The words you are searching are inside this book. To get more targeted content, please make full-text search by clicking here.

صدام حسين مناضلا ومفكرا وانسانا.كاملا

Discover the best professional documents and content resources in AnyFlip Document Base.
Search

صدام حسين مناضلا ومفكرا وانسانا.كاملا

صدام حسين مناضلا ومفكرا وانسانا.كاملا

1 صدام حسين مناضال ومفكرا وانسانا بقلم الكاتب د.امير اسكندر


2


3 مقدمة ليس هناك من يماري في ان اللحظة التي مر بها الفكر العربي االن ,هي من اشد اللحظات التي مر بها في تاريخه الحديث والمعاصر ,صعوبة وقسوة . صعوبتها التنجم من طبيعة التناقضات الجديدة التي تحملها المرحلة التاريخية الراهنة فقط , وانما من عدم االستيعاب الكافي والمالئ م لهذه التناقضات – في احيان كثيرة – لدى فصائل عديدة في الحركة الفكرية العربية ,ومن ثم ضعف االستجابة امام التحديات التي تفرضها . وقسوتها التنبع من ثقل المهمات ,او فداحة المسؤوليات التي تلقيها على عاتق رجال الفكر والتوجيه ,فحسب وانما من طبيعة هذه المهمات نفسها واختالفها –كما وكيفما – عن سابقاتها ,في المراحل الماضية. ان البعض يجب ان يصف هذه اللحظة بأنها لحظة ))االزمة (( ومنهم من يذهب بهم تحليلهم – او ربما مشاعرهم ؟ -الى حد التشاؤم ,فيعتبرون اللحظة ليست لحظة ازمة فقط, ولكنها لحظة انهيار حضاري , واختناق لومضات االنبعاث التي اضاءت منطقتنا العربية في مراحل متباينة من العصر الحديث ,وهؤالء اليرون في الهزائم والنكسات التي اصابت حركة الثورة العربية ككل ابتداءا من هزيمة 1967 حتى هزيمة ))كامب ديفيد(( 1979, اال نهاية طبيعية لجيل كامل من المفكرين والسياسيين والقادة , فشلت مناهجهم واستنفذت طاقاتهم ولم يعد امامهم اال تاكيد اخفاقاتهم ,المرة تلو المرة ,في الرؤية الفكرية ,والممارسة العملية سواء بسواء. وربما بدافع الرغبة في نفض اليد من كل مسؤولية واثبات البراءة الذاتية يعلق هؤالء اسباب ماحدث ويحدث ,تارة على مشجب )) االنظمة ((التي لم تمض ))بحكم طبيعتها ((بالثورة العربية الى االمام وتارةثانية على مشجب التخلف الذي لم يؤد الى هضم وتمثل الثورة العلمية والمنجزات التكنولوجية المعاصرة,وتارتة ثالثة على الحرية الغائبة والديمقراطية المنفية وأحيانا الليبرالية الموءودة ,وهي االسس الضرورية في منظورهم ,ألن تطور عصري ,وتارتة رابعة على ضيق افق اليمين وفشل اليسار وتارة خامسة وسادسة ,الى آخر التبريرات التي تحاول اثبات براءة )) الذات (( وعدم مسؤولياتها ,ومسؤولية )) الغير (( دائما وادانته. وبطبيعة الحال مادام االنتحار الجماعي ليس ممكنا فأن النتيجة المترتبة منطقيا على هذه االحكام القاطعة جميعها لن تكون اليأس واالحباط فقط , وانما المشاركة – بوعي او بدون وعي – في تاكيد الهزيمة نفسها وتسهيل مهماتها وتعميق تأثيراتها على صعيد الفكر والتطبيق معا . وفي مثل هذا المناخ الفكري والنفسي – وكل لحظة تحمل الى جانب مضمونها الفكري وشحنتها االنفعالية- اليكون الوضوح الفكري ,اقصى الوضوح ضرورة فكرية فقط وانما يصبح حتمية نضالية في االساس . غير ان لهذا الوضوح ضروراته ومقتضياته هو نفسه.من بينها وربما في مقدمتها عدم االستغراق في اللحظة الجزئية .وبنفس القدر الكاف عن التحليق المجرد مع اللحظة الكلية الشاملة .وبتعبير أخر االمساك بالخيط الذي يربط بين الجزئي والكلي ,بين الخاص والعام .ومن بينها ايضا اعلى درجة من حرية التفكير والبحث واالكتشاف واعادة النظر في المناهج الجاهزة ومراجعة االفكار الثابتة مع التمسك بالمبادئ العامة او االسس الفلسفية الكلية التي ال بد وان يصدر عنها او ينطلق منها اي تفكير او بحث او اكتشاف .ومن بينها كذلك الشجاعة والجرأة والقدرة على االقتحام دون التورط في الزيف او االنزالق مع الوهم ..والتواضع امام الحقيقة .


4 نحن نحتاج الى تامل عميق اذن ,الى تامل حر اساسا قادر على جرأة القطع مع المعطيات الفكرية الجامده حتى نستوعب المتغيرات الجديدة في وطننا العربي وفي العالم الكبير الواسع ايضا يعوزنا ان نرفع عن عيوننا الغشاوات القديمة ,ان نكف عن الدوران في السواقي التقليدية الناضبة المياه,ان ننظف تالفيف اذهاننا من عناكب الصيغ والمقوالت التي امتصت رحيق شبابنا واعقمت قدرتنا على الخلق واالبتكار وان نتذكر دائما انه مامن احد يمتلك الحقيقة المطلقة وان الكلمة االخيرة هي تلك التي لم تقل بعد وان ربيع الفكر والحياة يتجدد على الدوام بتجدد الفصول . ان الواقع –واقعنا بالتحديد – اليترك لنا فرصة اللتقاط االنفاس يكاد من فرط قسوته وفظاظته ان يعطل فينا الخيال .ومن الخير دائما ان نفتح عيوننا ونحدق في وجه الحقيقة لقد ان االوان الن نصنع شيئا اصيال .جاءت اللحظة التي ينبغي فيها ان نتخلى عن التوفيق والتلفيق ,ان نستعيد انفسنا ان نذيب بحرارة الواقع نفسه جليد الغربة والتشيؤ وان نتعلق مرة والى االبد بالجذور .ان نكون جذريين ...ذلك هو ما نحلم به دائما .ان نلتصق بواقعنا كما يلتصق الجنين برحم أمه ...ذلك هو الذي سيعيدنا وحده الى انفسنا .أن نحفر بأيدينا في باطن التربة ونعي د حرثها من جديد ...ذلك ما نحتاجه بقوة كي نقيم شجرتنا الممتدة الى اعماقها فال تقتلعها الرياح التي تهب من كل صوب بل تلقح ازهارها ,وتنضح ثمارها وتحفظ لها قدرتها على العطاء . وليس ذلك كله مثالية وتجريدا ,ليس جريا خلف سراب ال يروي العطش وال بحثا عن وهم اليشبع الجوع وانما على العكس تماما فهو بحث عن مواطن الخصوبة الحقيقية وتفجير للينبوع وقطع للسالسل التي تمزق عروقنا وتنزف دمنا وهي تشدنا بين اعلى قمتين في الجبلين المتقابلين ورفض لسالم الخنوع والتبعية وانصات خاشع لمن قال في ربي الجليل ذات يوم ؛)) ماجئت أللقي سالما على االرض بل سيفا ((وقيادة لجيش من العبيد والعوام وانصاف االحرار الذين جاتءوا محمدا في زمان الثورة وحطموا اصنام الكعبة وآمنوا بأن البشر متساوون حقا كأسنان المشط ودخلوا )) في دين هللا افواجا((. لقد كانوا يقولون لنا عندما كنا صغارا في دروس التاريخ االدبي ,ان الشعر اسبق في ظهوره من النثر .أي ان العاطفة اقدم عمرا من العقل فاالنسان يحس اوال ثم يبدأبعد ذلك في ترجمة هذه االحساسات الى لغة الفكر مستخدما كل ما توصل اليه من قوانين المنطق وقواعد المنهج العلمي وانواع المفاهيم التي تتالءم مع معطيات كل لحظة من لحظات التغير فاالحساس العاطفي هو العتبة االولى للمعرفة واالدراك العقلي هو العتبة الثانية اما الوصول الى التصور الكلي الشامل فهو دائما التتويج النهائي . وعندما قامت ثورة 17 -30 تموز في العراق عام 1968 على اثر النكبة الجديدة في يونيو – حزيران 1967 تراوحت المواقف بأزائها ,البعض ساندها بقوه البعض االخر تردد وحاذر وهناك بالطبع من انكروها انكارا ,البعض قال هذه الفتات تتغير واقنعة تتبدل والبعض االخر قال لننتظر ونرى ماذا تخفي االكمة من ورائها ؟والبعض الثالث الذي استشف من بعيد اتجاه حركتها عندما بادرت الى ضرب شبكات التجسس واركان العماله ,ادرك ان االرض التي تسبح من تحتها بحيرات النفط تلتهب بالشرر الذي يتكامل ليصبح نارا تحرق اعداءها وتنضج ابناءها فسارع الى حمل مضخاته الحديثة واندفع الى هناك ليحاصر الحريق ان لم يستطع ان يطفئه. غير ان النيران كانت تتصاعد بعد ان احترق الجواسيس والعمالء ,بدأت تحترق ترسانتهم الكبرى : شركة نفط العراق ,محطة ارصاد االتجاهات السياسية الرجعية ,وغرفة عمليات


5 االمبريالية وثم بدأت اعالم السالم العادل تلوح في سماوات الشمال الذي كان يلتهب بمعارك االخوة العرب واالكراد حتى يفرغ اللصوص لسرقة بيوتهم وخنق ومضات الحياة في عيون اطفالهم جميعا .ثم تتابعت القوانين من يوم ليوم ترسي قواعد للعدل االجتماعي في الريف والمدينة لفالحي وادي الرافدين وعماله. ثم تصاعد في الجبال والسهول والوديان صوت جهوري ,صارم وحازم ورخيم في نفس الوقت ينادي باالشتراكية. ابناء الثوره حملهم الحماس الى اعلى مراقي االمل .وابناء االمبريالية حملوا ما تبقى من حقائبهم المحترقة ورحلوا في اول سفينة تغادر ميناء البصرة.اما الذين كانوا يقفون على المحطات يراقبون قطار التاريخ وينتظرون قدومه الذي تأخر طويال بالنسبة لهم ,فلقد ادركوا انه ج اء بالفعل وانه كان يحمل رجال الثورة وان اسمه في العراق هو ثورة تموز –يوليو .أعلنوا على الفور انهم يريدون االلتحاق بقطار التاريخ ,قطار الثورة. لم يومها قومي او تقدمي او شيوعي اال وسكب الطيب فوق عجالت القطار .في كل قطر عربي وفي كل بلد اشتراكي وحتى في كل قطر غربي راسمالي بداخله حزب او تجمع تقدمي او شيوعي كانت االصوات تتعالى بالتاييد والمساندة والدعم الروحي وفي بغداد نفسها ترك حراس الجمارك عند حدودها القادمين يمرون بكل الحقائب الكبيرة ,التي التحتوي اال على زجاجات العطر هدية للثورة واشادة بالثوار . وكيف النؤيد وال نساند والندعم تجربة ثورية جديدة تمثل جزيرة في بحر الظلمات العربي ,يرتفع فيها القطاع االشتراكي الصناعي الى 92 %من حجم الصناعة في البالد ويتقلص فيها االستثمار الفردي في الزراعة الى 20 %فقط ,وتهبطفيها نسبة القطاع الخاص في التجارة الخارجية الى 8.... %هكذا كانوا يقولون .ثم يضيفون ان الثورة أممت ثروة البالد من النفط ,ونجحت حيث فشل غيرها ؟وان الثورة حلت بسالم قضية قومية عسيرة اقتتل حولها االخوه اكثر من عشرة اعوام ؟....ثم هل تنسون ان الثورة تبني االشتراكية وتقيم معاهدات الصداقة والتعاون مع االتحاد السوفيتي ,وتناضل بحزم ضد االمبريالية؟ وكيف تتجاهلون انها هي التي سعت بنفسها لكي تضم كل السواعد ,وتصافح كل االيدي القادرة والراغبة في البناء وانها اقامت لها صرحا اسمه الجبهة الوطنية والقومية التقدمية ؟ثم هل رأيتم في قطر عربي اخر على مدى السنين الطويلة التي م رت على تطوره الحديث ,حزبا شيوعيا علنيا يصدر صحفا ومجالت ,ويعقد ندوات ومؤتمرات ويفتح له في الشوارع مراكز ومقرات وينادي بالماركسية- اللينينية ,وفي وضح النهار دون ان تمتد الى اعضاءه قبضات رجال االمن بمسالتهم لتلقي بهم في غياهب المجهول وراء الشمس ؟اين ومتى حدث ذلك ؟في قطر عربي ؟...هكذا كانوا يسألون . ولكن فجأة اراد الذين التحقوا بالقطار ,ان يجلسوا في قمرة السائق ...وان يضعوا ايديهم على عجلة القيادة ..واال فان القطار لن يسير في وجهته الصحيحه وكل ما قطعه من محطات على طريقه الينبغي ان توضع في الحسبان والن هناك ايضا أخطاء او مخالفات في بعض دواوين القطار ..والن الجالس في قمرة القيادة يعرف طريقه جيدا داخل البالد ومن قبل قطعها على قدميه من الحدود الى الحدود ,فلقد رفض ان يسلمهم قيادته .ويتبادل المواقع معهم ,هم الذين كانوا يجلسون على رصيف االنتظار ومن يومها وقعت الواقعة وارتفع في خارج الحدود غبار كثيف يحاول ان ي ضرب ستارا حديديا جديدا حول العراق . فجأة تبدلت الصورة وتغيرت معالمها في انظارهم ,انتكست كل المنجزات وانهارت كل المكاسب وسقطت كل االنتصارات .وسحب البعض كل رصيد التاييد والمساندة والدعم ,وطالب


6 البعض االخر بزجاجات العطر والطيب ,ايمكن ان يكون ذلك التبدل المفاجئ العفيف وليد تأمل حقيقي وتحليل علمي وموقف موضوعي ؟هل حقا توقف القطار واستراح قائده في غرفته الوثيره ,ولم يعد بوسعه أن يواصل الطريق ؟ولكن مااسم هذه المحطة الضخمة التي تمهل فيها لحظة عام 1978 ؟محطة محو االمية الشامل التي تبني ألاول مرة في قطر عربي والمحطة االخرى التي توافد عليها كل رؤساء العرب من كل مكان ؟ مؤتمر بغداد ؟اجل كانت سدأ كبيرا امام سيول االنهار التي اجتاحت حدود االقطار العربية عندما هبط رجل يدعي انه عربي في مطارات االعداء ..والمحطة الثالثة ...والرابعة...والخامسة..ان القطار يسير في طريقه المحدد وقائده لم يغادر قمرة القيادة قط. اذن من يستطيع ان يمتلك الجرأة والموضوعية والخالص للمستقبل وليس للماضي فحسب والتنزه عن المصالح الشخصية الزائلة والترفع عن المواقف التكتيكية المراوغة وحتى يخلصنا من )) شعر (( العاطفة المندفعة والمنحرفة في كثير من االحيان ايضا ,ويقدم لنا )) نثر (( الحقيقة وحدها ؟ ان هذا الكتاب يطمح بتواضع الى ان يقوم بهذه المهمة . وهو يدرك من البداية انه بقدر ما سوف يكون موضوعيا يجتهد في ان يقدم صورة للواقع كما رأه وكما يراه فال بد من ان يصبح هو نفسه – اراد او لم يرد – طرفا في صراعات قد التكون من بين اهدافه ومقاصده ,خصوصا في بالدنا العربية التي لم تترسخ فيها بعد التقاليد الواجبة للحوار السياسي او الفكري .ومع ذلك فانه هو نفسه دعوة للحوار الجاد بقدر ماهو دعوه العادة اكتشاف الحقيقة بالنسبة لمن يحرصون بالفعل على رؤيتها بتجرد ,بعيدا عن الذاتية والتعصب والحقد واالنحياز المسبق لالفكار الثابتة والمعتقدات الجامده التي اليمكن في ضوء اي تفكير علمي ان تكون مفارقة لظروف زمانها ومكانها واشبه بالمعتقد الغيبي انه باختصار جهد من اجل التنوير. ومرة اخرى مامن احد يمتلك الحقيقة المطلقة وما اشد حاجتنا الى التواضع امام المعرفة التي يطرحها تطور واقعنا العربي وواقعنا العالمي يوما بعد يوم ولقد كان يكفي في الماضي مثال ان يتلو المرء بضعة قوانين او مجموعة من المبادئ حتى يدعي لنفسه انه اشتراكي او شيوعي او حتى ليبرالي .ولكن االشتراكية لم تعد اليوم مجرد اي‘ تتلى والماركسية لم تعد بضع نصوص محفوظة والراسمالية لم تعد ذات وجه واحد فما اكثر الصور التي تتبدى من خاللها االشتراكية وما اشد تنوع المدارس الماركسية وما ابرع ما تستطيع الراسمالية ان تخفي به وجهها الحقيقي ف ي عالم اليوم .والمعيار الصحيح والوحيد دائما هو حركة الواقع نفسه واتجاهها وافقها وطبيعة الذين يمسكون بزمام أمرها . ولكن لماذا صدام حسين ؟ ألن صدام حسين هو الذي يقود قطار الثورةاالن في العراق ويعرف بعمق طرقها ومسالكها ...والن صدام حسين هو الذي اختاره ركاب القطار ليجلس في قمرة القيادة لعلمه ونضاليته واخالصه ولعلمهم انه لن يتوقف بهم في منتصف الطريق او يحجزهم في احدى محطات ه والن صدام حسين وجه مشرق لوطننا العربي كله وهو يستطيع بجدارة ان يتصدى لكل مخاطر السبيل الوعر الذي نجتازه ويتوجه بالمسيرة الى افاق الحلم الذي نريده والن صدام حسين هو قائد التجربة الثورية وجزء ال يتجزأمنها وهي جزء اليتجزأ منه والحديث عن حياته النضالية هو الحديث عن نضال الثورة واستعراض افكاره ومواقفه هو


7 استعراض الفكار الثورة ومواقفها في نفس الوقت ..والن صدام حسين نفسه ال يقول انه يبني الجنة فوق االرض وال يقول انه يمتلك الحقيقة المطلقة واليقول انه قادر وحده ان ينجز كل شئ وانما يقول بقوة ولكن دون غرور انه يبني مع شعبه تجربة ثورية في وطننا العربي ويقول بتواضع ولكن من غير ضعف ,انه يمتلك نظرة للحياة والمجتمع واالنسان استمدها من منطلقات حزبه واضاف اليها خبرته وتجربته وحصاد الجدل بين فكره والواقع والنه يقول كذلك بكل عاطفة الحب والحرص انه بحاجة الى كل رضيع في بالده وبحاجة الى كل من يريد باخالص ان يشارك في البناء ويدفع التقدم الى امام في اي ركن من اركان وطنه الكبير ,الوطن العربي . وحين ينطوي قائد خرج من صفوف الشعب مثل صدام حسين وصعد الى موقعه القيادي بنضاليته من قاع الهرم الطبقي ,على كل هذه السمات الثورية واالخالقية واالنسانية وكيف يمكن للمرء ان يجتهد بقدر ما يستطيع في ان يقدم صورته التي يراها لالخرين وخصوصا لالجيال الشابة التي تولد احالمها ويتفتح وعيها في هذا العصر كي تحملها معها الى مدن المستقبل البعيده ,لنتذكر ان زماننا العربي هذا ليس انتكاسات وهزائم كله وليس خنوعا وانهيارا واستسالما كله ,ولكنه ينطوي ايضا على انتصارات ال تنكر ,وانجازات التغفل ,واجتهادات وخبرات وتجارب تستطيع ان تقدم لها بايجابيلتها وسلبياتها ,دروسا في الفكر والحياة ,تلهم وتعلم ؟ بل وكيف اذن ال نبادر نحن ابناء هذا العصر الى الدفاع عن عصرنا بتقديم شهادة ال تخطئ الى رجال الزمن القادم ...قضاة التاريخ ؟


8 القسم االول رحلة مناضل على طريق الثورة 1 -نجم يشرق من بيوت الطين دائما هي الصحراء تمنحنا احساسا بالتناقض هذا المدى الذي اليحده حد مهما ابتعدت افاقه سرعان ما يقطعه اقتراب السماء من االرض او اقتراب االرض من السماء .هذا الوضوح الساطع كحد السيف سرعان ما يلفه الغموض وااللتباس مثل عباءة البدوي المسافر .هذا الدفء الحنون هذا االنتماء الصميمي هذه االلفة المتوهجة سرعان ما تقتلعها جميعها من جذورها وحدة موحشة كوحدة المحتضر وقسوة صلبة مثل سنان الصخر وال مباالة متجهمة كليل مدلهم بارد .ان الهدوء العميق والصمت الشامل والسكون الثابت له قناع االزل وليس له دوامه اذ سرعان ما تتقاذفه الزوابع والرياح والعواصف الهوجاء وكانها لحظة نهاية العالم .ان الصحراء هي الكائن الباطني االعظم ظاهرها غير باطنها وما يعلو سطحها ليس هو بالضرورة مايدور في اعماقها. لم يكن غريبا ان تطرح الصحراء كل االسئله الكلية التي أرقت وعي االنسان منذ ميالده وليس مثيرا للدهشة ان كل الديانات التوحيدية الكبرى خرجت جميعها من ضميرها الهادر فها هنا ظهر اول تفسير للحياة ومن هنا انبثق اول تأويل لالنسان وعلى سطح هذه الرمال جرت بداية المحاوالت النظرية لتغيير العالم . اما هذه البقعة من الصحراء فأن لها امتيازا على صحارى الشرق كلها .انها تختزن في ذاكرتها العميقة .عمق االالف السنين ذكريات حضارة من اعظم الحضارات االنسانيه القديمة حضارة تسجيل الخبرة البشرية على الواح الطين واكتشاف الكتابة حضارة التحكم في الظاهرة االجنماعية و ضبط السلوك الفردي والجماعي ووضع قوانين حمورابي وحضارة سومر وأشور وبابل . ومع ان الصحراء قد طوت فيما طوت كل تلك الحضارات في اعماقها وانطوت على نفسها مئات السنين .تعاني هجير الجفاف الفكري واالبداعي فان تلك اللحظات لم تكن في جوهرها تعبيرا عن الموت التهائي .فوق سطحها لمعنى الحضارة انها كانت على العكس اقرب الى االعتزال الصوفي .بمعنى ما من المعاني حيث تكون المجاهده او المكابدة طريقا جديدا شاقا ومؤلما .ال الى الذوبان او التالشي وانما نحو مزيد من االتحاد العميق الشامل مع اقصى غايات النضال االنساني حين يكون االنسان هو وحده سدرة المنتهى وغاية المطاف . ومن ثم فان هذه البقعة من الصحراء سرعان ما عادت من جديد عندما ظهر االسالم فحملت مشعل الرسالة وعاشت ايام العباسيين ازهى لحظات الحضارة العربية بل صارت هي نفسها حاضرة الحضارة العربية في ذروة كمالها واكتمالها وعندما اصبحت بغداد أيامها احدى اهم واغنى مراكز االشعاع الحضاري في العالم اجمع كان ذلك اتساقا مع منطق القوانين الطبيعية واالجتماعية واالنسانية التي تتجلى في جوهر التقدم التاريخي الى امام .


9 غير ان ذلك التقدم اليعني في جوهره او شكله تقدما خطيا او ميكانيكيا الى امام على الدوام ان التاريخ يعرف في طريقه دائما التعرجات والتراجعات واذا كان التقدم هو االفق النهائي لحركته فأن هذه الحركة تتحقق في النهاية عبر انتكاسات مؤقتة تقتصر او تطول في زمانها حسب عديد من العوامل والشروط .وهكذا حين بلغت الحضارة العربية اوج كمالها واكتمالها وتحقق في اطارها في تلك اللحظة اقصى ماوصلت اليه االمة العربية في تاريخها من وحدة وتكامل .دق ابواب حصونها هوالكو والتتار .عاصفة عاتية من الرمال البشرية المعادية لحضارة االنسان .راحت تدك وتهدم وتدمر ارفع وانبل ما بناه االنسان وعادت الصحراء التي كانت قد اخفت وجهها وراء حقول العباسيين النضره وبساتينهم المزهرة الى الظهور من جديد تختلط فيها كثبان الرمال بجماجم البشر وصار دجلة الذي استطاع العباسيون ان يروضوا به الصحراء ويشفوا بامواجه اوارها مثقال بمزيج ملتهب من الحبر والدم .ان ذاكرة االنسانية التي احتفظت بها مكتبات بغداد تحولت الى شالل اسود حين القى بها التتار في النهر وشكل الونان االسود واالحمر في لحظة من لحظات االنكسار التاريخي في مسيرة البشرية .المغزى العميق والالنهائي لوحدة الكلمة واالن سان . ان مرحلة طويلة من الظالم قد بدأت في تلك اللحظة لم تتمثل ظامتها في انهيار الثراء المادي والثقافي واالزدهار الحضاري لالمة فحسب ولم تكن عالماتها الكئيبة تغير طرق التجارة الدولية وضمور المدن العربية الزاهرة او تدفق جحافل الصليبيين – تتار الغرب – على قلب الوطن فقط وانما تمثلت اشد ظلمتها واكثر عالمتها كآبة.في انفراط تكامل االمة العربية نفسها وتمزيق وحدتها ومهما حاول )) الخليفة الناصر ((- آخر العباسيين – ان يعيد توحيد الجسد الممزق سيكون االوان قد فات والتاريخ لم يعد قابال لالستعادة ولسوف نحتاج الى عدة قرون حتى يبز غ من االلم والمعاناة من مرارات النضال الطويل ضد تعرجات التاريخ وتراجعاته .نجم .وآنذاك سيكون اوان المخاض الجديد قد ان وستبدأ لحظة )) البعث ((. ان صدام صحين قد ولد في زحم تلك اللحظة العربية العسيرة ووسط االمها وربما كان للتوافق التاريخي بين لحظة ميالده وميالد البعث داللة اعمق وابعد من مجرد المصادفة العشوائية او االتفاق الشكلي في الزمن بين لحظتين .ذلك الن المسرح عندما يكون قد تهيأ والدور الهائم قد بدأ يبحث عن بطل .سيكون صدام حسين قد اشتد عوده ووقف في الكواليس على تمام األهبة ليبلي نداء التاريخ بجدارة. لم يكن مولده في عام 1937 بهيجا ولم يحط مهده بالورود والرياحين ولم يفتح فمه ليتلقى مالعق الذهب لقد ولد يتيما مات ابوه قبل ان ترى عيناه النور ولد فقيرا من صلب فالحين صغار فقراء ومثل الكثرة الغالبية من قادة التاريخ الحقيقيين .وكان عليه من لحظة وعيه لنفسه ان ي واجه تحديات الحياة بأن يصنع وجوده بنفسه . كان ذلك في الربيع .في اليوم الثامن والعشرين من نيسان عام 1937 وضعت السيدة صبحة طلفاح المسلط مولودها في بيت اخيها الحاج خير هللا طلفاح وكان عمه حسن المجيد هو الذي اطلق عليه اسم ) صدام ( . البيت يقع في منطقة تدعى ) الحارة( وهي مكان تجمع اقارب صدام حسين حيث غالبا ما كانت تقسم مناطق السكن في المدن الصغيرة على هذا االساس وفق التقاليد االجتماعية الماضية وفي تلك المدينة الصغيرة الواقعة على ضفة نهر دجلة اليمنى والتي اتخذت اسمها )) تكريت (( من كلمة رومانية كانت تطلق عليها من قبل وهي : ميونيا تيجريدس MIONIA TIGRIDIS


10 ومعناها قلعة دجلة ويحيط بها سور مثمن له اربعة ابواب وتذكر دائرة المعارف االسالمية ان هذه المدينة تعرف من خالل المؤلفات السريانية القديمة بأسم )) تجريت (( ويذكر البالذري ان هذه المدينة قد حررت من السيطرة الرومانية عام 20 هجرية على يد القائد العربي عقبة بن فرقد . ومع ذلك فان شرف االصل اليتوافق بالضرورة مع الثراء .ان صدام حسين الذي ولد في هذا البيت الطيني الذي ينتصب على اعمدة من الخشب التكاد تقوى على حمله من اصالب الفالحين الفقراء – وهكذا كانت في االغلب واالعم بيوت تلك المدينة الصغيرة – ينتمي في الواقع الى اسرة من اعرق االسر في تاريخ العرب الديني والسياسي على السواء .واذا كان المؤرخون العرب يهتمون في تاريخ االنسان برسم االشجار التي تحفظ تسلسل االرومة في شكلها االسروي فأن تأمل شجرة االسرة التي انحدر منها صدام حسين يدلنا على انها تمتد جذرا بعد جذر الى االسرة العلوية وت اجها االمام علي بن ابي طالب ) رض( وهو نفسه لم يذكر في احاديثه ولقاءاته قط هذه الحقيقة .وربما النه يرفض المزايدة باالصول التاريخية والدينية امام من ال يملكون سواها ويسعى ألن يجسد المعنى العلماني العصري للكرامة والشرف .ان تكون كرامة المواطن مستمدة من كرامة الوطن وان ينبثق شرف المناضل من نضال الثورة غير انه في لحظة مواجهة مريرة وشاقة على النفس مع الذين حاولوا ان يغدروا به ويخونوا عهده حين اصبح القائد االول للمسيرة الثورية في وطنه .قال في خطابه الشهير حينذاك ) نحن احفاد علي ( خطابه الذي القاه في ) 8 اغسطس –اب 1979.. ) والشك ان هذه العبارة كانت تحمل معنى واقعيا شخصيا – ربما يدركه الكثيرون ممن سمعوه – بقدر ما حملن من داللة تاريخية ومغزى سياسي . لم يعش صدام حسين طفولته مريحة سهلة لقد تنقل في السنوات العشرة االولى من حياته مابين البيت الذي ولد فيه بيت خاله وبيت عمه الحاج ابراهيم الذي تزوج من امه بعد وفاة ابيه كما تجري االعراف عادة في مثل هذه الظروف هناك في تلك المناطق وكان عليه من البداية منذ طفولت ه الباكرة ان يواجه قدره بنفسه ولقد كان على مشاعر اليتيم الدفينة في نفسه اما ان تدفعه الى االنطواء النفسي واالنكفاء الحزين على الذات او تدفعه الى الخارج نفسه نحو االخرين ليجد في اتحاده معهم عزاء وتعويضا عن وحدته الذاتية ولحسن الحظ – وال شك ان عوامل البيئة االجتماعية والجغرافية قد ساعدت في ذلك - فان صدام حسين رفض االنغالق والتقوقع الفردي وواجه الحياة الشاقة العسيرة وهو في سنوات الغضة كرجل كمناضل بالفطرة ولقد علمته صعوبات الحياة في بيئته االولى التي احاطت به حيث كانت ارض الفالحين الفقراء تطرح مرة ثمارها ومرات تضن بها معاني اساسية سوف تالزمه طيلة حياته ونضاله .الصبر .الجلد على تحمل الصعاب .شدة المراس واالعتماد على النفس والشجاعة والقدرة على اقتحام المخاطر والصرامه القاسية والدقة في الحساب النفسي للمشاعر واالنضباط في السلوك االخالقي وقبل ذلك وبعده حب الفقراء وااللتصاق ببسطاء الناس . ان مجموعةالسمات النفسية التي يمكن استخالصها من متابعة طفولته االولى واالنصات الى احاديث الذين كانوا محيطين به في تلك المرحلة من حياته .تدلنا على انه كان يملك في ذلك الوقت المبكر الخصال االساسية بمعناها النفسي واالخالقي - لصورة الفارس العربي - الذي يعد نفسه او تعده االقدار كي يركب دورا قياديا في وطنه وهو نفسه قد قال ذات مرة )) ان النهج السياسي الالحق لالنسان اليستقل عن تاريخه السابق عن والدته وحياته وصعوبات حياته ((


11 ان واحدا من الذين كانوا قريبين منه في تلك الطفولة الباكرة – اخاه االكبر )) ادهام (( ) والواقع انه ابن ابراهيم ابحسن زوج امه ولكن موقعه وعالقته مع صدام كأخ الشقيق النهما عاشا الطفولة في بيت واحد ( يروي انه كان دائما محاطا بكوكبة من االطفال يقودهم ويرتبط بهم ويرتبطون به على الدوام حتى ان جيرانهم - فضال عن افراد اسرتهم نفسها – حينما كانوا يسمعون صياح االطفال وضجيجهم كانوا يقولون على الفور : ها قد جاءكم صدام ..غير انه لم يكن فظا وال شرسا مع قاعدته الجماهيرية االولى واهل المنطقة يروون انه كان على العكس رقيقا مهذبا في سلوكه .اما مع اطفاله كان اكثر من ذلك .غيريا يؤثرهم في احيان كثيرة على نفسه فعندما كان يرى واحدا من رفاقه يرتدي سترة بالية او ممزقة كان يخلع سترته ويعطيها له ويعود الى بيته بدون سترة وحينما يسأله اهله اين سترتك ياصدام ؟يقول ببساطة وكانه ادى واجبا ضرو ريا كان مطلوبا منه : اعطيتها لصديقي الن سترته كانت غير الئقة .وال يأبه بعد ذلك بكلمات تأنيب تنهال عليه من علمه في تلك اللحظة الباكرة من طفولته قول المسيح : من كان لديه ثوبان فليعط احدهما لمن ليس له ؟ ولكن الطفل الصغير الذي كان ينطوي في نفسه على اخالق الفروسية كان فارسا بحق الشئ كان يسعده ويثير التوهج في عواطفه سوى اعتالئه صهوة فرسه كانت فرسه من اشد الكائنات الحية قربا من نفسه .في الحقول المجاورة كان يمتطيها ويركض بها ويدللها وهي ايضا كانت تحنو عليه .ان العالقة بين االنسان والحيوان يمكن ان تبلغ في بعض االحيان ما التبلغه العالقة بين االنسان واالنسان من الحب والمودة وااللفة والصميمية والعطاء المجاني ومع ذلك كان على الطفل الغض ان يتلقى صدمة قاسية من اولى الصدمات في حياته ان فرسه قد ماتت وقد بلغه خبر موتها وهو في السنة الخامسة ابتدائي وكان يومها في تكريت حيث يتلقى الدراسة في بيت خاله وكانت فرسه في قرية العوجه بانتظار عودته ايام الجمع والعطلتين الربيعية والصيفية والول مرة اليستطيع السيطرة على انفعاالته .ان المرء يقف عاجزا دائما امام الموت انها لحظة عميقة من الشعور بالوحدة والفقدان والغياب الشامل وشلت يده على الفور وبقي على هذه الحال اكثر من عشرة ايام كان اهله يعالجونه بالوصفات الكبية الشعبية حتى عادت الدماء الى السريان في ذراعه من جديد ويومها كانت سحابة داكنة من الحزن الغائر في النفس تطل من عينيه الالمعتين ببريق الدمع . 2 -من القرية الى المدينة لم يكن من عادة االسر الفالحية الفقيرة ان ترسل بأبنائها الى المدارس في ذلك الزمان كان على الطفل ان ينشأ في قريتهويتعلم فحسب أصول الفالحة كي يساعد ذويه ويكتسب المهنة التي يمكن ان يكسب منها عيشة ولم تكن المدارس نفسها كثيرة وال منتشرة في تلك المناطق الزراعية و االف االطفال الذين كان يمكن ان يخرج منهم رجال علم وفكر وفن وسياسة كانوا يتحولون في تلك السنوات الى مجرد ارقام في جيش الفالحين الفقراء االميين المنسيين دائما من تفكير وتخطيط رجال الدولة الرجعية في العاصمة البعيدة ولقد كانت كل الظروف وعوامل البيئة المحيطة قم ينة بأن تجعل من صدام حسين الطفل اليتيم ربما اكثر من غيره واحدا من ذلك الجيل المنسي الضائع وان تمتص االرض الظمأى وما يحيط بها من صحراء عاتية


12 رحيق حياته كلها وتخمد شعلة ذكائه لوال ان مقاومة الظروف والمحاولة الدؤوبة لتجاوزها باستمرار كانت بعض فضائله . في عام 1947 وكان حينذاك في العاشرة من عمره يعيش مع عمه الحاج ابراهيم في قرية تدعى )) الشويش (( زارهم طفل في مثل عمره تقريبا وكان قريبا ألمه – ابن عمها – وكانت تلك الزيارة بما ترتب عليها عالمة أساسية فارقة في تطور حياته. في الباحة الخارجية امام البيت الطيني الصغير جلس الطفالن الصغيران يتسامران واذا بصدام يسمع من رفيقه حديثا مختلفا عما اعتاد ان يسمعه من رفاقه االخرين قال رفيقه الطفل انه يذهب الى المدرسة بانتظام وانه في الصف الثاني االبتدائي ويستطيع االن ان يقرأويكتب وباصبعه الصغير راح يكتب فوق التراب اسمه ثم ينظر اليه ويشرح له حروف االبجدية ويكتب امامه االعداد .انظر هذا اسمي وهذه الف .باء.تاء ...اما هذه فثالثة .اربعة.خمسة ...الخ سرح الطفل صدام وغابت عيناه في االفق البعيد ان عالما غريبا ساحرا ومدهشا كان يتفتح في وعيه الول مرة في تلك اللحظه هو ايضا البد ان يذهب الى المدرسة ويتعلم كيف يكتب اسمه وكيف يحفظ جدول الضرب ويعرف قواعد الحساب وعقد حاجباه وبدت في عينيه نظرة تصميم حادة لم يكن بوسع رفيقه ان يفهمها . في اليوم التالي قرر ان يعرض االمر على اسرته وكان طبيعيا ان يواجه الرفض وبدا له ان لكل يوم يمر ثمنا اليستطيع ان يعوضه .لقد فتحت المدارس ابوابها وبدأ التسجيل للعام الدراسي وخياله كله يتركز في تلك المقاعد التي يجلس عليها التالميذ ليتعلموا وعرض االمر على اهله ان يذهب الى بيت خاله في تكريت الحاج خيرهللا ولكن هذا العرض قوبل مثل سابقه بالرفض الحازم مع غير قليل من الزجر .غير ان هذا الرفض الزاجر لم يثنه عن قراره واستقر رايه على ان يوقف التفاوض مه اهله وان ينهج اسلوبا اخر . عندما هبط الليل وارخى سدوله انسل الطفل الصغير ذو العشرة اعوام من فراشه وحمل متاعه القليل على كتفه وخرج ليواجه قدره الجديد وحيدا كما هو شأنه دائما وسلك طريقه نحو منطقة ))الفتحة(( التي يعرف ان له بها بعض اوالد عمه الذين يعملون حراسا في احدى الشركات هناك قال في نفسه سيكونون دليلي لمعرفة الطريق الى تكريت وكانت الفتحة يبعد عن قريته مسيرة ساعتين سيرا على االقدام وصلها قبل ان تبزغ الشمس من وراء االفق . ودهش اقرباءه عندما دق في تلك الساعة المبكرة بابهم مالذي جاء بك يا صدام ؟ماذا جرى ؟قال لهم بعزم وتصميم انه قرر ان يلتحق بالمدرسة واهله ال يريدون ولذلك فأنه في طريقه الى تكريت حيث يستطيع هناك ان يحقق هدفه وذكرهم بأنهم هم انفسهم كانوا من قبل في المدرسةوان اهلهم أجبروهم على ان يوقفوا مسيرتهم ولم يعترض أقرباؤه بل شجعوه وصحبوه الى موقف السيارات واركبوه سيارة اجرة تأخذه الى منتصف الطريق وأوصلوا السائق ان يركبه سيارة اخرى توصله الى تكريت ولم ينس اقرباؤه ان يزودوه بعدة االمن في الطريق .مسدس وكان اول مسدس يمتلكه في حياته . عندما بلغ تكريت كان يعرف الطريق الى بيت خاله حيث شاهد انتقالهم من دار قديمة الى هذه الدار قبل اربع سنوات عندما كان عمره ست سنوات وهكذا اهتدى الى بيت خاله دون دليل يقوده الى هناك ووجد الباب مفتوحا فدخل واستقبلته الدهشه مرة اخرى في عيونهم مالذي جاء بك يا صدام ؟وكيف جئت ؟ومن الذي اتى بك؟ وماذا جرى؟ وماهي القصه؟ببساطه وبهدوء وكأنه يدلي بقرار نهائي ال يرد قال لهم اريد ان اتعلم .


13 لم يجد الرفض منتصبا امامه هذه المرة على العكس لقي قراره ترحيبا وتشجيعا .حسنا فعلت يا صدام ان اهلك مخطئون البد لك من ان تتعلم غدا البد ان تسجل اسمك في صفوف الدارسين وتداوم في مدرستك كانت البرات التي يسمعها جديده في اذنيه ان فصال جديدا من حياته قد بدأ والحق ان التاثير الخاص لخاله قد لعب دورا متميزا في مستقبله كان خاله اكبر رجل في العائله وكان لحسن حظه متعلما تخرج معلما ثم دخل الكلية العسكرية بعد ذلك وتخرج من كلية الضباط وان لم يستمر في عمله طويال فلقد اعتقل في ثورة رشيد عالي الكيالني وقضى في غياهب السجن خمسة سنوات .ولذلك فانه مثل افراد اسرته جميعا كان ينظر اليه دائما كمثل اعلى جدير بأن يحتذى وهو يذكر االن كيف كان يسأل امه حين كان يعيش في كنفها : اين خالي ؟ولماذا النراه ؟وكانت تحكي له اين راح ؟ ولماذا راح ؟ ثم تعلمه اول دروس تعلمها في الوطنية والحقد على السلطة الرجعية العميلة والحقد على االستعمار االنكليزي الذي كان جنوده يدنسون تراب الوطن حينذاك .وكثيرا ماكانت تمتد افاق هذه الدروس الى الماضي حيث تحكي له كيف كان اجداده القدامى يقاومون في تلك المناطق الفالحية سطوة االحتالل التركي وظلمه وضالمه العثماني .ان اسرته قد مت في صراعها ضد االتراك كوكبة من الشهداء كان منهم والد جده المه واثنان من اخوته معه كان احدهما في الرابعة عشر من عمره والثاني في السادسة عشر يوم اصطدم بهم االتراك وقتلوهم جميعا وقتلوا والد جده واخوة جده االثنان ولم تتوقف معاركهم ضد االتراك بل لقد اصبح للمعارك ضد االتراك بعد الحادثة المروعة معنى اخر مضافا هو االخذ بثأر العائلة والعشيرة وفي احدى المناسبات قتلوا ثلة من الضباط والجنود االتراك وكان في مقدمة من تصدى لالتراك في هذه المعركة جده المه طلفاح وهكذا هجمت عليهم جحافل االتراك وحرقت بيوتهم جميعا ففروا الى الجبال في شمال العراق وبعد فترة عادوا من جديد ليواصلوا نضالهم ومقاومتهم لقد كانت اقاصيص مهده وطفولته هي اقاصيص النضال والمقاومة وحكايات السجون والمعتقالت ولسوف تتبلور كل هذه االقاصيص والحكايات لتشكل في وعيه المبكر معاني اساسية متوجهه وتقوده على مدى حياته كلها : الحقد على االستعمار والحقد بنفس الدرجة على السلطة الرجعية الغاشمة والمقاومة من اجل تحرر الوطن .النضال من اجل تحرير المواطن من الفقر واالذالل وسق الكرامة. في تكريت تابع دراسته االبتدائية ولما انتقل خاله الى بغداد بقي وحده في تكريت في دار خاله لمدة سنتين لمتابعة الدراسة ثم انتقل بعد ذلك الى بغداد بعد ان اكمل السادس ابتدائي واالول المتوسط والتحق بمدرسة الكرخ الثانوية وكانت تلك المدرسة واحدة من القالع الوطنية في العراق كله .ولسوف تكون على الدوام مخزن الذخيره البشرية التي ستتفجر ضد االحتالل وضد عمالئه واذنابه وسيجد في اطارها الملتهب ذلك الشاب الصغير الذي تنتفض عروقه وطنية عارمة تدفعه الى االستعداد في كل لحظة للتضحية بحياته نفسها من اجل بالده .البيئة المؤاتية لتفت ح مشاعره وافكاره وتوجهاته السياسيه ونزعاته القيادية الكامنه ولقد كانت اللحظة التاريخية حبلى بكل امكانيات التغيير على صعيد الوطن الصغير والوطن الكبير وكان صدام حسين يومها في الصف الرابع الثانوي يتابع دراسته بتقدم ونجاح . غير ان بغداد حينذاك كانت تغلي فوق فوهة بركان واالقدار كانت تتجمع في االفق وتضمر له دورا آخر .


14 3 -14 تموز والرهان الخاسر لو ان انسانا داخله الشك في وحدة هذه االمة ووحدة مصيرها فأن عليه ان يستعيد صورة الوطن الكبير في الخمسينات حتى يوقن بان االساس االقوى بين جماهيرها والفكر االرسخ واالشمل بين طالئعها هو احساس الوحده وهو فكر الوحدة فعندما كان جمال عبد الناصر ينادي على العرب من قلب القاهرة ان هبوا لنحرر وطننا ونتوحد كان العرب جميعا يتحولون الى رجل واحد وصوت واحد وهدف واحد من العراق حتى الجزائر . وفي منتصف الخمسينات بعد بعد باندونج اشتد تصاعد حركة التحرر العربية واتسع لهيبها وكانت المعركة تقترب من لحظاتها الحاسمة في مصر .امريكا ترفض تسليح النظام الوطني في مصر بعد ان ثقلت وطأة حملته على حلف بغداد االستعماري وداالس يسحب عرض تمويل السد العالي والقاهرة تكشف عن خرقها الحتكار السالح بعقد صفقة التسلح الشهير الول مرة مع المعسكر االشتراكي وعبد الناصر يدشن نفسه بطال قوميا بوقوفه في عيد الثورة المصرية عام 1956 ليفاجئ عالم االستعمار القديم المتهاوي بل ويفاجئ العالم كله بأن مصر المناضلة قد استردت من هذه اللحظة قناة السويس وان العرب قد اقتحموا التاريخ المعاصر من اوسع ابوابه بقدرة وجدارة . وال احد يمكنه ان يتصور عمق عاطفة االنتصار التي هزت وجدان العرب جميعا في كل اقطارهم كما ان التاريخ قد سجل في يومياته وفي مذكراته قادة اوربا وامريكا ايامها كيف كان االرتباك الذي ساد صفوف الدولتين االستعماريتين القديمتين انجلترا وفرنسا شامال وشديدا لم تكن حملة السويس التي قادتها الدولتان االستعماريتان ومعهما ربيبة االستعمار وخادمته )) اسرائيل (( اال عمال احمق من قوى لفظها تطور التاريخ وقادها الى حتفها في السويس لتستخرج بنفسها شهادة وفاتها وربما كانت ردة الفعل العربية – وفي صفوف العالم الثالث الوليد انذاك – هي احدى ايجابياتها لو كان من الممكن ان تكون للحماقات االستعمارية احيانا بعض االيجابيات بالنسبة للشعوب لقد تحول المناخ العربي كله في تلك االيام المجيدة الى مناخ وطني وقومي حار وملتهب وبدا ان اكثر طموحات واهداف شعبنا العربي في كل مكان جديرة بأن تتحقق ويمكن ان تتحقق بعد ان صارت االمبراطوريات االستعمارية بحق –وبحكم قوانين التاريخ نفسها – نمورا من ورق . في ذلك المناخ الوطني والقومي الحار والملتهب ولد صدام حسين السياسي المناضل ايامها كان طالبا في ثانوية الكرخ في بغداد .واذا بانباء العدوان الثالثي على مصر تنقلها االذاعات والصحف فتتحول بغداد كلها الى شعلة من الحناجر الصارخة وااليادي المضمومة واالجساد المتراصة التي تواجه بعنف المثيل له جنود نظام نوري السعيد العميل والرجعي وتطالب باسقاط حلف بغداد واسقاط النظام الذي ينفذ مخططات االستعمار وتأييد ومساندة مصر المناضلة ان وعي المناضل الشاب كان قد بدأ يتبلور ومعالم طريقه اخذت تتحدد وشيئا فشيئا بخطى واثقة ويقينية راح يقترب من المسرح الذي ينتظره والذي سوف يلعب علية الدور التاريخي الذي هو دوره . لم يمض بعدها اكثر من اشهر قالئل حتى كان صدام حسين منخرطا في حزب البعث العربي االشتراكي .في تلك المرحلة كان العراق كله ينتظر في اية لحظة انفجار البركان الذي ما ينفك يطلق حممه وفي كواليس االحزاب السياسية كانت معالم جبهة االتحاد الوطني قد بدأت


15 في التشكيل منذ فبراير – شباط عام 1957 وأيامها كان العراق يضم خمسة احزاب سياسية هي : حزب البعث العربي االشتراكي الحزب الشيوعي العراقي حزب االستقالل الحزب الوطني الديمقراطي الحزب الديمقراطي الكردستاني ومن تلك االحزاب الخمسة تشكلت الجبهة..ما الذي كانت تسعى اليه تلك الجبهة من اهداف ؟ كانت تلك االهداف )) هي التي اجمعت كل القوى الوطنية وجماهير الشعب على حدها االدنى والتي يمكن تلخيصها بالتحرر الكامل من النفوذ االستعماري وبناء اقتصاد وطني مستقل ومزدهر وتقدمي وبتصفية االقطاع تصفية كاملة وبابعاد الراسمالية االحتكارية المرتبطة باالستعمار عن الحكم ومنعها من اضطهاد الطبقة العامله واخضاعها للتخطيط الوطني التقدمي ويتحقيق صيغة ديمقراطية مالئمة للظروف الوطنية وبارساء الوحدة الوطنية بين العرب واالكراد على اسس ديمقراطية راسخة وببناء جيش قوي مقاتل واعداده لمعركة فلسطين واالجزاء السلبية االخرى من الوطن العربي وباالسهام الفعال في النضال العربي ضد االستعمار والصهيونية والرجعية وبتحقيق صيغة وحدوية عملية وفعالة مع االقطار العربية المتحررة. في يوليو –تموز عام 1958 انفجر البركان وسمع دويه في اربعة اركان االرض ان انتصارا تاريخيا عربيا قد تحقق من خالل الوحدة النضالية بين الشعب العراقي عبر احزابه السياسية وجيشه الوطني وسقط النظام الرجعي العميل وعلق الشعب رؤوسه على اعواد المشانق واندك صرح اخر من صروح االستعمار في المنطقة العربية وبدا ان المشرق العربي يوشك ان يصير في مراكزه االساسية ارضا محررة يومها قرر جمال عبد الناصر وكان في زيارة ليوغسالفيا ان يعود فورا الى القاهرة كان الحدث التاريخي الضخم قد هزه هزا عميقا فها هو النظام الذي عاداه وجعل من ارضه قاعدة للهجوم على مصر .يسقط تحت اقدام الجماهير العربية ولكن الرئيس تيتو نصحه باال يتوجه مباشرة من يوغسالفيا الى مصر عن طريق البحر كما جاء .فاالساطيل االستعمارية تتحرك بعنف – وقد استفزتها االحداث – في مياه البحر االبيض من )) بريوني (( اتجه عبد الناصر الى موسكو ومن موسكو الى القاهرة .وفي عاصمة الجمهورية العربية المتحدة اعلن قائدها بقوة وحزم وبنشوة تاريخية عارمة )) ان اي اعتداء على الجمهورية العراقية هو اعتداء على الجمهورية العربية المتحدة((. كان العرب ايامها يعيشون امجد اللحظات في تاريخهم المعاصر فبعد ان تحقق بزخم جماهيري هائل حلم الوحدة بين مصر وسوريا في فبراير – شباط 1958 ها هي نجمة ساطعة جديدة توشك ان تنضاف الى علم الدولة الوحدوية الجديدة ولم تكن الوحدة في مفهومها الطبيعي والمنطقي تبدو عصية على التحقق بالنسبة الي قطر قررت قواه الحية المناضلة ان تحارب االستعمار حتى النهاية كانت الوحدة وجها اخر من وجوه التحرر وكان النضال التحرري ينطوي في جوهره على نضال وحدوي . وحين تفجرت ثورة تموز- يوليو 1958 كانت قيادتها تعكس الى حد كبير صورة الوضع الذي كانت عليه الحركة القومية العربية من ناحية وشكل الواقع الخاص للحركة السياسية الوطنية داخل العراق من ناحية اخرى فالطابع القومي الذي وسم الثورة في بداياتها لم يكن


16 مصدره ثقل االتجاه القومي في حركة النضال السياسي داخل العراق فحسب وانما كان يستمد روحه ومنطقه واندفاعه من المد القومي على صعيد الساحة العربية باجمعها والذي جعل من نضال كل قطر على حدة حلقة في النضال الكلي للوطن العربي بأسره . ولقد كان من ابرز سمات ذلك الطابع القومي للثورة في بداياتها االولى هو اعالنها عن التزامها باالرتباط القومي المصيري مع االمة العربية والتزامها ايضا باالهداف القومية العربية للشعب في القطر العراقي وانعكس ذلك في التمثيل المتميز لالتجاه القومي في اول حكومة تشكلت بعد قيام الثورة بينما كان تمثيل الحزب الشيوعي بشكل خاص يعتمد على بعض العناصر )) الديمقراطية(( المحسوبة عليه . ويجدر بنا هنا ان نتساءل : ماهي تقويمات االحزاب السياسية المختلفة للثورة فيما انعكس على مواقفها وسلوكها النضالي ؟ ان خمسة مواقف عكست بعد الثورة خمسة تقويمات مختلفة كان اختالفها الى حد التعارض ثم التناقض ثم التناحر يزداد يوما بعد يوم . * ان القيادة القطرية لحزب البعث العربي االشتراكي اعتبرت الثورة تحقيقا للطموح القومي العربي للقطر العراقي وفي مقدمته حينذاك تكثيف العالقة مع الجمهورية العربية المتحدة الفتية والوصول بها الى درجة الوحدة وانطلق الحزب في هذا التقويم من مفهومه االيديولوجي المحو ري وهو ان نمو حركة الثورة العربية في اي قطر ال يتحقق بمستوى الطموح اال من خالل حركة الثورة العربية ولقد كانت دولة الوحدة تمثل في تلك الفترة احدى صيغها التاريخية ذلك ان االنكفاء القطري للثورة يعني ضمورها وذبولها وفي النهاية موتها النها ستكون في تلك اللحظة فريسة سهلة لقوى الرجعية المحلية – وفي مقدمتها القوى البرجوازية التي تجد في الوحدة خطرا يهدد مصالحها – بنفس القدر الذي تكون به عرضة للمحاصرة واالحتواء والخنق من جانب االمبريالية وعمالئها . ولقد اعتبرت نشرة سرية داخلية اصدرتها انذاك االمانة العامة للقيادة القومية لحزب البعث العربي االشتراكي في مارس- اذار عام 1959 (( ان التحرر من االستعمار والرجعية يرشح القطر العراقي لالنظمام الى دولة الوحدة(( وذكرت )) ان الفروق التي خلقها وضع التجزئة ليست هي التي تحول دون ذلك فحسب بل ان المصالح االقتصادية والسياسية للرجعية الداخلية واالستعمار هي التي تعارضها وتحاربها بتصميم ووعي (( واكدت )) ان الوحدة عملية ثورية يتطلب تحقيقها تخطي كل االعتبارات المحلية والمصالح المرتبطة بالتجزئة(( . غير ان هذا المنطلق االيديولوجي القومي لم يحجب عن الحزب رؤيته الوطنية للمشكالت الداخلية التي تعانيها جماهير الشعب داخل القطر العراقي والتي تمثلت في الحاحه على االصالح الزراعي الجذري الذي كان هدفا اساسيا من اهداف القوى الوطنية قبل الثورة وفي تركيزه على المطالبة بالديمقراطية في العمل السياسي فضال بطبيعة الحال عن بقية االهداف التي اجمعت عليها القوى الوطنية في مجموعها . *اما الحزب الشيوعي العراقي الذي يصدر تقويمه للوضع داخل القطر من منطلق ايديولوجي مغاير فلقد كانت له مواقفه الفكرية والعلمية المتعارضة مع حزب البعث العربي االشتراكي سواء على الصعيد القومي العام او على الصعيدالقطري المحلي . من البداية رفض الحزب الشيوعي العراقي شعار الوحدة مع الجمهورية العربية المتحدة الذي كان طاغيا ومهيمنا على المسرح السياسي داخل العراق كله ورفع بدال منه شعارا ضامرا هو )) االتحاد الفدرالي (( ولم ينس – على طريقته – ان يضيف اليه )) والصداقة السوفيتية ((


17 ثم عاد مرة اخرى وخفض االتحاد الفدرالي الى شعار اخر اكثر ضمورا – قد الترفضه حتى الدول العربية الرجعية – وهو شعار )) التضامن العربي ((. وبالمقابل رفع شعارا داخليا براقا في ظاهره هو )) واجبنا صيانة الجمهورية واالستقالل الوطني (( وكأن الوحدة العربية تمثل تهديدا للجمهورية او تبديدا لالستقالل الوطني واعتبر الحزب الشيوعي هذا الشعار بمثابة المبدأ االعلى الذي ينبغي ان تشتق منه سائر المبادئ االخرى وتصدر عنه كافة الخطوات التنفيذية حتى على صعيد البنية االجتماعية الداخلية نفسها . لقد كتب عامر عبد هللا عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي العراقي في 16 فبراير – شباط 1959 يقول : ) ليس من المجدي في ايامنا هذه االفراط في الحديث عن دولة عربية واحدة مثلما هو مجد الحديث عن امة متحررة تيتطيع ان تصون استقاللها ان تحقيق حلم العرب في توحيد امنهم ليس امرا يسيرا او قريب المنال ان البلدان العربية التسير على وتيرة واحدة ال في حركة تطورها العام وال في مسيرتها نحو الوحدة وواقع الحياة يدل على ان البلدان العربية ستستمر في مسالك متعددة متباينة (( ثم ينتهي الى استخالص موقفه النظري الذي انبنت عليه كل المواقف العملية الصادرة عن الحزب الشيوعي بعد ذلك )) ان التجزئة اصبحت واقعا وان الظروف الخاصة ال يمكن تجاهلها لقد اعطت تجربة الوحدة السورية – المصرية مردودا سلبيا في وقف سوريا عن سيرها الحثيث في طريق التطور العام وردها خطوات عديدة الى الوراء (( . بل ان بيانا صدر عن المكتب السياسي للحزب الشيوعي العراقي نفسه بتاريخ 3 سبتمبر - ايلول 1958 يقول )) ان التفكير في االنظمام للجمهورية العربية المتحدة يقلق جماهير الشعب ألن االنضمام لن يوفر لالقتصاد والراسمال الوطني العراقي فرصا كافية لالزدهار والتطور ولن يوفر شروطا عادلة للتعاون االقتصادي بين العراق والجمهورية العربية المتحدة نظرا الختالف درجة تطور كل منهما ((. ويبدو واضحا من النصين السابقين ان الشيوعيين العراقيين – في حزبهم الرسمي – كانوا يعتبرون التجزئة االقليمية امرا نهائيا اليمكن تخطيه او تجاوزه وان التفكير – مجرد التفكير – في االنضمام للوحدة العربية التي كانت قائمة بالفعل في ذلك الوقت بين قطرين ليسا متساويين في درجة تطورهما يقلق جماهير الشعب ولكن اية جماهير تلك ؟ الجماهير التي تخشى ان تهدد الوحدة طموحاتها االقتصادية ؟ جماهير الراسمال الوطني العراقي ومن الطريف ان يدافع حزب شيوعي عن طموحات الراسمالية.واطرف منه انتظار ان تحقق )) البرجوازيات العربية (( تطورها وازدهارها حتى يمكن التفكير في الوحدة العربية بحسب المغزى الذي ينطوي عليه المفهوم السابق وال احد يمكن ان يصدق ان جماهير الشعب هي جماهير الراسمالية او البرجوازية حتى لو اضيفت لها صفة الوطنية فجماهير الشعب الحقيقية – الجماهير الكادحة – لم يكن لديها ماتخسره او يمكن ان تخسره في المستقبل حتى تخشى من الوحدة ومن العبث ان نتصور قيام وحدة شعبية عربية على اساس وحدة البرجوازيات العربية المتكافئة في درجة التطور .اقل مايمكن ان يقال انها ستكون وحدة المستغلين ) بكسر الغين ( لفرض مزيد من االستغالل على )) جماهير الشعب (( . وعلى الرغم من ان هذا المفهوم للوحدة الذي كان يتبناه الحزب الشيوعي العراقي يصدر في جوهره عن المفهوم الستاليني للقومية والوحدة والذي يعتبر القومية ظاهرة راسمالية والوحدة انجازا للبرجوازية على طريقة اوربا في القرن التاسع عشر فالواقع ان الحزب الشيوعي


18 العراقي كان يتصور – برفضه للوحدة وتاييده ودعمه للنزاعات الفردية المطلقة لدى عبد الكريم قاسم – انه يمكن ان يقترب من السلطة ويصبح شريكا فعليا فيها ثم يغدو بعد ذلك منفردا بها لقد كان رفض شعار الوحدة يجد نفس )) الزعيم االوحد (( كما كانوا يدعمونه حينذاك صدى مريحا طيبا واهم من ذلك تشجيعا وتحبيذا واحتضانا للقائلين به .ولقد تصورت قيادة الحزب الشيوعي انذاك انها يمكنها تحقيق هدفها عن طريق التحالف المصيري مع عبد الكريم قاسم واالنتقال الى االشتراكية دون المرور بالمرحلة البرجوازية – وهو امرا واضح التناقض مع اساس مفهومها الظاهري لرفض الوحدة انطالقا من التطور الالمتكافئ للبرجوازية العراقية مع البرجوازيات العربية االخرى – مستلهمة في ذلك احدى مقوالت المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفيتي عام 1956 التي لم تكن قد وجدت فرصتها المتحان مصداقيتها في التطبيق التاريخي بعد وهي : )) عدم حتمية المرور بالمرحلة الراسمالية من التطور بالنسبة للبلدان المتخلفة وتحقيق ذلك بقيادة الطبقة العاملة وحزبها الشيوعي ((. ولذلك لم يهتم الشيوعيون بتدعيم تحالفاتهم باالحزاب الوطنية االخرى داخل العراق ولم يشغلوا انفسهم بتاكيد جبهة االتحاد الوطني بعد قيام الثورة كان الهم االساس هو ما اسموه صيانة الجمهورية واالستقالل الوطني حتى انهم في ردهم على مطالبة القوى الوطنية باالصالح الزراعي الجذري قالوا : انما يخضع هذا المطلب الجوهري لمهمة اعظم واهم وهي مهمة صيانة الجمهورية واستقاللها وكل خطوة في ميدان االصالح الزراعي سوف تخضع لهذه المهمة االساسية وفي ردهم على مطالبة القوى الوطنية بالديمقراطية في العمل السياسي لتحقيق اهداف الشعب االجتماعية التي قامت من اجلها الثورة كتبوا يقولون )) ان هذه الخالفات والتناقضات سواء في المصالح او االفكار هي بالتاكيد في المرتبة الثانية من خطورتها الموضوعية على مسيرة الثورة وتقدم البالد وارتقرارها فمهما بلغت الخالفات في الريف بين الفالحين والمالكين وفي المدينة بي ن العمال وارباب العمل فانها تبقي خالفات ثانوية وممكنة الحل في اطار المصلحة المشتركة ولمصلحة صيانة الجمهورية وامنها واستقرارها ((. ولسوف يعود الحزب الشيوعي بعد ذلك الى االعتراف بانه )) اتخذ مواقف يسارية منعزلة في معالجة الوضع الديمقراطي في البالد ووقع في خطأ المبالغة في قوته الذاتية والتقليل من دور السلطة والقوى الوطنية في صيانة الجمهورية اذ اعتبر نفسه وعبد الكريم قاسم وحدهما القادرين على صيانة الجمهورية.وبذلك استبعد القوى الوطنية ذات الدور الفعال والمؤثر في مجرى االحداث ((.غير ان هذا النقد الذاتي – الذي لم تسلك قيادة الحزب السيوعي حتى بعد صدوره حسب مقتضياته – كان قد فات اوانه فالصدوع كانت قد بدأت تظهر بقوة والجسور كانت قد اخذت تتهاوى والمأساة التاريخية كانت قد راحت فصولها تتكامل ولسوء الحظ لم تدرك قيادة الحزب الشيوعي العراقي في ذلك الوقت وسط اوهام االقتراب من السلطة ونشوة الهيمنة المؤقتة الخادعة على المؤسسات السياسية الجماهيرية ان الثمن سيكون فادحا وانه ليس العراق وحده هو الذي سوف يدفعه بل ستدفعه ايضا كل القوى القومية والتقدمية في المشرق العربي ياسره. بالنسبة لحزب االستقالل فأن العقم الفكري والفراغ االيديولوجي الذي كان يعانيه جعله يفقد توازنه ويسقط في الشلل واالرتباك امام اندفاع االحداث االمر الذي بدأ معه وكان


19 مهمة هذا الحزب قد انتهت تاريخيا بقيام الثورة بينما اندفع ماتبقى من قواعده نحو االنخراط في حزب البعث افواجا . * اما الحزب الوطني الديقراطي فانه الفرصة مواتية له للنمو المؤقت واالنتشار النسبي بوصفه ممثال للطبقة الراسمالية المتوسطة وعلى الرغم من انه كان يرى في نمو الحزب الشيوعي خطرا يهدد على المدى االستتراتيجي ويحدد من طموخاته الطبقية كما كان يتصورها فانه كان يرى في شعارات الوحدة العربية الخطر االكثر الحاحا ومباشرة مما دفع بتناقضه مع البعث الى االمام وبتاجيل تناقضه مع الشيوعيين غير انه كان يفتقر الى التماسك االيديولوجي الواضح وال يتمتع بوحدة الموقف السياسي دائما حتى على صعيد قيادته العليا . واذا كانت تلك هي السمات العامة التي ميزت مواقف االحزاب الخمسة التي كانت تمارس نشاطها في الساحة السياسية العراقية بعد ثورة تموز – يوليو 1958 فان المحصلة المباشرة لمجمل هذه المواقف هو تصدع الجبهة ثم انفراطها عمليا . ان محاولة قد جرت في شهر نوفمبر – تشرين الثاني 1958 من جانب القوى الوطنية لوضع ميثاق عمل مشترك يحفظ استمرارية العمل الجبهوي انطوى على المبادئ االساسية التالية: 1 -ان العراق جزء من االمة العربية وانه سيسعى الى بلوغ افضل الروابط مع الجمهورية العربية المتحدة في المستقبل وذلك لتحقيق الوحدة العربية الشاملة. 2-ان الجبهة ستسعى لتطبيق ماجاء في الدستور المؤقت الصادر في 27 تموز – يوليو –عام 1958 الخاص بالحقوق القومية للشعب الكردي . 3 -ضرورة اتباع سياسة وطنية من قبل الحكومة وتحقيق مطالب الشعب بالتحرر السياسي واالقتصادي من االستعمار . 4 -التاكيد على دعم الثورة والجمهورية وعلى ضرورة قيام حياة ديمقراطية سليمة تعطي لالحزاب السياسية حق العمل السياسي بصورة علنية . ومع ذلك فماذا كانت النتيجة العملية او التجسيد الواقعي لهذا الميثاق ؟لقد دعا حزب البعث العربي االشتراكي الى دعم النضال المشترك ووحدة الصف بين جميع االحزاب والهيئات والقوميات والمذاهب على اساس مبادئ الثورة واهدافها .غير ان الحزب الشيوعي وقف من هذه الدعوة موقفا سلبيا واسقبل الميثاق الجديد بفتور مشدودا الى اوهامه التي زينت له امكانية احتواء عبد الكريم قاسم واالنفراد بالسلطة من خالل دكتاتوريته الفردية المطلقة في الوقت الذي لم تكن االحزاب االخرى تشكل – ربما باستثناء الحزب الديمقراطي الكردستاني )) البارتي (( ثقال اساسيا يرجح كفة الميزان . كان الرهان الخاسر قد بدأ وانطلقت )) الحبال (( المجنونة في الشوارع مل افاع مسعورة تزحف في غابة ال تطأها قدم انسان . ان شمس الثورة تسقط في االفول لقد حانت ساعة الصلب والعراق سوف ينزف دمه .


20 4 -شراع الثورة الغارق كثيرا هي الثورات التي وقعت في مراحل التاريخ المختلفة وسلكت طريق العنف وتذوقت طعم الدم بيد ان العنف كان موجها ضد اعدائها والدماء التي سالت كانت بمعنى ما من المعاني ضرورة لشجرة الثورة حتى تمد جذورها وتعلى غصونها وتؤتي ثمارها . غير ان ماحدث في العراق خالل تلك المرحلة الماساوية الحزينه من تاريخه كان اسبه بكابوس مرعب في ليلة مظلمة ان احدا اليمكنه ان يتصور كيف يمكن النحرافات الفكر وجمةده وانغالقه على مقوالته الجاهزه ان تدفع باالف البشر الى اشكال جديدة همجية من المذابح الجماعية والغر يب في االمر ان ذلك جرى في ظل الشعارات التي تكثف اجمل وانبل ماتحاول ان تصل اليه البشرية : االشتراكية ان االنسانية جمعاء وفي مقدمتها االنسانية التقدمية لم تغفر لستالين – رغم كل انجازاته الداخلية وفي الحرب العالمية الثانية – ما ارتكبه من جرائم في حق الديمقراط ية والحرية وضد من وصفهم بانهم اعداء التطور االشتراكي بين جماهير شعبه وكان للتقرير الذي ادلى به خروشوف في جلسة مغلقة من جلسات المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفيتي وكشف فيه الول مرة حجم تلك الجرائم وابعادها وقع الصاعقة على كل من كانت عقولهم وقلوبهم مشدودة الى الفردوس االشتراكي الذي كان يحرسه جوزيف ستالين نيابة عن )) االممية (( واالنهيارات واالنقسامات التي حدثت على اثره في كثير من االحزاب الشيوعية في اربعة اطراف العالم كانت تعبيرا تراجيديا حادا على المستوى الجماعي والمستوى الفردي عن يقظة الوعي بين احباب االشتراكية في كل مكان واكتشافهم فجأة انهم انما كانوا يتعبدون لجسد بغير روح وانه ليس بالخبز وحده يحيا االنسان وانما بالحرية والديمقراطية ايضا. ومع ذلك فان ذلك كله جرى في اطارتجربة تاريخية كانت تقتحم عبودية االنسان الول مرة وعلى الرغم من ان هذا اليبرر ماانطوت عليه من نقيض لما يفترض انه جوهرها فانه على االقل يمكن ان يقدم كتفسير – وما اكثر ماقدم كتفسير – لما اصاب التجلربة التاريخية من مطاعن في صميمها ولكن ماالذي دفع بالثورة العراقية التحررية بعد شهور قليلة من قيامها بنجاح وبالتضامن مع كل السواعد الوطنية وتالحم كل االكتاف الحزبية الى تلك الحماة ؟لماذا اندفعت او دفع بها بهذه السرعة الى مشارف مستنقعات الدم التي اوغلت فيها ؟وكيف تحولت كل اهدافها ومثلها النبيلة في الحرية والوحدة واالشتراكية – وكلها وجوه لمنظور واحد – الى تلك الصراعات الدامية التي تقطر حقد ومرارة بين جنود الخندق الواحد وابناء الحلم الواحد ؟ ان ماحدث في مدينة )) الموصل (( في مارس - اذار عام 1959 ثم ماحدث بعد ذلك في مدينة كركوك في يوليو – تموز 1959 اليستطيع ان يصفه اال الراسخون من مؤلفي روايات الرعب او كبار كتاب المآسي التاريخية في التاريخ البشري ولم يكن )) االقطاع (( او)) الرجعية (( او )) الراسمالية االحتكارية (( بل وال حتى شركات النفط )) االستعمارية (( هم ) ضحايا ( او شهداءحمامات الدم الوطنية على العكس كانت القوى الوطنية والقومية هي التي تسقط بين عقد الحبال المجنونة وترصف الطرقات والشوارع باجسادها المنهكة بينما كان االقطاع يشد على يدي الرجعية و الراسمالية االحتكارية تشرب انخاب الدم مع الشركات االستعمارية .


21 لقد حاول الحزب الشيوعي ان يقيم في الموصل استعراضا كبيرا لقوته تحت عنوان ) مهرجان السلم الكبير ( في اليوم السادس من مارس – اذار 1959 وحشد له االفا من المواطنين في قطار مجاني يغادر العاصمة حامال الفتة كتب عليها ) قطار السالم الى الموصل ( وظل ينشر على صفحات ج ريدته شعارات تحريضية من قبيل ) هلموا الى الموصل لالشتراك في مهرجان السلم الكبير ( ) الى المدينة الباسلة مدينة االمجاد الثورية ( ) قطار السالم يغادر بغداد مساءا اليوم ( ...وبالطبع لم يكن السالم العالمي في خطر وال الحرب العالمية على االبواب . كان المهرجان مظهرا من مظاهر الصراع العنيف والالمبرر ضد القوى الوطنية والقومية االخرى وكان من الطبيعي – وذلك كان هدفه – ان تحدث صدامات بين الشيوعيين والقوى القومية ذات الثقل في المدينة واجتمع ضباط الجيش بعدها وقرروا تكليف امر اللواء الخامس العقيد الركن عبد الوهاب الشواف بالسفر الى بغداد ومقابلة عبد الكريم قاسم العطاءه صورة عن الوضع في المدينة حتى يسارع الى اخماد الفتنة قبل ان تستيقظ غير ان قاسم كان في واد اخر وكان يسعده ان تستفيد القوى الوطنية نفسها في الصراع ضد بعضها البعض حتى يزداد استقراره – كما يتوهم – في حكمه فلم يفعل شيئا ولم يقدم حال للموقف المتوتر سوى بضع كلمات التطيب الجراح والموقف يزداد توترا . ومرة اخرى يذهب الشواف الى بغداد ليلتقي بقاسم ولكنه يعود كما عاد في المرة االولى صفر اليدين من اي قرار يعيد الوضع الى نصابه وان كانت حقيبته قد احتوت صورة ) الزعيم االوحد ( كتب عليها ) الى اخي النبيل عبد الوهاب الشواف ( ...بينما الموصل تغلي وبغداد نفسها تزلز ل فيها االرض زلزالها .وزراء يستقيلون ضباط كبار يحالون على التقاعد ) المقاومة الشعبية( تسلط سيوفها على رقاب الناس .العقيد فاضل عباس المهداوي رئيس قضاة محكمة الشعب يحول القاعة الى صالة مسرحية تؤدي فيها كل ليلة مسرحية الصراع ضد القوميين في العراق وضد دولة الو حدة في الجمهورية العربية المتحدة . ويذهب الشواف مرة ثالثة الى بغداد ويلتقي بقاسم ايضا فاذا بقاسم يتجاهل كل دواعي الموقف المتوتر الذي جاء اليه من اجله ويقول له هامسا انه سيفسي اليه بسر لم يقله الحد من قبله ويدس في جيب الشواف ) مدالية ( كتب عليها ) عائدون ( الى اين ؟ الى فلسطين بالطبع ولكن متى ياسيادة الزعيم ؟متى ستكون العودة الى فلسطين ؟ قال قاسم سأعلن ذلك في الوقت المناسب . كان هذا المشهد العبثي دليال في حد ذاته على ان سفينة اليالد صارت هي نفسها بدون ربان وان العراق يندفع – او تدفعه قوى خفية – نحو المجهول .وفي شوارع الموصل وطرقاتها كانت قوى الوطن مقسومة على نفسها وقسم منها تزين له قرباه من قلب الزعيم – او من خبث الزعيم – انه قادر على ان يسحق االخرين وان ) يسحل ( بالحبال التي تتلوى في الهواء كل من يقف في طريقه . ماجرى بعد ذلك هو النتائج الطبيعية لمقدمات الماساة ..عقد المهرجان الكبير في هذا المناخ العصيب المتوتر بعد ان ارسل مكتب الزعيم االوحد برقية الى الشواف تطلب منه بقاء القطعات العسكرية في ثكناتها يومي 5و 6 بمناسبة انعقاد المهرجان وفي اليوم السابع ايضا ارسلت برقي ة اخرى تطلب من امر المنطقة العسكرية استمرار بقاء القطعات العسكرية داخل ثكناتها


22 وبعدما تم المهرجان وانفض حاولت القوى القومية ان تقوم بالمقابل بالتعبير عن وجودها الحقيقي في المدينة واعترض الشيوعيون وطالبوا بنزول القوات العسكرية – التي كانت لديها اوامر بالبقاء في ثكناتها حتى يغقدوا مهرجانهم – كي تفض التجمع القومي ولكن التظاهره القومية سارت في المدينة وازدادت اتساعا وذا بطلقات الرصاص تنهمر عليها ونيران الحرائق تتصاعد من المكتبات والمحالت والمقاهي المملوكة لعناصر تنتسب الى الحركة القومية ومظاهرة مقابلة يقودها الشيوعيون تحاول ان تحاصر المظاهرة االولى وعند منطقة في المدينة تسمى ) باب البيض ( وهي منطقة يهيمن عليها القوميون بشكل كامل – بدات المظاهرة الشيوعية تفقد اعصابها فاخذ افرادها يهاجمون البيوت ويخرجون ساكنيها منها ويلقون بهم الى الطرقات المجنونة حيث العنف وحده هو السيد المطاع . لم يكن ثمة مفر من ان تبدأ قوات الجيش القيام بواجبها نزلت الى الشوارع واعلنت منع التجول في المدينة بعد ان صارت نهبا لحرائق الدم والنار. في بالد بال رأس يديرها قرر الضباط الذين اجتمعوا بالشواف على اثر منع التجول ان يقوموا بانتفاضة مسلحة وان يكونوا الراس الذي يستطيع ان يمسك بدفة البالد وفي مارس – اذار اعلن الشواف على راس فرقته المسلحة بيان انتتفاضته االول ...واالخير . لم يكن لهذه الحركة تخطيط دقيق ولم يكن لها تنظيمها الذي يساندها في المواقع العسكرية االخرى وشاء حظها العاثر اال يكون ظرفها مواتيا فأرسل قاسم طائراته لقمع الحركة في مهدها وجرح الشواف من جراء القصف الجوي وحاول ان يذهب الى المستشفى بنفسه ليداوي جراحه وفي الطري ق اطلقت عليه رصاصه وعلقت جثته وسط العراء كشاهد حزين على قمة الماساة التي بلغها الصراع الدامي بين الشيوعيين والقوميين. وبعد ان ضربت حركة الشواف في راسها كان ذلك ايذانا بفتح ابواب السعير على مصراعيها انطلق جنون العنف كعمالق اعمى يضرب في كل اتجاه وصارت شوارع المدينة غابة من الحبال التي تسحل االجساد البريئة حتى تفارقها الحياة وتحطمت ابواب وتهدمت بيوت واختنق شيوخ ونساء واطفال وصلبت االجساد على اعمدة الكهرباء ومن بينها اجساد العذارى عاريات بينما شوارع بغداد تتدفق عليها مظاهرات غريبة لم يكفها ماجرى في الموصل فاذا بها تهتف اعدم ..اعدم ..وصحيفة )) اتحاد الشعب (( لسان حال الحزب الشيوعي العراقي تصدر في صفحتها االولى تقول : ) بعد ان شهدت الموصل امس سحل جثة عبد الوهاب الشواف جاء يوم الثالثاء ليال دور االخرين فبدأت الجماهير الغاضبة منذ المساء بسحل جثثهم في الشوارع ليكونوا عبرة ..( وبعده بقليل نداء من المنظمات النقابية التابعة للحزب الشيوعي يقول ) سنقلب العراق جحيما ان كل مدينة وكل قرية و كل شبر من ارض العراق ستلقن كل من يقدم على التجاوز على جمهوريتنا درسا ابلغ من درس الموصل ...( ثم بعد ذلك بيومين وفي مجال تقويم التجربة ) الثورية( التي خاضها الشيوعيون في الموصل كتبت جريدة اتحاد الشعب تحيي ) المناضل البرزاني (الزعيم االقطاعي الكردي قائلة ) كان وجود المناضل البرزاني في كردستان اثناء حدوث تمرد العصاة الخونة زمرة الشواف ذا اثر كبير في زيادة اندفاع االكراد للمساهمة في قمع العصيان وقتل مؤامرة الشواف في مهدها ( وبعد مهرجان القتل والسحل في الشوارع والطرقات بدأ مهرجان اخر في ) محكمة المهداوي ( والمأسي من فرط مأساويتها تتحول احيانا الى مهازل مضحكة فلم يحدث قط في اية محكمة في العالم حتى في محاكم مجرمي الحرب العالمية الثانية في نورمبرج ان وقفت الجماهير في قاعة المحكمة لتقول بصراخ عصبي مجنون وهي تلوح في الهواء بحبال في ايديها )) اعدم


23 ...اعدم ..(بينما كان فريق من الضباط القوميين – الذين مهما كان خالفهم مع الحكم القائم فهم وطنيون من قمة راسهم حتى اخمس اقدامهم _ يقفون في قفص االتهام وينتظرون ان يفرغ رئيس المحكمة من سبابه للقومية والوحدة العربية والجمهورية المتحدة وجمال عبد الناصر حتى يتلو عليهم وسط التكبير والتهليل الحكم باالعدام . وفي ساحة ) ام الطبول ( العاصمة بغداد انتصبت المشانق لتقطف رؤوس رجال من المع واشرف من حملوا السالح في الجيش العراقي دفاعل عن شرف الوطن وكرامة المواطن . ماحدث في البصرة بعد ذلك حدث نظيره بصورة اعنف واكثر شراسة في كركوك وكالهما مأساة اخرى تنسج على منوال مأساة الموصل حتى ان عبد الكريم قاسم نفسه في لقائه مع وفد المنظمات المهنية والنقابية التابعة للحزب الشيوعي قال العضاءه مستفزا )) ساوزع عليكم االن بعض الصور لتروا الفوضى التي وقعت تجاه اخواننا المواطنين التركمان انظروا هل يبيح احد منكم لنفسه ان يقوم مقام السلطة ويعتدي على ابناء الشعب ويجرهم من بيوتهم وينكل فيهم هذا التنكيل الوحشي الفظيع ؟ ةان الذين يدعون بالحرية والذين يدعون بالديمقراطية اليعتدون اعتداء وحشيا ان حوادث كركوك لطخة سوداء في تاريخنا هل فعل مثل ذلك هوالكو ؟اهذه مدينة القرن العشرين ...(( ومع ذلك كانت جريدة اتحاد الشعب تكتب قائلة )) جاء الحزم في كركوك مثاال اخر رائعا على االسلوب الوحيد المجدي في سحق اعداء الجمهورية (( وفي مكان اخر تقول )) ان قوى الجمهورية اليقظة اظهرت قدرتها الجبارة فأنزلت ضربتها القوية الحازمة في كركوك بنفس الطريقة المحنكة عند سحقها مؤامرة الشواف ((. والبد ام كارل ماركس الذي كان يقول ) ان االنسان هو اثمن راسمال ( قد تململ في قبره في تلك الساعات الحزينة التي ارتكبت فيها كل هذه الخطايا باسمه والشك انه اعاد ترديد قوله الشهير الذي كان يتبرأ به من الذين يعلقون على مشجبه جرائمهم )) لو كانت هذه هي الماركسية فكل ما اعرفه انني لست ماركسيا ((. 5 -شرخ في جدار االرهاب من هو الرابح ..من الذي كسب في سباق الدم ؟ لقد اريد للقوميين ان يكونوا الذبيحة التي تقدم لعبد الكريم قاسم على مذبح دكتاتوريته الفردية حتى يصبح الشيوعيون وحدهم سدنة المعبد وكهانه ولكن )) الزعيم االوحد (( الذي كان يجيد في تلك المرحلة لعبة ) فرق تسد ( لم يفته ان الشيوعيين يتصورون ان بوسعهم ان يجعلوا منه لعبتهم مثلما يتصور هو ان بوسعه ان يجعل منهم لعبته واذا كان قد ساندهم في ضرب البعثيين واالجتهاد في تصفيتهم فانه سيسارع اليقافهم عند حد اليتخطونه حتى يظل محتفظا بميزان القوى المتوازنة بين يديه ولم يستطع الشيوعيون رغم كل ما بذلوه ان يصلوا الى المشاركة الرسمية في السلطة بل ان الساتحة السياسية بدت خالية تماما اال منهم بعد ان اعلن الحزب الوطني الديمقراطي تجميد نشاطه احتجاجا على ممارساتهم الخاطئه ورغم ذلبك كان هذا الفراغ في غير صالحهم النه يضع على عاتقهم وحدهم كل انهيارات الوضع السياسي واالقتصادي في البالد . تلك كانت لحظة من لحظات الجزر السياسي بالنسبة للقوى القومية ولم تعد لحظة مد بالمعنى االيجابي بالنسبة لهم كان الطاووس المختال يمشي وحيدا مترنحا من فرط خيالئه على قمة


24 السلطة بينما جماهير الشعب ماتزال تعاني على كل المستويات االمها الدائمة التي تزيدها الفوضى الضاربة اطنابها في افاق البالد حدة وتفاقما . في تلك المرحلة قتل قتل شخص يدعى )) سعدون الناصري (( حيث يلتقي وهو العضو الحديث في حزب البعث العربي االشتراكي بموجات متالحقة من رفاقه كانت اللحظة شديدة السواد حتى ان السجن قد اصبح هو المكان الوحيد االمن بالنسبة للمناضلين من وغبة القتل العشوائي او السحل المج اني في الشوارع والطرقات من يتصور ؟ من يتصور ان السجناء يتوسطون لدى شرطة السجن حتى تدخل معهم وراء القضبان مناضلين من رفاقهم يقضون سحابة يومهم امنين ثم ينسحبون عائدين تحت جنح الظالم الى بيوتهم ةحتى تطلع الشمس فيفزعون الى وراء القضبان من جديد ؟ وذات صباح جاء من يخبره بان قضيته قد سحبت من محكمة العرف العسكري االول الى محكمة الثورة اي محكمة المهداوي فأيقن انهم يريدون اعدامه مع المتهمين معه من اقاربه ورفاقه . وكان رد الفعل في نفس وكان رد الفعل في نفس صدام هو ان يحاول الخالص بالقوة من هذا الكمين الذي يدبر له واتفق مع شخص يدعى )) عوني رفاعي (( ان يجلب له – اثناء ذهابهم الى التحقيق – مسدسات يستعينون بها على محاولة تخليص انفسهم قبل ان تبدأ المحاكمة ويجد نفسه مع رفاقه طعاما سائغا لمقصلة المهداوي وشرح لرفيقيه في القضية الخطة التي يدبرها كان احدهما ابن عم امه والثاني ابن عمه شابان مثله اما خاله وعمه اللذان كانا متهمين معهم فلم يفاتحهما غير انه عاد فتريث في تنفيذ الخطة اذ خشىان تنفرد السلطة بخاله وعمه وهما اليستطيعان الهرب وبعد فترة قصيرة و كان المد القومي قد بدأ يشتد مرة اخرى اعيدت اوراق القضية الى العرف العسكري االول فالغى قراره باستخدام القوة للخالص من المحاكمة وبقي في السجن ستة اشهر ثم افرجت عنه المحكمة وبراته من التهمة التي الصقت به . عاد الى القرية وكل مساء كان يخرج ليكتب على جدران البيوت ومباني المؤسسات شعارات البعث من )) العوجة (( الى )) تكريت (( كان المارة يقراون كل صباح كلمات جديدة اليعرفون من كتبها وبعض هذه الكلمات ماتزال تحتفظ به جدران تكريت حتى االن . واقبل عليه ذات يوم رفيق حزبي اسمه ) عطا حسين السامرائي ( وهو في قريته )) العوجة (( حيث كان مازال يعيش مع عمه ووالدته وقال له : ان الحزب يريدك في بغداد . في الصباح التالي سلك طريقه على الفور نحو العاصمة واتجه الى بيت مسؤوله الحزبي وكان يومها عبد الخالق السامرائي ولكن مسؤوله لم تكن لديه صورة واضحة عما يريده الحزب منه وال المهمة التي يريد القاءها على عاتقه . قال له السامرائي :سيمر عليك احمد طه العزوز وكل مااعرفه انه سياخذك الى الجهة الحزبية التي طلبتك وهناك سيقولون لك ماهو الواجب الذي يترتب عليك بعد ساعات طرق بابه ) احمد طه العزوز ( وصحبه الى شخص اخر اسمه )) اياد سعيد ثابت (( نظر اليه اياد بعمق وقال له بصوت هادئ رزين واضح النبرات : )) الواجب (( هو ضرب عبد الكريم قاسم فهل انت مستعد ؟ على الفور اجاب صدام حسين بصوت فيه رنين فرح : بالطبع انا مستعد ..لقد اعتبر تكليفه بهذاتالواجب تكريما له فمثل هذه المهمة الكبيرة عندما توكل اليه هو الحزبي الحديث العهد بنضاالت الحزب البد وان تنطوي على تقدير خاص له .


25 لم يكن استخدام السالح غريبا عليه فلقد امتلك اول مسدس وهو في العاشرة من عمره حين كان هاربا من بيت اسرته في طريقه الى تكريت كي يدخل المدرسة رغما عنهم ولكن استخدام المدفع الرشاش كان يحتاج الى بعض التدريب فأداه بسرعة في منطقة تعرف باسم )) الحصوة . )) كان عبد الكريم قاسم قد اعتاد ان يسلك شارع الرشيد في ذهابه من بيته الى مكتبه في وزارة الدفاع او اثناء عودته من مكتبه الى بيته في ) العلوية ( ولذلك كان البد ان يكون شارع الرشيد مسرحا للعملية استاجر الحزب شقة في شارع الرشيد اقم فيها صدام حسين ورفاقه الذين يشاركونه تنفيذ الخطة وفي الخارج كان هناك من يراقب الطريق ليعرف االتجاه الذي سوف يسلكه قاسم فاذا كان قادما من ناحية الباب الشرقي ستكون كلمة السر )) شكري (( واذا كان قادما من ناحية وزارة الدفاع ستكون كلمة السر )) محمود (( والفرق بين االثنين هو رصيف الشارع الذي سوف تمر بجانبه سيارة )) الزعيم االوحد (( حتى تكون تحت مرمى البنادق الرشاشة. في السابع من شهر اكتوبر – تشرين االول عام 1959 كانت مجموعة من الشباب واقفة على رصيف شارع الرشيد الموازي التجاه السيارات الذاهبة ناحية الباب الشرقي كانت عيونهم كلها مركزة على السيارات التي تعبر الطريق وايديهم فوق الزناد وكان المرء يستطيع ان يميز بينهم ذلك الشاب النحيل الذي يضع على اكتافه )) جاكيتة (( طويلة تبدو وكانها ليست له وهي بالفعل لم تكن له كانت جاكيتة )) خاله (( استعارها من دوالب مالبسه دون ان يدري حتى يسمح طولها الظاهر بتغطية الغدارة التي يحملها الى جانبه وكانت مهمة هذا الشاب في تنفيذ الخطة ان يحمي رفاقه الذين سوف يطلقون النار على سيارة )) الزعيم (( في تنفيذ الخطة ان يحمي رفاقه الذين سوف يطلقون النار على سيارة الزعيم وان يغطي انسحابهم بعد تأدية واجبهم ويكون هو اخر من ينسحب . غير انه عندما وجد نفسه وجها لوجه امام الدكتاتور لم يتمالك نفسه نسي التعليمات كلها .راسا اطلق عليه الرصاص وانهمرت النار على السيارة من الغدارات والرشاشات االخرى .كانوا خمسة ولكن اثنين منهما تعطلت غدارتيهما فبقيت االخريات يلقين على سيارة الزعيم االوحد كل عنف الجماهير المكبوت في صدرها .هذه باسم شهداء الموصل وهذه باسم شهداء البصرة وهذه باسم شهداء كركوك وهذه باسم شهداء بغداد وهذه باسم كل الشيوخ والنساء واالطفال الذين ماتوا موتا مجانيا فداء لجنون السلطة .وهذه حتى تختفي افاعي الحبال المسعورة التي تزحف في غابة اليمكن ان يعيش فيها االنسان .اما هذه فمن اجل بعث هذه االمة من اجل حريتها ووحدتها وغدها االفضل من اجل الدفاع عن احالم البسطاء بحياة ليس فيها فقر وال خوف وال مذلة . هل مات ؟لقد نفذ الرصاص من غدارات الشباب وال بد ان يكون قد لقي حتفه انسحبت المجموعة وانسحب من ورائها صدام واذا به يسمع طلقات رصاص تطاردهم كان واحدا من شرطة المرور يحتمي بسيارة ويرمي برصاصه عليهم .التفت اليه وقبل ان يحاول اطالق الرصاص عليه رماه الشرطي واختفى سريعا خلف السيارة اصابته الطلقة في رجله ولكنه لك يشعر بها لحظتها كان يريد فقط انذاك ان يؤمن انسحاب المجموعة الى سيارة تنتظرهم بالشارع الفرعي الذي يقطع عرضيا شارع الرشيد والكفاح وكان واحد من افراد المجموعة قد اصيب وصدره ينزف وال يكاد يقوى على السير .عندما وصلوا الىالمكان الذي توجد به السيارة التي يفترض ان تنتظرهم وجدوا السيارة ولم يجدوا السائق ووقفوا ينتظرون لحظات


26 اطول من الدهر وبينهم سمير النجم صدره ينزف .نظر صدام حسين الى كريم الشيخلي وقال له : لن ننتظر هنا اكثر من هذا الوقت البد ان ناخذ سارة بالقوة من هذه السيارات الموجودة في الطريق وبالفعل سحب غدارته على احد السائقين وتوقف الرجل مذعورا وقبل ان يصعدوا الى سيارته وصل علي حسون قائد سيارتهم وضعوا سمير النجم داخل السيارة بسرعة وصعد كريم الشيخلي الى المقعد االمامي واتخذ صدام مكانه خلف السائق . لم يكن يعرف الى اين سوف يذهبون كان على حسون يعرف مكان )الوكر( الذي سوف يختبئون فيه حسب تعليمات القيادة غير ان سمير قال وهو في قمة االلم : انني اموت يجب ان تحملوني الى المستشفى بدا ان رفاقه يميلون الى الخضوع لرايه والسائق نفسه اخذ ينحرف بسيارته عن الطريق الذي كان يسير فيه وكانه وافق هو ايضا على االتجاه الى المستشفى فجأة تنبه صدام الى وجهتهم قال :الى اين ؟ قال علي حسون :الى المستشفى .لكزه صدام بيده من خلف مقعده وقال له :سر في طريقك الى الوكر واال فاني سوف اطلق عليه النار من الخلف . كان الذهاب الى المستشفى هو الجنون بعينه اذ سرعان ما سوف ينكشف امرهم وتكون الكارثة ليس بالنسبة لهم كافراد فحسب وانما بالنسبة للتنظيم الحزبي كله واذا كان الموت ينتظرهم او ينتظر بعضهم في الوكر فان الموت سوف يطبق عليهم بالقطع اذا حاولوا الذهاب الى المستشفى ولذلك قرر صدام ان يتجهوا الى الوكر مباشرة وان يتجاوز االم رفيقه النازف حتى الينزف الحزب كله. اما بيت مسرور يحمل على بابه رقم 721 في منطقة الكرادة الشرقية ) حي من احياء بغداد ( وقفت السيارة وهبط منها ركابها دخلوا الى البيت الذي كان يحوي على طابقين :اربع غرف في الطابق االرضي وغرفة واحدة في الطابق العلوي والى يسارالبيت حيث مدخل الحديقة كان ثمة مستودع ارضي يختبئ فيه السالح : مجموعة من الرشاشات طراز تومسون و ستن وسرلنك . عندما دخلوا الردهة وجدوا ) خالد على صالح ( وكان عضو قيادة ايامها في حزب البعث العربي االشتراكي وبعد برهة قصيرة لحق بهم اثنان من الذين اشتركوا معهم في العملية ولم يركبا معهم في السيارة التي اقلتهم الى هذا المكان : حاتم حمدان العزاوي واحمد طه العزوز . كانت حالة سمير النجم تتدهور الدم ينزف من صدره والطبيب الذي كان من المفترض ان يلحق بهم لم يات بعد وهو لن ياتي ابدا وكان البد من مواجهة الوضع كما هو بشجاعة بل بقسوة تتطلب في بعض اللحظات مثلما هي هذه اللحظة قوة تفوق صخر الجرانيت في صالبته . هذا البيت المعزول في شارع جانبي من جوانب هذا الحي الهادئ يضم االن بداخله خمسة شبان حاولوا مواجهة الموت عينه على قارعة الطريق ولكنه افلت منهم وها هو االن يطاردهم في كل شبر من المدينة المذهولة ويسن كل نخالبه الحادة لينشبها في اجسادهم ما عساهم يفعلون االن ؟ ان عمنليتهم لم تنجح لم تصب رصاصة واحدة من كل رصاصاتهم اصابة قاتلة جسد الدكتاتور االوحد لم تتمزق ظلمات الليل ولم تبد بعد تباشير الصباح بل والفجر مازال بعيدا خلف االفق ومحطات االذاعة تعلن نجاة الزعيم من محاولة اغتيال وسط جو هستيري مشحون بالقلق الحاكم العسكري العام يقرر منع التجول في المدينة بشكل مطلق حتى اشعار اخر عيون


27 الشرطة العلنية والسرية تثقب كل جدار في الطرقات والشوارع واالزقة بحثا عمن قاموا ) بالمؤامرة الكبرى ( الغتيال ) الزعيم المفدى ( وغدا سوف تصدر كل صحف السلطة قائلة ) ان الرصاصات اآلثمة التي اطلقها امس الخونة المتآمرون من عمالء االستعمار والطامعون على ابن الشعب البار الزعيم عبد الكريم قاسم لم تكن اال نذيرا بالمؤامرة المبيتة ضد جمهوريتنا ( وستضيف الى ذلك توصياتها يجب غلق الحدود بوجه المتآمرين الهاربين .الجبهة القومية زمرة من الخونة تعمل في خدمة االستعمنار والطامعين قوميون واعداء .جريمة حزب البعث ومخططه التامري .البعث وحكام القاهرة ادوات تنفيذ المؤامرة ..الخ ...الخ .. وهي بالطبع سوف تتجاهل االف الجرائم التي ارتكبت بحق جماهير هذا الشعب من ) ابنه البار ( والملتفين حوله يزكون فيه جنون السلطة الفردية المطلقة مشانق الموصل ضحايا البصره شهداء كركوك وبغداد االف المعذبين في السجون والمعتقالت بشاعات القتل المجاني بالشبهات في الشوارع والطرقات من يذكر االن نيران الجحيم التي اصطلى بها شعب بأسره ؟ وهؤالء الشبان الذين يناهزون الورد في عمره هل كانوا حقا مغامرين ومتآمرين يسلكون طريق االرهاب الفردي ؟ ان احدا منهم لم يكن يفكر وما كان بوسعه ان يتصور لحظتها انه ينتزع من براثن الدكتاتور السلطة لنفسه كانوا يستشعرون فداحة الظلم الذي يلحق بهم وكانوا يتصورون فح سب انهم يصنعون فجرا اخر لوطنهم وقبل ذلك وبعده كانوا رفاقا منضبطين ملتزمين في حزب اصدرت لهم قيادته العليا اوامرها وتصوروا االمر اكبر من حقيقته . وعندما تنعقد محكمة المهداوي ويرتفع الستار عن ازالم السلطة وهو يتبارون في تدبيج قصائد التدله بدكتاتورها االوحد ورجم معارضيه بقوارص السباب لن يتوانى صوت البعث عن تحمل مسؤولية العملية بغض النظر عن وجهات النظر التي تدعو الى ماهو افضل منها )) ان النضال الشعبي هو اسلوب العمل الحزبي وقد يصل النضال الشعبي الى اعمال عنف ثورية قد ترافقها حوادث قتل وهذا امر طبيعي ولكن القتل المجرد كعملية اغتيال مثل االغتيال السياسي اسلوب يتنافى مع عقيدة الحزب ويهدده باالنحراف ... ) ان الحزب حينما يخطئ محاولة االغتيال فانه يعلن في نفس الوقت تقديره لبطولة الرفاق الذين ساهموا في تنفيذها بجرأة السيما وان جرأتهم خالل المحاكمة لم تمنع ظهور موقفهم المتمسك بعقيدة الحزب واالخالص الهدافه (. ومع ذلك وبصرف النظر عن تقويم تلك العملية من الناحية السياسية العامة او من الزاوية االيديولوجية الخاصة لحزب البعث فان االمر الذي اليمكن انكاره ان المحاولة التي جرت ببسالة على ايدي هؤالء الشبان الصغار: قد هزت بعمق اركان النظام الدكتاتوري الذي كان متسلطا على رقاب الشعب وكانت بمثابة المسمار االول في نعشه لقد اذكت من جديد االمال المحيطة في امكانية الخالص منه ورفعت الغطاء من فوق القمقم الذي احتبس بداخله المارد الجماهيري المغلل انها كانت في اضعف االيمان شرخا هائال في جدار الخوف كان جديرا بان يسمح الشراقات النور االتي بان تتسرب من خالله .. 6 -رحلة الفارس الجريح لم يستطع ان ينام حتى الصباح قبل ساعة من طلوع الفجر نهض صدام حسين من فراشه فجأة وهو يحس بجمرة موقدة تتلظى في ساقه الم حاد مرعب لم يستشعر مثله قط من قبل


28 ادرك ان الرصاصة داخل ساقه هي التي تتسبب في كل ما يعانيه االن اين الطبيب ؟ما من طبيب يمكن ان ياتي الى هنا او ان تذهب اليه ليس هناك معنى لالنتظار يجب ان تكون طبيب نفسك قرر على الفور بارادته الفوالذية ان يجري العملية بنفسه. بهت الرفاق الذين تحلقوا حوله بعد ان تحسسوا انينه المكتوم كيف يمكن له ان يستخرج الرصاصة من جسده بنفسه ؟ قال لهم بصوت خفيض حبسه االلم : انا انتظر الطبيب الذي ياتي وال ياتي ونظر الحمد طه العزوز وقال له : هل لديك الشجاعة لتقوم بالعملية ام اقوم بها انا ؟ من االفضل ان امد ساقي هكذا وتجريها انت .اما ان لم تستطع فسأفعلها انا ..قال احمد : وكيف يمكنني ان اجريها ؟باي أداة؟ نظر اليه صدام بثبات وقال كانه يتحدث عن شخص اخر : احضر شفرة حالقة جديدة ومقص .ابدأ بقص اللحم الذي يغطي الطلقة على شكل صليب + وبعد القص عقم المقص وادخله داخل الجرح واخرج الطلقة هذا كل شئ .. عندما انتى احمد العزوز من اجراء العملية كانت يداه ترتجفان وعيناه التقويان على النظر الى وجه صدام صب كمية من اليود فوق الجرح ووضع بداخله كمية من القطن ولفه باطباق كثيفة من الشاش ثم تنفس الصعداء وتوقف وكان صدام حسين قد غلبه االغماء من شدة االلم ومرت لحظات قصيرة ولكنها ثقيلة وبطيئة مثل دهر وقد تركزت على وجهه عيون الرفاق ولكنه مالبث ان فتح عينيه ونظر اليهم وقال : صار كل شئ طبيعيا االن . بعد برهة تحامل على نفسه ونهض من مقعده مقال لهم :يارفاق انا لن ابقى في الوكر بعد االن واقترح عليهم ان يتركوا الوكر جميعا ماعدا سمير النجم الذي اليستطيع بصدره النازف ان يغادره على ان يبقى شخص واحد يقوم بدور) الداوريه ( معه وليس بالضرورة يظل معه داخل الوكر وانما من الممكن ان يتابعه بشكل غير مباشر كأن يجلس امام الدار ويتخفى في شخصية بائع .متجول وبين الحين واالخر يمر عليه في الداخل ليلبي طلباته واحتياجاته وفي كل االحوال اليمكن االستمرار في هذا الوكر فأغلب الظن انه سيكون عرضة لهجمات الشرطة ومن الخير بل من الواجب اال يقعوا فريسة سهلة في ايدي السلطة حيث ينتظرهم واجب اعادة الكرة كما كانوا يفكرون . لم ينتظر حتى يحسموا تردداتهم قال كلمته ومشى خرج الى الطريق وسار باتزان محاوال ان يمتص االلم الحاد الذي يمزق ساقه بين اسنانه متجها نحو بيت خاله الحاج خير هللا طلفاح كانت هذه هي المرة االولى التي ينام فيها خارج دارهم وكان من الطبيعي ان تستقبله العيون باالسئلة المحرجة :اين كنت ؟لماذا تاخرت ؟ اين نمت البارحة ؟ قال في هدوء : صار منع التجول ولم اتمكن من الوصول الى البيت فنمت في احد الفنادق ولكنهم الحظوا انه يعرج على ساقه قليال .فقال على الفور : لما صار الركض في الشوارع سقطت على االرض وانا اركض حتى اصل الى البيت في الوقت المناسب ومع ذلك لم اتمكن وهي االن تؤلمني قليال ...وتركهم متجنبأ المزيد من االسئلة وصعد الى غرفته في الطابق الثاني حتى ينام . فجأة دخل خله عبد اللطيف غرفته وهو يحاول االستلقاء على الفراش وقال له : - هه . الم يمت ؟ - من هو ؟ - عبد الكريم قاسم عقدت الدهشة لسانه ولكنه تمالك نفسه وقال في ال مباالة مصطنعة وكأن االمر اليعنيه : - وما ادراني انا به ؟


29 - صدام اتنكر علي انا ؟ لقد رايتك بعيني من شرفة حازم البكري بشارع الرشيد وانت ترتدي جاكتتي وتطلق النار على عبد الكريم قاسم ..رئيس الوزراء ..وهو يعبر الطريق كل هذا وتنكر ؟ قال له صدام : مادمت قد رايتني فارجوا ان تعاونني انا اريد بعض حقن – االنتي بيوتيك – حتى يشفى جرحي ساقول للمضمد ان لدي التهابا في اللوزتين وبالفعل بدأ يتعاطى الحقن حتى يكف الجرح عن ايالمه وكان عليه ان يعود الى مدرسته حتى ال يلفت االنتباه اليه بتغيبه على االقل يذهب في البداية ثم يطلب اجازة من الدراسة بحجة المرض كان حينذاك في الصف النهائي بالمدرسة الثانوية ولم يكن بوسعه االستمرار العادي في الدراسة حتى اليتعرض السئلة الطالب االشد احراجا حول الجرح الذي يتلظى في ساقه. عندما كان خارجا من باب المدرسة حامال كتبه وجد امامه فجأة عبد الخالق .قال له على الفور : - قل لي هل تعرف اياد سعيد ثابت ؟ - ال ال اعرفه . - هل تعرف خالد علي صالح ؟ - ال ال اعرفه . - هل تعرف سمير النجم ؟ - ال ال اعرفه - طيب انا الاريد ان اسالك االن عمن تعرف او التعرف .المهم انني اريد ان اقول لك ان هؤالء جميعا كانوا في احد االوكار في الكرادة الشرقية .وقد هاجم البوليس الوكر وقبض عليهم كلهم ...فاذا كانت لديك عالقة باي منهم انتبه لنفسك .. هكذا اذن .بعد خروجه من الوكر بساعات وقع الرفاق كما توقع لهم في ايدي السلطة ماذا عليه ان يفعل االن ؟ حث خطاه مسرعا نحو البيت دخل الى غرفته مباشرة وسحب البوم صور كان يضم صورا عديدة له مع بعض رفاقه ثم دخل الى غرفتة عدنان خير هللا ابن خاله وسحب البوم صوره ايضا وكان يضم كذلك مجموعة من الصور المشتركة واحرق الصور جميعا ثم قرر ان يغادر البيت في نفس اللحظة .وبعد ان غادر البيت بربع ساعة هاجمت البيت مفرزة الشرطة . مضى صوب جسر الشهداء ليحوم حول الفندق الصغير الذي كان يقيم به عبد الخالق السامرائي صلته بالحزب حتى يستفسر منه عن امكانيته في معاونته على الهروب في الطريق صادفه زميل كان متعلقا بسلم حافلة نقل الركاب قفز منه وجاء اليه يحييه بصوت عال حيث يتطلب االمر اخفاض الصو ت حتى يكاد ان اليسمع وهو ال يعرف شيئا عما يجري في هذه اللحظة وفي تلك اللحظة واذا بشابان قد خفت شفاهما من اللهاث وهما يتمتمان بكلمات استطاع ان يفهم منها ان الشرطة قد داهمت بيت خاله .لم يعد هناك مايمكن اخفاءه بعد ان اقتحمت الشرطة بيته قال لعبد الخالق الذي التقاه في الفندق فكرة عامة عن االحداث وطلب اليه ان يتوجه الى بيت قريب من بيت خاله ومن هناك يرسل سيده الى البيت تجلب له بطكاقة هويته الن منع التجول المؤقت الذي كان مازال ساريا ونقاط التفتيش المنتشرة في الطرقات يمكن ان تقوده الى مخافر الشرطة بالصدفة المطلقة وقال له بحزم بعد ان حسب مسافة الطريق والوقت الذي يمكن ان تستغرقه:


30 سانتظرك في هذا المقهى اربعين دقيقة فقط اذا لم تحضر قبل ان تنتهي لن تجدني ..كانت اطول الدقائق في عمره فالوقت نهار والعيون مفتوحة وكل االحتماالت قائمة ومضت الدقائق االربعون ولم ياتي فخرج من المقهى على الفور ومضى في طريقه . لم يكن يعرف الى اين يتوجه فجأة تذكر ان لديه قريبا في احد اطراف بغداد كان يذهب اليه مع خاله كي يصطاد الطيور في الحقول المجاورة حث خطاه في اتجاهه دون ان يتردد طرق الباب ففتحت له زوجته ولم يكن قريبه بالمنزل فطاب اليها ان ينتظره وعندما جاء الرجل دهش للحظة لمجيئه ولكنه رحب به فبادره صدام قائال :وهللا ياعمي انت تعرف ان الظزروف معقدة االن وقد يختلط فيها الحابل بالنابل في كيل التهم وتوجيه الضربات مما يتطلب ان ابتعد عن وجه مركز السلطة في بغداد واود ان اصل الى تكريت دون ان يعرف احد فهل يمكنني ان انام الليلة عندك ؟ في الصباح طلب الى الرجل ان يقدم له اعتق مالديه من مالبس نزع سترته وتركها وارتدى دشداشة بالية ووضع على راسه عقاال ويشماغا ال يقالن عنها بلى وعلى اكتافه وضع عباءة سوداء مليئة بالثقوب ولطخ حذاءه بالطين حتى يبدو عتيقا وودع الرجل ...ومضى بعد ان استعار منه سكينا صغيرة قال له انها يمكن ان تفيده في الطريق . استوقف سيارة اجرة وطلب الى السائق ان يقوده الى منطقة الصليخ ) احدى المناطق القائمة فيؤ اطراف بغداد ( حيث يمكن ان يسلك طريقه بعد الوصول اليها نحو تكريت نظر السائق الى صورته المنعكسة في المرآة امامه واستلفت منظره انتباهه قال له : ماذا تفعل في بغداد ؟ اجابه صدام بلهجة االعراب الريفيين :عمي انا اشتغل عامل هنا ..تعجب الرجل اكثر وقال له : انت تشتغل عامال وتركب تاكسيا ؟قال له صدام :عندك حق ولكني اقول لك ان لدي اقرباء في م نطقة الصليخ ..وانا ال اعرف مكانها جيدا ولذلك قررت ان اركب سيارة اجرة ..لم يكن امامي سوى هذه الطريقة قال السائق : يابني ساوصلك الى محطة االوتوبيس الذي يمكن ان تركبه حتى الصليخ هذا اوفر لك ..اعطاه اجره وصعد الى االوتوبيس الذي قاده الى منطقة الصليخ وهناك هبط عند اطراف المدينة وبدأ يتطلع بعينيه من حواليه حتى يعرف بداية الطريق الذي سوف يسلكه ماشيا على قدميه نحو قريته في تكريت . كان الوقت شتاء والحقول الواسعة على جانب الطريق تلوح له خضراء داكنة في ساعة الغروب والليل البارد يوشك ان يهبط عند االفق وساقه المجروحة تنضح بااللم العنيف الذي يحول بينه وبين متابعة السير في تلك الساعة القلقة وفجأة سمع صهيل فرس على مسافة قريبة منه في الحقل المجاور مضى نحوها ولم يكن بجانبها احد ظل واقفا حتى ياتي صاحبها بعد برهة جاء الفالح صاحب الفرس فبادره صدام قائال :عمي اريد ان اشتري هذا الفرس هل تبيعها ؟ قال الرجل بعد لحظة :نعم ابيعها .طلب سبعة عشر دينارا ..اعطاها له وامتطى الفرس وسلك طريقه بمحاذاة النهر ب عد ان تاكد ان هذا الطريق سوف يقوده مباشرة الى تكريت . اشترى لنفسه خبزا وتمرا واشترى لفرسه شعيرا ..متاع الطريق .كان يسير بفرسه من مطلع الشمس حتى الغروب فاذا ماهبط الليل كان يتوقف فالسير في الليل كان يمكن ان يعرضه لنقاط التفتيش على طول الطريق .وهو اليحمل معه هوية وفي الليلة االولى طرق باب واحد من العربان وقال له :يااخي انا ضيفك هذه الليلة ونام نوما عميقا لم ينمه منذ ايام وفي الصباح الباكر سحب فرسه وواصل السير وفي الليلة الثانية لم يصادف بيوت االعراب في طريقه فقرر ان ينام على جانب الطريق وضع رسن الفرس بيده واستلقى على االرض منهكا حتى


31 اشرقت الشمس فنهض من مرقده وتابع مسيرته وفي الليلة الثالثة كان حظه اسعد فلقد كان ضيفا عند اعرابي يسكن بيتا من بيوت الشعر على مشارف ) سامراء ( وكان لدى االعرابي عرس في تلك الليلة وذبيحة فتعشى عشاء جيدا من لحم االغنام بعد ان عصر معدته اكل الخبز الجاف والتمر و عند طلوع الفجر ضم عباءته المثقوبة حول جسده وارخى الزمام لفرسه واخترق اطرافه سامراء وتركها قبل ان ترتفع الشمس في كبد السماء وفي الطريق وجد فالحين يبيعون ) بطيخا ( فاشترى عددا منها تعاونه وتعاون فرسه على العطش بالطريق . عندما اوشكت الشمس على المغيب كان قد وصل الى وادي جنوب )الدور( في منطقة تتوسط مابين سامراء والدور وكان التعب قد اخذ منه كل مأخذ والبرد يتسلل الى عظامه ويلسع باسواطه جسده وفجأة وجد سيارتين توجهان مصابيحهما الكشافة الى عينيه ولم يكن بوسعه ان يتوقف فظل يغذ السير في طريقه وكانه لم يلتفت اليهما واذا به يسمع من يصيح به : قف واال رميتك ..حينذاك ادرك انها سيارات حكومية وال بد له من التوقف ومع ذلك حاول ان يوجه فرسه نحو المناطق الوعرة المجاورة في التالل المحيطة بالمكان ولكن فرسه المتعبة لم تستجب له وما هي اال لحظات حتى كانت السيارتان تحيطان به من كال االتجاهين والرشاشات مصوبة الى وجهه. رغم كل شئ قال في نفسه ربما ال يقصدونني وعلي ان اتماسك حتى النهاية ...سحب عباءته على ساقه حتى تخفي الشاش الذي يربط جرحه ونظر اليهم في هدوء اعصاب واتزان كامل دون ان يتكلم صرخ به الضابط من السيارة :ياولد لماذا هربت ؟ بذكائه الحاد ادرك على الفور انه ليس مقصودا واجابه بسرعة :انتم لماذا ترمونني ؟قال الضابط :نحن هنا كمين للمهربين وانت ارسلوك حتى تراقب لهم الطريق ....هكذا اذن مااعجب المفارقة قال له بثبات اكثر :ليس لك الحق في ان ترميني .انا لست مجرما وهذا الشك الذي انتابك المحل له .وافضل طريقة بالنسبة لك حتى تتاكد من شخصيتي خذني الى مركز الشرطة حتى الصباح وحينذاك سوف ادلك على اهلي اين يسكنون ..وانا ماذا افعل .. قال له الضابط :اذن اعطني هويتك ..بنفس الهدوء والثبات قال له بلهجة مشوبة بالسخرية :يابا نحن هنا العربان النحمل هوية .انا لست ذاهبا الى المدينة حتى احمل هوية ..انا في هذه المنطقة ماذا افعل بالهوية ؟ اتراحت قسمات الضابط وقال له :اجل واضح االمر االن ..غير انه واصل اداء الدور الذي يقوم به ..وقال للضابط في شئ من االستخفاف : ماهو الواضح يابا ؟ خذوني الى مركز الشرطة وانتم تعرفون ولكن احد الجنود اقترب منه وقال له : يابني امضي في طريقك بسالم ولكن اقسم لنا انك اذا وجدت احدا بالطريق فلن تقول له انك شاهدت كمينا هنا .. سحب فرسه وركبها وانطلقت ركض بها دون ان يفكر بااللتفات الى الوراء متوجها صوب مدينة صغيرة اسمها ) الدور ( تقع على ضفة النهر المقابلة لمنطقة يقال لها )) العوينات (( التي تبعد عن قرية العوجة – حيث يعيش اهله – بضع كيلومترات قليلة . كانت الساعة الحادية عشر قبل منتصف الليل وهو يجتاز شوارع المدينة التي لم يكن قد قدم اليها منذ اربع سنوات واذا به يجد نفسه وجها لوجه امام الشرطة الواقفين امام باب المخفر صعد الدم الى راسه وانتابه القلق للحظة لم يكن بوسعه – وقد رأوه – ان يستدير عائدا من حيث ج اء : فما عساه يفعل االن ؟ قرر مواجهة الموقف على طريقته الدائمة :االقتحام لكز فرسه وسار حتى حاذى الحراس الواقفين والقى عليهم بالسالم فاذا بهم من فرط دهشته


32 يردونالتحية باحسن منها ..اخترق الطريق ووصل الى قرب حافة النهر حيث وجد مقهى ماتزال به بقية من رواده ترجل من على فرسه وسال احد الرواد : ياب اين العّبارة ؟) العبارة هي زورق كبير ينقل العابرين من ضفة النهر التي تقع عليها الدور الى الضفة االخرى حيث توجد منطقة العوينات ( .واشار اليه الرجل بالتوجه الى احد الرواد االخرين الذين كان يملك تلك العبارة فقال له : اريد ان اعبر انا والفرس ياعمي وهذا نصف دينار ) كان ثمن العبور خمسين فلسا فقط ( رفع الرجل عينيه الى وجهه في تثاقل وقال له :الاستطيع العبور ممنوع بالليل الم تسمع عن منع التجول ؟... ياعمي هذا دينار ..ال ..ياعمي هذا دينار ونصف ؟... ال ايضا تصلب الرجل في موقفه الرافض وقال الحمد هلل . لم يرد ان يعطيه اكثر حتى اليشك به فمضى الى ضفة النهر وحده ووقف لحظة يفكر ان العبارة اليستطيع ان يحركها اال ثالثة رجال اقوياء فماذا يفعل ؟ البد ان يكون قبل مطلع الفجر في منطقة اهله حتى يتدبر امر خروجة من الحدود قبل ان يستفحل الخطر ويصبح عصيا عليه الهروب نظر الى فرسه مرة اخرى ثم نظر الى الضفة االخرى البعيدة للنهر وقد لفها الظالم اال من بضع التماعات خفيفة تنعكس عليها من النجوم البد وان يكون هناك بعد ساعات قليلة مهما كلف االمر.القى عنان الفرس من يده وقبلها في جبينها وتركها لتمضي مع قدرها وقرر ان يواجه هو ايضا قدره : ان يبلغ الضفة االخرى سابحا عرض النهر في هذه الساعة الباردة المتأخرة من الليل وجرحه مازال يفرز الما حادا في ساقه اليطيقه انسان عادي. مامن خيار اخر خلع مالبسه كلها ولملمها في عباءته وكورها فوق راسه وربطها بحبل حول رقبته .اما السكين الصغيرة فقد وضعها بين انانه ثم القى بجسده في النهر .هللا وحده يعلم من منحه تلك القوة التي تفوق قوة البشر .في تلك الساعات العصيبة التي كان يصارع فيها الموج بجر حه النازف وكومة المالبس فوق راسه مثقلة بالماء تدفع بجسده المنهك اكثر من مرة نحو االعماق وهو يقاوم ويعاند الموج يتحداه ويتشبث بارادة الحياة كم بقي من عرض النهر؟ هذا الظالم كله يطبق ثقيال ضاغطا على النفس والجسد قواه تخور شيئا فشيئا وجرحه يعاديه ويسحب ساقه الى الخلف ولكنه يقاوم السقوط ويرفض الموت .ويطفو من جديد خفيفا فوق السطح وهذا الحبل الذي يلتف حول عنقه ويربط كومة المالبس الممزقة التي سترت جسده وسترت هويته على طول الطريق لماذا اليقطعه االن ويستريح من ثقله ؟ان عرض النهر الينتهي .ال ليس هذا دجلة الذي يعرفه تماما .انه صحراء من الثلج ومع ذلك البد من الصمود ومواجهة كل قوى الموت . وهم بان يستل السكين من بين اسنانه ويقطع الحبل الملتف حول رقبته لوال انه احس بقدمه تمس شيئا صلبا فأدرك ان عمق النهر بدأ يتضاءل معلنا هزيمته امام ارادة خارقة تتشبث بالحياة والشاطئ الذي كان بعيدا .بعد الحياة عن الموت .وصار على مرمى حجر رفع راسه فوق الماء ومل رئتيه المجهدتين بهواء الليل البارد .وطرقت اذنيه اصوات الكالب النابحة في الحقول المجاورة ولم تمض سوى لحظة حتى كان جسده العاري يرتعش من شدة البرد وهو يسير فوق اليابسة وكأنه طائرة صغيرة تهبط الى االرض وسط العواصف واالنواء . القى بنفسه فوق وصل الشاطئ كي يلتقط انفاسه ثم تذكر انه اليمكن ان يسير على الشاطئ عاريا فارتدى مالبسه وهي مبللة ومضى خطوات الى االمام فوجد بيتا طينيا صغيرا امامه .طرق الباب ثم دفعه دون ان يؤذن له كعادة اهل الريف في هذه المناطق .اطلت عليه امرأة في نحو الخمسين من عمرها قصيرة القامة ترتدي لباسا اسود وعلى وجهها وشم اخضر


33 وجدت امامها شابا مبلل المالبس يهتز جسده اهتزازات واضحة وتطقطق اسنانه بصوت مسموع في هذه الساعة المتاخرة من الليل .برد الفعل المباشر راحت المراة تصرخ ..حرامي حرامي ..اذبحوه واسرع يلحق بها من الداخل رجل يحمل في يده عصا غليضة رفعها في وجهه ويريد ان يهوي بها عليه .على الفور تمالك صدام نفسه نسي البرد والجوع وخوار الجسد وصاح في الرجل :ماهي القصة ؟انتم من انتم ؟ الستم عربا ؟ اتشاهدون واحدا على هذا الحال وتصرخون في وجهه : حرامي حرامي .واستدار وهم بان يخرج ولكن الرجل وقد استفاق الى طبيعة الموقف رفض خروجه واصر على ان يبقيه في الدار . اشعلوا النيران وخلع مالبسه الخارجية وجففها وظهرت مالبسه الداخلية نظيفة ال تتالئم مع قدم وقذارة مالبسه الخارجية وتنبهت المرأة الى هذا التعارض الغريب وراحت تنظر اليه بتشكك ولكنها بمكر فطري قالت له معلقة على مظهره : )) كله على هللا ياولدي ياما يعلي وياما وطي (( اجابها في اقتضاب )) كله على هللا يا خالة . عاد الدم الى عروقه واستعاد نفسه من جديد وهم بأن يرتدي مالبسه المجففة ليخرج وتنبه الى ان الشاش الذي كان يربط جرحه قد سقط منه دون ان يدري في الطريق .واذ رأى الرجل الجرح في ساقه نظر الى المرأة ونظرت اليه وكانهما قد فهما امرا قاال له : الى اين تمضي ؟ قال الى اهلي ..قاال له ::الحق انك لم تجرح وانت تقفز من الساقية كما قلت لنا منذ قليل .انت قد عبرت النهر سباحة والبد ان وراءك بلوى كبيرة ونحن لن نتركك حتى الصباح كي نعرف حقيقتك ....اتراه اذن قد خاض كل هذا النضال المضني كي تسلمه العجوز ورجلها فريسة سهلة للشرطة ؟ كتم حنقه وقال لهما في هدوء : نعم صحيح ..لنفترض ان هذا الذي تقوالنه صحيح وانني قد ارتكبت جرائم كبيرة مع عشيرة من العشائر وانهم يطاردونني ويمكن ان يظفروا بي عندما يطلع النهار عندكم هنا ..ويقتلونني ..فهل تتحملون انتم وزر هذه النتيجة وانتم ال عالقة لكم باالمر ؟ قاال في صوت واحد :يابني :ال وهللا .اذهب االن في امان هللا . خرج في الهزيع االخير من الليل وسار وحده على الطريق متخذا وجهته مدرسة العوينات االبتدائية التي سمع اثناء اقامته في بغداد ان اخاه )) ادهام (( يعمل حارسا بها لم يكن يعرف الطريق اليها ولكن كان عليه ان يسير حتى يجدها وفجأة وجد امام عينيه الفتة المدرسة طرق الباب واذا بصوت ادهام يعلو من الداخل من بالباب ؟قال صدام :انا .انا صدام ..وعرف ادهام صوته من خلف الباب . فتح الباب ورأه امامه جذبه الى صدره وراح يقبله ويبكي تمالك صدام نفسه وقال له انظر ليس هذا وقت بكاء هيا بنا نذهب الى دارنا .انا اسير من هذه الطريق وانت تمضي في الطريق االخرى الموازية وتستطلع الجو هناك انت تعرف كل شئ فمن المحتمل ان تكون الشرطة قد داهمت البيت سأنتظرك في االدغال المجاورة للبيت فأذا كانت الشرطة تطوقه سأذهب واختفي في مكان اخر . لم يكن ادهام يعرف ماجرى بدقة كل ماكان يعلمه ان محاولة جرت الغتيال عبد الكريم قاسم وان الشرطة جاءت وفتشت الدار ولم تجد احدا ممن تبحث عنهم وصدام لم يقل له سوى عبارة مقتضبة :وانا كنت مشتركا في العملية . دخل ادهام الى بيت ابيه )) الحاج ابراهيم (( – عم صدام وزوج امه – فدهش والده لمجيئه في هذه الساعة ..قال له : لقد جاء صدام وهذه هي قصته .قال الوالد : واين هو ؟قال ادهام :ينتظرني في االدغال حتى استكشف اذا ماكان البيت مطوقا ام ال قال له : كما ترى ليس هناك شئ .ن ادي عليه االن .


34 عندما دخل صدام الى البيت احتضنته امه وحبست دموعها امام الحاج ابراهيم فلقد كان متماسك االعصاب .قويا مهيبا باعثا على تبديد القلق .كان يعرف ان الساعة هي ساعة التدبير الذكي البعيد عن العواطف التي يكبحها في نفسه قال له : خذ هذا الطعام وهذا الماء وفي الساعة الرابعة قبل طلوع الشمس بقليل تذهب الى )) سوبرات (( االتراك )) مالجئ عسكرية كان قد اعدها الجيش العثماني اثناء االحتالل العثماني (( وتمكث هناك حتى الساعة السابعة مساء وبعد ذلك التاتي راسا الى هنا وانما تمكث في حقل االذرة حتى اتي اليك واصحبك الى الدار بعد ان اتاكد من انه غير مطوق او مراقب او به غريب وال ينبغي ان يراك . استجاب صدام لخطة عمه ولكنه قبل ان يخرج في الرابعة صباحا قال الدهام : عندما يطلع النهار تذهب الى سامراء وتبحث عن شخص اسمه عطا حسين السامرائي او علي النقيب واي منهما – اذا وجدته – قل له صدام موجود . في الصباح فك ادهام قطعة من ماكينة مياه كانوا يملكونها وحملها معه وكانه ذاهب الى سامراء ليصلحها كغطاء لمهمته دق باب عطا السامرائي ولم يجده قالت له زوجته سياتي في الخامسة عصرا انتظره حتى عاد واسر في اذنيه بالنبأ قال له عطا لقد كنا نبحث عنه طيلة االيام السابقه .االن اذهب انت واسترح لقد انتهت مهمتك . في الساعة السابعة جاءت سيارة جيب عسكرية يقودها عطا حسين السامرائي ويصحبه ثالثة اشخاص :عبد الخالق السامرائي .حمود العوادي .حسين الجاسم ..ووقفت بعيدا في اطراف القرية وارسلوا الى صدام اخاه حتى يلتقي بهم . اقبل عليه عمه يودعه ودخل هو الى الدار فاحتضنته امه ورفعت وجهها الى السماء تطلب له السالمة ولم ينس وهو يغادر البيت ان يلقي بناظريه على شجيرة التوت التي كان قد بذربذرتها بالقرب منه .اما النخلة التي زرعها فكانت قد بدأت تورق سعفا اخضر . قال له رفاقه ان هناك رفيقا اخر سوف يصحبه في طريقه الى الحدود السورية النه مطلوب ايضا من الشرطة وهو يقول عندما علم ان صدام حسين سيكون رفيقه في رحلة الهروب :انا احمله على اكتافي واوصله الى سوريا .كان اسمه :فاتك الصافي . لم يتخذ طريقه على الفور الى سوريا بل مكث مختفيا بعد ذلك عدة ايام .كان البد من البحث عن دليل يقودهما في الطريق وكان في المنطقة رجل يدعى محمد سلطان يعيش متخفيا باسم مستعار في القرية الن البوليس كان يبحث عنه التهامه بارتكاب جريمة قتل ولذلك لم يعرفه سوى قلة يث ق بهم باسمه الحقيقي اما سكان المنطقة فكانوا يعرفونه ان اسمه هو )) عبد هللا ابو نجم (( ولقرب المنطقة من الحدود السورية فان محمد سلطان كان يعرف الطريق اليها وكثيرا ما قطعه على دراجته البخارية متسلال عبر الحدود وعائدا مرة اخرى الى قريته . في هذه المرة ذهب الى سوريا وعاد ليتكشف الطريق فاذا بالشرطة تتكالب عليه وتمسك به .فادعى ان لديه اغناما عبرت الحدود فقالوا له – وكانوا يعرفون ان هنالك من يتسللون بين الحدود عن طريق االدالء الذين يعرفون هذه الطرقات جيدا – هذه المرة تذهب واحدا وتعود واحدا .ال ان تذهب )) اثنين ((وترجع )) واحدا ((... كرر العملية ولكن الشرطة كانت ماتزال منتشرة على طول الطريق فنصحهم بان يأخذ صدام وراءه على دراجته البخاريه الى منطقة )) الثرثار (( ) وهي المنطقة المعروفة االن بسد الثرثار وهي قريبة ايضا من الحدود السورية ولكن من ناحية اخرى اشد بعدا من الطريق االول ( ومن هناك يذهب الى سوريا مع الدليل على ظهر دابة الن المسافة ستة ايام سيرا على االقدام .ركب عبد هللا النجم دراجته البخارية وخلفه صدام حسين وفاتك الصافي ومضى


35 بها الى منطقة الثرثار حيث وجدوا الدليل المتفق معه على ان يصحبهما الى الحدود السورية وكان اسمه ) دحام الشمران ( اتفق عبد هللا النجم مع دحام على كل شئ .دفع له خمسة واربعين دينارا واشترى دابتين واحداهما كبيرة واالخرى صغيرة وزودهم بالخبز والتمر وتمنى لهم السالمة وتحركت القافلة الصغيرة في طريقها الى الحدود السورية عبر الطرق الصحراوية غير المأهولة والتي اليعرفها سوى امثال هذا الدليل الذي اختلطت سنوات عمره بحبات الرمال . كان يهتدي في طريقه بنجمة الليل اذا وضع الجدي فوق كتفه االيسر فان الحدود السورية ستكون هي وجهته الصحيحة وماكانوا يسيرون في النهار حتى التكتشفهم دوريات الشرطة كان اليل هذه المرة هو رفيقه ..رفيقهم االمين . سبعة ايام بلياليها وهم يطوون رمال الصحراء .دحام يركب الدابة الكبيرة وصدام ورفيقه يركبان الدابة الصغيرة واحيانا ينفرد بها احدهما ويمضي االخر اليل سيرا على قدميه مااكثر مالقيتهم المفاجأت في الطريق اضواء سيارات شرطة تمزق استار الظالم التي يتخفون بها محام نفسه – الذي لم يكن يعرف هوية من يصحبهم – كثيرا ما عرضهم للمخاطر النه قد شم رائحة خبز او رائحة قهوه عربية على البعد .يريد ان يتبعها حتى بيوت الشعر التي يسكنها االعراب وتطول ليالي السفر ويمتد الطريق . سبعة ايام بلياليها وهم يقاومون برد الصحراء وقلة الزاد ويزرعون الرمال اماال في الوصول .ان الحدود تبدو له االن بمثابة الشاطئ االخر الذي كان يصارع امواج النهر حتى يبلغه مااكثر الشواطئ االخرى التي سوف يصارع من اجل ان يلقي عليها بمراسيه .. في الليلة السابعة نظر دحام من فوق دابته العالية وقال اعطني كمية من تراب هذه االرض انظر ما نوع هذه التربة ؟قال له فاتك : فيها حصووبها ...لم يواصل دحام االستماع اليه .قال على الفور لقد وصلنا داخل الحدود.. صحيح ..اخيرا ...اتجهوا الى خيام االعراب القريبة فأيقنوا انهم عرب سوريون قضوا ليلتهم في ضيافتهم وفي الصباح – والول مرة يسيرون في نور الصباح – اتجهوا الى )) البو كمال (( اول مركز على الحدود السورية – العراقية ومنها الى )) دير الزور (( وهناك اتصلوا)) بأمين الحافظ (( وكان قائدا عسكريا للمنطقة الشرقية فاستقبلهم على الفور – وكانت لديه معلومات عن قرب وصولهم – واكل دحام خبزا حارا وشرب القهوه العربية ولكن ليس في بيوت الشعر التي يسكنها االعراب هذه المرة . في الشام مكث صدام حسين ثالث اشهر وفي الحادي والبعشرين من شهر فبراير – شباط عام 1960.. غادر الشام وهبطت طائرة تحمله الى عاصمة الجمهورية العربية المتحدة ..في مطار القاهرة الدولي 7 -عودة الروح من جديد يومها كانت القاهره كشأنها دائما في مراحل المد الوطني والقومي عاصمة لكل المناضلين العرب القادمين من كل ركن فيه تفتح لهم ذراعيها وتحتضن قضاياهم وتحنو على امالهم في ان ينتهي القهر واالستغالل والتبعية لالجنبي بأقطارهم وفي ان يصبح هذا الوطن الكبير الممتد من االطلسي حتى الخليج .دولة واحدة ديمقراطية واشتراكية يحيا في ظلها شعب واحد حر سعيد ولقد مر معظمهم من هنا عرفتهم مقاهيها ونواديها وفنادقها وساحاتها وشوارعها


36 واحياءها الجميلة وهم ايضا قد عرفوها واحبوها وتعلقوا بها وبناسها الطيبين ساسة وقادة جيوش ورؤساء دول سابقين والحقين وكتاب ومفكرين وشعراء وفنانين لم تبخل عليهم المدينة العريقة برحيقها العذب وهم لم يبخلوا عليها كذلك بعطر الوفاء وعندما سوف يعودون يوما الى اقطارهم ستظل في اعماقهم حية على الدوام ذكريات االيام التي هصروا زهراتها على ضفاف النيل . لقد عاش صدام حسين ثالث سنوات وبضعة شهور من عمره في القاهرةوجاب مصر كلها من شمالها الى جنوبها من االسكندرية حتى االقصر واسوان كان حينذاك في بداية قدومه اليها في الثالثة والعشرين من عمره شاب طويل نحيل وسيم الطلعة مهندم الثياب يملك عينين نفاذتين مثل بلورتين من الماس تشعان ذكاء ويقظة ولم تكن ظروفه في العراق قد اتاحت له ان يتم دراسته الثانوية فالتحق بمدرسة قصر النيل الخاصة بالصف الخامس حتى يحصل على الشهادة التوجيهية وسكن مع عدد من رفاقه المناضلين والهاربين من احكام االعدام مثله – في فيال استاجروها جميعا في حي )) الدقي (( وبدا فصال جديدا من حياته . لم يكن مثل بعض اترابه الذين يتركون اقدامهم تسحبها دوامات المدينة الالهية بكل تتحيه من افانين المتعة الشخصية وفنونها كان معظم احوله جاد الى حد الصرامة مهموما الى درجة الحزن منشغال بدروسه تارة وبتحوالت السياسية تارة اخرى الى المدى الذي كان يدفعه الى ىان يمضي وحيدا ليجلس في )) كازينو قصر النيل ((يتامل مياه النهر السمراء وهي تجري امامه بغير انقطاع او يسلك طريقه الى احدى الحدائق العامة يجوس بين اشجارها ويقضي ساعة او ساعتين تحت ظاللها ثم يعود الى بيته ليتابع وقائع حياته اليومية مثل عقارب الساعة ..المتعة الوحيدة التي كان يتذوقها غير القراءه والتجوال في حدائق المدينة والترحال الى مواطن االثار المصرية القديمة كانت لعبة الشطرنج وربما اليثير الغرابة ان نتذكر االن انه كان العبا ماهرا ذلك الن تاريخ هذه اللعبة – يحفظ اسماء عدد كبير من القادة في الشرق والغرب كان من بينهم جمال عبد الناصر – برعوا في تحريك )) قواتهم (( على الرقعة الصغيرة وكانهم يتدربون على تحريكها فيما بعد في ساحات الحروب والمعارك وفيما عدا ذلك كان صدام يخلو الى نفسه بين الحين واالخر ليكتب بضعة اسطر مع مسافر الى العراق الى عمه الحاج ابراهيم وامه او الى خاله الحاج خير هللا طلفاح او الى واحد او اخر من اخوته . بعد قالئل من ذهابه الى القاهرة بعث برسالة الى عمه يقول له فيها انه يريد ان يتزوج وان اختياره وقع على ابنة خاله : ساجدة خير هللا طلفاح .وعندما وصلت الرساله الى الحاج ابراهيم وعرف فحواها قال )) وهللا زين ما فعل الولد (( ...فالزواج عند كل االسر المحافظة في بالدنا كلها وخصوصا الزواج المبكر وهو من شر الغواية والعاصم ضد الفتن . حمل الحاج ابراهيم الرسالة في جيبه وتوجه – بعد االتكال على هللا – الى بيت الحاج خير هللا وطلب منه يد ابنته واستجاب الخال على الفور وقال ان شاء هللا عندما يعود الى وطنه العراق سوف يتزوجان اما االن فهي خطيبته الموهوبة السمه ارتاح قلب العم ولملم عباءته ونهض لي زف النبأ المه اما هي ساجدة فلقد ومضت فرحة عميقة في عينيها غلفتها قطرتان من الدمع دارتهما سريعا حتى ال يراها احد ..كان صدام رفيق عمرها منذ ان هرب من بيت عمه في القرية وطرق باب بيتهم حامال رغبته المتاججة في ان يلتحق بالمدرسة ومن يومها وهو لم يغادر بيتهم اال ليعود اليه ولقد شبت في معه وتنقلت معه – او تنقل معها – من تكريت الى بغداد وصاحبت نموه وتفتحه ونضجه وراقبت نضاله وهو يتصاعد مع صعود وعيه


37 واضمرت له في قلبها احتراما وتقديرا واكبارا قلما كانت تفصح عنه كعادة البنات في االسر المحافظة وعندما عرفت منذ شهور انه استطاع اجتياز الحدود بسالم بعد محاولة اغتيال قاسم وانه االن امن اطمانت روحها القلقة واستشعرت السالم في اعماقها وتمنت له ان يعود الى وطنه م نتصرا وها هي ذي االن قد صارت خطيبته فمتى تراه يعود ؟؟ لن تطول السنوات بالفارس المسافر ولن يظل شراعه سابحا في بحر بال شاطئ فهناك خلف االفق عما قليل سوف يضئ الفنار ويعود كل قارب الى مرساته وهو نفسه يحس في داخله بان ذلك اليوم لن يكون بعيدا فهو يثق في شعبه ويؤمن ايمانا راسخا بقوى حزبه ويدرك فوق ذلك بان هذه هي ارادة التاريخ . ومع ذلك فان المناضل الحقيقي يمارس نضاله على الدوام مهما كان المكان الذي يدفع الى البقاء فيه بعض سنوات عمره وهكذا كان صدام حسين بمجرد هبوطه ارض القاهرة انضوى تحت لواء التنظيم الحزبي في مصر وما فتئ يتصاعد في مراتبه بتصاعد نضاله حتى صار عضوا في لجنته القيادية التي كانت تشرف على التنظيم داخل مصر وحدها وانما على التنظيمات االخرى المنتشرة في شمال افريقيا العربي وقطاع غزة والسودان والجزيرة العربية كذلك . وكان البد وان يلفت النشاط الكبير الذي يمارسه وتمارسه خاليا وفرق تنظيمه كلها .انظار اجهزة االمن المصرية وهي اجهزة كانت تتضخم – لسوء الحظ - في تلك الفترة بسرعة سرطانية وتبحث عن ممارسة نفوذها وسيطرتها المستقلة في بعض االحيان عن نفوذ وسيطرة الدولة في توجيهاتها المركزية – بحكم تضخمها نفسه – عن طريق بعض االجراءات الكريهة ازاء المناضلين العرب الذين اتجهوا لالحتماء بالخيمة المصرية من قهر الطغاة في بالدهم مع ان تلك الممارسات الكريهة كانت تقع على المواطنين المصريين انفسهم فان صورتها ووقعها على المناضلين العرب كانت ابشع واشد نكرا . بين الحين واالخر كان صدام يعود الى بيته فيجده قد فتش ركنا ركنا وان اوراقه قد قرئت ولعلها صورت ايضا وبين الفينة والفينة يستدعى واحد من الرفاق الى مبنى المباحث العامة البغيض بوزارة الداخلية ويستجوب وتوضع ارادته رهنا بين المطرقة والسندان بين الترغيب والترهيب حتى اوشكت القاهرة بالنسبة لهم ان تصبح سجنا اخر وكان البد من وضع حد لكل هذه السخافات التي تمارسها اجهزة المباحث العامة فقرر خمسة من المحكومين باالعدام ان يتصلوا برئاسة الجمهورية ويضعوا امامها صورة لما يجري لهم كتبوا رسالة واضحة بانه اذا استمرت هذه الحمالت البوليسية غير المفهومة فانهم سوف يسلمون انفسهم للسلطات العراقية التي تنتظرهم لتنفيذ بهم حكم االعدام .ووقع الرسالة خمسة :صدام حسين وكريم الشيخلي وحاتم العزاوي و طه ياسين العلي ومدحت ابراهيم جمعة وبعد وصول الرسالة بفترة قصيرة استقبل الشيخلي مندوبا عن رفاقه ممثل لرئاسة الجمهورية وقال له الكلمات المناسبة التي تقال عادة في مثل هذه الظروف : وهللا نحن ال نعلم انه خطأ االجهزة التي تتصرف بدون تعليمات .ال .انتم بالتاكيد احرار في وطنكم ..الخ...المهم ان المتاعب بعدها اصبحت اقل وطأة على االقل صارت اكثر تحضرا او اشد خفاء مما كانت قبلها . لم تطل االيام بعدها كان صدام حسين عائدا من رحلة مع كليته – كلية الحقوق – الى االقصر واسوان ومات كاد يدخل الى الحمام ويفتح الدوش فوق راسه حتى دق جرس التلفون واذا بكريم الشيخلي يدق عليه الباب ويصيح :صدام ..صدام فتح جانبا من الباب ليرى رفيقه ويعرف ماجرى قال كريم وهو يمسك بسماعة التلفون ويصرخ في نشوة باعلى صوته :صدام


38 ...صدام.... لقد قامت ثورة في العراق ...ثورة في العراق ...اقول ثورة في العراق ..هل تسمعني ؟.. 8 -سفينة الثورة بال ربان حكيم عندما بدات التحركات في بعض القطعات العسكرية ضد حكم عبد الكريم قاسم الدكتاتوري الفردي لم تلق اية مقاومة عسكرية فقاسم قد تقهقر مع حفنة قليلة من الضباط الذين يتبعونه الى وزارة الدفاع وهناك دارت معركة محدودة – هي المعركة الوحيدة- بين انصاره داخل الوزارة وكل القوى العسكرية والمدنية الثائرة عليه . كان نظامه قد تهالك تحت وطأة تناقضاته الداخلية ولم تكن اهداف الثورةالمجيدة قد تحقق منها اال النذر اليسير وحتى هذا النذر اليسير بات مهددا يتارجح على حافة هاوية ولم يكن قد بقي من القوى الوطنية داخل البالد سوى الحزب الشيوعي العراقي – او باالحرى قيادته – نصيرا لحكمه ومؤازرا له تحت وهم امكانية احتواءه وترشيد النظام بعد ذلك من جانب وتحت الحاح الخوف من سيطرة القوى القومية – وخصوصا حزب البعث العربي االشتراكي – على البالد .في حالة انهيار حكمه وما سوف يترتب على ذلك من تصفية الحسابات . وحينما بدت اللحظة وشيكة والح فيها بوضوح ان نظام قاسم يهوي على عروشه بضربة من قوى البعث وحده استشعر الشيوعيون فداحة الخطر بالنسبة لهم وارتكبت قيادة الحزب الشيوعي ساعتها الخطأ القاتل في تاريخها وهو لسوء الحظ كان خطأ من الفداحة بحيث سوف تدوم اثارة سنوات طويلة بعد وقوعه حتى بعد ان يصحح الحزب الشيوعي رؤيته االيديولوجية بعد ذلك بسنوات . لقد اصدرت قيادة الحزب الشيوعي يومها منشورها الشهير الذي تقول فيه )) ايها المواطنون الى السالح لحق المؤامرة االستعمارية الرجعية .ياجماهير شعبنا العظيم .ايها العمال والفالحون والمثقفون وسائر القوى الوطنية والديمقراطية قامت زمرة تافهة من الضباط الرجعيين المتامرين بمحاولة يائسة للسيطرة على الحكم تمهيدا الرجاع بالدنا الى قبضة االستعمار والرجعية فسيطرت على االذاعة في ابي غريب وهي تحاول ان تثير مذبحة بين ابناء جيشنا الباسل لتنفيذ غرضها السافل الدنئ في السيطرة على الحكم . )) الى الشوارع ياجماهير شعبنا االبي المجاهد لكنس بالدنا من الخونة المارقين (( )) الى السالح للدفاع عن استقاللنا الوطني وعن مكاسب شعبنا الى تشكيل لجان الدفاع عن االستقالل الوطني ..الى االمام .ان الشعب بقيادة القوى الديمقراطية سيلحق العار والهزيمة بهذه المؤامرة السافلة ..اننا نطالب الحكومة بالسالح الى االمام الى الشوارع الى سحق المؤامرة والمتامرين ((. وبطبيعة الحال لم تستجب لهم )) الحكومة (( ولم تقدم لهم السالح لسبب بسيط هو ان عبد الكريم قاسم نفسه وقد كان يتصور ان بوسعه قمع الحركة الثائرة ضده بمفرده مااراد ان يضع السالح في ايدي الشيوعيين الذين لم يكن يثق بهم رغم كل ماقدموه له من مساندة ودعم االى حد النزول في الشوارع للدفاع عنه ولسبب اكثر بساطة وهو انه لم تكن ثمة )) حكومة (( انذاك يمكنها ان تعطي او ال تعطي السالح فالحكومة التي هي عبد الكريم قاسم في النهاية كانت محاصرة في وزارة الدفاع تحارب معركتها االخيرة المعزولة الخاسرة في خاتمة المطاف .


39 غير ان قيادة الحزب الشيوعي لم تفقد االمل واصدرت بيانا اخر اشد حماسا واعلى نبرة : )) الى السالح لقمع مؤامرة االستعمار والرجعية .ايها الشعب العظيم ...اسحقوا المتامرين الخونه دون رحمة استولوا على السالح من مراكز الشرطة وفي اي مكان وجد فيه وهاجموا المتامرين عمالء االستعمار (( )) ان الزعيم عبد الكريم والعبدي والمهداوي وسائر ضباط المدافعين عن استقاللنا الوطني يمسكون االن بدفة قيادة الجيش . )) الحزم والجرأة واالقدام لصيانة االستقالل الوطني (( . )) الى السالح الى الهجوم في كل انحاء بغداد والعراق لسحق جيوب عمالء االستعمار المتامرين ((. واستجابت بالفعل بعض تجمعات الشيوعيين لهذه النداءات المحمومة وحمل افرادها اسلحة خفيفة كانوا يملكونها ووجهوا نيرانها الى القطعات العسكرية الموالية للثورة الناشئة كمحاولة العطاء المقاومة دفعة تشجيع ومساندة ولكن هذه المحاوالت لم تكن في الواقع سوى عمليات انتحار ية مجانية ليس لها بكل المقاييس ماكان يمكن ان يبررها فالدفاع عن الجمهورية واالستقالل الوطني ليس هو بحال من االحوال الدفاع عن قاسم ودكتاتوريته الفردية وفضال عن ذلك واهم منه ان االستقالل الوطني لم يكن في خطر والجمهورية لم تكن تتعرض في تلك اللحظة للسقوط فالذي كان في خطر هو عبد الكريم قاسم فقط والذي كان يسقط بالفعل هو ديكتاتوريته وارهابه الفردي وبعد ذلك كله تاتي حسابات القوى فما معنى الزج بقاعدة الحزب الشيوعي في نضال يائس دام محكوم عليه منذ البداية باالخفاق والفشل ؟ من اجل ماذا ؟ ان قاسم نفسه كان يحاول من وراء الستار ان يلعب بكل القوى على المسرح السياسي كما يلعب الممثل في مسرح العرائس بالدمى .ولم يكن حريصا على شئ سوى استمرار حكمه وبقاءه في مقعده والدليل على ذلك انه حاول ضرب الشيوعيين انفسهم اكثر من مرة وباكثر من طريقة ولكنهم في عمق اوهامهم واحساسهم الخاطئ بقوة لم تكن لهم بالفعل ظلوا يتابعون اللعبة هائمين في صحراء الدكتاتورية الفردية خلف سراب لم يصلوا .وما كان بوسعهم ان يصلوا اليه قط والنتيجة هي ذلك المهرجان الفاجع لالنتحار الجماعي . كيف تحدث المآسي الكبرى في التاريخ ؟ وماهي الجدوى في النهاية بعد ان تقع المآساة وتكتمل فصوال ان نتعرف على اسبابها واصولها ودواعيها ؟ لكي نتجنب وقوعها مرة اخرى ؟ ربما ولكن ماجريمة الضحايا الذين سقطوا بالمئات او باالالف على ارصفة التاريخ دون شاهد حتى ليذكر ب قبورهم ؟من يعرف االن اسماء الذين سقطوا في الموصل وكركوك والبصرة وبغداد في صراع دام مجاني بين ابناء الوطن الواحد ؟ من الذي يعوض الوطن عن ابناءه مهما ندمت واستنكرت واستغفرت حفنة من المخطئين او المنحرفين دفعت بهم الى الهاوية تحت وطأة الخطأ او االنحراف او حتى الجريم‘ ؟ ومع ذلك فأن التاريخ من فرط مفارقاته يبدو عبثيا في بعض االحيان ان الذين اطلقت عليهم منشورات الحزب الشيوعي الهوجاء في صبيحة 8 فبراير – شباط 1963 صفات التامر والخيانة والعمالة لالستعمار ودعت اعضاءه لرفع السالح في وجوههم وسحقهم هم انفسهم الذين سوف يجلس اليهم قادة الحزب الشيوعي العراقي .بعد ذلك بعشر سنوات ليعقدوا معهم في يوليو – تموز 1973 ميثاق الجبهة الوطنية والقومية والتقدمية ومن المستحيل ان يتصور المرء ان )) المتامرين (( و )) الخونة (( و )) عمالء االستعمار (( قد تابوا عن )) تامرهم (( ورفضوا )) الخيانة (( ونب ذوا العمالة لالستعمار حتى ان قادة الحزب الشيوعي قد ارتضوا


40 ان ينخرطوا في جبهة وطنية وقومية وتقدمية معهم بل نص ميثلقها على انها تحت قيادتهم اي قيادة حزب البعث العربي االشتراكي . انه التاريخ الذي هو ماساوي في جوهره كما كان يقول هيجل ومع ذلك فما اشد فداحة الثمن الذي تدفعه الشعوب وجماهير الناس البسطاء دائما . لقد ذكر ميشيل عفلق االمين العام لحزب البعث العربي االشتراكي يومها)20-2-1963 ) موقف البعث من الشيوعية قائال: ليس لنا موقف سلبي من الشيوعية كعقيدة فنظرتنا الماركسية هي نظرة تقدير ونحن كاشتراكيين نقتبس اشياء كثيرة من الماركسية اما بخصوص التعايش مع االحزاب الشيوعية في االقطار العربية فاالمر يختلف فهذه االحزاب برهنت في كثير من االحيان على عدم تفهم الحركة القومية العربية ووقفت في اكثر االحيان بوجه هذه الحركة الشعبية . ) والحقيقة ان هذه االحزاب بالنسبة لحركة التحرر والوحدة االشتراكية ال يمكن تصنيفها في اليسار بل هي تقف في الصف اليميني النها عائق في وجه تحرر الجماهير وتقدمها (. ) كان الشيوعيون معادين بصراحة للوحدة التي هي مطلب جماهيري وقد باشروا مذابح واعماال همجية لصد هذا التيار وانا حريص جدا على القول بان الحزب :حزب البعث العربي االشتراكي حذر جدا من االنزالق في موقف معاد للشيوعية لمعرفته بان هذا خير سبيل لتدخل االستعمار والرجعية واستغاللها الموقف ...( اما احمد حسن البكر الذي كان رئيسا للوزراء صبيحة 8 -2 -1963 فلقد اعلن ان ) موقف الثورة من الذين حملوا السالح بوجهها اليعني ان الثورة تحارب الشيوعية كعقيدة ( وقال : ) من الساعات االولى للثورة نشر الحزب الشيوعي العراقي بيانا يدعو فيه اعضاءه وانصاره الى حمل السالح في وجه الثورة وينادي فيه صراحة بالتقتيل واالبادة وكان الموقف الذي اتخذته الثورة موقف دفاع عن النفس ...لقد كنا امام احد امرين : اما ان نقف بقوة ضد الردة واما ان نتراجع عن كل قيمنا ومبادئنا ونترك الثورة الن الشيوعيين قاوموها ..وقد اخترنا الحل االول النه الحل المنطقي والمعقول ...(. ) اننا النحارب الشيوعية كعقيدة وانما نتخذ تدابير وقائية ضد تنظيم سياسي معين في قطر معين اثبتت التجربة انه ضد الثورة العربية والوحدة العربية (. ) اننا كيساريين عرب نناضل ضد االستعمار والننسى المواقف الودية التي وقفها االتحاد السوفيتي من بعض القضايا العربية وخاصة في المراحل االخيرة من تاريخنا القومي ولكننا مصرون على بناء تجربتنا االشتراكية الخاصة...( مهما يكن االمر فلقد مضت الثورة في عمرها القصير تحاول ان تحفر طريقها وسط الصخر وتحارب على اكثر من جبهة وتسعىت الن تحقق االهداف التي قامت من اجلها . ) لقد اكدت على اهمية السير قدما في طريق التحويل االشتراكي للمجتمع على اساس ديمقراطي وبمشاركة الجماهير الشعبية واعتبرت العمال والفالحين والمثقفين الثوريين من العسكريين ومدنيين والبرجوازية الصغيرة هي القوة التي تصنع بتحالفها الثورة االشتراكية في مرحلتها االو لى ( ) كما اكدت على اهمية االدارة الديمقراطية العمالية لوسائل االنتاج واعتبرت الثورة الزراعية خطوة البد منها لنمو اقتصاد سريع وانتبهت الى ان اشراك الفالحين في تنفيذ الثورة الزراعية شرط اساسي لنجاحها ((


41 ) واكدت كذلك على اهمية حرية المنظمات الشعبية – العمالية والفالحية والمهنية والنسوية – واستقاللها الذاتي والشعبي عن السلطة كضرورة يمليها الدفاع عن مصالح تلك الفئات والطبقات ( وهكذا فأن ) الشهور القليلة التي تشكل عمر الثورة قد حفلت بمنجزات كثيرة في حقول االصالح الزراعي والتصنيع والتخطيط كما حفلت بمشاريع عديده تم انجازها بالعمل الشعبي معتمدة على سواعد الفالحين والعمال والجنود والمثقفين والثوريين وحرصت الثورة على تامين مصالح الطبقات الكادحة وفي طليعتها الطبقة العاملة وذلك بتشريع القوانين التقدمية وحماية هذه الطبقات من االستغالل والتعسف ( ومع ذلك فأن الثورة لم تستطع ان تواصل طريقها كانت ماتكاد تمضي خطوة حتى تتعثر بعدها كانت تحاول ان تسير على حبل مشدود بين هاوتين : الحصار وااللتباس فأجهزة االعالم في اوربا االشتراكية العلنية والسرية لم تكف تحت وطأة المعلومات التي يقدمها الشيوعيون العراقيون وبتأثير الصراع الذي جرى بين الشيوعيين والثورة الجديدة عن مهاجمة النظام الذي لم يكن قد شب بعد عن الطوق فضال بطبيعة الحال عن هجوم القوى االستعمارية والرجعية عليه وشيئا فشيئا وجدت الثورة نفسها محاصرة داخل حدودها واالسوار ترتفع حولها يوما بعد يوم . ومن جانب اخر فأن السلطة الجديدة التي تسلمها حزب البعث العربي االشتراكي بمفرده الول مرة محاوال ان يطبق افكاره ويصنع تجربة خاصة بالمعنى السياسي وااليديولوجي كانت يوما بعد يوم كذلك تفتقد وحدة قيادتها وتتسلل اليها عوامل التفكك والتكتل واالنقسام وكانت تفتقر الى ) الربان الحكيم ( وربما ) الحكيم والحازم ( في نفس الوقت ومن ثم بدأت تنزلق من قمتها الى منحدر سحيق سوف تهوى بداخله في جملتها صبيحة الثامن عشر من نوفمبر – تشرين الثاني حينما ينقلب عبد السالم عارف على البعثيين ويستاثر بالحكم وحده متنكرا للذين رفعوه محطما الج ماجم التي حمتله الى كرسي الرئاسة ذات يوم منذ تسعة اشهر . ومرة اخرى يتجلى التاريخ مأساويا في جوهره .. 9 -هذا القرار لن التزم به حينما هبط صدام حسين بغداد بغداد قيام الثورة الحقه الحزب عضوا في )) مكتب الفالحين المركزي (( وظل يعمل فيه حتى وقع انقالب عبد السالم عارف في 18 -تشرين الثاني عام . 1963 وفي الشهور االخيرة من عمر الثورة القصير استطاع بذاته او لنقل بحسه التريخي المرهف ان يلتقط ظواهر طافية على سطح الحياة السياسية تثير استغرابه ثم مالبث استغرابه ان اصبح استرابة ثم غدت االترابة يقينا في اعماقه بان الثورة تمضي الى حتفها ال محالة . كان غياب الربان الحكيم والحازم يثير قلقه ويدفعه االحساس بان الثورة تقفز نحو مصيرها المجهول والمحتوم وما عزز لديه ذلك االحساس طبيعة المناقشات التي جرت في المؤتمر القطري الخامس لحزب البعث الذي انعقد في العراق حينذاك لقد تبين له ان القيادة منقسمة على نفسها واسوأ ما في االمر ان االنقسام لم يكن ينهض على ركيزة اساسية او ايديولوجية ثم تكشفت له فداحة الكارثة المقبلة حينما عجر المؤتمر عن حسم الصراع الناشب بداخله على الرغم من حضور ممثلين للقيادة القومية جلساته ال المؤتمر قادر على الحسم وال القيادة القومية


42 يقادرة بل ان قطبي الصراع في المؤتمر ينتخبان بتساوي االصوات في نهاية المؤتمر اذن فالمعنى الوحيد الذي يمكن ان يستخلص هو ان سفينة الثورة تشدها من جانبيها قوتان متوازيتان وما من ربان يستطيع ان يحسم او يثقل كفة واحد من الجانبين – او االصح ان يجعل كفة الحزب بمبادئه وتقاليده الى جانبه – وانقسامها الى شطرين بات قدرا ال مفر منه . ولم يكن بوسعه ان يصمت كان مجرد عضو عادي ساعتها يده بعيدة عن زمام القيادة غير انه على االقل كان يملك الشجاعة والمقدرة ووضوح الرؤية ونزاهة االرتفاع فوق التكتالت والشلل ومع ذلك بدت كلماته غريبة الوقع في اذان سامعيها فمن هو ذلك الذي ياتي الى مثل هذا المؤتمر مع تصما بما يؤمن به من مبادئ فقط ويهاجم التكتل والشللية والمصالح الشخصية والضغائن الذاتية ويتحدث بهذه النبرة الموضوعية عن وحدة الحزب وكانه مبشر جاء يدعو الى الصالة قوما ضالين ؟ لقد مارس هذا الدور عبر كل المؤتمرات الحزبية التي حضرها وصوال الى المؤتمر القطري ولكنه رغم كل ما احيط به في المؤتمر القطري استطاع ان يصل الى المؤتمر القومي باالنتخاب ساعدته على الوصول اليه اللعبة التكتلية نفسها التي غرق فيها االخرون فضال عن اصوات اعضاء المح افظات الذين بدوا في تلك اللحظات العصيبة حيارى مضيعين ال ناقة لهم وال جمل فيما يدور حولهم من صراعات المبدئية وعندما وقف في المؤتمر القومي الذي عقد في دمشق كرر نفس قناعاته فيما يتعلق بتشخيص الموقف في بغداد .بل انبرى للهجوم على من اعتبره مسوؤال عن دفع سفينة الثورة لالرتطام بالصخور :علي صالح السعدي بوصفه امينا لسر القطر فلقد كان صالح السعدي – كما ظهر جليا امامه في قاعة المؤتمر – رجل االندفاع الطفولي بغير حسابات رجل العبارات الثورية الفارغة وما اكثر ما قتلت العبارة الثورية الفارغة روح الثورة . يمها وقف صدام حسين امام كل اعضاء المؤتمر القومي السادس – وقال كلمات كالنبوءة : )) انني ال اعتقد ان المؤتمر القومي القادم سينعقد والثورة مستمرة في القطر العراقي ((....ولم يمض بعدها اال شهر ونصف شهر حتى كان عبد السالم عارف يضرب صربته الغادرة ويفتح ابواب السج ون والمعتقالت للبعثيين ويسعى بحماس محموم اتصفية البعث وينفرد وحده – عبر انقالبه – بمقاليد السلطة. كانت االيام القليلة السابقة على االنقالب بالغة الداللة على مايجري وما سوف يجري بالنسبة له قبل االنقالب باربعة ايام كان جالسا في مكتب الفالحين مع رفاقه من بينهم احمد العزوز ومحسن شعالن وسيد حسين جبر واذا بشخصين يدخالن عليهم وقد صوبا رشاشاتهما نحوهم :ارفعوا ايديكم وسلموا .وبسرعة البرق سحب صدام مسدسه الذي كان يحمله دائما وصوبه نحوهما ماهي القصة ؟ ال احد يجيب ولكن المفاجأة جمدت اصابعهما وبدا ان اي اطالق للنار من احد الجانبين عبر هذه المسافة الصغيرة سوف يؤدي الى مقتل الطرفين ولم يكن بوسعهما اال ان يجريا وهما يطلقان النار خلفهما فاصابا فالحا اسمه ياسين كان عضوا في اتحاد بغداد للفالحين.وعندما انتشر النبأ زيفت الحقيقة وقالوا ان صدام هو الذي اطلق النار على الحرس القومي فاصاب واحدا وقتل اخر . وبعدها بيومين كان يركب سيارته ) الفولكس فاجن ( متجها الى ناحية الكرخ على ضفة االخرى للنهر وكان الى جانبه احمد طه العزوز واذا بالحرس القومي يعترض طريق السيارة ويرفع رشاشاته مرة اخرى في وجهه ..قف ...قف..وعندما توقف جاءه )) لطيف الدليمي ((


43 وكان ذلك اول لقاء بينهما وتحدث معه وبعد ذلك تنبه الدليمي الى ان من بالسيارة رفاقا له فطلب الى اعضاء الحرس القومي المتحلقين حوله اال يوجهوا لهم اية كلمة نابية وركب لطيف معهما بالسيارة واوصلهما الى مقر القيادة العامة للحرس القومي استجابة المر صادر منها باعتقال صدام حسين واحمد العزوز ولكنه هناك لم يجد احدا ظل ساعتين جالسا في مقعده ومعه رفيقه دون ان يقول له احد كلمة واذا برفيق له هو حاتم العزاوي رفيقه في عملية اغتيال عبد الكريم قاسم يدخل على مقر القيادة وقد ارتدى مالبس الحرس القومي وبيده غدارة وصرخ باعلى صوته : اريد ان يقول لي احد ماذا فعل صدام ولم يجبه احد فعاد يقول :افهم من هذا ان ليس هناك مشكلة معه ولم يجبه احد فنظر الى صدام وقال له :اذن تفضل معي ..وخرج مع رفيقه الى الطريق وهو يزداد يقينا ان هذا الجو االرهابي المشحون يمهد بالضرورة لعمل مشين ولم يمض سوى يومين حتى كانت مدافع عبد السالم عارف مصوبة الى صدر الحزب بكامله . في 19 نوفمبر – تشرين الثاني – كانت سرية من كتيبة الدبابات االولى المعروفة باسم )) 14 رمضان (( تتمركز القاطع الذي يفصل بين القصر الجمهوري ومقر االذاعة وكان من بين ضباط هذه الكتيبة )) عدنان خير هللا (( ابن الحاج خير هللا طلفاح ..خاله ..ووالد زوجته وكان عدنان اخا اخر لصدام تربيا معا في نفس البيت وعاشا معا اكثر سنوات عمرهما في تكريت او بغداد وكثيرا ما كان صدام يزوره في مقر الكتيبة قبل االنقالب وهناك تعرف على عدد كبير من زمالئه الضباط فما كان منه اال ان توجه اليهم حيث كانوا يحرسون الطريق المهم بين الموقعين المؤثرين غداة االنقالب ..شرح لهم الموقف بصراحة :ليست هذه حركة تصحيح كما يزعمون التصحيح يقوم به الحزب نفسه وغض النظر عن اخطاء القيادة فان الحزب ينبغي ان يواصل مسيرته ويصحح اخطاءه من داخله ..هذه بوضوح مؤامرة على الحزب ..قالوا جميعا باقتناع :اننا حاضرون ..فقط نري د موقفا حاسما ولم يكن هو في موقع قيادي يسمح له بحسم الموقف .. في اليوم التالي تمكن من لقاء )) ابي هيثم (( الرفيق احمد حسن البكر وشرح له مشاعر الضباط واستعدادهم لحماية الحزب وضرب المؤامرة وبعدها تمكن من لقاء ) حردان التكريتي (وقال له كلمات قاطعة :لقد استخدموك اليوم وغدا سوف ينتهي دورك اراد ان يفصل بينه وبين عبد السالم عارف وطاهر يحيى ورشيد مصلح واقتنع حردان بعد ساعتين من النقاس ومضى الى مؤتمر للضباط عقد في مديرية االستخبارات العسكرية ودخل مع عبد السالم عارف في مشادة كالمية ..حردان يقول :هذه حركة تصحيح داخل الحزب .وحزب البعث باق وعبد السالم عارف يرد عليه :هذه ثورة قومي ة وحزب البعث انتهى ...بعدها بدأ صدام يوجه حردان توجيها مباشرا – منسقا في ذلك مع ابي هيثم – نحو العمل على حشد الحزبين الستعادة شرعية الحزب ..غير ان االحداث كانت اسرع ..تقرر نقل كتيبة الدبابات االولى الى البصرة وفقدوا القوة التي يمكن ان تساند االمل في القيام باي شئ . غير ان االمل في قلوب الثوار الحقيقين ال ينطفئ ابدا على العكس اوقد التحدي الجذوة في قلب صدام حسين ..فمضى وسط الظلمة يتحسس طريقه كي يجسد االمل من جديد فاتح عددا من رفاقه الذين يعرفهم .في التجمع والتماسك واعادة بناء الحزب مرة اخرى كان بينهم فاتك الصافي وعبد هللا سلوم وحاتم العزاوي وتهيأت له مجموعة من خمسة عشر رفيقا وبدأ وشيكا حلول موعد انعقاد المؤتمر القومي السابع في دمشق وقرر ان يذهب مختفيا لحضور المؤتمر


44 متسلال من الحدود العراقية السورية وستبدأ من هذه اللحظة مرحلة االختفاء الجديد في حياته ولكن هذه المرة داخل حدود الوطن نفسه . في دمشق التقى بمؤسس الحزب : ميشيل عفلق حدثه عن ظروف العراق وما جرى للحزب في العراق وكان هناك على صالح السعدي ايضا وبدأ ان المؤتمر سوف يضيع وسط مناقشات عقيمة بين وجهات نظر متعارضة بل متناقضة واغلب الظن انه لن يستطيع الوصول الى قرار يحمي استمرار الحزب في القطر العراقي .واقترح صدام – وهذه هي صورة الوضع – اال يحضر العراقيون المؤتمر بكافة اجنحتهم بدون استثناء وقبل ميشيل عفلق وجهة نظره بعد ان اقتنع بها . وعاد صدام حسين والتقى بالرفيق المؤسس مرة اخرى وقال له :سادخل العراق مرة ثانية .وساواصل عملي وساخذ معي وسائل الطباعة الضرورية للكفاح السري وساسعى لتشكيل )) نواة قيادية (( مؤقتة حتى تقرر القيادة القومية امرها في صورة القيادة التي تراها لتوجيه العمل داخل العراق .واقترح اال اكون انا واحدا من اعضاءها فالذين انشقوا على الحزب يركزون كل هجومهم علي ..ولست اريد ان نخسر حتى وال نصيرا واحدا من اجل صدام حسين ..غير انني ساكون دائما رهن اشارة هذه القيادة بكل جهد استطيع للقيام به .. وتسلل مرة اخرى عائدا الى بغداد وبدأ يقيم جسورا سرية مع )) ابي هيثم (( ويسعى بحماس العادة تشكيل اجهزة الحزب وعندما وجد قرار القيادة القومية قد تاخر في الوصول ..اصدر بيانا باسم ) القيادة القطرية المؤقتة (اعلن فيه فصل ) علي صالح السعدي ( و) حازم جواد ( وحدد ا تجاه العمل للمرحلة القادمة .وبدأ سريعا ان مد االنشقاق ينحسر وان الموجات المؤيدة للشرعية الحزبية والمساندة للقيادة القومية تتصاعد شيئا فشيئا بايقاعات حثيثة . وبعدها جاء قرار القيادة القومية بتعيين قيادة قطرية جديدة تتشكل من : عبد الكريم الشيخلي – امينا للسر- وتضم عضويتها :صدام حسين و احمد حسن البكر و محمد صبري الحديثي وحسن العامري .وبدأت شرعية القيادة تتخذ كامل اهابها كان عبد الكريم الشيخلي ايامها معاون الملحق العسكري بالسفارة العراقية في لبنان وعندما وقع انقالب عارف ترك منصبه وذهب الى سوريا ومنها تسلل الى العراق واتخذ موقعه في القيادة الجديدة للحزب .وتوزعت بين اعضاء القيادة الجديدة مسؤوليات كل عضو كان الشيخلي امينا للسر ولم يحمل مسؤولية اخرى وكانت الرقابة مشددة على )) ابي هيثم (( رئيس الوزراء السابق بحيث حاصرت حركته الى حد بعيد وتولى محمد صبري الحديثي مسؤولية مكاتب العمال ونشاطات االتصال الخارجي .وتسلم حسن العامري مسؤولية فرع بغداد .اما صدام حسين فلقد وضعت على عاتقه مسؤوليات :المكتب الفالحي والمكتب العسكري المركزي وفرع بغداد العسكري ومكتب االتصال الخارجي مع التنظيمات العسكرية خارج بغداد .بمعنى اخر كل التنظيمات العسكرية في فقراتها االساسية باالضافة الى مكتب الفالحين .وشكل بعد ذلك مكتبا لضباط االحتياط من رفاق وانصار الحزب . وبدأ العمل انتشرت مرة اخرى بيانات ومنشورات القيادة القطرية واعيد طبع بيانات القيادة القومية ثانية في بغداد ومن الدعم المالي الذي كانت تقدمه لهم القيادة القومية ومن امكاناتهم المالية الذاتية داخل القطر ..اخذوا يشترون قطع السالح واتخذوا لهم مركزين احدهما لخزن السالح في بيت ) حسين محمود ( واالخر الغراض االختفاء في بيت )عبد هللا خليل ( وكذلك بيت طالل الفيصل ونديم ياسين .


45 وعاد االمل في القيام بعمل ثوري ضد نظام عبد السالم عارف يداعبهم من جديد مع النمو المطرد في قوة التنظيم واجتمعت القيادة لتدرس خطتها وتقدر الموقف تقديرا كامال . كان السالح الذي يملكونه مازال قليال فطلبوا السالح من القيادة القومية واخذوا يصنعون قنابل يدوية محلية من مادة ال ) ت .ان .ت ( وكان صدام حسين وعبد الكريم الشيخلي يصنعانها بايديهما بعد ان يجمع مادتها رفيق لهما اسمه ) غالب محمود ( من صيدي السمك – وهو زوج شقيقة صدام حسين – ويشاركهما في هذه الفعالية صبي صغير اسمه برزان وهو شقيق صدام من امه ..وكانت الخطة تقتضي الهجوم على القصر الجمهوري والسيطرة على وحدات الحرس من الداخل وقيادتها لتطويق القصر نفسه وكان الحرس الجمهوري رفاق لهم وتوجه صدام مع رفيق له اسمه عبد الكريم مصطفى نصرت وفاتحا احد الرفاق الضباط في كتيبة الدبابات بالحرس فوافق وكانت مهمته تتركز في تسهيل دخول الفرقة الصدامية الى داخل الحرس والباقي عليها وتحددت ساعة صفر للعملية كانت تفترض وصول شحنة السالح من سوريا قبلها اي قبل الخامس من سبتمبر – ايلول 1964 . ولكن فجأة اكتشفت الخطة ووقع هجوم صاعق على اعضاء الحزب انفسهم في الرابع من ايلول – سبتمبر اي قبل الموعد المقرر بيوم واحد وتاخرت شحنة السالح فلم تصل اال في السادس من الشهر نفسه وكشف امرها وجن جنون السلطة فلقد ادركت ان الحرس الجمهوري نفسه بات مخترقا وبدأت حملة مسعورة اللقاء القبض على القيادة التي اعترفت عليها بعض الذين قبض عليهم ووقعوا تحت طائلة التعذيب الوحشي وشل التنظيم الحزبي من اثر الضربة المفاج ئة وبات عليه ان يبدأ . في احدى االمسيات جلس صدام حسين مع عبد الكريم الشيخلي يتدارسان الوضع ويحسبان حساباتهما مرة اخرى واذا بالساعة تبلغ الواحدة بعد منتصف الليل فنهض صدام يريد ان يذهب الى اين ؟ قال : لكي ابيت في الوكر الذي نخفي فيه السالح قال له عبد الكريم : ان دوريات الشرطة نشطة في هذه االيام ومن االفضل ان تقضي بقية الليل عندي وفي تلك الليلة هوجم بالفعل وكر السالح وانقذ صدام بالمصادفة )) ولكن ال صدام وال كريم كان يعرف ان وكر السالح المركزي قد داهمته السلطة . في اليوم الثاني ذهب الى )) وكر (( السالح نفسه وكان وكرا رئيسايا فيه مركز طباعة ومركز اختفاء لعبد الكريم الشيخلي وفي صحبته بالسيارة كان الشيخلي ..نفسه وطالل الفيصل .هبط من السياره وذهب ناحية باب البيت ودق الجرس واذا به فجأة يجد مدفعا رشاشا مصوبا نحو خاصرته ومن خلف الباب صوت يصرخ فيه ..قف التتحرك اذن فقد مقع الصيد الثمين فريسة سهلة في ايدي اعدائه ..غير ان صدام الذي يملك اعصابا قوية وباردة الى حد ال يصدق وضع قناعا ثلجيا على وجهه وساله وكأن شيئا لم يحدث : اليس هذا بيت محمد ؟ صرخ الصوت من الداخل مرة اخرى : اقول لك التتحدث ارفع يدك .وبنفس االعصاب القويه والصوت المحايد اجابه صدام : اخي ماهي قصتكم ؟رشاشات ؟ماهذا ؟ اال توجد حكومة ؟ هل سابت الدنيا ؟ وفي نفس الوقت كان يمد يده بسرعة الى المسدس الذي يحمله وما ان وضع يده على الزناد حتى صرخ في الشرطي وهو يسحب طلقة من مسدسه : ارم الرشاشة ياكلب ..فوجئ الشرطي وقفز من مكانه بيد ان الرصاصة لم تنطلق سحي الثانية ولم تنطلق فلما ادرك الجندي ان مسدسه ال يعمل يخونه عاد اليه وقد تيقن انه فاز به غير انه من فرط مفاجأته االولى لم يسحب عليه رشاشة بل بدأ مرتبكا بعض الشئ فأخذ صدام يتراجع الى الخلف نحو السيارة التي كان يجلس بها ) كريم وطالل ( وما ان شاهداه في هذا الوضع حتى


46 تحركت السيارة بعيدا عن البيت من فرط مفاجأتهم ومن ثم هبط من السيارة طالل وكان يحمل غدارة نسي ان يضع فيها مخزن عتادها سحب صدام طلقة ثالثة ووجهها الى الشرطي الذي يالحقه ولكنها مرة ثالثة لم تنطلق فأخذ يركض وبيده المسدس حتى ابتعد قليال عن الشرطي وسحب طلقة رابعة ولكنه بدال من ان يوجهها اليه قرر االيصيبه وقد ابتعد خطره فأطلقها فوق راسه فاذا بالشرطي يركض الى الخلف متوجها نحو البيت الئذا بحياته وركب ) صدام ( السيارة ومضت به مع رفيقيه. وخيمت على سماوات العراق ايامها سحابات داكنة ثقيلة من االرهاب االسود .اعتقل اعضاء القيادة الواحد تلو االخر ابو هيثم ( و ) عبد الكريم الشيخلي ( و) حسن العامري ( وعهم معظم كوادر الحزب المتقدمة واعداد ضخمة من االعضاء واالنصار وبات العبء فادحا على اكتاف صدام حسين ولكنه لم يفقد قط حماسة والجرأته الخارقة وال ...امله كان يبدأ حركته ساعة الفجر ويخرج الى الطريق مع العمال الذين يتوجهون الى مصانعهم ومعاملهم .الى ما قبل الثامنة صباحا وفي الليل عندما تهبط الظلمة وتلف المدينة كان يخرج الداء واجبه حتى ماقبل منتصف الليل و في الساعات تكون وطأة دوريات االمن اخف وامكانات الحركة السريعة اكبر وكان قد برع على كل حال في تغيير هيئته والتنكر الحاذق حتى ان بعض رفاقه ماكانوا يعرفونه اال بعد ان يبدأ في المباسطة معهم وكان يشتري سيارات قديمة خردة ويبدل ارقامها ويستخدمها ثم يبدلها . وذات يوم وهو يعبر جسر الجمهورية في طريقه نحو الباب الشرقي في بغداد في سيارة ) زودياك ( اذا به يجد امامه سيارة شرطة بداخلها ضابط برتبة ) مقدم ( ويتطلع اليه بانتباه وتركيز ويتحدث في جهاز الالسلكي بسيارته ويشير على سيارته وعلى الفور استيقظت في نفسه كل غرائز اليقظة والحذر والدفاع عن الحياة وكان يحمل في سيارته على الدوام رشاشا وقنبلتين يدويتين فضال عن مسدسه الذي اليفارقه قال لرفيقه غالب محمود الذي كان يصحبه :انتبه هئ الرشاش وافتح زجاج النافذه قليال ولكن التطلق حتى اقول لك ..وتقدمت سيارته وتقدمت معها محاذية لها ت ماما سيارة الشرطة وعندما بلغتا نقطة عبور المشاة اذا بالضابط داخل السيارة ينادي على شرطي المرور ويطلب اليه ان يوقف سيارة صدام ولكن الشرطي اقترب من الضابط وانشغل في اداء التحية العسكرية له ..وفي لمح البصر انفلتت سيارة صدام ومضت مسرعة وغابت وسط الزحام بينما كان الشرطي يتلقى سباب ضابطه النه لم يفهم .. في اليوم التالي كان يجتاز ساحة 14 رمضان في بغداد في سيارة ) فولكس واكن ( وتزتحمت سيارة احد العابرين مع سيارته فاذا بقائدها يسحب مسدسه عليه فاضطر صدام ان يسحب مسدسه هو ايضا قال : هذا واحد اخر عرفني واغلق زجاج سيارته وظل جالسا خلف القود فاذا الرجل يوقف سيارته ويهبط منها حامال بيده مسدسه متجها نحوه بخطى ثابتة صرخ فيه صدام على الفور التتقدم واال قتلتك ماذا تريد يارجل ؟ ابعدني عن شرك ولكن الرجل المسكين لم يكن يعرف طبيعة الموقف الذي يضع نفسه فيه قال له في سذاجة ممجوجة في تلك اللحظة :انت زاحمتني ..قال له صدام : يابا اذهب لم ازاحمك ..رد عليه الرجل :ارمي مسدسك ..امجنون هذا ؟قال له صدام : اذا خطوت خطوة واحدة الى االمام ساطلق النار وخطى الرجل خطوة فاذا بصدام – الهداف الممتاز – يطلق طلقته من فوق راسه تماما حتى يخيفه دون ان يقتله ..سقط الرجل على االرض ثم نهض مسرعا وجرى الى سيارته ومضى الى سبيله واشتد توتر الموقف .وزادت قوات االمن من هجماتها على كل بيت تظنه فيه وبالمقابل راح هو يغير اوكاره واساليبه بهدوء اعصاب وثقة وامل اليخمد وفي تلك اللحظة جاءته


47 رسالة من القيادة القومية تطلب منه ان يغادر العراق ويتجه نحو دمشق حتى اليقع في ايدي شرطة النظام ويدخل السجن – هذا قرار .. نظر صدام حسين الى مندوب القيادة القومية وقال له :يارفيق ..انا في كل حياتي ملتزم ولكن هذا القرار وحده لن التزم به ..لن انفذه ..ان االلتزام به سوف يؤذي اعضاء الحزب المتبقين ويحط من روحهم المعنوية في وقت هم احوج فيه الى من يشد ازرهم ويساندهم وينفخ في اعماقهم جذوة االمل يارفيق ..هذا ردي وتحياتي للقيادة القومية . غير ان القيادة القومية وقد واجهها بهذا العناد الصلب .اقترحت عليه ان يقوم بتسجيل كلمته بصوته تذاع من راديو دمشق وكانه هو الذي يذيعها واعجبته الفكره ولكنه بدال من ان يقول في تسجيله انه في دمشق .قال بل انا في بغداد ..واذيع التسجيل من راديو دمشق لكي يسمعه المعتقلون البعثيون ويعاونهم في رفع معنوياتهم في محنتهم القاسية في غياهب السجن والمعتقالت .اشتد الحصار واندفعت قوات االمن بشكل محموم للبحث عنه قلبت المدينة رأسا على عقب فتشت كل ركن قلبت كل حجر لترى ماتحته وضعت اركان الشوارع والساحات عرباتها المسلحة المزودة بالالسلكي .شكت في كل شخص استجوبت مئات واالالف الناس واغرقتهم وارهبتهم وسقط في النهاية واحد لم يصمد امام التعذيب الوحشي ..واعترف ان صدام حسين في بيت) طارق جهاد ( واذا به يجد نفسه فجأة مطوقا من كل جانب هل جاءت اللحظة اخيرا التي يسقط فيها الفارس في حبائل العدو ؟ هل انتهى كل شئ والبد من ان يرفع يديه حتى توضع فيها السالسل ويقيد من الخلف ؟ ومع ذلك البد من المقاومة ولكن هل تجدي المقاومة ؟اراد اختبار القوة التي تطوقه فأطلق عددا من طلقات مسدسه فاذا بسيل من الرشاشات يجاوبه من كل ركن ..ال ..ال معنى للمقاومة المستحيلة هذه المرة والتي لن ينجم عنها اال ضحايا قد تكون بريئة من الشرطة باالضافة الى ما سيتحمله اصحاب الدار الذين يأوونه من عقاب عندما تسيل الدماء على ابواب دارهم او في فنائه ..ال مفر ...وبصوت مدو مجلجل هتف بسقوط عبد السالم عارف ..وبحياة حزب البعث العربي االشتراكي ..وسلم . عندما صعدت القوة العسكرية الى الطابق االعلى حيث كان يقف بدأ بعض ضباطها يكشفون عن وضاعتهم وانحطاط خلقهم بتوجيه عبارات مهينه الى صبية كان عمرها خمسة عشر عاما ..وامها ..هما اخت وام رفيقه طارق جهاد ..فاذا به ينتفض كمن مسه مس وسحب قنبلة يدوية كانت موضوعة في كي س من الورق فوق الطاولة المجاورة دون ان يلتفت اليها احد وصرخ بالضابط :اذا تكررت هذه العبارات الوقحة انظروا هذه القنبلة .ساقتلكم واقتل نفسي ..فانتبه قائد الحملة الى خطورة الموقف فامر الضابط بالكف عن بذاءاته .. دخل الى غرفته وارتدى مالبسه وسحب )) خرطوشتين (( من سجائر )) الروثمان (( قال لهم : ال لقد انتهى التدخين بالنسبة لي ... 10 -حتى تتحطم كل القضبان في مبنى االمن العام كان رشيد محسن – المدير العام – يسير في غرفته جيئة وذهابا وهو يصفق بيديه طربا فها قد وقعت الفريسة اخيرا في الشباك وعندما دخل عليه غرفته حاول ان يطامن فرحه ويصطنع الهدوء وقليال من الالمباالة ونظر اليه بعينين تتبدى فيهما الشماتة وقال له :


48 صدام ..لماذا اعطيت سجائرك للجنود ؟ حتى التدفعوا لي بسيجارة من تحت الباب .. أه ...واالن ياصدام ..كل شئ قد انتهى االن االخوان في القيادة تحدثوا الي بكل صراحة عن كل شئ ال اعتقد اننا محتاجون لسماع كالمك ومع ذلك من الضروري ياصدام ان تشرح لي : هذه االمور كيف صارت ؟ هه؟ ومادمتم تعرفون يارشيد كل شئ فماذا يفيدكم كالمي ؟اسمع سوف احكي لك قصة ال تأبه بها انت االن وقد تظن انها ليست قابلة للتنفيذ ولكنك ستدرك فيما بعد مااقصده منها ..انها قصة سمعتها وانا صغير ولم تغب عن بالي قط ..هه ؟ هل تسمعني ؟ انتبه .يحكى ان احدهم في زمن الحكم العثماني اتهم بحادث قتل احد االشخاص المقربين من الحكم .فقبضوا عليه وساقوه الى التحقيق واستخدموه معه كل الوسائل التعذيب التي كانت معروفة لديهم الى حد انهم كانوا يسلخون من جلده ويقلعون اضافره وظلوا يفعلون معه هكذا سنة كاملة .وعجزوا عن ان يستنطقوه بكلمة فقادو ه الى المحاكمة فأفرجت عنه المحكمة وكان ذلك الرجل من الموصل وعندما خرج من السجن توجه الى الحمامات العامة في الموصل كي يستحم فاذا برجل اخر يغتسل في الحمام يقول له : عمي تريد جيالني ؟ ) وهو نوع من الطين االحمر كان يستخدم بدال من الصابون ( اجابه الرجل ..يابا فضلك واخذ من الرجل قطعة منه ولكن الرجل عاد فقال له )) عمي اتريد ان اساعدك واغسل لك ظهرك ؟فاجابه : يابا فضلك ..فغسل له ظهره .وبينما هو يفعل قال له ..عمي هذا ماذا يكون ؟ لماذا هكذا ظهرك ؟؟)) فلقد كانت اثار التعذيب واضحة عليه (( اه هل انت )) فالن (( اليس كذلك ؟ رد عليه الرجل قائال :نعم ..فساله مرة اخرى ...اال تحكي لي كيف قتلك ذلك الرجل ؟فالتفت اليه السجين السابق وصفعه وهنا صاح الذين كانوا يستحمون بجانبه : اي انسان انت ؟ هذا الرجل يساعدك وتضربه ؟؟ فنظر اليهم الرجل وقال : انتم لم تسمعوا القصة لماذا ضربته ؟ان هذا الرجل يريد ان يعرف مني ما لم تستطع الحكومة ان تعرفه بعد ان عذبتني سنة كاملة . واالن هل فهمت ؟ انني احكي لك هذه القصة يارشيد وبعدها حاولوا وافعلوا ما بوسعكم ان تحاولوه او تفعلوه ولكن اذ تستخدمون مثل هذه االساليب معي سوف تسألوني بعدها ماهو اسمك ؟ لن تعرفوه ؟ حتى اسمي لن اقوله لكم . ال..ال..البد انك سمعت قصصا مبالغا فيها نحن لسنا هكذا ابدا االخوان في القيادة اعترفوا بدون اي ضغط او اكراه يتشاهد انت بنفسك كريم الشيخلي ويحدثك كيف جرت االمور بشكل اعتيادي .. كان كريم الشيخلي قد تعرض لوطأة تعذيب قاسي فضعف في التحقيق فتصوروا انه اذا تحدث مع صدام فانه سوف يقنعه بتجنب الصمود معهم والتعرض للتعذيب بل وحتى كريم نفسه تصور انه يمكنه ان يجنب رفيقه قساوة التعذيب ويقنعه بعدم التشدد معهم وبالفعل رتبوا لقاء بينهما .غير ان ) صدام ( كان يريد ان يلتقي بكريم ايضا لسبب اخر هو ان يعرف منه طبيعة ما جرى وحدود تصورات الرفاق داخل السجن ..ويرفع من روحه المعنوية التي استطاعوا تطويقها في التحقيق . وبعد ان تمت المقابلة اقتيد صدام مرة اخرى الى غرفة رشيد محسن مدير االمن العام : ها ... صدام وهللا انا الزلت عند كالمي الذي قلته لك في المرة السابقة هل مازلت تذكر القصة التي حكيتها لك ؟


49 صدام ...انظر ان طاهر يحي يريد رؤيتك . طاهر يحيى ؟ طاهر يحيى رئيس الوزراء ..انتم تستطيعون بالطبع ان تقودونني قسرا اليه .يعني تضعون الحديد في يدي وتاخذونني الى مكتبه .اما انا فاقول لك انني ال اريد ان ارى وجه طاهر يحيى مطلقا واعتبر كل هؤالء خونة..طاهر يحيى ...عبد السالم عارف ..انظر انا في لحظة من حياتي حملت غدارتي واطلقت نيرانها على عبد الكريم قاسم وضربته في شارع الرشيد ..ولم يكن عندي حقد عليه .انا لم احقد في حياتي .على انسان ولكن ..قل لعبد السالم عارف انني احقد عليه حتى العظم .ان ذلك االنسان الذي يهشم الجماجم التي رفعته هو انسان بال خلق وال قيم .. على هواك ياصدام .. وانقطع الحوار بينهما وقاده الشرطة الى اسفل مبنى االمن العام حيث وضعوه في زنزانة انفرادية على مقعد صغير وقد قيدوا يديه من الخلف بسلسلة من حديد .وربطوا طرفها في قضبان النافذه العالية سبعة ايام كاملة .سبعة ايام كاملة على هذا الحال .ولم ينطق بحرف فوجدوا ان ال فائدة من االستمرار فقادوه الى سجن التاجي .حيث بدأ التحقيق العادي . كان في التحقيق يكسب المحققين الى صفه .عندما ساله المحقق عبد القادر الجنابي .هل كنتم تعدون للقيام بثورة ؟ لم ينكر قال : نعم ..ولكن مسؤولية ذلك تقع علي وحدي .زان احمد حسن البكر ال عالقة له بشئ بل نحن كنا نعتبره صديقا لعبد السالم عارف . ولذلك لم نكن نأتمنه او نحيطه باي سر .واذا كنتم قد سمعتم خالفا لذلك ..فلقد اخطأتم بالتاكيد ..كان يريد – متجاوزا – ان يبعد اية شبهة عن ذلك الرجل الذي احبه وقدره واراد ان يحمل عنه اية تهمة توجه له كل االمور الخطرة وضعها على كاهله وحده .وحمل عبئها وحده . ان السجن بوتقة الرجال تتكشف معادنهم الثمينة او الرديئة خلف قضبانه وابوابه المغلقة ومن النادر ان يدخل الى السجن مناضل دون ان تؤكد – اذا كان من معدن الذهب فضائله .بل لعل صالبته ولمعانه يتبديان اكثر من ذي قبل وهو وحيد وسط الحصار . وعندما دخل صدام حسين الى السجن بدأ وكانه يعرفه وكانه اليلتقي بالجدران الرمادية المتجهمة وقضبانها السوداء الكئيبة وطاقاتها الصغيرة العالية على مضض تفتقت فيه غرائز ) االبوة ( ولم يكن اكبر الرفاق سنا . بل على العكس كان من اكثرهم صبا وفتوة واخذ يفكر في الجميع ويعامل الجميع وكانه االب الذي يحنو والذي يوجه والذي يؤنب والذي يربي ابناءه في النهاية . وحينما اغلق عليه باب الزنزانة الول مرة واصطكت المتريس الثقيلة بصوت ثقيل كئيب اخترق اذنيه داخله شعور غريب مبهم اشبه بالحدس الباطني بانه لن يموت .لم يرد بخلده للحظة انه سوف يموت .فكرة الموت لم تحوم ابدا باجنحتها السوداء على روحه وحتى عندما كان يخطر بباله احتمال الحكم باالعدام عليه .كان يقول في نفسه على الفور :اذا لم يعدمونني بسرعة فانني سوف اهرب . غير ان الرفاق بالخارج حينما ارسلوا اليه بعدها يقواون ان ثمة فرصة لتهريبه وانهم سوف يساعدونه على الهرب رفض اجابهم قائال :انني لو هربت لن يخرج من رفاق السجن وال واحد والبد من تصبروا علي قليال ان الخطة – ودائما هناك لديه خطة – تتركز على تهريب المكتب العسكري . مكتب بغداد العسكري . وفعال اعدت الخطة وهرب اعضاء مكتب بغداد العسكري .وعندما تم الهروب تقرر نقل السجناء جميعا الذين بقوا – وكان قد افرج عن عدد منهم – الى سجن رقم )1 . )


50 كان قد تبقى سبعون سجينا وكعادة السجناء السياسيين في كل سجون العالم بدأوا اضرابا عن الطعام لتحسين احوالهم وللمطالبة بالصحف والكتب والزيارات واستجاب النظام المتهاوي الذي كان يتفسخ من داخله لمعظم مطالبهم وبدت ساعات النهار الطويلة وراء القضبان تقصر شيئا فشيئا عبر رحالت الفكر في روائع االدب العالمي كل نهار كان يبدأ برواية وينتهي بنهايتها مااكثر ماقرأ صدام في تلك النهارات الطويلة من كتب االدب والفكر والفن . ولكن فكرة الهروب كانت ماتزال تخايله لقد تولى اعادة بناء التنظيم داخل السجن على الفور وراح يقوي معنويات من ضعف ويمسح جروح من نزف ويسعى الن يجعل من الصف الواقف امام ممثل السلطة .مدير السجن ) علي االشقر( ..سورا من الصخر الجرانيتي واصدرت القيادة داخل السجن – و كان هو مسؤولها – قرارا بان ال يستجيب الرفاق السئلة علي االشقر اللزجة عندما يقول لهم من عنده منكم مشكلة ؟انه االسلوب المتشابه في كل سجون العالم محاوالت الترويض النفسي .ثم االيقاع بالفرائس السهلة وبعدها الطريق المنحدر دائما الى هاوية االستزالم للسلطة . فجأة وجد مدير السجن امامه رجال واحدا يتحدث بصوت واحد قال له صدام حسين .السجين صدام حسين في سجن رقم ) 1: )ياعلي االشقر نحن هنا حزب ايضا .لدينا تنظيمنا وتقاليدنا واوامرنا وطاعتنا .ولن يجيبك احد بعد االن من هؤالء الرفاق عندما تسأل .فال تتعب نفسك وامض يومها مضى على االشقر .وقد احس ان ثمة شيئا غريبا جرى لهؤالء السجناء . ثم قرر ان يبدأ في وضع خطة الهروب موضع التنفيذ كانوا قد استطاعوا ان يكسبوا جنود الحراسة لصفهم .بحيث انهم كانوا يسمحون لهم بفتح االبواب الداخلية – اي ابواب الزنازين – طيلة الليل وكان الرفاق يجتمعون بالتالي ويتناقشون ويتدبرون امرهم . وارسل الى الرفاق بالخارج كي يحضروا له )) مناشير (( مع سيدة تدعى ) ام محمد اسماعيل ( اخت الرفيق ) حماد شهاب ( وبعدها راحت القضبان تتهاوى . كان قص القضبان يتم بعد ان يرفعوا صوت الراديو خصوصا في االيام التي يعلوا فيها صوت الريح ويهطل المطر وكان ذلك يجري في سر ية حتى على بعض الرفاق وعندما كانوا ينتهون من انتزاع قسم من القضبان كانوا يتركونها مصلبة حتى يتم انتزاع الباقي وكانت الخطة تقتضي بعد االنتهاء من القص ان يهجم على الحارس الواقف بجانب النافذه اثنان من الرفاق االقوياء وينتزعون منه بندقيته ثم يسحبونه الى الداخل .وبعد ذلك يقوم الباقون – واحدا وراء االخر- بعبور الباحة ثم يقفزون فوق سطح المعتقل الثاني – او العنبر الثاني – وينزلون من الجهة االخرى وهناك ياخذون معهم فراش النوم ويلقون بها على االسالك الشائكة ثم يبدأون بالطفر من فوقها وتقرر ان يكون تسلسل العبور .حسب الت سلسل الحزبي : القيادة في البداية ثم اعضاء الجهاز الخاص ثم الضباط ...وهكذا . وكاد كل شئ ان يتم حسب الخطة الموضوعة لوال ان موجة من العفو بدأت تشمل الضباط المعتقلين من جراء اشتداد الحملة في الخارج لالفراج عن المعتقلين ومشاعر التذمر والسخط التي راحت تتزايد وسط قواعد الجيش .وقرروا التوقف عن تنفيذ الخطة حتى يتم االفراج عن بقية الضباط و من سوف يشملهم العفو حتى لم يبق من السبعين معتقال سوى سبعة ..وتقرر نقلهم الى عنبر اخر وبات واضحا ان خطتهم لم تعد قابلة للتنفيذ . غير انهم قرروا البدء في وضع خطة جديدة تقوم هذه المرة على اقناع الجنود المرافقين لهم في الذهاب الى المحكمة وفي الخارج االن تنظيم بدأ يعاود نشاطه بقوة نسبيا .وهناك على


Click to View FlipBook Version