله من البركة ‪ .‬وذكر‬ ‫واللبس والركوب‬

‫اسمه يطرد الشيطان ‪ ،‬فتحصل البركة ‪ ،‬ولا معارض لها‪.‬‬

‫وكل شيء لا يكون لله‪ ،‬فبركته منزوعة ‪ ،‬فإن الرب هو الذي‬

‫إليه مبارك ‪.‬‬ ‫تبارك (‪ )4‬وحده ‪ ،‬والبركة كلها منه‪ ،‬وكل ما نسب‬

‫النافع لخلقه‬ ‫المؤمن‬ ‫مبارك ‪ ،‬وعبده‬ ‫فكلامه ( ) مبارك ‪ ،‬ورسوله‬

‫مبارك ‪ ،‬وبيته الحرام مبارك (‪ ،)6‬وكنانته من أرضه ‪-‬وهي الشام (‪-)7‬‬

‫ايات من كتابه (‪ .)8‬فلا‬ ‫البركة ‪ ،‬وصفها بالبركة في ست‬ ‫أرض‬

‫(‪" )1‬بركة" ساقط من ف ‪.‬‬

‫(‪ )2‬يعني ‪ :‬وأهل هذا الديوان أصحاب الشيطان ‪ .‬وفي س ‪،‬ف ‪" :‬واهله وأصحابه "‪.‬‬

‫ز ‪ " :‬يقاربه " ‪)3(.‬‬

‫واثبتنا ما فيها لما يأتي ‪" :‬فلا متبارك إلا هو وحده "‪.‬‬ ‫(‪ )4‬ما عدا س ‪" :‬يبارك"‪،‬‬

‫وانظر بدائع الفوائد (‪.)682‬‬
‫س ة " وكلامه " ‪.‬‬

‫(‪" )6‬ورسوله ‪ " . . .‬إلى هنا ساقط من س ‪.‬‬
‫(‪ )7‬ف ! "أرض الشام "‪ .‬يشير إلى ما روي ‪" :‬الشام كنانتي ‪ ،‬فمن أرادها بسوء رميته‬

‫له في المرفوع ‪ ،‬ولعله من‬ ‫قال الألباني ‪" :‬لا أصل‬ ‫منها"‪.‬‬ ‫بسهم‬

‫(‪.)07 /1‬‬ ‫الضعيفة‬ ‫‪ " . . .‬انظر السلسلة‬ ‫الاسرائيليات‬

‫(‪ )8‬وكذا قال في بدائع الفوائد (‪" :)1335‬وصف الشام بالبركة في ست ايات "‪.‬‬

‫ولكن قال فيه أيضا (‪" :)682‬وما حول المسجد الأقصى مبارك ‪ ،‬وأرض الشام‬

‫وصفها بالبركة في أربعة مواضع من كتابه أو خمسة " ‪ .‬وهذا هو الصواب ‪ .‬فهي=‬

‫‪202‬‬

‫متبارك(‪ )1‬إلا هو وحده ‪ ،‬ولا مبارك إلا ما نسب إليه ‪ ،‬أعني ‪ :‬إلى محبته‬
‫وألوهيته ورضاه ‪ ،‬وإلا فالكون كله منسوب إلى ربوبيته وخلقه ‪ .‬وكل ما‬
‫باعده من نفسه من الأعيان والأقوال والأعمال فلا بركة فيه ولا خير فيه‪،‬‬

‫وكل ما كان قريبا منه(‪ )2‬من ذلك ففيه من البركة على حسب قربه منه‪.‬‬

‫لعنه (‪ )3‬أو عمل‬ ‫لعنها الله ‪ ،‬أو شخص‬ ‫البركة اللعنة ‪ .‬فأرض‬ ‫وضد‬

‫لعنه = أبعد شيء من الخير والبركة ‪ .‬وكل ما اتصل بذلك ‪ ،‬وارتبط به‪،‬‬

‫وكان منه بسبيل ‪ ،‬فلا بركة فيه البتة ‪ .‬وقد لعن عدوه إبليس ‪41/11[ ،‬‬
‫وجعله أبعد خلقه منه ‪ ،‬فكل ما كان من جهته فله من لعنة الله بقدر قربه‬

‫منه واتصاله به‪.‬‬

‫فمن ههنا كان للمعاصي أعظم تأثير في محق بركة العمر والرزق (‪)4‬‬

‫و‬ ‫به ‪،‬‬ ‫الله‬ ‫الله فيه ‪ ،‬أو مال عصي‬ ‫والعلم والعمل ‪ .‬فكل وقت( ) عصيت‬
‫أ‬

‫بدن ‪ ،‬أو جاه ‪ ،‬أو علم ‪ ،‬أو عمل ‪ ،‬فهو على صاحبه ‪ ،‬ليس له ‪ .‬فليس‬

‫عمره وماله وقوته وجاهه وعلمه وعمله إلا ما أطاع الله به‪.‬‬

‫ولهذا من الناس من يعيش في هذه الدار مائة سنة أو نحوها ‪ ،‬ويكون‬
‫عمره لا يبلغ عشر سنين أو نحوها؛ كما أن منهم من يملك القناطير‬

‫أربعة مواضع ‪ :‬الأعراف (‪ ،) 137‬والأنبياء (‪ ،)81 ،71‬وسبأ (‪ .) 18‬فإذا أضفنا‬

‫إليها اية الاسراء كانت خمسة‪.‬‬

‫ل ‪" :‬مبارك " ‪)1(.‬‬

‫(‪" )2‬منه" ساقط من ف ‪.‬‬

‫لعنه الله "‪.‬‬ ‫بعده ‪" :‬أو عمل‬ ‫ل ‪" :‬لعنه الله " ‪ ،‬وهكذا(‪)3‬‬

‫(‪ )4‬ف ‪ " :‬الرزق والعمر"‪.‬‬

‫(‪ )5‬ف ‪" :‬وكل وقت"‪.‬‬

‫‪302‬‬

‫المقنطرة من الذهب والفضة ‪ ،‬ويكون ماله في الحقيقة لا يبلغ ألف درهم‬
‫أو نحوها ‪ .‬وهكذا الجاه والعلم‪.‬‬

‫وفي الترمذي (‪ )1‬عنه غ!يم ‪" :‬الدنيا ملعونة ‪ ،‬ملعون ما فيها‪ ،‬إلا ذكر‬
‫الله عز وجل وما والاه ‪ ،‬وعالم أو متعلم " ‪.‬‬

‫وفي أثر اخر ‪" :‬الدنيا ملعونة ‪ ،‬ملعون ما فيها ‪ ،‬الا ما كان لله "(‪. )2‬‬
‫فهذا هو الذي فيه البركة خاصة ‪ .‬والله المستعان (‪. )3‬‬

‫(‪ )1‬برقم (‪ .)2322‬وأخرجه ابن ماجه (‪ )4112‬والعقيلي في الضعفاء (‪)2/326‬‬
‫والبيهقي في الشعب (‪ )8017‬وغيرهم ‪ ،‬من طريق عبدالرحمن بن ثابت بن‬
‫ثوبان عن عطاء بن فرة عن عبدالله بن ضمرة السلولي عن أبي هريرة مرفوعا‪.‬‬

‫قال الترمذي ‪" :‬هذا حديث حسن غريب "‪.‬‬
‫ورواه يحيى بن اليمان عن ابن ثوبان عن أبيه عن عبدالله بن ضمرة عن كعب‬

‫وغيره ‪ .‬قال الدارقطني ‪ :‬وهو وهم‪.‬‬ ‫الدارمي (‪)331‬‬ ‫قوله ‪ .‬أخرجه‬

‫فيه عبدالرحمن بن ثابت بن ثوبان على أوجه ‪ ،‬وعد العقيلي‬ ‫وقد اضطرب‬

‫وغيره من منكراته ‪ ،‬ثم قال ‪" :‬ولا يتابعه إلا من هو دونه أو‬ ‫هذا الحديث‬

‫مثله "‪ .‬راجع علل الدارقطني (‪ )98 /5‬و(‪.)45 - 44 /11‬‬
‫(‪ )2‬أخرجه أبو نعيم في الحلية (‪ ) 3/157‬والخليلي في الارشاد (‪ )711 /2‬والرافعي‬

‫في أخبار قزوين (‪ )2/274‬و(‪ )3/141‬و(‪ )4/135‬وغيرهم ‪ ،‬من طريق‬
‫عبدالله بن الجراح القهستاني عن أبي عامر عبدالملك بن عمرو العقدي عن‬

‫الثوري عن ابن المنكدر عن جابر مرفوعا‪.‬‬
‫ورواه يحمى القطان عن الثوري عن محمد بن المنكدر عن النبي ع!فه مرسلا‪.‬‬

‫أخرجه أحمد في الزهد (‪ )154‬وأبو داود في المراسيل (‪ .)205‬وهذا هو‬

‫الصواب أنه مرسل كما رخح ذلك أبو حاتم الرازي والدارقطني وابن الجوزي ‪.‬‬

‫(‪ )3‬بعده في ز‪" :‬وعليه التكلان"‪.‬‬

‫‪402‬‬

‫ومن عقوباتها ‪ :‬أنها تجعل صاحبها من السفلة بعد أن كان مهيا لأن‬

‫يكون من العلية ‪ .‬فإن الله خلق خلقه قسمين ‪ :‬علية وسفلة ‪ ،‬وجعل عليين‬

‫مستقر العلية ‪ ،‬وأسفل سافلين مستقر السفلة ‪ .‬وجعل أهل طاعته الأعلين‬

‫في الدنيا والاخرة ‪ ،‬وأهل معصيته الأسفلين في الدنيا والاخرة(‪)1‬؛ كما‬
‫جعل أهل طاعته أكرم خلقه عليه ‪ ،‬وأهل معصيته أهون خلقه عليه (‪،)2‬‬

‫وجعل العزة لهؤلاء(‪ ،)3‬والذلة والصغار لهؤلاء ‪ .‬كما في مسند أحمد من‬

‫عبدالله بن عمر(‪ )4‬عن النبي لمجيم أنه قال ‪" :‬جعل الذلة والصغار‬ ‫حديث‬

‫على من خالف أمري " ‪.‬‬

‫فكلما( ) عمل العبد معصية نزل إلى أسفل درجة ‪ ،‬ولا يزال في‬
‫نزول حتى يكون من الأسفلين ‪ .‬وكلما عمل طاعة (‪ )6‬ارتفع بها درجة‪،‬‬

‫ولا يزال في ارتفاع حتى يكون من الأعلين ‪ .‬وقد يجتمع للعبد في أيام‬
‫حياته الصعود من وجه ‪ ،‬والنزول من وجه ؛ وأيهما كان أغلب عليه كان‬
‫من أهله ‪ .‬فليس من صعد مائة درجة ونزل درجة واحدة كمن كان [‪/41‬ب ]‬
‫بالعكس‪.‬‬

‫"وأهل معصيته ‪ . . .‬الاخرة " ساقط من ل ‪)1(.‬‬

‫‪-‬كما أثبتنا ‪ -‬في‬ ‫(‪" )2‬عليه" ساقط من ف ‪ .‬وفي ز‪" :‬عليهم" ‪ ،‬خطأ‪.‬‬
‫ف ‪" :‬لهؤلاء العزه " ‪)3(.‬‬

‫(‪ )4‬في جميع النسخ ‪" :‬عبدالله بن عمرو"‪ ،‬وقد تقدم على الصواب‬

‫ص (‪.)143‬‬

‫س ‪" :‬وكلما"‪.‬‬

‫(‪ )6‬ف ‪" :‬بطاعة"‪.‬‬

‫‪502‬‬

‫ولكن يعرض هاهنا للنفوس غلط عظيم ‪ ،‬وهو أن العبد قد ينزل‬
‫نزولا بعيدا أبعد مما(‪ )1‬بين المشرق والمغرب ومما(‪ )2‬بين السماء‬
‫والأرض ‪ ،‬فلا يفي صعوده ألف درجة بهذا النزول الواحد‪ ،‬كما في‬

‫الصحيح عن النبي !ي! أنه قال ‪" :‬إن العبد ليتكلم بالكلمة الواحدة ‪ ،‬لا‬
‫يلقي لها بالا‪ ،‬يهوي بها في النار أبعد مما بين المشرق والمغرب "(‪.)3‬‬
‫فأي صعود يوازي (‪ )4‬هذه النزلة ؟ ‪.‬‬

‫والنزول أمر لازم للانسان ‪ ،‬ولكن من الناس من يكون نزوله إلى‬
‫غفلة ‪ ،‬فهذا متى( ) استيقظ من غفلته عاد إلى درجته ‪ ،‬أو إلى أرفع منها‬

‫بحسب يقظته‪.‬‬

‫ومنهم من يكون نزوله إلى مباح لا ينوي به الاستعانة (‪ )6‬على‬
‫الطاعة ‪ .‬فهذا متى رجع إلى الطاعة (‪ )7‬فقد يعود إلى درجته ‪ ،‬وقد لا يصل‬
‫إليها ‪ ،‬وقد يرتفع عنها ‪ .‬فإنه قد يعود أعلى همة مما كان(‪ ،)8‬وقد يكون‬
‫أضعف همة ‪ ،‬وقد تعود همته كما كانت‪.‬‬

‫الله عنه ‪ .‬أخرجه البخاري في الرقاق ‪ ،‬باب حفظ‬ ‫ز ‪ " :‬أبغد " ‪.‬‬

‫ف ‪ ،‬ز ‪ " :‬وما " ‪)21.‬‬
‫(‪ )3‬من حديث أبي هريرة رضي‬

‫اللسان (‪)6477‬؛ ومسلم في الزهد‪ ،‬باب حفظ اللسان (‪.)8892‬‬
‫(‪ )4‬ف ‪ ،‬س ‪ " :‬يوازن " ‪.‬‬

‫س ‪ " :‬هذا متى " ‪ .‬ز ‪ " :‬فهذا إذا" ‪.‬‬

‫ف ‪ " :‬إلا الاستعانة " ‪)6(.‬‬
‫(‪" )7‬فهذا‪ . . .‬الطاعة " ساقط من ف ‪.‬‬
‫(‪ )8‬ف ‪" :‬يعود على همة أقوى مما كان"‪.‬‬

‫‪602‬‬

‫ومنهم من يكون نزوله إلى معصية ‪ :‬إما صغيرة أو كبيرة (‪ ،)1‬فهذا‬
‫يحتاج في عوده إلى درجته إلى توبة نصوح وإنابة صادقة‪.‬‬

‫واختلف الناس ‪ :‬هل يعود بعد التوبة (‪ )2‬إلى درجته التي كان فيها‪،‬‬
‫بناء على أن التوبة تمحو أثر الذنب ‪ ،‬وتجعل وجوده كعدمه ‪ ،‬فكأنه لم‬
‫يكن ؛ أو لا يعود بناء على أن التوبة تأثيرها في(‪ )3‬إسقاط العقوبة ‪ ،‬وأما‬

‫الدرجة التي فاتته فإنه لا يصل إليها(‪)4‬؟‬

‫قالوا( )‪ :‬وتقرير ذلك أنه كان مستعذا باشتغاله بالطاعة في الزمن‬
‫الذي عصى فيه لصعود اخر ‪ ،‬وارتفاعه (‪ )6‬بجملة أعماله السالفة بمنزلة‬
‫كسب الرجل كل يوم بجملة ماله الذي يملكه ‪ ،‬وكلما تضاعف المال‬

‫تضاعف الربح ‪ .‬فقد راح عليه في زمن المعصية ارتفاع وربح بجملة‬
‫أعماله ‪ ،‬فإذا(‪ )7‬استأنف العمل استأنف صعودا من نزول ‪ ،‬وكان قبل ذلك‬

‫صاعدا من صعود(‪ ،)8‬وبينهما بون عظيم‪.‬‬

‫قالوا ‪ :‬ومثل ذلك رجلان مرتقيان في سلمين لا نهاية لهما‪ ،‬وهما‬
‫سواء ‪ ،‬فنزل أحدهما إلى أسفل ولو درجة واحدة ‪ ،‬ثم استأنف الصعود‪،‬‬

‫(‪ )1‬ف ‪" :‬كبيرة أو صغيرة "‪.‬‬
‫(‪ )2‬ف ‪" :‬بالتوبة"‪ .‬ووقع "بعد التوبة " في ز بعد "فيها"‪.‬‬

‫(‪ )3‬س ‪" :‬على"‪.‬‬
‫(‪ )4‬قد أفاض المؤلف الكلام في هذه المسألة في طريق الهجرتين (‪.)545- 605‬‬

‫وانظر المدارج (‪.)492 - 192 /1‬‬

‫"قالوا" لم يرد في س ‪ .‬لا‬

‫(‪ )6‬ما عدا س ‪" :‬وارتقاء"‪.‬‬

‫" ‪)7(.‬‬
‫ز ‪ " :‬واستأنف‬

‫(‪ )8‬ما عدا س ‪" :‬من علو"‪.‬‬

‫‪702‬‬

‫فإن الذي لم ينزل يعلو عليه ‪ ،‬ولا بد‪.‬‬

‫وحكم شيخ الاسلام ابن تيمية بين الطائفتين [‪/42‬ا] حكفا مقبولا‬
‫فقال ‪ :‬التحقيق أن من التائبين من يعود إلى أرفع من درجته ‪ ،‬ومنهم من‬

‫يعود إلى مثل درجته (‪ ، )1‬ومنهم من لا يصل إلى درجته (‪. )2‬‬

‫قوة التوبة وكمالها ‪ ،‬وما أحدثته المعصية للعبد‬ ‫قلت ‪ :‬وهذا بحسب‬

‫من الله ‪ ،‬والبكاء من‬ ‫والانابة ‪ ،‬والحذر والخوف‬ ‫من الذل والخضوع‬

‫خشيته ؛ فقد تقوى هذه الأمور حتى يعود التائب إلى أرفع من درجته‪،‬‬

‫ويصير بعد التوبة خيرا منه قبل الخطيئة ‪ .‬فهذا قد تكون الخطيئة في حقه‬
‫رحمهي ‪ ،‬فإنها نفت عنه داء العجب ‪ ،‬وخلصته من ثقته (‪ )3‬بنفسه وأعماله‪،‬‬

‫ووضعت خد ضراعته وذله وانكساره على عتبة باب سيده ومولاه ‪،‬‬

‫وعرفته قدره ‪ ،‬وأشهدته فقره وضرورته إلى حفظ سيده له ‪ ،‬وإلى عفوه‬

‫من قلبه صولة الطاعة ‪ ،‬وكسرت أنفه من(‪)4‬‬ ‫عنه ومغفرته له ؛ وأخرجت‬

‫أن يشمخ بها ‪ ،‬أو يتكبر بها ‪ ،‬أو يرى نفسه بها خيرا من غيره ؛ وأوقفته بين‬
‫يدي ربه موقف الخطائين المذنبين ناكس الرأس بين يدي ربه ‪ ،‬مستحييا‬
‫منه ‪ ،‬خائفا وجلا‪ ،‬محتقرا لطاعته ‪ ،‬مستعظفا لمعصيته ‪ ،‬قد عرف( )‬

‫نفسه بالنقص والذم ‪ ،‬وربه منفردا بالكمال والحمد والوفاء ‪ ،‬كما قيل‪:‬‬

‫(‪ )1‬في س ‪" :‬إلى درجته "‪ ،‬وتأخرت هذه الجملة فيها على تاليتها‪.‬‬

‫(‪ )2‬انظر منهاج السنة (‪ .)434 /2‬وقد نقل المصنف كلام شيخه في طريق الهجرتين‬

‫( ‪ ) 292 / 1‬أيضا‪.‬‬ ‫( ‪ ) 534‬والمدارج‬

‫(‪ )3‬س ‪" :‬ثقة " ‪.‬‬

‫(‪" )4‬من" لم ترد في ف ‪ ،‬ز ‪.‬‬
‫(‪ )5‬س ‪" :‬وقد عرف"‪.‬‬

‫‪802‬‬

‫حمد وولى الملامة الرجلا(‪)1‬‬ ‫استأثر الله بالوفاء وباد‬

‫فأي نعمة وصلت من الله إليه استكثرها على نفسه ‪ ،‬ورأى نفسه‬

‫إليه رأى نفسه أهلا‬ ‫دونها ‪ ،‬ولم يرها أهلا لها ‪ .‬وأي نقمة أو بلية وصلت‬

‫لما هو أكبر(‪ )2‬منها‪ ،‬ورأى مولاه قد أحسن إليه ‪ ،‬إذ لم يعاقبه على قدر‬

‫جرمه ولا شطره ولا أدنى جزء منه ‪ .‬فإن ما يستحقه من العقوبة لا تحمله‬

‫الجبال الراسيات ‪ ،‬فصلا عن هذا العبد الضعيف العاجز‪.‬‬

‫فإن الذنب وإن صغر‪ ،‬فإن مقابلة العظيم الذي لا شيء أعظم منه‪،‬‬

‫الكبير الذي لا شيء أكبر منه ‪ ،‬الكريم الذي لا أجل منه ولا أجمل‪،‬‬

‫المنعم بجميع أصناف النعم دقيقها وجليلها = من أقبح الأمور وأفظعها‬

‫الناس بمثل ذلك(‪)3‬‬ ‫وأشنعها ‪ .‬فإن مقابلة العظماء والأجلاء وسادات‬

‫يستقبحه كل أحد مؤمن وكافر ‪ .‬وأرذل الناس وأسقطهم مروءة من قابلهم‬

‫السموات‬ ‫والأرض ‪ ،‬وملك‬ ‫بعظيم السموات‬ ‫بالرذائل ‪ ،‬فكيف‬

‫والأرض [‪/42‬ب] ‪ ،‬وإله أهل السموات والأرض (‪)4‬؟‬

‫ولولا أن رحمته غلبت غضبه ‪ ،‬ومغفرته سبقت عقوبته ‪ ،‬وإلا( )‬

‫(‪ )1‬من قصيدة منسوبة إلى الأعشى في ديوانه (‪ .)283‬والرواية المشهورة ‪" :‬بالوفاء‬

‫وبالعدل "‪ .‬وقد أنشده المؤلف في اكثر من موضع ‪ .‬انظر طريق الهجرتين (‪) 11‬‬

‫( ‪. ) 1 59 / 1‬‬ ‫وشفاء العليل (‪ ) 132‬والمدارج‬

‫ل ‪ ،‬ز ‪ " :‬أكثر" ‪)2(.‬‬

‫(‪ " )3‬وأشنعها ‪ . . .‬بمثل " ساقط من ف ‪ .‬وفيها ‪" :‬وذلك "‪.‬‬

‫(‪" )4‬وملك السموات ‪ ". . .‬إلى هنا ساقط من ف ‪.‬‬

‫(‪" )5‬وإلآ" وقعت هنا في غير موقعها‪ ،‬ولا يستقيم المعنى إلا بحذفها‪ .‬وقد تكرر‬

‫استعمال "وإلأ" على هذا الوجه في كلام المؤلف وشيخه ‪ ،‬ولعله كان أسلوبا‬

‫دارجا في زمنهما‪ .‬انطر مثلا طريق الهجرتين (‪ ،)44‬وشفاء العليل (‪- )911‬‬

‫‪902‬‬

‫بمن قابله بما لا تليق مقابلته به ‪ .‬ولولا حلمه‬ ‫الأرض‬ ‫لتدكدكت‬

‫‪)2( 0)1( .‬‬

‫السموات والأرض من معاصي العباد ‪ .‬قال تعالى‪:‬‬ ‫لزالت‬ ‫ومغمرته‬

‫السموت وا لأزض أن ئزولأ ولين زالتا إن أقسكهما من أصم من‬ ‫( ! إن الله !سث‬

‫‪.)41‬‬ ‫بغده إن!ر؟ن!يماغفو‪[)!،‬فاطر‪/‬‬

‫فتأمل ختم هذه الاية باسمين من أسمائه ‪ ،‬وهما ‪ :‬الحليم الغفور(‪،)3‬‬

‫كيف تجد تحت ذلك أنه لولا حلمه عن الجناة ومغفرته للعصاة لما‬
‫استقرت السموات والأرض ‪.‬‬

‫ألسفؤت‬ ‫وقد أخبر سبحانه عن بعض كفر عباده أفه ‪ ( :‬تاد‬

‫[مريم ‪. ) 9 0 /‬‬ ‫الحبالم هذا !)‬ ‫مته وتنشق لازضى ونحر‬ ‫!ظرن‬
‫ا‬

‫وقد أخرج الله سبحانه الأبوين (‪ )4‬من الجنة بذنب واحد ارتكباه ‪،‬‬

‫من ملكوت‬ ‫وخالفا فيه نهيه ( )‪ .‬ولعن إبليس ‪ ،‬وطرده ‪ ،‬وأخرجه‬

‫فيه(‪ )8‬أمره ‪ .‬ونحن ‪-‬معاشر‬ ‫السماء(‪ )6‬بذنب (‪ )7‬ارتكبه ‪ ،‬وخالف‬
‫الحمقى ‪-‬كماقئل‪:‬‬

‫ومجموع الفتاوى (‪ . )1/27 1‬وجامع المسائل (‪. ) 171 ، 29 /1‬‬

‫(‪ )1‬ز‪" :‬رحمته "‪.‬‬
‫(‪ )2‬ف ‪ " :‬لزلزلت "‪.‬‬
‫(‪ )3‬ل ‪ " :‬أسمائه الحليم والغفور"‪.‬‬
‫(‪ )4‬س ‪" :‬نقل الله سبحانه آدم وحؤاء"‪.‬‬
‫(‪ )5‬ز‪" :‬نهيه فيه"‪ .‬وفي س ‪" :‬واحد بالغفلة عن مخالفة نهيه "‪ ،‬وهو من جناية‬

‫قارىء محا كتابة النسخة وكتب مكانها ‪" :‬بالغفلة عن مخالفة "‪.‬‬

‫(‪ )6‬ز‪" :‬السماوات" ‪ .‬وهنا أيضا كتب قارىء س مكان "ملكوت "‪" :‬مشاركة أهل"‪.‬‬

‫من ف ‪.‬‬ ‫(‪ )7‬ز‪" :‬بذنب واحد"‪.‬‬
‫(‪" )8‬نهيه ولعن ‪ . . .‬فيه" ساقط‬

‫‪021‬‬

‫درك الجنان لدى النعيم الخالد(‪)1‬‬ ‫نصل الذنوب إلى الذنوب ونرتجي‬

‫ملكوتها الأعلى بذنب واحد(‪)2‬‬ ‫ولقد علمنا أخرج الأبوين من‬

‫والمقصود أن العبد قد يكون بعد التوبة خيرا مما كان قبل الخطيئة‬
‫وأرفع درجة ‪ .‬وقد تضعف الخطيئة همته ‪ ،‬وتوهن عزمه ‪ ،‬وتمرض قلبه‪،‬‬
‫فلا يقوى دواء التوبة على اعادته إلى الصحة الأولى ‪ ،‬فلا يعود الى‬
‫درجته ‪ .‬وقد يزول المرض بحيث تعود الصحة كما كانت ‪ ،‬ويعود الى‬

‫مثل عمله ‪ ،‬فيعود إلى درجته‪.‬‬

‫هذا كله(‪ )3‬إذا كان نزوله إلى معصية ‪ .‬فإن(‪ )4‬كان نزوله إلى أمر‬

‫(‪ )1‬الدرفى ‪ :‬اللحاق ‪ ،‬وهو اسم من الادراك (المصباح المنير)‪ .‬وقد غئرها بعضهم‬
‫في ف إلى "درج" لتوهمه أنها مفرد الأدراك ‪ ،‬وهي منازل في النار‪ .‬والدرك‬

‫إلى أسفل ‪ ،‬والدرج إلى فوق ‪( .‬النهاية ‪. ) 1 14 /2‬‬

‫بالوزن ‪ .‬وكذا كان في‬ ‫(‪ )2‬في ف ‪،‬ل ‪" :‬ولقد علمنا أنه قد أخرح ‪ ، ". . .‬وهو مخل‬

‫ز‪ ،‬فطمس بعضهم ‪" :‬أنه قد"‪ .‬وفي س تحريف وتغيير‪ ،‬وفي حاشيتها‪ " :‬ظ‬

‫ولقد علمنا أخرج " ‪ ،‬وهو الصواب ‪ .‬والبيتان لمحمود الوزاق في عيون الأخبار‬

‫(‪ ، )374 /2‬والكامل (‪ ، )51 4‬والعقد (‪ ) 917 /3‬وغيرها ‪ .‬وفيها جميعا ‪" :‬تصل‬

‫البيت الأول ‪" :‬درك الجنان بها وفوز العابد" ‪ .‬وفي بهجة‬ ‫وعجز‬ ‫وترتجي"‪.‬‬

‫"فوز الجنان ونيل أجر العابد"‪.‬‬ ‫المجالس (‪:)2/328‬‬

‫أما "لدى النعيم الخالد" الذي ورد هنا‪ ،‬فهو جزء من بيت اخر لأبي إسحاق‬

‫الصابىء في يتيمة الدهر (‪ )2/925‬وقد أنشده المؤلف في طريق الهجرتين‬

‫(‪ .)892‬أما البيت الثاني فروايته في المصادر كلها‪:‬‬

‫منها إلى الدنيا بذنب واحد‬ ‫ونسيت أن الله أخرج ادما‬

‫انظر ديوانه المجموع (‪.)78‬‬
‫(‪" )3‬كله" ساقط من ز ‪.‬‬
‫(‪ )4‬ز‪" :‬فإذا"‪.‬‬

‫‪211‬‬

‫يقدح في أصل إيمانه مثل الشكوك والريب والنفاق ‪ ،‬فذاك نزول لا يرجى‬
‫لصاحبه صعود إلا بتجديد إسلامه من رأس(‪. )1‬‬

‫فصل‬

‫ومن عقوباتها ‪ :‬أنها تجرى ء على العبد من لم يكن يجترىء عليه من‬
‫أصناف المخلوقات ‪ .‬فيجترىء عليه الشياطين بالأذى (‪ ،)2‬والاغواء‪،‬‬

‫في ذكره ‪،‬‬ ‫والوسوسة ‪ ،‬والتخويف ‪ ،‬والتحزين ‪ ،‬وإنسائه ما مصلحته‬

‫ومضرته في نسيانه ؛ فتجترىء(‪ )3‬عليه الشياطين حتى تؤزه إلى معصية الله‬

‫أزا ‪.‬‬

‫ويجترىء عليه شياطين [‪/43‬أ] الانس بما تقدر عليه من أذاه في غيبته‬

‫وأولاده (‪ )4‬وجيرانه ‪ ،‬حتى‬ ‫عليه أهله وخدمه‬ ‫‪ .‬ويجترىء‬ ‫وحضوره‬

‫الله ‪ ،‬فأعرف ذلك في‬ ‫الحيوان البهيم ! قال بعض السلف ‪ :‬إني لأعصي‬

‫خلق امرأتي ودابتي( ) ‪ .‬وكذلك يجترىء عليه أولياء الأمر بالعقوبة التي‬

‫إن عدلوا فيها أقاموا عليه حدود الله (‪ .)6‬وكذلك تجترىء عليه نفسه‪،‬‬

‫عليه (‪ ، )7‬فلو أرادها لخير لم تطاوعه ‪ ،‬ولم تنقد‬ ‫فتتأسد عليه ‪ ،‬وتستصعب‬

‫له ‪ .‬وتسوقه إلى ما فيه هلاكه ‪ ،‬شاء أم أبى‪.‬‬

‫(‪ )1‬س ‪ " :‬من الرأس " ‪.‬‬

‫(‪ )2‬س ‪" :‬بالايذاء"‪.‬‬
‫(‪ )3‬س ‪" :‬ويجترىء" ‪ .‬ف ‪" :‬فنجزى"‪.‬‬

‫(‪" )4‬أولاده" ساقط من ف ‪.‬‬

‫(‪ )5‬من كلام الفضيل بن عياض ‪ ،‬وقد سبق في ص (‪.)134‬‬

‫(‪ )6‬س ‪" :‬عليه الحدود" ‪ ،‬وفي حاشيتها ‪" :‬خ حدود الله تعالى "‪.‬‬

‫عليه العبادة " كذا ا‬ ‫ل ‪" :‬فتتأسد‬ ‫(‪)7‬‬

‫‪212‬‬

‫وذلك لأن(‪ )1‬الطاعة حصن الرب تبارك وتعالى الذي من دخله كان‬

‫من الامنين ‪ ،‬فإذا فارق الحصن اجترأ عليه قطاع الطريق وغيرهم ‪ ،‬وعلى‬

‫حسب اجترائه على معاصي الله يكون اجتراء هذه الافات والنفوس عليه‪.‬‬

‫وليس له(‪ )2‬شيء يرد عنه ‪ ،‬فإن ذكر الله ‪ ،‬وطاعته ‪ ،‬والصدقة ‪ ،‬وإرشاد‬

‫الجاهل ‪ ،‬والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ‪ -‬وقاية ترد عن العبد‪،‬‬

‫القوة غلب وارد‬ ‫وتقاومه ‪ ،‬فإذا سقطت‬ ‫بمنزلة القوة التي ترد المرض‬
‫المرض ‪ ،‬فكان (‪ )3‬الهلاك ‪.‬‬

‫فلابد للعبد من شيء يرد عنه‪ ،‬فإن موجب السيئات والحسنات‬
‫يتدافع (‪ ،)4‬ويكون الحكم للغالب كما تقدم ‪ .‬وكلما قوي جانب‬
‫الحسنات كان الرد أقوى ‪ ،‬فإن الله يدافع ( ) عن الذين امنوا‪ ،‬والايمان‬

‫قوة الايمان يكون الدفع ‪ .‬والله المستعان ‪.‬‬ ‫قول وعمل ‪ ،‬فبحسب‬

‫فصل‬

‫ومن عقوباتها ‪ :‬انها تخون العبد أحوج ما يكون إلى نفسه ‪ .‬فإن كل‬
‫أحد محتاج (‪ )6‬إلى معرفة (‪ )7‬ما ينفعه وما يضره في معاشه ومعاده ‪ ،‬وأعلم‬
‫الناس أعرفهم (‪ )8‬بذلك على التفصيل ‪ ،‬وأقواهم وأكيسهم من قوي على‬

‫(‪ )1‬ف ‪" :‬وذلك كما أن"‪.‬‬
‫(‪ )2‬لم يرد "له" في س ‪.‬‬
‫(‪ )3‬س ‪" :‬وكان"‪.‬‬
‫(‪ )4‬ز‪" :‬تتدافع"‪.‬‬
‫(‪ )5‬ف ‪" :‬يدفع"‪.‬‬
‫(‪ )6‬ف ‪" :‬يحتاج"‪.‬‬
‫(‪ )7‬س ‪" :‬معرفته "‪.‬‬
‫(‪ )8‬ل ‪" :‬وأعرفهم"‪.‬‬

‫‪213‬‬

‫فيما ينفعه ‪ ،‬وكفها عما يضره ‪.‬‬ ‫نفسه هـارادته(‪ ، )1‬فاستعملها(‪)2‬‬

‫وفي ذلك تفاوتت (‪ )3‬معارف الناس وهممهم ومنازلهم ‪ .‬فأعرفهم‬
‫من كان عارفا بأسباب السعادة والشقاوة ‪ ،‬وأرشدهم من آثر هذه على‬

‫هذه ‪ ،‬كما أن أسفههم من عكس الأمر‪.‬‬

‫والمعاصي تخون العبد أحوج ما كان إلى نفسه في تحصيل هذا‬
‫العلم وإيثار الحظ الأشرف العالي الدائم على الحظ الخسيس الأدنى‬

‫المنقطع ‪ ،‬فتحجبه الذنوب عن كمال هذا العلم [‪/43‬ب]‪ ،‬وعن الاشتغال‬
‫بما هو أولى به وأنفع له في الدارين‪.‬‬

‫فإذا(‪ )4‬وقع في مكروه ‪ ،‬واحتاج إلى التخلص منه ‪ ،‬خانه قلبه ونفسه‬
‫وجوارحه ‪ ،‬وكان بمنزلة رجل معه سيف قد غشيه الجرب ( )‪ ،‬ولزم‬
‫قرابه(‪ )6‬بحيث لا ينجذب مع صاحبه إذا جذبه ‪ ،‬فعرض له عدو يريد‬

‫قتله ‪ ،‬فوضع يده على قائم سيفه ‪ ،‬واجتهد ليخرجه ‪ ،‬فلم يخرج معه‪،‬‬
‫فدهمه العدو ‪ ،‬وظفر به‪.‬‬

‫عن ابن الأعرابي ‪ :‬سيف‬ ‫السيف ‪( .‬اللسان ‪ .‬جرب)‬ ‫(‪ )1‬ل ‪" :‬وإرادته لها"‪.‬‬
‫(‪ )2‬ز ‪ " :‬واستعملها " ‪.‬‬

‫(‪ )3‬ف ‪ " :‬تفاوت " ‪.‬‬
‫(‪ )4‬ف ‪" :‬وإذا" ‪.‬‬

‫(‪ )5‬الجرب ‪ :‬الصدأ يركب‬

‫أجرب ‪ ،‬إذا كثف الصدأ عليه حتى يحمر‪ ،‬فلا ينقلع عنه إلأ بالمسحل‪.‬‬

‫والمسحل ‪ :‬المبرد‪.‬‬ ‫(الأساس ‪-‬جرب)‪.‬‬

‫ولعل كلمة الجرب أشكلت ‪ ،‬فاستبدلت بها في ط المدني وعبدالظاهر‬

‫الآتية بعد أسطر‪.‬‬ ‫وغيرهما ‪" :‬الصدأ" ‪ ،‬كما حذفوا "ويجرب"‬

‫(‪ )6‬قراب السيف ‪ :‬غمده ‪.‬‬

‫‪214‬‬

‫كذلك القلب يصدأ بالذنوب ويجرب ‪ ،‬ويصير مثخنا بالمرض ‪ ،‬فإذا‬

‫احتاج إلى محاربة العدو به(‪ )1‬لم يجد معه(‪ )2‬شيئا ‪ .‬والعبد إنما يحارب‬
‫ويصاول(‪ )3‬ويقدم بقلبه ‪ ،‬والجوارح تبع للقلب ‪ ،‬فإذا لم يكن عند ملكها‬

‫قوة يدفع بها ‪ ،‬فما الظن بها!‬

‫النفس ‪ ،‬فإنها تتخنث بالشهوات والمعاصي ‪ ،‬وتضعف‪،‬‬ ‫وكذلك‬

‫أعني النفس المطمئنة ‪ ،‬وإن كانت الأمارة تقوى وتتأسد‪ .‬وكلما قويت‬

‫هذه ضعفت تلك ‪ ،‬فيبقى الحكم والتصرف للأمارة ‪ .‬وربما ماتت نفسه‬

‫المطمئنة موتا لا يرجى معه حياة ‪ ،‬فهذا ميت في الدنيا ‪ ،‬ميت في البرزخ ‪،‬‬

‫غير حي في الاخرة حياة ينتفع بها ‪ ،‬بل حياته حياة يدرك بها الألم فقط‪.‬‬

‫والمقصود أن العبد إذا وقع في شدة أو كربة أو بلية خانه قلبه ولسانه‬
‫وجوارحه عما هو أنفع شيء له(‪ ،)4‬فلا ينجذب قلبه للتوكل على الله‪،‬‬

‫والانابة إليه ‪ ،‬والجمعية عليه ‪ ،‬والتضرع والتذلل والانكسار بين يديه‪.‬‬
‫ولا يطاوعه لسانه لذكره ‪ ،‬وإن ذكره بلسانه لم يجمع بين قلبه ولسانه‪،‬‬
‫فينحبس القلب على اللسان بحيث يؤثر( ) الذكر‪ ،‬ولا ينحبس القلب‬
‫واللسان (‪ )6‬على المذكور ‪ ،‬بل إن ذكر أو دعا ذكر بقلب لاه ساه غافل‪.‬‬

‫ولو أراد من جوارحه أن تعينه بطاعة تدفع عنه لم تنقد له ‪ ،‬و لم تطاوعه‪.‬‬

‫(‪" )1‬به" ساقط من ل ‪.‬‬
‫(‪ )2‬ما عدا س ‪" :‬معه منه"‪.‬‬
‫(‪ )3‬س ‪" :‬يحارب يقاتل " كذا دون واو العطف‪.‬‬

‫(‪" )4‬له" ساقط من ز ‪.‬‬
‫(‪ )5‬زاد بعضهم قبل "يؤثر" في ف ‪" :‬لا"‪.‬‬

‫(‪ )6‬في ل ‪" :‬القلب على اللسان "‪ ،‬خطأ‪.‬‬

‫‪215‬‬

‫وهذا كله أثر الذنوب والمعاصي ‪ ،‬كمن له جند(‪ )1‬يدفعون عنه‬
‫الأعداء ‪ ،‬فأهمل جنده ‪ ،‬وضيعهم ‪ ،‬وأضعفهم ‪ ،‬وقطع أخبارهم ‪ ،‬ثم أراد‬
‫منهم عند هجوم العدو عليه أن يستفرغوا وسعهم في الدفع عنه بغير قوة !‬

‫هذا ‪ ،‬وثم أمر أخوف من ذلك وأدهى منه وأمر ‪ ،‬وهو أن(‪ )2‬يخونه‬

‫قلبه ولسانه عند الاحتضار والانتقال إلى الله تعالى ‪/44[ ،‬أ] فربما تعذر‬
‫عليه النطق بالشهادة ‪ ،‬كما شاهد(‪ )3‬الناس كثيرا من المحتضرين أصابهم‬

‫‪ :‬قل ‪ :‬لا إله إلا الله ‪ ،‬فقال ‪ !51 !51 :‬لا أستطيع‬ ‫ذلك ‪ ،‬حتى قيل لبعضهم‬

‫أن أقولها!‬

‫غلبتدب‪ .‬ثم‬ ‫وقيل لآخر ‪ :‬قل ‪ :‬لا إله إلا الله فقال ‪ :‬شاه ‪ ،‬رخ(‪،)4‬‬

‫لآخر ‪ :‬قل ‪ :‬لا إله إلا الله ‪ ،‬فقال ‪:‬‬ ‫وقيل‬

‫كيف الطريق إلى حمام منجاب ( )‬ ‫يا رب قائلة يوما وقد تعبت‬

‫‪)6( " 8‬‬
‫لم لمحضى‪.‬‬

‫(‪ )1‬س ‪" :‬كمن ليس له جند"‪ ،‬خطأ‪.‬‬

‫(‪ )2‬س ‪" :‬أنه"‪.‬‬

‫منجاب "‬ ‫(‪ )3‬ز‪" :‬شهد"‪.‬‬
‫(‪ )4‬الشاه والرخ من قطع الشطرنح‪.‬‬
‫(‪ )5‬س ‪" :‬أين الطريق "‪ ،‬وفي الحاشية أشير إلى هذه النسخة ‪ .‬و"حمام‬

‫إلى منجاب بن راشد الضبي ‪ .‬قاله ابن قتيبة في المعارف‬ ‫بالبصره منسوب‬

‫(‪ ،)614‬وكذا في معجم البلدان (‪ .)2/992‬وقال الثعالبي في ثمار القلوب‬

‫الأدباء =‬ ‫(‪ )318‬إن الحمام المذكور كان لامرأة اسمها منجاب ا‬

‫(‪ )6‬كتاب المحتضرين (‪ ،) 178‬التعازي والمراثي (‪ . )252‬وانظر محاضرات‬

‫‪216‬‬

‫يهذي بالغناء ويقول ‪:‬‬ ‫وقيل لاخر‪ :‬قل‪ :‬لا إله إلا الله‪ ،‬فجعل‬

‫(‪)2‬‬

‫تاننا(‪ )1‬تنتنا‪ ،‬حتى قضى‬

‫وقيل لاخر ذلك فقال ‪ :‬وما ينفعني ما تقول ‪ ،‬ولم أدع معصية إلا‬
‫ركبتها ‪ ،‬ثم قضى ‪ ،‬ولم يقلها‪.‬‬

‫وقيل لاخر ذلك ‪ ،‬فقال ‪ :‬وما يغني عني ‪ ،‬وما أعرف (‪ )3‬أني صليت‬
‫لله صلاة ‪ ،‬ولى يقلها(‪. )4‬‬

‫وقيل لاخر ذلك ‪ ،‬فقال ‪ :‬هو كافر بما يقول ‪ ،‬وقضى ( ) ‪.‬‬

‫وقيل لاخر ذلك ‪ ،‬فقال ‪ :‬كلما أردت أن أقولها فلساني(‪ )6‬يمسك‬

‫يقول ‪ :‬لله‬ ‫وأخبرني من حضر بعض الشحاذين(‪)7‬عمد‪ .‬موته ‪ ،‬فجعل‬

‫فلس(‪ ،)8‬لله فلس ‪ ،‬حتى قضى‪.‬‬

‫(‪ ،)2/205‬ومعجم البلدان ‪ .‬وسيأتي البيت مع قصة في ص (‪.)938‬‬
‫(‪ )1‬ز‪" :‬تاتنا"‪.‬‬

‫(‪" )2‬حتى قضى" ساقط من ف ‪.‬‬

‫(‪ )3‬س ‪" :‬عني ما أعلم "‪.‬‬

‫زاد في ز‪" :‬وقضى"‪.‬‬ ‫(‪)4‬‬
‫ز‪" :‬ولم يقلها وقضى "‪ .‬وهذه الفقرة ساقطة من ل ‪.‬‬ ‫(‪)5‬‬

‫ما أثبت ‪ ،‬وكثيرا ما‬ ‫(‪ )6‬س ‪" :‬لساني"‪ .‬وفي غيرها‪" :‬ولساني"‪ ،‬ولعل الصواب‬

‫تلتبس الواو بالفاء في خط المصنف‪.‬‬

‫(شحث)‪.‬‬ ‫" ‪ .‬لغة في الشحاذ ‪ .‬انظر الأساس‬ ‫(‪ )7‬س ‪" :‬الشحاثين دا ‪ .‬والشحاث‬

‫(‪ )8‬س ‪" :‬ولس"ا وجاءت الجملة ‪" :‬لله فلس" في ف مرة واحدة ‪.‬‬

‫‪217‬‬

‫وأخبرني بعض التجار عن قرابة له أنه احتضر ‪ ،‬وهو عنده ‪ ،‬فجعلوا‬

‫‪ ،‬هذه مشترى‬ ‫يلقنونه ‪ :‬لا إله إلا الله ‪ ،‬وهو يقول ‪ :‬هذه القطعة رخيصة‬

‫جيد ‪ ،‬هذه كذا ‪ ،‬حتى قضى‪.‬‬

‫وسبحان الله (‪ !)1‬كم شاهد الناس من هذا عبرا! والذي يخفى عليهم‬
‫من أحوال المحتضرين أعظم وأعظم‪.‬‬

‫وإذا كان العبد في حال حضور ذهنه وقوته وكمال إدراكه قد تمكن‬

‫منه الشيطان ‪ ،‬واستعمله فيما يريده من معاصي الله (‪ ،)2‬وقد أغفل قلبه‬
‫ث (‪)3‬‬

‫عن الله ‪ ،‬وعطل لسانه عن ذكره ‪ ،‬وجوارحه عن طاعته ؛ فكيف الظن به‬

‫عند سقوط قواه ‪ ،‬واشتغال قلبه ونفسه بما هو فيه من ألم النزع (‪،)4‬‬

‫الشيطان له كل قوته وهمته ‪ ،‬وحشده ( ) عليه بجميع ما يقدر‬ ‫وجمع‬

‫عليه ‪ ،‬لينال منه فرصته ‪ ،‬فإن ذلك اخر العمل ‪ ،‬فأقوى ما يكون عليه‬

‫شيطانه ذلك الوقت ‪ ،‬وأضعف ما يكون هو فى تلك الحال (‪)6‬؟ فمن ترى‬

‫يسلم على ذلك؟‬

‫فهناك !و لثت أدده الذجمت ءامنوا بآئقؤل آلثابت فى الحيؤة أ!رنيا وف‬

‫[ابراهيم ‪. ) 27 /‬‬ ‫ويفعل الله ما !شاء !)‬ ‫أدله أ لطايت‬ ‫لأخرة ويضل‬
‫أ‬

‫الله " ‪.‬‬ ‫(‪ )1‬ف ‪" :‬سح‬

‫(‪ )2‬س ‪" :‬من المعاصي معاصي الله تعالى "‪.‬‬

‫(‪" )3‬عن الله " لم يرد في ف ‪.‬‬

‫ل ‪ ،‬ز ‪ " :‬النزاع "‪)4(.‬‬

‫عليه "‪ ،‬وفي بعضها‪" :‬وقد جمع‬ ‫(‪ )5‬كذا في جميع النسخ ‪ .‬وفي غير طبعة ‪" :‬وحشد‬

‫من الناشرين لخطئهم في قراءة النص‪.‬‬ ‫عليه " ‪ .‬ولعل ذلك تصزف‬ ‫الشيطان ‪ . . .‬وحشد‬

‫ف ‪ " :‬الحالة " ‪)6(.‬‬

‫‪218‬‬

‫فكيف يوفق [‪/44‬ب] لحسن الخاتمة من أغفل الله سبحانه قلبه عن‬

‫ذكره ‪ ،‬واتبع هواه ‪ ،‬وكان أمره فرطا؟ فبعيد من قلب بعيد من الله تعالى‪،‬‬

‫غافل عنه ‪ ،‬متعبد(‪ )1‬لهواه ‪ ،‬أسير لشهواته (‪ )2‬؛ ولسان (‪ )3‬يابس من ذكره ‪،‬‬
‫وجواراح (‪ )4‬معطلة من طاعته مشتغلة ‪.‬لمعصته" ‪ -‬اأن توفق ( ) للخاتمة‬

‫بالحسنى‪.‬‬

‫ولقد قطع خوف الخاتمة ظهور المتقين ‪ ،‬وكأن المسيئين الظالمين‬
‫قد أخذوا توقيعا بالأمان !(‪ ( )6‬أتم لكؤ اتمن علتنا بخلغة إك يؤو اتقيمة إن ل!لما‬

‫[القلم ‪. ) 4 0 - 93 /‬‬ ‫تخكهون ! سلهز أثهو بذلك زعجئم !)‬

‫أتاك توقيع أمن أنت تملكه (‪)7‬‬ ‫يا امنا مع قبيح الفعل منه أهل‬

‫هذا وإحداهما في المرء تهلكه (‪)8‬‬ ‫جمعت شيئين أمنا واتباع هوى‬

‫والمحسنون على درب المخاوف قد ساروا وذلك درب لست تسلكه‬

‫فكيف عند حصاد الناس تدركه‬ ‫فرطت في الزرع وقت البذر من سفه‬
‫دار البقاء بعيش سوف تتركه (‪)9‬‬ ‫هذا وأعجب شيء منك زهدك في‬

‫(‪ )1‬ف‪":‬متبع "‪.‬‬
‫(‪ )2‬ف‪":‬لشهوته "‪.‬‬

‫س ‪ " :‬ولسا نه " ‪)3(.‬‬

‫س ‪ " :‬وجوا رحه " ‪)4(.‬‬
‫(‪ )5‬ل ‪،‬ز‪" :‬يوفق"‪ .‬ولم يضبط في س ‪.‬‬

‫س ‪ ،‬ل ‪" :‬بالأيمان " ‪)6(.‬‬

‫ل ‪" :‬قبح الفعل "‪)7(.‬‬
‫ز ‪ " :‬أمن ي!‪)8(.‬‬

‫تتركه "‪.‬‬ ‫تدركه " ‪ .‬وفي البيت التالي فيها ‪" :‬سوف‬ ‫(‪ )9‬ل ‪" :‬سوف‬

‫‪921‬‬

‫مغبون في البيع غبنا سوف يدركه (‪)1‬‬ ‫من السفيه إذا بالله أنت أم اد‬

‫فصل‬

‫بصيرته‪،‬‬ ‫ومن عقوباتها ‪ :‬انها تعمي القلب ‪ ،‬فإن لم تعمه أضعفت‬

‫فاته‬ ‫ولابد ‪ .‬وقد تقدم بيان أنها تضعفه ‪ ،‬ولابد ‪ .‬فإذا عمي القلب وضعف‬

‫من معرفة الهدى ‪ ،‬وقوته على تنفيذه في نفسه وفي غيره ‪ ،‬بحسب ضعف‬
‫بصيرته وقوته‪.‬‬

‫فإن الكمال الانساني مداره على أصلين ‪ :‬معرفة الحق من الباطل‪،‬‬
‫وإيثاره عليه ‪ .‬وما تفاوتت منازل الخلق عند الله في الدنيا والاخرة إلا‬

‫بقدر تفاوت منازلهم في هذين الأمرين ‪ .‬وهما اللذان (‪ )2‬أثنى الله سبحانه‬
‫على أنبيائه بهما(‪ )3‬في قوله ‪ ( :‬وار عدنا ائزهيم وإشحيق ويغقوب أولى الأيذب‬

‫والأبصخر !) [ص‪ . ]45 /‬فالأيدي ‪ :‬القوى في تنفيذ الحق ‪ ،‬والأبصار‪:‬‬
‫البصائر في الدين ‪ .‬فوصفهم بكمال إدراك الحق ‪ ،‬وكمال تنفيذه (‪. )4‬‬

‫أقسام‬ ‫وانقسم الناس في هذا المقام أربعة أقسام ‪ :‬فهؤلاء أشرف‬
‫الخلق وأكرمهم على الله‪.‬‬

‫هؤلاء ‪ ،‬لا بصيرة في الدين ‪ ،‬ولا قوة على‬ ‫[ه ‪/4‬أ] القسم الثاني ‪ :‬عكس‬

‫تنفيذ الحق ‪ .‬وهم أكثر هذا الخلق الذين رؤيتهم قذى العيون ‪ ،‬وحمى‬

‫(‪ )1‬لعل الأبيات للمؤلف رحمه الله‪.‬‬

‫الذين " ‪ ،‬خطأ‪.‬‬ ‫ل ة " الذين " ‪ .‬ز ‪ " :‬وهم(‪)2‬‬

‫ل ‪ " :‬بهم ! ‪ ،‬خطأ‪)3(.‬‬

‫الفتاوى‬ ‫ومجموع‬ ‫والفروسية (‪،)012‬‬ ‫(‪ )4‬وانظر إعلام الموقعين (‪،)1/98‬‬

‫(‪.)4/39‬‬

‫‪022‬‬

‫الأرواح ‪ ،‬وسقم القلوب ‪ ،‬يضيقون الديار ‪ ،‬ويغلون الأسعار ‪ ،‬ولا يستفاد‬
‫بصحبتهم إلا العار والشنار!‬

‫لا قوة‬ ‫القسم الثالث ‪ :‬من له بصيرة بالحق ومعرفة به ‪ ،‬لكنه ضعيف‬

‫له على تنفيذه ولا الدعوة إليه ‪ .‬وهذا حال المؤمن الضعيف ‪ ،‬والمؤمن‬

‫القوي خير وأحب إلى الله منه(‪. )1‬‬

‫البصيرة في‬ ‫القسم الرابع ‪ :‬من له قوة وهمة وعزيمة ‪ ،‬لكنه ضعيف‬

‫الدين ‪ ،‬لا يكاد يميز بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ‪ ،‬بل يحسب كل‬

‫الورم شحما ‪ ،‬والدواء النافع‬ ‫سوداء تمرة ‪ ،‬وكل بيضاء شحمة ؛ يحسب‬
‫سما‪.‬‬

‫وليس في هؤلاء من يصلح للامامة في الدين ‪ ،‬ولا هو موضعا(‪ )2‬لها‬
‫سوى القسم الأول ‪ .‬قال تعالى ‪ ( :‬وحلا منهتم أبمة يغدوت بأمسنا لما‬
‫صحبروا و!انوا ئايختنا يوقنون ج ) [السجدة‪ .)3(]24 /‬فأخبر سبحانه أ ن‬

‫بالصبر واليقين نالوا الامامة في الدين‪.‬‬

‫وهؤلاء هم الذين استثناهم الله سبحانه من جملة الخاسرين ‪ ،‬وأقسم‬
‫بالعصر ‪ -‬الذي هو زمن سعي الخاسرين والرابحين ‪ -‬على أن من عداهم‬

‫فهو من الخاسرين ‪ ،‬فقال تعالى ‪ ( :‬والعصز ! إن أقيشن لفى خسز ! إ لا‬
‫الذين ءامنوا وعملوا آلصنلخت وتواصؤا بالحق وتواصحؤا بالصبر ! ) [العصر‪/‬‬

‫‪ .]3- 1‬فلم يكتف منهم بمعرفة الحق والصبر عليه ‪ ،‬حتى يوصي بعضهم‬

‫(‪ )1‬كما ورد في الحديث ‪ ،‬وقد تقدم تخريجه في ص (‪.)166‬‬
‫(‪ )2‬غيرها بعضهم في ف إلى "موضمع"‪.‬‬

‫(‪ )3‬وقع في النسخ ‪ -‬ماعدا س ‪ -‬في الآية ‪" :‬وجعلناهم"‪.‬‬

‫‪221‬‬

‫بعضا به ‪ ،‬ويرشده إليه ‪ ،‬ويحضه عليه‪.‬‬

‫وإذا كان من عدا هؤلاء خاسرا‪ ،‬فمعلوم أن المعاصي والذنوب‬
‫تعمي بصيرة القلب فلا يدرك الحق كما ينبغي ‪ ،‬وتضعف قوته وعزيمته‬
‫فلا يصبر عليه ‪ .‬بل قد تتوارد(‪ )1‬على القلب حتى ينعكس إدراكه ‪ ،‬كما‬
‫ينعكس سيره ‪ ،‬فيدرك الباطل حما‪ ،‬والحق باطلا‪ ،‬والمعروف منكرا‪،‬‬
‫والمنكر معروفا ‪ .‬فينتكس في سيره ‪ ،‬ويرجع عن سفره إلى الله والدار‬
‫الاخرة ‪ ،‬إلى سفره إلى(‪ )2‬مستقر النفوس المبطلة التي رضيت بالحياة‬
‫الدنيا ‪ ،‬واطمألت بها ‪ ،‬وغفلت عن الله واياته ‪ ،‬وتركت الاستعداد للقائه‪.‬‬

‫إلا هذه العقوبة وحدها‬ ‫[ه ‪/4‬ب] ولو لم يكن في عقوبة الذنوب‬

‫لكانت كافية داعية إلى تركها والبعد منها ‪ ،‬والله المستعان ‪.‬‬

‫وهذا كما أن الطاعة تنؤر القلب ‪ ،‬وتجلوه(‪ )3‬وتصقله ‪ ،‬وتقويه‬
‫وتثئته ‪ ،‬حتى يصير كالمراة المجلوة في جلائها(‪ )4‬وصفائها ويمتلىء( )‬
‫نورا؛ فإذا دنا الشيطان منه أصابه من نوره ما يصيب مسترقي السمع (‪)6‬‬

‫من الشهب الثواقب ‪ .‬فالشيطان يفرق من هذا القلب أشد من فرق الذئب‬
‫من الأسد ‪ ،‬حتى إن صاحبه ليصرع الشيطان ‪ ،‬فيخر صريعا ‪ ،‬فيجتمع عليه‬
‫الشياطين ‪ ،‬فيقول بعضهم لبعض ‪ :‬ما شأنه ؟ فيقال ‪ :‬أصابه إنسي ‪ ،‬وبه‬

‫ما عدا ل ‪ " :‬يتوارد" ‪.‬‬

‫من ل ‪.‬‬ ‫ساقط‬ ‫‪ . . .‬إلى"‬ ‫الاخرة‬ ‫" والدار‬ ‫(‪)2‬‬

‫(‪" )3‬وتجلوه" ساقط من ل ‪.‬‬

‫(‪ )4‬ز‪" :‬كالمراة المصقولة في صلابتها"‪.‬‬

‫(‪ )5‬ما عدا ف ‪" :‬فيمتلىء"‪.‬‬

‫(‪ )6‬ف ‪" :‬مسترق السمع "‪ .‬س ‪" :‬من مسترقي السمع "‪.‬‬

‫‪222‬‬

‫نظرة من الانسا‬

‫يكاد لها الشيطان بالنور يحرق‬ ‫فيا نظرة من قلب حر منور‬

‫أفيستوي هذا القلب ‪ ،‬وقلب مظلمة ‪ )1‬أرجاؤه ‪ ،‬مختلفة أهواؤه ‪ ،‬قد‬
‫اتخذه الشيطان وطنه ‪ ،‬وأعده مسكنه ‪ .‬إذا تصبح بطلعته حياه ‪ ،‬وقال ‪:‬‬

‫فديت من لا يفلح في دنياه ولا في أخراه (‪!)2‬‬

‫فأنت قرين لي بكل مكان‬ ‫قرينك في الدنياوفي الحشربعدها‬

‫وأنت جميعا في شقا وهوان‬ ‫فإن كنت في دار الشقاء فإنني‬

‫قال تعالى ‪ ( :‬ومن يعش عن دبهر الرخمن نقيض لإ نطا فهو ل! قرين بي‬

‫صإنهم لصعذونهم عن السبيل ويحسبون أنهم ضهتدون ! حتئ إذا جا نا قال يخلتت‬

‫أيوم إذ ظلمتؤ أن!‬ ‫بئنى ويئنك بغد ألمحشرقين فبتس القرين كاولن ينفعى‬

‫‪. ] 39‬‬ ‫‪-‬‬ ‫‪36‬‬ ‫‪/‬‬ ‫فى آئعذاب !شتركون !) [ الزخرف‬

‫فأخبر سبحانه أن من عشا عن ذكره ‪ -‬وهو كتابه الذي أنزله (‪ )3‬على‬
‫رسوله ‪ -‬فأعرض عنه ‪ ،‬وعمي عنه ‪ ،‬وعشت بصيرته عن فهمه وتدبره‬
‫ومعرفة مراد الله منه ‪ -‬قيض الله له شيطانا عقوبة له بإعراضه عن كتابه‪.‬‬

‫فهو قرينه الذي لا يفارقه في الاقامة ولا في المسير‪ ،‬ومولاه وعشيره‬
‫الذي هو بئس المولى وبئس العشير‪.‬‬

‫(‪:)017‬‬ ‫في ص‬ ‫(‪ )1‬س‪،‬ل‪":‬مظلم "‪.‬‬
‫(‪ )2‬عباره المؤلف ناظرة إلى قول البحتري ‪ ،‬وقد سبق‬

‫حيا وقال ‪ :‬فديت من لم يفلح‬ ‫وإذا رأى إبليس طلعة وجهه‬

‫ل ‪ " :‬أنند ث!‪)3(.‬‬

‫‪223‬‬

‫بأسحم داج عوض لا نتفرق (‪)1‬‬ ‫رضيعي لبان ثدي أم تقاسما‬

‫ثم أخبر سبحانه أن الشيطان [‪/46‬أ] يصد قرينه ووليه عن سبيله‬
‫الموصل إليه وإلى جنته ‪ ،‬ويحسب هذا الضال المصدود أنه على طريق‬
‫هدى ‪ ،‬حتى إذا جاء القرينان يوم القيامة يقول أحدهما للاخر ‪ :‬يا ليت‬
‫بيني وبينك بعد المشرقين ‪ ،‬فبئس القرين كنت لي في الدنيا ! أضللتني عن‬
‫الهدى بعد إذ جاءني ‪ ،‬وصددتني عن الحق ‪ ،‬وأغويتني حتى هلكت‪،‬‬
‫وبئس القرين أنت لي(‪ )2‬اليوم !‬

‫ولما كان المصاب إذا شاركه غيره في مصيبته حصل بالتأسي نوع‬

‫تخفيف وتسلية = أخبر سبحانه أن هذا غير موجود وغير حاصل في حق‬

‫المشتركين في العذاب ‪ ،‬وأن القرين لا يجد راحة ولا أدنى فرع(‪ )3‬بعذاب‬

‫مسلاة كما‬ ‫قرينه معه ‪ ،‬وإن كانت المصائب في الدنيا إذا عمت صارت‬
‫قالت الخنساء في أخيها صخر‪:‬‬

‫على إخوانهم لقتلت نفسي‬ ‫فلولا كثرة الباكين حولي‬
‫أعزي النفس عنه بالتأسي (‪)4‬‬ ‫وما يبكون مثل أخي ولكن‬

‫فمنع الله سبحانه هذا القدر من الراحة عن أهل النار فقال ‪ ( :‬ولن‬

‫اليوم اذ ظدتض أنيهؤ! اتعذاب سثمتركون !) [الزخرف ‪. )93 /‬‬ ‫يخفعم‬

‫(‪ )1‬للأعشى في ديوانه (‪.)275‬‬
‫(‪" )2‬لي" ساقط من ف ‪.‬‬
‫(‪ )3‬س ‪،‬ف ‪" :‬فرج"‪.‬‬

‫(‪ )4‬ديوان الخنساء (‪ )326‬وقد زيد في بعض الطبعات بيت ثالث لم يرد في النسخ‬

‫التي بين أيدينا‪.‬‬

‫‪224‬‬

‫فصل‬

‫ومن عقوباتها ‪ :‬أنها مدد من الإنسان يمد به عدوه عليه ‪ ،‬وجيش‬

‫"! (‪)1‬‬
‫يمويه به على حربه‪.‬‬

‫وذلك أن الله سبحانه ابتلى هذا الانسان بعدو لا يفارقه طرفة عين‪.‬‬

‫ينام ‪ ،‬ولا ينام عنه(‪ . )2‬ويغفل ‪ ،‬ولا يغفل عنه ‪ .‬يراه هو وقبيله من حيث‬

‫لا يراه ‪ .‬يبذل جهده في معاداته في كاس حال ‪ ،‬ولا يدع أمرا يكيده به يقدر‬
‫على إيصاله إليه إلا أوصله ‪ ،‬ويستعين عليه ببني أبيه (‪ )3‬من شياطين الجن‬

‫له الحبائل ‪ ،‬وبغاه الغوائل‪،‬‬ ‫وغيرهم من شياطين الانس ‪ .‬قد نصب(‪)4‬‬

‫له الفخاخ والشباك ‪ ،‬وقال لأعوانه ‪ :‬دونكم‬ ‫ومد حوله الأشراك ‪ ،‬ونصب‬

‫عدوكم وعدو أبيكم ‪ ،‬لا يفوتنكم ‪ ،‬ولا يكن حطه الجنة وحطكم النار‪،‬‬
‫ونصيبه الرحمة ونصيبكم اللعنة ! وقد علمتم أن ما جرى( ) علي وعليكم‬

‫من الخزي واللعن والابعاد من رحمة الله فبسببه ومن أجله ‪ .‬فابذلوا‬

‫أن يكونوا شركاءنا(‪ )6‬في هذه البلية ‪ ،‬إذ قد فاتتا شركة [‪/46‬ب ]‬ ‫جهدكم‬

‫في الجنة ‪ .‬وقد أعلمنا سبحانه بذلك كله من عدونا ‪ ،‬وأمرنا أ ن‬ ‫صالحيهم‬

‫نأخذ له أهبته ‪ ،‬ونعد له عدته‪.‬‬

‫ولما علم سبحانه أن آدم وبنيه قد بلوا بهذا العدو‪ ،‬وأنه قد سلط‬

‫(‪" )1‬به" ساقط من ز ‪.‬‬

‫لاينام عنه"‪.‬‬ ‫(‪ )2‬ز‪" :‬طرفة عين وصاحب‬

‫ف ‪" :‬ببني جنسه وبنيه "‪.‬‬ ‫(‪)3‬‬
‫ف ‪" :‬فقد نصب"‪.‬‬ ‫(‪)4‬‬

‫(‪ )5‬ف ‪" :‬وعلمتم ما قد جرى"‪.‬‬

‫(‪ )6‬ز‪" :‬أن تكونوا شركاء"‪.‬‬

‫‪225‬‬

‫عليهم ‪ ،‬أمدهم بعساكر وجند(‪ )1‬يلقونه بها‪ ،‬وأمد عدوهم أيضا بجند‬
‫وعساكر(‪ )2‬يلقاهم بها‪ ،‬وأقام سوق الجهاد في هذه الدار في مدة العمر‬
‫التي هي بالاضافة إلى الاخرة كنفس واحد من أنفاسها‪ ،‬واشترى من‬
‫المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة ‪ ،‬يقاتلون في سبيل الله فيقتلون‬
‫ويقتلون ‪ ،‬وأخبر أن ذللن وعد مؤكد عليه في أشرف كتبه ‪ ،‬وهي التوراة‬

‫والإنجيل والقران ‪ .‬ثم أخبر أنه(‪ )3‬لا أوفى بعهده منه سبحانه ‪ ،‬ثم أمرهم‬
‫أن يستبشروا بهذه الصفقة التي من أراد أن يعرف قدرها فلينظر إلى‬

‫المشتري من هو؟ وإلى الثمن المبذول في هذه السلعة ‪ ،‬وإلى من جرى‬
‫على يديه هذا العقد ‪ .‬فأي فوز أعظم من هذا؟ وأي تجارة أربح منه ؟(‪)4‬‬

‫ثم أكد سبحانه معهم هذا الأمر بقوله ‪ ( :‬يأيها الذيئ ءامنوا هل أدئ! عك‬

‫تجزةص ئخحكو من عذاب أليم ! نؤمون بالله ورسود وتجهدون فى سبيل الله بأمؤصلكؤ وأنفسكتم‬
‫ذ لكؤضيزئكؤ إن بهنم ئغلون ! يغفر ل!ذدؤدبئ وقيضفكؤجنمخ تخرى من تخنها الأنهز‬
‫ومسبهن طنه فى حنت عذدز ذلك أتفؤز العظيم ! وأخرى تحئونهما فضر من الله وفثغ قىيب‬

‫أ الصف ‪. ) 13 - 1 0 /‬‬ ‫و!ثر ائموصمين !)‬

‫ولم يسلط سبحانه هذا العدو على عبده المؤمن الذي هو أحب أنواع‬

‫ز ‪ " :‬وجنود " ‪.‬‬ ‫(‪)1‬‬

‫(‪ )2‬ز ‪ " :‬بعسا كر و جند " ‪.‬‬

‫"أنهأ من ز ‪.‬‬ ‫(‪ )3‬ف ‪" :‬وأخبر ائه " ‪ .‬وسقطت‬

‫قال تعالى ‪! ( :‬إن أدئه أشترى مف المؤضفين أنفسهؤ وأئولهم بأت لهر الجئة‬ ‫(‪)4‬‬

‫يمئلوت فى سبيل افه فيقئلون ويفئلوت وغدا لخه حفا ف ألئؤرلة وألانجيل‬

‫والفؤ ان ومن أوت لهعفر ‪2‬ء مف اللة فاشتبشروا ببيعكم الذى يايغغ ب! وذلث هو‬

‫أ التوبة ‪. ) 1 1 1 /‬‬ ‫الفوز الحظيو !)‬

‫‪226‬‬

‫المخلوقات إليه إلا لأن الجهاد(‪ )1‬أحب شيء إليه ‪ ،‬وأهله أرفع الخلق‬

‫عنده درجات ‪ ،‬وأقربهم إليه وسيلة ‪ .‬فعقد سبحانه لواء هذا الحرب (‪)2‬‬

‫لخلاصة مخلوقاته ‪ ،‬وهو القلب الذي هو محل معرفته ‪ ،‬ومحبته‪،‬‬

‫له ‪ ،‬والتوكل عليه ‪ ،‬والانابة إليه ‪ .‬فولاه أمر هذا‬ ‫وعبوديته ‪ ،‬والاخلاص‬

‫الحرب ‪ ،‬وأيده بجند من الملائكة لا يفارقونه ‪ ،‬معقبات (‪ )3‬من بين يديه‬

‫ومن خلفه ‪ ،‬يعقب بعضهم بعضا ‪ ،‬كلما ذهب بدل جاء بدل اخر ‪ ،‬يثبتونه‪،‬‬

‫عليه ‪ ،‬ويعدونه بكرامة الله ‪ ،‬ويصبرونه‪،‬‬ ‫ويأمرونه بالخير‪ ،‬ويحضونه‬

‫[‪/47‬ا] راحة الأبد‪.‬‬ ‫ويقولون ‪ :‬إنما هو صبر ساعة ‪ ،‬وقد استرحت‬

‫ثم أمده سبحانه بجند اخر من وحيه وكلامه ‪ ،‬فأرسل إليه رسوله‪،‬‬
‫وأنزل إليه كتابه ‪ ،‬فازداد قوة إلى قوته ‪ ،‬ومددا إلى مدده (‪ ،)4‬وعدة إلى‬

‫عدته‪.‬‬

‫وأمده ( ) مع ذلك بالعقل وزيرا له ومدبرا‪ ،‬وبالمعرفة مشيرة عليه‬
‫ناصحة له ‪ ،‬وبالايمان مثبتا له ومؤيدا وناصرا(‪ ،)6‬وباليقين كاشفا له‬

‫عن حقيقة الأمر ‪ .‬حتى كأنه يعاين (‪ )7‬ما وعد الله به(‪ )8‬أولياءه وحزبه‬

‫(‪ )1‬ف ‪" :‬أن الجهاد"‪.‬‬

‫مؤنثة‪ ،‬وقد تذكر ‪ .‬انظر ‪ :‬القاموس‬ ‫(‪ )2‬كذا في النسخ هنا وفيما يأتي ‪ ،‬والحرب‬

‫(حرب)‪.‬‬

‫(‪ )3‬ف ‪" :‬له معقبات "‪.‬‬

‫(‪ )4‬انفردت ز هنا بزيادة ‪" :‬وأعوانا إلى أعوانه "‪.‬‬

‫(‪ )5‬ف ‪ " :‬وأيده " ‪.‬‬

‫ومؤيدا " ‪.‬‬ ‫(‪ )6‬ز ‪ " :‬ناصرا‬

‫(‪ )7‬أشار في حاشية س إلى أن في نسخة ‪" :‬معاين"‪.‬‬

‫(‪ )8‬لم يرد "به" في س ‪.‬‬

‫‪227‬‬

‫على جهاد أعدائه ‪ .‬فالعقل يدبر أمر جيشه ‪ ،‬والمعرفة تضع(‪ )1‬له أمور‬

‫اللائقة بها‪ ،‬والايمان يثبته ويقويه‬ ‫وأسبابها في مواضعها(‪)2‬‬ ‫الحرب‬

‫ويصبره ‪ ،‬واليقين يقدم به ويحمل به الحملات الصادقة‪.‬‬

‫ثم أمد سبحانه القائم بهذا الحرب (‪ )3‬بالقوى الظاهرة والباطنة‪،‬‬

‫خبره ‪ ،‬واللسان ترجمانه ‪ ،‬واليدين‬ ‫فجعل العين طليعته ‪ ،‬والأذن صاحب‬

‫والرجلين أعوانه ‪ ،‬وأقام ملائكته وحملة عرشه يستغفرون له ويسألون له‬

‫أن يقيه السيئات ويدخله الجنات ‪.‬‬

‫وتولى سبحانه الدفع والدفاع عنه بنفسه ‪ ،‬وقال ؟ هؤلاء حزبي‪،‬‬
‫وحزب الله هم المفلحون (‪ . )4‬وهؤلاء جندي ( وإن جندنا الم القلإون !)‬
‫أ الصافات‪ ]173 /‬وعفم عباده كيفية هذا الحرب والجهاد ‪ ،‬فجمعها لهم في‬
‫أربع كلمات ‪ ،‬فقال ‪ ( :‬يأيقا ألدر ءامنوا أصبروا وصابروا وراطوا واتموا‬

‫الله لعلكخ تفلحوت !) [ال عمران ‪. ) 2 0 0 /‬‬

‫ولا يتم أمر هذا الجهاد( ) إلا بهذه الأمور الأربعة فلا يتم له(‪)6‬‬
‫الصبر إلا بمصابرة العدو‪ ،‬وهي مواقفته(‪ )7‬ومنازلته ‪ ،‬فإذا صابر عدوه‬

‫(‪ )1‬ل‪،‬ز‪":‬تصنع "‪.‬‬

‫" ‪)2(.‬‬
‫" ‪ .‬ل ‪ " :‬ومواضعها‬ ‫مواضعها‬ ‫س ‪ ،‬ز ‪ " :‬أسبابها‬

‫ز ة " لأمر " ‪.‬‬ ‫(‪)3‬‬
‫ا‬
‫ا‬
‫لمجادلة ‪. ] 2 2 /‬‬ ‫تا ل تعا لى ‪ ( :‬أؤلهك حزب الله أ! إن حزب أدئه هم اففلون !)[‬

‫ف ‪ " :‬أمر الجهاد" ‪.‬‬

‫(‪ )6‬لم ترد "له" في س ‪.‬‬
‫(‪ )7‬في ل ‪،‬ز‪" :‬موافقته"‪ ،‬وهو تصحيف صوابه ما أثبتنا من خا‪ ،‬خب ‪ .‬يقال ‪:‬‬
‫واقفه مواقفة ووقافا‪ :‬وقف معه في حرب أو خصومة ‪ .‬وتواقف الفريقان في‬
‫القتال ‪( .‬اللسان ‪ -‬وقف) ‪ .‬وفي ف ‪" :‬مواقعته " ورسمها في س يشبه " مرافقته " ‪= ،‬‬

‫‪228‬‬

‫احتاج إلى أمر اخر وهو المرابطة ‪ ،‬وهي لزوم ثغر القلب وحراسته لئلا‬
‫يدخل منه العدو‪ ،‬ولزوم ثغر العين والأذن واللسان والبطن واليد‬
‫والرجل ‪ .‬فهذه الثغور منها يدخل (‪ )1‬العدو‪ ،‬فيجوس خلال الديار‪،‬‬

‫ويفسد ما قدر(‪ )2‬عليه ‪ ،‬فالمرابطة لزوم هذه الثغور ‪ .‬ولا يخلي مكانها‪،‬‬
‫فيصادف العدؤ الثغر خاليا ‪ ،‬فيدخل منه‪.‬‬

‫رسول الله !يم خير الخلق بعد النبيين والمرسلين‪،‬‬ ‫فهؤلاء أصحاب‬

‫وأعظمهم حماية وحراسة من الشيطان ‪ ،‬وقد أخلوا المكان الذي أمروا‬

‫بلزومه يوم أحد ‪ ،‬فدخل منه العدو ‪ ،‬فكان ما كان ‪.‬‬

‫وجماع [‪/47‬ب] هذه الثلاثة (‪ )3‬وعمودها الذي تقوم به هو تقوى الله‪،‬‬
‫فلا ينفع الصبر ولا المصابرة ولا المرابطة إلا بالتقوى ‪ ،‬ولا تقوم التقوى‬
‫إلا على ساق الصبر‪.‬‬

‫العسكرين ‪ ،‬وكيف‬ ‫فانظر الان فيك إلى التقاء الجيشين واصطفاف‬
‫تدال مرة ‪ ،‬ويدال(‪ )4‬عليك أخرى ؟‬

‫أقبل ملك الكفر بجنوده وعساكره ‪ ،‬فوجد القلب في حصنه جالسا‬

‫مملكته ( )‪ ،‬أمره نافذ في أعوانه ‪ ،‬وجنده قد حفوا به‪،‬‬ ‫على كرسي‬

‫ولم ينقط فيها إلا حرف القاف ‪ .‬وفي ط ‪" :‬مقاومته"‪ ،‬وكذا في مطبوعة عدة‬

‫الصابرين (‪. ) 4 5‬‬

‫منها"‪.‬‬ ‫(‪ )1‬ف ‪" :‬يدخل‬

‫(‪ )2‬ف ‪" :‬يقدر"‪.‬‬

‫(‪ )3‬ز‪" :‬البليه"‪ ،‬تصحيف‪.‬‬

‫‪ . . .‬يدال" ساقط من س ‪.‬‬ ‫(‪" )4‬العسكرين‬

‫(‪ )5‬ف ‪" :‬على كرسيه كرسي مملكته "‪.‬‬

‫‪922‬‬

‫يقاتلون عنه ‪ ،‬ويدافعون عن حوزته ‪ ،‬فلم يمكنه الهجوم عليه إلا بمخامرة‬
‫بعض أمرائه وجنده عليه ‪ .‬فسأل عن أخص الجند به وأقربهم منه منزلة‪،‬‬
‫فقيل له ‪ :‬هي النفس ‪ ،‬فقال لأعوانه ‪ :‬ادخلوا عليها من مرادها وانظروا‬

‫مواقع محبتها وما هو محبوبها ‪ ،‬فعدوها به ‪ ،‬ومنوها إياه ‪ ،‬وانقشوا صورة‬
‫المحبوب فيها في يقظتها ومنامها‪ ،‬فإذا اطمأنت إليه وسكنت عنده‬

‫فاطرحوا عليها كلاليب الشهوة وخطاطيفها ‪ ،‬ثم جروها بها إليكم‪.‬‬

‫فإذا خامرت على القلب ‪ ،‬وصارت معكم عليه ‪ ،‬ملكتم ثغر العين‬
‫والأذن واللسان والفم واليد والرجل ‪ ،‬فرابطوا على هذه الثغور كل‬
‫المرابطة ‪ .‬فمتى (‪ ) 1‬دخلتم منها إلى القلب فهو قتيل أو أسير أو جريح مثخن‬
‫بالجراحات ‪ .‬ولا تخلوا هذه الثغور‪ ،‬ولا تمكنوا سرية تدخل منها إلى‬

‫منها ‪ .‬وإن غلبتم فاجتهدوا في إضعاف السرية ووهنها‬ ‫القلب ‪ ،‬فتخرجكم‬

‫حتى لا تصل إلى القلب ‪ ،‬وإن وصلت إليه ضعيفة لا تغني عنه شيئا‪.‬‬

‫فإذا استوليتم على هذه الثغور فامنعوا ثغر العين أن يكون نظره‬

‫اعتبارا ‪ ،‬بل اجعلوا نظره تفرجا واستحسانا وتلهئا ‪ .‬فإن استرق نظرة عبرة‬

‫والشهوة (‪ ،)2‬فإنه أقرب إليه‪،‬‬ ‫فأفسدوها عليه بنظر الغفلة والاستحسان‬

‫عليه ‪ .‬ودونكم ثغر العين ‪ ،‬فإن(‪ )3‬منه تنالون‬ ‫وأعلق بنفسه ‪ ،‬وأخف‬

‫بني ادم بشيء مثل النظر‪ ،‬فإني أبذر به في‬ ‫بغيتكم ‪ ،‬فإني ما أفسدت‬

‫القلب بذر الشهوة ‪ ،‬ثم أسقيه بماء الأمنية ‪ ،‬ثم لا أزال أعده وأمنيه حتى‬

‫بعض من قرأها‬ ‫من ف لانتقال النظر‪ ،‬فطمس‬ ‫(‪ )1‬ف ‪ " :‬فإذا " ‪.‬‬
‫(‪" )2‬وتلفيا‪ . . .‬الاستحسان " سقط‬

‫الألف واللام من "الشهوة" وضبطها بتنوين الفتحة لتكون معطوفة على "تلفيا"‪.‬‬
‫(‪ )3‬ل ‪،‬ز‪" :‬فإنه"‪.‬‬

‫‪023‬‬

‫أقوي عزيمته ‪ ،‬وأقوده [‪ /48‬ا] بزمام الشهوة إلى الانخلاع من العصمة‪.‬‬

‫فلا تهملوا أمر هذا الثغر‪ ،‬وأفسدوه بحسب استطاعتكم ‪ ،‬وهونوا‬
‫عليه أمره ‪ ،‬وقولوا له ‪ :‬ما مقدار نظرة تدعوك إلى تسبيح الخالق ‪ ،‬والتأمل‬
‫لبديع صنعته وحسن هذه الصورة التي إنما خلقت ليستدل بها الناظر‬
‫عليه ؟ وما خلق الله لك العينين سدى ‪ ،‬وما خلق(‪ )1‬هذه الصورة ليحجبها‬

‫عن النظر!‬

‫وإن ظفرتم به قليل العلم فاسد العقل ‪ ،‬فقولوا‪ :‬هذه الصورة‬
‫مظهر(‪ )2‬من مظاهر الحق ومجلى من مجاليه ‪ ،‬فادعوه إلى القول‬
‫بالاتحاد‪ ،‬فإن لم يقبل فالقول بالحلول العام أو الخاص (‪ . )3‬ولا تقنعوا‬
‫منه بدون ذلك ‪ ،‬فإنه يصير به من إخوان النصارى ‪ ،‬فمروه حينئذ بالعفة‬
‫والصيانة والعبادة والزهد في الدنيا ‪ ،‬واصطادوا عليه الجهال ‪ .‬فهذا من‬

‫أقرب خلفائي(‪ )4‬وأكبر جندي ‪ ،‬بل أنا من جنده وأعوانه!‬

‫فصل( )‬

‫ثم امنعوا ثغر الأذن أن يدخل منه(‪ )6‬ما يفسد عليكم الأمر ‪ ،‬فاجتهدوا‬

‫الله "‪.‬‬ ‫(‪ )1‬س‪":‬خلق‬

‫(‪ )2‬ف ‪" :‬هذه مظهر"‪.‬‬

‫العام ‪:‬‬ ‫وهو القول بأن الحق عين الخلق ‪ .‬والحلول‬ ‫(‪ )3‬الاتحاد‪ :‬وحدة الوجود‪،‬‬

‫القول بأن الله حال بذاته في كل مكان ‪ .‬والحلول الخاص كقول النسطورية من‬

‫النصارى في المسيح بأن اللاهوت حل في الناسوت ‪ .‬انظر مجموع الفتاوى‬

‫(‪ .)172 - 171 /2‬وشرح النونية لمحمد خليل هراس (‪.)68- 1/95‬‬
‫(‪ )4‬ف ‪،‬ل ‪" :‬حلفائي"‪.‬‬

‫كلمة "فصل" ساقطة من ز ‪.‬‬
‫(‪ )6‬س ‪" :‬عليه" ‪ .‬ز‪" :‬عليكم ما يفسد الأمر"‪.‬‬

‫‪231‬‬

‫أن لا تدخلوا(‪ )1‬منه إلا الباطل (‪ ،)2‬فإنه خفيف على النفس تستحليه‬
‫وتستملحه ‪ ،‬وتخيروا(‪ )3‬له أعذب الألفاظ وأسحرها للألباب ‪ ،‬وامزجوه‬
‫بما تهوى النفوس مزجا ‪ .‬وألقوا الكلمة ‪ ،‬فإن رأيتم منه إصغاء إليها فزجوه‬
‫بأخواتها ‪ .‬وكلما صادفتم منه استحسان شيء فالهجوا له(‪ )4‬بذكره ‪.‬‬

‫وإياكم أن يدخل من هذا الثغر شيء من كلام الله أو كلام رسوله ( )‬
‫ع!ي! أو كلام النصحاء! فإن غلبتم على ذلك ‪ ،‬ودخل من ذلك شيء(‪،)6‬‬
‫فحولوا بينه وبين فهمه وتدبره ‪ ،‬والتفكر فيه(‪ ،)7‬والعظة به ‪ ،‬إما بإدخال‬

‫ضده عليه ‪ ،‬وإما بتهويل ذلك وتعظيمه ‪ ،‬وأن هذا أمر قد حيل بين‬
‫النفوس وبينه ‪ ،‬فلا سبيل لها إليه ‪ ،‬وهو حمل ثقيل عليها لا تستقل‬

‫به ‪ ،‬ونحو ذلك ؛ وإما بإرخاصه على النفوس وأن الاشتغال ينبغي أ ن‬
‫يكون أهم(‪ )8‬بما هو أعلى (‪ )9‬عند الناس ‪ ،‬وأعز عليهم ‪ ،‬وأغرب‬
‫عندهم ‪ ،‬وزبونه القابلون (‪ )01‬له أكثر‪ .‬وأما الحق (‪ )11‬فهو مهجور‪،‬‬

‫(‪)1‬ز‪":‬يدخل "‪.‬‬

‫(‪ )2‬ف ‪" :‬بالباطل " ‪.‬‬

‫(‪ )3‬س ‪ " :‬وتحروا" ‪.‬‬
‫(‪" )4‬له" ساقط من ف ‪.‬‬

‫(‪ )5‬س ‪" :‬وكلام رسوله " ‪ .‬وسقط "كلام الله أو" من ل ‪.‬‬

‫(‪ )6‬س ‪" :‬شيء من ذلك"‪.‬‬
‫(‪ )7‬ف ‪ " :‬تفكره والتدبر فيه "‪ .‬ز‪" :‬تدبره وتفكره فيه "‪.‬‬

‫(‪" )8‬أهم" كذا في جميع النسخ ! وقد حذفها الناشرون ‪.‬‬

‫ز ‪ " :‬أغلى " بالمعجمة‪.‬‬ ‫(‪)9‬‬

‫بعضهم في ف علامة الهمزة مع وجود نقطة‬ ‫(‪ )01‬س ة "القائلون" ‪ ،‬خطأ‪ .‬ووضع‬

‫هنا للجمع‪.‬‬ ‫الباءا وفي ز‪" :‬زبونهم " ‪ .‬وكلمة "الزبون " مفردة ‪ ،‬واستعملت‬
‫(‪ )11‬س ‪" :‬الخلق" ‪ ،‬خطأ‪.‬‬

‫‪232‬‬

‫نفسه للعداوة ‪ ،‬والرائح بين الناس أولى‬ ‫وقابله (‪/48[)1‬ب] معرض‬

‫بالايثار‪ ،‬ونحو ذلك ‪ .‬فيدخلون الباطل عليه (‪ )2‬في كل قالب يقبله‬

‫ويخف عليه ‪ ،‬ويخرجون له الحق في كل قالب يكرهه ويثقل عليه‪.‬‬

‫وإذا شئت أن تعرف ذلك فانظر إلى إخوانهم من شياطين الانس‪،‬‬

‫كيف يخرجون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في قالب كثرة‬

‫من البلاء لما لا يطيق (‪،)3‬‬ ‫الفضول ‪ ،‬وتتبع عثرات الناس ‪ ،‬والتعرض‬

‫اتباع السنة ‪ ،‬ووصف‬ ‫وإلقاء الفتن بين الناس ‪ ،‬ونحو ذلك ‪ .‬ويخرجون‬

‫الرب تعالى بما وصف به نفسه ‪ ،‬ووصفه به رسوله ‪ ،‬في قالب التشبيه‬

‫والتجسيم والتكييف‪.‬‬

‫علو الله على خلقه ‪ ،‬واستواءه على عرشه ‪ ،‬ومباينته‬ ‫ويسمون‬

‫نزوله إلى سماء الدنيا(‪ )4‬وقوله ‪" :‬من‬ ‫لمخلوقاته "تحيزا"‪ ،‬ويسمون‬

‫يسألني فأعطيه "( ) تحركا وانتقالا‪ ،‬ويسمون ما وصف به نفسه من اليد‬

‫والوجه أعضاء وجوارح ‪ ،‬ويسمون ما يقوم به من أفعاله "حوادث " ‪ ،‬وما‬
‫يقوم به من صفاته (‪" )6‬أعراضا" ‪ .‬ثم يتوصلون إلى نفي ما وصف به نفسه‬

‫بنفي هذه الأمور ‪ ،‬ويوهمون الأغمار وضعفاء البصائر أن إثبات الصفات‬

‫" ‪)1(.‬‬
‫س ‪ ،‬ز ‪ " :‬قائله " ‪ .‬ل ‪ " :‬صاحبه‬

‫(‪ )2‬ف ‪" :‬عليه الباطل "‪.‬‬

‫(‪" )3‬لما لا يطيق " ساقط من ز ‪.‬‬

‫(‪ )4‬س ‪" :‬السماء الدنيا" ‪.‬‬

‫الله عنه ‪ ،‬أخرجه البخاري في التهجد‪ ،‬باب‬ ‫(‪ )5‬يشير إلى حديث أبي هريرة رضي‬

‫الدعاء والصلاة من اخر الليل (‪ ،)1145‬ومسلم في صلاة المسافرين ‪ ،‬باب‬

‫في الدعاء ‪.)758( 0 0 .‬‬ ‫الترغيب‬

‫(‪ )6‬ز‪" :‬من حم "‪ ،‬تحريف‪.‬‬

‫‪233‬‬

‫التي نطق بها كتاب الله وسنة رسوله يستلزم هذه الأمور ‪ ،‬ويخرجون هذا‬
‫التعطيل في قالب التنزيه والتعظيم‪.‬‬

‫وأكثر الناس ضعفاء العقول يقبلون الشيء بلفظ ‪ ،‬ويردونه بعينه بلفظ‬
‫‪ !)1( .‬قال تعالى ‪ ( :‬وددبلك جملنا لكل نئ عدوا شيطين الادنس والجن‬

‫يوحى بغضهتم إك بعف! زخرف القؤل غسورأ ) أ الأنعام ‪ . ] 1 12 /‬فسماه " زخرفا"‬

‫(‪ )2‬ء !‬

‫يزخرلمحه ويزينه ما استطاع ‪ ،‬ويلقيه إلى سمع‬ ‫‪ ،‬لان صاحبه‬ ‫وهو باطل‬

‫المغرور ‪ ،‬فيغتر به‪.‬‬

‫والمقصود أن الشيطان قد لزم ثغر الأذن (‪ ،)3‬يدخل فيها ما يضر‬
‫العبد ولا ينفعه ‪ ،‬ويمنع أن يدخل إليها ما ينفعه ‪ ،‬وإن دخل بغير اختياره‬

‫أفسده عليه (‪. )4‬‬

‫فصل ()‬

‫ثم يقول ‪ :‬قوموا على ثغر اللسان ‪ ،‬فإنه الثغر الأعظم ‪/94[ ،‬ا] وهو‬
‫قبالة الملك (‪)6‬؛ فأجروا عليه من الكلام ما يضره ولا ينفعه ‪ ،‬وامنعوه أ ن‬
‫يجري عليه شيء مما ينفعه من ذكر الله تعالى ‪ ،‬واستغفاره ‪ ،‬وتلاوة كتابه‪،‬‬

‫ونصيحة عباده ‪ ،‬أو التكلم بالعلم النافع‪.‬‬

‫(‪" )1‬ويردونه بعينه بلفظ " سقط من ف لانتقال النظر‪.‬‬

‫(‪ )2‬س ‪" :‬الباطل " ‪.‬‬
‫(‪ )3‬س ‪" :‬الآذان " ‪.‬‬

‫(‪ )4‬ما عدا ف ‪ " :‬أفسد عليه " ‪.‬‬

‫غير موجودة في ز ‪.‬‬ ‫(‪ )5‬كلمة "فصل"‬
‫(‪ )6‬قبالة الشيء‪:‬‬
‫منه‪.‬‬ ‫تجاهه ‪ ،‬وما استقبلك‬

‫‪234‬‬

‫ويكون لكم في هذا الثغر أمران (‪ )1‬عظيمان لا تبالون بأيهما ظفرتم‪:‬‬

‫أحدهما ‪ :‬التكلم بالباطل ‪ ،‬فإن المتكلم بالباطل أخ من إخوانكم‪،‬‬
‫ومن أكبر جندكم وأعوانكم‪.‬‬

‫والثاني (‪ :)2‬السكوت عن الحق ‪ ،‬فإن الساكت عن الحق أخ لكم‬
‫أخرس ‪ ،‬كما أن الأول أخ لكم ناطق ‪ ،‬وربما كان الأخ الثاني أنفع‬

‫إخوانكم لكم ‪ .‬أما سمعتم قول الناصح ‪ :‬المتكفم بالباطل شيطان ناطق‪،‬‬

‫والساكت عن الحق شيطان أخرس (‪. )3‬‬

‫فالرباط الرباط على هذا الثغر أن يتكلم بحق‪ ،‬أو يمسك عن‬
‫باطل (‪ .)4‬وزئنوا له التكلم بالباطل بكل طريق ‪ .‬وخوفوه من التكلم‬

‫بالحق بكل طريق‪.‬‬

‫واعلموا يابني أن ثغر اللسان هو الذي أهلك منه بني ادم ‪ ،‬وأكبهم‬
‫منه( ) على مناخرهم في النار ‪ ،‬فكم لي من قتيل وأسير وجريح أخذته من‬

‫هذا الثغر!‬

‫وأوصيكم (‪ )6‬بوصية ‪ ،‬فاحفظوها ‪ :‬لينطق أحدكم على لسان أخيه من‬
‫الانس بالكلمة ‪ ،‬ويكون الاخر على لسان السامع ‪ ،‬فينطق باستحسانها‬

‫(‪ )1‬س ‪ ،‬ل ‪ " :‬أثرا ن " ‪.‬‬

‫ونقل القشيري من كلام شيخه أبي علي‬ ‫(‪ )2‬س ‪" :‬الثاني" دون واو العطف‪.‬‬
‫(‪ )3‬نحوه في إعلام الموفعين (‪.)2/177‬‬

‫الدقاق ‪" :‬من سكت عن الحق فهو شيطان أخرس " ‪ .‬الرسالة (‪. ) 012‬‬

‫(‪ )4‬س ‪ " :‬الباطل" ‪.‬‬
‫(‪ )5‬لم يرد "منه" في س ‪ .‬وفي ف ‪" :‬فيه" ‪ ،‬ولعله تحريف‪.‬‬

‫(‪ )6‬ز ‪ " :‬اسد " ‪.‬‬

‫‪235‬‬

‫وتعظيمها والتعجب منها ‪ ،‬ويطلب من أخيه إعادتها‪.‬‬

‫وكونوا أعوانا على الانس بكل ظريق ‪ ،‬وادخلوا عليهم من كل باب ‪،‬‬

‫واقعدوا لهم كل مرصد(‪ .)1‬أما سمعتم قسمي الذي أقسمت به لربهم‬
‫حيث قلت ‪ ( :‬فبمما أغوئتنى لأقعدن التم صزطك الم!تقيم ! ثم لأتينهو من بين‬

‫‪ 1‬الأعراف ‪/‬‬ ‫أيديهتم ومق ضقفهئم وعق أتمنهغ وعن شيماللهئم ولا تجد أكثرهئم شبهريى !)‬

‫‪. ) 17 - 1 6‬‬

‫أوما(‪ )2‬تروني قد قعدت لابن آدم بطرقه كلها ‪ ،‬فلا يفوتني من طريق‬
‫إلا قعدت له بطريق غيره (‪ )3‬حتى أصيب (‪ )4‬منه حاجتي أو بعضها ‪ .‬وقد‬

‫ذلك رسولهم ( )‪ ،‬فقال لهم ‪" :‬إن الشيظان قد قعد لابن ادم‬ ‫حذرهم‬

‫" (‪ )6‬س‬

‫ودين‬ ‫وتذر دينك‬ ‫الاسلام ‪ ،‬فقال ‪ :‬أتسلم‬ ‫كلها ‪ ،‬فقعد له بطريق‬ ‫!ه‬ ‫‪.‬‬

‫آبائك ؟ فخالفه ‪ ،‬وأسلم ‪ .‬فقعد [‪/94‬ب] له بطريق الهجرة ‪ ،‬فقال ‪ :‬أتهاجر‬

‫وسماءك ؟ فخالفه ‪ ،‬وهاجر ‪ .‬فقعد له بطريق الجهاد ‪ ،‬فقال ‪:‬‬ ‫وتذر أرضك‬

‫تجاهد ‪ ،‬فتقتل ‪ ،‬فيقسم المال (‪ ، )7‬وتنكح الزوجة ! "(‪. )8‬‬

‫(‪ )1‬ف ‪" :‬في كل مرصد"‪.‬‬
‫(‪ )2‬س ‪" :‬أما"‪.‬‬

‫(‪ )3‬ف ‪" :‬إلا أتيته من طريق اخر"‪.‬‬

‫وبارك عليه وسلم وعلى اله‬ ‫س ‪ " :‬اصبت "‪ ،‬ولعله تصحيف‪.‬‬ ‫(‪)4‬‬
‫(‪)5‬‬
‫بعده في س ‪" :‬اللهم صل على محمد رسولك‬

‫وصحبه " ‪ .‬وفي ز ‪" :‬رسوله " ‪.‬‬

‫س ‪ " :‬بأطرقه " ‪.‬‬ ‫(‪)6‬‬

‫المال "‪.‬‬ ‫ز‪ " :‬ويقسم‬ ‫(‪)7‬‬
‫(‪)8‬‬
‫وابن حبان (‪ )3945‬وابن‬ ‫(‪)58915‬‬ ‫وأحمد ‪3/483‬‬ ‫أخرجه النسائي (‪)3134‬‬

‫أبي عاصم في الجهاد (‪ )13‬والبخاري في تاريخه (‪ )188- 4/187‬وغيرهم ‪= ،‬‬

‫‪236‬‬

‫فهكذا(‪ )1‬فاقعدوا لهم بكل طرق الخير(‪ .)2‬فإذا أراد أحدهم أ ن‬

‫فاقعدوا له على طريق الصدقة ‪ ،‬وقولوا له في نفسه ‪ :‬أتخرج‬ ‫يتصدق‬

‫المال ‪ ،‬فتبقى مثل هذا السائل ‪ ،‬وتصير بمنزلته أنت وهو سواء؟ أو ما‬

‫سمعتم ما ألقيت على لسان رجل سأله آخر(‪ )3‬أن يتصدق عليه ‪ ،‬وقال ‪:‬‬

‫هي أموالنا ‪ ،‬إن أعطيناكموها صرنا مثلكم‪.‬‬

‫واقعدوا له(‪ )4‬بطريق الحح ‪ ،‬فقولوا ‪ :‬طريقه مخوفة مشقة ‪ ،‬يتعرض‬
‫سالكها لتلف النفس والمال ‪.‬‬

‫وهكذا فاقعدوا له على سائر طرق الخير بالتنفير منها وذكر صعوبتها‬
‫وآ فا تها‪.‬‬

‫ثم اقعدوا على طرق المعاصي ‪ ،‬فحسنوها في أعين بني آدم( ) ‪،‬‬
‫وزينوها في قلوبهم ‪ ،‬واجعلوا أكبر(‪ )6‬أعوانكم على ذلك النساء‪ ،‬فمن‬

‫من طريق موسى بن المسيب أخبرني سالم بن أبي الجعد عن سبرة بن أبي فاكه‬

‫فذكره ‪ .‬وقد وقع فيه اختلاف في تعيين اسم الصحابي ‪ .‬والطريق المثبت هو‬

‫إسناده العراقي ‪ ،‬وحسن إسناده‬ ‫ابن حبان ‪ ،‬وصحح‬ ‫الصواب ‪ .‬والحديث صححه‬

‫انظر الاصابة (‪ )3/64‬وتحقيق الجهاد لابن أبي عاصم‬ ‫ابن حجر‪.‬‬

‫(‪.)1/015-151‬‬

‫(‪ )1‬ز‪" :‬فكذا"‪ .‬ف‪" :‬وهكذا"‪.‬‬

‫(‪ )2‬ما عدا ل ‪" :‬طريق الخير"‪.‬‬
‫(‪ )3‬ف ‪" :‬سأله سائل "‪.‬‬

‫(‪ )4‬ف ‪" :‬لهم"‪.‬‬
‫(‪ )5‬ف ‪" :‬عين بني ادم"‪.‬‬

‫(‪ )6‬ف ‪" :‬أكثر"‪.‬‬

‫‪237‬‬

‫أبوابهن فادخلوا عليهم ‪ ،‬فنعم العون (‪ )1‬هن لكم!‬

‫ثم الزموا ثغر اليدين والرجلين فامنعوها أن تبطش بما يضركم أ و‬
‫تمشي فيه‪.‬‬

‫واعلموا أن أكبر عونكم (‪ )2‬على لزوم هذه الثغور مصالحة النفس‬

‫منها ‪ .‬وكونوا‬ ‫واستمدوا‬ ‫الأمارة ‪ .‬فأعينوها واستعينوا بها ‪ ،‬وأمدوها(‪)3‬‬

‫النفس المطمئنة ‪ ،‬فاجتهدوا في كسرها وإبطال‬ ‫معها على حرب‬

‫قواها(‪ ،)4‬ولا سبيل الى ذلك إلا بقطع موادها عنها ‪ .‬فإذا( ) انقطعت‬

‫موادها‪ ،‬وقوبت مواد النفس الأمارة ‪ ،‬وأطاعت (‪ )6‬لكم أعوانها‪،‬‬

‫فاستنزلوا القلب من حصنه ‪ ،‬واعزلوه عن مملكته ‪ ،‬ووالوا مكانه النفس‪.‬‬

‫فإنها لا تأمر إلا بما تهوونه وتحبونه ولا تجيئكم(‪ )7‬بما تكرهونه البتة ‪ ،‬مع‬

‫أنها لا تخالفكم في شيء تشيرون به عليها‪ ،‬بل إذا أشرتم عليها بشيء‬

‫بادرت إلى فعله‪.‬‬

‫فإن أحسستم من القلب منازعة إلى مملكته ‪ ،‬وأردتم الأمن من‬
‫ذلك(‪ ،)8‬فاعقدوا بينه وبين النفس عقد النكاح ‪ ،‬فزينوها‪ ،‬وجملوها‪،‬‬

‫ز ‪ " :‬القوما " كذا ا(‪)1‬‬
‫(‪ )2‬س ‪" :‬أعوانكم"‪ ،‬وفي حاشيتها أشير إلى هذه النسخة ‪ .‬وفي ز‪" :‬أكثر" مكان‬

‫"اكبر"‪ ،‬تصحيف‪.‬‬

‫(‪ )3‬ت ‪" :‬ددا"‪.‬‬

‫(‪ )4‬س ‪" :‬موادها" ‪ ،‬ولعله تحريف‪.‬‬

‫ما بعدها إلى " أطاعت " ‪.‬‬ ‫(‪ )5‬ف ‪" :‬وإن " ‪ ،‬وسقط‬

‫(‪ )6‬س ‪ ،‬ل ‪ " :‬انطاعت " ‪.‬‬

‫" ‪ ،‬تصحيف‪.‬‬ ‫ز ‪ " :‬ولا تحتكم(‪)7‬‬

‫(‪ )8‬ت ‪" :‬منازعة إلى تملكه الامن ذلك" ‪ ،‬تحريف‪.‬‬

‫‪238‬‬

‫وأروها إياه في أحسن صورة عروس توجد‪ ،‬وقولوا له ‪ :‬ذق طعم هذا‬
‫الوصال والتمتع بهذه العروس ‪ ،‬كما ذقت [‪/05‬ا] طعم الحرب ‪ ،‬وباشرت‬

‫مرارة الطعن والضرب ‪ .‬ثم وازن بين لذة هذه المسالمة (‪ )1‬ومرارة تلك‬

‫المحاربة ‪ ،‬فدع الحرب تضع أوزارها ‪ ،‬فليست بيوبم وينقضي ‪ ،‬وإنما هو‬
‫حرب متصل بالموت ‪ ،‬وقواك تضعف عن حراب دائم (‪. )2‬‬

‫واستعينوا يا بني بجندين عظيمين لن تغلبوا معهما‪:‬‬

‫أحدهما ‪ :‬جند الغفلة ‪ ،‬فأغفلوا قلوب بني آدم عن الله والدار الأخرة‬

‫بكل طريق ‪ ،‬فليس لكم شيء أبلغ في تحصيل غرضكم من ذلك ‪ ،‬فإن‬

‫القلب إذا غفل عن الله تمكنتم منه ومن أعوانه (‪. )3‬‬

‫والثاني ‪ :‬جند الشهوات فزينوها في قلوبهم ‪ ،‬وحسنوها في أعينهم‪.‬‬

‫وصولوا عليهم بهذين العسكرين‪ ،‬فليس لكم في بني آدم أبلغ‬
‫منهما‪ .‬واستعينوا على الغفلة بالشهوات ‪ ،‬وعلى الشهوات بالغفلة‪،‬‬

‫واقرنوا بين الغافلين ‪ ،‬ثم استعينوا بهما على الذاكر‪ ،‬ولا يغلب واحد‬

‫الذاكر‬ ‫خمسة ‪ ،‬فإن مع الغافلين شيطانين ‪ ،‬صاروا أربعة ‪ ،‬وشيطان‬

‫معهم‪.‬‬

‫وإذا رأيتم جماعة مجتمعين على ما يضركم من ذكر الله أو مذاكرة (‪)4‬‬
‫أمره ونهيه ودينه ‪ ،‬ولم تقدروا على تفريقهم ‪ ،‬فاستعينوا عليهم ببني‬

‫‪30‬‬ ‫ف ‪ " :‬لمسلة " ‪ ،‬تحريف(‪)1‬‬‫ا‬

‫(‪ )2‬ف ‪،‬ل ‪" :‬حرب دائم "‪.‬‬

‫(‪ )3‬ف ‪" :‬إغوائه"‪.‬‬

‫(‪ )4‬س ‪،‬ل ‪" :‬ومذاكرة"‪.‬‬

‫‪923‬‬

‫جنسهم من الانس البطالين ‪ ،‬فقزبوهم منهم ‪ ،‬وشؤشوا عليهم بهم‪.‬‬

‫وبالجملة فأعدوا للأمور أقرانها‪ ،‬وادخلوا على كل واحد من بني‬
‫ادم من باب إرادته وشهوته ‪ ،‬فساعدوه عليها‪ ،‬وكونوا عونا له(‪ )1‬على‬

‫وإذا كان الله قد أمرهم أن يصبروا لكم ‪ ،‬ويصابروكم‪،‬‬ ‫تحصيلها‪.‬‬

‫ورابطوا عليهم‬ ‫ويرابطوا عليكم الثغور؛ فاصبروا أنتم ‪ ،‬وصابروا‪،‬‬

‫الثغور ‪ ،‬وانتهزوا فرصكم فيهم عند الشهوة والغضب ‪ ،‬فلا تصطادون (‪)2‬‬

‫بني ادم في أعظم من هذين الموطنين!‬

‫واعلموا أن منهم من يكون سلطان الشهوة عليه أغلب ‪ ،‬وسلطان‬
‫غضبه ضعيف مقهور‪ ،‬فخذوا عليه طريق الشهوه‪ ،‬ودعوا طريق‬

‫الغضب ‪ .‬ومنهم من يكون سلطان (‪ )3‬الغضب عليه أغلب ‪ ،‬فلا تخلوا‬

‫طريق الشهوة عليه ‪ ،‬ولاتعطلوا ثغرها(‪ ،)4‬فإن من لم يملك نفسه عند‬

‫فإنه بالحرى أن لا يملكها( ) عند الشهوة ‪ .‬فزوجوا بين غضبه‬ ‫الغضب‬

‫وشهوته ‪ ،‬وامزجوا أحدهما بالاخر ‪ ،‬وادعوه إلى الشهوة [‪ /05‬ب] من باب‬

‫الغضب ‪ ،‬وإلى الغضب من طريق الشهوة ‪.‬‬

‫واعلموا أنه ليس لكم في بني ادم سلاج أبلغ من هذين السلاحين‪.‬‬

‫أبويهم من الجنة بالشهوة ‪ ،‬وإنما ألقيت العداوة بين‬ ‫وإنما أخرجت‬

‫(‪ )1‬ل ‪" :‬له عونا له"‪ .‬س ‪" :‬لها أعوانا"‪ ،‬وفي حاشيتها أشير إلى أن في نسخة‪:‬‬

‫"وكونوا أعوانا له"‪.‬‬

‫ز ‪" :‬فلا تصطادوا" ‪)2(.‬‬
‫(‪ )3‬غئرها بعضهم في ف إلى "شيطان"‪.‬‬
‫(‪ )4‬ف ‪" :‬طريق الشهوة قلبه ‪ ،‬ولا تعطلوه بغيرها"‪ ،‬وهي محزفة‪.‬‬

‫(‪ )5‬ف‪" :‬لا يملك نفسه "‪.‬‬

‫‪024‬‬

‫دماءهم ‪ ،‬وبه قتل‬ ‫أولادهم بالغضب ‪ .‬فبه قطعت أرحامهم ‪ ،‬وسفكت‬
‫أحد ابني آدم أ خاه ‪.‬‬

‫واعلموا أن الغضب جمرة في قلب ابن آدم ‪ ،‬والشهوة نار تثور من‬
‫قلبه ‪ ،‬دانما تطفأ النار بالماء والصلاة والذكر والتكبير(‪ ،)1‬فإياكم أ ن‬
‫تمكنوا ابن آدم عند غضبه وشهوته من قربان الوضوء والصلاة ‪ ،‬فإن ذلك‬
‫بطفىء عنهم نار الغضب والشهوة ‪ .‬وقد أمرهم نبيهم بذلك ‪ ،‬فقال ‪ " :‬إن‬
‫الغضب جمرة في قلب ابن آدم ‪ .‬أما رأيتم من احمرار عينيه وانتفاخ‬
‫أوداجه ؟ فمن أحس بذلك فليتوضأ"(‪ .)2‬وقال لهم ‪" :‬إنما تطفأ النار‬

‫بالماء"(‪.)3‬‬

‫(‪ )1‬يشير إلى حديث عبدالله بن عمرو عند العقيلي في الضعفاء (‪ )2/692‬وابن‬

‫عدي في الكامل (‪ )151 /4‬وابن السنيئ في عمل اليوم والليلة (‪)892- 592‬‬

‫وغيرهم ‪ ،‬من طرق عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده فذكره ‪ .‬ولا يثبت‬

‫كلها واهية ‪ .‬وقد أشار المؤلف وشيخه إلى ضعفه بقولهما‬ ‫منها شيء‪،‬‬

‫(‪.)935‬‬ ‫والوابل الصيب‬ ‫الفتاوى (‪)24/922‬‬ ‫"روي ‪ . " . . .‬انطر مجموع‬

‫(‪ )2‬أخرجه الترمذي (‪ )1921‬وابن ماجه (‪ )0004‬وأحمد ‪)11143(3/91‬‬

‫والحاكم ‪ )8543( 551 /4‬وغيرهم ‪ ،‬من طريق علي بن زيد بن جدعان عن أبي‬

‫نضرة عن أبي سعيد الخدري فذكره مطولا‪ .‬قال الحاكم ‪" :‬هذا حديث تفرد‬
‫بهذه السياقة علي بن زيد بن جدعان القرشي عن أبي نضرة ‪ ،‬والشيخان رضي‬

‫الله عنهما لم يحتجا بعلي بن زيد"‪ .‬وقال الذهبي معقبا‪" :‬ابن جدعان صالح‬

‫الحديث "‪.‬‬

‫إذا تفرد بهذا السياق‬ ‫اقرب ‪ ،‬وخاصة‬ ‫قلت ‪ :‬ابن جدعان إلى الضعف‬

‫لطويل‪.‬‬ ‫ا‬

‫النبي !ي! مرسلا أو‬ ‫أسلم عن‬ ‫وزيدبن‬ ‫البصري‬ ‫وقد جاء عن الحسن‬

‫معصلا ‪ .‬أخرجه عبدالرزاق ‪.)2 9280، 28802( 1/188 1‬‬

‫(‪ )3‬أخرجه أبوداود (‪ )4784‬وأحمد (‪ )4/226‬والبخاري في تاريخه (‪= )7/8‬‬

‫‪241‬‬

‫وقد أوصاهم الله أن يستعينوا عليكم بالصبر والصلاة ‪ ،‬فحولوا بينهم‬

‫‪ .‬وأبلغ‬ ‫وبين ذلك ‪ ،‬وأنسوهم إياه ‪ ،‬واستعينوا عليهم بالشهوة والغضب‬

‫فيكم‬ ‫أسلحتهم‬ ‫فيهم وأنكاها ‪ :‬الغفلة ‪ ،‬واتباع الهوى ‪ .‬وأعظم‬ ‫أسلحتكم‬

‫الهوى ‪ .‬فإذا رأيتم الرجل مخالفا‬ ‫‪ :‬ذكر الله ‪ ،‬ومخالفة‬ ‫وأمنع حصونهم‬

‫لهواه ‪ ،‬فاهربوا من ظله(‪ ، )1‬ولا تدنوا منه‪.‬‬

‫والمقصود أن الذنوب والمعاصي سلاح ومدد يمد بها العبد‬
‫أعداءه ‪ ،‬ويعينهم بها على نفسه ‪ ،‬فيقاتلونه بسلاحه ‪ ،‬ويكون معهم على‬

‫نفسه ‪ .‬وهذا غاية الجهل ‪ ،‬و‬

‫ما يبلغ الجاهل من نفسه (‪)2‬‬ ‫ما يبلغ الأعداء من جاهل‬

‫ومن العجائب أن العبد يسعى بجهده (‪ )3‬في هوان نفسه ‪ ،‬وهو يزعم‬

‫والطبراني ‪ )443( 17/167‬وابن حبان في المجروحين (‪ ،)2/25‬من طريق‬
‫أبي وائل القاص عن عروة بن محمد بن عطية عن أبيه عن جده مرفوعا‪" :‬إن‬

‫الغضب من الشيطان وإن الشيطان خلق من النار‪ ،‬وإنما تطفأ النار بالماء‪ ،‬فإذا‬
‫غضب أحدكم فليتوضأ"‪.‬‬

‫وهذا الاسناد ضعيف ‪ ،‬محمد بن عطية مجهول ‪ .‬والحديث عده ابن حبان‬
‫من منكرات أبي وائل القاص فقال ‪" :‬يروي عن عروة بن محمدبن عطية‬

‫وعبدالرحمن بن يزيد الصنعاني العجائب التي كأنها معمولة ‪ .‬لا يجوز الاحتجاج‬

‫منه " ‪.‬‬ ‫ل ‪ " :‬فاهربوا(‪)1‬‬

‫في التمثيل والمحاضرة‬ ‫(‪ )2‬ل ‪،‬ز‪" :‬تبلغ الأعداء" ‪ .‬والبيت لصالح بن عبدالقذوس‬

‫(‪ ،)77‬والحماسة البصرية (‪ .)874‬وقد أنشده المؤلف في طريق الهجرتين‬

‫(‪ ،) 134‬والمدارج (‪ ) 291 /1‬وبدائع الفوائد (‪ ) 1 188‬والمفتاح (‪.)38 /3‬‬

‫(‪ )3‬س ‪ " :‬بنفسه " ‪.‬‬

‫‪242‬‬

‫وأشرفها ‪ ،‬وهو يزعم‬ ‫أنه لها مكرم ‪ .‬ويجتهد في حرمانها أعلى حظوظها‬

‫أنه يسعى في حظها‪ .‬ويبذل جهده في تحقيرها وتصغيرها وتدسيتها‪،‬‬

‫وهو يزعم أنه(‪ ) 1‬يعليها ويرفعها ويكبرها!‬

‫وكان بعض السلف يقول في خطبته ‪ :‬ألا رب مهين لنفسه وهو يزعم‬
‫أنه لها مكرم ‪ ،‬ومذل لنفسه وهو يزعم أنه لها معز‪ ،‬ومصغر لنفسه وهو‬
‫يزعم أنه لها مكبر ‪ ،‬ومضيع لنفسه و هو يزعم أنه(‪ )2‬مراع لحقها ‪ .‬وكفى‬
‫بالمرء جهلا أن يكون مع عدوه على نفسه ‪ ،‬يبلغ منها بفعله (‪/51[ )3‬أ] مالا‬

‫يبلغه عدوه (‪ . )4‬والله المستعان ‪.‬‬

‫فصل‬

‫ومن عقوباتها‪ :‬انها تنسي العبد نفسه ‪ ،‬فإذا نسي نفسه أهملها‬
‫وأفسدها وأهلكها‪.‬‬

‫فإن قيل ‪ :‬كيف ينسى العبد نفسه ( )؟ وإذا نسي نفسه ‪ ،‬فأي شيء‬
‫يذكر؟ وما معنى نسيانه نفسه؟‬

‫قيل ‪ :‬نعم ‪ ،‬ينسى نفسه أعظم نسيان ‪ .‬قال تعالى (‪ ( :)6‬ولاتكولؤأ‬

‫! ) أ الحشر‪. ] 1 9 /‬‬ ‫ئم لذين نسوا ألله فأل!ئهم أنفسهم أوليهك هم أئمشقوت‬

‫"يسعى في حطها‪ . . .‬ائه" ساقط من ف ‪.‬‬ ‫(‪)1‬‬
‫"لهامعز‪ ..‬أنه"ساقط من ف ‪.‬‬ ‫(‪)2‬‬

‫(‪ )3‬ل‪" :‬بغفله"‪ ،‬تصحيف‪.‬‬

‫(‪ )4‬لم أقف عليه ‪ .‬وقد وردت الجملة الأولى من قول أبي الدرداء عند البيهقي في‬

‫الزهد الكبير (‪ .)344‬وفي سنده ضعف‪.‬‬

‫من س ‪.‬‬ ‫"فإذا نسي ‪ . . .‬نفسه " ساقط‬
‫ز‪" :‬قال الله العظيم "‪.‬‬
‫(‪)6‬‬

‫‪243‬‬

‫فلما ن!بموا رثهم سبحانه نسيهم وأنساهم أنفسهم كما قال ‪ ( :‬نسوا أدله‬
‫فنسيهم ) [التوبة‪ ،)67 /‬فعاقب سبحانه من نسيه عقوبتين ‪ :‬إحداهما ‪ :‬أنه‬

‫نسيه ‪ .‬والثانية ‪ :‬أنه أنساه نفسه‪.‬‬ ‫سبحانه‬

‫ونسيانه سبحانه للعبد ‪ :‬إهماله ‪ ،‬وتركه ‪ ،‬وتخليه عنه(‪ ، )1‬وإضاعته؛‬
‫فالهلاك أدنى إليه من اليد للفم!‬

‫العالية وأسباب سعادتها‬ ‫وأما إنساؤه نفسه فهو ‪ :‬إنساؤه لحظوظها‬

‫وما تكمل به ‪ ،‬ينسيه ذلك(‪ )2‬جميعه ‪ ،‬فلا يخطره‬ ‫وفلاجها وصلاجها‬

‫إليه همته فيرغب فيه ‪ ،‬فإنه لا‬ ‫بباله ‪ ،‬ولا يجعله على ذكره ‪ ،‬ولا يصرف‬

‫يمر بباله حتى يقصده ويؤيره ‪.‬‬

‫وأيضا فينسيه عيوب نفسه ونقصها وافاتها‪ ،‬فلا يخطر بباله إزالتها‬

‫!اصلاجها(‪. )3‬‬

‫وأيضا ينسيه أمراض نفسه وقلبه والامها ‪ ،‬فلا يخطر بقلبه مداواتها‪،‬‬
‫ولا السعي في إزالة عللها وأمراضها التي تؤول به إلى الفساد والهلاك ‪.‬‬

‫فهو مريض مثخن بالمرض ‪ ،‬ومرضه مترام به إلى التلف ‪ ،‬ولا يشعر‬
‫بمرضه ‪ ،‬ولا يخطر بباله مداواته ‪ .‬وهذا من أعطم العقوبة العامة (‪)4‬‬

‫والخاصة‪.‬‬

‫فأي عقوبة أعطم من عقوبة من أهمل نفسه ‪ ،‬وضيعها‪ ،‬ونسي‬

‫عنه "‪.‬‬ ‫(‪)1‬ف‪":‬تخليته‬

‫(‪ )2‬ز‪" :‬به نفسه لأن ذلك"‪ ،‬تحريف‪0‬‬

‫(‪" )3‬إصلاجها" ساقط من ف ‪.‬‬

‫(‪ )4‬س ‪" :‬للعامة"‪.‬‬

‫‪244‬‬

‫مصالحها‪ ،‬وداءها ودواءها‪ ،‬وأسباب سعادتها وفلاجها وصلاجها‬
‫وحياتها الأبدية في النعيم المقيم؟‬

‫ومن تأمل هذا الموضع تبين له أن أكثر هذا الخلق قد نسوا أنفسهم‬

‫حقيقة ‪ ،‬وضيعوها ‪ ،‬وأضاعوا حظها من الله ‪ ،‬وباعوها رخيصة بثمن بخس‬

‫بيع الغبن ‪ .‬وإنما يظهر لهم هذا(‪ )1‬عند الموت ‪ ،‬ويطهر كل الظهور يوم‬

‫التغابن ‪ ،‬يوم يظهر للعبد أنه غبن في العقد الذي عقده لنفسه في هذه‬
‫الدار ‪ ،‬والتجارة التي اتجر فيها(‪ )2‬لمعاده ‪ ،‬فإن كل أحد يتجر(‪ )3‬في هذه‬

‫‪. )4‬‬ ‫لاخرته(‬ ‫الدنيا [ ‪ /5 1‬ب]‬

‫اشتروا الحياة‬ ‫الذين يعتقدون أنهم أهل الربح والكسب‬ ‫فالخاسرون‬

‫الدنيا وحطهم فيها ولذاتهم بالاخرة وحظهم فيها‪ ،‬فأذهبوا طيباتهم في‬

‫حياتهم الدنيا‪ ،‬واستمتعوا بها‪ ،‬ورضوا بها‪ ،‬واطمأنوا إليها‪ .‬وكان‬

‫سعيهم لتحصيلها‪ ،‬فباعوا‪ ،‬واشتروا‪ ،‬واتجروا‪ .‬وباعوا آجلا بعاجل‪،‬‬

‫ونسيئة بنقد ‪ ،‬وغائبا بناجز ؛ وقالوا ‪ :‬هذا هو الحزم ‪ .‬ويقول أحدهم‪:‬‬

‫به( )‬ ‫خذ ما تراه ودع شيئا سمعت‬

‫وكيف أبيع حاضرا نقدا مشاهدا في هذه الدار بغائب نسيئة في دار‬

‫(‪ )1‬ز‪":‬غدا"‪.‬‬

‫(‪ )2‬ف ‪" :‬لنفسه في هذه التجارة التي اتجرها"‪.‬‬

‫(‪ )3‬ف ‪" :‬متجر"‪.‬‬

‫التي ‪ . . .‬الدنيا"‪.‬‬ ‫منها ‪" :‬والتجارة‬ ‫‪ ،‬وسقط‬ ‫ل ‪" :‬الاخرة"‬ ‫(‪)4‬‬

‫(‪ )5‬للمتنبي في ديوانه (‪ )094‬وعجز البيت‪:‬‬

‫في طلعة الشمس ما يغنيك عن‪ .‬زحل‬

‫‪245‬‬

‫الايمان ‪ ،‬وقوة داعي‬ ‫أخرى غير هذه(‪)1‬؟ وينضم إلى ذلك ضعف‬

‫الشهوة ‪ ،‬ومحبة العاجلة ‪ ،‬والتشبه ببني الجنس‪.‬‬

‫قأكثر الخلق في هذه التجارة الخاسرة التي قال الله سبحانه في‬

‫أهلها ‪! :‬و أولحك الذين اشروا أئح!وه الذتيا يالأخرؤ فلا يخفف عئهم الحذاب‬

‫[البقرة‪ . ]86 /‬وقال فيهم ‪! :‬و فما ربحت تخرتهم وما‬ ‫ولاهم ينصروبئ !)‬

‫[البقرة‪ . ] 16 /‬فإذا كان يوم التغابن ظهر لهم الغبن في‬ ‫!)‬ ‫كالؤامهتدت‬

‫هذه التجارة ‪ ،‬فتتقطع (‪ )2‬عليها النفوس حسرات ‪.‬‬

‫بنفيس ‪ ،‬وحقيرا‬ ‫وأما الرابحون ‪ ،‬قإنهم باعوا فانيا بباق ‪ ،‬وخسيسا‬

‫بعطيم ؛ وقالوا‪ :‬ما مقدار هذه الدنيا من أولها إلى اخرها حتى نبيع‬

‫حطنا(‪ )3‬من الله والدار الاخرة بها؟ فكيف بما ينال العبد منها(‪ )4‬في هذا‬

‫الزمن القصير الذي هو في الحقيقة كغفوة حلم ‪ ،‬لا نسبة له إلى دار البقاء‬
‫البتة؟‬

‫قال تعالى ‪ ( :‬ويؤم ئحشرهتم ؟ن لؤيلبئوا إلا ساعهص ضن الخار يتعارفون بئنهم)‬
‫[يونس ‪.]45 /‬‬

‫وقال تعا لى ‪ ( :‬يمتئلوناث عن آلساعة أيأن مزسنها !‪ ،!3‬فيم أنت من تجرلفآ ج اك‬

‫رئبث مننهنقآ ج اما أنت منذر من يخشنهاج ؟نهغ يؤم يرؤنها نبلبثوآ الاعشية أؤ‬

‫[النازعات ‪. ] 4 6 - 4 2 /‬‬ ‫محئها !)‬

‫ز‪":‬غيرها"‪.‬‬ ‫(‪)1‬‬

‫(‪ )2‬كذا في ز‪ .‬وفي ف ‪" :‬فتنقطع"‪ ،‬ولم ينقط في غيرهما‪.‬‬

‫(‪ )3‬ز‪" :‬تبيع حظا"‪.‬‬

‫(‪ )4‬س ‪" :‬بها"‪.‬‬

‫‪246‬‬

‫لؤ لجبثوآ إلا ساعة قن نهالم)‬ ‫وقال تعالى ‪( :‬؟نهم يؤم يرؤن ما يوعدوت‬
‫‪ 1‬الأحقاف‪. )35 /‬‬

‫وقال تعالى ‪ ( :‬قل كتم الثت!فى ألأرصق عدد سنين ! قالوا لثنا يوما أؤ‬

‫لجض يوولمحشل اقادين ! قل إن تجثت! إلا قليلآ لؤ أنكم كنت!تغدون ! )‬

‫‪ 1‬المؤمنون ‪. ) 1 1 4 - 1 1 2 /‬‬

‫وقال تعالى ‪ ( :‬لوم يخفخ فى ال!حوز ونخمثر ألمخرمين يؤمد [‪/52‬أ] زر!ا!‬

‫بتنهم إن لئتم إلاعمث!را ‪6‬ء! نخن أغم بما يقولون إذ يقول أمثلهم‬ ‫يتخفتوت‬

‫إن لثت! إلا يوما لا‪:‬م ) أطه ‪. ) 1 0 4 - 1 0 2 /‬‬ ‫طر!ه‬

‫فهذا حقيقة هذه الدنيا عند موافاة القيامة (‪ .)1‬فلما علموا قلة لبثهم‬
‫فيها ‪ ،‬وأن لهم دارا غير هذه الدار ‪ ،‬هي دار الحيوان ودار البقاء = رأوا‬
‫من أعظم الغبن بيع دار البقاء بدار الفناء ‪ ،‬فاتجروا تجارة الأكياس ‪ ،‬ولم‬

‫يغتروا بتجارة السفهاء من الناس ‪ ،‬فظهر لهم يوم التغابن ربح تجارتهم‬
‫ومقدار ما اشتروه ‪ .‬وكل أحد(‪ )2‬في هذه الدنيا(‪ )3‬بائع مشتر متجر ‪ ،‬وكل‬

‫الناس يغدو ‪ ،‬فبائع نفسه فموبقها ‪ ،‬أو مبتاعها فمعتقها(‪. )4‬‬

‫وأفولهسم لهأت لهو أ لجنة‬ ‫!ي !إن أدئه أشترى مف ألمؤصمنين أسم‬

‫ألئؤردة‬ ‫صوط‬ ‫ننوت‬
‫فى سبيل أدئه فيقنلون ويقنلوت وعدا لخه حفا ف‬

‫الله غ!ي! قال ‪" :‬كل الناس‬ ‫الله عنه أن رسول‬ ‫ز‪" :‬يوم القيامة "‪)1(.‬‬
‫(‪ )2‬س ‪" :‬دل واحد"‪.‬‬

‫"الدنيا" ساقط من ز ‪)3(.‬‬
‫في حديث أبي مالك الأشعري رضي(‪)4‬‬

‫يغدو‪ ،‬فبائع نفسه ‪ ،‬فمعتقها أو موبقها" ‪ .‬أخرجه مسلم في الطهارة ‪ ،‬باب فضل‬

‫الوضوء (‪. )223‬‬

‫‪247‬‬

‫وافي نجيل والقزءان ومن أوفث لمحعقد ء مف الئه فاشتتشروا ببيعكم الذى‬

‫[التوبة‪. ] 1 1 1 /‬‬ ‫هوائفؤز المحظيو!)‬ ‫بايغتم به وذلث‬

‫فهذا أول نقده من ثمن هذه التجارة ‪ ،‬فتاجروا أيها المفلسون (‪ !)1‬ويا‬
‫من لا يقدر على هذا الثمن ‪ ،‬هاهنا ثمن اخر‪ ،‬فإن كنت من أهل هذه‬

‫التجارة فأعط هذا الثمن‪:‬‬

‫(أفيبرت الفيدوت ألجمدوت ألشبحوت الز!عوت‬
‫أالئئحدوت الأمروبئ بآتمعروف وأفاهوت عن المن! والجفظون‬

‫[التوبة ‪. ] 1 1 2 /‬‬ ‫!)‬ ‫لحدود ألئهول وبشرا تمومنب‬

‫بالله ورسود‬ ‫! يأصها الذيئ ءامنوا هل أدل! عك تجرة ننجيكو من عذاب ألجم !لؤمون‬

‫وتجهدون فى سبيل اطه بأموصلكؤ وأنفسكنم ذلكؤ ضير ئكؤ إن كننم ئغلون)‬
‫[الصف‪.]11-01/‬‬

‫والمقصود أن الذنوب تنسي العبد حظه من هذه(‪ )2‬التجارة الرابحة‪،‬‬
‫وتشعله بالتجارة الخاسرة ‪ ،‬وكفى بذلك عقوبة ‪ .‬والله المستعان ‪.‬‬

‫فصل‬

‫ومن عقوباتها ‪ :‬أنها تزيل الئعم الحاضرة ‪ ،‬وتقطع (‪ )3‬النعم الواصلة‪،‬‬

‫فنزيل الحاصل ‪ ،‬وتمنع الواصل (‪ . )4‬فإن نعم الله ما حفظ موجودها بمثل‬

‫مفقودها بمثل طاعته ‪ ،‬فمان ما عنده لا ينال إلا‬ ‫طاعته ‪ ،‬ولا استجلب‬

‫(‪" )1‬فتاجروا" لم يرد في س ‪ .‬وفي ز‪" :‬فتاجربها المفلسون " ‪ ،‬تحريف‪.‬‬
‫(‪ )2‬ف ‪" :‬العبد نفسه في هذه"‪.‬‬
‫(‪ )3‬س ‪" :‬وتمنع"‪.‬‬

‫(‪ )4‬ف ‪" :‬وتقطع الواصل "‪ ،‬وفي حاشيتها أشير إلى هذه النسخة‪.‬‬

‫‪248‬‬

‫بطاعته‪.‬‬

‫وقد جعل الله سبحانه لكل شيء سببا وافة ‪ :‬سببا يجلبه ‪ ،‬وافة تبطله‪.‬‬
‫فجعل أسباب نعمه الجالبة لها طاعته ‪ ،‬وافاتها المانعة منها(‪ )1‬معصيته‪.‬‬

‫فإذا أراد حفظ نعمته على عبده ألهمه رعايتها بطاعته فيها‪ ،‬وإذا أراد‬
‫زوالها عنه خذله حتى عصاه بها‪.‬‬

‫ومن [‪/52‬ب] العجب علم العبد بذلك مشاهدة في نفسه وغيره ‪،‬‬
‫وسماعا لما غاب عنه من أخبار من أزيلت نعم الله عنهم بمعاصيه ‪ ،‬وهو‬
‫مقيم على معصية الله ‪ ،‬كأنه مستثنى من هذه الجملة ‪ ،‬أو مخصوص من‬
‫هذا العموم ‪ ،‬وكأن هذا أمر جار على الناس لا عليه (‪ ،)2‬وواصل إلى‬

‫الخلق لا إليه!‬

‫فأي جهل أبلغ من هذا؟ وأي ظلم للنفس فوق هذا؟‬

‫فالحكم لله العلي الكبيرء‬

‫ومن عقوباتها‪ :‬أنها تباعد عن العبد وليه ‪ ،‬وأنفع الخلق له‪،‬‬

‫له ‪ ،‬ومن سعادته في قربه منه ‪ ،‬وهو الملك الموكل به ‪ .‬وتدني‬ ‫وأنصحهم‬

‫ضررا له ‪ ،‬وهو الشيطان ‪ .‬فإن‬ ‫الخلق له وأعطمهم‬ ‫منه عدؤه ‪ ،‬وأغش‬

‫العبد إذا عصى الله تباعد منه الملك بقدر تلك المعصية ‪ ،‬حتى إنه يتباعد‬

‫عنه بالكذبة الواحدة مسافة بعيدة ‪.‬‬

‫(‪" )1‬المانعة منها" ساقط من ف ‪.‬‬
‫(‪ )2‬س ‪،‬ز‪" :‬إلا عليه " وكذلك فيما بعد‪" :‬إلا إليه "‪.‬‬

‫‪924‬‬

‫وفي بعض الآثار ‪" :‬إذا كذب العبد تباعد منه الملك ميلا من نتن‬
‫(‪)1‬‬

‫ريحه " ‪ .‬فإذا كان هذا تباعد الملك منه من كذبة واحدة ‪ ،‬فماذا يكون‬
‫مقدار بعده منه مما هو أكبر من ذلك وأفحش منه؟‬

‫وقال بعض السلف ‪ :‬إذا ركب الذكر الذكر عجت الأرض إلى الله‪،‬‬

‫وهربت الملائكة إلى ربها ‪ ،‬وشكت إليه عظيم ما رأت(‪. )2‬‬

‫السلف ‪ :‬إذا أصبح العبد ابتدره الملك والشيطان ‪،‬‬ ‫وقال بعض‬

‫فإن(‪ )3‬ذكر الفه وكبره وحمده وهلله طرد الملك الشيطان وتولاه ‪ ،‬وإن‬

‫افتتح بغير ذلك ذهب الملك عنه(‪ ،)4‬وتولاه الشيطان ( ) ‪.‬‬

‫ولا يزال الملك يقرب من العبد حتى يصير الحكم والغلبة والطاعة‬

‫(‪ )1‬أخرجه الترمذي (‪ )7291‬والطبراني في الصغير (‪ )853‬وابن أبي الدنيا في‬

‫الصمت (‪ )477‬وابن حبان في المجروحين (‪ )2/137‬وابن عدي في الكامل‬
‫(‪ )5/283‬وغيرهم ‪ ،‬من طريق عبد الرحيم بن هارون عن عبدالعزيز بن أبي‬

‫رواد عن نافع عن ابن عمر فذكره مرفوعا‪ .‬والحديث منكر لا يثبت لتفرد‬

‫قال فيه أبو حاتم‪:‬‬ ‫عبدالرحيم بن هارون به عن عبدالعزيز‪ .‬وعبدالرحيم‬

‫يكذب " ‪ .‬وقال ابن‬ ‫الحديث‬ ‫لا أعرفه " ‪ .‬وقال الدارقطني ‪" :‬متروك‬ ‫"مجهول‬

‫عدي ‪" :‬لم أر للمتقدمين فيه كلاما‪ .‬وإنما ذكرته لأحاديث رواها مناكير عن‬

‫المحبين (‪ )505‬إلى عباس‬ ‫المؤلف أوله في روضة‬ ‫قوم ثقات "‪.‬‬

‫(‪ )2‬ز‪" :‬عطم مارأت"‪ .‬ونسب‬

‫الذوري ‪ .‬ثم نقل نصا أطول مما هنا فيه (‪ )514‬عن "بعض العلماء" (ص)‪.‬‬
‫أخرجه الاجري في ذم اللواط (‪ )2‬عن عباس الدوري قال ‪" :‬بلغني أن الأرض‬

‫تعح من ذكر على ذكر"‪ .‬وذكره الذهبي في الكبائر (‪ )07‬بمعناه (ز)‪.‬‬
‫(‪ )3‬س ‪ " :‬فإذا" ‪.‬‬

‫(‪" )4‬عنه" ساقط من ز ‪.‬‬
‫(‪" )5‬وتولاه وإن ‪ . . .‬الشيطان " ساقط من س (ص) لم أقف على الأثر (ز)‪.‬‬

‫‪025‬‬


Click to View FlipBook Version