ُس( بالصبي كما لو أنه لؤلؤة يف محارة، ً يكتب جيدا! حملقت )بو م ّ بعد حلظة قالت برق ُ ة، »سبحان اهلل، اشك ُ ر اهلل يا )لينتاجن(، اشكر اهلل يا )لينتاجن(����« مأل )لينتاجن( جميع بنود االستمارة، ثم وبابتسامة ارتياح أعادها إلى ُ ّ س(، لم ميض علينا يف املدرسة إال شهر، ومتكن )لينتاجن( أن يفي )بو م ً ا عن كرامته� بوعده الذي قطعه على أبيه، مدافع أسئلة الفصل ه َ 1ِ �قصُدُه ِ بهذِ َ ْح ماي ِ َ لك ُّ الط ِ يور"� اشر ْ ُل ت َ قال ُ )إكال( "نحن ً أيض ِ ا مث ُ اجل ْمَل ِة� َ ِم� 2 ُ �يختلف ُ تالميذ ِ مدرسة ا ُحمل َّم َّدي ِة ْ عن ِ معظم َّ الت ِ الميذ َ حول العال ْ� َ َك ِ بهم وض ْح َ هذا االختالف� ُ ث َّم ِ قار ْن نفس ِّ َ 3 ٌ �عيد َ ع ِن َّ الت ِ صديق، َ، وب ُّر ٌ ُ يفوق َّ الت َصو ْر َم َح َد َث ِ يف هذا الفصل أ ِ َك� َ ْح ذل ّدا� اشر ٌ ِ جً ر ِّ ِ لكَّنُه ِ ، يف الوقت ِ نفسِه، مؤث 50
8 َح ساكر قوس قز َ ُ ع ّ أصبحت الشهور سنوات، وبدأنا نقترب من سن املراهقة قبل أن ندرك ً ذلك، ومع أن مدرستنا الفقيرة بقيت فقيرة، ما فتئت روعتها تزداد يف أعيننا� َّ بنا من َ من خالل جتاربنا املشتركة وما ألم ّج غدونا أشقاء وبالتدر محن، وأصبحنا نعرف مراوغات بعضنا من الداخل واخلارج� ّا، ًا أكثر من أي من ُنية )شهدان( هي األصغر، لكنه أكل دوم كانت ب ًا قط، بدا احلال كما لو أن فمه غير قادر على التمييز بني لم يرفض طعام ّ ّ ز؛ فهو يبتلعه كله بال استثناء، وذاك شيء الطعام اللذيذ والطعام املقز ًا إلى ضآلة حجمه؛ إلى أين يذهب كل ما كان يستدعي احليرة نظر يلتهمه؟ ّ أما )آكيوجن(، رفيق مقعد )شهدان(، فكان وجوده بيننا شاذ ّ ا إلى حد ً ما، اهلل وحده يعلم ما اللوثة التي أصابت والده وهو )الكونفوشيوسي ِ الورع(، ليلحق ابنه الوحيد بهذه املدرسة اإلسالمية، ال ريب يف أن السبب يعود إلى حالة الفقر التي تعيشها أسرته )الهوكيانية(� ّد رؤية )آكيوجن( كفيلة بجعل أي شخص يدرك ملاذا بيد أن مجر ِّ ّ ر له االنتهاء يف هذه املدرسة الفقيرة، فمظهره يدل على أنه منبوذ ُقد حقيقي، بدا أشبه ب)فرانكشتاين(، رأسه على شكل صفيحة وشعره ّ كإبر القنفذ، عيناه مسددتان إلى األعلى مثل نصل السيف، وال أثر ًا، أسنانه كبيرة وناتئة، ونظرة واحدة إلى وجهه ستصيب حلاجبيه تقريب 51
ّل صعوبة حشر املعرفة يف رأسه� ّ أي معلم بالكآبة وهو يتخي ّ املثير للدهشة يف هذا كله أن رأس )آكيوجن( الشبيهة بالصفيحة استوعبت املعرفة بسرعة، وعلى العكس من ذلك، تبّني أن الصبي الوديع، صاحب الوجه اللطيف واملظهر الذكي اجلالس أمامه والذي ً ً ا جـدا، وذاك اسمه ّ رأسه بدراية خالل الــدروس لم يكن ذكي يهز )كوتشاي(� ّ كان )كوتشاي( سيئ احلظ ً نوعا ما: عانى يف طفولته األولى من سوء ًا على بصره، فعيناه فقدتا قدرتهما ًا كبير تغذية خطير؛ حالة أثرت تأثير ّ على التركيز السوي، وعندما يتكلم، يعتقد أنه ينظر إلى الشخص الذي يخاطبه، بيد أن عينيه يف الواقع تنحرفان حوالي عشرين درجة إلى اليسار� ّن منه خصائص )كوتشاي(: االنتهازية واألنانية املزيج الذي تتكو ّ ّ ف العارف بكل شيء ً واللجوء إلى شيء من اخلداع، فضال عن تصر َّ ّ ناه باإلجماع عريف الصف� والصفاقة؛ولهذا السبب عي ّ أن يتول ّ ى املرء منصب عريف الصف ليس باملهمة املستساغة، فقد ًا على )كوتشاي( أن يبقينا هادئني، لوال أنه هو نفسه لم يستطع كان لزام أن يصمت� ُس( يف أحد األيام، يف أثناء درس األخالق احملمدية، اقتبست )بو م كالم اخلليفة عمر بن اخلطاب، أحد صحابة النبي محمد )صلى اهلل ُعّني ً قائد ً ا ويقبل عطية تتجاوز أجره يرتكب عليه وسلم(: أي شخص ي معصية� ُس( غاضبة بالتأكيد من الفساد املنتشر� كانت )بو م ُعاقب بالعدل يف احلياة ُكافأ أو ي ّ »وتذك ّ روا أن من يتولى زمام القيادة ي اآلخرة«� 52
ُذ ّ هل الصف بأكمله، إال أن صدمة )كوتشاي( بدت عظيمة، ّفاته ُساءلة عن تصر ّعه القلق من خضوعه للم ّ باعتباره عريف الصف، رو ًا بعد املوت، ناهيك عن نفوره من مراقبتنا وضبطنا، شعر أنه ما عاد قادر ّ ّ ل املزيد، فوقف وقال بحدة بالغة: »إيبوندا غورو، يجب أن على حتم ّف مثل ّ الني هؤالء ال ميكن ضبطهم! )بوريك( يتصر تعريف أن أطفال احلم ً ّ ا، سهارى و)آكيوجن( يتشاجران بال توقف، هذا يصيبني املريض عقلي ً بالصداع، وهارون ال يفعل شيئا سوى النوم، و)إكال(، ما شاء اهلل يا ُرسل من الشيطان«! إيبوندا، ذاك الصبي م »ما عدت أستطيع االستمرار، أطالب بإجراء تصويت النتخاب ًا سنوات من ّ جديد«، قال محتدا وقد انفجرت أخير ّ عريف صف ً ُس(، لكن عينيه استقرتا على ّ اإلحباط املتراكم فيه، حدق يف )بو م ُلصق »روما إراما: مطر النقود«� م ّ على ُ ً س(، ال أحد أبدا من تالميذها سبق له أن احتج ُصدمت )بو م ّ شيء بهذه الطريقة املباشرة، فكرت للحظة، وجاهدت لتعكس تعبير احليادية على وجهها، طلبت إلينا أن نكتب اسم عريف جديد على ً قصاصة ورق ونطويها، »وفق ّ ا ملبادئ الدميقراطية، من حقكم التصويت، ًا« � ي ّ وتصويتكم ينبغي أن يبقى سر ُ ُ س(، شحنت حجرة الدراسة طوينا قصاصات الورق وأعطيناها ل)بو م بالتوتر� َّن فيها، »بوريك«! ُدو ُس( أول ورقة وقرأت االسم امل فتحت )بوم ّة ً صاحت، شحب وجه بوريك وأخذ )كوتشاي( يقفز ابتهاجا، ليس ثم ّت لبوريك� ما هو أوضح من هذا على أنه هو نفسه قد صو 53
ُس(، »)كوتشاي(«! »الورقة الثانية« قالت )بو م ّ ً ة كان بوريك هو من راح يقفز فرحا� هذه املر »الورقة الثالثة��� )كوتشاي(«! ابتسم )كوتشاي( مبرارة� »الورقة الرابعة��� )كوتشاي(«! »الورقة اخلامسة��� )كوتشاي(«! ّ األمر إلى الورقة التاسعة� وهكذا استمر ُحسن الكتابة، ومع ُ كان هناك تسع قصاصات فقط ألن هارون ال ي ُس( على احترام حقوقه، رفعت نظرها نحو هارون ، ّت )بو م ذلك أصر ُ ً ميزة كاشفا عن أسنانه الطويلة الصفراء، وصاح بادرها هارون بابتسامته امل ّ بحدة، »)كوتشاي(«! ّ بهزميته� ُقر خارت قوى )كوتشاي( وهو ي ّ اعتاد أميرنا )تراپاني( أن يجلس عند الزاوية، كان تعويذة سعد صفنا ّز بوسامة ّ ّ اط الرمادي، رام الكمال يف كل شيء ومتي ً َ ا روعة الطائر اخلي ورائع الوجه� ّ شعره وبنطلونه وحزامه وجواربه وحذاؤه الالمع لطاملا بدا كل ذلك ً ا رائحة طيبة، وحتى ًا وال تشوبه شائبة، فاحت منه دائم ً نظيفا ومهندم ّ واحد� قميصه لم يحدث أن نقص منه زر ّ لم يتكلم )تراپاني( إال عند الضرورة، وإذا فعل انتقى كلماته بعناية، ِ ًد ً ا، ومنوذجا لوعد الكشافة »داسا دارما ًا واع ًا شاب ًا، ومواطن ّ عهدناه مهذب ً ا ويقصد املناطق النائية املعزولة عندما ّ براموكا«، أراد أن يصبح معلم يكبر، ليساعد على حتسني التعليم وظروف احلياة يف مناطق )املاليويني ( 54
ّ املتخلفة، كل شيء يف حياة )تراپاني( بدا مستوحى من نشيد »واجب باألجر« الذي يدور حول محاربة األمية� ّه، لم يثر اهتمامه أي نقاش إال ذاك ً ً ا جدا من أم ب ّ كان )تراپاني( مقر ّ ا ألنه الصبي الوحيد بني ست بنات� ّ الذي يتعلق بأمه، رمب ّ سهارى، البنت الوحيدة يف صفنا كانت تشبه الببغاوات الصغيرة؛ حازمة ومباشرة، من الصعب إقناعها وليس من السهل التأثير فيها، ّ من خصائصها األخرى البارزة األمانة، لم تكن تكذب قط، حتى لو ّت إلى املشي على خشبة فوق بحر من النار املشتعلة، وميكن أن اضطر ّب من فمها وال كلمة واحدة غير صادقة� َها، لن تتسر ٌُ تنقذ كذبة حيات ًا ما جرى بينهما خصام هائل، تبادل )آكيوجن( وسهارى العداء، وكثير ً ّ ا، كما لو أنه مقدر ثم يتصاحلان، وبعد ذلك يعودان إلى اخلصام مجدد ً ً ا على طريف نقيض، مرة، أتى )تراپاني( على ذكر عليهما البقاء دائم كتاب رائع: »غرق سفينة فان دير ويجك«، رواية »بويا هامكا« األدبية األسطورية� ً »أنا أيض ّ ا قرأت هذا الكتاب« علق )آكيوجن( بغطرسة، »آسف، لكنه ً لم يعجبني، فيه أسماء وأماكن كثيرة جد ّ ا، وصعب علي أن أتذكرها ّكلها«� ً ا األدب اجليد شعرت باإلهانة فعوت يف ّ سهارى التي قدرت دائم وجهه، »ما شاء اهلل! بأي حق تنتقد األدب املمتاز يا )آكيوجن(؟ لو كتب ّ ا وجدته يالئم ّ اه الصبي السيئ الذي يسرق اخليار، رمب ًا سم )بويا( كتاب ذوقك األدبي«! من ناحية أخرى تعاملت سهارى مع هارون برقة� ًا ً هارون الذي كان حسن السلوك، هادئا، وسريع االبتسام، عجز عجز ّى ما يعاني منه هارون ً كامال عن استيعاب الدروس، يف أيامنا هذه يسم 55
ُس( الدرس، يجلس هارون بهدوء »متالزمة داون«، حينما تشرح )بو م واالبتسامة ال تفارق شفتيه� ً ا حتت عندما حتني استراحة بعد الظهر، جتلس سهارى مع هارون دائم شجرة )الفيلسيوم(، ارتبط االثنان بحبل عاطفي فريد من نوعه كتلك الصداقة الغريبة غير املألوفة التي تنشأ بني الفأرة والفيل، كان هارون ً ّ ا لقص ّ حكاية قطته املخططة بثالثة ألوان والتي ولدت ّس دائم يتحم ّ ثالث قطط مخط ً طة أيضا بثالثة ألوان، وذلك يف اليوم الثالث من الشهر، ّ ولم تتوق ّ ف سهارى قط عن االستماع له بصبر، مع أن هارون روى هذه ًا، آالف املرات، على مدار السنة، وسنة بعد ًا وتكرار ًا، مرار ّ القصة يومي سنة� ّ ا حق ّ ا بالنسبة إلى هارون، وقد ربط كل شيء ّ كان العدد ثالثة مقد ًس ً ُ ّ س( لتعلمه كيف يكتبه، وبعد سنوات من ّ بهذا العدد، وترجى )بو م ًا يف كتابته، وهكذا أصبحت جميع أغلفة كتبه اجلهد الدؤوب، جنح أخير ً املدرسية مزينة برقم ثالثة جميل وملون، كان مهووسا بالعدد ثالثة، ًا على ثالثة منها فقط، ويف كثير من األحيان انتزع أزرار قميصه مبقي ً ا ثالثة جوارب بعضها فوق بعض، وامتلك ثالث حقائب، ارتدى دائم ً ووضع يف كل حقيبة ثالث قناني من صلصة الصويا، ولديه أيضا ثالثة ّ ّ ا سألناه عن سبب شغفه بالرقم ثالثة، تفكر لبرهة ثم أجاب أمشاط، ومل مبنتهى احلكمة، كأنه زعيم قرية يعطي نصيحة دينية، »يا رفاقي«، هتف َ ّ ن عنده علم سابق: »اهلل يحب األعداد الفردية«� بنبرة م ّ ً لت وجه هارون محاوال استشفاف ما يجري يف رأسه، ًا ما تأم كثير ًا، وقد عاملنا وكلما رآني أفعل هذا ابتسم، لم يغب عنه أنه أكبرنا سن ًا ّفه فيها مؤثر ّ باهتمام كما لو أننا كل ٌ نا أخوته، جاءت أحيان كان تصر 56
ً للغاية، مرة ّ ، على نحو غير متوقع، أحضر إلى املدرسة رزمة كبيرة ّا ّ وأعطى كل ّ واحد منا درنة »كالديوم« مسلوقة، حصل كل واحد من ًا تصرفات ّفاته تشبه كثير ً على واحدة، أما هو فأخذ ثالثا، ومع أن تصر محبوسا يف جسد شخص بالغ� ً الناضجني، إال أنه كان يف احلقيقة طفال ً ّ ، صاحب الدرع الالمع )بوريك(يف كان التلميذ السابع فارسنا األشم ّد تلميذ عادي، وال غرابة يف تصرفاته، لكن البداية، بدا )بوريك( مجر ّر إلى األبد بعد أن حظي مبحض الصدفة بزجاجة قدمية مجرى حياته تغي ّي الشعر من مكان ما يف شبه اجلزيرة العربية� ملنتج ينم ً على تلك الزجاجة صورة رجل يلبس سرواال أحمر اللون؛ رجل ّ بالشعر مثل الغوريال� طويل القامة وقوي وجسمه ضخم ومكسو ّ ا بأي شيء إال بزيادة حجم ً منذ ذلك احلني، ما عاد )بوريك( مهتم ّ عضالته، وجنح يف مسعاه بسبب العمل الشاق ّ والتمرين، واستحق عن جدارة لقب )شمشون(؛ لقب نبيل حمله باعتزاز� ّ ذاك بال ريب غريب، لكن )شمشون( على األقل اكتشف نفسه يف ً ً ا ماذا يريد أن يصبح الحقا؛ سعى بال تقاعس ّسن مبكرة وعرف متام ّية التي ّ للوصول إلى هدفه، بطريقة ما تخطى مرحلة البحث عن الهو ًا، كان )شمشون( ّ جتعل املرء عادة يشك بنفسه إلى أن يصبح أكبر سن ً أفضل حاال من كثير من الناس الذين ال يكتشفون ذواتهم فيسلكون درب احلياة بشخصيات ال متت لهم بصلة� ّ ا افتتان بصورة الرجل صاحب ّ ترك ُ ز هوسه على كمال األجسام وفنت أمي العضالت املفتولة، يف أحد األيام أغراني ألحلق به، وكان الفضول قد ّ الكامن وراء نفخ عضالت الصدر� نال مني مناله لعجزي عن فهم السر 57
ّث ببعضنا ّا عشرة، بدونا أشبه برخويات صغيرة نتشب نحن كن ً ا لنحمي أنفسنا من أمواج بحر املعرفة العاتية، كانت )بو ونتالصق مع ُ ً س( الدجاجة احلاضنة بالنسبة إلينا، وإذ أنظر يف وجوه رفاقي واحدا م ً واحدا أرى: هارون بابتسامته الهنية، )تراپاني( الوسيم، ))شهدان( ( ّان، سهارى اجلسورة، )آكيوجن( الساذج، والسابع الصغير، )كوتشاي( الطن )شمشون( الذي يجلس مثل متثال »غانيشا«، وهل التاسع والعاشر غير ّ )لينتاجن( و)مهار(؟ فما حكاية كل منهما يا ترى؟ كانا صبيني يافعني ّ مميزين بحق، واحلديث عنهما يحتاج إلى فصل خاص� 58
أسئلة الفصل َ 1ٍ �ة ِ م ْن ِ زمالئ ِه يف ِسبع َ ْصًفا ل ّ ِ اوي )إكال( يف هذا الفصل و َ َد الر ْر َو أ ل ِ واحٍد ِّ ِ ُك َ ْصٍف ل ِة و َ ِ َك ِ يف كتاب َ َ زميل َع َ ْن م َّ ِة َ، تعاو َ َّم ِدي َ َ درسِة ا ُحمل م ُ: ُزه ِّ ِّ ما ميي َهم َ ْ ِن َ على أ كَزي َِّ س ْط ِ رين ُ، مر َ ُز َ ََتجاو ْ ال ي ُْهم ِمن ْ دان: َشه آكيونج: كوتشاي: تراباني: سهارى: هارون: بوريك: ي َك� َ ْ َ 2 �أ ِّ ْل ر َ َ؟ عل َكثر َ َك أ ِمام َ ْ اهت ّ ِ ات أثار َ ُّي َّ هذه الشخصي أ ْ َب 3 َ �احل ِ ياة ُ َكون َ در َ ْسل ْ ي ِ ِهم َ َكت ِش َ فون َ ذوات َّذين ال ي ٌ ِ م َن ّ الن ِ اس ال َ "كثير ِ َك هذه َزمالئ ِّ ِم َك و َ معل َع ِ ْش م ٍة " ناق ْ ِ ب ِصَل َُهم ّ ٍات ال َمتُ ُّت ل ِب َش ْخ ِصي ُ َ ذاتُه ؟ ْء َر َ ْكَت ِش ُف امل ِها ي َّ ِ تي م ْن ِ خالل َ َّ ما الط ُ رائق ال ََة ، و ِ العبار ِ َك� َّن َك ْ اكَت ْشف َت َ ذات َك َّ ؟ حتد ْث َ ع ْن ذل َ 4َ �ه ْل َ ترى أ 59
9 شامان التماسيح ً ً ا خالفا للعادة، ّ يف صباح أحد األيام، وصل )لينتاجن( إلى املدرسة متأخر ُ وقد ذ ّ هلنا ملا سمعنا سبب تأخره� ُ - ما استطعت ّ أن أعبر الطريق، ففي وسطه سد طريقي متساح جاثم هناك بضخامة شجرة جوز الهند� ّد )كوتشاي(� - متساح ؟ رد ّ - رننت جرس دراجتي، صف ُقت ُ ، كححت ٍ بصوت عال وتنحنحت ّ لعله يرحل، ولم يتزحزح، لم أملك حيلة سوى الوقوف كتمثال والتحدث ّ مع نفسي، ضخامته والقشور النامية على ظهره دلت بوضوح على أنه حاكم ذلك املستنقع� - ما منعك من أن تعود أدراجك إلى البيت؟ ّذ االلتفاف والعودة - بعد أن قطعت منتصف املسافة إلى هنا لم أحب بسبب ذلك التمساح الغبي� ّ ّ ل ما يفكر فيه )لينتاجن( يف تلك حينها لم أستطع منع نفسي من تخي ّة اللحظة، كلمة غائب ليست من ضمن مفرداتي، واليوم ندرس ماد ّ إثارة لالهتمام، وأريد أن أناقش تاريخ اإلسالم، وهي من أكثر املواد اآليات الكرمية التي تنبأت بانتصار )بيزنطة( قبل سبع سنوات من حدوث ذلك� - ألم حتاول االستنجاد بأحد؟، سألته سهارى بقلق� ّ - لم يكن هناك أحد، أنا فقط والتمساح العمالق واملوت احملقق� 60
أجاب )لينتاجن( بطريقة استعراضية، »وبدأت أفقد األمل، ثم فجأة، ً سمعت شيئ ُ ا يخوض يف املاء عند مجرى النهر قربي، دهشت، بل فزعت«! ّسعتني� - ما كان ذاك يا )لينتاجن(؟ سأله )تراپاني( بعينني مت ّ - انبثق من املستنقع ما بدا أنه هيئة رجل، وأخذ يتقدم نحوي ّجة� بخطوات متعر - من كان؟، استفسر )مهار( بصوت مخنوق� - »)بودينغا(«� ّ شهقنا كلنا وكممنا أفواهنا بأيدينا، - خفت منه أكثر من خويف من أي متساح! فهمنا ما أملح إليه، فالرجل الذي انبثق من بني الطحالب هو الرجل ً الذي ال يريد أن يعرف أحدا، لكن، من يف )بيليتوجن( الساحلية ال يعرفه؟ - وماذا حدث؟، سأله بوريك بعصبية� ّ بي كما لو أنني لست هناك، ثم اقترب من احليوان الرهيب الذي - مر ً ً ا جدا! ٍ ، كان ذاك غريب ّ يسد الطريق، ملسه! داعبه برفق وهمس له بشيء ٍ استسلم التمساح له، بعد ثوان�� تابع )لينتاجن( بصوت منخفض، ا ضجيج ً ا هائال كالذي قد ينجم عن سقوط ً غطس يف املستنقع محدث ً سبع أشجار جوز هند� ّ اعترانا الذهول ونحن نفكر يف كفاح )لينتاجن( ليأتي إلى املدرسة، وماذا عن )بودينغا(؟ سألناه بصوت جماعي� ً ّ ا أنه لم يتوقع أي كلمة شكر، ّم صوبي، بدا جلي استدار )بودينغا( ومي ّ بي وأكمل طريقه� لم أمتلك اجلرأة على النظر إليه، إال أنه مر - أكمل طريقه؟ فقط هكذا؟ سألته� ً - نعم، فقط هكذا، لكنني أعتبر نفسي محظوظا، فقالئل هم الناس 61
الذين شهدوا قوى )بودينغا( اخلارقة� ّ مع أنني يف احلقيقة لم أشهد قط ً شيئا من قوى )بودينغا( اخلارقة، ُسبقة، ّل يف احلياة عن هواجس الشؤم الداخلية امل ّدت منه بدرسي األو تزو ّ بالنسبة لي، يرمز )بودينغا( إلى كل األمور املتعلقة بالشعور باحلزن� ً ا ًا ومفعم ً ال أحد رغب يف اتخاذ )بودينغا( صديقا، كان وجهه مجدور بالندوب، رجل يف األربعني من العمر، اعتاد أن يغطي جسمه بأوراق ً ا ً شجر جوز الهند، وينام حتت شجرة نخيل ليومني وليلتني أحيانا متقوقع على نفسه مثل سنجاب، وعندما يجوع يغوص إلى قاع البئر املهجورة عند مركز الشرطة القدمي، يلتقط بعض سمك )احلنكليس( ويأكله وهو بعد يف املاء� ّا، ليس من )ماليو( وال من الصني وال ً ً كان )بودينغا( مخلوقا حر ّ ّ ى من )ساواجن(، لم يكن أي شخص، ولم يعرف أحد من أين أتى، حت ًا، واسمه غير ًا وال يستطيع الكالم، ليس متسوًّال وال مجرم ّن ليس متدي ّ ألنه يف أحد األيام غاص ً ّن يف أي من سجالت القرية، كان أصم مدو ً عميق ً ا جد ً ا يف نهر )لينغاجن( بحثا عن القصدير فنزفت أذناه� يف الوقت احلاضر يبدو )بودينغا( مثل قطعة خشب وحيدة طافية، ُ، يقول الناس إنه قريبه الوحيد الذي يعرفه أهل القرية هو والده األبتر ّضحى بساقه يف سبيل احلصول على سحر التماسيح، كان األب ًا، وعندما دخل اإلسالم القرى بدأ الناس يقاطعون شامان متاسيح مشهور ّ )بودينغا( ووالده ألنهما رفضا التوقف عن تقديس التماسيح وعبادتها� مات أبوه بعد أن ألقى بنفسه يف نهر )ماراجن( وجسمه ملفوف من الرأس إلى أخمص القدمني بجذور »اجلاوي«، أطعم جسده عن عمدٍ ّ لتماسيح النهر الشرسة، ولم يتبق منه إال األرومة التي استعاض بها عن ساقه املقطوعة، ومنذ ذلك احلني دأب )بودينغا( على قضاء معظم 62
وقته وحده وإلى فترات طويلة من الليل وهو ميعن النظر يف مجرى نهر )ماراجن(� ٍ ٍ يوم ّ ما تدف ّ ق أهل القرية نحو ملعب كرة سلة املدرسة الوطنية، يف مساء ً كانوا قد اصطادوا متساحا هاجم امرأة تغسل الثياب يف نهر )ماراجن(� ّ ُ ي آنـذاك، عجزت ّ عن شق طريقي وسط الناس بسبب صغر سن املتجمهرين حول التمساح، ولم أستطع رؤيته إال من بني سيقانهم، كان ً فمه الكبير مفتوحا على مداه، تدعمه قطعة حطب، وكان بساق واحدة� ّ عندما شقوا بطنه إلى نصفني عثروا على شعر وقالدة، وحينها رأيت ّجني، جلس القرفصاء إلى جانب ًا من بني املتفر )بودينغا( يندفع قدم ّ ً ل إلى الناس مناشدا إياهم أن التمساح ووجهه شاحب كاألموات، توس ّ يتوقفوا عن تعذيب احليوان، فانتزعوا قطعة احلطب من فمه وتراجعوا إلى ّلون إلى ّ الوراء، يعتقد الذين يقدسون التماسيح أنهم عندما ميوتون يتحو متاسيح، ال ريب يف أن )بودينغا( اعتقد أن ذلك التمساح هو ما أصبح عليه والده� ّ بكى )بودينغا(، ند عنه نحيب موجع، رأيت دموعه تنهمر على ً وجنتيه املجدورتني، وأنا أيضا شعرت بدموعي تنهمر على وجهي ولم أستطع حبسها� ّ ّ د )بودينغا( التمساح وحمل جثة أبيه إلى نهر )لينغاجن(، سحبها قي ّ على طول ضفة النهر نحو الدلتا، ولم يعد من يومها� ًا للشفقة واحلزن، ويف ً خلقت تلك احلادثة يف الوعيي منوذجا تصويري ّ السنني التي تلت، كل ُ ما واجهت ّ مواقف تدمي القلب متلكت صورة )بودينغا( حواسي� ّ يف ذلك املساء تلق ً نت من )بودينغا( درسا عن الهواجس الداخلية 63
ّ ُ ة أدركت أن القدر قد يعامل اجلنس البشري بطريقة ّل مر املسبقة، وألو ّ ّ عة، وأن احلب ميكن أن يكون أعمى إلى أبعد احلدود� مرو يف حني لم يختبر )لينتاجن( جتربة عاطفية مع )بودينغا( كما حدث ّ ً ل مرة يواجه فيها متساحا وهو يف طريقه إلى معي، لم تكن تلك أو ًا ما جازف املدرسة، وليس من قبيل املبالغة القول إن )لينتاجن( كثير ّ ً ا واحدا، ً ًا مدرسي ّت يوم بحياته من أجل حتصيل العلم، مع ذلك، لم يفو ًا يف رحلة الذهاب واإلياب، وإذا ّ كان يقود دراجته كل يوم ثمانني كيلومتر استمرت نشاطات املدرسة لفترة طويلة بعد الظهر، لم يصل إلى بيته إال ّ ً د التفكير يف رحلته اليومية هذه لطاملا جعلني أنكمش خوفا، ً ليال، مجر يف موسم األمطار، ترتفع املياه التي تغمر الدروب إلى مستوى الصدر، ّل إلى نهر، يترك دراجته عند شجرة ًا حتو وعندما يواجه )لينتاجن( درب ً ّ ا، يلف قميصه وبنطلونه وكتبه ويضعها يف كيس ٍ يف موضع ٍ عال نسبي ّ بالستيكي، ثم يعض ً على الكيس بأسنانه ويخوض يف املاء سابحا نحو ّض إلى هجوم التماسيح� املدرسة بأسرع ما ميكنه ليتفادى التعر اعتمد )لينتاجن( على ساعة الطبيعة لالستيقاظ يف الصباح، لعدم ًة هرع يؤدي صالة الفجر ألنه سمع الديك ّ وجود ساعة يف بيته، مر ً يصيح، أنهى صالته وركب دراجته منطلقا إلى املدرسة، يف منتصف ّ كان شديد البرودة ّ طريق رحلته ويف وسط الغابة انتابه الشك ألن اجلو والدنيا حالكة الظلمة والغابة يف سكون مطبق، لم يسمع أصوات الطيور ّد للفجر، أدرك )لينتاجن( أن الديك قد صاح قبل أوانه، وأن الوقت لم تغر يتجاوز منتصف الليل بعد، جلس حتت شجرة يف قلب الغابة الدامسة، ًا طلوع الصباح� ً ا منتظر احتضن ساقيه، وقبع يرتعد برد ٍ أخرى انقطعت سلسلة دراجته، فدفع الدراجة عشرات ة ّ يف مر 64
ّا نقترب من العودة إلى بيوتنا، الكيلومترات، وملا وصل إلى املدرسة كن َّ )لينتاجن( ألنه كان عليه أن ينشد آخر درس يومها كان درس املوسيقا، سر ّ أغنية »بادامو نيجيري« أو »من أجلك يا وطننا«، أمام الصف، كانت تلك األغنية بطيئة وحزينة: من أجلك يا وطننا نعطي العهد من أجلك يا وطننا نخدم ّس حياتنا من أجلك يا وطننا نكر أنت يا وطننا جسدنا وروحنا ذهلنا ونحن نسمعه يغني بعاطفة جياشة، اإلرهاق الذي عاناه لم يظهر يف عينيه الظريفتني، بعد أن أنهى األغنية مضى يدفع دراجته ا� ً ً عائدا إلى البيت على طول أربعني كيلومتر ّ تهيأ لوالد )لينتاجن( أن ابنه سيتخلى عن املدرسة خالل األسابيع القليلة األولى، ثم ثبت له أنه على خطأ، فحماسة )لينتاجن( لم تخمد ً ّ ا على فك رموز املعرفة، لم يكن ينعم بالراحة عندما يعود ّقط، غدا مدمن ًا ليعمل ّ إلى بقية أطفال القرية الذين مياثلونه سن إلى البيت، بل ينضم ّ ال جوز هند، ذاك هو الثمن الذي دفعه مقابل امتياز ارتياده املدرسة� حم ّ ً ل طلب مرة من أبيه أن يساعده يف ّ عندما كان )لينتاجن( يف الصف األو ّحل مسألة حسابية بسيطة، »تعال بابا، ما حاصل أربعة ضرب أربعة؟« ً ّ ا، حدق بأسى من النافذة يف بحر ًا وإياب ذرع األب األرض ذهاب ُ ً عمال جهده يف التفكير، وملا ما عاد )لينتاجن( جنوب الصني العظيم، م 65
ّ ينظر، تسلل بهدوء من الباب اخللفي وركض مثل الريح عبر سيقان ّ احلشيش الطويلة، جرى الرجل الص ّ نوبرة بسرعة قياسية وبخفة غزال ليطلب املساعدة من الناس يف مكتب القرية، وبعد وقت قصير، مثل ّ وميض البرق، تسل ً ل عائدا إلى البيت ووقف فجأة على أهبة االستعداد أمام ابنه� »أررر��� أررر��� ّ أربعة عشر يا ولدي، هذا مؤك ّ د، ال أكثر وال أقل« ً أجاب وهو يلهث محاوال التقاط أنفاسه، ويف الوقت نفسه ترتسم على ا� ً ّ فخر وجهه ابتسامة تشع نظر )لينتاجن( بعمق يف عيني أبيه وشعر بوخز يف قلبه، منذ ذلك ً ً ا جدا ً اليوم ازداد لهيب إقباله على املدرسة اشتعاال، كان جسمه صغير ً على دراجته، ولذا لم يستطع اجللوس على سرجها، بدال من ذلك اعتاد اجللوس على القضيب الذي يصل السرج بذراعي الدراجة، رؤوس أصابع قدميه ال تكاد تبلغ الدواستني، على هذا املنوال سلك طريقه ً ً ا ونزوال على القضيب الفوالذي وهو ًا، جسمه يقفز صعود ببطء يومي ً ا قوته ليصارع الرياح� ّ يعض شفتيه مستجمع ً يقع بيت )لينتاجن( عند طرف البحر، كانت الدار كوخا يقوم على ً ً ا جدا، السقف ًا الرتفاع مستوى البحر كثير ّ ب ركائز متينة عالية حتس مصنوع من سعف نخيل »الساغو« واجلدران من حلاء شجر »امليرانتي«، وكل ما يجري يف الكوخ ميكن رؤيته من اخلارج ألن جدران اللحاء القدمية ّ رة ومهترئة مثل الطني يف موسم ّت عليها عشرات السنني، متكس التي مر ّ بابني، واحد يف اجلفاف، املساحة يف الداخل طويلة وضيقة وتضم ّ املقد ّ مة والثاني يف املؤخرة، لم تقفل أي من النوافذ أو األبواب، كان أهل 66
ّب املجدول رخيصة الثمن� البيت يربطون األطر ليًال بخيوط القن عاش أجداد )لينتاجن( من أبيه وأمه معهم يف تلك الدار، كانت بشرة ّ ّ دة إلى درجة أن املرء إذا شدها يستطيع احتواءها بكفه، األجداد مجع ًا ينحني األجداد األربعة على وعاء غربلة ليلتقطوا السوس من أرز ويومي ّ ل ثمنه، ولطاملا قضوا الدرجة الثالثة، الصنف الوحيد الذي ميكنهم حتم ّ ّ ة الشاق ً ة، فاألرز كان فاسد ّ ا إلى هذا احلد� ساعات يف تلك املهم ّ ً البيت أيضا شقيقي والد )لينتاجن( األصغر: أحدهما شاب يتيه ضم ًا، واآلخر عاجز عن العمل، يف الطرقات طوال اليوم ألنه مريض عقلي ّه كان البيت مع هؤالء األشخاص، ومع )لينتاجن( وشقيقاته اخلمس وأم ً ا للغاية، مجموع األشخاص هناك أربعة عشر الطويل الضيق مزدحم وكلهم اعتمدوا على األب يف تأمني املعيشة� ًا أصحاب القوارب من الغرباء أو اجليران انتظر والد )لينتاجن( يومي ً ليعطوه عمال، لم يحصل على نسبة مئوية مما يصطاده، ولكن حتصيل ً ً ا على قدراته البدنية، كان رجال ُ يكسب قوته من أجره اعتمد دائم خالل بيع طاقته اجلسدية� ّ ّ غ للدراسة إال يف وقت متأخر ال تسنح الفرصة ل)لينتاجن( كي يتفر من الليل، كان من الصعب عليه مبكان العثور على بقعة فارغة يف البيت ً ا تشارك املصباح الزيتي، ً بسبب ازدحامه، هذا فضال عن أنه عليهم جميع ً ً ا ينطلق ذهنه بعيد ّ ا متسل ًال من بني شقوق مع ذلك، وحاملا ميسك كتاب جدران اللحاء املتآكلة، بالنسبة إليه، كانت الدراسة وسيلة ترفيه تنسيه صعوبات احلياة، وكانت الكتب كاملاء من بئر زمزم يف احلرم املكي، ًا بعد يوم� تساعده على جتديد طاقته ليقود دراجته عكس اجتاه الرياح يوم ّ ثم، يف ليلة سحرية وحتت بصيص املصباح الزيتي يرافقه إيقاع املد 67
ّ ًرة من كتاب قدمي ّ واجلزر، تصفحت أصابع )لينتاجن( النحيلة نسخة مصو بعنوان »علم الفلك والهندسة«، وسرعان ما انغمس الفتى دفعة واحدة يف ّ بحر كلمات »جاليليو« ضد علم الكونيات كما ناقشه »أرسطو«، انتشى بأفكار الفلكيني القدماء املجنونة الذين أرادوا قياس املسافة من األرض ّا اكتشف أن اجلاذبية إلى مجرة )أندروميدا( والسدمي الثالثي، شهق مل ّ ميكن أن حتني الضوء، وأدهشته الكائنات املتنقلة يف زوايا سماوات الكون املظلمة والتي رمبا لم تزرها إال أفكار »نيكوالس كوبرنيكوس«� ّ عندما وصل إلى الفصول التي تتحدث عن علم الهندسة، استوعب ّ )لينتاجن( بسرعة فائقة التحل ً ل املعقد جدا لألسطح رباعية األبعاد ّ كانت أكبر بكثير ّجهات ونظرية »فيثاغورس«، هذه املواد ّ ومسلمات املت من عمره وحتصيله العلمي، بيد أنه أمعن التفكير يف تلك املعلومات حتت بقعة الضوء اخلافت املنبعث من املصباح الزيتي، ويف تلك اللحظة ّ ً ت تأمالته واختبر حلظة ً سحرية، فعلى بالضبط، يف جوف الليل، تفجر ّ الصفحات القدمية أمام وجهه، أضاءت األرقام واحلروف وهي حتل ُ ق وتلج ّاد الهندسة� رأسه، كان كما لو أنه جالس إلى الطاولة نفسها مع رو يف اليوم التالي يف املدرسة استغرب )لينتاجن( حيرتنا يف فهم إحداثية ثالثية األرقام� ما سبب ارتباك أطفال القرية هؤالء؟ تساءل صوت قلبه� ً ّ ا كما قد يتعذ ً ر على املرء إدراك ما هو عليه من غباء أحيانا، ال متام ٍ يدرك بعض الناس يف كثير من األحيان أنهم من النخبة املختارة، وأن ّ اهلل قدر عليهم االقتران باملعرفة� 68
أسئلة الفصل ً 1 َ �ا يف ط ِ ريقِه ِ إلى املدرسة ِ ِه، 80 كيلو متر اجت ّ َ ُ يقطع َ )لينتاجن(، ع َ لى در َ َ حفوفًة َ ْل ْ كانت م ْ ْ تكن َ ط َويلًة ْ فقط، ب ً َّ ا، لكن َّ الط َ ريق لم ًا وإياب َذهاب َ ِخاطِر� ِب ِ املخاطِر� ُ اكت ْب ً ثالثة ِ م ْن هذه امل ي ْب َّ ْ 2 َ �يتغ َم َّذي ل س ُ تفعل َ ك َ ما فعل )لينتاجن( ال ْ ِ يف نفس َك َ: ه ْل َ كنت َ كر ِّ َف ِّ ِم َك� ِ َك ومعل َ زمالئ َع َ م ْر ِ ْش َ هذا األم ً ً ا واحدا؟ ناق ِعن ِ املدرسة يوم َّ 3ُ �ة ُ )بودينغا( باحل ِزن ِ واألسى يف ذْه ِن )إكال(� َ َحت َّد ْث َ َط ْت شخصي َْتب ار ِ َك� َع ْن ذل ْ 4 �إّال ْ يحضر ًا، ولم خر َ ِّ َ َص َل ِ )لينتاجن( إلى املدرسة ُ مَتأ ّ ِام و َ َح ِد األي يف أ َ ِص ْف ْ َ هذا املشهَد، و ْ َس املوسيقى� اقْرأ َّ َ ذي كان َ در َ، ال َّ الد َ رس األخير ُ ِ يف نفس َك� َه ََثر أ ِ ِه َّ الش ِديد َ ع َ لى طَل ِب ً 5 �ا يف إقبال ِ )لينتاجن( دور ِ ِ ظروف حياة ْهل َ ت َّ رى أن ل َ َكس ْ قد ُ يكون َ ص ًحيحا؟ ْ ِم ْ ؟ وهل ُ تعتقد ِ ، يف املقاب ِل َّ ، أن الع ِ العل َ ُل َ اإلنسان ِ زاهًد ِ ا يف العلم َ؟ ت َ ناق ْش َجع ْ َّ نى أن ِ الغ َّ نى الش َديد ْ قد ي َع ِمب ِّ ِم َك� َل ِ َك ومع َ ُ زمالئ َع م دًث َ ا ع ْن ِ زميل ِه )لينتاجن( "ال 6 َ �قال ِ )إكال( يف خ ِ تام ِ هذا الفصل ُ مَت َحِّ ِ، َة ُختار ِة امل َ ْ ِ م َن ُّ الن ْخب َّنُهم َ ُ يدرك ُ بعض ّ الن ِ اس ٍ يف كثير ِ م َن ِ األحيان أ َّقُع َ َ َعرفِة"� ِ يف ضوء ِ هذا القول َ ماذا تَتو ِ َ ران بامل َ ِ عليهم االقْت َّ وأن َ اهلل َّ قدر ُ )لينتاجن(؟ َصير ُ سيكون م 69
10 ّتني بطل ملر ً ا من وجهة حدث هذا يف شهر آب – شهر حافل باألخبار السيئة دائم نظرنا� ّض ملشكلة إثر مشكلة، كانت الضائقة املالية ما فتئت مدرستنا تتعر ً ا أن مدرستنا ستنهار ّ السنني، وافترض الناس دائم رفيقنا الدائم على مر ُس( و)پاك هرفان(، نظرنا يف غضون أسابيع، مع ذلك، والفضل ل)بو م إلى املدرسة على أنها أفضل شيء ميكن أن يحدث يف حياتنا؛ أفضل َ ْشر جوز الهند، أو نعمل ّ ِ الني، أو نشتغل بب ّ بكثير جدا من أن نصبح حم ً ًا على املثل ّ ً ا مثال حي ّاس متاجر، كن َ رعاة أو جامعي ثمار الفليفلة أو حر ّ القائل »ما ال يقتلك يجعلك أقوى«، ويف حني ما بقي عددنا يف الصف ّ ال يتجاوز العشرة، بعد سنوات عدة من عدم وجود قادمني جدد، جاءتنا دفعة تالميذ أخرى لصفوف أدنى، لم يصلوا إلى العدد الذي أملنا به ولكنهم هناك كانوا� ّضنا لها صعوبة هذه احملنة، يف جميع األحوال لم تبلغ أي محنة تعر محنة انعطاف دراجـة »دي كي دبليو« القدمية بعادمها الهادر نحو مدرستنا، أووه�� آآه�� ها هو قد عاد� ُنية وسميك ً كان راكب الدراجة النارية رجال كبير السن ضئيل الب النظارات، جبهته عريضة والمعة، األوردة النابضة يف صدغيه أوحت أنه ًا ما فرض على اآلخرين جدول أعماله، وال تخفى على أحد حقيقة غالب ً أن األشخاص الذين يدأبون على توبيخ اآلخرين يفقدون عادة قدرتهم 70
ُ على التعامل بخلق حسن، اشتهر هذا الرجل بعدم مرونته يف اللجوء إلى احللول الوسط، كلمة واحدة منه ميكن أن تغلق مدرسة بأكملها، ميكن أن تفصل املديرين، ميكن أن حترم األساتذة من الترقية إلى يوم تقاعدهم، أو رمبا تنفيهم إلى جزيرة معزولة قد ال يظهر لها أثر على ّ اخلريطة، ليعل ّ موا األطفال البدائيني وقرود املكاك ذات الذيول القصيرة، ّ مجرد ملح نظارة هذا الرجل جعلت فرائص جميع املعلمني يف )بيليتوجن( ترتعد، إنه السيد )صمديكون( مفتش املدارس العام� قبل سنوات، يف ذلك اليوم املدرسي األول، جنحنا يف االنفالت من بني أصابع السيد )صمديكون( عندما أنقذنا هارون بإكمال عددنا ّا حدث هذا، أراد أن يغلق ّ السيد )صمديكون( مل ُسر إلى العشرة، لم ي ً ً ا مزعجا للمسؤولني ّ ً بت عمال إضافي مدرستنا منذ بعض الوقت، ألنها سب ًا بإجالئها من على وجه ًا وتكرار يف وزارة التربية والتعليم، طالبوا مرار ّ البسيطة، والسيد )صمديكون( نفسه تبج ً ح مرة أمام مسؤول أعلى منه ّ بقوله: »إيه، سأتكفل مبشكلة مدرسة احملمدية، بركلة واحدة أستطيع ً أن أرديها أرضا« � ّ وهكذا متخض ذهن السيد )صمديكون( عن شرط دبلوماسي ّ ووجيه ليغلق مدرستنا، الشرط هو توافر عشرة تالميذ، شرط حتقق على نحو مفاجئ يف اللحظة األخيرة بقدوم هارون، وصل انزعاج السيد ً )صمديكون( من مدرستنا أبعد احلدود، خصوصا من هارون� ّ ّ ا املسؤول عن التأكد من خضوعنا لالمتحانات يف ً كان هو شخصي ّلة إلدارة امتحاناتها مدرسة أخرى ألن املسؤولني اعتبروا مدرستنا غير مؤه ّ ً ا أيضا ألننا لم نحصل على أي جائزة، اخلاصة، ولم يشعر بالرضا عن َ مدرسة كمدرستنا ّ ففي ظل ِ نظام التعليم التنافسي احلالي، ميكن أن تصم 71
ّ النظام كله بعار العجز� ُس( بشحوب األشباح عندما وصل السيد )صمديكون( غدا وجه )بو م ً يف زيارة تفتيش مباغتة، وإمعانا يف زيادة سوء مجرى األمور، كانت وحدها يف املدرسة بسبب املرض الذي أقعد )باك هرفان( عن احلضور ّ طوال الشهر املاضي، ومرضه، حسب ما قال املعالج احمللي يعود إلى ّ تنشقه غبار الطباشير الرخيصة لعشرات السنني� استرق السيد )صمديكون( النظر داخل حجرة الدراسة، حاملا رأى خزانة العرض الفارغة ارتسم على وجهه تعبير استخفاف، فقد درج على رؤية اجلوائز يف خزانات العرض� ُ ً س( خطأ فادحا حتى قبل أن يحدث أي شيء آخر، ارتكبت )بو م ً ّ تفضل يا پاك،« قالت بأدب، بسبب ما اعتراها من قلق بالغ، »رجاء ًا وزمجر، »ادعيني السيد«! نظر إليها السيد )صمديكون( شزر ً كان معروفا لدى اجلميع أنه يرفض مناداته بلقب پاك )صمديكون(، رمبا يعود هذا إلى تأثير أساتذته الهولنديني، أو رمبا ألنه يريد احلفاظ على سلطته� ّ على أن يقال له »السيد«، على أي حال، ومهما كان السبب، أصر ّة ُنشأة، شخر ونخر مر أخرج السيد )صمديكون( استمارة تفتيش امل ّة ليجعل خيبة أمله ظاهرة للعيان، يف عمود لوح الطباشير واألثاث تلو مر ً اضطر إلى إضافة خيار جديد: حتت )ه( سيئ أضاف )و( سيئ جدا، يف عمود الرموز الوطنية؛ صور الرئيس ونائب الرئيس والشعار الوطني، ويف ّ إلى إضافة خيار َ ّ ي عدة اإلسعافات األولية ووسائل اإليضاح اضطر عمود جديد مرة أخرى: )و( معدوم، ويف عمود املرحاض ومرافق اإلضاءة أضاف )و( مصادر طبيعية� 72
ً ً ا طويال ً وعميقا ونظر إلينا، ثم جاء دور فقرة حالة التالميذ، أخذ نفس كان معظمنا ال ينتعل أحذية، وثيابنا البالية تنقصها بعض األزرار، أما ّر السيد )صمديكون( يف قميص )مهار( فبال أزرار على اإلطالق، تسم َ من مرأى بقع اجلوافة َه ّ أرضه ملا رآني أنا و)لينتاجن( نتقلد مقالعني، تهت َي حالة التالميذ وتكامل هيئاتهم، ّ تلطخ قميص )كوتشاي(، يف عمود ً ً ا جديدا من ً ِ ا ليصفنا، فأضاف خيار لم يكن اخليار )و( سيئ للغاية كافي ُ ٍزر� ابتكاره )ز( م سألَنا السيد )صمديكون(: »من لديه آلة حاسبة، وبوصلة وأقالم تلوين«؟ ً ّ ا يف الصف ّا حالي ّ لم جنب وال بكلمة، قطب )مهار( جبينه، كن اخلامس وال فكرة لدينا عن أي من تلك األشياء� ُس(، لم أر يف ُس(، »)بو م التفت السيد )صمديكون( إلى )بو م ّني هذه مدرسة؟ هذا املكان ال يختلف ً ُ ا كهذا، أتسم ّ حياتي صفا مزري ً عن حظيرة حيوانات«! ُس( التي وجدت نفسها محشورة يف الزاوية، ازداد شحوب )بو م »أطفالك هؤالء يشبهون صيادي الغزال الفأر ال التالميذ«! ُ ً س( اإلهانة، لكن بدا واضحا أن اإلهانة لم توهن وال ابتلعت )بو م قيد أمنلة من اعتزازها بنا� ُ ّد ُ أن تغلق هذه املدرسة� - ال خيار آخر، ال ب ّا أن ّل اإلهانات، أم ُس(، كانت تستطيع اجللوس وتقب ُصعقت )بو م تسمح بإغالق مدرستها فهذا ضرب من املستحيل� - مستحيل يا سيد، مضى علينا ونحن ندرس هنا خمس سنوات� ُ ً س( شجاعة حق ّ ا، لم يحدث من قبل قط أن واتت الشجاعة كانت )بو م 73
ّ أي معل ّ م ليتحدى السيد )صمديكون(� ُس(� - ماذا عن أطفال القرية هؤالء؟ تابعت )بو م اهتاج السيد )صمديكون(: - هذه مشكلتك ال مشكلتي! انقليهم إلى مدارس أخرى� - مدارس أخرى؟ أقرب مدرسة حكومية تقع يف )تاجنوجن باندان(، ّ لوا من املستحيل فصل هؤالء الصغار عن أهاليهم، وال ميكنهم أن يتحم نفقات ارتياد مدرسة هناك، مدرسة الـ )پ ن( قريبة إال أنهم هناك يرفضون قبول أطفال على هذه الدرجة من الفقر� ًا فأخذ يرغي ويزبد، أردنا أن ّ تعكر مزاج السيد )صمديكون( كثير ُ ّ س( لكن اخلوف جلمنا كلنا ما عدا هارون، هارون نقف إلى جانب )بو م ً الذي ارتسمت االبتسامة على وجهه طوال الوقت من غير أن يفقه شيئا مما كان يجري� ّ - لقد استوفينا شرط عشرة تالميذ، وإذا كانت املسألة تتعل ّ ق بعدة اإلسعافات األولية، فنحن���� ً - ليس هذا فقط! قاطعها السيد )صمديكون(، »هناك هارون أيضا!« ّق الرجل إلى نقطة حساسة، ُس(؛ فقد تطر ّ استغلق الكالم على )بو م ًا يف الدفاع عنه� ّد يوم ً ا موطن ضعف، ولم تترد ّ وموضوع هارون شكل لها دائم ُذكر، ّا سمع اسمه ي ًا مل ّ هارون كثير ُس( سر على العكس من )بو م ًا بنبرة دفاعية� ُس( أخير - ماذا عن هارون؟ سألت )بو م - ال ميكنه ارتياد هذه املدرسة، إنها ليست املكان املناسب له، ينبغي أن يذهب إلى مدرسة خاصة باملعوقني، يف جزيرة )باجنكا(� ّها لهارون، ّ ك بهدوئها، كنا نعرف مدى حب ُس( التمس حاولت )بو م وأدركنا يف الوقت نفسه أن السيد )صمديكون( قد اتخذ قراره وأن )بو 74
ُ ّ س( ليست إال معلمة يف مدرسة قرية� م ُس(، »يا سيد« قالت بصوت ضعيف، »هذه انتفخت أوداج )بو م املدرسة هي أفضل مكان لهارون، وهو يبذل جهده يف الدرس هنا، كما ً ً ال ترسله بعيدا«� أنه سعيد للغاية مع رفاقه، رجاء ّ لم يتأثر السيد )صمديكون(، »الدرس؟ ما املمكن أن يدرسه هنا؟« ّ عنا صفا ً ّ ا معاملة خاص ّ ة، وكل ّ ما ترف ً ّ كان هارون يف الواقع يتلقى دائم ّ ترفع معنا على الرغم من عدم حصوله على تقرير رسمي� ًا يف ّ نت كثير ُس( أن توضح أن حالة هارون قد حتس أرادت )بو م املدرسة، وأنه عثر على السعادة معنا، لم تكن ضليعة يف علم النفس، لكنها رأت أن البيئة الطبيعية هي ما يحتاجه األطفال املعوقون مثل ً هارون، إال أن فمها بقي مغلقا� طلب السيد )صمديكون( من هارون أن يأتي إليه، لم تكن احملاباة ًشيئا يعرفه هارون، حاول الصبي أن يحيي السيد )صمديكون( بطريقة ُسأل وفيما ّية، لم يعرف أن مصير مدرستنا بني يديه، من غير أن ي ود ّ هو يحاول االتكاء على كتف السيد )صمديكون(، قص هارون حكايته اخلالدة عن قطته ذات األلوان الثالثة التي وضعت ثالث قطط يف اليوم ُس( حاولت جاهدة إسكاته� ّى )بو م الثالث من الشهر، حت - طيب، أريد أن أعرف ماذا تعلم هارون يف السنوات اخلمس املاضية؟ ّشدد السيد )صمديكون( بوضوح على جملة يف السنوات اخلمس ُس( من مجهود مع هارون، وأراد املاضية ألنه أراد أن ينكر ما بذلته )بو م ّ أن يفت يف عضدها بالبرهنة على أن املدرسة ليست مناسبة لهارون، ّ ّ ً البال وغافال عن املعركة اجلارية، شع هارون، بقلبه األبيض بقي خلي ُسأل، شعر بأهميته، »ما هي طموحاتك املستقبلية يا ًا ألنه ي وجهه فخر 75
هارون«؟ ّ نظر هارون إلى السيد )صمديكون( بجدية عظيمة، ابتسم بينه وبني نفسه، كان السؤال بالنسبة إليه مثل لعبة مسلية، طموحات؟ - ما يعنيه يا هارون، هو ماذا تريد أن تصبح عندما تكبر؟ أتريد أن ُس( بلطف� ًا؟ أوضحت )بو م ّ ا طيار ا أو مهندسا أو رمب ً ً تصبح طبيب ًا - »أوووه!« هتف هارون بنبرة شخص يعود بذهنه إلى الوراء سابر ً أغوار وعيه بعد غيبوبة دامت أسبوع ً ا كامال� ًا يا إيبوندا غورو،« تابع هارون وهو يرفع رأسه وينظر إلى - »شكر السيد )صمديكون(، أشرق بريق يف عينيه، ثم فجأة عاد وطأطأ رأسه، بدا كما لو أنه يعرف اجلواب لكن احلياء مينعه من البوح به� - ماذا تريد أن تصبح يا هارون؟، سأله السيد )صمديكون( من جديد� أشار هـارون بخجل إلى )تراپاني(، نظر السيد )صمديكون( و ُس( إلى )تراپاني(، ارتبك )تراپاني(� )بو م - ال تخجل، داهنه السيد )صمديكون(� ّف هارون ً أشار هارون إلى )تراپاني( مرة أخرى، لم يفهم أحد تصر ّ الغريب ذاك، أما أنا فعرفت، يف يوم ما، ونحن يف الصف الثالث، دعاني ّ ً ة مئذنة جامع احلكمة، أراد مكان ً ا هادئا ال أحد فيه ً ا قم ّ هارون لنتسلق مع ليساررني بطموحاته املستقبلية، لم يأمتن غيري بهذه املعلومة، وألحافظ ّ ً رشاني بثالث درنات »كالديوم« مسلوقة، وضعت يدا على على السر ًا يف الهواء ألقسم على عدم الوجبة الثالثية اخلفيفة ورفعت الثانية عالي ه� ّ إفشاء سر ّ بدا لي، عندما أشار هارون إلى )تراپاني(، أنه قد أفشى بنفسه السر 76
ّرني من ورفع الغطاء عن طموحه اخلفي، فاعتبرت أن قيامه بهذا يحر ّ قسم درنات »الكالديوم«، وإذ رأيت السيد )صمديكون( يحث هارون بال هوادة ليجيب لم أستطع منع نفسي من الكالم� - عندما يكبر يريد هارون أن يصبح )تراپاني(، قلت� ُ ذهل اجلميع، ابتسم هارون ابتسامة عريضة وطأطأ رأسه وأخذ ّ ً وهو يحاول جاهدا كبت ضحكه� جسمه يهتز ًا ّ نال )تراپاني( إعجابنا كلنا؛ ألنه كان أكثر واحد يف مجموعتنا تهذيب وأناقة، ولذلك طمح هارون بصمت أن يصبح )تراپاني( عندما يكبر، ًا ً ّ ا هي أن هذا الطموح صعب التحقيق إلى حد بعيد، نظر املشكلة طبع إلى أن هارون أكبر بكثير من )تراپاني(� ُس( بنظرة يقدح منها الشرر، ومع شزر السيد )صمديكون( )بو م ذلك سعى إلى املزيد� - طيب يا هارون، اختبار أخير، ما حاصل جمع اثنني واثنني؟ ًا يف إحلافه، اختار السيد )صمديكون( عن عمد ّة متادى كثير هذه املر ً سؤاال مبنتهى السخف يستطيع حتى األطفال الذين لم يدخلوا املدرسة ُس(� ّ بعد أن يجيبوا عليه، كل ذلك لإلمعان يف إهانة )بو م ّ تقدم هارون من السيد )صمديكون( بخطى واثقة، »يا سيد« قال بهدوء: أنت متازحني، أليس كذلك؟ ّ - ال يا هارون، هذا سؤال جدي ّ ، أريد أن أعرف ما تعلمت طوال هذا الوقت� - أوه يا سيد، ال ريب يف أنك متازحني! هذه مسألة حسابية بسيطة، ّ لقد سبق أن تعلمت اجلمع، وأستطيع أن أصل يف اجلمع إلى املئات، ال مشكلة! 77
- عظيم يا هارون� ّج وجه السيد )صمديكون( وهو يرى ثقة هارون، أدرك أنه ارتكب تشن ً خطأ فادحا، السؤال سهل للغاية، ندم على طرحه هذا السؤال السهل، ّ على األقل كان ميكنه أن يطلب حاصل ضرب اثنني يف اثنني� ُس( ذراعيها إلى صدرها، كانت متوترة، لكنها آمنت أن ّت )بو م ضم ّ هارون قادر على اإلجابة، لم تكل ّ قط عن العمل معه بجهد على درس ّ ّ وجل ّ ، يحدونا األمل يف أنها محقة، غدت اجلمع، صلينا إلى اهلل عز ّ ّ ا مهووسني بحب مدرستنا الفقيرة عيون سهارى و)مهار( كالزجاج، كن ّة الثانية سينقذنا، أنه بطلنا ولم نشأ أن نفقدها، واعتقدنا أن هارون وللمر املجهول� ّف ذراعيه، »سهل للغاية«� ً ا أعرف، أجاب وهو يكت - طبع - كم يا هارون؟ ً ً ا وهو يصيح واثقا من نفسه، »ثالثة« ارتفعت ذراع هارون عالي 78
أسئلة الفصل ل ُط� َ 1ُّ � ُد َّ )صمديكون(: التس ِّ َ ْن َ يوص َف ِ ب َّ ها السي ٍة ُمي ِك ُن أ َ ِ صَف َ َشهر َّ لعل أ ِ ُ إلى هذه َ ًال تشير ِ ْخرج ِ م ُ نها جم َّ َ تي ت ِصُفُه ُ، ث َّم است ِ َ الفقرة ال أ َ اقر الصَفِة ِ فيه؟ ِّ َ 2َ �ة َ ص َحيحٌة َقْ َ وى" ه ْل َ ت َّ رى أن ِ هذه العبار ُ َك أ َل َ ْجع ُ َك ي َ ْقُتل "ما ال ي َ َك� َُزمالء َ َك و ِّم َل ِ ْش ُ مع ًما� ناق ِ دائ املدرس 3ِ �ة َ، و َّ الت ِ الميذ َ ، وهارون ِ ٌف ِ م َن َ َوق ِد )صمديكون( م ِّ للسي َكان َّ ِ َف� َوق وض ْح هذا امل َ ْجِه ُ اخل ِ صوص� ِّ َعلى و َ 4ٍ �ة َ َة َ يف ت ِ قدمي صور ِس ِها اليائ َالت َ ُمحاو َ ِة ُ )بو مس(، و ِّم ُعل َ َة امل ِص ْف حال َ َسِة� َدةٍ َ ع ِن املدر ِّ َجي َ 5 � َ َط ِل ُ ه ُ نا هو َ ُ املقصود ِ بالب َّ ِ تني"، و َر َ َط ٌل مل ْ ُ وان ِ هذا الفصل "ب َ ُ عن جاء َّ ِل ِ م ْن َّ ِ تني ِ : يف اليوم َ األو َر َ َط ًال يف امل َ ْح َ كيف َ كان ُ هارون ب ُ "هارون"� ْ اشر ض ِح َ ِّ َو َ ِ فيه َ )صمديكون( املدرسَة� و َّذي زار راسِة ِ ، ويف اليوم ال الد َ ِّ ّ ِام َي أ َّةٍ � َر ل م ِّ ْ َق َ بني َّ الن ِ تيجة ُ يف ك َ الفر 79
11 َ ْدر ب ّ »لديكم فرصة أخرى واحدة فقط، وإذا لم أملس أي تقدٍم فهذه نهايتكم« ّهددنا السيد )صمديكون(� ًا التفتيش املباغت واحملرج، وبدأ السيد )صمديكون( انتهى أخير ًا ليلتقط ّر ّ يحدد اإلجراءات الالزمة الستكمال تقريره، استدعى مصو ًا ملدرستنا من زوايا مختلفة، وكلما التقط املصور صورة، سعى هارون صور ّر إلى التقاط صورة جهة املدرسة إلى الظهور فيها، حينما بادر املصو اخللفية، ظهر رأس هارون فجأة من عند حافة النافذة، وعلى وجهه ابتسامة عريضة كشفت عن أسنانه الطويلة الصفراء، لم ميتلك أدنى ُ فكرة أن تلك الصور ت ّ لتقط لتحط من شأنه ولتغلق مدرستنا؛ كان تركيزه ًا على الوضعية التي يتخذها يف الصور� منصب ُ بعد أن طبعت الصور وبدأ السيد )صمديكون( يستعرضها ظهر ً ً ا أن انحناء بناء مدرستنا إلى اجلانب قد بلغ مستوى مقلقا، الحت جلي ً ّ ا، عرفنا أن السيد )صمديكون( سيوزع التقرير مثل برج بيزا املائل تقريب والصور على أوسع نطاق ميكن أن يصل إليه� ُس( أو يزعزعها، نفخت لم يوهن أي من هذا من عزمية )بو م ّ لوا بالصبر« فينا الروح كالعادة باالقتباس من آيات القرآن الكرمي�»جتم ًا«� الطفتنا، »فإن مع العسر يسر ٍ قليل من الكلمات القوية، وبال جلوء إلى خطاب طويل النفس، بعدد ُس( روح التصميم لندافع عن مدرستنا مهما بلغت نفخت فينا )بو م 80
ُسمى املوهبة القيادية أو الكاريزما، قسوة الظروف، ذاك يا صديقي ما ي ُس( ملشكلة السيد )صمديكون( أن تثبط عزميتها على لم تسمح )بو م ً الرغم من قلقها، خصوصا أن )لينتاجن( استطاع أن يستولي على انتباهها، ّ منذ ذلك اليوم الذي كتب فيه )لينتاجن( بنود االستمارة يف الصف ُ ً س( شعور بأنه صبي موهوب، الحق ّ ا، مثل حداد األول، ساور )بو م ُ ّ س( بدقةٍ على شحذ عقل )لينتاجن(، ّ يسن نصل سكني، عملت )بو م ً وشيئ ً ا فشيئ ّ ا، وبني يديها الثابتتني بدأ ذكاؤه يتألق� ّاه! ذاك الصبي الذي يجمع ّ ّ ا كلنا مسحورين ب)لينتاجن(، رب كن ً، وجبهته ّان ذكاء ّ الذهن للغاية، عيناه املشرقتان تشع األصداف كان حاد ُس( ما ميكن أن يقوما تضيء كأنها املصباح، ولم يدر )پاك هرفان( و)بو م به من أجله� كان األسـرع يف طي األوراق إلى أشكال هندسية، األفضل يف ً القراءة، أما موهبته األكثر وضوح ّ ا فتجلت يف الرياضيات، وبينما بقينا نتعثر ونتلعثم يف جمع األعداد الزوجية، تخطانا مبراحل وبرع يف ضرب األعداد الفردية� ّس يف قسمة ّ درسنا كلنا بصعوبة املسائل احلسابية، أما هو فتمر الكسور العشرية، وحساب اجلذور، والعثور على األسس؛ بل استطاع ّ ر بالكامل العالقات العملية يف اجلداول )اللوغاريتمية(، حتى أن يفس ّ ّ ى نقطة ضعف، ظهرت يف خطه ُ نقطة ضعفه الوحيدة، إذا جاز أن تسم ّ الفوضوي الذي يشبه خرابيش الدجاج، ورمبا يعود سوء خطه إلى عجز )مهار(ة أصابعه احلركية عن مواكبة فكره الذي يسابق الزمن� »ثالثة عشر ضرب ستة، ضرب سبعة، زائد ثالثة وثمانني، ناقص ُ ّ س( من مقد ّ مة الصف� ّ تسعة وثالثني« حتدتنا )بو م 81
نزعنا األربطة املطاطية التي نحفظ بها ما لدينا من حفنات أغصان، ً ّ ا منها على ست دفعات، وجمعناها بشق أخذنا ثالثة عشر غصن ّ النفس، ثم أعددنا سبعة أكوام أخرى من األغصان ورقمناها كما فعلنا ًا وذلك لنعرف ًا غصن ّ باملجموعة األولى، وحسبنا عدد كل كومة غصن ًا وطرحنا بعد ذلك حاصل الضرب الثاني، ثم أضفنا ثالثة وثمانني غصن ً ّ ا سبع دقائق لنحل املسألة، كانت ًا، استغرقنا تقريب تسعة وثالثني غصن ّالة� وسيلة فاعلة بالتأكيد إمنا غير فع يف هذه األثناء، أغمض )لينتاجن( عينيه للحظة من غير أن يلمس ً ً ا واحـد ٍ ا، وبعد ما ال يزيد عن خمس ثوان صاح، »خمسمئة غصن وتسعون« ّ ّ ل يوم لنا يف الصف لم يخطئ وال بعدد واحد، حدث ذلك يف أو الثاني� ُس(، وأغراها هذا ّها الصبي الساحلي، ممتاز« مدحته )بو م »رائع أي ّ على اختبار احلد الذي تصل إليه قدرات )لينتاجن( الذهنية، »ثمانية عشر ضرب أربعني ضرب ثالثة وعشرين زائد أحد عشر زائد أربعة عشر ضرب ستة عشر ضرب سبعة« ٍ أمسكنا أغصاننا، بأقل من سبع ثوان ومن غير أن يكتب )لينتاجن( ّد، ومن غير أن يطرف له جفن صاح، »ستمئة ً ً ا واحدا، ومن غير ترد عدد ً وواحد وخمسون ألفا وتسعمئة واثنان وخمسون«� َ ْدر يا )لينتاجن(! جوابك بجمال القمر املكتمل! أين كنت تختبئ »ب طوال هذا الوقت؟« ُ ّ س( كل ما يف وسعها لتكتم ضحكها الهستيري، كان غير بذلت )بو م ٍ وارد بالنسبة إليها أن تضحك بصوت عال، معتقداتها الدينية حتول دون 82
ًا عن اعتزازها ب)لينتاجن(، ّ رأسها تعبير ً هذا، بدال من ذلك واصلت هز ّ ونظرت إليه كما لو أنها أمضت حياتها كلها تبحث عن تلميذ مثله، ّ نحن، من ناحية أخرى، تفجرت فينا األسئلة عن كيف استطاع ً )لينتاجن( أن يقوم بذلك، فكانت هذه وصفته: أوال، احفظوا عن ظهر ًا األرقام قلب جداول ضرب األعداد الفردية فهي مخادعة، اطرحوا جانب األخيرة يف عمليات ضرب األعداد الزوجية؛ ألنه من األسهل أن تضربوا ً األعداد املنتهية بالصفر، ثم أحسبوا الباقي الذي طرحتموه الحقا، وال ً ّ ا بحيث تصيبكم التخمة؛ التخمة تسد األذنني وتبطئ عمل تأكلوا كثير ّ الدماغ«� ّن يف هذا ّد التمع ً كان جوابه بريئا مبا فيه الكفاية، ولكن من مجر ّ ّ إلى الصف الثاني، يدرك املرء أنها ّ اجلواب، مع أن )لينتاجن( ترفع للتو ًا يف تطويره تقنياته ّ مؤش ّ رات تدل ٍ على تعقيد معريف عال، وهذا يظهر جلي ّ اخلاصة لتعيني مواضع الصعوبة وحتليلها ثم حلها� مع مرور الوقت، اكتشف )لينتاجن( أن ميزة تركيبة عقله هي الذكاء ً ً ا جدا يف الهندسة متعددة األبعاد، ميكنه بسرعة َ احل ّ يزي، كان متقدم ّ ّ ل أسطح شيء من زوايا مختلفة، ويستطيع حل القضايا احلديثة تخي ّ املعقدة اخلاص ّ ة بالتحلل ذي األبعاد الرباعية، وعلمنا كيف نحسب ّ مساحة املضلع عن طريق تكسير جوانبه باستخدام النظرية اإلقليدية، ّ أن أقول إن هذه ليست مسائل سهلة� وأود ًا، كان ً لم يكن )لينتاجن( المع الذكاء فقط، بل أيض ً ا مبدعا فكري ُجري جتارب على صياغة حيل لتحفيز الذاكرة بهدف حفظ األشياء ي ّ م على سبيل املثال تركيبته اخلاصة ُّ عن ظهر قلب وتذكرها، وصم ّ للجسم: اجلهاز التنفسي، اجلهاز الهضمي، حركات البشر والفقاريات ّ ها� والالفقاريات وحواس 83
ّ لطاملا متلكت اإلثارة )لينتاجن( كلما حان دوره ليكنس مكتب )پاك هرفان(، وعندما يكون هناك، يقرأ عن الهندسة والبيولوجيا واجلغرافيا والتربية الوطنية والتاريخ واجلبر وموضوعات أخرى مختلفة من مجموعة كتب )پاك هرفان(، بعض الكتب باإلجنليزية والهولندية، ولطاملا أرشده )پاك هرفان( بصبر وأناة، وسمح له باستعارة الكتب� ّ كان هاجس )لينتاجن( تعل ّ م أمور جديدة، وكل معلومة حصل عليها ّشك ّ لت فيه فتيل معرفة ميكن أن يفجره يف أي حلظة� جرت احلادثة التالية يوم جنا من التمساح اجلاثم بعد أن أنقذه )بودينغا( شامان التماسيح� ّ ر بعناية« ً »يشير القرآن أحيانا إلى أسماء أماكن يجب أن تفس ُس( يف أثناء درس تاريخ اإلسالم، وهي مادة إلزامية يف أوضحت )بو م ّ ع صفا مع عالمة ّ مدارس احملمدية، ومن املستحيل أن يحلم أحد بالترف ً ّة� متدنية يف تلك املاد »على سبيل املثال، أدنى أرض غزاها الفرس يف سنة���« »620 بعد امليالد! غزت فارس إمبراطورية )هيراقليطس( التي وقعت ً أيضا حتت تهديد بالد ما بني النهرين والصقليني واملتمردين الفلسطينيني، وهاجمها كذلك اآلفار والسالف واألرمينيون« قاطعها )لينتاجن(، أصابنا ُس(� الذهول وابتسمت )بو م »تلك األرض األدنى هي���« »بيزنطة! االسم السابق لقسطنطينية، مدينة قسطنطني العظيم ّت بيزنطة استقاللها، االستقالل الذي األبية، بعد سبع سنوات، استرد ُذكر يف القرآن الكرمي وأنكره العرب من غير املسلمني، ما سبب تسميتها ّ األرض األدنى يا )إيبوندا غورو(؟ وما سبب حتدي القرآن الكرمي؟« 84
ًا يا صغيري، جواب سؤالك ينطوي على تفسيرات من سورة »صبر ًا من املعرفة، ندرس التفسير ّ ّ ن على األقل أربعة عشر عام الروم التي تتضم ً الحقا يف الصفوف العليا« � ً »غير ممكن أبدا يا )إيبوندا غورو(، هذا الصباح كاد يبتلعني متساح، ّ ليس لدي وقت لالنتظار، اشرحي كل شيء، واشرحيه اآلن«� ًا هي ّة األولى فهمنا معنى أدنى األرض، حرفي لنا ابتهاجا، وللمر ّهل ً ً األرض األقرب، وبالتفسير تعني األرض األكثر انخفاضا، ذاك املوضع ليس إال بيزنطة يف اجلزء الشرقي من اإلمبراطورية الرومانية، أذهلنا ّ اندفاع )لينتاجن( لتحدي نفسه، وإذا لم يشعر القلب بالغيرة من شخص ّ ميتلك املعرفة، ميكن حينها أن تسلط عليه أشعة التنوير ضوءها، فالذكاء مثل الغباء معدٍ � ّد يجيب ّا يا أوالد، ال تتركوا هذا الصبي الساحلي بشعره املجع »هي ُس(� ّ وحده عن األسئلة« حثتنا )بو م تزامن قولها هذا مع اللحظة التي شعرت فيها بامليل إلى اإلجابة، ّى عادة إلى ّ ّ د، واإلحراج وعدم التأكد، ذلك أد ّ يتملكني الشعور بالترد مجانبتي الصواب، وعندئذٍ ينبري )لينتاجن( إلى تصحيح أخطائي بدافع روح الصداقة� ّ اجتهدت يف الدرس كل ّ ليلة ولكنني لم أقترب قط ً وال حتى قليال ّ ً ق عليه، عالماتي زادت قليال عن من )لينتاجن(، ناهيك عن التفو ً ّ ا يف ظل ًا أدنى من عالماته، كنت دائم عالمات بقية رفاقي وبقيت دوم ّ يف ّل، حللت بشكل مستمر ّ ّ ل يف الصف األو )لينتاجن(، ومنذ الربع األو ّ ًا كما يبدو لي سطح القمر مثل أم ّ ّ ر هذا قط، متام املرتبة الثانية، ولم يتغي ّي ألخي هو حتمل طفلها، كان صديقي ورفيق مقعدي الذي أحببته حب ّل� ّي األو خصمي اللدود وعدو 85
ِ ً م اهلل على )لينتاجن( بالعقل فقط بل أيضا باركه بشخصية لم ينع ّ حلوة، كلما وجدنا نعاني من مصاعب يف فهم الدروس ساعدنا بصبر ّب ّ وشجعنا بصد ّ ق، تفوقه لم يشك ً ل تهديد ّ ا للذين حوله، تألقه لم يسب الغيرة، وعظمته لم يبدر عنها أدنى تلميح بالغطرسة، كان نسمة هواء ً عليلة ملدرستنا، مدرستنا التي جتاهلها اآلخرون لفترة طويلة، شيئ ً ا فشيئا ّ ّ تنا الدافعة، مضى إلى األمام يحفزه أصبح )لينتاجن( وعقله اجلاذب قو ُ ّقفاة، وقع طبوله اخلاصة، وتبعناه ونحن نراه مثلنا األعلى وترنيمتنا امل ُ ثم جاءت أخبار جعلت قلوبنا تتسارع، دعيت مدرستنا لتشارك ّ أكادميي يف العاصمة اإلقليمية تاجنوجن باندان، ومسابقة يف مباراة حتدٍ ً ّ ا بحق� ً ً ا، وتعتبر حدثا مهيب ّ التحد ُ ي هذه تعقد سنوي ً مضى على آخر مشاركة لنا يف تلك املسابقة زمن طويل جدا، ّرنا أال نتبارى مع ّب اخلزي قر ً ا، ولذلك، لتجن ً ولطاملا فشلنا فشال ذريع أحد� مع وجود )لينتاجن( بيننا حدانا األمل، كان منافسونا من مدرسة ً ا على الـ )پ ن( ومدارس الدولة أذكياء إلى أبعد احلدود، وفازوا دائم ًا بالثقة، أتراه يستطيع املستوى الوطني، لكن )لينتاجن( منحنا شعور إحلاق الهزمية بهم؟ أيقدر جسمه الهزيل على دعم مدرستنا املتداعية، ُستبعد أن يأتيها أي تالميذ جدد يف السنة التالية؟ املدرسة التي ي ّ لم ميلك )لينتاجن( أي خيار ما عدا االنكباب على الدراسة بجد، ّ ولذلك، جاءت بطاقة عالماته يف الربع األول من الصف اخلامس رائعة، ّة العقيدة والقرآن والفقه والتاريخ اإلسالمي ّحلت عالمة تسعة يف ماد ّ ً واجلغرافيا وصوال إلى اللغة اإلجنليزية، وبالنسبة إلى الرياضيات واملواد ُس( وأعطته املشابهة لها مثل الهندسة والعلوم الطبيعية جترأت )بو م 86
ّة الفنون، عالمة كاملة: عشرة، أدنى درجة عنده كانت ستة على ماد ّة لم يقدر على منافسة الفتى صاحب األطوار الغريبة، ففي هذه املاد الهزيل والوسيم الذي يجلس يف الزاوية، ذاك الفتى الساحر هو رفيق ً ا ابتسامة مقعد )تراپاني(، واسمه )مهار(، وعلى شفتيه ترتسم دائم عابثة� أسئلة الفصل َّ 1ِ �ة ِ القائ ِد َّ الذي ال َ ُة ُ )بو م َ س( يف ش ِخصي ِّم َ ِت املعل َ يف هذا الف ِصل َ ظَهر ِ َك� َ ْح ذل ٍَة� ْ اشر َسهول ُ ْهَزُم ب ي ض ْح ِّ َِّمَة ُ )بو م َ س(، و احملم ِدَّي ِة، واملعل املدرسِة َّ 2( َ �لينتاجن( كان َ أمل َ ُ، َه ص ُ جُمًال َ ت ِص ُف َ ذكاء اسَت ْخِر ْج ِ م َن َّ الن ِّ ِ َك ُ، ث َّم ْ َ كيف َ كان ذل ْ ُ ها هنا� َ ْ اكُتب و َ 3ُ �ه َ ع ُ لى ز ِ مالئ ِه، ََثر ْ أ ني ِّ َ َع ُ فيها )لينتاجن(، ث َّم ب َر َّتي ب َ ِ هارات ال دِد امل ِّ َع َ َّخاصًة )إكال(� و ي ُح ْل ْ 4َ � َم ِّ َ بني )لينتاجن( و)إكال( إّال َّ أن َ ذلك ل ْ ِمي َ َّ الت ُ ناف ِس ِ العل رغم ُ َ على ْه أ َ ُ َ إلى ذلك، واقر ص ما يشير ِ ِهما� ِ استخر ْج ِ م َن َّ الن ِّ َ دون َ ص َداقت ِ َك� ُزمالئ 87
َ 5 � َ ُلغرور ًا ل َب سب ُ َّ الش ُديد َ َ َّ الذكاء ُّ ُق َ على األقْ ِ ران، و ً ُ ا ما يكون َّ التَفو كثير ق َ َ يس َ ص ًحيح َ ا يف ح ِّ َ ل ْر َ َّ الت َ عالي ع َ لى اآلخ َ رين َّ ، لكن َ هذا األم و ض ًح َ ا ك َ يف َ كان ْت َ ع َالقُتُه َ ِّ ِ َك ُ مو ِ َك ِ شار ًحا ذل ُغت )لينتاجن(� ُ اكت ْب ِ بل ِ ِه� ِبُزمالئ ُْه ُ )بو مس( َ ْطَلَقت َ 6 َّ �اللَق ُب َّ الذي أ ٌ"، وهو َ ُ ع ُ نوان ِ هذا الفصل "بدر جاء َّ ِ تني َ " وكان َ َط ٌل ملر الس ِ ابق "ب َ ُ ع ُ نوان ِ الفصل ّ على )لينتاجن(� وجاء ْ ُق ِ يف رأي َك؟ ُ املقصود ِ ب ِه ُ هارون� َ ف َ ما الفر َ 7ُ �ع الص ِغار َ تَتسار َ َل ُ ق َ لوب َّ الت ِ الميذ ِّ جع َْت َ هى هذا الف ُصل ِ ب َح َد ٍث َ ان َ َسِة َ املدر َصير َ َ هذا احلَد ُث م ر ِّ ُ َغي َ ْن ي َّقُع أ َ َ ْ ؟ وهل َ تَتو َدّق ُاتها� ُ ما هو َّ ِة؟ َ َّم ِدي ا ُحمل 88
12 َخان التناغم َّ أقبلت الفراشات املذنبة اخلضراء، تزور أطراف أوراق شجرة )الفيلسيوم(؛ ّة، ثم لم تلك الفراشات االستوائية اآلسرة ذات اخلطوط الزرقاء املخضر ّ تلبث أن تبعتها أنواع أخرى: فراشات أبو دقيق الفصة األصفر اخلالص ّ وأبو دقيق الفصة الدانوب� بخالف الطيور الصغيرة ونزعاتها العدوانية واالستعراضية، هذه املخلوقات الكتومة قصيرة العمر وغير واعية بجمالها، وعلى الرغم من ّ أنها كانت هناك باملئات لم يند عنها صوت وهي ترفرف يف األرجاء، وإذا ّ راقبها املرء بعناية يدرك أن كل حركة من حركاتها مهما بدت طفيفة ّ تتناغم مع غيرها كخفقات القلب، كانت يف الوقت نفسه تؤل ً ف مجتمعة ّة عدن، ٍ أوركسترا ألوان ُ قائد ّ ها الغريزة، مشك ً لة مشهدا يضاهي حتى جن ًا رغبة كتابة الشعر� ّ ّ لها استحث َّ يف دوم ّد تأم ومجر على أي حال، يف هذه الظهيرة املميزة، لم يقتصر التناغم على الفراشات وحدها، استمع معي: »��� فليلفلف علمي��� »���يلوح! يتحلك! يتحلك!« ّي نشيد »فليرفرف علمي« كأنه رقيب يف تدريب كان )آكيوجن( يغن ًا� عسكري، وكان االستماع إليه مؤمل 89
ًا عينيه على كرمة القرع بإزاء ت ّ ّ ّ ى، حدق خارج النافذة مثب بينما غن األغصان الواطئة لشجرة )الفيلسيوم(، لم يلق نحونا نظرة واحدة، بدا كما لو أن أذنيه قد انفصلتا عن صوته وهما تصغيان باهتمام إلى تغريد الطيور الهازجة الذي طغى على طنني إناث اخلنافس الصفراء، لم يبال ّ )آكيوجن( بطبقة صوته ولم يكلف نفسه عناء تنغيم غنائه� ُقال، لم نعره أي انتباه، )لينتاجن( سـارح يف النظرية ّ احلـق ي )الفيثاغورسية(، هارون مستغرق يف النوم ويشخر، )شمشون( يرسم ً صورة رجل يرفع منزال، سهارى منهمكة يف تطريز رموز عربية على رقعة ّا، )تراپاني( يطوي ويفرد ويطوي ً ُر ُ التطريز والتي تقول: ق ّ ل احلق ولو كان م ُ من جديد منديل أمه، أما أنا و)شهدان( و)كوتشاي( فشغلنا باحلديث عن أزياء تالميذ مدرسة الـ )پ ن(، )مهار( وحده استمع إلى غناء )آكيوجن( بيقظة� ُ ً س( وجهها بيديها وهي حتاول عبثا كتم ضحكها بينما حجبت )بو م استمعت إلى العواء� ّختني ُس( نحوي: دوري، بعد أن وب انتهى )آكيوجن( ونظرت )بو م ّة ّرت هذه املر ِقطع رأس اإلوزة«، قر ً ا على أداء أغنية »ا إلصراري دائم ّة إلى األبد« لـ »سي ً أن أرتقي قليال بأغنية جديدة: »إندونيسيا حر سيماجنونتاك«، عندما باشرت الغناء، رفعت سهارى نظرها من رقعة ّة� التطريز ورمتني بنظرة اشمئزاز، جتاهلت إهانتها وتابعت الغناء بحمي »��� هتافات الفرح�� فرح للجميع��� ة���« ّ ر��� إندونيسيا حر ّ »��� وطننا حتر 90
ّية من نغمة إلى نغمة، لم أمتلك أي ّ واصلت الغناء وأنا أتنقل بحر سيطرة على صوتي، ناهيك عن حتقيق أدنى قدر من التناغم� ّ ّ جسمها من شدة ُس( التي اهتز انهمرت الدموع على وجه )بو م ًا حتسني صوتي، لكن مقاومتها االنفجار بالضحك، حاولت مستميت ّكلما زدت مجهودي، زادت غرابة الصوت، هذا ما يعنونه مبصطلح غير ّ موهوب، كافحت ألنهي الوصلة، لم يتعاطف رفاق صفي معي، هم ً أيضا عانوا من صوتي ومن النعاس واجلوع والعطش يف حرارة منتصف ً ا� اليوم، غنائي زاد األمور سوء ُ ّ س( وهي تطلب مني التوقف قبل أن تنتهي األغنية أنقذتني )بو م العظيمة، ثم نظرت إلى )شمشون(� ّق بالصلب« ، الءمت اختار )شمشون( أغنية »قوي وطيد ومطو ّ اآلذان وهو األغنية جسد )شمشون( الضخم، وأنشدها بصوت يصم يحني رأسه ويضرب األرض بقدمه: ّق بالصلب! »��� قوي وطيد ومطو ُحكمة! »��� سلسلة الروح م »���� منتصبة قلعة إندونيسيا!« ّل األغنية احملبوبة ً هو أيض ً ا لم يعرف شيئا عن مفهوم التناغم، وحو ّ إلى واحدة لم نستطع متييزها، بكل بساطة خان »سي سيماجنونتك«، ُس( أن ّى له االنتهاء من املقطع األول طلبت إليه )بو م قبل أن يتسن ّ ّ س )شمشون(، لم يصدق أذنيه� يعود إلى مقعده، تيب ّ »ملاذا تطلبني مني التوقف يا إيبوندا غورو؟« 91
هذا ما يعنونه بقولهم غير موهوب وغافل� ّ ّ ة التي ال رجاء منها يف صفنا، ال الختصار احلكاية كان الغناء املاد ُ ّ س( على تأجيل حصة ّع بهذه املوهبة، ولذلك حرصت )بو م أحد فينا متت الغناء إلى آخر الدوام، والهدف منها متضية الدقائق التي تفصلنا عن ّ صالة الظهر؛ التوقيت الذي يحدد نهاية اليوم املدرسي� »أمامنا خمس دقائق قبل األذان، ممم�� لدينا وقت لسماع تلميذ ُضنية، ُس(، لم نكترث مبا أعلنته، كانت ظهيرة م آخر،« قالت )بو م ّ بني حني وآخر حط ّ ت الطيور الهازجة الرشيقة ذات األجنحة املخططة ً ا� ًا رائع ّ على حافة نافذة الصف َ وشدت شدو ًا��� من التالي؟« »حسن التالي كان )مهار( ً ّ تعال إلى مقد ّ مة الصف يا صغيري، أنشد لنا أغنية إلى أن »رجاء ُ ّ س( التي عاودت االبتسام متوقعة يحني موعد أذان الظهر« قالت )بو م ً ً مضحكا آخر من أحد تالميذها� أداء ّ ّ ي، كلما جاء الدور ّى تلك اللحظة لم نكن قد سمعنا )مهار( يغن حت ً ا وحال بينه وبني احلصول على فرصة، عليه عال صوت األذان حاسم ّا ً ّ ا عندما قام وسلك طريقه إلى مقد ّ مة الصف، مل لذلك لم نعره اهتمام ّ أصبح أمامنا لم يغن ُ مباشرة، وقف وخرج قصب )الروطان( على كتفه، ً ا إلى ّ ذراعيه مع ّز نفسه للعودة إلى البيت، بعد برهة ضم ألنه كان قد جه ً ا مثل الشمع، والندوب ظاهرة ّ صدره كمن يصلي، كان ظاهر يديه مشحم ّ ّ هة، منذ الصف الثاني عمل )مهار( بعد على أصابعه العشر وأظفاره مشو ْشر جوز الهند يف كشك منتجات صينية طبيعية، فعل ب َ ًا ي املدرسة أجير ًا ًا شمعي ّ ذلك ساعة تلو ساعة إلى أن يحل الظالم، اكتسبت يداه مظهر ً ّ ا النكبابه على عجن بقايا جوز الهند، وتقطعت رؤوس أصابعه دائم 92
ّكها شخص ّ التي يدير ذراع محر ّهت أظافره بسبب نصل املبشرة احلاد وتشو ً ً ا مروعا، صوت احلرمان ً بالغ، كانت املبشرة تنفخ دخانا أسود وتصدر صوت ّ )مهار( إلى العمل ليساعد والكدح وحياة فقيرة بال خيار آخر، اضطر عائلته على البقاء، فوالده ميت وأمه أقعدها املرض الشديد� ّ »سأنشد أغنية عن احلب يا إيبوندا غورو���« ّق ّ ّ اه! نحن لم نبادر قط ّ إلى إعطاء مثل هذه املقدمات، ولم نتطر رب ّي األغاني الوطنية أو قبلئذٍ ّ إلى أغان تتحدث عن هذا املوضوع، عادة نغن األناشيد الدينية بالعربية أو أغاني األطفال� ّ »حتكي هذه األغنية قص ُّ ة شخص مفطور القلب بعد أن سرق أعز أصدقائه محبوبته«� ّ صمت وحد ً ق بعيد ً ا من خالل النافذة، بعيدا وراء الغيوم املنجرفة، طارت عقولنا ملا فتح خرجه وأخرج منه أداة موسيقية: قيثارة! ّ بدأ )مهار( يعزف بحذر بالغ مقدمة كسرت السكون كما لو أنها هدير ّ رعد آت من بعيد، فعل ذلك وعيناه مغمضتان، ثم بعد مقدمة سلسة ّل من األغنية� انحدر إلى املقطع األو ًا، لم تكن األغنية سوى »فالس تينيسي« الشهيرة شهقنا إعجاب التي تغنيها »آن موراي«، ال شائبة خالطت اهتزازات صوت )مهار(، واستيعابه لألغنية يفوق التصديق، بدا يف الواقع كأنه يعاني مبرارة من ا، س ّ حرنا بصوت )مهار( املتألق، وعندما انتهى ّ ُ ُ فقدان محبوبة قلبه، فتن ُس( جاهدة أن تخفي الدموع يف عينيها، يف ً حييناه وقوفا، حاولت )بو م منتصف نهار ذلك اليوم من متوز، يف ذروة موسم اجلفاف، ونحن ننتظر أذان الظهر، ولد فنان عظيم يف مدرسة احملمدية الفقيرة� 93
أسئلة الفصل َّ 1ِ �ة ِ يف الفصل ّ الث ِام ِن َّ الذي َ َّم ِدي ّ ُ اوي كَّل َ ت ِ الميذ ِ مدرسة ا ُحمل َ الر َع َجم َقْ ُم َ خ ْم ٍسة"� َّ لكنُه َ خ َّص َص )للينتاجن( ِ ُّي ر َ ْقل َ ُض الع َر َكان ِ بُع ِ نوان "امل َما ِْي َك؟ و أ َ ص ُص َ )ملهار( ف ْصًال� ِ ملاذا بر ِّ ُ َخ َ َ اآلن ي ُ، وهو َ ْحَده َفصًال و َُهما؟ ّاوي )إكال( ل َ ْص ِف الر ْ ُق َ بني ِ )لينتاجن( و)مهار( م ْن ِ خ ِالل و َ الفر َ َّم ِدَّي ِة؟ م َ درسِة ا ُحمل م ِصير َ َ 2َّ �قُع ْ أن َ يكون َ )ملهار( د ٌور ِ يف حتديد َ ْهل تتو َ َك� ِ ْش ُ زمالء ناق 94
13 املستغرق يف أحالم اليقظة ّفاته ً فقط بعد أن شهدنا أداءه استوعبنا من هو )مهار( حقا، كانت تصر طوال الوقت خرقاء، ثيابه خارجة عن املألوف وحديثه هراء، ونحن، ّ غير مدركني أن كل تلك املراوغات ما هي إال انعكاس موهبته الفنية، ّا غريب األطوار، واآلن اكتشفنا أن )مهار( قد وازن ً ًا بوهيمي اعتبرناه صبي ًا، مع )لينتاجن( سفينة مدرستنا التي جذبها دماغ )لينتاجن( وحرفها يسار َ ّ يان، وبوجود هذين املرميني كل يف موضعه ّ و)مهار( أصبح يف صفنا مرم غدا من املستحيل أن نشعر بامللل� ًا ما انتهينا ونحن ننظر وألن )لينتاجن( و)مهار( جلسا متقابلني، كثير ّج على مباراة كرة طاولة تارة إلى اليمني وتارة إلى اليسار، كما لو أننا نتفر ّ ّ ا مثل بلهاء يتحدانا »كولومبس« ونحن محشورين بني الالعب ْني، كن لنجعل بيضة تقف مستقيمة� ًمرة، خالل فترة االستراحة بني الدروس، وقف )لينتاجن( أمام اجلميع ًا من ورقة شجرة نخيل الهند، ّ ورسم مخط ًطا يوضح فيه كيف نصنع قارب ٍ من ّك مأخوذ ّك ذلك القارب بوساطة مروحة دافعة موصولة مبحر يتحر ّك حتى يدفع القارب قام ّ جهاز تسجيل تدعمه بطاريتان، وليتحكم باحملر ّلية، استطاعت بحسابات رياضية وشرح لنا قوانني )الهيدروليكا( األو ّ حساباته أن تقدر سرعة القارب بناء على كتلته، أصابني الدوار من قارب ورقة نخيل الهند وهو يحوم يف الدلو� ّ يف مناسبة أخرى أرانا تصميم طائرة ورقية وخيط مزجج من شأنها أن 95
ُ جتعلنا ال ن ّ قهر يف معارك الطائرات الورقية، املدهش يف كل ذلك امتالكه ّ نت ًا، تلك البذور تضم ّدات التي بقيت خام العديد من اخلطط واملسو ّ ّ نته فكرة رفع األشياء الثقيلة من قاع النهر، وخطة بناء غريب فيما تضم ًا ًا وليس آخر ّ يتحدى قوانني الهندسة املعمارية والهندسة املدنية؛ وأخير ّخطة جتعل البشر قادرين على الطيران� ّة بعد ّ أما بالنسبة إلى )مهار(، فما انفك يستولي على الساحة مر ّ ّ ة، كان صاحب بصيرة فنية، وإلى جانب تبحره يف املوسيقا ملتابعته مر ّ مذيعي الراديو احملل ّ ي »صوت التجلي« أو »سوارا بينغيجوانتهان« على ً ا على بعض أبيات القصائد عن الطيور ّ املوجة القصيرة، كان مطلع البيضاء يف شاطئ )تاجنوجن كيالنياجن(، وعلى الهجاء الذي يسخر من ّز على )املاليويني (الذين أصبحوا فجأة أغنياء، هذا عدا عن عزفه املمي ّ القيثارة الذي لطاملا هدهدنا وسكن من روعنا� أصبح )مهار( بسبب خياله اخلصب أكبر معجب باألساطير اخلرافية، وجميع األشياء التي تفوح منها رائحة اخلوارق والغيبيات، يف وسع املرء ً ا ّ أن يسأله عن أقاصيص )بيليتوجن( األسطورية القدمية، وسيجده مطلع ّ على أدق تفاصيلها؛ من حكاية تنني بحر الصني اجلنوبي اخلرافية إلى ُ ً عتقد أنه حكم جزيرتنا مرة� ّ قصة امللك بذيل القرد الذي ي ً كان )مهار( مهووس ً ا أيض ّ ا بسيد الفن القتالي »بروس لي«، حيطان ّ ل إلى بيته تغطيها صور سيد »الكونغ فو« بوضعيات مختلفة، وقد توس ُ ً لصقا حملبوبه »بروس لي« يف ً ّ ا لتسمح له أن يعلق م ًا وتكرار ُس( مرار )بو م ّجتان وسالحه عصا مزدوجة وعلى حركة التنني الغاضب، عيناه متوه ّه قد خمشه� ّخده ثالثة خدوش متوازية ألن عدو 96
ًا أن املخلوقات الفضائية ليست موجودة ً ا جازم يعتقد )مهار( اعتقاد ً فقط بل أيض ّ ا أنها يف يوم ما ستنحدر إلى جزيرة )بيليتوجن( متنكرة بزي العاملني يف املستشفى حتى حتقن الناس باللقاحات يف عيادة الـ )پ ن(، ّ وبزي حراس املدارس واملؤذنني يف جامع احلكمة، أو رمبا بزي حكام كرة ًا للسخرية إلى أبعد احلدود، القدم، كان )مهار( يف بعض األحيان مثير ّر بأنه رئيس جمعية اخلوارق الدولية التي فهو على سبيل املثال قد تصو ّ من شأنها أن تقود احلرب ضد املخلوقات الفضائية، سالحها املستخدم يف ذلك أوراق نبتة املخملية� يف إحدى األمسيات، بعد يوم حافل باملطر الغزير، افترش السماء ّ من ناحية الغرب قوس قزح مثالي، جتلى على شكل نصف دائرة باهرة ّ سبعة أطياف من اللون، انبثق من دلتا )اجلينتانغ( مثل اإلشراق تضم ّ سجادة متأللئة وامتد ليزرع نفسه يف غابة الصنوبر عند جبل )سوليمار(، انحنى وتراقص، وبدا مثل حشد ضخم من الفتيات العائمات يف بحيرة نائية� ّا يطالب بأغصانه اخلاصة، وسرعان ّ غزونا شجرة )الفيلسيوم( وكل من ما غدت الشجرة العتيدة مرتع جدلنا الصاخب ونحن نستعرض نظرياتنا ّ الشخصية املتعلقة باملشهد السحري الذي يجتاح شرق )بيليتوجن(، أحببنا ً ّ ا القصص التي نرويها، وأصبحت عادة لدينا أن نتسلق الشجرة بعد كثير ّكل ً عاصفة ماطرة بحثا عن قوس قزح، ولهذا السبب، أطلقت علينا ْ ِ كار پ ِ الجني(: )السكار( تعني عساكر، و)پالجني( ُس( اسم )الس )بو م تعني قوس قزح، وبذلك أصبحنا عساكر قوس قزح� ّا نضغط عليه جاءت احلكايات األكثر إثارة من )مهار( بالطبع، كن 97
ّد، يف حني ً ا ليروي لنا حكاية، ويف البداية يتظاهر باخلجل والترد دائم ّ تقول النظرة يف عينيه هذه قصة خطيرة، لن يقدر أحد منكم على صون هذه املعلومات احلساسة للغاية! ثم بعد أن يشاور نفسه يستسلم، ليس بسبب إحلاحنا وإمنا بسبب ً رغبته التي ال تقاوم يف التباهي، »أتعرفون شيئا يا رفاق؟« انبرى يسأل ّ يومها وهو يحدق يف املدى، »أقواس قزح هي يف احلقيقة أنفاق زمنية! وإذا ّقدر لنا أن ننجح يف عبور قوس قزح، سيتسنى لنا لقاء أجدادنا األوائل يف )بيليتوجن( وأسالفنا من الساواجن«� ّدت أصداء أذان املغرب من مسجد إلى مسجد بني أعمدة البيوت ترد ّ ّ ا قد تعلمنا أن نصمت املاليوية العالية، وابتلع الظالم نفق الزمن، كن ً خشوعا حينما يعلو نداء األذان� »اهدأوا وأصيخوا السمع إلى التكبير« هكذا اعتاد أهالينا أن يرشدونا� أسئلة الفصل ُ ِجودِه ً ما مع 1 �ا َ َحتَّق َق َ ِبو ُ يقف َّ )مهار( على الط ِ رف ِ املقاب ِل )للينتاجن(، و ِ َالف َ بينُهما� ًن ْ ا االخت ِّ ِ َك مبي َ ْح ذل َّ الت ُوازُن ِ يف الفصل� اشر َ 2 ُ �اسم َ ت ِ الميذ )بو َ ٍوم ِ ماطٍر، صار ِ َ )الفيلسيوم(، وبعد ي َة ِم ْن َ ع َ لى ش َجر ِ َك� ُ َ ق ِ وس ُ قَزح"� ُ اكت ْب ِ شار ًحا ذل ُم َس("ع ِساكر 98
14 ّ بطاقة عالمات لألم ّ ًسا على ّ ارتفع حبل سميك أسود فوق مستوى املياه املتدف ّ قة وامتد مقو سطح النهر، أحد طرفيه مربوط بفرع شجرة مطاط قدمية ومتآكلة، بدا أشبه بذراع منبثقة من قلب املجرى املائي، و)شمشون( هو من قذف باحلبل إلى هناك� تبلغ املسافة من حافة النهر إلى فرع شجرة املطاط نحو سبعة عشر ًا، واهلل وحده يعلم ًا، ويعني هذا أن عرض النهر يقارب ثالثني متر متر ّ كم يبلغ عمقه، جرى التيار بخفة وسرعة، وملع سطح املاء حتت لهيب الشمس� ّ أمسك )آكيوجن( املتمركز عند حافة النهر طرف احلبل اآلخر، تسلق شجرة »كيبانغ« مقابلة لشجرة املطاط ثم عقد طرفه حول أحد فروعها، ًثا باحلبل ّ ّ ّ جسدي وأنا أشق طريقي نحو شجرة املطاط متشب اهتز ًا بيد فوق أخرى، انزلق احلبل بوصة تلو بوصة حتت وطأة قبضتي وماضي ّ اخلانقة، تعلقت مثل جندي قيد التمرين؛ وما بني حني وآخر انزلقت ّ ساقاي من على احلبل والمستا سطح املاء املتسارع، وجعلتا دمي يتخثر ُعثر ّ يف عروقي، بالكاد كنت أرى ظلي على املاء الكامد، لو سقطت، سي ً علي عالقا بني جذور »املانغروف« قرب جسر )لينغاجن(، على بعد ًا من هنا� خمسني كيلومتر ّ كان كل هذا املجهود الذي بذلناه؛ وهو باملناسبة يخالف أوامر أهالينا، يف سبيل احلصول على ثمرة املطاط وزيادة قيمة رهاناتنا يف حلبة 99