The words you are searching are inside this book. To get more targeted content, please make full-text search by clicking here.

سباحة في بحر المعارف الإلهية الذي لا ساحل له..<br>واستكشاف أسماء الله الحسنى وصفاته بمقدار ما أذن به..<br>وملأ خزائن اليقين من روافد معرفة رب العالمين ..<br>وبناء قلعة الثبات بإبصار القلب لأنوار الأسماء والصفات ..<br>ومتعة روحية هائلة بأجمل المعارف: معرفة الله، وألذ ألوان العلوم: العلم به..

Discover the best professional documents and content resources in AnyFlip Document Base.
Search
Published by زَايْ, 2023-07-29 23:27:38

أسماء الجمال هنيئا لمن عرف ربه

سباحة في بحر المعارف الإلهية الذي لا ساحل له..<br>واستكشاف أسماء الله الحسنى وصفاته بمقدار ما أذن به..<br>وملأ خزائن اليقين من روافد معرفة رب العالمين ..<br>وبناء قلعة الثبات بإبصار القلب لأنوار الأسماء والصفات ..<br>ومتعة روحية هائلة بأجمل المعارف: معرفة الله، وألذ ألوان العلوم: العلم به..

Keywords: أسماء الله الحسنى

151 الرزاق ُ ِنعم. َ ما عرف ربه الرزاق من ألهاه الرزق عن الرزاق، والنعمة عن امل قال بعض احلكامء: »كام أن كل إنسان ينطق بنفسه وال يمكنه أن ينطق بلسان غريه، فكذلك كل إنسان يأكل رزقه، وال . ))) يمكنه أن يأكل رزق غريه« ِي إىل القول بخلق ِّ تذكر كتب الس َّ ري أن اإلمام َّعف َّ ان بن مسلم الصَّفار -أحد شيوخ اإلمام أمحد ُ- دع ٍ ألف درهم- فقال: )ہ ہ ُ ِّ عطى يف كل شهر القرآن، فامتنع أن يجُيب، فقيل له: يحُبس عطاؤك! -وكان ي ھ ھ ھ( ]الذاريات: 22] ً فلام رجع إىل داره، عذلوه نساؤه ومن يف داره ]أي الموه وعاتبوه[، وكان يف داره نحو أربعني إنسانا، َّات، ومعه كيس فيه ألف درهم، فقال: َّهته بسماَّن أو زي عليه داق الباب، فدخل عليه رجل شب ٌّ َّ فدق . ))) َّ َّت الدين، وهذا يف كل شهر« »يا أبا عثامن، ثبتك اهلل كام ثب وقوع االضطراب يف كتاب »القصد إىل اهلل سبحانه« ْللُم ِّ حاسبي قال: ُ »قلت لشيخنا: ُ من أين وقع االضطراب يف القلوب، وقد جاءها الضامن من اهلل عز وجل؟! قال: من وجهني. َّلُة ُ املعرفة بح ْس ِن َّ الظ ُّ ن، وإلقاء التهم عن اهلل. ِ أحدمها: ق َ الص ُرب، ِم َ ْعد َ ْضُع َف ُ اليقني، وي ْ والوجه الثاين: أن ُ يعارضها خوف َ الفْو َ ت، فتستجيب ُ النفس للداعي، وي ََزع. فيظهر اجل ٌ ُ غري هذا؟ ُ قلت: يشء قال: َّب األوقات ليخترب أهل العقول، ولوال ذلك لكان ِ َ ن، وغي ّ نعم، إن َ اهلل عز وجل و َعَد َ األرزاق وضم َّب كل ِّ املؤمنني راضني صابرين متوك َّ لني، لكن اهلل عز وجل أعلمهم أن َ ه رازقهم، وحَل َف هلم عىل ذلك، وغي ُّ ِّ ُ ، وتفاوت العباد يف الصرب، والرضا، واليقني، َ ُّ اص من العام ِ َف اخل ُ عنهم أوقات العطاء، فمن ها هنا عر )))تفسري القرطبي 17/42. )))تاريخ بغداد 14/201.


152 ً هنيئا لمن عرف ربه َ عرف ربه الرزاق من �سعى على الرزق باجلوارح، وتوكل بالقلب. َ والتوكل، والسكون، فمنهم -كام علمت ٌ - ساكن، ومنهم متحرك، ومنهم راض، ومنهم ساخط، ومنهم ِ ٌع. َجز ِ ما تفاوتوا يف املعرفة، تفاوتوا يف اليقني. َ فعىل ق ْدر . ))) ِ ما تفاوتوا يف اليقني، تفاوتوا يف السكون، والرضا، والصرب، والتوكل« َ وعىل ق ْدر رزقك املادي أحقر الأرزاق قال أبو الدرداء: َ ُط ُّ ل حتزنه، وال ِع برصه كل ما يرى يف الناس ي ُتب ِ َّ ع برصك كل ما ترى يف الناس، فإنه من ي ُ »يا بني، ال تتب . ))) ِ غيظه، ومن ال يعرف نعمة اهلل إال يف مطعمه أو مرش َّ به؛ فقد قل علمه، وحرض عذابه« ْيشف وما هو خري األرزاق وأوسعها عىل اإلطالق؟! إنه ما شهد به أصدق اخللق وحبيب احلق صلى الله عليه وسلم يف احلديث: . ))) ِ َق ٌ عبد ً خريا له، وال أوسع من الصرب« ُ »ما رز ولذا ملا دعا الفاروق ً بالرزق دعا بأن يموت شهيدا يف سبيل اهلل! والشهادة هي ضياع الدنيا يف سبيل كسب اآلخرة، فقال : . ))) »اللهم ارزقني شهادة يف سبيلك، واجعل مويت يف بلد رسولك صلى الله عليه وسلم« وهلذا قال الشاعر املؤمن حممود الوراق وقد فهم ما مل يفهمه غريه، ومأل قلبه من كنز اليقني: ٍ كـــم كافر باهلل ُ أموالــــه تزداد أ�ض ًعاف ُ ا على كْفِره وم ٍ ؤمن لي�س ٌ له درهــــم يزداد ً إميانا على فقـــره ِّ رزقك.. لي�س بالكد فقط جتنيه ِق قاعد! وربام فالبد من أن يأذن اهلل الرزاق ٍ الذي بيده وحده مفاتيح األرزاق، فلربام افتقر ساع ُ ، ورز اغتنى بليد، وافتقر نشيط. يا ربمَّــــا جاءنـــــي مــــا ال أ ِّ ؤملـــــه وربمَّـــــا خـــاب م ٌ أمــــــول ُ وم َنت َظُر لو زاد فـي الرزق حر�ٌص ٌ أو مطالبة َّ ما كان من قد يطيـــل الكد ُ يفتقر )))اجلواهر احلسان يف تفسري القرآن 5/301 ،302 - الثعالبي - دار إحياء الرتاث العريب )))الزهد ألمحد 1/110. )))صحيح: رواه احلاكم عن أيب هريرة كام يف الصحيحة رقم: 448. )))صحيح: رواه البخاري يف صحيحه رقم: 1890 - باب كراهية النبي صلى الله عليه وسلم أن تعرى املدينة.


153 الرزاق ما عرف ربه الرزاق من حمله ا�ستبطاء الرزق على طلبه مبع�صية اهلل. ٌ عند سفيان بن عيينة، فذكروا الفضل بن الربيع ودهاءه، فأنشدهم سفيان ِّ ليعلمهم أنه البد جلس قوم ِن عامل آخر وهو األهم، وهو إرادة اهلل الذي )يأذن( للرزق أن ينزل من خزائنه مع السعي والكد والعقل م عىل من )يشاء( من عباده: ِ كم م ْ ـن ٍّ قــــوي ٍّ قـــــوي ُّ فــي تقل ُ بــــه م َّهذب الر ُ أي عنه الرزق مْن ِ حــــرف وكم �ض ٍ عيف �ض ِ عيف ِ العقل خمتل ٌط ك َّ أن ِ ه من خليج البحــــــر يغتــــــرف ً خامس ً ا: فادعوه بها عبادة وعمال 1 -حمبة اهلل قال ( :ۆ ۈ ۈ ٷ ۋ ۋ ۅ ۅ ۉ ۉ ې ې ې ې ى ى َّه اهلل سبحانه عباده إىل نعمه ئا ئا ئە ئە ئو ئو ئۇ ئۆ ئۈ ئۈ ئې( ]يونس: 31 ،]فنب املرئية لكنها خمفية عن أصحاب القلوب الغافلة الشقية، وهذا متكرر يف القرآن؛ ليغرس احلب يف قلوب العباد هلل وحده املستحق وحده للحمد؛ ولذا قال سبحانه يف سورة الروم: )ې ې ې ى ى ئا ئا ئە ئەئو ئو ئۇ ئۇ ئۆ ئۆ ئۈ ئۈ ئې ئېئې ئى ئى ئى ی(]الروم: 40.] َ َّن واملحبة ثمرة من ثامر العمل هبذا االسم الكريم الرزاق، فتنزل يف قلوب أولياء اهلل وأصفيائه، وقد م عليهم بأعظم الرزق وأنفعه، أال وهو العلم النافع والعمل الصالح، وهو الرزق احلقيقي الباقي، وأما رزق ُ الكفار والف ّجار فهو منقطع وزائل؛ ولذا قال سبحانه: )ڦ ڄ ڄ ڄ ڄ ڃ ڃ ڃ چ چ چ چ ڇ ڇ ڇ ڇ ڍ ڍ ڌ ڎ ڎ ڈ ڈ ژ( ]اإلرساء: 20 ،21.] فريزق الرزاق الشقي والتقي إىل أن يبلغا األمد، ويستوفيا األجل، ثم تتفاوت أحواهلام بعد املوت، وتتفرق هبام السبل، فمن أراد العاجلة فإىل جهنم، وأما مريدي اآلخرة فإىل اجلنة. )ڃ چ چ چ چ(: ٍ ممنوعا، فال يمنع اهلل عطاءه الدنيوي عاص لعصيانه؛ ألن عطاء الربوبية يناله املؤمن والكافر والطائع والعايص، وأما عطاء اإليامن والعبودية، فهو عطاء املؤمنني ال يفوز به غريهم. ُ َّوس ٍع عليه، ِر، وم ُكث ل وم ٍّ ِ ُق فانظر يا حممد، )ڇ ڇ ڍ ڍ ڌ(]اإلرساء: 21 ]يف الرزق، فمن م ٍ عليه.. هذا فيِ الدنيا. ُقترَّ وم )ڎ ڎ ڈ ڈ ژ( من الدنيا الفانية الزائلة، فإذا دخل أهل اجلنة اجلنات اقتسموا


154 ً هنيئا لمن عرف ربه َ عرف ربه الرزاق م ً ن مل يخف خملوقا على قطع رزقه مهما عال �سلطانه وات�سع نفوذه. املنازل والدرجات، وما بني الدرجة والدرجة مسرية عرشات السنوات، بل وأبعد ما بني األرض والساموات. ُ َّب فقري يف الدنيا، وهو ملك من ملوك اآلخرة. فر ٍ يف اآلخرة. ٍ يف الدنيا.. صعلوك وكم من ملك فأحب اهلل ملا حباك به من نور اإليامن، ونعمة اهلداية، فهي النعمة الكربى، واجلائزة العظمى، والرزق احلقيقي. 2 - َّ توكل فـي الرزق ِّ ب ُعطي ملا منع، وال مقر ِّد برزق عباده، املتكفل بأقواهتم، فال مانع ملا أعطى، وال م سبحانه الرزاق املتفر َّ ب، وإن اليقني بذلك يثمر التوكل الصادق عىل اهلل، والتعلق به وحده مع األخذ ملا باعد، وال مباعد ملا قر باألسباب، وهو ما يثمر سكينة القلب عند اضطراب اخللق، وعدم اهللع واخلوف مهام اشتد؛ ألنك لن متوت حتى تستويف رزقك وأجلك. يقول األستاذ حممد قطب : يقول سبحانه وتعاىل: )ڌ ڌ ڎ ڎ ڈ ڈ ژ( ]الذاريات: 58 ،]ولو أنك سألت أي إنسان يف الطريق: من الذي يرزقك؟ لقال لك عىل البدهية: اهلل، ولكن انظر إىل هذا اإلنسان إذا ضيق عليه يف الرزق، يقول: فالن يريد قطع رزقي! فام داللة هذه الكلمة؟! داللتها أن تلك البدهية ذهنية فحسب، وبدهية تستقر يف وقت السلم واألمن، ولكنها هتتز إذا تعرضت للشدة؛ ألهنا ليست عميقة اجلذور.. فال يصلح لتلك األعباء إال شخص قد استقر يف قلبه إىل درجة اليقني أن اهلل هو الرزاق ذو القوة املتني، وأن اهلل هو املحيي املميت، وأن اهلل هو الضار النافع، وأن اهلل هو املعطي . ))) واملانع، وأن اهلل هو املدبر، وأن اهلل هو الذي بيده كل يشء« ِ َّ باء ونظرت إىل الزْرع، وقد ولنتعلم من عجوز البادية التي أتى الرب َ د عىل زرعها، فأخرجت ر َ أسها من اخل . ))) ِ ْزقي عليك« ِن ر ْئت، فإ ِ َ احرتق، فقالت -و َّ رفعت رأسها إىل الس ْ امء-: »اصنَع ما ش 3 -ال تخف قطع الرزق ِّ ويدخل هذا االستعالء عىل الباطل وأهله عندما يساومون املؤمن عىل رزقه يف ترك احلق، أو هيددونه لكي يسكت عن الباطل أو يميل معه. ))) واقعنا املعارص ص 486. )))نثر الدر يف املحارضات 4/68 - منصور بن احلسني الرازي - ط دار الكتب العلمية.


155 الرزاق َ ما عرف ربه الرزاق من خاف قطع رزقه من ظامل ُ أو باغ، فا�ست�سلم جلنْب أو هزمية. وهذه شنشنة املنافقني التي ال تتغري قديماً ً أو حديثا. قال عز وجل: )ڄ ڄ ڃ ڃ ڃ ڃ چ چ چ چ ڇ ڇ ڇ ڍ ڍ ڌ ڌ ڎ ڎ ڈ( ]املنافقون: 7.] فتهديد املؤمن يف رزقه هو ديدن الفجارعىل مر األزمان.. يقول سيد قطب عن هذه اآلية: »وهي قولة يتجىل فيها خبث الطبع، ولؤم التحيز، وهي خطة التجويع التي يبدو أن خصوم احلق واإليامن يتواصون هبا عىل اختالف الزمان واملكان، يف حرب العقيدة ومناهضة األديان، ذلك أهنم خلسة مشاعرهم حيسبون لقمة العيش هي كل يشء يف احلياة، كام هي يف حسهم، فيحاربون هبا املؤمنني. إهنا خطة قريش وهي تقاطع بني هاشم ُّ يف الشعب؛ لينفضوا عن نرصة رسول اهلل صلى الله عليه وسلم ويسلموه للمرشكني! َّ وهي خطة املنـافقني -كام حتكيـها هذه اآلية- لينفض أصحاب رسول اهلل صلى الله عليه وسلم عنه حتت وطأة الضيق واجلوع! ً وهي خطة الشيوعيني يف حرمان املتدينني يف بالدهم من بطاقات التموين؛ ليموتوا جوعا أو يكفروا باهلل، ويرتكوا الصالة! وهي خطة غريهم ممن حياربون الدعوة إىل اهلل وحركة البعث اإلسالمي يف بالد اإلسالم، باحلصار والتجويع، وحماولة سد أسباب العمل واالرتزاق. وهكذا يتواىف عىل هذه الوسيلة اخلسيسة كل خصوم اإليامن، من قديم الزمان، إىل هذا الزمان.. ناسني احلقيقة البسيطة التي يذكرهم القرآن هبا قبل ختام هذه اآلية: )ڇ ڍ ڍ ڌ ڌ ڎ ڎ ڈ(... ومن خزائن اهلل يف السموات واألرض يرتزق هؤالء الذين حياولون أن يتحكموا يف أرزاق املؤمنني، فليسوا هم الذين خيلقون رزق أنفسهم، فام أغباهم، وأقل فقههم، وهم حياولون قطع الرزق عن اآلخرين! ِّ ّ ت اهلل املؤمنني، ويقوي قلوهبم عىل مواجهة هذه اخلطة اللئيمة، والوسيلة اخلسيسة التي وهكذا يثب يلجأ أعداء اهلل إليها يف حرهبم، ويطمئنهم إىل أن خزائن اهلل يف الساموات واألرض هي خزائن األرزاق . ))) للجميع« )))يف ظالل القرآن 6/3579.


156 ً هنيئا لمن عرف ربه َ عرف ربه الرزاق من عرف مفاتيح الرزق، وا�ستعملها فـي تو�سعة رزقه. 4 -أكل احلالل واجتناب احلرام من آمن بالرزاق لن يمد يده نحو احلرام من األرزاق، ولو صرب العبد عىل اللقمة احلرام لسعت إليه من طريق احلالل! قال ابن عباس وهو يريس قاعدة إيامنية هامة استقاها من فهمه لكتاب اهلل ومن كثرة مالزمته لرسول اهلل صلى الله عليه وسلم: رَ »ما من مؤمن وال فاجر إال وقد كتب اهلل تعاىل له رزقه من احلالل، فإن صب حتى يأتيه آتاه اهلل تعاىل، . ))) ً وإن جزع فتناول شيئا من احلرام نقصه اهلل من رزقه احلالل« والصرب ٌ عن احلرام هو قمة البطولة يف زمن شاع فيه الرزق اخلبيث ودخل كل بيت، وهو زمن صدقت فيه نبوءة رسول اهلل صلى الله عليه وسلم: . ))) ْن حرام« ِ ٍ، أم م ْن حالل ِ »ليأتني عىل الناس زمان ال يبايل املرء بام أخذ املال؟ أم ُّ وهم األبطال ألهنم يسبحون ضد التيار، ويرفعون التعفف كأسمى شعار، فال تزيغ أبصارهم وال قلوهبم بربيق الذهب أو إغراء الدوالر.. قال سفيان الثوري: . ))) »عليك بعمل األبطال: االكتساب من احلالل، واإلنفاق عىل العيال« َ وما قست قلوب العباد بمثل أكل احلرام، وال النت قلوب املتقني وال جوارحهم ألمر رهبم بمثل أكل احلالل؛ ولذا ملا سئل اإلمام أمحد بن حنبل: بم تلني القلوب؟ مل جيبهم بأنه الذكر والقيام، والصدقة والصيام، وإنام أطرق ساعة، ثم رفع رأسه، فقال: . ))) ِأكل احلالل« »يا بني، ب 5 -عليك مفتاح خزائن الرزق: التقوى وال�صدقة قال سبحانه: )ڱ ڱ ڱ ڱ ں ں ڻ ڻ ڻ ڻ ۀ ۀ( ]الطالق: 2 ،3.] فالتقوى مفتاح املفاجات السعيدة، وكلام كنت أتقى جاءك رزقك الرائع )ڻ ڻ ۀ ۀ(، وأحىل األرزاق ما كان فجأة. )))حلية األولياء 1/326. )))صحيح: رواه أمحد والبخاري عن أيب هريرة كام يف صحيح اجلامع رقم: 5344. )))اجلرح والتعديل 1/85 - ابن أيب حاتم الرازي - دار إحياء الرتاث العريب - بريوت. )))حلية األولياء 9/182.


157 الرزاق َ ما عرف ربه الرزاق من أ�ضاع مفاتيح الرزق، فلم يفتح بها أبواب خزائن الرزاق. ً فيا مستفتحا أبواب الرزق بغري مفتاح التقوى: ِّ كيف توسع طريق اخلطايا، ثم تشكو ضيق األرزاق؟! ِ َمت أنك لو اتقيت اهلل لمَا عرس عليك مطلوب، فالتقوى مفتاح ما انغلق من األبواب، ورس جتاوز أما عل كل الصعاب. د عىل شبهة مشهورة مثارة: ُ ُّ قال ابن تيمية وهو ير »وقول القائل: قد نرى من يتقي وهو حمروم، ومن هو بخالف ذلك وهو مرزوق! فجوابه: ُ َرزق؛ بل ال بد ُ َرز َ ق من حيث ال حيتسب، ومل تُدل عىل أن غري املتقي ال ي أن اآلية اقتضت أن املتقي ي لكل خملوق من الرزق قال اهلل تعاىل: )ٻ ٻ ٻ ٻ پ پ پ پ ڀ( حتى إن ما يتناوله العبد من ُ َرزقون ُ َرزقون رزقا حسنا، وقد ال ي َّمة، وي ُ َرزقون بأسباب محُر احلرام هو داخل يف هذا الرزق، فالكفار قد ي إال بتكلف. ِ ٍ زقهم بأسباب حمرمة، وال يكون خبيثا، وأهل التقوى يرزقهم اهلل من حيث ال حيتسبون، وال يكون ر . ))) َم ما حيتاج إليه من الرزق، وإنام يحُمى من فضول الدنيا رمحة به وإحسانا إليه« والتقي ال يحُر ومفتاح الرزق الثاين هو الصدقة، فاملال كلام أخذت منه بالصدقة زاد! وباإلنفاق تزداد األرزاق، وجيود الرزاق. ومن هنا قال َّ جعفر بن حممد: . ))) َْلق، فأتاجر اهلل بالصدقة، فأربح« »إين ألم وليست العربة بكثرة الرزق ولكن بربكته، والعكس صحيح، فإن املعصية باب واسع إىل نقصان الرزق، ً أو حمق بركته، أو جعله طريقا إىل املتاعب واملشاق، وقد ورد يف حديث ثوبان: ِ ُيبُه«. ُص ِّ ْزَق بِ َّ الذْن ِب ي ُ الر َم ُ ْحر َّ ُجُل َ لي َِّن الر َ»وإ قصة طريفة في التقوى والرزق قال الشيخ عيل الطنطاوي: »أما القصة األخرى فلعل الطرافة فيها أكثر من املنفعة منها، وهي واقعة أعرف أشخاصها وظروفها، )))جمموع الفتاوى 16/53. ))) هبجة املجالس وأنس املجالس 1/25 - ابن عبد الرب َ القرطبي، وأملق: افتقر من اإلمالق، وهو الفقر.


158 ً هنيئا لمن عرف ربه عرف ربه الرزاق من ً أنفق فـي �سبيله موقنا بإخالف ربه عليه. ًّ ب العلم، حتى إذا أصاب منه حظا، قال الشيخ له ولرفقائه: ال تكونوا ًّ ُ ا فيه تًق َ ى، وفيه غفلة طل هي أن شاب ً عالة ُّ عىل الناس، فإن العامل الذي يمد يده إىل أبناء الدنيا ال يكون فيه خري، فليذهب كل واحد منكم وليشتغل ِ اهلل فيها. َّ بالصنعة التي كان أبوه يشتغل هبا، وليتق وذهب الشاب إىل أمه، فقال هلا: ما هي الصنعة التي كان أيب يشتغل هبا؟ فاضطربت املرأة، وقالت: أبوك قد ذهب إىل رمحة اهلل، فام لك وللصنعة التي كان يشتغل هبا؟ ًّ ته وهي كارهة أن أباه كان لصا. ّ ها إىل الكالم أخرب َّ فألح َّ عليها وهي تتملص منه، حتى إذا اضطر َ ٌّ نا أن يشتغل كل بصنعة أبيه، ويتقي اهلل فيها. فقال هلا: إن الشيخ أمر قالت األم: وحيك! وهل يف الرسقة تقوى! وكان يف الولد كام قلت غفلة، فقال هلا: هكذا قال الشيخ. َّ ثم ذهب فسأل، وتسقط األخبار حتى عرف كيف يرس ّ ق اللصوص، فأعد ُ عَّدة الرسقة، وصىل العشاء، ِل بصنعة أبيه كام قال الشيخ، فبدأ بدار جاره، ثم ذكر أن الشيخ قد وانتظر حتى نام الناس، وخرج ليشتغ َّ بأخرى فقال لنفسه: هذه دار أيتام، ّ أوصاه بالتقوى، وليس من التقوى إيذاء اجلار، فتخطى هذه الدار، ومر َّ واهلل حذر من أكل مال اليتيم، وما زال يميش حتى وصل إىل دار تاجر غني ليس له إال بنت واحدة، ويعلم الناس أن عنده األموال التي تزيد عن حاجته. فقال: ها هنا. َّ وعالج الباب باملفاتيح التي أعد ً ها، ففتح ودخل، فوجد دار ً ا واسعة وغرفا كثرية، فجال فيها حتى ً اهتدى إىل مكان املال، وفتح الصندوق فوجد من الذهب والفضة والنقد شيئ ً ا كثري َّ ا، فهم بأخذه، ثم قال: ً. ِ َ ج الزكاة أوال َّ ال، لقد أمرنا الشيخ بالتقوى، ولعل ِّ هذا التاجر مل يؤد زكاة أمواله، لنُخر ً ا يف احلساب، ً وأخذ الدفاتر وأشعل فانوس ً ا صغريا جاء به معه، وراح يراجع الدفاتر وحيسب، وكان ماهر ًا، واستغرق يف احلساب ًخبري ّ ا بإمساك الدفاتر، فأحىص األموال وحسب زكاهتا، فنحى مقدار الزكاة جانب ً! حتى مضت ساعات، فنظر فإذا هو الفجر، فقال: تقوى اهلل تقيض بالصالة أوال ً ً ا، فانوسا ْكة وأقام الصالة، فسمع رب البيت فنظر فرأى عجب رِ وخرج إىل صحن الدار، فتوضأ من الب ً مضيئ ً ا، ورأى صندوق أمواله مفتوح ً ا، ورجال يقيم الصالة، فقالت له امرأته: ما هذا؟ قال: واهلل ال أدري! ْ َ فصِّل بنا، ً ّ ثم الكالم، فتوض ّ أ ثم تقدم ونزل إليه فقال: ويلك من أنت، وما هذا؟ قال اللص: الصالة أوال فإن اإلمامة لصاحب الدار.


159 الرزاق ً ما عرف ربه الرزاق من بخل مباله خوف ً ا من زواله وحر�صا على عياله. ُ فخاف صاحب الدار أن يكون معه سالح ففعل ما أمره به، واهلل أعلم كيف صىل، فلام قضيت الصالة، قال له: رِّخبين ما أنت وما شأنك؟ قال: لص. قال: وماذا تصنع بدفاتري؟ قال: أحسب الزكاة التي مل تخُ ِّ رجها من ست سنني، وقد حسبتها وفرزهتا؛ لتضعها يف مصارفها، فكاد َ ّن من العجب، وقال له: ويلك، ما خرب رَّ ك؟ هل أنت جمنون؟ فخبه خربه كله، فلام سمعه التاجر الرجل يجُ َّ ورأى مجال صورته، وضبط حسابه ذهب إىل امرأته فكل َّ مها، ثم رجع إليه، فقال له: ما رأيك لو زوجتك ًا عندي، وأسكنتك أنت وأمك يف داري، ثم جعلتك رشيكي؟! ًا وحاسب ابنتي، وجعلتك كاتب قال: أقبل. . ))) ِد العقد! وهذه قصة واقعة« ُ وأصبح الصباح، فد ُ عي باملأذون وبالشهود وعق 6 -ال تركن لعبد الرزاق ِن بربك الرزاق عىل فقرك وضيق رزقك، وال تبذل ماء وجهك ذلاًّ ً واستعطافا ألحد! استع قال حممود الوراق: يا ُّ أي َّ هـا الط ً الب مــــــن مثلــــــه رزق ُ ا له ج ْ ــــــر َت ِ عن ِ احلْكمــــه ال ِّ تطلب الـــــرزق ٍ إلــــى طالب ِ مثل َك ٍ حمتـــاج َّ إىل الرحمـــــــه وارغب ِّ إىل اهلل الذي مل يـــزل فـــي يـــــده الن ْع ِّ مـــة والنقمـــه وكلام قويت االستعانة باخللق ضعف التعلق باهلل، وإنام تكسب باستعانتك هبم بقدر ما خترس من صلتك ِّك؛ ولذا قال بعضهم: َ ب ِر ب ال ت�ض َّ ـــرعن ٍ ملخلوق ٍ على طمع ف َّ إن َ ذلك و ْهٌن ِّ منك بالد ِ يــــــن وا�سرت َ زِق اهلل ً زرقا من خزائنه ف ِ إمنا هو بيــن الكاف ِ والنـــون قال اجليالين خماطبا غالمه وهو يربيه عىل عزة النفس والتعلق بالرزاق: »يا غالم.. اخدم احلق عز وجل وال تشتغل عنه بخدمة هؤالء السالطني الذين ال يرضون وال ينفعون، إيش )))فصول يف الثقافة واألدب 1/21 ،22 - عيل الطنطاوي- دار املنارة.


160 ً هنيئا لمن عرف ربه عرف ربه الرزاق من أب�صر الرزق مبفهومه الوا�سع املادي والإمياين. ُ َقسم لك، أو يقدرون يقسمون لك شيئا مل يقسمه احلق عز وجل، ال يشء من يعطونك؟! أيعطونك ما مل ي ِ َ هم كفرت َّ ، أما تعلم أنه ال معطي وال مانع، وال ضار وال نافع، وال ِند ِ َ هم، إن قلت إن عطاءهم من ع ِند ع . ))) ِّ مقد ِّ م وال مؤخ َّ ر إال اهلل عز وجل َ ؟ فإن قلت ُ : إين أعلم ذلك، قلت ِّ : كيف تعلم هذا وتقدم غريه عليه؟!« 7 -الدعاء با�سم الرزاق الدعاء بام يناسب اسم اهلل الرزاق َّ ما صح من حديث أيب هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ْئت، وليعزم مسألته، إنه يفعل ِ ِن ش ِي إ ْئ ُ ت، ارزقن ِ ِن ش ِي إ ْئت، ارمحن ِ ِن ش ُ »ال يقل أحد ُكم اللهم اغفر يل إ . ))) ُ ْكِره له« ُ، ال م ما يشاء رِ وأبش ٍّ مع دعائك برزق رب ِّ يرزق من يشاء بغري حساب، وحلق عاليا مع وصف: )ڃ ڃ چ چ چ(، فمن معانيه: * يرزق دون أن حياسبه حماسب، أو يسأله سائل مل أنفق. * يرزق بغري تقتري، وال خياف من نفاد ماله عند إنفاقه. * يرزق من يشاء من حيث ال يتوقع وال حيتسب. ِبه أحد عىل إنفاقه أو يناقشه يف عطائه. * يرزق دون أن يعات * ٍ يرزق رزقا كثريا ال يدخل حتت حرص ٍّ وال عد. 8 -الر�ضا بالرزق، وإال فال�صرب عليه ِّق عليه رزقه: ُ يا كل من ضي َ أمامك -مع مطالعة القدر اإلهلي- درجتان: ً إما اعتبار أن قضاء اهلل يف التضييق هو األفضل لك، علمت ذلك أم مل تعلمه، فإن كنت حمظوظا ملحت عطاءه يف منعه، ولطفه يف شدته، فأورثك ذلك الرضا عنه! ً وإن كنت أقل درجة وأضعف إيامنا ملحت الثواب، فأورثك ذلك الصرب عىل قضائه. ولذا كتب عمر بن اخلطاب إىل أيب موسى األشعري يوصيه باألهم فاملهم، فقال: . ))) ِّ ضا، فإن استطعت أن ترىض؛ وإال فاصرب« َّ »أما بعد، فإن اخلري كله يف الر )))الفتح الرباين ص 44 - عبد القادر اجليالين. )))صحيح: رواه الشيخان وأمحد والنسائي وابن ماجة عن أيب هريرة كام يف صحيح اجلامع رقم: 7763. )))مدارج السالكني البن القيم 2/185.


161 الرزاق ما عرف ربه الرزاق من غفل عن دعائه برزق الدنيا والآخرة. ً سادس َ ا: فادعوه بها مسألة وطَلًبا َّ »اللهم انفعني بام عل ِّ متني، وعلمني ما ينفعني، وارزقني علماً تنفعني به«. »اللهم اغفر يل وارمحني، وعافني وارزقني«. ًا، َّ »اللهم ارزقني عينني هط َّ التني، تشفيان القلب بذرف الدمع من خشيتك، قبل أن يكون الدمع دم ً ا«. واألرضاس مجر »اللهم ارزقني لذة النظر إىل وجهك، والشوق إىل لقائك«. َّ ً ه عندك، اللهم ما رزقتني مما أحب فاجعله قوة يل فيام حتب، َّ ُ ك، وح َّب ُ من ينفعني حب »اللهم ارزقني حب ً اللهم وما زويت عني مما أحب، فاجعله فراغا يل يف ما حتب«. ً ال تعاقبني عليه، وقنِّ ْعني بام رزقتني«. »اللهم ارزقني حالال ًّ »اللهم أرين احلق حق ً ا وارزقنى اتباعه، وأرين الباطل باطال ً وارزقنى اجتنابه، وال جتعله متشاهب َّ ا عيل فأتبع اهلوى«. يا رزاق.. ْنا فيها. ِ ِّ ها عنا فرتغب ِّ ارزقنا الزهد يف الدنيا، ووسع علينا منها، وال تزو يا رزاق.. ْغنَاء بك عن اخللق أمجعني، وارزقنا ِ ْست لاِ ارزقنا خري ما رزقت أولياءك الصاحلني وعبادك املتقني من ا حسن االفتقار إليك يا خري الرازقني. يا رزاق.. ارزقنا من اخلري أكثر مما نطلب، وارصف عنا كل رش يف ديننا ودنيانا. يا رزاق.. كيف أسرتزق من ال يرزقني إال من فضلك؟! يا رزاق.. ً ارزقنا نفوسا تقنع بعطائك، وترىض بقضائك، وتصرب عىل بالئك، وتوقن بلقائك، وتشكر لنعامئك.


162 ً هنيئا لمن عرف ربه عرف ربه الرزاق من دعاه بالرزق احلالل والقناعة باحلال. ًسابعا: حاسب نفسك تعرف ربك ً نادر ً أحيان ا سابق باخلريات )دائ دائم ا ماً ً ( - مقتصد )أحيان ً ا( - ظامل لنفسه )نادرا( 1 ً هل تلجأ إىل الصداقة إذا واجهت ضيقا يف الرزق؟ 2 هل تتحرى احلالل يف رزقك وتتجنب احلرام والشبهات؟ 3 هل توقن أن رزقك يف السامء فال يمسه أحد ممن يف األرض؟ 4 هل تستحرض الرزق اإليامين يف دعائك كام تستحرض الرزق املادي؟ 5 هل حققت: )رجال ال تلهيهم جتارة وال بيع عن ذكر اهلل(؟ 6 عل بلغت من عزة النفس ما تستغني به بالرزق عن اخللق؟


166 ً هنيئا لمن عرف ربه َ عرف ربه الودود من حر�ص على التودد إليه باملواظبة على النوافل بعد الفرائ�ض. ً أوال: معنى الودود قال األصفهاين: د ُ حمبة اليشء ومتني كونه، ويستعمل يف كل واحد من املعنيني عىل أن التمني يتضمن معنى الوِّد؛ ألن ُ »الوُّ . ))) ُّ ي حصول ما توده« َ التمني هو تَشِّه وقال ابن العريب: اتفق أهل اللغة عىل أن املودة هي املحبة. قال تعاىل: )گ گ گ ڳ( ]الروم: 21.] ً ويأيت أيض َ ا بمعنى املالزمة مع التعلق، وجاء منها »الودَد« بمعنى الوتد لشدة مالزمته للخيمة وتعلقه هبا، وكان أصلها الودد ثم أدغمت الداالن. املعنى ال ُّ أول: الوادلأهل الإميان ب ُّ ِ َ»وُد َ ود« صيغة مبالغة عىل وزن »فُع ُّ ــول« بمعنى فاعل، بمعنــى أنه الواد ألهل اإليمـان، أي يحُ َه الصاحلني، فال يفعل هبم إال كل خري، وال يعطيهم إال ما ينفعهم، وال حيرمهم إال مما املؤمنني وأولياء ُّ يرضهم. املعنى الثاين: املحبوب َ ْف َ عول«، فيكون الودود بمعنى املْوُدود، يعني: املحبوب.. َ»وُد َ ود« عىل وزن »فُعول« بمعنى »م ْمي: ي ِ واملعنى الثاين قاله َ احلل ِل املرء عىل حمبة من أحسن َ »وقد قيل هو املودود لكثرة إحسانه«، فإن النفس حتب من أحس َن ُ إليها، وجب إليه. لمِ َّ ا فاض من إحسانه عىل من حوله، ويتعلق قلبك به ً وقد حتب شخصا من كثرة ما تسمعه عنه من خري، و ً ولو مل يصلك يشء من هذا اإلحسان، فكيف بمن أنت غارق يف إحسانه األمس واليوم وغدا؟! قال ابن تيمية: ))) . »وليس ما يستحق أن يكون هو املحبوب لذاته، املراد لذاته، املطلوب لذاته، املعبود لذاته: إال اهلل« )))املفردات يف غريب القرآن 1/860 - الراغب األصفهانى – ط دار القلم والدار الشامية. )))درء تعارض العقل والنقل 9/374.


167 الودود َ ما عرف ربه الودود من انتهك من الفرائ�ض، وما واظب على النوافل. وقد مجع الشيخ السعدي بني التعريفني، فقال : . ))) ٌّ »الودود هو املحب املحبوب بمعنى واد ومودود« ْقه ُ املعنى الثالث: الذي ي َحِّب ُب َ عباده َ إىل خل ُلقي بمودهتم يف قلوب الناس، وذلك عىل قدر ِّ ُب َ عباده الذين يستحقون حمبته إىل اخللق، وي َب الودود يحُ حمبة اهلل هلم: )ٱ ٻ ٻ ٻ ٻ پ پ پ پ( ]مريم: 96.] ًّ ا خاص َّ ا بينهم وبني اهلل الذي ودهم وأحبهم حتى فاضت مودته هلم عىل قلوب من حوهلم، وليس د ُ أي وًّ هذا من فضلهم وبسبب أعامهلم فحسب؛ وإنام هو فضل من الودود سبحانه. قال حممد بن املنكدر أليب حازم: يا أبا حازم، ما أكثر من يلقاين فيدعو يل باخلري، ما أعرفهم وما صنعت ً إليهم خريا قط. قال له أبو حازم: ِله، فاشكره. ب ِ ال تظن أن ذلك من عملك؟ ولكن انظر الذي ذلك من ق ثم قرأ ابن زيد )الراوي(: . ))) )ٱ ٻ ٻ ٻ ٻ پ پ پ پ( ]مريم: 96] وسبب هذا اهلل أن اهلل أحبه، وهلذه املحبة تبعات. قال رسول اهلل صلى الله عليه وسلم: ِى يف أهل ُنَاد َّ »إذا أحب اهلل تعاىل العبد؛ نادى جربيل: إن اهلل تعاىل حي ً ب فالنا فأحببه، فيحبه جربيل، في السامء: »إن اهلل حي ً ب فالنا فأحبوه، فيحبه أهل السامء، ثم يوضع له القبول يف األرض«. وهذا، واهلل هلو الرش َّ ف العظيم، فالناس اليوم يتزلفون إىل البرش أصحاب الزعامات واملكانة والسلطان؛ َّ بك وأدناك وأحبك، وأعلن ذلك يف ِّ بوهم ويدنوهم، فيغدقوا عليهم النعم، وأما أنت.. فاهلل هو الذي قر ليقر كتابه: )ہ ہ( ]املائدة:54 ، ٍ ]فأي فضل يف انتظارك؟! ً ا لك ومهنًِّئا: قال ابن القيم رِّ مبش »ليس العجيب من قوله: )ہ(، إنام العجب من قوله: )ہ(.. . ))) ِ ٍن ً حيب فقريا مسكينًا« ٍ ليس العجب من فقري مسكني حيب حمسنًا إليه، إنام العجب من محُس )))احلق الواضح املبني ص 69. )))حلية األولياء 3/233. )))الفوائد ص 69.


168 ً هنيئا لمن عرف ربه َ عرف ربه الودود م َّ ن تودد إليه بأحب الكالم إليه وهو القرآن، فلم يهجر كالم احلبيب. ً ثانيا: الحب لغة الخالئق.. ولو كانوا جوامد ب! ب وتحَُ ُّ ُّ ِ احلب هو اللغة املشرتكة بني مجيع اخللق، ولو كانوا من الدواب التي ال تعقل لكنها تحُ َه إىل صاحبه، ففي ِّب َب وانظر إىل الفرس العريب وهو مشغول باحلب كل صباح، ويدعو اهلل عز وجل أن يحُ ٌ باملحبة. كل يوم من أيامه دعاء قال رسول اهلل صلى الله عليه وسلم: ٍّ َ إال يؤذ َّ ن له مع كل فجر يدعو بدعوتني، يقول: اللهم إنك خو َّ لتني من خولتني ٍ »إنه ليس من فرس عريب . ))) ِّ من بني آدم، فاجعلني من أحب أهله وماله إليه« ًا، بل بم يدعو هذا الفرس كل صباح؟! إنه يدعو بأهم دعاء: أن يكون حمبوب أحب يشء إىل صاحبه.. ًا، فتدعو اخليل رهبا يف َ ٌس عنها يوم ِنا من ينام عن صالة الفجر التي ال يغفل فر وم هذا الوقت املبارك، بينام أكثر اخللق غافلون، فيستجيب اهلل هلا، والواقع يشهد هلذا، وحب الناس للخيل يشهد هلذه اإلجابة! ب: ب حُ وتَ ُّ ُّ ِ حُ حتى اجلامد والصخور ت . ))) فتأمل قول النبي صلى الله عليه وسلم عن جبل أُحد: ٌ »هذا جبل حيبنا ونحبه« ًّا لرسول اهلل صلى الله عليه وسلم ً واشتياقا إليه. وقد بكى جذع النخل حب تلك املخلوقات واجلوامد حتب من أحبها وأحسن إليها، فكيف بك يا صاحب القلب القايس، واهلل عز ُّ َ ه، وأسبغ عليك نعمه ظاهرة وباطنة؛ حتى عجْز َت ِر َّ وجل قد تتابعت أفضاله عليك، وعم كرمه وفاض ب عن إحصاء آالئه، فكيف ال حتبه؟! ً ثالثا: إذا أحبك الودود... ما أثر اسم الودود عىل حياتك؟! إذا أحبك الودود، فام أرباحك؟! )))صحيح: رواه اإلمام أمحد يف والنسائي واحلاكم، وصححه األلباين يف صحيح اجلامع رقم: 2414. )))صحيح: رواه البخاري حديث رقم: 1482 - كتاب الزكاة - باب خرص الثمر.


169 الودود َ ما عرف ربه الودود من هجر كالمه ومل يقرأ كتابه. قال بعض احلكامء: . ))) ِب، ولكن الشأن أن تحَُب« »ليس الشأن أن تحُ ملاذا؟! ًا، ولكن الشأن العظيم أن حيبك اهلل؛ ً ألنك إذا قلت أنك حتب اهلل، فقد تكون صادقا يف دعواك أو كاذب ُب. ألن اهلل ال حيب إال من يستحق هذا احل ّ وحلب اهلل لعبده فضائل رئيسة؛ منها: 1 -اهلل يدافع عن أحبابه قال تعاىل يف احلديث القديس: ، ))) ًّا فقد آذنته باحلرب« »من عادى يل ولي ُ أي أعلمته بمعادايت يل، وأين سأحاربه، وأقهره، وأنترص منه، وأنتقم لوليي.. َّ فمن أنت -يا ويل َّ اهلل- حتى حيارب اهلل من آذاك، ومسك أو عاداك؟! ما هذا الرشف! ٍ وأي نوع من الكرامة؟! وأما أنت أيها الظالم.. َ يا م ْن َّ نص َب َ نفس َ ه لمعاداة الخالق، وجعل اهلل َ خصم َّ ه وعدو َ ه، وثار عليه.. ُّ أين المفر؟! ِّ وبأي ٍ حصن َّ تتحصن؟ ُّ وأي ٍ أعوان ُ وع َد ٍد َ تتقوى بها؟ ِ أبشر بما يسوؤك... )))تفسري القرآن العظيم 2/32 - ابن كثري - دار طيبة للنرش والتوزيع. )))صحيح: رواه البخاري يف كتاب الرقاق باب التواضع رقم: 6502.


170 ً هنيئا لمن عرف ربه َ عرف ربه الودود م َّ ن تودد َّ إىل من يحب اهلل، وتقر مِ َّ ب م َّ ن قربه حبيبه. ً ً كبري ِّ ا يدافع عنــه، ويقف يف صفــه؛ الطمأن وسكن، فكيف إذا علم أن لو علم أحدنا أن مسؤوال ُ دولة من الدول تسانده! فكيف لو كانت هذه الدولــة دولة عظمى؟! فام بالك إن نزلت يف جوار اهلل رب العاملني؟! وليس هلذه الوالية الفتة مرفوعة فوق جبني العبد، فقد يكون مق رِّ ًصا يف بعض األعمــال الصاحلة؛ ٌ ِر ُفتخ ل ً ه وافتقاره، وقد يكون زاهــد ً ا عابدا، وليس بويل؛ ألن قلبه مريض، أو ألنه م ُِذِّ ٌّ ومع ذلك فهو ويل هلل ب َ بعمله، ومعج ٌب رِّ بطاعته، أو متكب َّ عىل العصاة، فالوالية رس بني العبد وربه، وكل من ادعى الوالية فهو كاذب. 2 - ُ واهلل ال ي ِّعذب أحبابه قال تعاىل: )ٱ ٻ ٻ ٻ ٻ پ پ پ ڀ ڀ ڀ( ]املائدة : 18.] وهي آية من أعظم آيات الرجاء. قال ابن كثري: ِّ »وقد قال بعض شيوخ الصوفية لبعض الفقهاء: أين جتد يف القرآن أن احلبيب ال يعذب حبيبه؟! فلم يرد . ))) عليه، فتال عليه الصويف هذه اآلية: )پ ڀ ڀ ڀ(« وله شاهد يف مسند اإلمام أمحد: ٍ من أصحابه، وصبي يف الطريق، فلام رأت أمه القوم خشيت عىل ولدها أن يوطأ، َّ النبي صلى الله عليه وسلم يف نفر مر َ فأقبلت تسعى وتقول: ابني.. ابني، وَسَعت فأخذته، فقال القوم: يا رسول اهلل، ما كانت هذه لتلقي ولدها يف النار، قال النبي صلى الله عليه وسلم: . ))) ُلقي اهلل حبيبه يف النار« »واهلل.. ال ي ً رابع ُ ا: كيف الوصول إلى وِّد الودود؟ لكل يشء ثمن. ُ ولكل إنجاز سبب، فام أسباب هذا اإلنجاز العظيم، وهو نيل وِّد الودود؟ )))تفسري ابن كثري 3/62. )))صحيح: رواه احلاكم وأمحد يف املسند عن أنس كام يف السلسلة الصحيحة رقم: 2407.


171 الودود َ ما عرف ربه الودود من أبغ�ض من َ أحب اهلل، وعادى من وااله.. 1 -اتباع النبي صلى الله عليه وسلم قال تعاىل: )ڦ ڦ ڦ ڦ ڄ ڄ ڄ ڄ( ]آل عمران : 31.] فجعل اتباع رسوله رشط حمبة اهلل، فمن مل يتبع رسول اهلل فمحبته هلل مكذوبة، وهي مكافأة عظيمة فوق ما طلبتم ومتنيتم من حمبتكم لربكم، وهذه املكافأة: أن تفوزوا بمحبة اهلل لكم، وإذا أحب الودود أكرم، وإذا أكرم أدهش، وإذا أدهش فال سقف لسعادتك، وال منتهى لنعيمك وراحتك. 2 -املداومة على النوافل بعد الفرائ�ض قال تعاىل يف احلديث القديس: َّه«. َّ َّب إيل بالنوافل حتى أحب ٍ َ أح َّب َّ إيل ُ مما افرتضت عليه، وما يزال عبدي يتقر َّ َّب إيل عبدي بيشء »وما تقر »وما يزال« من أفعال االستمرار، أي أنه يستمر يف التقرب إىل اهلل تعاىل بالنوافل، ويثبت عىل هذا حتى يصل إىل شاطئ حمبة اهلل، و»حتى« هذه للغاية، فيكون من أحباب اهلل. قال النبي صلى الله عليه وسلم: . ))) ُّ »أحب َّ األعامل إىل اهلل أدومها وإن قل« ِّ وصاحب أدوم األعامل من أحب العباد إىل اهلل، وكان من دأب أحب اخللق إىل اهلل صلى الله عليه وسلم أنه ما عمل طاعة ثم تركها، بل يداوم عليها، وانظر إىل بعض التطبيقات العملية للمداومة: املداومة: ًا من ذكر اهلل«. »ال يزال لسانك رطب املداومة: »تابِعوا بني احلج والعمرة«. املداومة: ُّ »من ثابر عىل اثنتي عرشة ركعة من الس ً نة بنى اهلل له بيتا يف اجلنة«. وثابر أي داوم، فليس الطريق املوصل إىل حمبة اهلل: أداء النوافل فحسب، بل املواظبة عليها، وهي عالمة صدق املحبة وعدم تذبذهبا؛ ولذا أحب اهلل كل من داوم عىل الطاعة من عباده. )))صحيح: أخرجه البخاري 6464 ،ومسلم 783 من حديث عائشة .


172 ً هنيئا لمن عرف ربه َ عرف ربه الودود م َّ ن تودد َ إىل م َّ ن يحب اهلل، وتقرب َّ إىل من قربه حبيبه. لكن هل التالزم هنا بني املداومة والقلة؟! واجلواب: كال.. فإن »أدومها وإن قل« ً تعني: إذا كان أدومها كثريا فهو أفضل بال شك، لكن لو كان املقارنة بني ٍ كثري منقطع، وقليل دائم، فإن األفضل هو القليل الدائم، وإذا كانت املقارنة بني القليل الدائم والكثري الدائم، فإن األفضل هو الكثري الدائم. 3 -حب القرآن عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم ً بعث رجال عىل رسية، وكان يقرأ ألصحابه يف صالهتم فيختم بـ )ٱ ٻ ٍ يصنع ذلك؟« فسألوه، فقال: ألهنا ٻ ٻ(، ِّ فلام رجعوا ذكروا ذلك للنبيصلى الله عليه وسلم، فقال: »سلوه ألي يشء . ))) صفة الرمحن، وأنا أحب أن أقرأ هبا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: »أخربوه أن اهلل حيبه« 4 - ُّ احلب فـي اهللولوازمه قال عز وجل: َّ »حق َّ ت حمبتي للمتحابني يف َّ ، وحقت حمبتي للمتواصلني يف، وحقت حمبتي للمتناصحني َّيف َّ ، وحق َّ ت حمبتي للمتزاورين يف َّ ، وحق َّ ت حمبتي للمتباذلني يف َّ ، املتحابون يف عىل منابر من نور، يغبطهم . ))) بمكاهنم النبيون والصديقون والشهداء« ألزم الودود نفسه بأن يمنح رشف حمبته خلمس: املتحابني، واملتواصلني، واملتناصحني، واملتزاورين، واملتباذلني فيه ُ مخسة أعامل تضمن لك وَّد الودود: ِّ به إليه. ِّه ويقر * َّ املتحابني يف ِّ : حيب أحدهم أخاه؛ ألنه يذكره برب ِ ً ل بعضهم بعضا يف طاعتي، وابتغاء مرضايت، ال من أجل * َّ واملتواصلني يف: يص مال ومنفعة.. * َّ واملتناصحني يف: ال يسكتون عن منكر رأوه وخمالفة الحظوها، بل يأمرون وينهون. * َّ واملتزاورين يف: ال لنفع وال مصلحة إال احلب يف اهلل. * َّ واملتباذلني يف: فيبذل كل منهام ماله ووقته ألخيه متى احتاجه؛ يرجو ثواب اهلل. )))صحيح رواه البخاري 11/347 ،348 رقم احلديث 7375 وهو يف مشكاة املصابيح رقم: 2129. )))صحيح: أخرجه أمحد والطرباين يف الكبري، واحلاكم يف املستدرك، وصححه عباده بن الصامت، وصححه األلباين يف صحيح اجلامع رقم 4321.


173 الودود من َ أحب اهلل، وعادى من وااله. َ ما عرف ربه الودود من أبغ�ض َ 5 -الزهد فـي الدنيا َّاس سهل بن سعد الساعدي قال: عن أيب العب لني عىل عمل إذا عملته أحبني اهلل وأحبني الناس، فقال: ٌ جاء رجل إىل النبي صلى الله عليه وسلم ُ ، فقال: يا رسول اهلل.. دَّ . ))) ب َك اهللُ، وازهد يف ما عند الناس حيبك الناس« ُّ ِ حُ »ازهد يف الدنيا ي ٌّ هذا صحايب جمهول االسم لكنه قمة شاخمة يف ميدان الطموح.. أحب أن جيمع بني احلسنيني، وينال كال اخلريين، فيجمع بني حمبة اهلل وحمبة اخللق، ومعلوم أن حمبة اهلل وإيثار ما يرضيه قد تؤدي لسخط بعض الناس ًّا من املحبتني عىل حساب األخرى، َّه كيف ال خيرس أي لفوات لذاهتم وأهوائهم، وهنا سأل الصحايب نبي فأرشده احلبيب كام رأيت. ِك، وهو أمر شاق ال يقدر عليه إال َ والزهد يف الدنيا يكون باستصغار قدرها واإلعراض عنَْها بقلب ُ أصحاب اهلمم وعَّشاق السباق، واجلائزة املنتظرة: »حيبك اهلل«، ويف هذا إشارة إىل رشف الزهد لعظم ثمرته التي هي حمبة اهلل. ً واملراد بحب الدنيا هنا: الوجه املذموم، وهو حبها إيثار ِ ا للشهوة واهلوى؛ ألنه يرصف عن احلق، وأما ْعَم املحبة هذه ِ حبها لفعل اخلريات وإعانة املحتاجني وإغاثة امللهوفني وهداية الضالني وإقامة الدين، فن املحبة. وكلام عظم زهد العبد يف الدنيا كلام عظمت حمبة اهلل له، ومقامه لديه. قال عبد اهلل بن مسعود وهو ٍّ سبق الصحابة ملن بعدهم من األجيال: يرشدنا إىل سرِ ً ا. قالوا: ً ً ا، وأكثر صالة، وأكثر جهادا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وهم كانوا أعظم منكم أجر أنتم أكثر صيام . ))) فبم ذلك يا أبا عبد الرمحن؟ قال: »كانوا أزهد يف الدنيا، وأرغب يف اآلخرة« فليس املهم كثرة الشعائر، بل أثر هذه الشعائر، وليس اهلدف حالوة الظاهر إال أن جتتمع معها طهارة الباطن، ولو علم أكثر املسلمني مقاصد العبادات؛ ملا كان هذا حالنا اليوم، وملا صرِنا يف ذيل األمم. 6 -قوة الإميان والأبدان قال النبي صلى الله عليه وسلم: . ))) ٌ »املؤمن القوي خري ُّ وأحب إىل اهلل من املؤمن الضعيف« )))حسن: رواه ابن ماجه وغريه بأسانيد حسنة. قال األلباين: يتقوى احلديث بغري طريقه وبشواهد خرجتها يف، الصحيحة رقم 944. )))صفة الصفوة 1/192. )))حسن: رواه أمحد ومسلم وابن ماجة عن أيب هريرة كام يف صحيح اجلامع رقم:6650.


174 ً هنيئا لمن عرف ربه َ عرف ربه الودود م َّ ن تلذذ بالقرب من مواله خا�صة وقت التنزل الإلهي فـي الأ�سحار. ٍ ٍّ والقوة هنا قوة البدن وقوة النفس، مما جيعل العبد أقوى عىل القيام بالعبادات من حج وصوم، وأمر ٍ باملعروف وهني عن املنكر، وغري ذلك من الواجبات. قال القاىض عياض: ً »القوة هنا املحمودة حيتمل أهنا ىف الطاعة، من شدة البدن وصالبة األرس، فيكون أكثر عمال، وأطول ً ً ا وجهاد ًّ ا وحج ُ ا. وقد تكون القوة هنا ىف املنَّة )القوة( وعزيمة النفس، فيكون أقدم عىل ًا، وأكثر صيام قيام العدو ىف اجلهاد، وأشد عزيمة ىف تغيري املناكري، والصرب عىل إيذاء العدو واحتامل املكروه واملشاق ىف ذات ً اهلل، أو تكون القوة باملال والغنى فيكون أكثر نفقة ىف سبيل اخلري، وأقل ميال إىل طلب الدنيا، واحلرص عىل . ))) مجع يشء فيها، وكل هذه الوجوه ظاهرة ىف القوة« 7 -ثالث خ�ص ُ ال من ح�سن اخللق وهي الصدق واألمانة وحسن اجلوار.. وهي ثالث سكك خمترصة إىل حمبة اهلل، والدليل هذا احلديث: ً َّ ا، فجعل أصحابه يتمسحون بوضوئه، فقال هلم عن ُ عبد الرمحن بن أيب قراد أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ يوم النبي صلى الله عليه وسلم: »ما حيملكم عىل هذا؟«. قالوا: حب اهلل ورسوله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ُ ِّؤد أمانته إذا أؤمتن، َّب اهلل ورسوله، أو حي َّ به اهلل ورسوله، فليصدق حديثه إذا حدث، ولي ِ َّ »من رس حُ ه أن ي . ))) ِ ِن جوار من جاوره« وليحس وانظر كيف يلفت النبي صلى الله عليه وسلم َ أنظار الصحابة إىل األه ِّم، وإىل التمسك باجلوهر ال املظهر، وإىل أثر العبادة ال شكلها، وإىل املقصد املطلوب من حمبة اهلل ورسوله، ال الشكل فحسب. 8 - ُّ التقى والغنى واخلفاء لقول النبي صلى الله عليه وسلم: . ))) »إن اهلل حي َ ب العبد الت َّقي َ الغ َّ ني َ اخل َّفي« ِي: الذي حيافظ عىل الواجبات وجيتنب املحرمات، ويكون أتقى بمحافظته عىل النوافل، واجتنابه َّ والتق املكروهات. ِم 8/157 –القايض عياض. ُ ْسل ِ ِم بفوائد م ِكماَ ُ ل امل ْعل ))) ُ رشح صحيح مسلم للقايض عياض املَسَّمى إ )))حسن: مشكاة املصابيح رقم: 4990. نَى« غنى النفس. ِ )))صحيح: رواه مسلم: عن سعد بن أيب وقاص ،واملراد بـ »الغ


175 الودود َ ما عرف ربه الودود م َّ ن تلذ ُ ذ بقرب املخلوق عن قربه من اخلالق. ُّ والغني: غني ً النفس الذي استغنى عن الناس باهلل، فال يسأل الناس شيئا، وال يذل نفسه ألحد، كام كان أمحد بن حنبل، قال عبد اهلل بن أمحد بن حنبل: ُ ُ ر الصالة: اللهم كام صنْ َت ُ وجهي عن السجود لغريك؛ صنْه عن املسألة ُ »كنت ً أسمع أيب كثري ُ ا يقول يف دب . ))) لغريك« ِب ُسه ُ َشار إليه بالبنان، أو ي واخلفي: املخلص الذي ال هيتم بظهوره وذيوع خربه عند الناس، وال أن ي الناس عنه الكالم، وليس معنى هذا أن يتقوقع يف بيته ويعتزل، بل معناه أن يستوي يف قلبه الظهور واخلفاء، ومخول الذكر والشهرة. 9 -أن ت ؤثر اهلل على ما حتب من آثر اهلل عىل ما حيب؛ آثره اهلل بام حيب. والدليل: حديث رسول اهلل صلى الله عليه وسلم: بهم اهلل عز وجل، ويضحك إليهم، ويستبرش هبم: ٌ »ثالثة حيُّ َه، فيقول ي ِ َن صرُ َصرُه اهللُ ويكف ّ ا أن ي ُ َ قتل، وإم ّ ْ ا أن ي ِ َّ ه هلل عز وجل، فإم َها بنفس َ الذي إذا انكَش ْ فت ٌ فئة؛ قاتل وراء َ اهللُ: انظروا إىل عبدي، كيف صبرَ َ يل نفسه؟! َ والذي له امرأة حسناء، وفراش لني حسن، فيقوم من الليل، فيقول: يذر شهوت ُ ه، فيذكرين ويناجيني، َ َ رقَد. ولو شاء َ أو َ َّ من الس ِحر ّ يف رساء ب َّ وا ثم َ ه َجعوا، فقام ُ ِ ُ وا ونص ِر ِ َ ي يكون يف سَفٍر ْ ، وكان معه رك ٌب؛ فسه والذ . ))) َ« ّرضاء من آثر ربه عىل راحته، عىل شهوته، عىل حياته؛ فاز بأعظم املكافآت، وما قيمة هذه املكافأة: )يضحك إليهم(؟! اسمع تفاصيلها عىل لسان نبيك: . ))) ٍ »...، فإذا ضحك ربك إىل عبد يف موطن فال حساب عليه« )))صفة الصفوة 1/484. )))صحيح: أخرجه احلاكم 1/25 والبيهقي يف »األسامء والصفات« ص 471 كام يف السلسلة الصحيحة رقم: 3478. )))صحيح: رواه أمحد والطرباين عن نعيم بن مهار كام يف صحيح اجلامع رقم: 1107.


176 ً هنيئا لمن عرف ربه َ عرف ربه الودود من تأ�سَّ ف إن فاتته فر�صة للقرب منه، والتودد له. اآلية الفاضحة في سورة الفاضحة.. قال تعاىل: )چ چ چ ڇ ڇ ڇ ڇ ڍ ڍ ڌ ڌ ڎ ڎ ڈ ڈ ژ ژ ڑ ڑ ک ک ک ک گ گ گ گ ڳ ڳ ڳ ڱ ڱ ڱ(. واآلية تعرض هنا إىل كل أنواع العالقات اإلنسانية املمكنة، وتقول إن الثبات عىل اإليامن قد جير اإلنسان َ إىل هجر اآلباء واإلخوان الكافرين إذا عادْونا يف الدين. ِده ذلك عن اجلهاد. ُقع أو هجر األبناء واألزواج والعشرية الذين يألف املرء العيش بينهم، وقد ي أو هجر األموال والتجارة التي تصد عن الغزو أو اإلنفاق يف سبيل اهلل. ده التعلق هبا عن الغزو. ُ أو هجر املساكن واألوطان التي يألف املرء اإلقامة فيها، فيصُّ فإذا حصل التعارض بني ما أراد اهلل وما أراد العبد؛ وجب عىل العبد إيثار مراد اهلل وإرضاء ربه، وهذه عالمة حمبته األصلية التي ال زيف فيها. وقد أفاد التعبري بكلمة )ژ( التنافس بني املحبتني مما يقتيض إرضاء أعظم املحبوبني، وفيه حتذير من التهاون يف واجبات الدين، وتنبيه عىل ما يؤول إليه يف النهاية، وهو الفسق، وفيه هتديد مبارش؛ ألن املراد ترقب الرش وانتظاره، وهو املراد بقوله: )گ گ گ ڳ(.. ُّ األمر الذي يظهر به سوء عاقبتكم بسبب إيثاركم حمبة غري اهلل عىل حمبة اهلل ورسوله واجلهاد يف سبيله. ِّ وجاءت كلمة )األمر( مبهمة، فلم حيدد هنا ما هو هذا األمر؟! واملقصود من هذا اإلهبام: التهويل؛ ًا أليماً، أو نحو ً ً ا شديدا أو عقاب َّ لتذهب نفوس املهد ٍ دين كل مذهب حمتمل، فأمر اهلل هنا حيتمل أن يكون عذاب ذلك. ومجلة )ڳ ڳ ڱ ڱ ڱ( هتديد آخر بأن كل من آثر غري اهلل عىل اهلل قد حتقق فسقه. قال النسفي: »واآلية تنعي عىل الناس ما هم عليه من رخاوة عقد الدين واضطراب حبل اليقني؛ إذ ال جتد عند أورع . ))) الناس ما يستحب له دينه عىل اآلباء واألبناء واألموال واحلظوظ« ًِّها عىل خطورة هذه اآلية: وقد قال اإلمام البيضاوي منب . ))) ٌ »ويف اآلية تشديد ٌ عظيم َّ ، وقل من يتخلص منه« )))تفسري النسفي ص 672. )))تفسري البيضاوي 3/76.


177 الودود َ ما عرف ربه الودود من مل يتأ�سَّ ف لبعده عنه، ومل ي ؤمله فوات حظه منه. ً خامس ِ ا: ق ْس منسوب محبة اهلل في قلبك العالمة ال ُ أوىل: ح ُّب لقاء اهلل قال رسول اهلل صلى الله عليه وسلم: . ))) َُه« َقاء ِ َ َح َّب اهللَ ل َ اهللِ؛ أ َقاء ِ َ َح َّب ل َ ْن أ »م فأول دالئل املحبة أن حيب العبد أن يلقى اهلل، وال يتمنى تأخري هذا اللقاء إال ليتهيأ له، فيقابل حمبوبه عىل ُ أحسن حال، وعالمة ُ ذلك يف الدنيا أنه دائب اخلدمة، عظيم النشاط يف القيام بام حيب حبيبه. قال يف التنوير: ٍ ٍ خري ٍ من داره، وأهل ٍ خري من ِّب إىل العبد لقاء مواله: حسن ظنه فيه، وأنه خيرجه إىل دار »والذي يحُب ُ أهله، وحسن الظن جيلبه ح ْسن العمل، ومعرفة كرم اهلل وعفوه وغفرانه، وحمبة اهلل لقاء العبد: إفاضة . ))) اخلريات عليه وأنواع اهلبات« وما أمجل ما ملح ابن مسعود!، فقال: ًّ ا فقد قال اهلل تعاىل: )ڻ ڻ ۀ ۀ »ما من أحد بر وال فاجر إال واملوت خري له؛ ألنه إن كان بر . ))) ہ( ]آل عمران: 198 ،]وإن كان فاجرا فقد قال اهلل: )ں ڻ ڻ ڻ ڻ(« العالمة الثانية: ً أن يكون م�ستهرتا بذكر اهلل َ من ذكره؛ ولذا فهو كثري الذكر هلل ))) ً ، فمن أحب شيئا أكثر ً »مستهرتا« يعني: ال يفرت لسانه عن ذكر اهلل تعاىل، وهي عالمة حمبة، وخاصة عند الشدائد أو احلروب؛ ولذا كان بعض الشعراء يف اجلاهلية إذا أرادوا إظهار إخالص حمبتهم، ذكرها يف احلرب عند احتدام القتال، فقال عنرتة بن شداد: َوَلَق َ ـــد ذَك ْرُت ِ ــك ّ والرَم ُ ــــــاح َ ن ِواهٌل ِ مّن ِ ي وب ُ ي�ض ِ الهند َ ت ْق ُطُر َ من دمي فهو يتفاخر بذكر حمبوبته عند احتدام القتال، واهلل عز وجل أمرنا فقال: )ى ئا ئا ئە ئە ئو ئو ئۇ ئۇ ئۆ ئۆ ئۈ( ]األنفال:45.] ِ . ِت ْ ِن َّ الصام ادَة ب َ َ )))متفق عليه: البخاري رقم: 6507 ،ومسلم رقم: 2683 ُ من حديث عب ِِري 10/33 - دار السالم بالرياض. ِ َّ ع الصغ ُ شرَ ْ ُح َ اجلام التنوير ))) َّ )))تفسري القرطبي 4/287. َع ّ به ال يتحد ُث ِ َمر كذا وكذا« أَي: أُول ت ْهترَِ بأ ِ َف ْ . يقال: »اسُ َنه أُ ْهترَِ أَ َي خر ِ فراط فيه حتى كأ ِ ُ «: الو ُ لوع باليشء واإل ْهتار ِ ))) ْ وأصل »االست ُ بغريه، وال يفعل َ غريه.


178 ً هنيئا لمن عرف ربه َ عرف ربه من تلذذ بالطاعات، ومل ي�ستثقلها. ْ وذكر اهلل أوىل من ذكر املحبوبة، فهو الذي خلق، وهو الذي رزق، وهو الذي هدى، وهو الذي أحسن، وهو الذي أنعم، وهو الذي لطف، وهو الذي غفر، وهو الذي سرت، وهو الذي أعطى، فكيف ال نذكره يف كل حال؟! ُّ وذكر اهلل عند القتال ن أعظم عالمات املحبة؛ ألن اإلنسان يف حال اخلوف ينسى كل يشء، ويصبح مهه َّة وغري ِي َّ إنقاذ نفسه من املوت، فإذا ذكر اهلل عىل تلك احلال؛ دل عىل أن حمبة اهلل مغروسة يف القلب، وأهنا سج َّ متكلفة. ُ ُن�سه باخللوة مع مواله العالمة الثالثة: أن يكون أ أن يأنس بمناجاة اهلل تعاىل، وأن خيلو به، وخاصة يف الثلث األخري من الليل الذي يتنزل اهلل فيه إىل السامء الدنيا، وهذه من أهم عالمات حمبته.. أما أن يكون أنسه وخلوته بالناس والطعام، والرشاب والنوم، والشهوات وامللذات، فأين أنسه بربه؟ وخلوته به؟ ومناجاته له؟ ودعاؤه وذكره؟ َت مريم البتول؛ النقطاعها قال تعاىل: )ڇ ڇ ڇ(]املزمل: 8 ً ]يعني: انقطع إليه انقطاع ُ ا، ومنه سِّمي إىل اهلل تعاىل. قال أبو حامد الغزايل: . ))) ً »ومهام أنس بغري اهلل، كان بقدر أنسه بغري اهلل مستوحشا من اهلل، ساقطا عن درجة حمبته« َ وكلام استأنست َ باخللق استوحشت من اخلالق، ومن استأنس باملوجود، واستوحش من )الودود( كان ً ساقطا يف اختبار املحبة. العالمة الرابعة: أن يكون أ�سفه على ما فاته من اهلل، أعظم من أ�سفه على ما فاته من دنياه أتى ميمون بن مهران املسجد، فقيل له: إن الناس قد انرصفوا، فقال: . ))) َّ »إنا هلل وإنا إليه راجعون! لفضل هذه الصالة أحب إيل من والية العراق« فقد رأى الناس منرصفني عن صالة النافلة، فأخربهم بأن هذه الصالة أحب إليه من والية العراق؛ ألنه َّ مع أصحابه عىل حمب صادق، وموقن واثق، ومل ال؟! وقد تعلم هذا الدرس من رسول اهلل صلى الله عليه وسلم الذي مر )))اإلحياء 4/333. )))اإلحياء 1/149.


179 الودود َ ما عرف ربه من أدى العبادات بغري روح حتى �ص ً ارت عبئ ِ ا عليه، وح ً مال ً ثقيال. مقربة، فقال: . ))) »ركعتان خفيفتان مما حتقرون وتنفلون يزيدمها هذا -يشري إىل قرب- يف عمله أحب إليه من بقية دنياكم« ً وأكثر الناس يسبحون بعيدا عن شاطئ املحبة وهم ال يشعرون! قال حاتم األصم: »فاتتني الصالة يف اجلامعة فعزاين أبو إسحاق البخاري وحده، ولو مات يل ولد لعزاين أكثر من عرش . ))) آالف؛ ألن مصيبة الدين أهون عند الناس من مصيبة الدنيا« العالمة اخلام�سة: التلذذ بالطاعة، وعدم ا�ستثقالها إن املحب ملن حيب مطيع! ويف حمبة احلبيب حلبيبته.. يتعب هلا ويميش من أجلها، ويسهر يف وصاهلا، ويكون أسعد ما يكون إذا سعى يف حاجاهتا، وأنفق عليها لتحقيق آماهلا، ومع ذلك ال يشعر بأدنى تعب أو مشقة، بل يستعذب ذلك َّ كله من أجلها، فام بالك إذا أحببت من أمدك بام ينفعك، وأرشدك إىل ما يصلحك، ولطف بك يف كل ما نزل رِِّ واجلود؟! بك، وهو الودود رِِّ صاحب الب ُها؛ ومن هنا كان رسول اهلل صلى الله عليه وسلم يقوم من الليل لذا يتنعم العبد بالطاعة وال يستثقلها، ويسقط عنه تعب حتى تتفطر قدماه، فال يشعر بأمل حلالوة اتصاله بمواله. العالمة ال�ساد�سة: أن يغ�ضب حلبيبه ًا لك أو ييسء إليه، فإنك ُ يؤمل امل َّحب أن يرى املخالفات تقع يف حق حمبوبه، فإن رأيت من يشتم حبيب تثور من أجله وتقوم له، فكيف ال تقوم هلل مثل هذه القومة؟! وكيف ترى املنكر فال تزيله أو –إن مل تقدر عىل إزالته- تزول عنه. العالمة ال�سابعة: أن حتب ما يحب ً تبلغ املحبة ببعض الناس أن حيب أحدهم امرأة وهيواها هوى شديد ِّ ا، حتى جتد قلبه متعلًقا بكل ما خيتص هبا، فتجده حيب ثوهبا ومتاعها، وحتى حذاءها، وجتد بعضهم قد فقد عقله يف أشعاره؛ حتى قال: ُّ أحب ِّ حلبها ال�سودان حتى ُّ أحب ِّ حلبها �ســـود الكالب رَ وهذا قول بش رَ يف بش! وقد تنقلب املحبة بينهام عداوة، ويتغري قلب احلبيب جتاهك لتجد نفسك يف مواجهة حقود حسود! فكيف حمبتك هلل الودود؟! )))صحيح: رواه ابن صاعد يف الزهد كام يف السلسلة الصحيحة رقم: 1388. )))اإلحياء 1/149.


180 ً هنيئا لمن عرف ربه َ عرف ربه الودود م َّ ن تودد إىل خلقه، وأح�سن إىل عياله. وانظر إىل أنس بن مالك وهو يقول: َّاء؟! ألن رسول صلى الله عليه وسلم كان حيبها! َّ ُّ اء هي القرع، فلامذا كان حيب أنس الدب َّ ً اء كثري ُّ ا«، والدب ُّ »فأنا أحب الدب ً وهي مسألة ليست مطلوبة رشعا، وال من سنن العبادات؛ بل من سنن العادات، لكن وصلت حمبة الصحايب للنبي صلى الله عليه وسلم إىل هذه املنزلة. وحمبة اهلل املطلوبة هنا تقتيض إيثاره بشيئني: ب اهلل، ولو كانت النفس تكرهه، وترك ما يكره، ولو كانت نفسك حتبه. ُّ ِ فعل ما يحُ ومها اخلصلتان اللتان أوىص هبام جعفر بن حممد جعفرالصادق صاحبه سفيان الثوري رَّ ، وبشه إن عمل هبام باجلنة، فقال له: يا سفيان، خصلتان من عمل هبا دخل اجلنة. قال سفيان: وما مها؟ . ))) قال: »احتامل ما تكره إذا أحبه اهلل، وترك ما حتب إذا كرهه اهلل، اعمل هبام وأنا رشيكك« ِّك؟! ِّك: ماذا تركت ألجل رب َ ب ِر وقل يل ب هتجر أصحابك أيام االمتحانات من أجل التفوق، وأما أن هتجر صحبة السوء لتتفوق يف امتحان اآلخرة ومن أجل اهلل، فال وألف ال. ِكك، أما أن هتجرها من أجل النجاة هتجر السجائر من أجل أزمة قلبية كادت أن تهُل يف اآلخرة وملرضاة ربك، فال! َّة! ب ِ َّ ثم تدعي املحبة وتتغنى بأشعار األح السادس: فادعوه بها عبادة وعمال الواجب الأول: حمبة اخلري للخلق والإح�سان إليهم َْل ً ق، فال يقال: هذا حيب فالنا وهو يكره له اخلري، أو ال يساعده يف الودود هو الذي حيب اخلري جلميع اخل ما يصلحه، أو ال يفرح له يف الرساء، أو يقاطعه أو هيجره. )))ملتقط احلكايات ص 250 - ابن اجلوزي- سلسلة إصدارات احلكمة.


181 الودود َ ما عرف ربه الودود م َ ن عادى عباده، وآذى َ أولياءه. الواجب الثاين: الإنعام على �سبيل االبتداء قال اإلمام الغزايل يف اسم الودود: »وهو قريب من معنى الرحيم، لكن الرمحة إضافة إىل مرحوم، واملرحوم هو املحتاج واملضطر، وأفعال ً ً ا ضعيفا، وأفعال الودود ال تستدعي ذلك، بل اإلنعام عىل سبيل االبتداء من نتائج الرحيم تستدعي مرحوم . ))) الود« ًّ أن يكون هذا املرحوم مستحق ً ا للرمحة، يعني ضعيفا، تريد أن ترمحه بامل تواسيه به، أو َُّد يعني: ال ب ً بموقف تقف فيه إىل جواره، أو أن تنجز له مصلحة، أو ختفف عنه عبئا. َ ّود َّ الناس كلهم استحقوا أو مل يستحقوا، أما الودود ً فإنه ال يستدعي مودود ً ا ضعيفا، بمعنى أن الودود ي حمتاجني أو غري حمتاجني، ضعفاء أو أقوياء. َّ الواجب الثالث: تودد إىل الودود بأحب كالمه إليه فام أحب الكالم إىل اهلل؟! ٍ قال: عن أيب ذر قال رسول اهلل صلى الله عليه وسلم: . ))) ِّ »أال أخربك بأحب َّ الكالم إىل اهلل؟ إن أحب الكالم إىل اهلل: سبحان اهلل وبحمده« ًسابع َ ا: فادعوه بها مسألة وط ًلبا َّ ِليَ َّ َك أَ َح َّب إ َّ َك ُ . اللهَّم ْ اجَعْل ُ حب ِ ُي حب َِّلُغن ُب ِي ي ب َك َ ، و ْالَعَمَل َّ الذ ُّ ِ َ ْن يحُ َّ َك َ ، و ُح َّب م ل َك ُ حب َُ ْسأ ِنيِّ أَ ُ »اللهَّم إ ِ«. ِد َار ِ ْ الب َن َ املاء ِ ليِ َ وم ْنَ ن ْفسيِ َ وأَ ْه ِ م أسألك باسمك الودود.. َّ يا من تتود َ د إىل من يؤذيك، نسألك العون واإلحسان ملن يؤذى فيك. أسألك باسمك الودود.. ال تعجل عىل املذنبني. )))املقصد األسنى لإلمام أيب حامد الغزايل ص 109. )))صحيح: رواه أمحد ومسلم والرتمذي عن أيب ذر كام يف صحيح اجلامع رقم: 174.


182 ً هنيئا لمن عرف ربه َّ عرف ربه الودود من تعر�ض ُ لو ِّده فـي اخللوات وناجاه فـي الظلمات. أسألك باسمك الودود.. ِضني.. ِ ُ د عن املعر ال تبتع أسألك باسمك الودود.. َّ بني. ِ علينا مودة من عندك جتعلنا هبا من عبادك املقر ألق ً ثامن ِ ا: حاس ْب ِ نفسك تعر َّف ربك ً نادر ً أحيان ا سابق باخلريات )دائ دائم ا ماً ً ( - مقتصد )أحيان ً ا( - ظامل لنفسه )نادرا( 1 هل لك ورد ثابت منتظم من النافلة كقيام الليل والصيام؟ 2 هل تذكر الودود بقدر حبك له؟ 3 ً هل ختلو به ليال خاصة يف األسحار؟ 4 هل تغضب ملحارم اهلل إذا انتهكت؟ 5 هل تبتدئ باملودة غريك؟ 6 هل لك أخ حتبه يف اهلل، وتزوره يف اهلل، وتتناصح معه يف اهلل؟


186 ً هنيئا لمن عرف ربه عرف ربه ال�ش َ كور م ِّ ن ا�ستعان بنعمه على طاعته، ومل ي�سخرها فـي معا�صيه. ً أوال: معنى اسم اهلل الشكور ورد اسم الشكور يف القرآن أربع مرات، وورد اسم الشاكر مرتني.. والشكر له ثالثة معان: الزيادة والظهور والثناء. فأما املعنى الأول: الزيادة الظاهرة ِرة: املمتلئة الرضع من النوق، والشكور من الدواب: ما يكفيه فمنه أشكر الرضع: امتأل لبنً َّ ا، والشك ً العلف القليل، فيسمن عىل قلة العلف، كأنه يشكر وإن كان اإلحسان إليه قليال. قال البيهقي: »الشكور.. هو الذي يشكر اليسري من الطاعة، فيثيب عليه الكثري من الثواب، ويعطي . ))) اجلزيل من النعمة، فريىض باليسري من الشكر« الشكور.. هو من يعطي بالعمل املحدود يف أيام الدنيا املعدودة نعيماً غري حمدود يف اآلخرة. ُ لقد ضاع عرش عمرك يف الطفولة، وثلث عمرك ذهب يف النوم، ونصفه يف الطعام واالنتظار، واالنتقال والواجبات االجتامعية، فكم تبقى من عمرك لشعائر اهلل وعبادة ربك؟! ومع هذا شكر لك هذا العمر الفاين القصري، وكافأك عليه بالثواب اخلالد اجلزيل! فإن اجلنة ال آخر هلا ً مكان ً ا وزمانا، والدنيا قطرة بحر فيها. الشكور يشكرك حتى عىل نيتك، فيثيبك عليها، وإن مل تعمل إن أعاقك عن العمل عائق. الشكور يغفر لك بصوم يوم عرفة سنتني، وبصوم يوم عاشوراء سنة واحدة. الشكور َ يغفر لك يف )حلظة( صدق واحدة ذنوب )عمر( كامل. الشكور ينرش خرب العبد الصالح الذي ال يعرفه إال من حوله إىل كل من لقيه أو سمع به ما ال يحُىص عدده ُّ ِ ُح عنه، ويضع له القبول يف األرض، بل وينرش خربه يف أهل السامء، في من املالئكة فيحبوه. الشكور يكافئك عىل صالة العشاء مجاعة بثواب قيام نصف ليلة، وعىل صالة الفجر مجاعة بأجر قيام ليلة كاملة.. صلوات دقائق بقيام ساعات. )))األسامء والصفات 1/178.


187 الشكور ما عرف ربه ال�ش َ كور من ا�ستعان بنعمه على ما يغ�ض ِ به، وا�ستعملها فـي ما يباعده عنه. الشكور شكرألصحاب التوحيد ولو كانوا أصحاب الكبائر، فقال رسول اهلل صلى الله عليه وسلم: »شفاعتي ألهل الكبائر من أمتي«. وصدق سليامن التيمي حني أوجز اسم اهلل الشكور يف عبارة واحدة، فقال: . ))) ِم« ِ ه ب منهم الش َ كر عىل ق ْدر ُّ ِ َ ه، وطل َ »إن اهلل أنع َ م عىل الناس عىل ق ْدر خمسة أحاديث واألحاديث تشهد هلذا: . ))) َّ »بينام رجل يميش بطريق، وجد غصن شوك عىل الطريق فأخ َ ره، فشكر اهلل له، فغَفر له« ومع املغفرة دخول اجلنة كام يف حديث أيب الدرداء : َ ً ج من طريق املسلمني شيئ َ ا يؤذهيم، كتب اهلل له به حسنة، ومن كتب له عنده حسنة، أدخله اهلل »من أخر . ))) هبا اجلنة« واحلديث الثالث الذي يتجلىَّ فيه اسم الشكور: َّة )بئر( ٌّ كاد يقتله العطش إذ رأته بغي َ من بغايا بني إرسائيل، فنزَعت موقها، ي ِ َ ك »بينام كلب يطيف بر . ))) َ فاستق َ ت له به، فغَفر هلا« ً ويف احلديث الرابع أن رجال جاء بناقة خمطومة إىل رسول اهلل صلى الله عليه وسلم، فقال: هذه يف سبيل اهلل؛ فقال له صلى الله عليه وسلم: . ))) »لك هبا سبعامئة ناقة خمطومة يف اجلنة« واحلديث اخلامس: َ »دينار أنفقت َ ه يف سبيل اهلل، ودينار أنفقت َّ ه يف رقبة، ودينار تصدقت به عىل مسكني، . ))) ً ا الذي أنفقته عىل أهلك« ودينار أنفقته عىل أهلك، أعظمها أجر ٌ ُ ي ِكافئ بالمزيد شكور قال الشيخ عيل الطنطاوي عن معاملة الشكور لعبده باملزيد يف معرض حديثه عن تلميذ الشيخ )))األسامء والصفات 1/178. )))تاريخ اإلسالم 9/158. )))صحيح: رواه الطرباين يف األوسط كام يف السلسلة الصحيحة رقم: 2306. )))صحيح: رواه الشيخان عن أيب هريرة كام يف صحيح اجلامع رقم: 2876 والصحيحة رقم: 30. )))صحيح: رواه أبو نعيم يف احللية عن ابن مسعود كام يف الصحيحة 634. )))صحيح: رواه مسلم عن ثوبان حديث رقم: 994 - باب فضل النفقة عىل العيال واململوك، وإثم من ضيعهم أو حبس نفقتهم عنهم.


188 ً هنيئا لمن عرف ربه عرف ربه ال�ش َ كور من جعل لكل جارحة �ش ًكرا، ف�شكر اهلل بل�سانه والأهم: بجوارحه. سليم املسويت: »وكان أهل احلي يثقون به، ويرجعون إليه يف أمور دينهم، وأمور دنياهم. وكان عند هذا الشيخ تلميذ صالح، وكان مرضب املثل يف فقره، ويف إبائه وعزة نفسه، وكان يسكن يف غرفة يف املسجد. ًا، فلام جاء اليوم الثالث َ َطعمه وال ما يشرتي به طعام َّ ً عليه يومان مل يأكل فيهام شيئا، وليس عنده ما ي مر َّ أحس كأنه مرش َّ ف عىل املوت، وفك َّ ر ماذا يصنع، فرأى أنه بلغ حد ِّ االضطرار الذي جيوز له أكل امليتة أو الرسقة بمقدار احلاجة، فآثر أن يرس ُ ق ما يقيم صلبه! وكان املسجد يف حي من األحياء القديمة، والبيوت فيها متالصقة والسطوح متصلة، يستطيع املرء أن ًا عىل السطوح، فصعد إىل سطح املسجد، وانتقل منه إىل الدار التي تليه، ينتقل من أول احلي إىل آخره مشي َّ فلمح فيها نساء فغض ً من برصه وابتعد، ونظر فرأى إىل جنبها دار َّ ا خالية، وشم رائحة الطبخ تصعد منها، َّ فأحس من جوعه ملا شمها كأهنا مغناطيس جيذبه إليها. وكانت الدور من طبقة واحدة، فقفز قفزتني من السطح إىل الرشفة فصار يف الدار، وأرسع إىل املطبخ ِ َّ من شدة جوعه بسخونتها، وعض ُبال ِ ً در، فرأى فيها باذنجان ًّ ا حمشوا، فأخذ واحدة ومل ي فكشف غطاء الق َّ منها عضة، فام كاد يبتلعها حتى ارتد إليه عقله ودينه، وقال لنفسه: أعوذ باهلل، أنا طالب علم مقيم يف املسجد، ثم أقتحم املنازل وأرسق ما فيها؟! وكرب َ عليه ما فعل، فندم واستغفر ورَّد الباذنجانة، وعاد من حيث جاء، فنزل إىل املسجد، وقعد يف حلقة الشيخ وهو ال يكاد -من شدة اجلوع- يفهم ما يسمع، فلام انقىض الدرس وانرصف الناس )وأؤكد لكم َّ أن القصة واقعة( جاءت امرأة مسترتة )ومل يكن يف تلك األيام امرأة غري مسترتة( فكلمت الشيخ بكالم مل َ غريه، فدعاه وقال له: هل أنت متزوج؟ قال: ال. َر َّ يسمعه، فتلفت الشيخ حوله فلم ي قال: هل تريد الزواج؟ فسكت، فقال له الشيخ: قل، هل تريد الزواج؟! قال: يا سيدي، ما عندي ثمن رغيف آكله، فبامذا أتزوج؟! رَّ قال الشيخ: إن هذه املرأة خب ُ تني أن زوجها تُوفيِّ، وأهنا غريبة عن هذا البلد، ليس هلا فيه وال يف الدنيا ثت دار زوجها ومعاشه، َِ ٌّ إال عم ً عجوز فقري، وقد جاءت به معها )وأشار إليه قاعدا يف ركن احللقة(، وقد ور ً وهي حتب أن جتد رجال يتزوجها عىل سنة اهلل ورسوله لئال تبقى منفردة، فيطمع فيها األرشار وأوالد احلرام، فهل تريد أن تتزوج هبا؟ قال: نعم. ً وسأهلا الشيخ: هل تقبلني به زوجا؟


189 الشكور ما عرف ربه ال�ش َ كور من �ش َك َره بل�سانه، وع�صاه بجوارحه. قالت: نعم. فدعا بعمها ودعا بشاهدين وعقد العقد، ودفع املهر عن التلميذ، وقال له: خذ بيد زوجتك. ً، ًا ومجاال فأخذ بيدها، أو أخذت هي بيده فقادته إىل بيتها، فلام دخلته كشفت عن وجهها، فرأى شباب ورأى البيت هو البيت الذي نزله، وسألته: هل تأكل؟! قال: نعم. ً َّ ا! من دخل الدار فعضها؟ ْدر فرأت الباذنجانة، فقالت: عجب ِ فكشفت غطاء الق َّ فبكى الرجل وقص عليها اخلرب َ ، فقالت له: هذه ثمرة األمانة، عففت عن الباذنجانة احلرام، فأعطاك اهلل . ))) َّ الدار كل َ ها وصاحبتها باحلالل« املعنى الثاين: ال�شكر مبعنى الثناء قال احلليمي: . ))) ً »الشاكر معناه املادح ملن يطيعه، واملثني عليه، واملثيب له بطاعته فضال من نعمته« َّبهم فيها ِه، وهو الذي حب َ والرب إذا أثنى عىل عبده فقد أثنى عىل نفسه يف احلقيقة؛ ألن أعامهلم من خلق َّنها هلم؛ ولذا فمن مجيل ما جاء يف تعريف الشكر أنه التلذذ بالثناء عىل من أعطاك ما ال تستحق من وزي العطاء. ِ ً ي عطاء فأثنى عىل من أعطاه شكورا، فإن الغني الذي أعطى ثم أثنى عىل الفقري الذي وإن كان الذي أُعط ً أعطاه هو األحق بأن يكون شكورا. الشكور... أطلق ألسنة العباد بذكره، ثم مدحهم عىل فضله! فقال: )ۇ ۇ ۆ ۆ(. الشكور... أعطاهم من ماله، ثم أثنــى عليهم حيــن أنفقوه: )ۈ ٷ ۋ ۋ ۅ ۅ الشكور...ۉ( أسبغ عىل عباده سرته اجلميل، ثم أطلق ألسنة اخللق يف مدحهم والثناء اجلزيل. )))فصول يف الثقافة واألدب 1/19 ،21 - عيل الطنطاوي - دار املنارة. )))األسامء والصفات 1/178.


190 ً هنيئا لمن عرف ربه عرف ربه ال�ش َ كور من �شكر نعمة اهلل عليه، فدعا إىل اهلل بل�سانه وقلبه وحاله. ُّ يف ثنائه عىل عباده أن ال يستقلوا القليل من العمل، وأن تسمع قلوهبم هذا الثناء وحكمة الشكور ِّ الرباين؛ فيفج ً ر طاقاهتم الكامنة، فيستمر العمل املنقطع، وينمو القليل فيكون كثريا. ً ثانيا: كيف يشكر العبد ربه؟! َّ إن ترك الشكر هو سكٌة مؤدية بالعبد إىل النار، فقد أخرب النبي صلى الله عليه وسلم أن النساء أكثر أهل النار؛ ألهنن يكفرن العشري، فإذا كان هذا برتك شكر نعمة الزوج، وهى يف احلقيقة نعمة من اهلل، فكيف بمن ترك شكر نعمة اهلل؟! وترك الشكر هو معركة إبليس الرئيسة، فقد أقسم يف وعيده بني يدي ربه: )ک گ گ گ( وكلام زادت نعم اهلل عليك قوي كيد الشيطان ومكره.. يعرتض الشيطان طريق املؤمنني، فال يعرب إىل اجلنة إال الشاكرون، وبدون الشكر تتحول العطايا باليا، والفوائد إىل فوائت.. . ))) َّة« ي ِ َل قال أبو حازم األعرج التابعي اجلليل: »كل نعمة مل يشكر اهلل عليها فهي ب َعِم اهلل علينا، وما أسهلها عىل النفس! ِ َ ن ومع هذا فام أيرس ُ ش ْكر عن عبد اهلل بن أيب نوح، قال: »قال يل رجل عىل بعض السواحل: كم عاملته تبارك اسمه بام يكره، فعاملك بام حتب؟ ُ قلت: ما أُ ً حيص ذلك كثرة. ِ كربك فخذلك؟ قال: فهل قصدت إليه يف أمر َّ قلت: ال واهلل، ولكنه أحسن إيل فأعانني. ا قط فأعطاك؟ ً قال: فهل سألته شيئ ُّ ا سألت ً ه؟ ما سألته شيئا قط إال أعطاين، وال استغثت به إال أغاثني. ً قلت: وهل منعني شيئ ُ قال: أرأيت لو أن بعض بني آدم فعل بك هذه اخلالل ما كان جزاؤه عندك؟ ُ قلت: ما كنت أقدر له عىل مكافأة وال جزاء. )))اآلداب الرشعية 3/232.


191 الشكور ما عرف ربه ال�ش َ كور م َّ ن عطل ل�سانه عن الدعوة إىل اخلري، وما دعا غريه إىل ما هداه اهلل إليه. ُّ قال: فربك أحق وأحرى أن تدأب نفسك له يف أداء شكر نعمته عليك، وهو املحسن قديماً ً وحديثا . ))) ً ا« ُ ه أيرس من مكافأة عباده! إنه تبارك وتعاىل ريض باحلمد من العباد شكر َ إليك؛ واهلل.. لُش ْكر 1 -االعرتاف بالعجز عن ال�شكر.. �شكر قال موسى: »إهلي.. كيف أشكرك وأصغر نعمة وضعتها عندي من نعمك ال جيازي هبا عميل كله؟ . ))) قال: فأوحى اهلل إليه أن يا موسى، اآلن شكرتني« وصدق الشاعر املؤمن: ولو أن يل يف كل ع�ضٍو و�ش ً عرة ل�سانا ي ؤدي ال�ش َّ كر هلل ق�صــــرا المتوالية الشكرية ً ِّ ا متجدًدا؛ ولذا قال ٌ محد اهلل عز وجل وشكره عىل نعمه هو نعمة ٌ عظيمة ً تستوجب محدا آخر وشكر منصور بن إسامعيل الفقيه املرصي: �شــكــــــر الإلـــــــــــه نعمــــــــــة موجــبــــــــــــــة ل�شــكـــــــــــــره فكيـــــــف �ُش ِ ــكــــــري ب َّ ـــــــــــره و�ُش ُ ــكــــــــــر ِ ه م ْ ـــــــن ِ ب ِّ ـــــــــــره ٌ فشكر اهلل نوع من املجاز؛ ألنه مستحيل، فال حييص أحد الثناء عىل اهلل، وشكره هو نعمة أخرى تستحق الشكر. َعٍم أخرى كثرية. ِ ُّ ونعمة الشكر نعمة عظمى، بل أجل من ن قال ابن القيم: . ))) ل من نعمة املال واجلاه، والولد والزوجة، ونحوها« َ »فنعمة الشكر أجُّ ً ا، فليشكر اهلل عىل شكره أكثر مما يشكره عىل داره وماله وزوجه! فمن كان شاكر ً واعلم أن ما غاب عنك من نعم اهلل أكثر كثريا مما بدا لك، وقد فطن أبو الدرداء هلذه النعم اخلفية، فقال: . ))) ٍ ساكن« ٍ هلل تعاىل يف عرق »كم من نعمة )))موسوعة ابن أيب الدنيا 1/511 – ط املكتبة العرصية. )))الزهد ألمحد 1/58. ))) عدة الصابرين وذخرية الشاكرين 1/132 -ابن قيم اجلوزية - دار ابن كثري، دمشق. )))حلية األولياء 1/210.


192 ً هنيئا لمن عرف ربه عرف ربه ال�ش َ كور من �شكر اخللق على أقل إح�سان وأدنى إجادة ت�ش ًجيعا و�ش ًكرا. ِّ فأبو الدرداء هنا يذك َّ ر الغافل بأن غريه من مرىض الرسطان وأصحاب األمراض املستعصية مل يغمض َّ هلم جفن، ويتقلبون عىل فراش األوجاع، ويلتحفون أردية اآلالم بينام يغط هو يف نومه ونعيمه! وسبب خفاء النعم اعتيادها. قال أبو قدامة املقديس: م اخللق يف مجيع أحواهلم نعمة، فال تراهم يشكرون اهلل عىل روح اهلواء، د ُ ون ما يعُّ ُ »الناس جلهلهم ال يعُّ َ ليِ ولو أخذ بمخنقهم حلظة حتى انقطع اهلواء عنهم ماتوا، ولو حبسوا يف محام أو بئر ماتوا غماًّ ُ ، فإن ابت َّ أحدهم بيشء من ذلك ثم نجا، قد ً ر ذلك نعمة يشكر اهلل عليها، وهذا غاية اجلهل، إذ صار شكرهم موقوفا . ))) عىل أن تسلب عنهم النعمة، ثم ترد إليهم« ُّ لكن نعمة الدين أجل النعم! ويستمر أبو الدرداء يف إضاءة طريق النعم لنا، فيقول: . ))) َ هلل عليه نعمة إال يف مطعمه ومرش َّ به، فقد قل فقهه، وحرض عذابه« َر »من مل ي فأكثر الناس ال ينظر إال إىل نعمة امللبس واملسكن واملطعم، فيقيم الدنيا وال يقعدها خلسارة يف جتارة أو ًا بعد يوم دون أن يطرف له جفن! ضياع ترقية، وهو خيرس دينه يوم وسل نفسك: كم مرة شكرت اهلل عىل طاعة يف مقابل شكرك له عىل مال أو ترقية؟! هلاَّ عملت بوصية سالم بن أيب مطيع: . ))) ُ»كن لنعمة اهلل عليك يف دينك، أشكر منك لنعمة اهلل عليك يف دنياك« 2 -ال�شكر العملي قال تعاىل: )ئو ئو ئۇ ئۇ(.. فالعمل الصالح أفضل ألوان الشكر، وإال فام أسهل ادعاء الشكر باللسان! ً ا ُد َعي عثامن بن عفان إىل قوم عىل ريبة، فانطلق ليأخذهم، فتفرقوا قبل أن يبلغهم، فأعتق رقبة شكر . ))) ْز ُي مسلم ِ هلل أن ال يكون جرى عىل يديه خ ِظ كيف رأى عثامن أن الشكر عمل، فأعتق رقبة! وما هذا إال لفهمه عن ربه الشكور. فالح )))خمترص منهاج القاصدين 1/288 بترصف يسري. )))حلية األولياء 5/133. )))حلية األولياء 6/188. ))) عدة الصابرين وذخرية الشاكرين ألمحد 1/134.


193 الشكور ما عرف ربه ال�ش َ كور من فاته �شكر اخلالئق على الإح�سان، ومل ير فيهم إال العدوان. 3 - ِ ال ت�ستعمل نَع َمه فـي معا�صيه ِل عن حقيقة الشكر: قال اجلنيد ُ وقد سئ . ))) ُستعان بيشء من نعمه عىل معاصيه« »ألاَّ ي ًا: َّ ومن هنا ما قلب عمر بن عبد العزيز برصه إىل نعمة أنعم اهلل هبا عليه إلاًّ قال داعي . ))) ً ا، أو أكفرها بعد معرفتها، أو أنساها فال أُثني عليك هبا« »اللهم إين أعوذ بك أن أُ ِّبدل نعمتك كفر 4 -ولكل جارحة �شكر ُ العينني يا أبا حازم؟ ٌ قال رجل أليب حازم: ما شكر َ قال: إن رأيت ً هبام خري ًّ ا أعلنته، وان رأيت هبام رشا سرتته. قال: فام شكر األذنني؟! ًّ قال: إن سمعت هبام خري ًّ ا وعيته، وإن سمعت هبام رشا دفعته. قال: فام شكر اليدين؟ ًّ قال: ال تأخذ هبام ما ليس هلام، وال متنع حقا هلل هو فيهام. قال: فام شكر البطن؟! ًا، وأعاله علماً. قال: أن يكون أسفله طعام قال: فام شكر الفرج؟! قال: قال اهلل: )ٹ ٹ ٹ ٹ ڤ ڤ ڤ ڤ ڦ ڦ ڦ ڦ ڄ ڄ ڄ ڄ ڃ ڃ ڃ ڃ چ چ چ( قال: فام شكر الرجلني؟! . ))) ً قال: إن علمت ميت َّ ا تغبطه استعملت هبام عمله، وإن مقته رغبت عن عمله، وأنت شاكر هلل« وبنفس الطريق تعلم أن شكر اللسان بكثرة الذكر، وحسن الثناء عىل اهلل، ومجيل التحدث بنعمه والغرق ً يف إحصائها؛ ألنه كام مر يف معنى الشكر أنه الكشف واإلظهار، فيقال مثال َ : شكر الرجل إذا كشف عن ثغره فأظهره، فيكون إظهار الشكر وكشفه باللسان. )))حلية األولياء 13/268. )))موسوعة ابن أيب الدنيا 1/486. ))) عدة الصابرين 1/134.


194 ً هنيئا لمن عرف ربه عرف ربه ال�ش َّ كور من قدم لكل جارحة �ش ًكرا، فقابل الإح�سان بالإح�سان. 5 -ال�ش ُّ كر حتدث بنعمة اهلل عليك َّ بك أن من معاين الشكر: الظهور، ويف احلديث: ٌ واإلخبار بالنعمة هو لون من ألوان الشكر، فقد مر . ))) َ ه فقد شكره، وإن كتمه فقد كفره« ً َ فذ َكر َالء ليِ ب ْ ب ُ »من أ ُ َست ْعمل يف اخلري والرش، فمن ذكر نعمة اهلل بعقله ولسانه ِم عليه بنعمة، والبالء ي ً« أي من أُنع َ بالء ليِ ب ُ »من أ فقد شكر نعم اهلل عليه، إذ أن من شكر النعم االعرتاف هبا باللسان، ومن كتم البالء أي النعمة وغطاها، فقد كفره، فالتحدث بالنعم هنا عىل جهة االعرتاف واالفتقار ال االفتخار، وهو لون من ألوان الشكر. قال رسول اهلل صلى الله عليه وسلم: . ))) ُ »التحدث بنعمة اهلل ش ْك ُ ر، وتركها ك ْفر، ومن ال يشكر القليل ال يشكر الكثري« 6 -الدعوة إىل اهلل �شكر والقول الثاين يف الشكر اللساين: »أن التحدث بالنعمة املأمور به يف هذه اآلية: هو الدعوة إىل اهلل، وتبليغ رسالته، وتعليم األمة. قال جماهد: هي النبوة. قال الزجاج ِّ : أي بلغ ما أرسلت به، وحدث بالنبوة التي آتاك اهلل. وقال الكلبي: هو القرآن. أمره أن يقرأه. م ٌ النوعيــن، إذ كل منهمـا نعمة مأمور بشكرها والتحــدث هبا، وإظهارها من ُ والصواب: أنه يعُّ . ))) شكرها« الفارق بين عطاء اإلنسان وعطاء الرحمن َض ومصلحة، واهلل ال يعود له نفع من عطائك حاشاه.. َ اإلنسان يعطي لغر اإلنسان لو احتاج عطاءه لن يؤثرك به، واهلل ال حيتاج ليشء.. اإلنسان إن مل تصل إليه فلن تصل لعطائه، واهلل تسري إليه بقلبك، وتصل له بروحك يف أي وقت شئت. )))صحيح: رواه أبوداود والضياء عن جابر كام يف صحيح اجلامع رقم: 5933 والصحيحة رقم: 618. ))) َّ حسن: رواه البيهقــي يف شعب اإليمـان عن النعامن بن بشري، وحسنه األلباين يف صحيح اجلامع رقم: 3014 ،والسلسلة الصحيحة رقم: 667. )))مدارج السالكني 2/239.


195 الشكور ما عرف ربه ال�ش َّ كور من فر ُ ط ب�سهولة فـي فر�ص املعروف و�سوانح اخلري. ُ ّجاب واحلرس، واهلل ليس عىل بابه حاجب أو ال حارس.. تصيل فتدخل اإلنسان عىل أبوابه احل عليه! ِّ اإلنسان عطاؤه متعلٌق برضاه وسخطه، فيعطي من ريض عنه، وال يعطي من سخط عليه، لكن ب... ُّ ِ ََلك بام تحُ اخلالق يصرب َّ عىل أذى املخلوق وإن اد َ عوا له الصاحبة والولد، وكم عاملته بام يكره، فعام سبحان ريب الشكور. ً ثالث ً ا: فادعوه بها عبادة وعمال 1 )ال حتقرن من املعروف �ش ًيئا فقد أمرك النبي صلى الله عليه وسلم بأن تتقي النار ولو بشق مترة، وأخربك أنه غفر لرجل أماط جذع شجرة عن الطريق، ِ ً ر من املعروف شيئا، )ولو أن ًا، وأمرنا أن ال نحق ي من بغايا بني إرسائيل؛ ألهنا سقت كلب ٍّ ِ َ وغفر المرأة بغ ِ َ ي، ولو أن تلق َ ى أخاك املسلم ُ ووجه ٌ ك بسط إليه، ولو ِ املستق ِ يف إناء ِ َلَة ِ احلبل ُ ، ولو أن ت ِفرَغ َ من د ِلوك َ َب ص تهَ . ))) َ َب ِّ الش َسع( ِ َس الوحشان بنفسك، ولو أن هت أن تؤن ًا للنجاة والفوز، وهي تربية نفسية ربانية، فال ُ وهي كلها أعامل ال تكاد تذكر، لكن الشكور جعلها سبب ٍ ِّ بمثاقيل الذر، فال تزهد يف ذرة خري، فلعلها تنجيك، وترجج كفة َّ تدري أين اخلري، وتذكر أن حساب غد ميزانك يوم تفر من أمك وأبيك. ال َّ حتقـــرن �صنيــــع اخليــــــــر تفعله وال �ص َ غري ِ فعال ال�ش ِّ ــــــر ِ مـــن �ص َغِره فلو ر َ أيت الذي ا�ست�ص َ غرت َ من ح َ�س ٍن عند الثواب َ أطلت ُ الع ْج َب ِ من كَب ِ ـــره ً وال حتتقر معروفا تصنعه، فإن الشكور يعاجل بمكافأتك عليه وإن مل تشعر، وممن شعر هبد املكافأة: ٌ رجل ٌّ رباين َّ قص خربه الشيخ الشنقيطي، فقال الشيخ حممد املختار الشنقيطي: َّ »وأذكر حادثة قص ًّ ها رجل من أصدقاء الوالد غريبة جدا، وسمعته بأذين حيكيها للوالد رمحة اهلل عليهام، ً ُ فقد تُوِّف ً يا، يقول هذا الرجل -أحسبه من األخيار والصاحلني، وهو رجل كان أمريا يف قومه- أنه كان نازال ِف ً من الطائف إىل مكة يف يوم اجلمعة، وكان معه ابنه، فأراد اهلل عز وجل أنه رأى رجال ً ضعيفا، فقال البنه: ق ِّ هلذا الضعيف، فكأن االبن رأى رثاثة حال هذا الضعيف، وما هو عليه من امللبس الرث، فكره أن يركب معه يف هذه السيارة الفارهة. )))صحيح: رواه أمحد والطرباين عن أيب أيوب كام يف صحيح اجلامع رقم: 2144.


196 ً هنيئا لمن عرف ربه عرف ربه ال�شكور من مل ي�ست�ص ِغ ِ ر ح�سنة ومل يحتق ً ر معروفا. يقول الوالد: ِ ُمت َّ ما يف نفس ابني، فلام ركب الرجل ذك ُرت ابني بصنائع املعروف، وأن اهلل يقي هبا مصارع السوء، فعل وأن اهلل حيفظ هبا، وأن اهلل يلطف هبا، فلام دخلنا إىل مكة، ونحن يف أشد ما تكون السيارة يف الرسعة لندرك َّ ت عليه السيارة، فأصابه يشء من الرعب، َّ منه، فمر ِر ًا ال نستطيع أن نف ِ ٍفل أمام السيارة متام ِط اجلمعة، وإذا ب فتوقفنا عىل أن االبن قد قىض ومات، وإذا به قائم عىل رجليه ليس به أي بأس. يقول: فلام ركبت السيارة، انكفأت عىل وجهي، وأنا يف حالة ال يعلمها إال اهلل، قلت: يا بني، واهلل ما ِ َظنا اهلل وإياك به«. أعرف لك إال هذا املعروف الذي فعلته، فحف 2 )ا�شكر النا�س يقول اإلمام ابن القيم َّ : »وملا كان سبحانه هو الشكور عىل احلقيقة، كان أحب خلقه إليه من اتصف بصفة ِ ِّدها. َّ الشكر، كام أن أبغض خلقه إليه من عطلها، واتصف بض وهذا شأن أسامئه احلسنى، أحب خلقه إليه من اتصف بموجبها، وأبغضهم إليه من اتصف بأضدادها، وهلذا يبغض: الكفور، والظامل، واجلاهل، والقايس القلب، والبخيل، واجلبان، واملهني، واللئيم. وهو سبحانه مجيل حيب اجلامل، عليم حيب العلامء، رحيم حيب الرامحني، حمسن حيب املحسنني، شكور حيب الشاكرين، صبور حيب الصابرين، جواد حيب أهل اجلود، ستار حيب أهل السرت، قادر يلوم عىل العجز، واملؤمن القوي أحب إليه من املؤمن الضعيف، عفو حيب العفو، وتر حيب الوتر، وكل ما حيبه فهو من آثار . ))) أسامئه وصفاته وموجبها، وكل ما يبغضه فهو ما يضادها وينافيها« ِّ وإن للناس أحاسيس ومشاعر، تؤثر فيهم الكلمة الطيبة، وحيتاجون الثناء الصادق والشكر الفائق، فعىل املدير الناجح أن يشكر املوظف املتميز، فإن الناس ينشطون بالشكر، ِ ٍ عهم الكلمة، وكم من عامل أمهل يف والنفس البرش َّ ية تتعط ُ ش للثناء، والناس جوعى تشب عمله بسبب غفلة مديره عن مالحظته والثناء عليه، وليس من يشء يقتل الطموح مثل كثرة ِّ التأنيب والعتاب، فشكر الناس عىل املعروف الذي يبذلونه من أهم احلوافز املؤثرة، ومن سامت القيادة الناجحة؛ وهلذا أذن اهلل به ملا فيه من بث األلفة بني الناس، فقال رسول اهلل صلى الله عليه وسلم: . ))) ُ الناس هلل أشكرهم للناس« َ »أشكر ))) عدة الصابرين وذخرية الشاكرين ص 337. )))صحيح: رواه أمحــد والطرباين والبيهقــي عن األشعث بن قيــس، والطرباين والبيهقي عن أسامة بن زيــد كام فــي صحيح اجلامع رقم: 1008 ،والسلسلة الصحيحة رقم: 1458.


197 الشكور ما عرف ربه ال�شكور من مل ي�شكر النا�س ومل يكافئ على املعروف. فال تكتمل أخالق املؤمن بحسن عالقته بربه فحسب، وإنام بأن يكون يف نفس املستوى يف التعامل مع الناس. َّ وحني ظن َّ املهاجرون أن األنصار ذهبوا باألجر كله ملا جادوا بأمواهلم؛ كشف هلم رسول اهلل صلى الله عليه وسلم عن ِّ هبم من نفس أجر األنصار، فعن أنس أن املهاجرين قالوا: يا رسول اهلل، ذهبت باب من أبواب اخلري يقر األنصار باألجر كله. قال: . ))) ُ »ال.. ما دعوتم اهلل هلم، وأثنيتم عليهم« َّ فعلمهم أن يكافئوا املحسن بالدعاء له أو الثناء عليه، وليس أمام الفقري املعدم الذي ال يملك املال من ٍ ملكافأة املحسن غري هاتني. وسيلة وحني اقرتض رسول اهلل صلى الله عليه وسلم من َ عبد اهلل بن أيب ربيعة املخزومي ُ قبل حنَ َّني رد إليه القرض بعد الغزوة، وقال له: . ))) َ »بار َّ ك اهلل لك يف أهلك ومالك، إنام جزاء السلف الوفاء واحلمد« وكلمة شكر وعبارة محد لن خيرس ً قائلها شيئ ُ ا، وال ت ِّكل ً فه جهد ُ ا، ولكنها تعود عليه بكسب وِّد املحسن، وتأليف قلبه، وحتريضه عىل مزيد اخلري، وحتى اإلدارة احلديثة التفتت إىل أمهية هذا، فرتى كتاب )مدير الدقيقة الواحدة manager minute One )يشري إىل رضورة اهتامم املدير بدقيقة واحدة، يثني فيها ِّروه. ًخريا عىل الفعل احلسن من املوظف مع إظهار ما أجادوا فيه ليكر َّ ت امرأة من املسلمني من العدو عىل ناقة ولقد كانت املكافأة بالسوء مستنكرة حتى مع البهائم، فحينام فر مسلوبة كانت لرسول اهلل صلى الله عليه وسلم َ ؛ نذ ُ رت إن وصلت إىل املدينة ناجية أن تنحرها، فلام ذكر ذلك لرسول اهلل صلى الله عليه وسلم ِّسه اإلنساين الرائع ورمحته الشاملة: ِ قال بح ِك ٍ يف معصية اهلل، وال يف ما ال يمل نَْذر ِ َ هَّنا! ال وفاء ل ْ َحر ِ َّ اهلل نجاها لتن ْئسام جزتهْا، إن ِها، أو بِ ْت ْئ َ سام جزي »بِ . ))) ابن آدم« ومنعها من نحرها هلذا السبب. 3 )ا�شكر اهلل على قليل النعم ِ ِ القليل. ُ ِ اهلل عىل الكثري من قصرَّ ُ يف ش ْكر ُ فال يشكر )))صحيح: رواه الرتمذي كام يف مشكاة املصابيح رقم: 3026 وأورده األلباين يف صحيح األدب املفرد رقم: 217. )))مسند أمحد 4/36 ،ورواه النسائي وابن ماجة وابن السني وسنده جيد. )))صحيح: رواه الدارمي يف مسنده املعروف باسم سنن الدارمي رقم: 2547.


198 ً هنيئا لمن عرف ربه عرف ربه ال�ش َّ كور من عود ل�سانه )احلمد هلل( فـي كل الأحوال. ومن مل حيمد اهلل عىل املاء البارد، لن حيمده عىل البيت اآلمن، والزوجة املؤنسة، واملركبة الفارهة، والصحة والعافية. َّ َّ ة؛ ألن الكنُ ُ ود اجلحود يرى القليل ِ َّ الشهي ِ ُ الساخن، ال يشكره عىل الوجبات ومن ال يشكر اهلل عىل اخلبز ً، وهذه طبيعة اإلنسان بصورة عامة )ہ ہ ہ ہ(، ٌ فهو فصيح يف بسط والكثري سواء ُّ الشكوى، وأعجمي يف التحدث بالنِّعم! 4 )ا�شكر النعمة بالإنفاق منها ِعم، لكنها ختفى عىل كل نعمة أنعم اهلل هبا عليك شكرها باإلنفاق منها عىل من حولك، وكلنا ذو ن بعضنا. فصاحب املال يتصدق منه. وصاحب اجلاه والسلطان يسعى بعالقاته يف قضاء حوائج الناس والشفاعة فيهم. وصاحب القوة حيمل بذراعيه الضعيف املحتاج. والعامل ينفق من علمه بتعليمه. وهكذا مع كل نعمة بام يناسبها. 5 ) ِّ عود ل�سانك )احلمد اهلل( وكثرة ذكر الشكور باللسان، وذلك يف مجيع األحوال، ويستوي يف ذلك الرساء والرضاء، وعندها ستجد أحىل الطعم واألثر عىل قلبك، ولك خري أسوة يف نبينا صلى الله عليه وسلم: سرُه قال: احلمد هلل الذي بنعمته تتم الصاحلات، وإذا أتاه األمر يكرهه قال: احلمد هلل َسرُُّ »كان إذا أتاه األمر ي . ))) عىل كل حال« ِ ًدا: ُنش وما أروع قول َّ حممود الوراق!، وقد احتار بني ثواب شكرة وثواب صربه، فانطلق م ِعطَّيُتــه إذا ٌ أعطـــــى �ســــــرور وإن َ أخ َ ــــذ الذي أعطـــــى أثابا ف ُّ أي ِّ النعمتيـــن َ أع ُّ ـــــــم ف�ض ًال و َ أكــــــرَم فـــي عواقبها إيابــــــا ُخرى التي ْ أهَدت ثوابا؟! ِ أن ْعَمُته التـــــي ً أهدت �ســــــرورا ِ أم الأ َص برْ ِبرْ َ م َ ن �صبرَ احت�سـابا ُ َ خرى التي ن َ ــــزَل ْت ِ بُك ْرٍه ُّ أحق ِ ب� بل الأ )))صحيح: رواه ابن السني يف عمل اليوم والليلة واحلاكم عن عائشة كام يف صحيح اجلامع رقم: 4640 والكلم الطيب رقم: 139.


199 الشكور ما عرف ربه ال�شكور من ا�ستعمل ماله و�ص ُ حته و�سلطانه فـي ما يغ�ضب اهلل. 6 )ال تعامل إال ال�شكور ُِلَغة التجار، فهل هناك من يعطيك أكثر؟! فهو الذي يعطيك أعىل األرباح ب ِّ ب أرباح التعامل مع الشكور ثم تفارقه لغريه؟! فإياك أن ترشك مع الشكور ً أحدا يف الدعاء فكيف جتر أو الثناء، وقد يتأخر عطاؤه حينًا؛ ليخترب صدقك يف الطلب وإخالصك له، فإياك أن تفشل يف اختبار املنع َم العطاء، فإنك تعامل الرب الشكور املعطاء. ُفتحر ٌ ويف أسلوب القرآن إعجاز بياين وعظمة، وروعة كفيلة بأن تغريك بمداومة معاملة الشكور بالشكر اجلزيل وعدم الكفر. قال تعاىل يف سورة لقامن: )ٺ ٺٺ ٿ ٿ ٿ(]لقامن: 12.] ففي الشكر قال سبحانه )پ ڀ(، وأما يف الكفر فقال بصيغة املايض: )ٺ ٺ( ]لقامن: 12] َ ْن ٌ يكفر، وفارق دقيق بني األسلوبني، والكالم هنا للرب سبحانه، وليس كالم لقامن. ومل يقل: وم يف الشكر جاء بصيغة املضارع )ڀ( الدال عىل احلال واالستقبال، فالشكر دائماً ِّ متجدد ودائم، ً َ ا تذكر نعم اهلل عليهم؛ ومن ثَّم شكرها. وشأن الشاكرين دوم ويف الكفر جاء بصيغة املايض )ٺ( ]لقامن: 12 ،]فاهلل سبحانه وتعاىل ال يريد من عبده االستمرار يف الكفر، بل يريد له أن يتوب ويرجع، أي يكون كفره يف املايض فحسب، وال يريد اهلل ألحد أن يعود لكفره ًا ٌ يف املستقبل، ويف هذا إشعار بأنه ال ينبغي لعاقل أن يكفر نعمة اهلل عليه، بل عليه أن جيعل من الكفر ماضي ً زائال يف خرب كان، بعد أن تاب عنه وأناب. ً رابع ً ا: فادعوه بها مسألة وطلبا )ہ ہ ہ ھ ھ ھ ھ ے ے ۓ ۓ ڭ ڭ ڭ ڭ ۇ ۇ ۆ ۆ(. ادتك«. َ َ ب ِ ِ َك ُ وح ِسن ع ِ َك ُ وش ْكر ْكر ِ ِني عىل ذ َّ »اللهم أع ادتك، َ َ ب ِ ْعَم ُ تك وحسن ع ِ َ ن ِ َ ، وأسألك ُ ش ْكر ُّ شد َ َ ات يف األمر، وأسألك َ عزيمة الر َّ »اللهم َ إين أسألك الثب َّا ُ َك ممِ ِر َا تعلم، وأستغف ِن خيرْ م َ ْ ا تع َ لم، وأسألك م ِ ِّ ن رش م ً َ ا سليماً ُ ، وأع َ وذ بك م ًقا وقلب ِ َ وأسألك َ لس ًان َ ا صاد ُوب«. ْتع ُ لم، إنك أنت عالم الغي »اللهم أعنا عىل ذكرك وشكرك وحسن عبادتك«.


200 ً هنيئا لمن عرف ربه عرف ربه ال�شكور من �شكر قليل النعم ف�ض ًال عن كثري. أسألك باسمك الشكور.. َّ ال جتعلنا ممن سخر نعمتك يف معاصيك، واستعان بام حيب يف ما تكره. أسألك باسمك الشكور.. اجعلنا أشكر الناس للناس. أسألك باسمك الشكور.. ً ارزقنا الشكر عىل قليل النعم فضال عن كثريها. أسألك باسمك الشكور.. ِّعو ِّ د ألسنتنا )احلمد هلل(، وال تعودها الشكوى لغري اهلل. ً خامس ِ ا: حاس ْب ِ نفسك تعر َّف ربك ً نادر ً أحيان ا سابق باخلريات )دائ دائم ا ماً ً ( - مقتصد )أحيان ً ا( - ظامل لنفسه )نادرا( هل حترص عىل شكر أي جهد من ولدك أو مرؤوسيك للتشجيع عىل 1 االستمرار واإلجادة؟ 2 ً هل حترص عىل املعروف ولو كان بسيطا؟ 3 هل جتتهد يف التدقيق يف يسري النعم التي ال يلحظها غريك؟ هل حترص عىل اإلنفاق من النعم التي أنعم اهلل هبا عليك، والتصدق منها 4 عىل من حولك؟ 5 ِّ هل تعود لسانك )احلمد هلل( يف الرضاء كام يف الرساء؟


Click to View FlipBook Version