The words you are searching are inside this book. To get more targeted content, please make full-text search by clicking here.

رواية_عساكر_قوس_قزح_اللغة_العربية_للصف_التاسع_2021_2022

Discover the best professional documents and content resources in AnyFlip Document Base.
Search
Published by zackymunawar17, 2024-01-17 17:44:02

رواية_عساكر_قوس_قزح_اللغة_العربية_للصف_التاسع_2021_2022

رواية_عساكر_قوس_قزح_اللغة_العربية_للصف_التاسع_2021_2022

ضحكنا، وأخرج )كوتشاي( مشطه� ّ ً معركة كالمية، )تراپاني( وحده وقف مذهوال، كان كنا يف خضم )تراپاني( يف اآلونة األخيرة أهدأ من املعتاد ويف أغلب األحيان بدا كأنه يف غيبوبة� شعر )شمشون( باخلجل من اإلقـرار بأنه أخفى رأسه حتت إبط ّ )شهدان(، لم يرد أن يحطم صورة الرجل صاحب العضالت املفتولة� احتجنا إلى وسيط إلنهاء النقاش، شخص ميتلك معرفة واسعة ً ا باحللول لم يظهر له أثر ّدنا دائم وكلمات ذكية، لكن )لينتاجن( الذي زو على مدى يومني، ولم تردنا أخبار منه� ً بدأ القلق ينتابنا عندما لم يظهر )لينتاجن( يف اليوم التالي أيضا، لم ً ً ا واحدا خالل السنوات جميعها التي ّب )لينتاجن( عن املدرسة يوم يتغي ّ ّ ا يف موسم املطر، وهو ليس وقت العمل يف جتفيف لب ً ا، كن قضيناها مع ُزلت جوز الهند، وال هو موسم جني »البطلينوس«، وأشجار املطاط قد ب ّه إلى عدم احلضور، ّ ً ا طارئا اضطر ً ًا جدي ّ يف الشهر املاضي، ال بد أن أمر ً لكن بيته كان أبعد من أن نرسل أحدا إليه ليأتينا باخلبر اليقني� جاء يوم اخلميس، و)لينتاجن( لم يظهر طوال أربعة أيام متتالية، بدا ّ الصف ّ فارغً ا بدونه، حدقت بتوق يف املقعد الشاغر إلى جانبي، وأمعنت َّ ُ ظر إلى فرع شجرة )الفيلسيوم( حيث اعتاد أن يجثم ليراقب قوس قزح، الن ولم أجده هناك� َّ ما عاد الص ّف على حاله مع غياب )لينتاجن(، افتقدنا ّ أجوبته العظيمة، وكلماته الذكية، وافتقدنا متابعته وهو يناقش املعلمة، ّ بل حتى افتقدنا شعره األشعث، وصندله الغث وجرابه املصنوع من اخليزران� ّة ّالي أن نرى )لينتاجن( وابتسامته املشع حدانا األمل يف يوم اإلثنني الت 300


ّفق وأحدث حكاية من حكاياته املدهشة، إال أنه لم يأت، وفيما نحن نت على القيام بزيارته، جاء إلى املدرسة رجل هزيل حايف القدمني، كان من ُس(� ّ قرية )لينتاجن(، وسلم الرجل رسالة إلى )بو م ُس( ُس( الرسالة، لقد مررنا بأوقات محزنة كثيرة مع )بو م قرأت )بو م ُس( إلى اختبارات صعبة ال نهاية لها، ّضت )بو م ّ السنني، وتعر على مر ّل مرة نراها تبكي، تساقطت دموعها على الرسالة، ولكن كانت هذه أو ُذ ُ هلنا، مضيت إليها فناولتني الرسالة ألقرأها، كانت قصيرة� )إيبوندا غورو(، ّعكم، ً لقد تويف أبي، سآتي إلى املدرسة غدا ألود تلميذك، )لينتاجن(� ّاد السمك الفقير، وأصبح كان )لينتاجن( أكبر األبناء يف عائلة صي ّ يه ّه وشقيقاته الصغيرات، وأجداده األربعة، وعم ُعيل أم ًا عليه أن ي لزام العاطلني عن العمل، وليست لديه فرصة من أي نوع ليواصل تعليمه ً ألن عليه تأمني لقمة عيش ما ال يقل عن أربعة عشر شخصا، ذلك العبء الثقيل يجب أن يقع على عاتق فتى ما زال طري العود ألن والده النحيل صاحب الوجه اللطيف قد مات، الرجل الذي يشبه شجرة َ ً ه الثرى الذي وارى أيضا آمال ابنه الوحيد الصنوبر سقط، ووارى جثمان العظيمة� اتفقنا على وداعه حتت شجرة )الفيلسيوم(، كنت أنازع من الداخل، ّ قلبي، ولم يكن الوداع قد بدأ بعد عندما انبرى وشعرت بالفراغ يعم 301


ً ا متشابكي ً )تراپاني( ينشج نشيج ً ا متواصال، وجلس هارون وسهارى مع ّ ّ ات عدة األيدي واستسلما للبكاء، وذهب )مهار( و)شمشون( وهارون مر َّهم فعلوا ّ ليغسلوا وجوههم بحج َّ ة االستعداد للصالة كما زعموا، لكن ّ ذلك يف الواقع ليتخلصوا من دموعهم، وغرق )آكيوجن( يف حالة من ُّ الذهول وطلب أن ندعه وشأنه، )فلو( التي لم تلتق )لينتاجن( إّال من فترة ّ قريبة والتي ال تتأث ّ ر بسهولة حط ّ ت عليها الكآبة؛ وحدقت يف األرض بعينني كامدتني، وتلك أول مرة أراها فيها حزينة� ّ كان علينا أن نتخلى عن عبقري بالفطرة، فقد كان )لينتاجن( مثل ً ا طاقة عظيمة وبهجة وحيوية، ولطاملا اغتسلنا املنارة، بعث من حوله دائم ّ ونحن قربه بالضوء، الضوء الذي صفى أذهاننا ، وأذكى فضولنا وفتح ّواضع والتصميم ومعنى الصداقة، ّ لنا طريق االستيعاب، منه تعلمنا الت ّ ّ على طاولة )املاهوغاني( يف مباراة التحدي وعندما ضغط ذلك الزر األكادميي غرس فينا اجلرأة لنحلم� ّ فتى عبقري، ابن أغنى جزيرة يف إندونيسيا، إلى ترك املدرسة اضطر ً ا ً بسبب الفقر، شاب صغير مات جوع ّ ا يف مخزن يغص باألرز، مع ّ ضحكنا، وبكينا، ورقصنا حول نيران املخيم، لم نسأم قط من أفكاره ّ ّ دة، افتقدت عينيه اللطيفتني وابتسامته البريئة وكل كلمة اجلديدة واملتمر ّعه الوداع األخير� ذكية خرجت من فمه، حتى قبل أن أود لم يكن يف هذا عدل، )لينتاجن( الذي حارب حتى املوت من أجل ّم عليه أن يرحل اآلن، عندما واجهت مدرستنا خطر حتصيل العلم، حتت ًا ليرفع معنوياتنا، كرهت أولئك الذين يعيشون يف حضن الدمار بقي ثابت ُ ّ لكية، كرهت نفسي وكرهت رفاق صفي لعجزنا عن تقدمي الرفاهية يف امل ّ ا فقيرة جدا، وعلى ً املساعدة لـ)لينتاجن( ؛ ألن عائالتنا كانت هي أيض ً ًا بيوم لتأمني لقمة العيش� أهالينا أن يكافحوا يوم 302


ٍ جاء )لينتاجن( بوجه خال َ من أي تعبير، لم يخف عني أن قلبه كان يبكي، يقاوم بيأس عدم رغبته يف وداعنا، فاملدرسة، وأصدقاؤه، وكتبه ّه ومحور حياته� والدروس عنت له العالم بأسره، كانت هي محور حب عانقنا )لينتاجن(، انهمرت دموعه ببطء، وعناقه القوي باح برفضه ّ ّ ل رؤية وجهه البائس، ومهما حاولت املداراة تغلب ّا، ولم أحتم ّ التخلي عن ّه وال حتى بنصف ّ حزني وأفرغ الدموع من عيني، عجزت عن التفو علي ُس( التي حبست ً كلمة ألقول وداع ّ ا، بكينا كلنا، وارتعشت شفتا )بو م دموعها، ولم تسمح لدمعة واحدة بالهروب من مقلتيها على الرغم من احمرار عينيها، أرادتنا أن نكون أقوياء، وخزني صدري وأنا أراها على ّ ّ علينا قط يوم محزن كذاك يف تاريخ )بيليتوجن(، من تلك احلال، لم مير دلتا نهر )لينجاجن( إلى شاطئ )باجنكاالن بوناي(، من جسر )ماراجن( إلى )تاجنوجن باندان(� ّ ّ ا كلنا إخوة النور والنار، تعاهدنا على ُ يف تلك اللحظة، أدركت أننا كن ّ ُ اجلبال، كتب البقاء مخلصني مهما ضربتنا الصواعق واألعاصير التي تهز عهدنا يف طبقات السماء السبع، شهوده التنانني الغامضة التي حكمت ً ّ ا شكلنا أجمل قوس قزح أبدعه اخلالق� بحر جنوب الصني، ومع 303


أسئلة الفصل ْ ِ تهى ن ً هاية ُ مْغِرَقًة ِ يف احلزن� َ َ هذا الف ُصل ِ ب ً داية ُ م ْض ِح َكًة، وان َ 1 �دأ ب َ ّض ْح ذلك� و ّال َ ُح ُ فيها هذه اجل َملة ُ م ْس 2َ �ت ِدً ُ ْ " اكُت ْب َ فق ًرة َ ت ْشر ُ َقهر عدو ال ي ُ ٌّ َ "الفْقر َ عليها مبا ح َدث مع )لينتاجن(� ُ 3 ِ �ن َ هاية هذا ْ ْ طرت َ عليك َ وأنت َ تقرأ َّ َ تي سي َ ال ْ اكُت ِ ب واصًف ِ ا املشاعر َ الف ِصل� 304


ًا بعد اثني عشر عام 43 ِ َ اهلل ْ َ ق َدر قع َّ َ َو ت اقتربت مني امرأة متوسطة العمر مع رجل اسمه )دهرودجي(، مشكلة؛ ّ نعم، ال بد ً أن هناك مشكلة ما من جديد� ّي جام غضبك على هذا الرجل ِ »إذا أردت أن تغضبي يا سيدتي فصب الفوضوي« زأر )دهرودجي(� ّ ابة جدا بالنسبة إلى عمرها، تفح ّ صتني املرأة التي بدت جذ ً ّ همهمت للحظة، مكياجها، أسلوب نطقها الغريب حلريف الراء َّ ّ تركت كلها عندي واجليم، حاجباها املرفوعان، وطريقتها يف النظر إلي ً انطباعا بأنها قضت مدة طويلة يف اخلارج، وأنها قد نالت كفايتها من ّقلة كفاءة هذه البالد� ّ ظهر أنني أخطأت يف تصنيف رسالة موجهة إليها من مكتب اجلمارك، ّب على ّ مبوجبها نقود ضريبة لوحة اشترتها من وراء البحار، وترت لتسترد ّ هذا اخلطأ أن وصلتها الرسالة متأخرة، كان ينبغي أن أضعها يف صندوق )تشياوي(، لكنني وضعتها عن غير قصد يف صندوق )جاناجن سيندور(، ّ خطأ بشري� ْل العمل ُ أخطأت ثالث مرات هذا األسبوع، ألقيت ِ اللوم على حم ّ ّ يات الرسائل الهائلة وفك امتدادات الرموز ّر كم الثقيل، أعجزني تدب 305


ُ البريدية غير املألوفة، ولم يرغب )دهرودجي( - رئيس قسم التسليم - يف االستماع إلى مشاكلي� َّ نظرت بقنوط إلى األكياس ذات احلروف الثالثية املؤشرة بختم االحتاد ّ البريدي العاملي، بينما تابعت املرأة اجلذ ّ ابة تشك ُ يها، كرهت فوضى ّ حياتي، أحد مؤش َ رات احلياة الفاشلة هو أن يصيح عليك زبون حتى قبل أن يتاح لك تناول فطورك الصباحي، على أي حال، بعد عملي يف ّ أذني� ّ مكتب البريد مدة طويلة، أصبحت أعرف كيف أصم »هو فاك مويت إك جه دات نوغ زيغن« قذفتني بكلماتها ، واستدارت ّ ًدا، ألم أفعل؟ عنت جملتها، اشتكيت مرات لتغادر، لقد فهمتها جي عديدة، وما زالت ترتكب األخطاء نفسها! عدت إلى التحديق شارد الذهن باألكياس ذات احلروف الثالثة، وعلى الرغم من شعوري بالكآبة ؛ ألن هناك من صاح يف وجهي، ما ّ ّ ل دفعة من سعاة البريد ال بد أن زال علي أن أفرز الرسائل؛ ألن أو ّ تي فرز ً تأخذ الرسائل العاجلة يف الثامنة صباحا، كنت عامل بريد، مهم َّة التي الرسائل يف قسم العمليات املستعجلة، وأداوم يف النوبة الصباحي تبدأ مع الفجر� كنت أشعر بنفور كبير من مفارقات حياتي الساخرة، اختفت خطتي ًا والعب َّ )أ(ال ّ تي وضعتها يف املاضي، والتي نصت على أن أصبح كاتب ً ريشة طائرة، غاصت عميقا والتصقت بقعر صندوق فرز الرسائل، حتى خطتي )ب( التي اقتضت أن أكتب عن لعبة تنس الريشة فشلت، مع ّ ًكا بالتقديرات اجلميلة التي حصلت أنني يف أعماق قلبي ما زلت متمس عليها من أبطال اللعبة السابقني ووزير التربية� 306


ً ً ا ثالثة وثالثني فصال، وأكثر من لقد كتبت ذلك الكتاب، بلغ تقريب ًا عن احتاد كرة ً مئة ألف كلمة، ألعكف على كتابته أجريت بحث ّ ا مركز ّقت يف الثقافة الشعبية واجتاهات التطوير الشخصي الريشة الطائرة، تعم ًا: »تنس الريشة واكتساب ً ّ ا، حتى عنوانه كان مؤثر ألجعله غني ً ً ّ ا مثله، لسوء احلظ، وبناء ّ األصدقاء«، ولم تشهد إندونيسيا قط كتاب ُبد أي ناشر استعداده لنشره� على اعتبارات جتارية لم ي ّد رجل يحاول طمأنة نفسه كل يوم، ومهما يف النهاية، أصبحت مجر ُ فعلت ألطمئن نفسي؛ ألجعلها أقوى، أحلفت يف الغرق حتت أكداس ُس( ّمة فوقي، منذ عهد بعيد، علمني )پاك هرفان( و)بو م الفشل املتكو أال أتراجع أمام الصعوبات، لكن يف هذه املرحلة من حياتي واجهني ُعرف بالضربة الفنية القاضية� القدر مبا ي ّ ، ذات صباح محبط جدا حتت املطر املنهمر، حزمت بجديلة من ّ ً ثم ُدمجة حتتوي البالستيك أربع نسخ رئيسة من كتابي مع ستة أقراص م ّ امللفات، وربطت معها بعقدة يستحيل فك ّ ها ثقالة ورق من الصفيح تزن ُربط عادة بأكياس البريد، جريت نحو نصف كيلوغرام، من النوع الذي ي جسر )سيمبور( يف )بوجور( يف جاوة الغربية، وهناك أغمضت عيني وألقمت أعماق نهر )سيليواجن( كتاب تنس الريشة الطائرة، رأيت أنه يف حال لم تعلق احلزمة بني أحجار النهر، فستطفو مع مياه الفيضانات ّ ً جهة إلى جاكارتا منجرفة بعيدا وهي حتمل أحالمي� املت ّكلما واجهني أمر مربك، هربت إلى أجمل مكان عرفته؛ املكان ّاء الذي اكتشفته يف طفولتي، ذاك املكان هو قرية جميلة ذات حدائق غن ّ حتيط بها أسوار احلجارة الرمادية، ودروب غاباتها مظللة بأغصان أشجار 307


ّة خيالي� األجاص، آه، إنها )إدنسور(، جن ّ كانت تلك القرية ترياق قلبي احملطم، وكلما زادت حياتي صعوبة ًا ما زرت )إدنسور( يف أكثرت من جلوئي إلى كتاب »هيريوت«، كثير َّ أحالمي، وعندما أستيقظ أستشعر أملا يف صدري؛ ألن ّ األحالم تذكرني بـ )آلينغ(، وجتعل احلياة تغدو فوق طاقة احتمالي� يف أحد األيام وأنا عائد إلى البيت من عملي يف فرز الرسائل، جلست وحدي حتت شجرة عند طرف حقل )سيمبور( على مقربة من ُّ النزل الذي أقيم فيه، وواجهت مياه )سيليواجن( اجلارية، وشكوت أمري ّ ل إليك منذ عهد بعيد بأن جتعلني أي شيء ما ّاه، ألم أتوس إلى اهلل، »رب ًا والعب تنس الريشة؟ ألم ُ عدا عامل بريد إذا أخفقت يف أن أصبح كاتب ّ ً ل إليك أال متنحني عمال يبدأ مع صالة الصبح«؟ أتوس ّافذ؛ لذا، ها أنا هنا اآلن، يصف ً كان واضحا أن تدبير اهلل هو الن ً موظفو مكتب اإلحصاءات احلكومي أناسا مثلي بأنهم أولئك الذين يعملون يف قطاع اخلدمات احلكومية، ويستهلكون أقل من 2100 سعرة ّ حرارية يف اليوم، وأنهم قرب خط الفقر� ًا، ً ً ا، وطفال فقير ً ا فقير الفقر صديق حياتي الدائم، كنت رضيع ً ا على الفقر كاعتيادي ًا، كنت معتاد ً ً ا، وأصبحت بالغا فقير ً ومراهقا فقير على أخذ حمامي اليومي� َ ًال، أعمل عشر ً وضعي الدميوجرايف: أعيش حياتي وحيدا، مهم ّف ضمن الفئة العمرية ما بني عشرين إلى ثالثني ُصن ّا، وأ ً ساعات يومي ً سنة، أما رسمي البياني فهو: رجل وحيد يتضور جوعا لالهتمام، ً ا من اجلمهور الذي يستهدفونه ّقو السلع التجارية فرد ُسو يعتبرني م ملنتجات زيوت الشعر، وحبوب زيادة الطول، ومستحضرات منع تساقط 308


ّ الشعر، واملشدات، ومزيالت الروائح الكريهة، أو أي منتج آخر له عالقة ّه أمري، والدولة ال تعرفني إال من بتعزيز الثقة بالنفس، العالم ال يهم ّ خالل رقم توظيفي يف مؤسسة البريد والذي يتألف من تسعة أرقام: 967275337� ُدرج لم تكن هناك أي بهجة يف عمل فرز الرسائل، هذا العمل لم ي مع املهن التي عرضها تالميذ مدرسة الـ )پ ن( يف الكرنفال، كنت ٍمم أنا ال أعرف ُ ّا يف بحار عشرات األكياس البريدية من أ ً أغرق يومي ًا ، وأزور أسماءها حتى، عرق ممزوج بالغبار، ومستقبلي أن أتقاعد فقير ً ا ّ بانتظام املستوصف الذي نص عليه التأمني احلكومي، ثم أموت بائس كأي نكرة� ً كنت بعد الدوام أعود إلى مسكني منهكا إلى درجة عزويف عن االختالط بالناس، ورمبا بسبب اإلحباط الذي جنم عن انهيار أحالمي ، وبدأت أعاني من مرض يعانيه من هم حتت وطأة اإلجهاد: األرق، ّكل ليلة وأنا نصف نائم، نصف صاح أستسلم لتخدير قصص »وايانغ« ّ اإلذاعية، وبعد انتهاء القص ُ ة يبقى األرق رفيقي، ثم صرت أستسيغ االستماع إلى خشخشة الراديو إلى أن يطلع الصباح، وهكذا شعرت أن ّ اجلنون قد بدأ يحط ً علي رويد ً ا رويدا� ّغون ّ ا جدا يف الصباح، وأهالي )بوجور( يتمر ً ً بعد كل ليلة تعذيب، باكر ّ ّ تهم الدافئة، كان علي أن أتوجه إلى عملي، أزحف خارج سريري ِيف أسر ّح على دراجتي يف طريقي إلى مكتب البريد على ّ البارد، أترن يف اجلو َ ُعد ضباب الصباح الكثيف؛ طول نهر )سيليواجن( الذي لم ينكشف عنه ب ألفرز آالف الرسائل، وبينما ينهض أهالي )بوجور( ويتثاءبون، أو يبقون 309


ّتهم كأنهم اليرقات، أو يفتحون بتكاسل صحف الصباح ِ يف أحضان أسر ً وأمامهم الشاي الساخن واخلبز احملمص، أستمتع أنا أيضا بفطوري: ّدة الهولندية� شكوى السي تلك كانت حياتي، فمستقبلي غير واضح املعالم، وال أملك أدنى ّ فكرة عما قد يحمله، والشيء الوحيد الذي تيقنت منه هو أنني إنسان ّة اضطررت فيها إلى الوقوف يف باحة مكتب ّ فاشل، لعنت نفسي كل مر ّ البريد يف اليوم السابع عشر من كل شهر حلضور مراسم رفع العلم التي تؤديها هيئة املستخدمني احلكوميني اإلندونيسيني� ًا يف حياتي فذاك ليس إال ُدعى مثير إذا بقي هناك شيء ميكن أن ي ّنة وذكية وجميلة، ّبة القلب ومتدي »إرين ريسفالديا نوفيال«، كانت طي ُنحت جائزة ّ ويف احلادية والعشرين من العمر، لق َّ بتها بالفائزة؛ ألنها م ّ اجلامعات العالية املستوى يف إندونيسيا، حيث ّقها يف واحدة من أهم لتفو ّحته شركة الـ )پ درست علم النفس، )إرين( هي ابنة أخي الذي سر ّ ُ لت مسؤولية متويل دراستها� ن( من عمله لديها، فتحم ّ كان إعيائي من العمل طوال النهار يزول فجأة كلما رأيت الذكاء املشع يف عيني )إرين(، إقبالها على الدراسة، ومواقفها اإليجابية، وقد رضيت ّ ّ ا، وأن أتسل ً م أعماال أخرى ً ًا إضافي عن طيب خاطر أن أعمل من أجلها وقت مختلفة مثل مترجم لغة إجنليزية، وطابع على اآللة الكاتبة، وناسخ ّملف ّ ات بدوام جزئي، وكنت على استعداد للتضحية بكل شيء مبا يف ّل دراساتها� ذلك رهن آلة التسجيل التي أعتبرها أثمن ممتلكاتي ألمو ّ ً ة مع )لينتاجن( مؤملة، وقد عملت أحيانا مبزيد من كانت جتربتي املر ّض شعوري بالذنب الذي سيطر علي؛ اجلهد من أجل )إرين( ألعو َّ ألنني عجزت عن مساعدة )لينتاجن(، كما منحتني )إرين( الشعور بأنني 310


ً ما زلت مفيد َّ ا للعالم بطريقة ما مهما كل ّ ل الفشل حياتي أو حط عليها ّ ّ ن ما يستحق أن أفخر به، ولذلك أردت البؤس، ولم تكن حياتي تتضم ّ ، وكانت )إرين(الشيء الوحيد الذي له مغزى ّسها لشيء مهم أن أكر عندي� ّ بفترة عصيبة، فقد أنهت سنتها التحضيرية يف الفصل كانت متر ّد، املاضي، وما زالت منذ خمسة أشهر تبحث عن موضوع أطروحة جي ّ رفض املشرف عليها كل ما عرضته عليه من اقتراحات، ومع آخر رسالة ٍ رفض أرفق املشرف خمس عشرة صفحة حتتوي عناوين أطروحات كتبها الطالب اآلخرون، ألقيت نظرة على العناوين، ورأيت أن ما ذكره ًا يف املواضيع التي اقترحتها ًا تقريب املشرف صحيح، فقد كتب ثالثون طالب ّ )إرين(: اضطراب الشخصية، والتوحد، والرضا الوظيفي، ومتالزمة داون، وتوعية األطفال� ً طالبها املشرف بأن تطرق موضوع ً ا جديد ً ا، شيئ ً ا مختلف ً ا، شيئا ميكن ً َّ ا ؛ ألنها طالبة حاصلة على اجلوائز، وقد ّا كبير ً ّ أن يحق ً ق إجنازا علمي ُ اتفقت معه� ّر ما عن موضوع فريد، أخبرتني أنها يف الواقع كان لدى )إرين( تصو ً ً ا كامال ّ ً إجراء بحث عن حالة نفسية يكون فيها الفرد معتمدا اعتماد تود على فرد آخر، إلى درجة أن التابع يعجز عن القيام بأي شيء يف حال غياب الشخص املتبوع، أخبرت املشرف فأعطاها موافقته� ّ أما املشكلة فتمث ُ لت يف ندرة هذا النوع من احلاالت، كانت هناك ّ بعض حاالت التبعية، لكن درجة حد ّ تها منخفضة، وبالتالي لم تتطلب ّة، ويف خضم معاجلة خاصة، فقد كانت )إرين( تبحث عن حالة حاد بحثها عن احلالة املنشودة تواصلت مع علماء النفس واألطباء النفسيني 311


ّ سات الصحة العقلية وأطباء مستشفيات وأساتذة اجلامعات ومؤس األمراض العقلية يف أنحاء إندونيسيا جميعها، وقد بحثت )إرين( عن ًا ولم جتد ضالتها، وبدأت تشعر باإلحباط� هذه احلالة أربعة أشهر تقريب َ ثم طرقت البشارة بابها حني ّ تسلمت رسالة من مدير مستشفى »سنجايليات« لألمراض العقلية يف )باجنكا(، وقالت الرسالة إن املستشفى لديها حالة كتلك التي تبحث عنها� جزيرة )باجنكا( هي جارة جزيرة )بيليتوجن(، واجلزيرتان تقعان يف احملافظة نفسها، )باجنكا( - )بيليتوجن(، لذا عندما طلبت مني )إرين( ّد يف أخذ إجازة من عملي يف فرز الرسائل، ويف الوقت مرافقتها، لم أترد ّ يف )بيليتوجن(� ّ نفسه خططنا لزيارة قريتنا األم ّ كانت مستشفى »سنجايليات« لألمراض العقلية قدمية جدا، بناها ً ّون، ودعاها أهالي )بيليتوجن( »زال باتو« أو »غرفة احلجارة،«؛ ألن الهولندي ًا إلى عدم اجلدران يف غرف املعاينة كانت مصنوعة من احلجارة، ونظر وجود مستشفيات أمراض عقلية يف )بيليتوجن(؛ وهذا صحيح إلى اليوم، كان الناس الذين يعانون من أعراض عقلية خطيرة يرسلون يف أغلب األحيان عن طريق البحر إلى املستشفى يف )باجنكا(، ولهذا السبب عنى ً ّ ا ألهل )بيليتوجن( كل ٌ ما هو مؤلم ومظلم وميئوس منه� اسم »زال باتو« دائم ّد من املساجد احمليطة بـ »زال باتو«، عندما وصلنا، سمعنا األذان يترد دخلنا املبنى القدمي األبيض املدعوم بأعمدة طويلة� واجهتنا أبواب فوالذية ضخمة األقفال، وعنابر أدوية فيها قناني ّ ال بلباس أبيض، صغيرة كثيرة، ومناضد معاينة قابلة للطي، وعم ّ ومرضى يكل ّ مون أنفسهم أو يحدقون يف الفراغ بطريقة غريبة، فاح املكان برائحة كرائحة املستشفيات� 312


ّ ً ض، عرف أننا ننتظر ففتح لنا الباب، دخلنا رواق ً ا طويال اقترب منا ممر ّ اصطفت على جانبيه غرف املرضى، حدقت يف وجوه املرضى الواقفني ّلت القضبان الفوالذية إلى عشرات خلف القضبان الفوالذية، وحتو ًا ً ا مجدور السيقان البشرية، ومن الفجوات بني السيقان رأيت وجه ً ا يف رأسي؛ ّ ً مستشفى املجانني مكانا مظلم أعرفه، فتح احلزن الذي يعم املكان الذي يختبئ فيه )بودينغا(� ّض إلى مكتب األستاذ )يان(، مدير املستشفى الذي اصطحبنا املمر ّات مسبحة يف يده� ً كاتب )إرين(، وكان وجهه هادئا وأصابعه تداعب حب ّ« وقال ّ ّ فة املتعلقة بعقدة األم ُ»ت ّعد هذه احلالة من احلاالت املتطر ّه وال دقيقة ّ بصوت ثقيل: »ال يستطيع االبن الش ّ اب أن يفترق عن أم واحدة، فإذا استيقظ من النوم ولم يرها بادر بالصراخ بطريقة هستيرية، ّت إلى إصابة األم باجلنون، ومضى على وجودهما وهذه التبعية املزمنة أد هنا حوالي ست سنوات« � ّل ما قادنا األستاذ )يان( إلى غرفة صغيرة معزولة، خشيت أن أتخي أنا بصدد رؤيته، تدافعت األفكار يف رأسي، أتراني أمتلك من القوة ما ّ ل مشاهدة مثل تلك املعاناة الرهيبة؟ أليس من األفضل لي يجعلني أحتم ّ أن أنتظر يف اخلارج؟ وقبل أن أتخذ أي قرار فتح األستاذ )يان( الباب� وقفنا يف املدخل، كانت الغرفة كبيرة وبسكون املوت، الضوء الوحيد فيها انبعث من مصباح منخفض أخفق يف تسليط اإلضاءة نحو السقف ّق يف الزاوية� العالي، لم حتتو الغرفة على أثاث باستثناء مقعد طويل وضي ًا هناك، على املقعد الطويل، على بعد خمس عشرة خطوة تقريب ّ وابنها، بدا عليهما القلق، كما جلس مخلوقان مسكينان متقاربني؛ أم ّ الن أن ينقذهما أحد� لو أنهما يتوس 313


ّ سمت جلسة االبن الهزيل جدا باالعتدال، شعره الطويل حجب وجهه، ّ ً ات ًا وأشعث، أما بشرته فشاحبة� شعر سالفيه وحاجبيه وشاربه كان غزير ّ ً ا هائال من األلم، ويف ً ّ بدت األم هشة، وأخفت عيناها يف محجريهما كم ُطاق� ّ ال ي ّ قدميها خف أكبر بكثير منهما، وكشف وجهها عن إجهاد عقلي راوح االثنان النظر إلينا ما بني تارة وأخرى، إال أنهما أبقيا رأسيهما ّ مطأطئني أغلب الوقت، جلس االبن وهو متعلق بذراع أمه، وعندما ً دخلنا ازداد التصاق ُ ا بها، استأذنت ألخرج من الغرفة� ساعد األستاذ )يان( )إرين( على إجراء مقابلة مع املريضني، بعد ّع األم ساعة ونصف الساعة انتهت املقابلة، وأشارت لي )إرين( ألود ّ وابنها، فرجعت إلى الغرفة واغتصبت ابتسامة على الرغم من تفطر قلبي ّل معاناتهما� وأنا أتخي َ أن ّم علي غادرنا نحن الثالثة الغرفة، كنت األخير يف اخلروج، وحتت َن يغلق الباب، يف تلك اللحظة ناداني صوت� أكون م »إكال�����« فوجئ األستاذ )يان( و)إرين( بقدر ما فوجئت أنا نفسي، التفتنا لننظر، لم يكن هناك أحد آخر غير ثالثتنا وغير املريضني املسكينني، ّدت يف فتح الباب� ترد »إكال« صاح الصوت مرة أخرى� َن يناديني هو أحد املريضني� كان من الواضح أن م ّست فيهما أدرت مقبض الباب واقتربت بحذر، وقف االثنان، تفر ّ رأسها وبكى االبن، ارتعشت شفتاه وهو يعيد لفظ باهتمام، حنت األم ّة، كما لو أنه كان ينتظرني منذ سنوات، أشار لي ألقترب� ّة تلو مر اسمي مر ّ ّ لهما عن قرب واحليرة ما زالت تعصف بي، أزاح الشاب ّ تقدمت ألتأم 314


شعره عن وجهه ويف تلك اللحظة كدت أغيب عن رشدي، أردت أن أصرخ، كنت أعرف ذلك الرجل؛ إنه )تراپاني(� أسئلة الفصل َ 1 ُ �جيبة ََقُة الع ُفار ًا؟ وما امل َ عام ْ عشر َ َعد اثَْني ُ بإكال ب ْتهى األمر َك َ يف ان يف ذلك؟ ْ 2 � ل َ ما خّط َط له إّال ّ أنُه لم ِّ ما ح َد َث َ إلكال كان ِ خ َالف ُ ك َ َّ أن َ رغم َ ُد ُّل على ْ ِ م َن َ الف ْص ِل ما ي ْ ِتر ًض َ ا على ق َدِر ِ اهلل� اقْرأ ِ ًط ُ ا وال مع َ ْكن قان ي ِك� ِ ْشُه ُ مع م ّعل ِم ُك وزمالئ ُ ذلك، ث َّم ناق ُ 3 �بإكال ْ َ تهى األمر َ ُح َ فيها ك َ يف ان ِ ً ك فقرة َ ق ًصيرة َ ت ْشر ُ َغت ْ اكُت ْب ِ بل ِ ِل� ّ ِ وتني القات ِ ٌرة ِ م َن الر ً َ ا، ت ْط َحُنُه دائ َ ًحيد َ ا، فقير و ر ّ الن ِور َ واأل ِمل ِ يف حياة َ )إكال( اآلن َ ؟ وما ع ُالقتُه بلينتاجن 4 َ �ما م ْصَدُ َص ِديقِه َ احل ِ ميم؟ 5 ّ �ما الد ُ راسة َّ ال َ تي أراد ْت ْ )إرين( أن َ ت َ قوم َّ بها؟ وما ال َ ذي كان عليها أن َها؟ ِ َ تبدأ َت َ فعله ل ُ َّ ستشفى ال ُ تي ي ُ قيم ّ فيها الش ُّ اب ُّ وأمُه� ِ َ الفقرة َّ ال َ تي ت ِص ُف ُ غ َرفَة امل 6 �اقْرأ اء� َ ك َ يف كان ّ 7َ � َ َ نا كُقر ِ ُ هاية َ هذا الف ِصل ِ صاد ًمة إلكال ول َ ْت ن جاء ْ ِن َ ت ِص ُف ذلك� ي َ سطر َقُْع َ ها على ن ْف ِسك� ْ اكُت ْب َ و 315


44 اخلطة ج ّر ّت احلافلة التي رجعت بنا إلى قريتنا مبتجر »سينار هارپان«، لم يتغي مر املخزن قيد أمنلة؛ ما زال يف حالة فوضى عارمة، ظهر إلى جانبه دكان جديد اسمه »سينار پيركاسا« أو »شعاع القوة«، لفت نظري العامل ً ً ا وطويال، شعره الذي بلغ طوله حدود كتفيه معقوص هناك، كان ضخم ّرة، ولن أدهش إذا كان اسم على طريقة )الساموراي( وأكمامه مشم الدكان اجلديد مستوحى من مظهر العامل� ّلت نظري إلى متجر »سينار هارپان« وابتسمت لنفسي وأنا أستعيد حو ذكرياتي، ما زالت مشاعر جميلة حتى بالنسبة إلى بالغ مثلي، يبدو أن ّ ذلك احلب ّ تدفق إلى ما هو أعمق من قيعان صفائح الكيروسني املكدسة يف املتجر، يف احلافلة العتيقة، حتت حصار الشوق شعرت فجأة بأنني محظوظ� ً ا ألنه اع ّ ا إلى الشك، وينحو إلى االرتياب دائم ّ ً ميكن أن يصبح املرء نز ًا للخيانة على يد شخص واحد� ّض يوم تعر ً ا، ويف الوقت احلاضر ال أريد أن أين هي اآلن يا ترى؟ ال أعرف طبع أعرف، كانت الصورة بجمال بحيرة )لوتس(، وأردتها أن تبقى كذلك، إذا التقيت )آلينغ( ثانية قد تبهت تلك الصورة، كانت بالنسبة لي ّ )فينوس( بحر جنوب الصني، وال أريد أن أتذكرها إال على هذا النحو� أخرجت من حقيبتي »لو أنهم ينطقون فقط«، الكتاب الذي أعطتنيه )آلينغ(، وأنا هناك يف احلافلة أدركت أن حياة البلوغ التي عشتها 316


ُ ِلهمت من ذلك الكتاب، الكتاب الذي بلي ألنني حملته معي است أينما ذهبت، مثال »هيريوت«؛ قرية )إدنسور( التي وصفها، وعالقة ّ الكتاب بتجربتي العاطفية مع )آلينغ(، كل َ ذلك نفخ يف ّ روح التطلع إلى املستقبل بتفاؤل� بعد مرور أسبوع على إلقائي مخطوطة »تنس الريشة واكتساب ً األصدقاء« يف نهر )سيليواجن(، قرأت إعالنا عن منحة ملتابعة دراسة املاجستير يف االحتاد األوروبي� ً ا وأجلست ذهبت إلى البيت مباشرة، بحثت عن ورقة، أمسكت قلم نفسي على كرسي، وضعت الورقة أمامي على الطاولة وبدأت يف كتابة ّ بنود خط ّ ة، تلك كانت خطتي )ج(: أردت متابعة حتصيلي العلمي! درست كاملجنون المتحان دخول اجلامعة حيث تدرس )إرين(، ً ً ا وليال يف فرز بعد قبولي بدأت أعيش حياتي كأنها معركة، عملت نهار ّ ّ قة استطعت تأمينها ألسدد األقساط، لم الرسائل ويف أعمال أخرى متفر ّ أكن قد أنهيت درجتي اجلامعية بعد، ومع ذلك تركز ذهني على منحة ّ ّ ج من االحتاد األوروبي، رك ّ ز! ركز! تلك كانت كلمتي السحرية� التخر أنهيت دورات التعليم اجلامعي بسرعة، ودومنا إهدار حلظة أمسكت استمارة منحة االحتاد األوروبي� لم أصرف وال دقيقة واحدة على أي شيء ما عدا التحضير المتحان ُتيح لي� ً ا هائلة من الكتب وبقدر ما أ املنحة، قرأت أعداد ٍ قرأت وأنا أفرز الرسائل، وأنا آكل، وأنا مستلق يف سريري أستمع إلى قصص »وايانغ« اإلذاعية، قرأت الكتب وأنا يف شاحنة النقل الصغيرة ّاجات، وأنا يف املرحاض، ّها الدر العامة، قرأتها وأنا يف العربات التي جتر وأنا أغسل ثيابي، وأنا أمشي، قرأتها والزبائن يصيحون علي، قرأتها 317


ّ ومديري يوج ّ ه لي إهانات مبطنة، وخالل مراسم حتية العلم، ولو يستطيع البشر أن يقرؤوا وهم نيام لفعلت ذلك بالتأكيد، جاءت أوقات قرأت فيها وأنا ألعب كرة القدم، بل قرأت وأنا أقرأ، غطيت جدران غرفتي َة بصيغ التفاضل والتكامل، صفحات اختبارات »اجليمات« املستأجر َ وقواعد األزمنة� يف ليلة يوم سبت، ذهبت إلى سوق )أنيار( يف )بوجور(، التقيت ً ً ا متجوال من )ميناجن( يبيع ملصقات، لفت انتباهي وجه لطيف بائع بنظارة مستديرة، عرفت أنني يف هذه املرحلة من حياتي احتجت إلى ُلصق، يف تلك الليلة، ابتسم »جون لينون« وهو على اإللهام، اشتريت امل ُ ّ لصق، كتبت العبارة السحرية التي ذكرتني جدار غرفتي، يف أسفل امل ً ا بأن أكون أكثر فعالية: احلياة هي ما يحدث لك بينما أنت مستغرق دائم يف إعداد خطط أخرى! ً ً ا مخلصا ملكتبة املعهد اإلندونيسي للعلوم سرعان ما أصبحت زائر ّ يف )بوجور(، وزيادة على ذلك طلبت تسلم نوبة الفجر لفرز الرسائل، ًا إلى البيت ّواح مبكر النوبة التي لطاملا كرهتها من قبل، كي يسعني الر ُ ّعد خالصات صغيرة ً ألدرس، وعندما يكون عبء العمل ثقيال علي، أ ً ّ ا أسلوب الترابط الذهني الذي علمنيه ّبع على قصاصات ورق؛ مت ُفرغ رجال التسليم )لينتاجن( مرة، وأقرأ تلك القصاصات وأنا أنتظر ريثما ي حمولة أكياس الرسائل من الشاحنة� َقي ّ يف البيت، درست إلى وقت متأخر من الليل، وتبَّني لي أن أر ً يعمل لصاحلي، كنت أكثر املصابني باألرق إنتاجا، وكلما أتعبتني الدراسة فتحت كتاب »لو أنهم ينطقون فقط«� ّ يجب أن أفوز بتلك املنحة، ليس لدي أي خيار آخر، ال بد أن ّ أحصل عليها! تلك هي الكلمات التي ما فتئت تدق يف قلبي كلما 318


وقفت أمام املرآة، كانت املنحة تذكرة خروجي من حياة ليس فيها ما يجعلني أفخر بها� ًا، بدأ بدورة إقصاء متهيدية االمتحان احملطم لألعصاب شهور ّ ِّ استمر ّ يف ملعب كرة قدم ازدحم باملتقدمني لالمتحان، بعد سبعة أشهر وصلت ّ ن مقابلة يف مؤسسة كبيرة ّى الدورة النهائية، وهي تتضم إلى مرحلة تسم ُجري املقابلة النهائية وزير سابق � يف جاكارتا، ي ّة األولى يف حياتي وضعت ربطة عنق، وصلت إلى املؤسسة، وللمر ً ا يف أن تكون صديقتي� ّ وتلك القماشة املتدلية لم ترغب قطع ً ا هناك، ودعاني إلى ّجل جالس َّ امرأة دخول غرفة، كان الر طلبت إلي ّ اجللوس قبالته وتفحصني بعناية، ال ريب يف أنه قال لنفسه إن هذا الفتى ّ القروي سيحرج إندونيسيا يف اخلارج، ثم قرأ رسالتي التي تتحدث عن ِّم للمنحة يشرح فيها حافزي ملتابعة دراستي، رسالة يكتبها أي متقد ّ سبب اعتقاده بأنه يستحقها� ّ برسالتك التي تشرح حافزك، أسبابك وطريقة »ممم�� أنا مهتم ّ توضيحك لألمور باإلجنليزية مؤثرة« قال� ابتسمت مثل وكيل التأمني� ّ أن الرجال )املاليويني (حاذقون جدا ّ ُ ي قلت إنه ال يعرف بعد ً ويف سر يف استعمال الكلمات� ّ ن حقل البحث بعدئذٍ ، فتح الوزير السابق مشروع بحثي الذي تضم َّ ومواده وموضوع األطروحة الذي سأعمل عليه يف حال حصلت على ّع على منوذج لتحديد األسعار ّ املنحة، يتعلق مشروعي بالقيام ببحث موس ّ ً مت النموذج خصيص ّ ا حلل مشاكل تسعيرات خدمات التحويلية، صم 319


ً ا حلل نزاعات الترابط بني ُ ِ ستخدم مرجع ً االتصاالت، وميكن أيضا أن ي ًا معادالت ّرت ذلك النموذج مستخدم ُعد، طو ُ ّشغلي االتصاالت عن ب م ُ ّ تغيرات؛ املبادئ التي تعل ّ متها من )لينتاجن( يف كل تلك السنني متعددة امل السابقة� ً »آآه، وهذا أيضا مثير لالهتمام!« »ممم��� ّ هذا موضوع يستحق ً مزيد ّ ا من الدراسة، حافل بالتحديات، َّ من وجهك يف كتابته؟« ابتسم ابتسامة عريضة � ّد سؤال بياني فاكتفيت باالبتسام، ويف قلبي قلت، عرفت أنه مجر ُ ِ س( و)پاك هرفان( و)لينتاجن( و)السكار پالجني(� مدرسة احملمدية و)بو م »مضى وقت طويل وأنا أنتظر رؤية مشروع بحث كهذا، وها قد جاء ِ ّ ل بريد! أين كنت طوال هذه املدة أيها الشاب؟« ًا، ومن عام أخير ّ سؤال بياني آخر، ابتسمت وفكرت، )إدنسور(، بعد فترة زمنية ً ليست طويلة بدأت أدرس يف جامعة يف أوروبا، جعلني وضعي اجلديد أرى حياتي مبنظار مختلف، وأكثر من ذلك، شعرت باالرتياح ألني ُس( و)پـاك هرفان( وفيت ديني األخالقي ملدرسة احملمدية و)بو م ْ ِ كار پالجني(� و)لينتاجن( و)الس 320


أسئلة الفصل ٍة ْ 1ُ �غب ِ ب َّشد َر َ َل ْت )إكال( ي ُ َ ؤية َ )تراباني( جع ْ هناك اح ٌ تمال َّ بأن ر ِ ْش ِ هذه الف َكرة، ِ ِ تغيير ْ ما آلت َ إليه ح ُ ياته� ناق ٍء ل ْ ِّ أي َ شي ْ ِل ِع يف ف ّ ُد ُ ها أو ت ِعار ُضها� ْ َت ُ تَؤي َ ّض ًح ُ ا إذا كن ُمو ح ِ يات ِه ْ م إلى األح ِسن َّ ، لكنهم ال َت ِ غيير َ ِ ّ 2 َ �رون َ ق ٍ رارات ل ُ َقر كثيرون ي ْ َ جحون يف ذلك� ّ ما الد ُ افع َن َ ْن ي َ ْصُم َ دون ّ حت ّ ى الن ِ هاية َ ، وقليلون م ي ِه؟ َت ِ حقيق َ هدف ِ َ َة ّ الن ِاد َرة ل َر ُ هذه املثاب ُ ِ ثابر َّ َ ذي ج َعل )إكال( ي ال ٌ 3 �يف اإلْجن ِاز وَحت ِ قيق َ اله ِدف ِ ؟ ناق ْش ََثر ُ َجود ّ الد ِ افع له أ َّ هل ترى أن و ُ َك َجعل َّذي ي ِ َك ال ِّ َ يف حيات ِ ِع َ احلقيقي َ ْ ك، ثم اكُت ْب ّ عن الداف ُزمالء َ َ كما ف َعل )إكال(� تحم ُل َ األلم ََت ّ ُ و ُ ُ وت ِ ثابر َت ْصِبر ّ 4ُ �ج ُل َّ ال َ ذي قابَلُه َه الر َْن َ ه وبني ن ْف ِس َ ه، حني سأل َي َ َجاب )إكال( ب َِب أ َ ُد ُّل ذلك؟ َ ي َعالم ِ ِه؟" و َت َ ّجَه َك ِ يف كتاب َ ْن و ّ هذا الس َ ؤال "م ْ 5َ �ف َ كان ُ ش ُعور َك؟ ْ َ تهى هذا الف ْص ُل َ ؟ وكي َك ْ يف ان 321


45 وعده الثالث ً مضت احلافلة املتفككة عابرة السوق، وغاب متجر »سينار هارپان« عن ّي� ّ مرمى البصر، وما لبثت أن ترجلت من احلافلة يف الشارع املقابل لدار أم سمعت من بيت أحد اجليران أغنية »رايان پولو كيال پا« أو »إغراء ّ جزيرة جوز الهند«، وهي األغنية املعهودة التي تبثها إذاعة صوت ّ ً ا وهادئا، ً ًا حار ً إندونيسيا إيذانا بحلول موعد نشرة أخبار الظهيرة، كان يوم ّ بيد أن الهدوء تبد ً د فجأة بهدير بوق شاحنة ثنائية احملور، تستوعب حمال ًا يبلغ عرض الدوالب من عشرة أطنان، وتقوم على ثمانية عشر دوالب ا� ً منها متر ّ جلس يف مقعد السائق رجل ضئيل اجلسم ما انفك ّ ينط ويتقلقل وهو ّ يقود الشاحنة التي بدت كبيرة جدا بالنسبة إلى حجمه الضئيل، كان ً الرجل ينقل يف شاحنته رمل الزجاج� ْ على ج ِّ ًا يا )إكال(، إنه يوم حافل بالعمل! عر َ »أراك عدت أخير الثكنات« صاح، كان ذاك )لينتاجن(� َ لم أحظ إال بفرصة تلويح يدي بعد أن أنزلت احلقائب األربع التي ِّ ً ح للغبار بينما مضى مبتعدا� ً حملتها على كتفي، وبقيت واقفا هناك ألو ُ زرت ّ الثكنات يف اليوم التالي، كانت متتد على طول الشاطئ، وليس لها أبواب، مثل مرابط املاشية، يف هذا املكان يرتاح عشرات سائقي حموالت الرمل يف أثناء تناوبهم على العمل سحابة أربع وعشرين ًا املوعد النهائي لنقل احلمولة إلى املراكب، مراكب ساعة، يطاردون دوم 322


ّ ل بآالف األطنان من ثروات )بيليتوجن(، ووجهتها مجهولة� ُحتم ّة موقد كبير يف دخلت الثكنات وعاينت املكان من حولي، كان ثم الوسط يستخدمه العمال ليدفئوا أنفسهم من رياح البحر الباردة، يف الزاوية ّ أكوام من صفائح الكيروسني والرافعات ومفاتيح مختلفة ومضخات نفط ّ وبراميل وإبريق ماء صالح للشرب، كلها ملقاة بال ترتيب، قدور سوداء، صفائح قصدير، علب مواد طاردة للبعوض، قهوة ورزم معكرونة فارغة، ُ ّ ضعت سج ً ادة صالة أيضا� ّ كلها مبعثرة على األرض الترابية حيث و ًا ًا وقذر جلس )لينتاجن( قبالتي على أريكة قريبة من املوقد، كان فقير وأعزب ويعاني من سوء التغذية� ا، بدا واضحا أن صراعه مع مصيره قد استنزفه، ذراعاه ً لم أقل شيئ ً ّ صلبتان بسبب طبيعة عمله الشاق، وباقي أعضاء جسمه ضعيفة ّ ّ ثة بالشحم واحملروقة بالنفط، وهزيلة، وعلى الرغم من بشرته اجلافة امللو ً ً ا وتشعثا، ّنت وجهه ابتسامة حلوة ومرحة، أصبح شعره أكثر احمرار زي َجابة املهدورة� ُ رثيت ُ حلال املبنى وحال )لينتاجن(؛ رثيت الن ً ُ ا وأنفاسي تطبق على صدري، كانت الثكنات مبنية على بقيت صامت ًا، نظرت من النافذة عن مييني ًا عالي أرض مرتفعة عن البحر، سمعت دوي ّت أعمدة الثكنات ّا خلفه مركب بضائع، اهتز ً ُّ جار َ ورأيت زورق ق ْطر مير ّك زورق القطر، متاوج الدخان األسود املتصاعد، خرق على وقع دوي محر ً الزورق سكينة البحر، باعثا الصحوة يف األمواج واملاء الرقراق الذي الح ّ مثل زجاج متعدد األلوان بفعل بقع النفط العائمة� ّ ّ كه املقرقر، ثم تهيأ لي أنه كف عن واصلت مراقبتي زورق القطر ومحر ّك، قرأ )لينتاجن( الذي جلس َن وما يتحر احلركة، وأنني أنا والثكنات م يتفحصني منذ البداية ما يدور يف رأسي� ّ 323


ًا عن ابتسامة مريرة، ال »نسبية آينشتاين لالقتران الزمني« قال مسفر ّبد ّ أن توقه إلى الدراسة قد أجج لواعج قلبه� ميكن القول إن )لينتاجن( لم يختبر بالضبط ما اختبرته، عندما ينظر ّراتهما، شخصان إلى اجلسم نفسه من منظورين مختلفني ال تتطابق تصو وهذا ما جعل )لينتاجن( يقول االقتران الزمني، كانت استعارة مفيدة لفحص حياتنا يف الوقت احلاضر� ً سمعت الهدير ثانية، كان يف احلقيقة زورق قطر آخر ميضي يف االجتاه ًا من ّل قد اختفت متام ّ املعاكس للزورق األول، ولم تكن مؤخرة األو ً ً ا وشماال َ وقارنت أطوال زوارق الق ْطر العابرة� املشهد، نظرت ميين ّة أخرى ما يدور يف ذهني� الحظني )لينتاجن(، قرأ مر »تناقض،« قلت� ابتسم )لينتاجن(، »نسبي« أجاب، »ال ترى األشياء الثابتة أبعاد أي ُطلقني ّكة، فالزمن واملسافة ليسا م ّك كما تراه األشياء املتحر جسم متحر ّ بل نسبيني، وهذه فرضية مثبتة، حتد ُ ى )آينشتاين َ ( )نيوتن( بهذه الفكرة، وهذه هي البديهية األولى لنظرية النسبية التي أطلقت شهرة ) آينشتاين(� ً ً ا واحدا يجعلني ً ّ ا لم أجد قط سبب ّا صغار ياه يا )لينتاجن(! منذ أن كن ّ أكف عن احترامه، ما زال حاضر الذهن كالسابق، حتى وإن خبا بريق ً عينيه وأصبح كامد ّ ا مثل الرخام املكدر بالرمل� ّ ً لته يلبس بنطلونا ًا وشعرت باحلزن يجتاحني، تخي ّست فيه ملي تفر ُتقنة التفصيل فوق قميص طويل األكمام بلون أبيض وسترة أنيقة م ّف، والبحث ً ّ ا إلى املنص ّ ة ليقد ً م بحثا يف منتدى علمي مشر البحر، ماضي ّ االكتشافات يف حقل علم األحياء البحرية أو ّ يتعلق على األرجح بأهم 324


الفيزياء النووية� ّ رمبا هو يستحق ّ ثقافة رفيعة املستوى أكثر من أولئك الذين يدعون ّفني، مساهماتهم يف املجتمع تقتصر ّد علماء مزي الثقافة ولكنهم مجر ّهم ّ ّ جهم، وهي ألنفسهم فقط، ألن جل هم على عالماتهم ومشاريع تخر ُّ ينصب ُ على جمع ثرواتهم اخلاصة، أردت أن أقرأ اسم )لينتاجن( يف مقالة ّ تخص مجلة علمية، أردت أن أخبر اجلميع أن )لينتاجن(؛ خبير علم ّ الوراثة الوحيد يف إندونيسيا، هو شخص تبحر يف مثلث »پاسكال« منذ ّ صغيرة جدا، ّ أيام املدرسة االبتدائية، وفهم التفاضل والتكامل يف سن ً ً وأنه كان تلميذا يف مدرسة احملمدية يف )بيليتوجن(، وكان رفيق مقعدي، ّد رجل هزيل يجلس على عقبيه بانتظار حلول نوبته يف لكن اليوم هو مجر ً ّ ا تطلعاته يف أن يصبح عالم رياضيات ِّم َ مسل َ العمل، رجل يعمل ليل نهار ّ إلى مديري رمل الزجاج من أجل أجر أسبوعي تافه، تذكرت يوم أغلق عينيه ملا ال يزيد عن سبع ثوان ليجيب عن مسألة رياضية صعبة، يوم ّ ّ ه امللك يف مباراة التحدي األكادميي صاح »جان دارك«، يوم حكم كأن ّ مؤج ًجا شعلة معنوياتنا وثقتنا بأنفسنا� ّ ْ لت الثكنات من حولي، كانت صورة زفاف والدي ّ )لينتاجن( معلقة تأم ّ على اجلدار، تذك ّ رت تلك الصورة، تذكرت أنه جلبها معه إلى مباراة ّه وأبوه أمام مشهد خلفي سخيف: ّ التحدي األكادميي، وفيها تقف أم مرج وسيارة حتيطها عائلة سعيدة املظهر، وأشجار غريبة ذات أوراق حمراء، وذلك لتبدو تلك الصورة كما لو أنها يف مكان ما يف أوروبا، ّل عالم رياضيات ّل )لينتاجن( وقد أصبح أو كنت يف أغلب األحيان أتخي ّ ماليوي، لكن ذلك اخليال تبخر، ألنه هنا، يف هذه الثكنات املصمتة ّ عدمية األبواب انتهى األمر بـ)إسحق نيوتن( الذي يخصني� 325


ّ »ال حتزن يا )إكال(، فأنا على األقل قد وفيت بوعدي ألبي بأال أصبح صياد سمك« � ًا من األطفال األذكياء َّ غضبت، شعرت بخيبة األمل؛ ألن كثير ّ ُ وا إلى ترك املدرسة ألسباب اقتصادية، لعنت ّ كل أولئك الناس اضطر املتغطرسني األغبياء الذين يتظاهرون بالنجابة، كرهت أبناء األغنياء ّ الذين يتخلون عن تعليمهم� أسئلة الفصل َ ْح 1 � َ ْه َ دورة ْ " اشر َ َة امل ْ ُت َّ النجاب ََثي ُ إلى )لينتاجن( "ر ْ ُظر َن َ قال )إكال( وهو ي ِء َ ما ت ِعرُفه عن )لينتاجن(� ْ ُ هذه اجل ْمَلَة َ يف ضو ا ي ْج ُعلني ً 2 ِ �ا واحًد َ سبب َ ِج ْد ُّ قط َ ًا لم أ ْ ُذ ْ أن ُ كّن ِ ا صغار ُ "ياه يا )لينتاجن(! من كالس ِ ابق ّ ، حت ْ ى وإن َ خبا َ ّ الذ ِهن ّ َ ُك ُّف ْ عن اح ِ ترامه� َ ما زال ِ حاضر أ ما ح َد َث ّ ِ مال"� َ ُ َك َّدِر بالر ّ ِخام امل َ َصبح ِ كامًد ِ ا م َثل الر ْه، وأ َْني َ ُ ريق َ عي ب َ ُ إزاء َ َ له؟ ك َ يف َ ت ْشُعر ٌ ِ للغاية� ُ هل ك َ نت َ ت ّ توقُع هذا املصير ِم ُ للينتاجن مْؤل ذلك؟ َ 3ْ �ع ِدان َّ األوُل ّ والثاني؟ َ ِ بيه� ما الو ّ ِه وأ ُ ِعود ّ ه الث ِالثة ُ ألم َ ّف ِ ى )لينتاجن( بو و َ ْعُد ُ الثالث؟ وما الو وَن َ عن ت ْع ِ ليمهم"� ْ اكُت ْب ً فقرة ناء ْ األغ ِ نياء َّ ال َ ذين يَت َخَّل ْ ْ َ َب 4" َ �كِر ْه ُت أ ْ َ الفقرة ِ ُ، ث َّم ْ اختم َ ِ راء هذه العبارة ً َ ا وجهة ِ نظر )إكال( من و فسر ُم ّ ِب ْوج ِهة َ ن ِظر َك َ أنت� 326


46 )بيليتوجن( جزيرة املفارقات الساخرة ًا ، وال أرى هنا من السخف مقارنة شركة الـ ّ هذا أكثر أجزاء القصة إيالم َّ ) ب ن ( ببرج بابل ، ألنه ما من ورقة واحدة تسقط من غير علم اهلل، ُنشئت محافظتنا »باجنكا - بيليتوجن« أصبح وهو تناظر مالئم ؛ إذ عندما أ ّ املختصر »بابل« � رمزها الرسمي يف أوائل التسعينيات هبط سعر القصدير العاملي من 000,16 دوالر كعت الـ )پ ن(، ُِّ ّ أميركي لكل طن متري إلى 000,5 دوالر أميريكي، فر ِ ُ قت منشآتها، وصرف عشرات آالف املستخدمني، وشهدت تلك ُغل أ ّ على إندونيسيا� الفترة أكبر عهد بطالة مر بال سابق إنذار انهارت يف ظرف أيام شركة »جوليفير« التي حكمت ملئات السنني، وهكذا اتضح أن الرمز املختصر »بابل« كان نذير شؤم، أفنى اهلل اجلبروت يف )بيليتوجن( كما أفنى االنحطاط يف بابل� لم يكن هبوط أسعار القصدير بسبب األزمة االقتصادية العاملية فقط، ّ ً بديلة، فضال عن العثور على مخزون ضخم ً ولكن أيضا بسبب اكتشاف مواد ُ من القصدير يف بلدان أخرى مثل الصني، وهكذا تركت الـ )پ ن( تشهق ً ُ ا للهواء، مثل سمكة قذفت خارج حوضها إلى أرض غرفة جلوس� طلب ّ أما احلكومة املركزية التي تسل ً مت لسنوات حصصا وتقاضت عوائد ّفت فجأة كما لو أن جزيرتنا الصغيرة أتعاب تساوي باليني الروبيات فتصر ال تنتمي لها، نظرت إلى الناحية األخرى عندما تعالت أصوات أهل 327


ً )بيليتوجن( اعتراضا على التعويض غير العادل لطردهم اجلماعي، وهكذا أصبحت جزيرة )بيليتوجن( كئيبة مثل سفينة أشباح هائمة ّ ّ بالزرقة مثلما تشع ّة- تشع ّمة ومهجورة ووحيدة، بعد أن كانت -مر معت ّعة باملاليني� الهالميات املشطية املتجم ُلكية الضربة األعظم، ليس فقط ّتلقى املوظفون الذين يعيشون يف امل ًا ّهم استكانوا زمن ً ألنهم فقدوا مراكزهم وماء وجوههم ، بل أيضا ألن ّلوا إلى فقراء غير محميني من ّة، وفجأة حتو ً طويال لعقلية إقطاعية منظم النظام� ًا االستغناء عن دور ضيافة الـ )پ ن( الفاخرة يف جاوة وأصبح لزام ّ مقابل حرث األرض والتسلق وصيد السمك واحلفر ونصب الكمائن ًا رواية )مهار( َد العائالت، لقد حتققت أخير َو والتنقيب والغوص إلقامة أ ّ عن رسوم العصر احلجري )اللومرية( يف الكهف والتي همست له محذرة ّة عظيمة يف )بيليتوجن(، تلك القوة الكبيرة كانت الـ )پ من سقوط قو ُبعدة التي تعود من جديد، مفارقة ن( )تيما(، )اللومريون(: األرواح امل ُلكية؛ بحثوا عن الطعام يف الغابات وعند ّ تاريخية حلت على سكان امل النهر، وعاشوا حياة بدائية كما عاش قدماء )املاليويني (قبلهم� ّ عانى املوظفون من ضغط بالغ ألنهم لم يكونوا معتادين على مشقات ّق إلى ذكر أعباء أوالدهم الذين رفضوا تقدمي احلياة، هذا من غير التطر التنازالت، ورفضوا تغيير مستوى معيشتهم وهم يدرسون يف جامعات ُكلفة، ولم يعد من النادر أن ينتهي أولئك املوظفون ّ جاكرتا اخلاصة وامل بسكتة دماغية أو أمراض قلب أو موت مفاجئ مع تراكم ديونهم وانسحاب ّ أوالدهم من املدارس، كانوا ببساطة يغصون مبالعقهم الفضية� ّهها خداع النفس، مشوا ّل الواقع حياة يشو عاش الذين عجزوا عن تقب 328


ُخذت منهم، ّ بخيالء يتحكم فيهم كبرياء زائف مستعرضني سلطة وثروة أ ُ أصبحوا ضحية ن ً كات أكشاك القوة، ولم يدم بهم احلال طويال، إذ سرعان ما حلوا نزالء »زال باتو«، مستشفى األمراض العقلية يف جزيرة )باجنكا(� ابتلعت بطن األرض عظمة مدرسة الـ )پ ن(، ترك عدد كبير من التالميذ املدرسة أو حتى غادروا جزيرة )بيليتوجن( مع أهاليهم، وعادوا ً إلى بالدهم التي جاؤوا منها، إذ ما الداعي ألن يكترثوا أصال ما دامت ّ ل ّل إلى جزيرة أشباح، وليتحم ّ؟ فلتتحو )بيليتوجن( ليست بلدهم األم ّ السك ُ ان األصليون النتائج، من بقي من تالميذ مدرسة الـ )پ ن( نقل إلى املدارس احلكومية يف )تاجنوجن باندان(� ُلكية، يف الليل غمر السواد الفاحم بيوتها فيكتورية الطراز؛ ُهجرت امل أرض العجائب األسطورية، وألقت أشجار )البانيان( الوارفة ظاللها على ّ الطريق الرئيس كأنها مرتع تفقيس األرواح الشريرة اجلاهزة لقنص كل ّا للزواحف� يف ً من يعبر حتتها، أصبحت البحيرات االصطناعية مقر 1998 ،طالب شعب إندونيسيا باإلصالحات� ِبل نظام احلكم ُلكية كانت محمية من ق رأى أهالي )بيليتوجن( أن امل اجلديد، وافترضوا يف احلال أنها ما عادت ملك أحد، وهكذا، يف إحدى ُلكية� الليالي، وأسوة بالفوضى يف جاكرتا اقتحم آالف األشخاص امل نهب املواطنون البيوت الفاخرة يف املنطقة السكنية؛ املواطنون الذين ُّلت أرضهم، والذين كتموا امتعاضهم عشرات ُهدمت أمالكهم، الذين احت ّ ّ اس الـ )پ ن( سيقانهم للريح لينجوا بحياتهم، دك الناس السنني، فأطلق حر اجلدران، انتزعوا بالط األسطح، اصطادوا اإلوز، أسقطوا األسوار، سرقوا ّ األبواب، استولوا على أطر النوافذ، كسروا كل ما وقعت عليه أيديهم من ّوا بها� زجاج، خلعوا األرضيات، أنزلوا الستائر وفر 329


ِ ُ عت الفتات »ممنوع دخول من ليس له حق« وحملت إلى البيوت ُل اقت ّها تذكارات من حائط برلني، كان الناهبون يأخذون فترات استراحة، كأن ّ ويجلسون على أرائك »تشيسترفيلد« الوثيرة، ويأكلون على طاوالت الفخار الثمينة، ويتظاهرون بأنهم من زمرة املوظفني قبل أن يعاودوا النهب� ً ا كأنه قلعة بيت املسؤول األعلى يف الـ )پ ن( الذي انتصب رائع ّ ّ ة جبل )ساماك( تطل ُ على منظر بديع لبحر جنوب الصني، نهب يف قم ُون ّ هب حتى انهار، وأكبر مول ُ د كهربائي يف آسيا واسمه »آي سي« حرق حتى لم يبق له أثر� ّلت مستشفى الـ )پ ن( العظيمة إلى ركام، تبعثرت األدوية يف ُحو ُ الطرقات، نقلت كراسي املَرضى وطاوالت املعاينة إلى البيوت، يف ذلك ّ رائحة شيء فاسد، رائحة صحاف مضادات احلني كان ميكنني أن أشم ُ األكسدة، رائحة نتانة الثروات وجتاهل الفقراء� ًا، لَُّف ُ ت أسالك الهواتف، قطعت دامت أعمال السلب والنهب أيام ّ كابالت )الفولتاج( العالي بالفؤوس فتخلف عنها ظهور شرر ناري كأنه ّافات إلى قطع صغيرة وبيعت بالكيلو� ُ حمم نيازك، نشرت اجلر ّجتل ّ ت املفارقة الغريبة يف أنه صار من املمكن أن ينق ّ ب السكان احملليون عن القصدير يف باحات بيوتهم كما يشاؤون، ويبيعونه مثلما تباع البطاطس احللوة يف سوق قصدير أقاموها لهذا الغرض، يف املاضي، كان ًا وفق قوانني الـ )پ ن(� هذا العمل يعتبر تخريبي نخل املواطنون القصدير بأيديهم العارية، بل حتى فتحوا مدارس جديدة ساهمت يف إنقاذ أطفال يشبهون )لينتاجن(، ومن أعاد التعليم إلى ّ مساره باعتباره احلق اإلنساني األساس لكل مواطن، لم يكن مؤسسة عمالقة وال احلكومة إمنا الفقراء أنفسهم� 330


أسئلة الفصل َّت َب 1 ِ �عليه؟ َّ َ ذي تر ِ ِل ّ الت ِ سعينات؟ وما ال َوائ َّ َ ذي حَد َث يف أ ما ال ُ 2 �على ّ ْحر َْقَل َب ِ الس َ َ عنى املث َل "ان َّ ُ تي ت ُ طابق يف امل اسَت ْخِر ِج ُ اجل َملة ال ْ َ ّظ َ في ش ِ ركة ُ ال )ب ن( ت ّوضُح ُو ا ح َدث مل ّ َ ِ ًلة ِمم ْث َم الس ِ احِر"� ُ ث َّم ْ اكُت ْب أ ّ ذلك� ق" َ َ يس 3 َ �لهم ح ٌّ َّ َ ذين ل َّ َ ذي كان ُ بع ِ نوان َ "أولئك ال الس ِاد ِس ال َ يف الف ْص ِل ّ ق يف َّ َ ذين َ ليس َ لهم ح ٌّ ِ )بيليتوجن( ال َ ْه ِل جزيرة َحت ّد َث )إكال( عن أ ْ َتل ِ كات َّ َ ذين َ ليس َ لهم ح ُّق" يف ُمم ِة� َ ماذا ف َعل َ "أولئك ال َّ ُد ِخول ِ امللكي ِ ْش زمالءك� ٌ؟ ناق َّر َر َ ُ لوه مب ِة ْ ؟ وهل َ ت َّ رى أن َ ما فع َّ ُلكي امل ْ ِقاذ م ُ دارس َ ساهَم ْت يف إن َ 4ْ �ت َ ِي ُن ِ ْ )بيليتوجن( بأن ب ُ َ يف جزيرة انتهى األمر َ ِن ًّة أخرى� م َر َ ِدار ِك َ اجل ِهل م ُ ِ قوع يف م َ األط ِ فال ِ أمثال ِ )لينتاجن( م َن الو َقولُ َ ه لك َ ذلك؟ َّذي ي َ َ نى املدارس؟ وما ال َّذي ب ال 331


47 ّ ال تتخلوا عنها صمدت مدرستنا بضع سنوات بعد أن غادرناها، صادقت بصمودها على تلك احلكمة القدمية املعروفة: ما ال يقتلك يجعلك أقوى� ّ يد )صمديكون( فليعاود املرء النظر إلينا: جنونا من تهديدات الس ّافات التي أرادت مسح مدرستنا من على وجه العنيفة، قاومنا اجلر ًا، لكن قبل األرض، وجنونا من املتاعب االقتصادية التي خنقتنا يومي ّة ّكل شيء جنونا من أسوأ تهديد مباشر: تهديد أنفسنا؛ إنكارنا قو العلم� ّ ٍ ضنا لتمييز ً كان افتقارنا لتقدير الذات شديدا، وذلك نتيجة تعر مدروس وتهميش منهجي لسنوات على يد شركة اخترقت جميع جوانب حياتنا، جعلنا الضغط الذي مورس علينا نفزع من التنافس ونخشى ّدانا بالشجاعة، وكان ّ احللم، لكن صديقينا الفذين )مهار( و)لينتاجن( زو ُس( الراعيني اللذين ساعدانا يف قهر أي ّ معلمانا )پاك هرفان( و)بو م مشكلة تعترض طريقنا� ّ إمنا يف النهاية خسرت مدرستنا املعركة، اضطررنا إلى الركوع أمام عدو ًا يف ّ عمل نخر بأسا، عدو ّ خفي هو األقوى واألقسى واألعنف واألشد ً ّية� ّ: املاد ّ التالميذ واملعلمني وحتى يف نظام التعليم نفسه، كان ذلك العدو لن يرى العالم احلالي املدرسة كما رآها )پاك هرفان(، كانت املعرفة ّ بالنسبة له هي ما يتعلق بالقيمة الذاتية، والعلم واجب، واحتفاء باإلنسانية، ذلك النوع من العلم الذي يدافع عن الكرامة ويحفظ متعة 332


ّد ّ التعلم ويكون نبراس احلضارة، آمن بأن املدرسة ال ينبغي أن تعتبر مجر ٍ وسيلة للوصول إلى مستوى تال، وإلى حتصيل املال وجمع الثروة، آمن ً ّ ا من خطة رأسمالية للوصول إلى ُ بذلك يف حني كانت املدارس ت ّعد جزء اجلاه والسلطة� لهذا السبب ما عاد اآلباء يرغبون يف إحلاق أطفالهم مبحمدية القرية، ّ وما لبث أن ازداد انحراف املبنى نحو األرض، واعوج ّ ت الدعامة املقدسة ً اعوجاج ّ ا استعصى معه فعل أي شيء إلنقاذها، تلك الدعامة املقدسة التي حملها )پاك هرفان( بنفسه عندما شرع يف بناء املدرسة، الدعامة التي حفرنا عليها ما بلغته قاماتنا من ارتفاع� ّ ويف إحدى األمسيات احلزينة بعد سقوط املطر، تشكل يف السماء قوس قزح نصف دائري من سبعة أطياف، بدأ من عند منبع مياه نهر ًا نفسه يف غابة »املانغروف« قرب جسر )لينجاجن(، )ماراجن(، ومال ملقي ّ وحلظة ظهوره انحنت الدعامة املقد ً سة أكثر قليال ً ثم تهاوت أرضا، وهكذا انهارت مدرسة ال يعرفها أحد، مدرسة أسطورية، عمرها 120 ً ّ ا، ومعها انهارت املنص ّ ة التي مثلنا عليها مسرحية طفولتنا، سنة تقريب ْ ِ كار پالجني(� مسرحية )الس ّغت للخياطة، ُس( عن التعليم وتفر ّ بعد انهيار مدرستنا توقفت )بو م ّ لكن التعليم كان مهنتها احلقيقية، لم أر يف حياتي قط ً أحدا يعشق هذه ّرت ً ً ا لم أر أحد ً ا سعيدا بعمله مثلها، قر ُس( لها، وتالي املهنة كعشق )بو م ً الحقا العودة إلى التعليم وأصبحت موظفة تابعة للحكومة يف مدرسة ّ ً عليها مطلقا طالب استثنائيون ابتدائية رسمية، لكنها تعترف أنه لم مير مثل )لينتاجن( و)مهار(� آملتني معدتي من محاولتي االمتناع عن الضحك عندما رأيت العامل ً يجاهد ليحمل عنوة مجموعة من السلع دفعة واحدة خارج دكان »سينار 333


پيراسكا«، مضت سنوات وسنوات ولكني عرفت )شمشون( من فوري، ً لم يشأ أبد ّ ا أن تخبو فيه صورة الرجل مفتول العضالت، حاول مبشقة النجاح يف الوصول إلى الشاحنة الصغيرة ووضع السلع يف صندوقها، ّ تسلم )شمشون( ثمن السلع من املرأة املكتنزة صاحبة الشاحنة الصغيرة، ّ رأسه بأدب ثم عاد إلى الدكان، ناول صاحب الدكان املال، شكرها، هز ّ قام األخير بتمريره فوق البضاعة جللب احلظ، فهزت زوجته رأسها ً مستنكرة، عرفت صاحب الدكان من شكل رأسه: كان )آكيوجن(، ورأسه ما زالت مثل صفيحة قصدير� ّ مع ذلك رأيت أن مآله كان أفضل من مآلي بكثير، فهو على األقل قد وجد لنفسه زوجة، وزوجته ليست إال خصمه األكبر السابق؛ سهارى، وكلما سنح الوقت لهؤالء الثالثة ذهبوا لزيارة هارون، ما زال هارون يروي ّ القصة نفسها عن قطته ذات األلوان الثالثة التي أجنبت ثالث قطط لديها ًا، ً هي أيضا ثالثة ألوان يف اليوم الثالث من الشهر، وكسابق عهدها متام تستمع له سهارى بصدق وإخالص، ولو قلنا إن هارون كان يف املاضي ً طفال ً عالق ٍ ا يف جسم بالغ ً ، فال مانع من القول إنه أصبح بالغ ً ا عالقا يف ذهن طفل� بعد خروج )تراپاني( من »زال باتو« وعودته، حرص هارون على زيارته بانتظام، يركب دراجته ويقصد بيت )تراپاني( الذي يبعد مسافة ً ا يف متام الساعة ً ّ ا عنه يف عصر كل يوم جمعة، ويغادر دائم أربعني كيلومتر الثالثة� ّ لم تتغير تطل ً عات هارون مطلقا؛ ما زال يريد أن يصبح )تراپاني(، ّ ّ م احلزن على هارون بسبب حلمه غير املتحقق، أعتقد أن ًا ما خي وكثير ً ّ ا يف السن عن )تراپاني(� ّ ذلك ألن هارون كان متقدم ّ إذا أردت أن حتكم على وضعنا اآلن، سترى اآلمال احملطمة أينما 334


نظرت، كانت هناك آمالي وآمال هارون، آمال )تراپاني( يف أن يصبح ً ا، و)لينتاجن( يف أن يصبح عالم رياضيات، واضح أن )آكيوجن( ّ معلم تناسى آماله يف إخفاء رأسه الشبيهة بالصفيحة حتت قبعة قبطان، وزوجته سهارى فشلت يف أن تصبح ناشطة يف حقوق املرأة� ّى يف أما أكثرنا إثارة للحزن يف رأيي فهو )شمشون(، إذ فشل حت ً ّ ا أشدنا حتقيق هدفه البسيط يف أن يصبح قاطع تذاكر سينما، كان دائم ّ ا، وقد رأيت هذا أينما ذهبت: األشخاص األسوأ حظا يف هذا ً ً تشاؤم العالم هم املتشائمون� ً وما زال )شهدان( يطارد حلمه يف أن يصبح ممثال، إال أنه بالكاد ّ إلى فرقة ّ محاوالته اليائسة انضم ّس طريقه يف جاكرتا، ويف خضم يتلم مسرحية، لكن املشكلة تكمن يف ندرة ارتياد اإلندونيسيني للمسرح، ً كان )شهدان( أشبه بصبي ضائع يف جاكرتا، ولم نسمع مطلقا أي شيء عنه� ّ و)مهار(، )مهار( لم يتخل َ عن حلمه يف أن يصبح شامان ٍ سحر أبيض، إمنا كحاله يف املاضي لم يثقل قلبه بهذه املشكلة، وبقي على قناعته السابقة بأن الغد بيد اهلل، وأنه ينتظر دورته املستقبلية بشغف، ً عالوة على ذلك، كان مشغوال بترتيب براءة اختراع للعبة أطفال تقليدية: ورقة »الپيناجن هانتو« التي اعتدنا أن نتزلج بها يف مواسم املطر� ً ّ ا بتطلعاتها ْ ِ كار پالجني( لم تبح يوم )فلو(، آخر من انضم إلى )الس ّاف البنك، رفيقها يف ّجت صر ً املستقبلية، واكتشفنا الحقا أنها تزو عضوية »السوسيتيت دي ليمپاي« البائدة، فبعد أن أسفرت نتيجة ّ البعثة إلى جزيرة القرصان عن رسالة )توك بيان توال( املضحكة، علق )مهار(، بصفته زعيم »السوسيتيت«، نشاطاتها� 335


ً ّ ا عندما يتعلق خالل أيام املدرسة، كان )كوتشاي( املستضعف دائم األمر بالعالمات، ولطاملا كان ضحية إهاناتنا بسبب درجاته املتدنية، ولطاملا سجل عضويته يف العدد اثنني يف الرياضيات، والعدد ثالثة يف ّ ّ خانة العلوم الطبيعية، كان تصنيفه األخير يف الصف إلى جانب هارون، ّا، ولكن، انظروا إليه اآلن؛ هو الذي اعتبرناه أغبانا؛ أصبح من بيننا كلن ّ تابع احملمدية الوحيد الذي حقق أحالمه� ً ّ ا بالفطرة، فهم يف سن مبكرة ثقافتنا ً كان )كوتشاي( مخلوقا اجتماعي وكيف تعمل قواعد السلوك يف مجتمعنا، والشعبي الذي يتمتع مبهارة ًا، ًا، ميتلك فرصة كبيرة للنجاح سياسي ّ كافية ليقدم نفسه بصفته حامي ًا، ّ وقد حافظ )كوتشاي( منذ البداية على خواصه األبرز: كان شعبي ا وقح ً ا، ويف النهاية أصبح مرشحا عن حزب ً ً ً ّ ا، ومدعي ًا قهري ومحاور ّ سياسي، ثم ما لبث أن حق ّ ق خطته: احلصول على منصب يف مجلس ّ النواب، فمن كان العبقري احلق يف هذه احلالة؟ )لينتاجن( أم )كوتشاي(؟ ً ا؟ ً ا، أم )كوتشاي( األخير دائم )لينتاجن( األول دائم ًا دعانا لالحتفال يف كشك قهوة، هناك ُخب )كوتشاي( نائب عندما انت ّ ً ر عن امتنانه لنا، خصوصا )لينتاجن( الذي قال )كوتشاي( إنه كان يف عب الواقع مصدر إلهامه� »يا صديقي )لينتاجن( أشكرك ألنك جعلتني ما أنا عليه« قال )كوتشاي( بأسلوبه السياسي من الدرجة الثالثة� كانت عيناه كامدتني، نظر بحزن إلى )لينتاجن(، لكن عيني )لينتاجن( ّتني على هارون� كانتا مستقر ال يسعنا القول من خالل وجهة نظر مادية إن مستقبل أعضاء ً ّ ا، مع ذلك شعرنا أن احلظ قد حالفنا ألننا ْ ِ كار پالجني( كان آمن )الس 336


ْ ِن زرعا فينا تقدير املعرفة َّّزي َ ْني ممي ِّم َل ُع ّ تعلمنا يف مدرسة فقيرة على يد م ّ وحب ّ مدرستنا واالحتفال مبتعة التعلم� ّ ما أصبحنا عليه اليوم تشكل منذ عهد بعيد يف تلك املدرسة، وأثمن ّ درس تعلمناه يف تلك السنوات السحرية كان الدرس الذي تلقيناه من ًا على وجوه جميع أعضاء )پاك هرفان(، درس يف وسعي أن أراه مسطور ْ ِ كار پ ّ الجني(، علمنا أن روح العطاء هي أن نعطي بقدر ما نستطيع )الس ّى يف ً ا حت وأال نأخذ بقدر املستطاع، تلك العقلية جعلتنا شاكرين دائم ُس( الفقيرين طفولة جميلة أحضان الفقر، منحني )پاك هرفان( و)بو م وصداقات ثمينة ونفوس ّ ا غنية؛ وهي أشياء ال تقد ّ ر بثمن، لعلي أجانب ً َ الصواب، لكن يف نظري هذا هو نفس التعليم الفعلي وروح مؤسسة ُتدعى املدرسة� ُ شعرت ّ أن احلظ حليفي ألن الفرصة أتيحت لي كي أواصل تعليمي ّ يف بلد أجنبي بعيد كل ً البعد عن وطني، والحق ّ ا حالفني احلظ ً أيضا ّ ُ ال، وأينما مضيت، استقرأت ّد سائح جو بزيارة مناطق عديدة كمجر باهتمام تفاعل الناس مع بعضهم ضمن نظام اجتماعي معني، وكيف ينظرون إلى حياتهم، استمتعت مبهنة مراقب احلياة هذه غير الرسمية� قابلت زعماء أديان مختلفة، سألتهم عن حكمة احلياة، رأيت الناس ً يبحثون عن السالم يف حياتهم، رأيت أناس ّ ا يغادرون إلى مكة والهند وبيت حلم وجبال الهمااليا، باحثني عن راحة البال بتكريس أنفسهم ا ما قابلت أناسا يبحثون بيأس ً ً ً ً ا كامال ملعتقداتهم، بل حتى كثير تكريس ً عن أنفسهم، ومنهم من يركب قطار املغامرة مجهد ً ا الشرطة أحيانا يف اقتفاء أثره� ّ حاولت التوصل إلى استنتاج من جميع جتاربي، لكن على ما يبدو 337


ً لم أكن بحاجة إلى الرحيل بعيدا، لم أكن بحاجة إلى غزو العالم أو إلى ّعني، االستنتاج النهائي، احلكمة التي آمنت بها، مقابلة أناس متنو كانت الفلسفة البسيطة التي اكتسبتها من سنوات دراستي يف مدرسة ِ )السكار پالجني(، املدرسة التي نسفتها الريح يف نهاية املطاف� كانت تلك احلكمة بسيطة ببساطة املدرسة املتواضعة نفسها، القدر، ُ واجلهد املبذول، واملصير،هذه الثالثة هي مثل ثالثة جبال زرق تهدهد اإلنسانية، تتآمر تلك اجلبال فيما بينها لتخلق املستقبل، ومن الصعب ً ا، أولئك الذين يفشلون يف مظهر من مظاهر أن نفهم طريقة عملها مع احلياة يحيلون األمر على اهلل، يقولون إذا كانوا فقراء: هم كذلك؛ ألن ّ اهلل قدر عليهم الفقر، أولئك الذين يتعبون من الوقوف بثبات ينتظرون ّ ّ ر قدرهم، أولئك الذين ال يريدون أن يعملوا بكد من مصيرهم أن يغي ّ يقبلون مبواقعهم العتقادهم بأنه غير قابل للتغيير ؛ ألن كل ّ شيء مقدر يف النهاية، كما يرون، وهكذا، حتيط دائرة الشيطان بالكسالى وحتكم ّ ًدا من جتربتي يف املدرسة الفقيرة هو طوقها حولهم، لكن ما أعرفه جي ّ ّ تشبه التقاط املرء ثمرة فاكهة من سلة أن احلياة احلافلة بالعمل اجلاد وهو معصوب العينني، ومهما بدت الثمرة التي نحصل عليها، نكون يف النهاية قد حصلنا على ثمرة ما� ّضني ّ ال أريد التوق ّ ف عن التعل ّ م والعمل بجد ّ ، أنا مقتنع بأن هذا ما حر على استكمال دراستي يف أوروبا، ألعود بعدها إلى إندونيسيا وأعمل لدى شركة اتصاالت� عندما كنت أعمل يف تلك الشركة سنة 2004 ،ضرب )تسونامي( ّ منطقة )آتشيه(، ومات مئات اآلالف من الناس، سجلت اسمي مع ّعني وقضيت يف )آتشيه( ثالثة أسابيع� املتطو ّة تضع ّعي رأيت شاب يف طريقي إلى مطار )آتشيه( بعد عملي التطو ًا، كانت تقف عند جانب الطريق حاملة راية، وخلفها بقايا مدرسة جلباب 338


ّحط ُ مها )تسونامي(، ك ّ تب على رايتها: تعالوا ال تتخلوا عن املدرسة� ّ ّ صعقني املشهد، رمبا كانت تلك الصبية معل ّ مة، معلمة حتاول لم شمل من جنا من تالميذها يف أعقاب الكارثة، وجدت نفسي أكافح ّ ألحبس دموعي عندما وقع نظري عليها، تأثرت بصمودها ويف تلك ّ ً ة أن أخسر تلميذا كخسارتي نصف ّ اللحظة تذك ّ رت معل ًمة قالت لي مر روحي� ّ عندئذ تذكرت وعدي القدمي؛ الوعد الذي قطعته على نفسي يف ُس( تقطع باحة املدرسة، حتمي نفسها ّ الصف السادس عندما رأيت )بو م من املطر بورقة شجرة موز، يومها عاهدت نفسي يف أعماق قلبي الصغير ًا، الكتاب سيكون هديتي إليها، البرهان ُس( كتاب على أن أكتب لـ)بو م ّ على أنني قد ً رت حق ّ ا وأكبرت كل ما فعلته من أجلنا� بعد يومني يف )بانداجن(، رجعت إلى البيت من عملي وبدأت يف ّ كتابة الكتاب، يف األيام التالية، ضحكت لنفسي وابتسمت وتأثرت ُ وانزعجت ونشجت وحدي يف جوف الليل، وقبل أن أدرك اكتشفت أنني قد كتبت مئات الصفحات� ّل هذا الكتاب باعتراف أعتبره اللمسة النهائية، وهو أنني ّالبد أن أذي ّ ، شعرت باالرتياح يف أن أفتتحه بقولي: أهدي هذا الكتاب إلى معلمي ُس(ملة هفصري وبا)پاك هرفان( إفندي نور، وإلى رفاق طفولتي إي)بو م ْ ِ كار پالجني(، وقد سميت الكتاب ّاء، أعضاء )الس العشرة األحب ْ ِ كار پالجني( أي عساكر قوس قزح� )الس ّ حتصيل العلم حق جميع املواطنني )دستور جمهورية إندونيسيا، البند 33) 339


أسئلة الفصل ْ َض َح 1( �إكال( يف ْ ِم كما أو ِ َب ِ العل ُ ِ واجَه طال ْ ِك ُن ْ أن ي ُ َ ت ٍ هديد ُمي أ َ َ ْسو ما أ َك� ِ ْش زمالء ّ َ أي؟ ناق ِ ُقُه الر ِ هذا الفصل ُ ؟ هل تواف ي ْفَتِق َ رون َ إلى ت ِ قدير ّ الذ ِ ات؟ وهل ي ِة َ َّ َ َّم ِد م َ درسِة ا ُحمل 2 َ �ملاذا كان َ طل ُبة َ ُ َ المون على ذلك؟ ي َ ِ طاف؟ َ 3ِ �ة امل َ َكَتها يف نهاي َعر ُ م َ ر ِة َ ت ْخس ّ َّم ِدي َ َ َ درسَة ا ُحمل َّ َ ذي ج َعل م ما ال تعَة ّ الت ُّعل ِم" ، " ْ ِسان َ، و ْ يحَف ُظ ُ م َ ْ 4 ٌ �راس ُ ي ِدافُع َ عن ك َ رامِة اإلن ِب ُم ن ْ ِ "العل ُ ْج َ هتا ن َظٍر ِ"� و َ ٍسيلة إلى َحت ِصيل ِ املال َ وج ْم ِع ّ الثروة ّ ُد و َ َ درسُة ُ مجر امل َّذي َ ِن ال ُ ِجهة ّ الن ِظر األولى؟ وم َ َن بو َّذي آم َ ِن ال ِ ِضتان َ ن ًوعا ما� م ُمتناق ُ ِجهة ّ الن ِظر ّ الث ِ انية؟ َ ُ عيش َ وفق و ي الس 5ِ �ابقتّ ِني؟ ُ ْج ِ هتي ّ الن ِظر ّ َ َ ين َ تِق ُف من و ْ َت؟ وأ ِ ُفك أن ْق َو ما م 6 َ �لم ي ِ نته ُ احلال ِ ب ِ عساكر َ ق ِ وس ُ قَز َ ح كما كانوا ي ُحل َ مون َ أل ُنف ِسهم، ْتهى به َ َ ه كيف ان س ّج ْل أمام َّ َ ل ٍ واحد ُ منهم، ثم ِّ َ ُ ك ْ اكُت ْب اسم َ ُ طاف� امل ّ ا حقا؟ ي ِة َ ؟ وهل ت ُراه َ ث ًمين ً ّ َ 7ِ ّ �د َم َ َ درسِة ا ُحمل َ ُه َ ط ُ لبة م ْ ٍس َ ت َّعلم َ ُن َ در ما أثْم ْها له َجت ِارُبُه ِ ور ْح ُالتُه ّ والن ُ اس 8 ِ �ما احل ُ كمة َّ ال َ تي آم َن َّ بها )إكال( وأكَدت َّ ُ تي تشرح ِ هذه احل َ كمة� ِ َ الفقرة ال َلهم� اقرأ َ َّذين قاب ِ َ فون ال املختل 340


ِف َ 9( ِ �إكال( بالوعد َّ ال َ ذي ق َطَعُه َ على ن ِفسِه َّ يف الص ّ َّ َ ذي ذّكر ما ال الس ِ ادس؟ ّ ْ 10ِ �ج َم ْت َ ِخ ُ ، وتر َ ُ منها ماليني ُّ النس ِّ َ واية ُ قد طِبع ْ َت َّ أن هذه الر َف َ إذا عر َّ َة )بو ْ ِر ُف َ اآلن ّ املعل َمة ّ الشاب َع َ ِ م ْن 28 لُ َغًة َ، ف َك َ م ش ًخصا ي إلى أكثر ِ؟ َ ّف ِ ى لها بوعده َ َّن )إكال( قد و ُم َ س(؟ وهل ترى أ 341


Click to View FlipBook Version