51 االقل رفاق يستطيعون تدبير امر الهروب .ومن حسن الحظ ان المعتقلين كسبوا ايضا حقوقا اكثر في زيارة اقاربهم لهم كل اسبوعين في اول االمر ثم كل اسبوع بعد ذلك . ولم تكن ) ساجدة ( تاتي وحدها لزيارته كان ) عدي( ياتي معها ايضا لم يكن عمره قد تعدى بضعة شهور ولكنه دون ان يدري كان يمارس في كل مرة ياتي لزيارة ابيه عمال نضاليا مجانيا .في الخارج كان ) ابو هيثم ( يضع في صدر الطفل الصغير رسالة الى صدام وعندما يحمل االب طفله بين يديه ويحتضنه كان يسحب الرسالة من بين مالبسه بسرعة ودون ان يلمحه احد من الحراس .يضع مكانها رسالة اخرى في صدره : من ) صدام ( الى ) ابي هيثم ( وهكذا استمر التواصل بين الحزب في الخارج والحزب في الداخل عبر عدي الصغير الذي لم يكن يتكلم . وعن طريق الرسائل المتبادلة نظمت عملية الهروب الجديدة مع ) سعدون شاكر ( هذه المرة ارسل له صدام يقول : استطعنا اقناع الجنود بعد عمليات غسيل شاقة ومستمرة وسنضعهم ونحن في طريقنا الى المحكمة امام االمر الواقع وعليك ان تنتظرنا في المكان المحدد واليوم المحدد . وفي ذلك اليوم كانوا في طريقهم الى المحكمة : صدام حسين وكريم الشيخلي وحسن العامري واستطاعوا اقناع الجنود بالذهاب الى مطعم ) الجندول ( بشارع ابي نؤاس لتناول طعام الغداء واتفقوا مع سعدون شاكر ان ينتظرهم بسيارته خارج الباب من جانب المغسل وهو باب عندما يفتح يفضي راسا الى الشارع العام وتكون السيارة مفتوحة االبواب فاذا حاول الجنود المقاومة في اخر لحظة تنتزع منهم بالقوة رشاشاتهم ويتم الهرب . واتفق الثالثة على ان يهرب في البداية اثنان منهم والثالث يبقى مع الجنود – وكانا اثنين فقط – ويحاول اقناعهما باالختفاء معا .بعد ان يعدهما بالتكريم عندما تنجح الثورة فاذا قبال فتعم واذا لم يقبال فانه سيعود معهما الى السجن ووقع االختيار على حسن العامري ان يكون الرفيق الثالث .وعندما فتح الباب الخلفي للمطعم باب المغسل كانت سيارة سعدون شاكر واقفة وفتوحة االبواب دخل فيها بسرعة صدام حسين وكريم الشيخلي ودار محركها على الفور وانطلقت اما ثالثهم حسن العامري فلقد رفض حارسه فكرة الهروب بشدة واصر على العودة به الى السجن مرة اخرى . في شوارع بغداد المكتظة ساعة خروج العاملين من المصالح والدواوين لم يلتفت المارة الى سيارة اوبل صفراء ذات سطح اسود يركبها ثالثة شبان اثنان منهما يطاردهما الحكم باالعدام وهي تقطع المسافات بسرعة هائلة متوجهة صوب بيت منعزل في حي اليرموك وهناك تتوقف قليال ويهبط منها ) كريم الشيخلي ( ثم تتحرك ثانية بنفس السرعة بعد ان رفض صدام ان يأوي الى الوكر الجديد مع رفيقه تحسبا من ان يكون مؤشرا من جانب الشرطة وبعد قليل تتوقف ليهبط منها الرجل الذي قرر ان يواجه مصيره وحده في هذه اللحظة . واالن ؟ماذا عساه يفعل ؟ الى اين يتوجه ؟البد من البحث عن مكان اخر ال يعرفه احد وفجأة ومضت في عينيه صورة ) ساجدة ( و) عدي ( الصغير ولكن اين تراهما االن؟ في المرة االخيرة التي زارته فيها من وراء القضبان سالها عن احوالها فصمتت فلما الح في السؤال قالت له ان اصح اب البيت الذي كانت تستاجره لتقيم فيه مع طفلها القوا باثاث البيت في الطريق .بعد ان عرفوا بامر القبض على زوجها وقالوا لها نحن ال نريد ان تسكن في بيتنا عائلة مطاردة سياسيا خشية من السلطة وظل االثاث ملقى في الطريق طيلة اليوم .ال يسمحون لها بنقله او بادخاله الى البيت مرة اخرى ..وفي النهاية حملت اغراضها ومضت تطرق بيت
52 ابيها هي وطفلها لتقيم فيه حتى يعود الغائب من وراء الغياهب يوما ما .لشد ما تعذبت هي ايضا ومع ذلك فهو ال يستطيع ان يتوجه في هذه الساعة ليراها وليرى طفلة حقا انه االن حر ولكن حريته مطاردة حريته عبء يحمله على كاهله وهو يقطع شوارع هذا السجن الكبير انها الحرية المؤجلة مرتهنة حتى تتحطم القضبان وتنهدم كل االسوار ويسترد المجتمع كله حريته المغتصبة .ان حريته ليست منفصلة عن حرية المجتمع .حريته هي حرية الناس جميعا . افاق من تامالته فجأة وقد وجد نفسه بالقرب من بيت صديق قديم للحزب طل وفيا لصداقته ولم يرتبط بعضويته ابدا لعل بيته امن في هذه الساعات الحرجة . وطرق باب ) فاروق عبد سعيد السامرائي ( في ساعة العصر من يوم الثالث والعشرين من يوليو – تموز عام 1966. المناضل الذي حطم اغالله الخاصة ويستعد االن لتطيم اغالل المجتمع كله :صدام حسين ولسوف تبدا من هذه الساعة ملحمة اخرى من مالحم حياته وسيخطو من االن فصاعدا خطواته الثابتة العادة بناء التنظيم الحزبي وتنقية الفكر الحزبي وبعد ان اوشكت العواصف العاتية القادمة من دمشق هذه المرة ان تهزه بعنف وتقتلعه من جذوره ... 11 -عندما أقتربت ساعة الفجر في التقرير السياسي الصادر عن المؤتمر القطري الثامن لحزب البعث العربي االشتراكي في العراق عام 1973 نقرأ هذه الفقرة: ) لكي نقدر تقديرا موضوعيا طبيعة وحجم حركة الحزب السياسية قبل تسلمه السلطة في 17 تموز ) يوليو ( 1968 وبعدها ..البد من العودة الى اوضاع الحزب في القطر العراقي والوطن العربي في الفترة الواقعة بين 18 تشرين الثاني –نوفمبر 1963 و 17 تموز – يوليو 1968 ) المرحلة المشار اليها من مشكلة االنشقاق ومواجهة اثار فشل تجربة الحزب في قيادة السلطة السياسية في العراق وسوريا باالضافة الى المهمات الدائمة ..مهمات النضال ضد االستعمار والصهيونية والقوى الرجعية والدكتاتورية والتعرض نتيجة ذلك الى شتى صنوف االضطهاد وفي كل ارج اء الوطن . ) ففي 18 تشرين الثاني 1963 سقطت تجربة الحزب في القطر العراقي التي كانت معقد امال الحزب وجماهيره في القطر والوطن العربي وكان سقوطها ذا طابع ماساوي اصاب الحزب وجماهيره بصدمات نفسية خطيرة اضافة الى خسارة الجسيمة بفقدان وكتسبات الثورة والكثير من مناضلي الحزب الذين استشهدوا وهم يقاومون الردة ببسالة( . )وفي شباط – فبراير 1966 وبعد سنتين وبضعة اشهر من النكسة االولى التي حدثت في القطر العراقي اصيب الحزب بصدمة خطيرة ثانية عندما اقدمت الزملرة الشباطية في القطر السوري على تدبير انقالب عسكري ضد سلطة الحزب المتمثلة بالقيادة القومية وبردة 23 شباط- فبراير نشأ وال ول مرة وضع استثنائي خاص بالغ الخطورة والتعقيد ذلك هو وضع السلطة المفروضة على الحزب بقوة السالح وباساليب المناورة والتضليل والتزييف والتي تدعى في الوقت نفسه بضجيج عال جدا وبنشاط واسع النطاق تمثيلها للحزب وتجسيدها لشعارات تطويره في الميادين التنظيمية وااليديولوجية والسياسية .
53 ) وقد اعقب كال من النكستين المذكورتين ) 18 تشرين و 23 شباط ( انشقاق خطير امتد في الحزب كله عموديا وافقيا واثار في صفوفه صراعات تنظيمية وفكرية حادة وحاالت خطيرة من البلبلة وكانت االثار التنظيمية والسياسية والنفسية لهذين االنشقاقين على فرع الحزب في القطر العراقي ذات ثقل خاص وبالغ الخطورة ( في هذا المناخ التنظيمي والسياسي والنفسي وااليديولوجي وتنفس صدام حسين اول نسمات الحرية بعد هروبه من السجن . والغريب انه عندما كان وراء اسوار السجن توقع قيام حركة 23 شباط – فبراير 1966 في سوريا بل انه طلب حينذاك مندوبا من القيادة القطرية فزاره ) شفيق الكمالي ( فقال له : سيقوم انقالب على القيادة القومية وسيقود االنقالب ) صالح جديد ( ومجموعته العسكرية ..وكان قوله ذاك استقراء ذكيا بناه على تحليالته لما كانت تنشره الصحف البيروتية حينذاك وعلى تقويمه لبعض ) االخطاء الفنية ( او ) االغطية الفنية ( التي اعطتها القيادة القومية لهم بدون مبرر في تدابيرها واجراءاتها التي اتخذتها ومنها تشكيل الوزارة التي ترأسها ايامها ) صالح البيطار ( فعندما تشكلت هذه الوزارة صار لديه يقين كامل بأن االنقالب واقع ال محالة . ان مابدأ امامه واضحا وضوح اليقين ان الحزب في العراق ممزق نفسيا وتنظيميا وانه يعيش ) ازمة ارتجاج فكري حادة ( وانه منقسم على نفسه في الداخل وان كان االنقسام مغطى بنقاب شفاف من الوحدة الخارجية الظاهرية وكانت االغلبية كما رأها تقتني اثار تيار 23 -شباط – فبراير على مستوى القيادة او القاعدة ولم تكن القيادة نفسها موحدة بحيث يمكنها ان توجه االمور توجيها صائبا في االتجاه المطلوب كانت القيادة وقتها تسمى ) لجنة قيادة التنظيم ( وتضم في عضويتها : عبد الخالق السامرائي وحسن الذهب وحسين السامرائي وسمير النجم وجعفر قاسم حمو دي .وكان قد سبقتها قيادتان اخريان احدهما كان امين سرها طارق عزيز وهي لم تدم سوى بضعة اسابيع واالخرى كانت تضم : عبد الخالق السامرائي وشفيق الكمالي وفاتك الصافي وشكري الحديثي . وكان المفترض ان ) لجنة قيادة التنظيم ( تخضع الشراف احمد حسن البكر وصدام حسين بوصفهما عضوين في القيادة القومية ولقد انتخب صدام عضوا في القيادة القومية وهو داخل السجن وصلته ذات يوم رسالة من طارق عزيز – حين كان اينا لسر القطر – يقول له فيها انه رشح في القيادة القومية واجاب على الرسالة يومها قائال له : ) ان مسألة القيادة ليست مسألة هيبة او ابهة اما ال افعل شيئا من اجلكم االن كما يفعله رفيق طليق .انا داخل السجنواذا لم يعدمونني فلن اخرج من السجن قبل مدة طويلة انا الافيدكم في هذه الظروف اختاروا من يفيدكم في النشاط الفعلي (...ولكن اعتذاره لم يقبل وطرح الرفاق اسمه في المؤتمر وفاز بعضوية القيادة القومية وهو وراء القبضان . لم يكن امامه وهو يرى الوضع العام للحزب على هذه الصورة المتردية اال ان يعمل كعادته بهمة عالية ودأب ال يمهد وحماس اليفتر قط .اجتمع على الفور مع عبد الخالق السامرائي وكريم الشيخلي وانتهوا الى رأي مفاده ضرورة حل ) لجنة قيادة التنظيم ( واعالن وجود ) قيادة قطرية ( بدون الرجوع الى القيادة القومية التي كانت في الفترة ) غائبة ( او ) غير موجودة ( بعد انقالب 23 شباط كانت المبادرة واجبة وفضال عن ضرورة المبادرة فان اثنين من القيادة القومية موجودان داخل العراق يمكنهما ان يمثال سلطتهما حتى تعود مرة اخرى بكاملها الى الوجود الفعلي وكانت القيادة القطرية الجديدة تتشكل من الرفاق الثالثة المجتمعين
54 باالضافة الى احمد حسن البكر الذي كان يتعذر عليه في كثير من االحيان حضور االجتماعات التنظيمية لشدة تركز المراقبة البوليسية عليه . وبدأت القيادة الجديدة تواجه حملة واسعة النطاق من جانب اصحاب االنقالب السوري لشق وحدة الحزب بعد ان بات متعذر عليهم االستيالء عليه بكلمله فطرحت القيادة على الفور ضرورة عقد مؤتمر قومي استثنائي تحضره كافة االطراف المتنازعة ويقول كلمته في تقويم تدابير القيادة القومية قبل 23 شباط كما يقول كلمته ايضا في انقالب 23 نفسه ويحدد مصير كل طرف . وكانت القيادة القطرية تعرف ان هذا ) المنطق المبدئي ( لن يقبله القابضون على زمام االمور في سوريا ولكن النشرة الداخلية التي حملت على صفحاتها هذا الرأي استقطب الجانب االعظم من الكادر الحزبي ومع ذلك لم يلق السوريون باال لالمر واخذوا يبعثون بمندوبيهم الى العراق مفترضين اهم ) القيادة القومية الشرعية ( ويطلبون التعامل معهم غلى هذا االساس وكان الموقف عصيبا بحق ...التنظيم الحزبي داخل العراق بكاد يلملم صفوفه المتنازعة الممزقة ولكنه يتقدم حثيثا صوب الوحدة التنظيمية والفكرية والسلطة القائمة داخل البالد – سلطة االسرة العارفية – تحاربه بكل وسائلها البوليسية والسلطة السورية الرسمية التي تدعى انها الممثل الشرعي الوحيد للقيادة القومية تنسق مع السلطة العارفية خطط محاربته فضال عن انفاق اموال الدولة وتوجيه اجهزتها االعالمية عبر حمالت نفسية رهيبة ضده متهمة اياه بالتهم التقليدية التي يصطنعها كل انقالب : اليمينية والرجعية . استخدمت القيادة القطرية في البداية قدرا كبيرا من المرونة لكي تتمكن من رأب الصدوع داخل التنظيم الحزبي واعادة صياغة وحدته الفكرية والنفسية كان الهجوم العنيف والوصول الى حد المواجهة الصريحة مع السوريين يعني االسراع بعملية االنقسام داخل التنظيم سيكون مثل هذا الموقف مغامرا يكسب المبدأ ويخسر القضية. ولم تمض سوى فترة قصيرة حتى تزايد ضغط السوريين وتالحق مندوبهم الى العراق يحملون شعار : االنتخابات داخل التنظيم في العراق وكان صدام حسين قد توقع ان يطرح السوريون هذا الشعار وناقش االمر مع رفيقيه في القيادة عبد الكريم الشيخلي وعبد الخالق السامرائي وكان االجتماع بالرفيق احمد حسن البكر صعبا لظروفه االمنية الخاصة ولم يكن قد مضى على خروجهم من السجن سوى اربعة وخمسين يوما فحسب . عارض شعار االنتخابات كثير من اعضاء الحزب ولكن صدام حسين قال لهم بوضوح : ان من سبعارض هذا الشعار االن ويقف امامه سوف يسحق ويسحق معه كل اتجاهنا فالبعض يريد االنتخابات بحسن نية النه يود ان يعرف الخط السياسي والتنظيمي بوضوح وتبلور وتميز والبعض يريدها بالطبع غطاء للتخريب ولكن في كل االحوال ستتوقف النتائج على مدى ماتبذله القيادة وان صارها من نشاط .واستقر الرأي في النهاية على ان تدعو القيادة القطرية قيادات الشعب والقيادات الرأسية والكادر المتقدم عموما .وتطرح امامه الصورة بتفاصيلها وبوضوح وصراحة وتقترح عليه تشكيل لجنة من بين صفوفه لالشراف على االنتخابات بحيث التجري االنتخابات اال بعلمها وال تصبح صحيحة اال بعد تصديقها وكل مايجري خالفا لذلك يعتبر كانه لم يكن وفي هذه الحالة تعتبر القيادة القطرية منحلة لحين اجراء االنتخابات . وعلى الرغم من ان بين اعضاء هذه القيادة اثنين من اعضاء القيادة القومية اليجوز – طبقا لالئحة الحزب – ان ينزال الى القاعدة ويدخال عملية االنتخابات مرة اخرى داخل القطر
55 العراقي ..فقد اصر صدام حسين على ان الوضع ال يتحمل االن التشبث بالشرعية التنظيمية او القانونية وان ماهو اهم هو وجود الحزب نفسه داخل العراق . وبعدها لم يعقد اجتماع او ندوة او مؤتمر العضاء الحزب في اي مكان اثناء عملية التحضير لالنتخاب اال وحضره صدام حسين ورغم كل ما واجهه في تلك االجتماعات من المندوبين السوريين وانصارهم ) العراقيين( من استفزازات وتهجمات ومحاوالت كريهة لكسر صالبة مواقفه فانه تحمل ك ل شئ بصبر غريب واعصاب فوالذية ال تتاثر وارادة عميقة االيمان باالنتصار في النهاية ولم يكن في تلك االيام يتمتع بصحة موفورة وال حتى صحة عادية كان وضعه الصحي مزريا الى حد انه ذهب لحضور ندوة حزبية – في فترة االنتخابات – وهو يعاني التهابا حادا في معدته حتى انه ت صور نفسه قد اصيب بالكوليرا التي كانت منتشرة ايامها في العراق .اصر على ان يحمله رفاقه وسضوعه في السيارة وينقلونه الى بيت )) صالح عمر العلي (( حيث كانت تعقد الندوة فيبقى ممددا على االريكة فاذا وجد القوة في نفسه ليتكلم فلسوف يفعل واال فليسمع على االقل ولكنه عندما وصل الى هناك ووجد نفسه وسط حميه النقاش انبثقت في نفسه قوة داخلية غريبة فظل يتكلم حتى انتهى االجتماع وحقق نتائجه المرجوة. ووصلت االنتخابات الى النقطة الحاسمة: فرع بغداد وجاءت النتيجة معاكسة تماما لما كان يريده المندوبون السوريون انتخبت القائمة التي تدين بالوالء للتيار الذي يمثله صدام حسين فخرج المندوب السوري منزعجا ولكنه لم يملك اال ان يقول لصدام : وهللا ياعمي انتم الرجال ...فردها له صدام باحسن منها وقال له : ابو رياض ..) هكذا كان اسمه ( ) احنا رجال للحزب وليس على الحزب ((. وكان البد ان ينعقد بعدها المؤتمر القطري النتخاب القيادة القطرية الجديدة وتم عقد المؤتمر في بيت ) عبد الرحمن سهيل ( في منطقة ابي غريب ليال وتولى صدام حسين رئاسة المؤتمر وادارة المناقشات واالشراف على اجراء االنتخابات . ومن بين اعضاء المؤتمر كان ثمة مجموعة من المتاثرين بقيادة االنقالب السوري والمتفقين مع خطهم ولم يكن قد حدث انشقاق رسمي بعد .بين التنظيم في العراق ونظيره في سوريا جرت ومناقشات واسعة حول حضور او عدم حضور ) المؤتمر القومي ( الذي يريد السوريون عقده االن واتفق على ان يذهب المندوبون العراقيون ويطرحوا وجهة نظرهم بعقد مؤتمر قومي استثنائي تحضره االطراف المتنازعة كلها ليقول كلمته في كل شئ والواقع ان التيار الذي كان يمثله صدام حسين والذي صار عبر عملية االنتخابات تيارا غالبا كان يريد ان يكسب بهذا االقتراح فسحة من الزمن وال اكثر فلقد كانت لدية قناعة بان االنتخابات التي جرت الترضي السوريين والقياديين الذين انتخبوا اليحظون بموافقتهم واغلب الظن ان القيادة السورية التي تدعي شرعية تمثيل القيادة القومية سوف لن امامها حال يتوافق معها سوى حل هذه القيادات المنتخبة وتعيين بديال عنها ترضى به وعنه . ولقد كان هذا هو ماجرى بعد ذلك حتى بتفاصيله انتخبت القيادة القطرية الجديدة في تلك الليلة وكانت ممثلة في : احمد حسن البكر .صدام حسين .كريم الشيخلي .صالح مهدي عماش .طه الجزراوي .عبد الخالق السامرائي .صالح عمر العلي .عزة مصطفى .عبدهللا سلوم . والن صدام حسين كان يقظا في تلك الليلة لما يمكن ان تؤدي هذه النتائج اليه من جانب السوريين فقد قدم اقتراحا بقرار الى المؤتمر يقول : ) اذا اختلفت القيادتان القومية والقطرية ( وادى هذا االختالف الى ان تصدر القومية قرارا بحل القطرية فأن هذه القيادة في القطر
56 العراقي ال تعتبر منحلة اال امام مؤتمرها .وعلى هذا االساس تدعو الى عقد مؤتمرها استثنائي قطري وتطلب منه ان ينتخب قيادة جديدة( والطريف في االمر ان جميع المؤتمرين بمن فيهم الذين كانوا يسيرون على نهج القيادة السورية وافقوا باالجماع وكان مغزى هذا القرار في الواقع هو الغاء كل سلطات القيادة القومية ) المدعاة ( على تنظيم الحزب في العراق .وبعد شهر ونصف فقط من انتهاء المؤتمر سمع اعضاء القيادة القطرية الجديدة ) المنتخبة ( نبأ ) فصلهم ( من اذاعة دمشق فلم ينتظروا على الحديد حتى يبرد طرقوه على الفور وهو ساخن وعقدوا طبقا لقرار المؤتمر السابق مؤتمرا استثنائيا اعاد انتخاب القيادة القطرية نفسها مرة اخرى. ومن يومها اعلنت القيادة الجديدة القديمة العداء الرسمي السافر لدمشق وحكومتها ووقع االنشقاق الرسمي السافر في الحزب وبدأت داخل العراق حمالت مكثفة لتوعية اعضاء التنظيم وتثقيفهم في هذا االتجاه . وبدت خريطة القيادة حينذاك على هذه الصورة :احمد حسن البكر ) امينا للسر( صدام حسين ) نائبا المين السر( وتولى ايضا مسؤولية فرع بغداد والتنظيم النسائي والفالحي بينما تضمن التنظيم العسكري : احمد حسن البكر وصالح مهدي عماش وطه الجزراوي وتسلم صالح عمر العلي مكتب العمال وتولى عبد الخالق السامرائي مسؤولية مكتب االتصال الخارجي وعزت مصطفى المكتب المهني اما مسؤولية الجهاز الخاص الذي كان يطلق عليه فيما مضى اسما حركيا هو ) حنين ( فقد تم تشكيله بطريقة اخرى على اساس ان يكون ) جهازا صداميا ( يتكون من المدنيين الذين يقومون بد ور محدد في تنفيذ لبثورة وتولى مسؤوليته :صدام حسين نفسه. وسار العمل الحزبي على طريقه الجديد بهمة ونشاط وتقدم دائب واضعا نصب عينيه ان ينهض في العراق بثورة قريبة معتمدا على قواه الذاتية وتحالفاته المدروسة بعناية وتغلغله في التنظيمات والمؤسسات الجماهيرية وعلى رأسها المؤسسة العسكرية المتمثلة في القوات المسلحة وقبل ذلك كله وبعده على مبادئه المحددة ووضوحه االيديولوجي والفكري . وشيئا فشيئا بدأالعد التنازلي واقتربت ساعة الصفر .... 12-17 تموز وحصان طروادة مامن مناضل ثوري ال يبحث عن سلطة ولكن مامن مناضل ثوري حقيقي تكون السلطة بالنسبة له هدفا لذاتها او غاية في حد ذاتها السلطة دائما وسيلة .ذريعة.اداة تمكن الثوريين اصحاب الرؤية الشاملة المتكاملة من تغيير المجتمع تغييرا شامال ومتكامال وكل طريق يؤدي الى السلطة بهذا المعنى مشروع ومبرر مادام بوسعه ان يقود في النهاية الى تحقيق المبادئ وتجسيد الحلم . وفي كل الثورات التي تحققت حتى االن في عالمنا برجوازية كانت او اشتراكية ليس هناك ) جماهير ( تزحف وحدها وتجتاح النظام القديم وتقيم على انقاضه سلطة نظامها الجديد وانما هناك دائما في الثورات الناجحة على االقل قيادة طليعية تنهض في لحظة الثورة بالعبء االكبر واال خطر والقيادة بغير جسد فانه من المستحيل ايضا ان يتحرك جسد بغير راس وحيوية الثورات مثلما هي حيوية الجسد البشري تتالق بالوحدة العضوية بين قمتها وقاعدتها وتتناسب طرديا مع عمق االرتباط الجدلي بين المركز والموجه واالطراف المتجيبة.
57 ولقد تكاملت لدى القيادة الحزبية في العراق في تلك االيام الحافلة من عام 1968 قناعة مبنية على حسابات التحليل العلمي والجماهيري بان النظام القائم يتهاوى من داخله بفعل تناقضاته الحادة نفسها وان الحركة الثورية داخل البالد باتت قادرة بامكاناتها الذاتية على النهوض بعبء التغيير السياسي واالجتماعي ولم تعد لحظة الثورة نفسها تتطلب سوى القيادة ) الحكيمة والحازمة( التي تخطط وتقرر وتقيم تحالفاتها المؤقتة او الدائمة وتقود التناقضات المحتدمة الى حلها الثوري غير ان حكمتها الينبغي ان تتمثل فقط في الفهم العميق لتناقضات اللحظة الثورية على المستوى النظري وانما بدرجة التقل عن ذلك خطورة واهمية في القدرة على امتالك فن اساليب العمل الثوري نفسه اي التمكن من فن صناعة الثورة في الواقع العملي . واالسلوب الذي اختارته هو ان يسقط النظام من داخله من الواقع التي يأتمنها ومن الموقع الذي يأتمنه ولذلك جرى البحث سريعا عن ) حلفاء ( مؤقتين من بين اعمدة النظام نفسه يعاونون في مهمة التغيير في نفس الوقت الذي كان يجري فيه التركيز على بناء وتدعيم اجهزة الحزب . وفي تلك الفترة وصل ) حردان التكريتي ( من اوربا حيث كان يقيم بعد ان ابعده عبد السالم عارف اليها - الى بغداد – وجرى االتفاق على ان يكون حردان واسطة – فلتر – بين القيادة وابراهيم الداوود الذي كان قائدا للحرس الجمهوري ذلك الذي سوف يصبح – طبقا لخطة القيادة – نقطة التهاب الثورة داخل النظام نفسه ولقد كان اختيار حردان الذي لم تكن له عالقة تنظيمية بالحزب مطمئنا في مثل هذه التحالفات المؤقتة التي تخضع في الطرف االخر منها – اي طرف اعمدة السلطة القائمة – لطبيعة المصالح الشخصية واالهداف الذاتية التي يتطلع اليها طمعها او طموحها . وتمت في الوقت نفسه عمليات موازية مهمة : استكملت القيادة بناء الجهاز الخاص من المناضلين الحزبيين المجربين المعروفين لها شخصيا وجرى تجميع لقطع السالح وبخطة صبورة متأنية تم شراء المالبس العسكرية التي سوف يرتديها اعضاء القيادة واعضاء الجهاز الخاص لحظة اقتحام القصر الجمهوري ووضعت جميعها في مخابئ سرية جرى ترتيبها في بيت احمد حسن البكر وصدام حسين . وكعملية تغطية ضرورية حتى ال يلتفت النظام الى اية حركة غير عادية من جانب الحزب كانت الخطة تقتضي اغراق معظم اعضاء الجهاز الحزبي في عقد ندوات واسعة تناقش مسألة كانت مطروحة في الساحة السياسية العراقية ايامها وهي : هل نشترك بالحكم ام ال ؟ من يوافق ؟ ومن يعترض ؟ ويجري توزيع بعض الرفاق القياديين على هذه الندوات كي يوحهوا النقاش في اتجاه رفض المشاركة في الحكم . في ذلك الوقت تكون ثمة عملية اخرى تجري بسرعة وسرية بالغة : تجميع رفاق محددين في اماكن محددة كانت ثالثة اماكن على التحديد هي بيت اديب المفتي وبيت كريم الندا وبيت سعد الراوي يكونون على اهبة االستعداد للتحرك عند اشارة البدء اما ) الجهاز الخاص ( فلقد تقرر ان يتجمع اعضاءه في ) كازينو ( 14 تموز – يوليو بحي الكرخ . غير ان التوقيت المقرر في ذلك الوقت الغي كما تم الغاء جانب من الخطة وهو الخاص بعقد الندوات وادارة المناقشات وتم تحديد ساعة اخرى للصفر . وفي السادس عشر من يوليو – تموز عام 1968 جلس اعضاء القيادة في بيت الرفيق احمد حسن البكر يتدارسون الصورة النهائية لخطتهم قبل التنفيذ باربعة وعشرين ساعة وكان ذلك في الساعة الحادية عشر صباحا بالضبط .
58 بينما هم يناقشون اذا برفيق منهم يقول :لندع وضع خطة التنفيذ للرفاق العسكريين فهم اقدر .وهنا عارضه صدام حسين بقوة قائال )) ال .الخطة تضعها القيادة كقيادة تتحمل مسؤوليتها امام كل االحتماالت ليس ذلك لعدم ثقتي بقدرة الرفاق العسكريين وانما الن المؤسسة القيادية هي التي ينبغي ان تضع كل شئ وتتحمل مسؤولية كل شئ (وهذا ماجرى بالفعل. غير ان موضوعا اخر بالغ االهمية اثاره هذه المرة صدام حسين نفسه وهو ضرورة اال تكون القيادة مخططة فحسب وانما منفذه ايضا اي ان تشارك بكل اعضاءها في في عملية تنفيذ الثورة من لحظة انطالقها حتى استكمال عملية االستيالء على السلطة وكان يحكمه في ذلك اعتباران : االول لكي يرفع حماس الرفاق الحزبيين – غير القياديين – الى اعلى مستوى ممكن اما الثاني – ولعله االهم – هو اال تصبح الثورة في حالة نجاحها فضال لقلة من العسكريين وامتياز لهم يتيهون به على غيرهم فما زالت اصداء االسئلة التي ثارت بعد ثورة رمضان 1963 في االجواء غير الصحية التي صاحبت بعض ظروفها .ترن في اذنيه :وانت اين كنت ساعة الثورة ؟ وهذا او ذاك من الرفاق اين كان ؟مثل هذه االسئلة التي كان يتقاذفها الرفاق القياديون فيما بينهم ايامها الينبغي ان تطرح هذه المرة او تعود للظهور من جديد اذن فكل اعضاء القيادة سيكونون في المقدمة هم انفسهم ينبغي ان يكونوا ادوات تنفيذها وعلى ايديهم يتحقق مصيرها وبايديهم يواجهون احتماالتها . ورغم بعض االعتراضات الطفيفة التي اثارها بعض الرفاق حول ) المغامرة بالقيادة (في حالة فشل الثورة فان اصراره على االمر ثبت رايه ووضعه في صيغة قرار اليقبل النقض وبعده جرى استعراض سريع لعناصر الخطة : سوف يتجمع عدد من الرفاق المحددين في اربعة اماكن للتجمع بينما يتجمع اعضاء الجهاز الخاص في حدائق ) كازينو ( 14 يوليو – تموز بالكرخ وعند ساعة الصفر سوف يتسلم الرفاق في كل اماكن تجمعهم االوامر الخاصة بواجباتهم وستكون القيادة بكامل هيئتها على راس حركة التنفيذ وسيتوجهون جميعا ناحية القصر الجمهوري وهناك على باب كتيبة الدبابات الخاصة بالحرس الجمهوري سينتظرهم ) سعدون غيدان ( الضابط بالحرس الجمهوري ايامها ويسهل لهم فتح ابواب الكتيبة واقتحام القصر ومن هناك سوف تتحرك الدبابات التي سوف يستولون عليها لتصوب نيرانها تجاه القصر الجمهوري وتجبر عبد الرحمن عارف على التسليم لقوى الثورة. ولكن هل يقتل عارف ام ال يقتل ؟تلك مسألة كانت قد اتفق عليها بين صدام حسين والفريق الراحل ) حماد شهاب ( . كان حماد شهاب قائد اللواء المدرع العاشر الذي يعتبر بمثابة ) كرة الحديد ( في يد الجيش وفي ذلك اللواء كان لحزب البعث عدد من الرفاق الضباط واالصدقاء وكان امر اللواء نفسه ) حماد شهاب ( غير بعيد في عالقاته الشخصية من بعض قادة الحزب وعلى راسهم : احمد حسن البكر و صدام حسين ولكنه عندما فوتح في امر الثورة تردد كثيرا وكان يحكمه في ذلك اعتبار اخالقي يضعه فوق كل اعتبار وهو انه تعهد لعبد الرحمن عارف بان يكون الى جانبه في حالة قيام اية حركة ضده وفي كل مرة كان احمد حسن البكر يثير معه قضية المشاركة في الثورة كان يرد عليه بن فس الرد ولكن صدام استاذن رفيقه البكر في ان يناقشه بنفسه وذهب اليه بالفعل وطرح معه القضية بطريقة حاول بها ان يخلصه من حرجه االخالقي قال له )) ابو رعد ترى لماذا ال توافق على المشاركة ؟(( انت قلت له – يقصد عبد الرحمن عارف – انا معك ولكن لماذا التكون مع الشعب العراقي هذا الذي اهين وتمزق ويخضع لالذالل كل يوم ؟االتستحق كرامة هذا الشعب وتاريخه ومستقبله كطاقة ثورية في خدمة االمة
59 العربية بعدما اصابها من اندحار شنيع في الخامس من حزيران ان تتخلى عن التزامك به الذي قطعته على نفسك ؟ثم ان هناك فارقا بين التزام والتزام وخصوصا عندما يتخلى الطرف االخر عن التزامه بالقيم السامية والمثل الشريفة فأين هو التزام عبد الرحمن عارف بهذه القيم والمثل ؟ومع ذلك فنحن من اجل هذا الوعد الذي قطعته له سوف نبقي عليه حيا ولن نمسه بسوء يكفينا شره فقط ويلقي هذه العصا من يده ويتخلى عن السلطة حتى تاخذ االمور مجراها الطبيعي وتملك الثورة طريقها مارايك اذن ياابارعد ؟نظر اليه حماد شهاب وقال له :هل تعطيني وعدا اكيدا بأال يقتل عبد الرحمن عارف ؟ قال له صدام حسين : هذه كلمة رجال ياابا رعد ...وعاد صدام بعدها واخبر رفيقه البكر بان حماد شهاب قد وافق وان اللواء المدرع العاشر سياخذ مكانه ضمن خطة الثورة في يوم التنفيذ مع االلتزام بالوعد الخاص بالحفاظ على عبد الرحمن عارف حيا وكان دخول هذا اللواء ضمن خطة التنفيذ عامال اساسيا في نجاحها فكرة الحديد سوف تكون في النهاية هي االقدر على الحسم وكان هذا اللواء يعسكر في منطقة يقال لها ) الوروار ( بعيدا عن بغداد وتم االتفاق على ان يتحرك هذا اللواء عند تبليغه بموعد الثورة متجها صوب العاصمة ليحيط بها كما يحيط بالمعصم السوار . غير ان صدام حسين في لحظة من لحظات الشفافية والتنبؤ بما يمكن ان يحدث في المستقبل ادرك انه من الممكن ان يحاول طرف من االطراف الذين تتحالف معهم قوى الثورة تحالفا مؤقتا ان يحاول ابعاد هذا اللواء عن بغداد . تحت حجة ان الثورة نجحت وان عليه ان يعود الى مواقعه االولى بعد انفضاض الحاجة اليه ويكون ذلك ايذانا بحركة مضادة من جانبهم لالستيالء على الثورة .فأسر في اذن الرفيق البكر ان يجري التشديد في التنبيه على اللواءالمدرع العاشر بضرورة التقدم نحو بغداد حتى لو بلغه طرف او اخر بان الثورة نجحت وان عليه ان يعود الى سابق موقعه ولعله كان ادراكا مبكرا لما سوف يجري شبيها بااللهام فلسوف تتحقق ) النبوءه( بعد يوم واحد كما حدسها . كل شئ اصبح منتهيا االن الخطة جاهزة للتنفيذ الرفاق مستعدون .ساعة الصفر تحددت واالوامر على وشك ان تصدر من القيادة بالبدء في التنفيذ بعد ساعات قليلة . ولكن جرس الباب دق ويذهب احمد حسن البكر ليرى من يدق الباب في هذه اللحظة الشديدة الحرج والخطورة ثم يعود لهم بعد برهة وقد بدأ على وجهه القلق العنيف والتعب النفسي البالغ حامال بيده رسالة طرحها امام اعضاء القيادة المجتمعين وهو يقول :اسمعوا هذه الرسالة التي جاء بها ) احمد مخلص ( الضابط باالستخبارات العسكرية: ) اخي ابو هيثم ( بلغني انكم ستقومون بثورة بعد ساعات تمنياتي لكم بالتوفيق واتمنى ايضا ان اشارككم ...التوقيع عبد الرزاق النايف مدير االستخبارات العسكرية . واسقط في يدهم دارت رؤوسهم ومادت االرض من تحت اقدامهم وكأن كرة الحديد قد مستهم وبدا أن كل شئ قد صار االن قبض الريح كل االمال الكبيرة تتقوض في لحظة كل الخطط والترتيبات والنضاالت الطويلة باتت هشيما تذروه الرياح بل ان الكارثة تلوح شيئا فشيئا اكبر وافدح ان الحزب كله اصبح في هذه الساعة مهددا تهديدا خطيرا بالتصفية الشاملة فضال بطبيعة الحال عن ان الجالسين هنا االن سوف يواجهون بعد لحظات عقوبة االعدام . ونهض بعض الرفاق من اماكنهم واخذوا يمشون في الغرفة جيئة وذهابا . وكانهم يتحركون في قفص حديدي صغير وانطلق واحد منهم وقد بدت امامه النهاية المفجعة واضحة وضوح السطور القليلة الحاسمة التي حملتها الرسالة صارخا في وجه االخرين مدينا تلك التحالفات – التي كان يوافق عليها منذ لحظة – والتي ادت الى هذه النهايات المدمرة واعتبر التحالف
60 مع ) الداوود( امر لواء الحرس الجمهوري هو الذي قاد الى افشاء اسرار الثورة وافضى الى هذه الكارثة . ولكن االن ؟ليست هذه الساعة ساعة لوم او ندم والعجز في النهاية ال يليق برجال يوشكون على القيام بثورة البد من مخرج ولكن من يقود الى المخرج ؟ تكلم صدام حسين واوقف المناقشات التي تولول بعبارات اللوم والندم وقال في حسم مطلوب ومفتقد في تلك اللحظة : انا اقترح ان نقبل مشاركته .ونظر اليه الجميع وقد عقدت الدهشة السنتهم ولكنه – كمن يتلو قرارا اكمل : اقترح ان يذهب اليه الرفيق احمد حسن البكر ومعه حردان التكريتي وصالح مهدي عماش او اثنان منهما ويقولون له :نحن نقبل حياك هللا ...وما كنا نتصور من قبل انك تريد تشاركنا ويعرضان عليه الموقع الذي يرضيه بعد الثورة فيما عدا رئاسة الجمهورية . ولكن بشرط هو تصفيته فورا اثناء الدخول الى كتيبة الدبابات او بعد ذلك .انني اذ اقترح هذا فانني ادرك بانه ماكان من الممكن ان نفعله لو ان هذا الرجل قد شاركنا العمل وفق صيغة طبيعية ولو كنا متاكدين من وطنيته وانه يريد المشاركة النقاذ الشعب وانما فرض علينا وهو يريد ان يطعن الحزب خدمة لجهة ما مثلما طعنه من قبل عبد السالم عارف ولذلك فانه المر مشروع واخالقي ان اليغدر الحزب والثورة مرة اخرى وان ندفع عنهما االذى في حالة الرفض وان ندفع عنهما االذى في حالة القبول ..ومن االن نتفق ... انني اخجل ان اقترح نفسي في يوم ما ألية مهمة ولكن هذه المهمة ال اظن انني اخجل منها ..انني اقترح عليكم ترشيح الرفيق صدام حسين للقيام بهذه المهمة .وبدون مناقشة بالتفاصيل ويترك له اختيار اللحظة المناسبة ..اعتبارا من دخول كتيبة الدبابات وما بعدها لتصفيته وبالطر يقة التي يراها ويعتبر هذا القرار نهائيا .غير جائز ان يوضع موضع المناقشة في المستقبل . وافاق الحاضرون بعد ان انتهى من كلماته – او قراره – وكأنه قد انتشلهم من غرق ورفعوا ايديهم بالموافقة على قراره باالجماع . وانفض االجتماع على موعد – بعد ساعات – مع الثورة. 13 -الثورة ت ْملك وال تحكم وفي تلك الساعات االولى من صباح 17 يوليو – تموز 1968 فتح صدام حسين المخبأ السري في بيته واخذ يخرج المالبس العسكرية وبعض االسلحة والقنابل اليدوية منه وكانت ) ساجدة( تقف الى جانبه وتساعده حتى عدي الصغير كان ساهرا هذه المرة لم يكن يحمل الرسائل في صدره بل كان يجري ليمسك يقنبلة يدوية تتدحرج هنا او هناك ليجلبها البيه ويتعلق بكتفه وهو يظنها لعبة وكان الرفاق الذين حددتهم القيادة في االماكن التي خصصت لتجمعهم ينتظرون االمر بالتحرك بينما كان اعضاء القيادة نفسها قد تكامل عددهم في منزل ) كريم الندا ( حيث سوف تنطلق منه بعد لحظات فرقة الهجوم االولى على القصر الجمهوري كانوا جميعا في مالبسهم العسكرية الحقيق ية او ) الزائفة ( وبينهم كان يقف المالزم صدام حسين وخلفه تماما يقف المالزم ) برزان ( اخوه – الذي اصر على ان يصحبه وهو في الثامنة عشر من عمره .
61 في الثانية وخمسة واربعين دقيقة تحركت سيارة مؤسيدس بيضاء يقودها صاحبها ) حردان التكريتي ( والى جواره ) احمد حسن البكر( ومن خلفهما )صالح مهدي عماش ( من امام بيت ) الندا( وتحرك من ورائها مباشرة لوري عسكري كان يحمل صدام حسين وبقية اعضاء القيادة فضال عن مجموعة قليلة من الرفاق االخرين بينهم برزان زجعفر الجعفري وذياب العلكاوي وعزت الدوري الذي زعم انه خبير وقتها في قيادة الدبابات حتى ال تفوته المشاركة في الهجوم على القصر . وكان احمد حسن البكر هو قائد الحملة وعلى راس الموكب الصدامي وما اقترب الموكب من باب كتيبة الدبابات حتى الح وجه سعدون غيدان وهو واقف ينتظرهم وفجأة صاح ) سعدون ( في الحرس الخاص بباب الكتيبة : قف هؤالء جماعتنا .افتح الباب دعهم يدخلون ...الى االمام . فتح الباب اصبحوا داخل الكتيبة تقدموا نحو الدبابات في )جراجاتها ( وبدأ الرفاق يحركونها ويسلمونها لالخرين ثم يعودون سريعا ليحركوا غيرها وعندما سمع صوت الدبابات نهض الضباط والجنود من القاعة المجاورة وجاؤوا يركضون وفجأة صاح بهم صدام حسين ومن خلفه برزان : تجمع تجمع .تجمع وقادهم الى القاعة مرة اخرى ثم عادا مسرعين وتسنما ظهر دبابة على القور ومعهما ذياب العلكاوي فاذا ببرزان يلمح جنديا يحمل بندقية ) كالشنكوف ( الى جانبه فانتزعها منه عنوة بعد ان القاه على االرض وراه صدام فقال له ) اعطي المسدس ل ) ابو خليل ( ياهلل معن ا ابو خليل ياهلل ابني انت معنا فعال .ابني مالزم برزان مايعرفك .انت معنا ) سحب برزان المسدس واعطاه للجندي الذي اخذ منه مدفعه والجندي لم يغضب واكتشفوا – لحسن الحظ – ان هذا الجندي يعرف كيف يقود الدبابة . وقاد بهم الدبابة بالفعل وفي الطريق مابين باب الكتيبة والباب النظامي للقصر وقفت الدبابة وبدأت تطلق نيرانها وتعلم صدام حسين ساعتها كيف تطلق نيران الدبابة علمه الجندي الذي اخذت بندقيته عنوة منه ..قال له صدام ) ابني اترى اني ضابط مشاة ( مااعرف استخدام الدبابة ماتعلمني شلون يستعملون الدوشكة للرمي ؟ قال له الجندي ) سيدي هذا فقط تسحبه بهذا الشكل وهذا تضغط عليه من هنا وهذه اعتيادية هكذا ( ولكن الجندي الذي لم يكن يفهم من االمر شيئا عاد يسأله ) سيدي ماذا في االمر ؟قال صدام ) طاهر يحيى ) الذي كان رئيسا للوزراء ( يريد يسوي انقالب على عبد الرحمن عارف .على الرئيس واحنا نفزع له ونفك عنه الحصار ..قال الجندي ) بارك هللا فيكم (. وعندما اقتربت الدبابة من الباب النظامي بدأت تطلق نيرانها على مبنى القصر وفي نفس الوقت كان حردان التكريتي يتصل تليفونيا بعبد الرحمن عارف ويطلب اليه ) ان يسلم نفسه .) بعد فترة قصيرة خرج عبد الرحمن عارف واعلن تسليم نفسه طبقا للوعد بأن ال تمس حياته وتوقف اطالق النار . وعند الفجر اعلنت الجمهورية العراقية على الشعب العراقي واالمة العربية والعالم اجمع نبأ قيام ثورة 17تموز – يوليو المجيدة في القطر العراقي .وبيانها االول موقعا باسم مجلس قيادة الثورة وانتقل ) الرئيس ( احمد حسن البكر الى مكتبه في القصر الجمهوري وتالفت الوزارة الجديدة طبقا للمخطط الذي كان قد وضع من قبل واحتل عبد الرزاق النايف منصب رئيس الوزراء وابراهيم الداوود منصب وزير الدفاع وحردان التكريتي رئيس اركان الجيش وصالح مهدي عماش نصب وزير الداخلية .
62 وخلع صدام حسين بدلة المالزم العسكرية وارتدى بدلته المدنية العادية وحمل بدال من الرشاش مسدسه عيار 13 العادي .ولم تكن اللحظة مواتية لتصفية عبد الرزاق النايف .كان الضباط الرجعيون يسيطرون تقريبا على معظم المواقع داخل القصر بينما كان اللواء المدرع العاشر معسكرا في منطقة ابي غريب على حدود بغداد بعد ان رفض اوامر عبد الرزاق النايف بالعودة الى موقعه السابق كما توقع صدام حسين بالضبط وبدأ حردان التكريتي يجري – بوصفه رئيسا لالركان – بعض التغييرات في مواقع الضباط وينقل ضباط الصف المنتسبين من خارج بغداد الى بغداد نفسها وعدها بقليل التحقت دفعة اخرى من ضباط الصف بمواقعها الجديدة في داخل العاصمة ايضا وصار الوضع افضل بالمعنى النسبي . ولكن ) صدام ( كان مهموما قلقا في تلك االيام كما لم يكن كذلك قط في حياته كان يجتمع مع اعضاء قيادة فرع بغداد ويوجههم باتجاه وحدة الحزب والتركيز عليها ويشير الى ان الحزب ليس وحده في الثورة وان هناك ) جهة ( متحالفة معه دون ان يوضح هذه الجهة حتى التكثر التأويالت والتفسيرات يبعا للوى . غير ان ) حماد شهاب ( ايضا كان مهموما وقلقا فرغم انه كان امر اللواء المدرع العاشر فانه لم يكن عضوا في مجلس قيادة الثورة واذ رأه صدام في هذا الوضع النفسي في االيام االولى للثورة سحبه من يده وكانا جالسين بغرفة في القصر وخرجا الى الردهة الخارجية يتمشيان قال له صدام : لماذا انت لست عضوا في مجلس قيادة الثورة ؟انهم االن مجتمعون .ادخل عليهم غرفة االجتماع فورا .وقل لهم :اما ان تكون عضوا بالمجلس او ان تقلب الدنيا فاذا قبلوا ) زين ( واذا رفضوا ) زين ( ايضا ..ودخل حماد شهاب غرفة االجتماع في التو .وخرج منها عضوا بمجلس ق يادة الثورة . ومع ذلك ظل الهم والقلق يالزمانه والخوف على الثورة لم يزايله قط .صحيح انه في مكتب رئيس الجمهورية يجلس الرفيق احمد حسن البكر ولكن اولئك الذين تسللوا الى الثورة في ) حصان طروادة( الجديد السافر هذه المرة يمثلون اخطارا جدية على الثورة وتهديدا حقيقيا لها في اي و قت بل ان كل لحظة تمر ترسخ اقدامهم كل لحظة تمر في وجودهم هي لحظة مخصومة من عمر الثورة وفضال عن ذلك فان تاريخهم الخاص غير النظيف يلقي بظالله على افق الثورة ويحيلها في الوجدان العام الذي لم يكن يعرف ماجرى وما يجري الى حركة شبيهة باي انقالب عسكري .واكثر من ذلك فان استمرارهم كان يعني ببساطة اعقام الثورة ووقفها عن النمو بل ودفعها الى الوراء كلما امكن فحتى شركة النفط الوطنية التي تاسست في عهد عبد الكريم قاسم يريد عبد الرزاق النايف االن صراحة وفي اجتماعات مجلس الوزراء ان يحلها . فما عساه يبقي للثورة بعد ذلك ؟وماذا بوسعها ان تحقق من اهدافها التي قامت من اجلها؟ لم يكن الوصول للسلطة من اجل السلطكة لذاتها والحزب الذي ناضل عشرات السنين ودفع مئات او الوفا من الشهداء على طريق نضاله .ودرس وخطط وقرر وقاد وشارك بقيادته الكامله في تنفيذ الث ورة .كيف يمكن له ان يظل اسيرا التنين من المتطفلين والدخالء ..ال على الثورة فقط بل على الشعب العراقي نفسه بجماهيره المذلة والمهانة والمضحية والباحثة في الثورة عن خالصها النهائي ؟ كان القلق يتصاعد في نفسه يوما بعد يوم وكل ساعة بل كل لحظة تحمل الى نفسه مخاوف جديدة على الثورة ومصيرها ) أم عدي ( تنظر الى وجهه وتتعجب تقول له ) انتم قمتم بالثورة ولكن وجهك ليس وجه منتصر ماذا بك ؟ ولكنه يتخلص من الرد واليعلق بشئ وعندما يخرج
63 من باب بيته يلقاه جاره فيسأله بطريقة عفوية ) ابو عدي ( يقولون مشبوه عبد الرزاق النايف هذا ) وهو يتجاهل السؤالب وال يرد (. ولكن حتى متى ؟وما هو الضمان في ان ) االخرين ( الدخالء والمتطفلين واذنابهم اليفكرون االن وتدبرون امورهم للخالص من اصحاب الثورة الحقيقيين ؟ان الزمن في خدمة المبادر وان لم تبادر الثورة فلسوف يبادر اعداؤها بالحتم . وحينذاك ..من يستطيع ان يغسل يديه من الدم ويقتلع من قلبه اشواك الندم وهو يواجه تاريخا اليرحم . 14 -الفارس يسترد ثورة شعبه اثني عشر يوما لم ينم فيها اال نوما متقطعا قلقا سرعان ماكان يفيق منه ويفتح عينيه في الليل وكانه يحاول ان يزيح من امامهما كابوسا في منامه تلك كانت من اقسى ايام حياته . ال لم يعد ثمة معنى لالنتظار اكثر من ذلك ومابقي في قوس الصبر منزع .. خرج مبكرا من بيته في الصباح وطلب عقد اجتماع للقيادة القطرية وبعد فترة قصيرة كان كل اعضاء القيادة يجلسون في اماكنهم فيما عدا الرئيس احمد حسن البكر الذي كان منثبه الجديد يحول دون خروجه من القصر في ذلك الوقت وفيما عدا ايضا عزة مصطفى وعبد هللا سلوم ..اللذين سافرا الى القاهرة قبل قيام الثورة وعندما عرفا بتوقيتها بعد ان زعم كل منهما ان لديه عمال هناك اليستطيع ان يؤجله .كان اجتماعا قصيرا لم تتردد فيه سوى بضع كلمات قليلة وحاسمة قال لهم صدام حسين _ انني لم اجتمع بكم يارفاق لكي نعيد مناقشة القرار الذي اتخذناه في اليوم السابق على الثورة بشأن تصفية عبد الرزاق النايف فهذا القرار اليناقش ولكنني اردت فقط ان اقول لكم انه قد حان الوقت والمسألة تعتمد على الجانب الفني السريع ..( قالوا :اننا موافقون تماما واختر الوقت الذي تراه مناسبا قال : غدا هو الوقت المناسب .وانفض االجتماع السريع الطارئ بعد االجتماع بدأ يتصل بمجموعة من الرفاق يثق بهم شخصيا ويطلب اليهم التواجد في القصر الجمهوري غدا قبل الظهيرة وكان من بينهم برزان .جعفر الجعفري وسعدون شاكر وصالح صالح وكامل ياسين وعجاج االحمد الهزاع .ثم اتصل بحراسة الباب الخارجي للقصر وطلب منهم ان يسمحوا لهم بالدخول في الموعد المحدد. ومرت ليلة بطيئة ثقيلة كانها تحمل فوق كل لحظة من لحظاتها جبال من الصخر وماكادت شمس الثالثين من تموز – يوليو تبزغ حتى كان صدام حسين يتهيأ للتوجه نحو القصر ودخل على الفور الى مكتب رئيس الجمهورية الرفيق احمد حسن البكر وعرض عليه ماتم في اجتماع القيادة نهار االم س فوافق على قرار القيادة وشرح له صدام الخطوط العريضة لما سوف يحدث بعد .تناول طعام الغداء في هذا اليوم .كان طعام الغداء يومها غزاال مشويا ذبحه حماد شهاب وجلبه الى القصر ..ولكن قبل ان يدخلوا الى غرفة الطعام توقف صدام حسين مع حماد شهاب ..قليال وانتحى به جانبا وقال له :ابو رعد ) هذه المسألة ...ستتم اليوم ...اليوم سأتخلص من هؤالء ( قال ابو رعد وهو يضحك : هل ضبطت االمور كلها ؟ قال ابو عدي : ) كل شئ قد ضبط (... ثم نظر في عينيه نظرة مباشرة وقال سريعا في حسم : عندما نخرج من غرفة الطعام وتراني ادخل الى مكتب الرئيس ال تدخل انت ليس لك حاجة بها .توجه الى اللواء المدرع العاشر على الفور وطوق القصر ادخل رعيل الدبابات الى داخل السياج
64 الخارجي للقصر الن عبد الرزاق النايف الينبغي ان يفلت فاذا حاول االفالت سأقتله ومن المحتمل ان تحدث مضاعفات ونقتل نحن هنا فوحدات القصر تدين كلها بالوالء له .بما في ذلك الحراسات الداخلية في القصر باالضافة الى حراسه الشخصيين وهم اثني عشر حارسا مسلحا بالرشاشات ي حيطون به .فاذا حدثت تلك المضاعفات وقتلنا هنا فانك تستطيع انت ومن يتبقى من الحزب ان تتسلموا السلطة وتتوكلوا على هللا .. على مائدة الطعام كان الرئيس احمد حسن البكر يجلس والى جانبه عبد الرزاق النايف وحردان التكريتي وصدام حسين وحماد شهاب وسعدون غيدان وصالح مهدي عماش وكان حماد شهاب يضحك وهو يقول :طعام اليوم غزال كله ... انتهى الطعام وخرج من الغرفة سريعا كان حردان التكريتي يسير الى جانبه وهو ال يعرف ..نظر اليه صدام حسين وقال له )) ابو سعد (( اليوم تكون المسألة منتهية قال حردان اليوم ؟ ابا عدي نتفاهم صعدا الدرج المؤدي الى مكتبه جلسا لحظة ..نظر اليه صدام في عينيه مباشرة وقال له : ابو سعد المسألة التحتاج الى تفاهم ..قال حردان ..حسنا ولكنه اليتوقع ان تتم العملية في نفس اليوم ومع ذلك عاد يقول : ابو عدي ..انت تريد ان تقوم بالعملية في هذا النهار .اخوي سوف تقتلنا .كيف يمكن اتمامها في هذا الظهر ؟الحرس كله يدين بوالئه لعبد الرزاق الن ايف ..قال له صدام :كل شئ تم ترتيبه .. تركه جالسا في مكتبه وهو يظن انه اقتنع بتاجيل العملية الى ساعة اخرى غير هذه الظهيرة وهبط الدرج مسرعا اليلوي على شئ ..دخل غرفة المرافقين ..وقعت عينه على الرفاق الذين واعدهم قال لهم دون ان ينظر الى وجوههم :اتبعوني ....واجتاز بسرعة غرفة السكرتير وكان يقف بها الى جانب السكرتير ..سعدون غيدان .ودخل مباشرة الى مكتب رئيس الجمهورية .كان الرفيق البكر جالسا الى مكتبه وصالح مهدي عماش جالسا امامه .اما عبد الرزاق النايف فكان جالسا وظهره نحو الباب الخارجي للغرفة . سحب صدام حسين مسدسه ووجهه نحو عبد الرزاق النايف وصاح به : ارفع يديك ..التفت النايف اليه وقال : لماذا ؟ فلما رأى المسدس موجها اليه وضع يديه على عينيه وقال : عندي اربعة اطفال ..قال له صدام :التخف انت واطفالك لن يحدث لكم شئ اذا سلكت سلوكا طبيعيا .عبد الرزاق انت تعرف انك دخيل على الثورة وانت حجر عثرة في طريق الحزب وهذه الثورة دفعنا من اجلها دم القلب حتى رايناها .ان قرار الحزب هو ازاحتك من طريقه . انتزع مسدسه من جانبه وهو يسمع المسدسات في ايدي رفاقه من خلفه تسحب طلقاتها ووقف صالح مهدي عماش يريد تخفيف الموقف قائال :انتظروا ودعونا نتفاهم ...توجه اليه صالح عمر العلي وجره من يده .واجلسه على مقعده .فجلس دون ان يحاول التحرك مرة اخرى . قال عبد الرزاق النايف بعد اقل من لحظة :ماذا تريدون مني ؟سحبه صدام من يده ودخل به الى الغرفة المجاورة وهو يقول له :عبد الرزاق نحن لن نقتلك هذا هو ما لك علينا ..اما الذي عليك لنا فهو ان ال تحاول ان تتحرك اية حركة تدفعنا الى قتلك والبد لك من ان تخرج من العراق ..فأن تريد ان تتوجه ؟في اي سفارة ؟ قال النايف : اذهب الى لبنان قال صدام :ال .. قال النايف :طيب الجزائر قال صدام : ال قال النايف : اذن اذهب للمغرب
65 قال صدام :موافقون . رفع صدام حسين سماعة التلفون فرد عليه عامل السويتش :نعم سيدي .فقطع السلك على الفور ونظر الى برزان وجعفر الجعفري وقال لهما : انتما تقفان هنا الى جانبه وال تتحركا من هذا المكان حتى لو انتقل الكون من موضعه واذا حاول ان ينهض من مقعده او اذا سمعتم صوت اطالق نار في الخارج ومقاومة .اطلقوا عليه النار فورا .هل سمعت ياعبد الرزاق االوامر ؟قال :نعم سمعتها .. خرج من الغرفة بعد ان اغلقها وتوجه الى مكتب الرئيس سحب صالح مهدي عماش من يده وخرج به من المكتب الى غرفة السكرتير فوقعت عيناه على سعدون غيدان .فاندفع نحوه صدام وقبله ..وهو اليدري ماذا جرى .قال سعدون : ابو عدي ماهي القصة ؟ قال له صدام : انتهينا من عبد الرزاق النايف حسب اتفاقنا ابو سمرة .هذا صالح مهدي عماش معك .تذهبان االن مباشرة الى كتيبة الدبابات وتجلسان هناك فذهبا رأسا وكان طه الجزراوي قد توجه الى وزارة الدفاع حيث كان مبلغا من صدام حسين ان يكون واجبه في مقر وزارة الدفاع بينما كان اللواء حماد شهاب يحيط السياج الخارجي للقصر بدبابات اللواء المدرع العاشر . كل شئ كان يجري بهدوء وحزم وسرعة غريبة وكانها مشاهدة مثيرة في فلم سينمائي ..توجه صدام مسرعا صوب الرفاق وكان الحرس الخاص بعبد الرزاق النايف مازال في فناء القصر الجمهوري وقد اوعز صدام حسين الى الرفاق باعتقالهم وتجريدهم من السالح وفي لمح البصر وجد كل منهم من القى به على االرض بضربة سريعة وشد وثاقه بعد ان جرد من سالحه . ذلك كله جرى وحردان التكريتي اليدري ان كل شئ قد تم ..رآه صدام نازال على الدرج من الدور االعلى وهو يتمخطر قال له حردان اين انت ؟ قال : لماذا ؟ قال له صدام :حسبتك قد توجهت الى مقر القوة الجوية كل شئ قد تم االن ..امض على الفور واطلق طائراتك...ركض ابو سعد الى غرفة المرافقين واتصل بمقر القوة الجوية وبعد لحظات كانت صائرات السالح الجوي تحوم فوق سماء بغداد . حتى هذه اللحظة كان كل شئ يسير بدقة واحكام ونجاح ولكي كيف يتم نقل عبد الرزاق النايف من القصر ؟ كيف يتم دون ان يستشعر الحرس الجمهوري الذي كان يدين له بالوالء او اي جندي في كتيبة الدبابات بانه ثمة شيئا غير عادي قد حدث له ؟ على االقل حتى يتم اخراجه من العراق هذه الليلة . نظر صدام حسين الى حردان التكريتي وقال له : جهز لنا طائرة في معسكر الرشيد لتنقل عبد الرزاق النايف شفيرنا في المغرب ...ثم توجه الى الغرفة التي يجلس بها النايف وقال له : عبد الرزاق سنخرج انا وانت االن من القصر وتذكر ان مسدسي في مكانه تحت السترة وسنمر على الحرس في طريقنا سيؤدون لك التحية فتؤديها لهم بشكل عادي وسنتوجه الى سيارتك الرسميةالتي يرفرف عليها العلم على جانبها فنركبها .تركب انت اوال وانا الى جانبك وبالطبع انت تعلم ان اية حركة او اية كلمة سوف تبدر منك داخل السيارة تعني انك سوف )تتكوم ( على نفسك وتموت على الفور هل انت موافق قال النايف : موافق ... خرج عبد الرزاق النايف الى جانبه صدام حسين من الغرفة وهما يسيران بهدوء جنبا لجنب بينما الحرس الجمهوري يؤدي التحية لرئيس الوزراء وهو يرد عليهم التحية بانضباط عسكري وهم اليعلمون ان هذه هي المرة االخيرة في حياته التي يتلقى فيها مثل هذه التحية
66 ..وعند الباب الخارجي كانت ابواب السيارة مفتوحه دخل فيها اوال ثم جلس الى جانبه صدام حسين وفي المقعد االمامي جلس الى جانب السائق صالح عمر العلي .بينما كان قسم من الرفاق قد توجه الى معسكر الرشيد ليصاحبوا السيد السفير الجديد الى مقر عمله في المغرب . في معسكر الرشيد كانت الطائرة قد ادارت محركاتها وعند سلمها وقف برزان وسعدون شاكر وجعفر الجعفري وعدنان شريف ينتظرون المسافر الذي لن يعود الى بغداد مرة اخرى .وصعد عبد الرزاق النايف الى الطائرة واتخذ الرفاق مقاعدهم من حوله وقبل ان يهبط صدام من الطائرة اخرج مسدس عبد الرزاق النايف الذي كان قد انتتزعه منه وسلمه اليه وقال له :هذا مسدسك .امنا الطلقات فسوف يعطيها لك سعدون شاكر عندما تصلون الى هنالك . عندما ارتفعت الطائرة في سماء بغداد .اخرج صدام منديله ومسح دموعا سقطت من عينيه كان الكابوس الرهيب قد مضي بعيدا ..بعيدا .فوق السحاب وفوق االرض استعادت الثورة روحها. عادت به السيارة الى القصر الجمهوري دخل مكتب الرئيس ونظر اليه وقال :بقي ابراهيم الداوود .ولم يكن الداوود يومها في العراق كان في االردن يفتش قطعات من الجيش العراقي متواجدة هناك منذ حرب 1967. فاتصل حردان التكريتي بضابط بعثي سابق اسمه ) حسن النقيب ( وقال له : اعتقلوا االن ابراهيم الداوود ..ولكن النقيب – الذي لم يكن يعرف شيئا عما جرى – كان يدعي انه اليسمع .ساعتها قرر صدام على الفور ارسال طائرة الى هناك بها عدد من الرفاق على راسهم صالح صالح ..اللقاء القبض عليه بعد اقل من ساعة . ثم جلس على مقعده امام مكتب الرئيس واخرج من جيبه بهدوء ورقة وضعها امام الرفيق احمد حسن البكر .كانت الورقة تتضمن بيان ) 30 تموز –يوليو ( الذي كان قد اعده من قبل . تناول الرئيس الورقة وقرأها واخذ يعيد كتابة البيان بخط يده ولكنه الحظ ان التوقيع هو : احمد حسن البكر رئيس الجمهورية والقائد العام للقوات المسلحة فسأله : ماذا تعني بهذه العبارة ؟ قال ابو عدي في حساباتي انه ال حردان التكريتي وال صالح مهدي عماش يكون قائدا عاما للقوات المسلحة ..تابع الرفيق البكر كتابة البيان ثم نهضا وخرجا من الغرفة وتوجها معا صوب مبنى االذاعة وفي تمام الساعة السابعة من مساء 30 تموز – يوليو 1968 .انطكلقت امواج االثير لتعلن على جماهير الشعب العراقي وعلى االمة العربية وعلى العالم اجمع ان ثورة الساب ع من تموز – يوليو قد تطهرت وان حزب البعث العربي االشتراكي في العراق قد استعاد شعبه واسترد ثورته.
67 القسم الثاني ثورة في الفكر و فكر في الثورة الجهاد االصغر و الجهاد االكبر لقد انتهى الجهاد االصغر وبدأ الجهاد االكبر ليست السلطة بالنسبة لرجل الثورة نهاية المطاف انها بداية او لنقل انها بداية جديدة لنضال اخر شاق ومرير هو ايضا من اجل وضع االهداف والبرامج واالفكار المجردة موضع التطبيق ان العراق صبيحة الثالثين من تموز كان يبدو جبال هائال من المشاكل والمعضالت على الصعيد النظري والعملي سواء بسواء وصحيح ان حزب البعث العربي االشتراكي الذي تولى السلطة االن يملك المنطلقات النظرية الخاصة به ومع ذلك فان النظريات مهما كان عمقها او شمولها ال يمكنها ان تتحرك وحدها وليس بوسعها ان تتحول الى حياة نابضة والى واقع حافل بالمنجزات بدون العقل السياسي القيادي المفكر ومن غير الحرارة الالفحة المنبعثة من صدور الجماهير فان لم يتوفر هذان الشرطان لها التصبح تلك النظريات في اسعد احوالها اال ) يوتبيات ( تهوم من الخيال االنساني المجنح المفارق دائما للواقع االجتماعي المحدد في المكان والزمان ولقد كان صدام حسين يعرف هذه الحقيقة معرفة يقينية ان مهاراته وقدراته ومواهبه التتبدى في النضال السلبي فحسب والتظهر في تنظيمات الخفاء السرية فقط انها تتجلى هنا ايضا وربما ابعد واعمق مما كانت في العلن تحت شمس العراق الساطعة ابدا في الجدل الحي مع الجماهير في الصراع الملتهب بين الحلم والواقع في البناء لم يكن غريبا ان يصفه نقيب المهندسين في بالده بانه ) مهندس الثورة ( بكل مايوحى به هذا الوصف من معاني العقل المخطط واالرادة القادرة على وضع المشروع الثوري في صيغه التنفيذية بموهبة وجدارة وابتكار. البد لنا من ان نتوقف هنا وقفة طويلة لنتامل مشروعه الفكري المتكامل الذي ينطوي على تصوراته ومفاهيمه واتجاهاته المرحلية واالستراتيجية على السواء وحتى اذا لم نستطع ان ندقق النظر في كل التفصيالت الصغيرة او التطبيقات العديدة فان االركان االساسية والمحاور الجوهرية لهذا المشروع الثوري المتكامل يمكنها ان تقدم صورة قد الينقصها الشمول البعاده االنية وافاقه القريبة والبعيدة معا. ان ماسوف نحاول ان نرسمه في هذا الجزء من الكتاب هو فكر صدام حسين في الثورة او فكر الثورة كما عبر عنه بحق صدام حسين من خالل الوحدة العضوية بين الكلمة والفعل ...تلك الوحدة التي مثلت ولسوف تمثل على الدوام السمة الجوهرية لشخصيته الفكرية والنضالية في مراحل حياته جميعها وفي جهاده االصغر واالكبر على السواء .
68 أ- صدام حسين وجدل الماضي والمستقبل 1 -التاريخ وبعث االمة القادة التاريخيون للشعوب واالمم ينطوون عادة في اعماقهم على احساس مفرط بالتاريخ وسواء كانوا واعين بهذه الحقيقة او لم يكونوا كذلك فان هذا االحساس العارم الذي يوشك ان يبلغ ما تبلغه الغريزة من تأصل وتجذر في النفس هو الذي يمثل في غالب االحيان دوافع افعالهم وبواعث ارادتهم ويختلف شكل هذا االحساس بطبيعة الحال من قائد الخر ومن عصر لعصر بحسب طبيعة كل قائد ومجاله وتكوينه النفسي واالجتماعي وااليديولوجي وتبعا لظروف المكان ومتغيرات الزمان في كل عصر .في الماضي كانوا يقيمون االهرامات والمعابد والقبور العظيمة ويحفرون على جدرانها اخبار فتوحاتهم وانباء انتصاراتهم وصور منجزاتهم حتى يراها او يقرأها االتون من بعدهم فيحتفظون بجذوة التفرد والعظمة متوقدة كما يظنون جيال بعد جيل وقرنا بعد قرن هكذا فعل قادة مصر القديمة وبابل واشور في العصور االولى للتاريخ وهكذا فعل ايضا قادة اليونان والرومان فيما تركوه من االثار والمعابد والتماثيل واالعمدة والمقابر واقواس النصر ..كتن االحساس التاريخي لديهم احساسا بالديمةمة بالبقاء .ان لم يكن نزوعا الى الخلود .ال ألرواحهم فحسب بل واحيانا لكيانهم المادي كما اراد جلجامش. اما في العصور الحديثة حيث لم تعد مع حركة التطور االجتماعي والثقافي – المعابد الكبرى وفنون العمارة الضخمة الشاهد الصادق – والوحيد على االقل – على تميز عصر او عظمة فرد وحيث لم تعد الشعوب نفسها كتلة سديمية تتحرك بارادة الملك – االله .او الملك – الشمس .فان االحساس التاريخي لدى القادة المعاصرين بدأ يتجلى في شكل اخر هو االهتمام المباشر من جانبهم بكتابة التاريخ نفسه حتى ولو لم يكن تاريخ افراد او ابطال متفردين بل تاريخ شعوب واحزاب وحركات اجتماعية وسياسية وايديولوجية ومن النادر ان نفتقد اليوم في كل المجتمعات المعاصرة بما فيها مجتمعات العالم الثالث – وبينها بالطبع مجتمعاتنا العربية – المحاوالت المتكررة العادة كتابة التاريخ خصوصا عند الوقفات او المنعطفات المهمة في مسيرته بل ربما لم يعد يثير فينا الدهشة االن ان نشهد مثل هذه المحاوالت العادة كتابة التاريخ في المجتمعات االشتراكية نفسها حيث يدين قادتها وكتابها ومؤرخوها بنظرية واحدة في تحليل التاريخ وبمنهج واحد في كتابته .كلما انتهى عهد او قضى قائد من قادتها وليس االتحاد السوفيتي اللينيني ثم الستاليني ثم المؤتمر العشرون المثال الوحيد على ذلك فبولونيا والمجر وتشيكوسلوفاكيا ..امثلة اخرى مضافة بل ان الصين نفسها صين مابعد ماو بدأت تسير على الدرب نفسه وتنسج على نفس المنوال . اخطأ ذلك ام صواب ؟ربما اليكون ذلك هو السؤال الجوهري وقد يجدر بنا ان نسأل قبل ذلك : هل الحقيقة التاريخية نسبية الى هذا الحد بحيث تقبل التشكل والتلون بحسب زوايا الرؤية ومدى النظر واحيانا بحسب النوازع واالهواء ؟ ولكن ماهي الحقيقة التاريخية نفسها ؟ ان هذا السؤال الذي تبدو اجابته يسيرة لدى البعض او حتى بديهية هو في الواقع من اعقد االسئلة التي تواجه المؤرخ او المفكر على حد سواء ان المنطق الشائع قد يجيب على الفور ان حجر الزاوية في اي ) تاريخ ( هو مجموعة الحقائق االساسية التي اليختلف عليها المؤرخون جميعا بصرف النظر عن مدارسهم الفكرية او فلسفاتهم االجتماعية .كأن نقول مثال ان ثورة وقعت في مصر عام 1952 او ان ثورة
69 قامت في العراق عام 1968 ولكن مثل هذه الحقائق التي هي ضرورية ومهمة بالنسبة الى المؤرخ هي اقرب ماتكون الى االلوان بالنسبة الى المصور او بمواد البناء بالنسبة الى المهندس المعماري ليس من المتصور ان يبدأ رسام انجاز لوحة من لوحاته او ان يسعى مهندس القامة بناء من دون ان تكون لدى الواحد منهما ) مواده ( االساسية لكن هذه المواد االساسية هي في النهاية شئ مختلف عن ) اللوحة ( وعن ) العمارة( التي ينتهي اليها المصور او المهندس المعماري . الحقائق المتماثلة لدى المؤرخين جميعا هي اذن المواد االساسية او المواد الخام التي يتناولها كل مؤرخ على حدة ويعالجها طبقا التجاهه الفكري الخاص وانطالقا من منظوره االجتماعي المحدد ليصنع منها ) تاريخا (هو في النهاية سلسلة من االحكام المقبولة او المبررة لدى قطاع من الناس وكلما كانت هذه المواد االساسية او الخام اكثر قدما واشد عراقة ازداد ) التاريخ ( خضوعا – على عكس الراي الشائع – للتلون والتشكيل باراء ومواقف المفكرين والمؤرخين الخاصة كل حسب حاجته االجتماعية او تبعا التجاهه. ماذا نعرف بحق عن اليونان القديمة ؟نحن نعرف ماقدمه المؤرخون لنا من صور الثينا من وجهة نظر المواطن االثيني في عصر امجاد اثينا في القرن الخامس قبل الميالد ولكن كيف كانت تبدو اليونان القديمة من وجهة نظر اسبرطةوكورينثة وثيبا ؟ كيف كانت صورتها في عيون الفرس او العبيد او المقيمين في اثينا من غير ) المواطنين ( ؟ اليس مانعرفه اقل القليل ؟ االمر نفسه ينطبق على الحضارات القديمة كلها حضارة وادي النيل و وادي الرافدين والصين والهند.وغيرها بل ال تفلت منه حضارة القرون الوسطى االوروبية نفسها يذكر ) ادوارد كار ( وهو احد كبار المؤرخين الالمعين في عصرنا – ان مانعرفه باسم وقائع القرن الوسيط قد جرى اختيارها كلها تقريبا من قبل اجيال من المؤرخين كانوا منشغلين مهنيا بنظرية وتطبيق الدين والذين اعتقدوا بناء على ذلك بانها مهمة جدا وسجلوا كل ماهو مرتبط بها وماكان انشغالهم بغيرها ليرقى الى هذا المستوى من االهمية ان صورة الفالح الروسي المتدين الورع قد تحطمت بثورة 1917 بينما صورة الرجل المتدين الورع في العصر الوسيط سواء كانت صحيحة ام لم تكن هي غير قابلة لالنهيار الن الحقائق المعروفة عن ذلك العصر تقريبا قد سبق ان اختيرت لنا من جانب اناس صدقوها وارادوا من االخرين تصديقها في الوقت الذي نجد فيه عددا اخر من الحقائق والتي ربما كان ممكنا ان نجد فيها دليال على عكس ذلك قد فقدت وراء الذاكرة ان الذراع الميتة الجيال المؤرخين والناسخين قد صممت شكل الماضي من دون ان توجد امكانية الكتشافها . ولكن اليس ثمة بين ايدينا احيانا بعض ) الوثائق ( التي يمكنها ان تبدل المنظور ؟... في القرن الماضي فقط حيث كانت الفلسفات الوضعية تسعى الن تجعل من ) التاريخ ( علما اشبه بالعلوم التجريبية كانت ) الوثيقة ( تحظى بنوع من التقديس لقد كانت الحقيقة ) حقيقة ( النها وردت في ) الوثيقة ( وهو مايمثل الدليل القاطع – الذي هو اشبه بالدليل الحسي المباشر في التجارب العلمية – على انها التقبل النقض او الشك كانت الوثيقة هي الخبز المقدس الذي يتناوله المؤرخ حتى يعبر الى ملكوت التاريخ ولكن سياتي وقت بعدها يطوي القرن التاسع عشر شراعه يتساءل فيه مؤرخون بارزون في القرن العشرين بقلق ؟ ولكن ماذا تخبرنا الوثائق – المراسيم والمعاهدات والكتب الزرقاء والمراسالت الرسمية واالوراق الخاصة واليوميات – اذا ما تفحصناها بدقة ؟ ما من وثيقة بوسعها ان تخبرنا اكثر
70 مما اراد لها محررها الشئ الذي اعتقد هو بانه حدث او الذي اعتقد بوجوب حدوثه او انه سيحدث او لربما مااراد من االخرين ان يفكروا بما فكر به .او حتى فقط ما اراد هو نفسه ان يعتقد بانه فكر به ...( ثم يضيفون قائلين وكانهم عثروا على شفاء للقلق ) ليس لهذه االمور اية اهميةالى ان يباشر المؤرخ تاثيره فيها وفك مغاليقها ان الحقائق سواء وجدت في الوثائق ام لم توجد فانها البد ان تخضع لصنع المؤرخ ان الفائدة التي يستخلصها من الوثائق هي عملية الصنع ( افهل يعني ذلك – مرة اخرى – ان الحقيقة التاريخية نسبية الة هذا الحد ؟ال ونعم في نفس الوقت ..ال. من حيث ان ) الحدث ( التاريخي – هذه المادة االساسية او الخام – هو في نهاية االمر واقعة موضوعية بمعنى ان لها وجودها المستقبل في الزمان والمكان المحددين ونعم من حيث ان تفسير هذا الحدث او تأويله يخضع للمعالجة الخاصة لكل مؤرخ او مفكر تبعا لزاوية رؤيته السياسية وموقفه االجتماعي واتجاهه االيديولوجي واذا كان ماقاله ) هيجل( صحيحا من ) ان كل تاريخ فلسفة ( و)كل فلسفة تاريخ ( فمعنى ذلك اننا النقرأ مايمكن تسنيته بالتاريخ الموضوعي المجرد ابدأ وانما نحن نقرأ على الدوام ) فلسفة تاريخ (. ولن يختلف االمر بعد ذلك فيما يتعلق بالمعالجات المتعددة للحدث التاريخي من زاوية انها كلها- ارادت او لم ترد – تصدر عن فلسفات متعددة وقبولها او رفضها ينبع في الواقع من قبولنا او رفضنا لهذه الفلسفات تبعا ) لفلسفتنا ( المعينة وها هنا يصبح البحث التاريخي بحثا فلسفيا في صميمه وتغدو الكتابة التاريخية كتابة تعكس تأويال فلسفيا في جوهرها وال تكون االحكام التي نصدرها على التاريخ المكتوب او الذي نعيد كتابته اال احكاما فلسفية في منطلقاتها او غاياتها . ومع ذلك يظل الفارق هنا قائما وضروريا بل واجبا فالتسوية بين المعالجات التاريخية المختلفة مثلما هي التسوية بين الفلسفات المختلفة هي ) موضوعية ( زائفة فضال عن انها محض تجريد مختلق حتى لو تحقق فانه ال يؤدي اال الى العدمية االجتماعية والتاريخية وال يقود في النهاية اال لخدمة الرجعية في كل مجتمع وكل عصر فكيف يمكن التسوية بين معالجة تاريخية تعتبر التاريخ تسجيال النباء الملوك واالمراء – والكهان الذين بنوا اهراماتهم على اجساد شعوبهم ورفعوا اعمدتهم واقواس نصرهم على جماجم البشر وبين معالجة تاريخية اخرى تعتبر التاريخ سج ال لحاصل الجمع المتفاعل بين شعوب وقادتها في اطار لحظة محددة في المكان والزمان ؟كيف يمكن التسوية بين فلسفات تاريخية تجعل من التاريخ تجليا لقوى مجهولة غامضة عمياء وبين فلسفات تاريخية اخرى تحيل التاريخ الى محصلة لتفاعل نضاالت البشر الشاقة والعنيدة المتالك مصيرهم ؟بل كيف يمكن التسوية بين من يعتبرون التاريخ ..تاريخ ) افراد ( عظماء من جانب ومن يعتبرونه تاريخ ) جماهير ( صماء من جانب اخر ومن يعتبرونه ثمرة لعالقة جدلية – تاريخية بين جماهير مناضلة وقيادات وطالئع حية من جانب ثالث ؟وكيف يمكن للتقدم – الذي هو امل البشرية جمعاء ومناط طموحها – ان يتحقق مادام االمر اليخضع في النهاية اال لظهور العبقري الفرد وحده او للحركة العشوائية للكتل السديمية وحدها ؟ هاهنا يبدأ االنتقاء وتتحدد طبيعة االختيار وتتميز هوية الباحث او المفكر او المؤرخ او القائد السياسي التاريخي . ومن هنا تنطلق المعالجات التاريخية المختلفة ويتجسد التاويل الفلسفي ويطرح االشكال بالضرورة نفسه ولقد طرح صدام حسين االشكال من زاوية التاريخ العربي وبعث االمة
71 العربية وقدم في معالجته ثالث مساهمات فكرية : االولى تحت عنوان ) كيف يكتب التاريخ ؟( والثانية تحت عنوان يجب ان ال نتحدث عن التاريخ بصورة معزولة عن الزمن وتفاعالت االحداث ( والثالثة تحت عنوان : ) حول كتابة التاريخ (. في مساهمته االولى طرح االشكال من زاويته الفلسفية العامة : ) لمن يكتب التاريخ وكيف يكتب ؟ هل يكتب التاريخ لالحياء ام لالموات والشهداء ؟ ولماذا نلح على ان يكتب التاريخ ز بما ينصف الفرد المستحق دون ان يكون انصافه على حساب المجتمع ؟( وهو قد اجاب على السؤال االول بان التاريخ يكتب بطبيعة الحال لالحياء من الناس في المجتمع وتاريخ البطولة واالبطال ليس مجرد تحية او شهادة لمن قدموا ارواحهم من اجل الوطن فحسب وانما هو – وربما في االساس – درس للمناضلين من بعدهم وانموذج يعلى امامهم حتى يسيرون على دربه ويحتذونه .التاريخ ال يكتب للموتى لالضرحة الرخامية الصماء كان المسيح يقول ) دعوا الموتى يدفنون موتاهم ( وكان يعني بذلك ان الحياة هي هم االحياء االول فاذا لم يكن بوسعنا ان نتحدث الى االحياء ونتوجه اليهم ونوجههم فكيف يمكننا ان نفعل ازاء من اصبحوا مجرد ذكرى في الخيال او طيف في القلب ؟ ان التاريخ اذا لم يكن متوجها الى االحياء وموجها لهم فقد فاعليته وايجابيته وديناميكيته بل لعله يفقد تبريره ايضا . واذا كانت تلك النقطة بمثابة المدخل المنطقي لالشكال فان القضية التي تمثل صلب االشكال نفسة هي قضية الفرد والمجتمع وعالقتهما بالتاريخ وعلى الرغم من تراكم المؤلفات وتعدد التيارات الفلسفية واالجتماعية التي عالجت هذه القضية خصوصا منذ ان بلغ الوعي التاريخي ذروته االولى في اوروبا الحديثة في القرن الثامن عشر فان السؤال مازال قائما واختيارات االجابة ما فتئت مطروحة امام المفكرين لقد كتب أ.ج.ب تيلور بعد الحرب العالمية الثانية يقول : ) انه باالمكان كتابة تاريخ اوربا الحديث بلغة الجبابرة الثالثة .نابليون وبسمارك ولينين . .في الوقت الذي كان تولستوي قد كتب من قبل قائال في محاولة لالنتقاص من دور الرجال العظماء في التاريخ : انهم ليسوا اكثر من القاب تعطي االسماء لالحداث ..اما هيجل ..ذلك الذي حقق في فلسفة التاريخ مالم يسبقه اليه احد وربما – بمعنى مامن المعاني – لم يلحق به ايضا احد فانه كان يقول ) ان الرجل العظيم في عصر ماهو الذي يستطيع ان يعبر عن ارادة عصره في كلمات ويدل عصره على ارادته وينيرها ان مايفعله هو قلب وروح عصره انه يحقق عصره ( صدام حسين يجيب على السؤال المطروح االن بقوله ) هل تصورنا يوما ما ان تتقدم الحياة والمجتمع او اي فرع فيهما على طريق االهداف المرسومة بدون قائد او قيادات ؟ الجواب اليمكن تصور ذلك ولم يكن في التاريخ استشهادات يقتدي بها في هذا االتجاه( ثم يضيف بعد ذلك جوهر االجابة على السؤال قائال : ان القائد هو ابن المجتمع وابوه في ان معا .هو ابن المجتمع في عملية الخلق االولى والتكون االول وهو ابو المجتمع في المرحلة التي يلعب فيها ادوارا قيادية.. وعندما يكون القائد ابأ للمجتمع ال يعني ذلك ان يكون ابأ عشائريا متخلفا بمعنى ان يكون وصيا عليه وانما تكون ابوته ضمن سياق العالقة الديمقراطية الثورية وماتتطلبه من تفاعل ...( مالذي تعنيه هذه العبارات ؟انها تعني رفض االتجاه الذي يجعل التاريخ فيضا من عبقرية افراد عظماء من جانب كما تعني رفض االتجاه االخر الذي يجعل التاريخ مجرد محصلة ميكانيكية لجماهير لكتل تتحرك بغير ) بوصلة( وسط العباب ثم هي بعد ذلك تطرح الوضع
72 الصحيح لالشكال : هناك مجتمع من جانب وقائد من جانب اخر والعالقة بينهما هي عالقة تفاعل .اي عالقة اخذ واعطاء ..اي عالقة ديناميكية جدلية تسير من الفرد الى المجتمع ومن المجتمع الى الفرد بغير انقطاع ان اسطورة ) روبنسون كروزو ( الشهيره التي جسدت في الخيال صورة فرد مستقل يفزع الى جزيرة بعيدة ليبني فيها مملكته الفردية المنعزلة قد تحطمت االن حتى في الفكر الغربي الذي ابعدها في مرحلة من مراحل تطور المجتمع االوروبي حين كانت البرجوازية طبقة صاعدة تبحث عن تقديس ) الفرد ( الصاعد واكتشف االوربيون بعد ذلك ان روبنسون كروزو لم يكن حتى على المستوى الشخصي فردا مجردا وانما كان انجليزيا من ) يورك( وكان يحمل معه انجيله ويصلي اللهة بل واكثر من ذلك سرعان مابني مجتمعا جديدا رغم فرديته وعلى انقاضها . اما الذين اعتبروا التاريخ مجرد تسجيل لحركة ) الجماهير ( اشبه بالجهاز العلمي الذي يقيس حركة الزالزل في طبقات االرض وبسطوا الماركسية والتي يدعون التحدث باسمها وحولوها الى )) عدد محدد من العقائد الثابته : ثالث مبادئ للمادية واربعة قوانين للجدلية وخمس مراحل لتطور المجتمعات التاريخي (( فلعلهم ينتمون في ساللتهم الفكرية الى اولئك الذين قال عنهم ماركس نفسه ) لو كانت هذه الماركسية فكل ما اعرفه انني غير ماركسي (( ذلك الن التاريخ كما قال هو ايضا اليفعل شيئا انه اليملك الثورة الهائلة واليخوض المعارك انه االنسان االنسان الحي الذي يفعل كل شئ هو الذي يملك الثورة وهو الذي يقاتل .. ان ماينقص هؤالء جميعا هو الجدل.. وصدام حسين الذي اجتهد في ان يضع القضية وضعا جدليا صحيحا محاوال ان يقؤبها من اذهان قرائه ومستمعيه بتشبيهها بعالقة البنوة واالبوة لم يتوقف عند هذا الحد فقط بل انه اعتبر ايضا عظمة االفراد او بطولتهم هي بدورها ابنة المجتمع ) عل ينا ان ال ننسى ان البطولة ايضا هي ابنة المجتمع في جانب اساس منها اذ لو لم يكن المجتمع انذاك بطال في استعداده للتضحية وفي وعيه وفي عطائه وفي ارادته لما انجب بطال وعلينا على هذا االساس ان نربط ربطا صحيحا بين ذلك وبين دور الفرد ومبادراته وتضحياته بهذا االطار اي ان النتحدث عن دور الشعب في المجتمع ونسقط دور الفرد ونسحقه او نتحدث عن الفرد ونسحق دور الشعب في المجتمع الن االتجاهين خاطئان والمطلوب هو ان نتحدث عن المجتمع وعن الفرد في عملية تفاعل تام . ومع ذلك ربما يجدر بنا ان ال ننسى ايضا ان ثمة نوعين من العظماء :فهناك العظماء الذين يمثلون على الدوام القوى الموجودة ويعبرون عنها وهناك ايضا العظماء الذين يساعدون في خلق هذه القوى عن طريق تحدي السلطة الموجودة ..ويبدو لنا ان )) ادوارد كار (( كان مصيبا تماما في قوله : ان ماهو جوهري في تقديري هو ان نجد في الرجل العظيم فردا بارزا نتاجا للعملية التاريخية ومساعدا لها في نفس الوقت انه ممثل القوى االجتماعية وخالقها معا ..تلك القوى التي تغير شكل العالم وافكار البشر ... الصالح المناهج الدراسية تكلم كمعلم كموجه كمرب كأب ولكن دون ان يفقد بعده النظري االصيل ابدأ. قال)) لكي نشير الى عظمة انسان ما او عمل ما اليكفي ان نتحدث عن ذلك بصيغ مجردة معزولة عن الزمن ومراحله وعن تفاعالت االحداث انما يجب ان نربط ذلك بمجموعة العوامل المتصلة بالزمن وباالمكانات الذاتية والعوامل المتصلة بالظروف المحيطة به لكي تبرز عظمته في اطارها الصحيح ..( ماالذي يعنيه بالعزلة عن الزمن ومراحله ؟ ان مسألة الربط بين الحدث التاريخي وظروفه في المكان والزمان ليست جديدة في الفكر التاريخي عامة .ان
73 الربط بين البطل التاريخي وتلك الظروف هو ايضا مسألة مستقرة حتى لدى بعض المؤرخين البرجوازيين المستنيرين انفسهم لقد الحظ ) جيبون ( صاحب ) انحالل وسقوط االمبراطورية الرومانية (..) انها لحقيقة بديهية ان االحوال السائدة يجب ان تتالئم مع الشخصيات الفذة وانه من الجائز ان تتالشى االن عبقرية كرومويل او ريتز في الظلمة ( ولقد قدر بعض المؤرخين االخرين انه لو ان بسمارك على سبيل المثال قد ولد في القرن الثامن عشر – وهو افتراض غير معقول النه ماكان سوف يصبح بسمارك – لما وحد المانيا ولربما ماكان بوسعه ان يكون رجال عظيما وهو نفس ما يمكن ان ينطبق على نابليون او لنكولن او لينين او غيرهم . ولكن صدام حسين اليعني هذا المفهوم القريب للعزلة عن الزمن او في االقل اليعنيه وحده انه اليقصد عزلة الحدث التاريخي او البطل التاريخي عن اطاره الحاضر فقط وانما عزلته عن اطاره الماضي واكاره الذي يمكن ان يكون له في المستقبل ايضا ان التاريخ الذي هو نتاج للتفاعل عنده ينهض بالضرورة على الحركة وماذا تعني الحركة غير التحول واالستمرار والتفرد والجدة دائما ؟ من هنا كان انتقاده لبعض ) المصطلحات الخاطئة( التي تستخدم احيانا في وصف الثورة مثل وصفها بانها ) ثورة 17 تموز التقدمية (واعتبار صفة التقدمية هي السمة النهائية لها بينما الثورة في جوهرها قومية واشتراكية فوصفها بالتقدمية تقليل من قيمتها ومن جوهرها كثورة مستمرة باتجاه تحقيق اهدافها الستراتيجية ..( كما كان ايضا وصفه للقرار التاريخي بتاميم النفط في العراق – ولقد كان في حد ذاته ثورة – في نفس اطار المفهوم السابق تعبيرا عن نفس المعنى : عندما نتحدث عن قرار التاميم االن مثال فاننا نعتز به ونعتبره احد االعمال العظيمة ا لتي نفخر بها ولكن بعد عشر سنوات من االن وفي سياق المسيرة الالحقة لن يحتل ذات الموقع النفسي المؤثر كما هو عليه االن ولن ترى صورته وطبيعته بنفس الحال الراهنة اذا ما جردناه من ظروفه واضعفنا صلته بالحياة او قطعناه عن مسيرة الثورة وعن الزمن والتفاعل االجتماعي واالقتصادي والسياسي المتصل بهذا القرار ... وهو في هذين المثلين – اللذين اقتبسناهما من حديثه – يتحدث عن البعد المستقبلي للحدث اي عن ضرورة عدم العزلة عن المستقبل . في امثلة اخرى عديدة اشار الى البعد الماضي للحدث اي الى عزلته او عزلة عن ماضيه ان الحديث عن الثورة وعن حزب البعث العربي االشتراكي ال يكتسب بعده الموضوعي والتاريخي الصحيح مالم نتحدث عن الصورة السوداء التي سبقت الثورة في المجال االجتماعي والسياسي واالقتصادي والثقافي والعسكري وانعكاس ذلك على السيادة الوطنية والنضال القومي وحياة الجماهير . اليمكن فهم الحدث التاريخي او تقويم البطل التاريخي اذن بوضعه بين قوسين بل البد من فتح السدود المصطنعة امام صيرورة الزمن غير اننا ال ينبغي ان ننجذب الى لحظة الماضي او الى لحظة المستقبل ونفتقد بعدهما مواضع اقدامنا ان لحظة الحاضر تحظى باهتمامه – وربما باهتمامه االشد – فبدونهما يفقد الماضي معناه والمستقبل مبرره بل ربما امكن القول ان صدام حسين من القادة القالئل الذين يالحظ المرء ان لديهم وعيا واضحا للبعد النفسي
74 في لحظة الحاضر هذه ان البعد النفسي لالحداث واالشخاص والقرارات جزء ال يتجزأ دائما من حساباته . تامل قوله : هناك نوعان من االمور تجذب االنسان : مايؤمن به وال يراه على االطالق ومايؤمن به ويلمسه باستمرار وضمن حدود معلومة وعندما نتحدث عن شئ مرئي ليس في السماء ولكنه ايضا ليس في اليد فاننا بذلك نسقط تاثير واستخدام ماهو في اليد ونبدو كاننا نتحدث عن شئ مجرد الزال هدفا لم يتحقق بعد ..وشئ كهذا اليثير الحماس لدى المواطنيين بمستوى ماهو ملموس وهو في الوقت نفسه ليس قضية روحية نتعلق بها في مثل هذه الحالة نكون اخطأنا الحساب ...يتجلى هذا البعد النفسي على سبيل المثال في نظرة المواطن العراقي الى القطر العراقي فألن حزب البعث العربي االشتراكي حزب قومي يناضل من اجل تحقيق الوحدة العربية وتجسيد القومية العربية في دولة عربية واحدة والنه يؤمن بان العراق جزء من االمة العربية وقطر داخل الوطن العربي فان صفة ) العراقية( كثيرا ماكانت تتراجع كثيرا الى الخلف وتنزوي امام الصفة االعم واالشمل وهي العروبة والوطن العربي واالمة العربية . ولكن صدام حسين رجل الحسابات والموازنات النفسية الدقيقة يؤكد بوضوح اننا ) يجب ان ال نسقط من الحساب ان نربي ) العراقي ( على ان يعتز بهذه الرقعة من االرض ) القطر العراقي ( التي يعيش عليها والتي هي ) دستوريا ( وطنه وان يكون مستعدا فكريا ونفسيا للدفاع عنها حتى االستشهاد النها وطنه الملموس والذي يتفاعل معه يوميا بشكل عملي خاص في حين ان تفاعله مع الوطن العربي هو تفاعل مبدئي عام ..وهذا يعني اننا يجب ان ال نغرق في القومي المبدئي ونترك الوطني المباشر كذلك النغرق في الوطني المباشر ونترك الحديث عن مفاهيمنا القومية ومستلزمات النضال لتحقيقها . افاق الزمن الثالثة موجوده اذن ومتفاعلة في مفهومه عن الحدث التاريخي في مبناه او مغزاه والمفكر النظري بداخله اليطغى على القائد السياسي .كما ان القائد السياسي الذي يمسك بدفة سفينة السلطة في بالده يدرك ادراكا يبلغ حد االيمان انه بدون البوصلة النظرية المحددة للطريق تصبح السفينة عرضة لالرتطام بالصخور دائما والتمزق بين العواصف واالنواء دون ان تبلغ شواطئها البعيدة او افاقها الموعودة . وكمفكر نظري وقائد سياسي معا يتوقد في نفسه الطموح لبعث االمة العربية ودفعها الحتالل مكانتها العالمية واداء رسالتها االنسانية ارقت صدام حسين طويال مسالة كتابة التاريخ العربي هو ايضا يدرك بعمق المغزى الذي كان يعنيه ) شوبنهور ( بعبارته : في التاريخ فقط تتمكن االمة من وعي ذاتها وعيا تاما . ذلك النه مامن امة بال شخصية وما من شخصية بال تراث وما من تراث بال تاريخ واذا كان معنى الشخصية الفردية من اشد المعاني تركيبا وتعقيدا في العلوم التي تدرس شخصية االفراد النه يتضمن كل الصفات الجسمانية والوجدانية والعقلية والخلقية في تفاعلها وتكاملها خالل شخص م عين يعيش في بيئة اجتماعية بعينها فما من شك اذن في ان معنى شخصية االمة اشد من ذلك تركيبيا وتعقدا بما ال يقاس النه يشتمل على كل صفاتها المادية والمعنوية و الجغرافية والتاريخية واالقتصادية والثقافية ال في تفاعلها وتكاملها فحسب بل في نموها وتطورها وارتقائها ومسارها ايضا ومع ذلك ومهما كانت هذه العملية بالغة التعقد والتشابك والتركيب فان بلوغ امة من االمم درجة االحساس بشخصيتها اي درجة الوعي لذاتيتها لوحدتها وتكاملها وتميزها هو في حد ذاته عالمة ال تخطئ على رشدها ونضجها .
75 والتتم الوحدة والتكامل في شعور االفراد اال بسالمة الذاكرة وتماسك حلقاتها في تيار متصل يربط بين مراحلها المختلفة ويجمع خبراتها الحية ويمثل عنصر الثبات وسط سائر عناصرها المتغيرة وهكذا االمر بالنسبة لالمم البد لها من ذاكرة تختزن فيها تجاربها وتحمي بداخلها تراثها وتصل بها بين انات الزمن المتعاقبة عليها وترسب من خاللها السمات االساسية التي تتحدد في تطور شخصيتها . وذاكرة االمم اسمها : التاريخ وليس المقصود بالتاريخ هنا اخبار الملوك والعروش والتيجان والسالطين واالمراء والخلفاء ..ال..والانباء الفتوح والغزو وما بعدهما من هزائم او انتصارات ولكنه تاريخ االنسان في بقعة ما من االرض بنضاالته وانجازاته بمعتقداته وثقافاته بقيمه وتصوراته انه باختصار االسهام الذي يقدمه شعب من الشعوب في ملحمة الحضارة االنسانية ككل . ولقد كان جوته يقول : انه يجب اعادة كتابة التاريخ من وقت الى وقت ال الن حوادث جديدة قد اكتشفت فحسب بل الن اشياء جديدة قد وقعت والن الفرد المساهم في تقدم عصر من العصور يصل الى مواقف يمكنه باالستناد اليها ان ينظر الى الماضي ويحكم عليه بشكل جديد .. وتاريخ االمة العربية لم يكتب حتى االن – لسوء الحظ – بمنظور قومي وعلمي ونقدي شامل ومتكامل البعض كتبه منطلقا من ظهور االسالم وكانما االمة العربية لم توجد اال مع االسالم وبفضل االسالم والبعض االخر لم يكتبه قط النه في ايمانه االرثودكسي الجامد بالمفهوم الستاليني القاصر لالمة والقومية اعتبر ان االمة العربية لم توجد قط وجودا متكامال حتى االن وان القومية العربية مازال ينقصها شرط او شروط من البنود الستالينية حتى تتحقق والقوميون االشتراكيون المستنيرون لم يكتبوا حتى االن سوى صفحات هنا او هناك حول هذا العصر او ذاك من العصور العربية ومازال السفر الكبير الضخم الشامل والمتكامل ينتظر من يكتبه . ولكن كيف ؟ان صدام حسين في مساهمته الثالثة التي حملت عنوان حول كتابة التاريخ يقدم دليال لمنهج او قواعد لمنهج جديد في النظر الى التاريخ العربي وكتابته منطلقا من النظرة العامة لحزب البعث العربي االشتراكي ورافضا للمنهجين القائمين في ساحة التاريخ العربي وهما : المنهج الديني والمنهج الماركسي ... الن اصحاب المنهج الديني يسقطون من الحساب تقسير التاريخ للعوامل القومية واالجتماعية واالقتصاديةويعتبرون العامل الروحي هو كل شئ في صيرورة االمم في نهوضها وفي انكفائها وانسحاقها فيما يعتبر الماركسيون برد فعل غير متوازن ان صيرورة وتكون االمم في صعودها واخفاقها وتقدمها انما يعتمد على التفسير المادي للتاريخ مع اسقاط االعتبارات الروحية والمعنوية وفعلها في حياة االمم. فهل هو البحث عن طريق ثالث ؟ كال ولكنه البحث عن الشمول والتكامل ووحدة المركب دون نظرة واحدية الى هذا الجانب او ذاك في ضوء فلسفة ايجابية مناضلة تحاول ان تجعل من التاريخ سالحا من اجل النهضة العربية الجديدة وتقدمها نحو وحدة االمة وحريتها وازدهارها االجتماعي . ان صدام حسين يضع الفرضية االولى لمنهجه بقوله : ان تاريخ االمة العربية يمتد الى عصور سحيقة في القدم وان كل الحضارات االساسية التي نشأت في الوطن العربي انما هي تعبير عن شخصية ابناء االمة الذين نبعوا من اصل المنبع
76 الواحد واذا كانت لتلك الحضارات خصوصية وطنية فان الخصوصية الوطنية انما هي جزء من السمة القومية االعم واالشمل . وواضح ان هذه الفرضية االولى تتناقض مع الفرضية التي تعتبر بداية االمة العربية هي بداية الدعوة االسالمية كما تتناقض بطبيعة الحال مع الفرضية الستالينية لنشأة القوميات وظهور االمم وهو يتقدم بعدها لينتقد المنهج الغيبي السلفي الذي يعتبر التاريخ العربي فيما قبل االسالم تاريخا فارغا او مخجال كما ينتقد المنهج الماركسي الذي يحلل التاريخ وكانه محض صراع طبقات الن المنهجين كليهما يجافيان حقائق التاريخ ) فحين يتحدث الغيبي السلفي باالتجاه االسالمي التقليدي القديم الذي يصور العرب بانهم امة منفسخة متصورا بانه بذلك انما يقوي الدعوة االسالمية ويوفر اسس ومستلزمات مشروعيتها الدنيوية انما يرتكب خطأ كبيرا ونرى ذلك في الكثير من الكتابات واالفالم العربية وغير العربية بما يوحي بان العرب امة متفسخة الى الحد الذي اختار هللا الرسالة لكي تنزل على اكثر امة على االرض تفسخا واكثر امة فيها ا لظلم والتردي من اجل اصالحها في حين ان المنطق والواقع يقول : ان االمة يجب ان تواجه صعوبات كبيرة وضائقة غير عادية لكي تجعلها تثور وحتى تثور وتكون لها رسالة ودور انساني شامل يجب ان تكون لالمة مكونات داخلية حية تجعلها قادرة على حمل الرسالة وتادية دورها . وصدام حسين يلح على هذا المعنى اكثر من مرة والمنطق الذي يحكمه في ذلك هو ان االسالم ثورة وثورة كبرى وليس من المعقول ان تقوم الثورات في المجتمعات الخامدة وبين االمم الميته العاجزة التي يسيطر عليها الفساد والتحلل واالنحالل مثل هذه االمم ليس من الممكن ان تحدث فيها ثورات من الناحية العلمية وان تكون لها رسالة ذات بعد انساني وثوري ( ذلك الن حمل مثل هذه الرسالة اليمكن ان ينهض به اال اناس جديرون بذلك ولكن في الوقت نفسه البد ان يكونوا في حالة مأزق تاريخي في شتى مناحي الحياة لكي تكون عملية التجدد مطلوبة وتظهر بصيغة ثورة وبنظرة شمولية للحياة . والفرضية الثانية هي ان التاريخ هو النتيجة النهائية التي تقررها ارادة االمة ذاتها اي ان مجموعة البشر التي تعيش على اية رقعة من االرض عندها تقرر بارادتها المستقلة انها امة فان هذا يعني انها حققت ذلك الن ارادتها بشكل اساسي هي التي تقرر ان كانت امة ام ال وفي هذه الحالة تستخدم – عادة – كل ظواهر وعوامل الحياة االخرى بما في ذلك التاريخ لتدعيم او اضعاق هذه االرادة . فنحن العرب – اذن – امة واحة وجغرافية ارضنا هي الوطن العربي كله هذه هي النتيجة الحاسمة التي نعطيها اهتمامنا ولذلك يجب ان تكون قراءتنا للتاريخ وفق كيفية تخدم هذه الحقيقة ..وصدام حسين يدعو كتاب التاريخ – طبقا لهذا المنظور – الى التاكيد على حقائق التاريخ التي تدعم هذا المنهج ) الن كثرة المدارس واالجتهادات واالحداث الضخمة في سجل التاريخ تجعل بمقدور اي انسان استعارة مايريده من بطون التاريخ لتعزيز المنهج الذي يؤمن به ..والتاريخ العربي اليشذ من هذه الحقيقة ..ونحن الينبغي ان نفهم من هذه العبارات المعنى الذي كان يقصده ..ر.كولنجوود ..حيبن قال : نظر سانت اوغسطين الى التاريخ من زاوية المسيحي االول وتاليمونت من زاوية فرنسي عاش في القرن السابع عشر .وجيبون من زاوية االنكليزي الذي عاش في القرن الثامن عشر ومومس من زاوية الماني في القرن الثامن عشر فال يوجد مبرر من وراء التساؤل عن وجهة النظر الصحيحة
77 فكل نظرة كانت تمثل النظرة الممكنة بالنسبة للرجل الذي تبناه ...ذلك الن كولنجوود في عبارته تلك كان يرد على الذين اعتبروا التاريخ مجرد تجميع للحقائق من جانب وعلى الذين وصلت بهم النظرة الشكية الى اعتبار التاريخ مثل علبة حروف االطفال التي يمكنهم عن طريقها كتابة اية كلمة يشاؤوها من جانب اخر .ان صدام حسين يقول على العكس بوضوح قاطع : نحن لسنا في حاجة الى تزوير التاريخ او الى اصطناعه من اجل ان نقرأه قراءة بعثية وانما نحن بحاجة الى ان نفهمه فهما بعثيا ليس غير .وان ذلك يضفي عليه من الحقيقة مالم يكن ظاهر منها .. ان مايقصد اليه بالتحديد ليس اصطناع التاريخ الحديث او التاريخ القديم وليس احتالق الوقائع او االحداث والحقائق وانما هو االلتحام بتيار التاريخ من الداخل وليس التطلع اليه ) من خارجه (. الفرضية الثالثة هي انه ينبغي ان يوضح في اعتبار كاتب التاريخ دائما مسألة مهمة هي ان الحقائق المكتوبة ليست هي كل الحقائق النهائية حتى وان اتفق عليها جميع المؤرخين والمحللين الن في كل مرحلة من مراحل التاريخ ماهو دفين اليقال العتبارات شتى وقد اليكون ) الدفين ( امرأ ثانويأ وانما قد يكون رئيسيا ومن االمور االجتماعية والسياسية واالقتصادية المهمة ..ومثل هذه الفرضية تنطوي في الواقع على اهمية بالغة سواء في العصور الماضية حيث لم تكن صناعة المعلومات قد وصلت الى ماوصلت اليه االن من تقدم او في العصور الحديثة نفسها حيث باتت هذه الصناعة الخطيرة في ايدي اجهزة ومؤسسات توجهها حسب المصالح والنوازع واالهواء التي تقتضيها السلطات الحاكمة او المهيمنه في المجتمعات المختلفة خصوصا منها التي تخضع لالنظمة الالديمقراطية بل ان كثيرا من الثورات المعاصرة في العالم الثالث بشكل عالم وفي بعض اقطارها العربية بشكل خاص اليكاد يعرف الجانب االعظم من حقائقها المستورة تظل دفينة في قلوب قادتها فان ظلوا احياء ربما سجلوا بعضها او كلها او اتاحوا لالخرين تسجيلها اما ان رحلوا عن عالمنا فاما انها ترحل معهم وتختبئ تحت التراب في قبورهم او تتحول الى قصص ومذكرات ويوميات منثورة يكتبها من زاوية رؤيتهم من احاطوا بهم او كانوا بالقرب منهم ان مثال جمال عبد الناصر يظل رغم كل شئ معبرا بمأساوية عن هذه الحقيقة فسرعان ماقرأنا بعد موته عشرات االجتهادات – في اسعد االحوال – التي انصبت على تاريخ الثورة المصرية واالدوار التي لعبها بعض االفراد الرئيسيين او الثانويين على مسرحها وهي جميعها ربما ما كان بوسعها ان تظهر الى النور لو كان ) الشاهد ( االول مازال حيا . بل ان قصة الثورة في العراق منذ 17-30 -يوليو –تموز قصة الثالثة عشر يوما التي كانت فيها الثورة مفتوحة االبواب امام حصان طروادة الجديد وبداخله عبد الرزاق النايف وابراهيم الداوود ..لولم يحسمها صدام حسين بجرأته النادرة وتخطيطه الذكي وقدرته الفذه على التنفيذ المحكم الدقيق فمن كان بوسعه ان يعرفها ؟ولنتصور للحظة الفرض العكسي وهو ان الدخالء على الثورة نجحوا في سرقتها واالستيالء عليها وتصفية اصحابها الحقيقيين ترى ماالذي كان سيقوله التاريخ ؟ تلك هي الفرضيات الثالث االساسية التي يضعها صدام حسين امام من يتصدى العادة كتابة التاريخ العربي او ربما بتغبير ادق لمن يتصدى لكتابته وهي فرضيات تمثل قواعد منهج جديد ينطلق من فلسفة لها منظورها الشامل المتكامل لالمة العربية والقومية العربية
78 والوطن العربي وهذا المنهج في اعتقاده هو اكثر المناهج قدرة على التعبير ال عن تميز هذه االمة حاملة الرسالة فحسب وانما عن خصوصية النظرة ) البعثية ( لماضيها وحاضرها ومستقبلها على السواء. 2 -الدين والتراث : مراجعات ثورية منذ مطلع القرن التاسع عشر على اثر العزيمة العنيفة التي احدثها التغلغل االستعماري في االقطار العربية .طرحت عمليا على الفكر العربي اشكالية الموقف من التراث .ذلك النه حين وقف في مواجهة االخر حاول ان يحدد ذاته وفي محاولته القيام بهذا التحديد كان عليه ان يجيب اوال على اسئلة فرضت نفسها عليه :ما هو ماضيه ؟ماعالقته به ؟ باي معنى يمكن ان تكون ذاته .جزءا من الديمومة التاريخية التي بدأت من نقطة في الماضي البعيد ؟ وباي معنى يمكن لذاته ان تقطع مع تلك الديمومة وان تنقطع عنها ؟هل الحاضر استمرار للماضي ام ان التاريخ اليكرر نفسه واليقبل االستنساخ واالستعادة بل يتجدد في الزمان كل لحظة؟ والسبيل الى الشك في ان محاولة االجابة على مثل هذه االسئلة وغيرها مما يدور في مدارها لم تعد – كما كانت في الماضي – تشغل بال قلة من الباحثين التقليديين وعلماء الدين والفقه والتشريع ولكنها اصبحت تجذب اليها – وخصوصا في السنوات التي اعقبت الحرب العالمية الثانية وما تالها – اعدادا تتزايد باستمرار من الباحثين والمفكرين ذوي االنتماءات االيديولوجية المختلفة والمناهج الفكرية المتباينة بل لعله يصعب ان نجد اليوم برنامج حزب من االحزاب السياسية له وزن او ثقل او نفوذ على نطاق الساحة العربية ككل او داخل قطر من اقطارها دون ان نواجه فيه موقفا ما من قضية الدين والتراث اي من قضية الماضي – الحاضر – صريحا او متضمنا . وغني عن البيان ان هذه المواقف – شأن كل مواقف تصدر عن انتماءات ايديولوجية مختلفة ومواقع اجتماعية متباينة – تتراوح بين النقائض فمن موقف نكوصي او ارتدادي كامل الى موقف انكاري رافض وما بينهما من مواقف تلفيقية تارة ومواقف انتقائية تارة اخرى ويمكن القول بشكل عام ان اهم حدثين في السنوات القريبة الماضية ساعدا على هذا التارجح العنيف في المواقف هما : هزيمة العرب في حرب يونيو – حزيران 1967 من جانب والثورة االيرانية في عام 1979 من جانب اخر . فبعد النكسة العربية في عام 1967 ادعى بعض المفكرين والباحثين ان خالص المجتمع العربي ليس له من سبيل سوى العودة الى الينابيع االسالمية االولى بعد ان انحرف عن الطريق القويم وسدر في مهاوي المادية والعلمانية واالفكار المنحرفة المستورة فسقط في وهاد الغواية وابتعد عن القيم الدينية والخلقية النابعة من دينه وتراثه وفي ذلك كان مقتله . وفي عام 1972 – على سبيل المثال – كتب الشيخ عبد الحليم محمود الذي كان يجلس وقتها على مقعد االمام االكبر للجامع االزهر سلسة من المقاالت نشرها بجريدة االهرام المصرية يدعي فيها ان أس البالد هو الفلسفة اليونانية وبالذات ارسطو والفلسفة االوربية عامة وخصوصا ديكارت والمتفلسفة العرب وفي مقدمتهم ابن رشد فهؤالء جميعا افسدوا – في رايه – التراث االسالمي الذي قيض له هللا من يذود عنه وهو االمام الغزالي والخالص الذي اقترحه امام الجامع االزهر هو : العودة الى سواء السبيل الى المنبع الذي ال ينضب
79 الى االسالم ودستوره القران ) فرسالته مستمرة ابدية خالدة انها الصراط المستقيم وهي الهداية الدائمة (. والالفت للنظر انه في العام نفسه اعلن حسين الشافعي الذي كان يشغل منصب نائب رئيس الجمهورية المصرية في حديث مدو له ) ان المجتمع الوحيد الذي يستطيع التصدي السرائيل هو مجتمع ال اله اال هللا ( بل انه في نفس الشهر اعلن واحد من كبار المسؤولين في االتحاد االشتراكي العربي :محمد عثمان اسماعيل الذي كان يشغل منصب امين التنظيم قائال في الصحف الكبرى بالقاهرة ) نفرط في سيناء وال نفرط في عقيدتنا ( . والذي يعنينا في هذا كله االن ليس هو االدانة الصحاب هذه االفكار او حتى لالفكار في ذاتها وانما موقفهم الفكري من التراث في حدود رؤيتهم له وال بد من القول بوضوح ان التراث هنا ليس مقصودا لذاته والدفاع عنه ليس لوجه هللا او الوطن او التاريخ انه سالح ايديولوجي يستخدمه هذا الفريق من المفكرين او السياسيين استخداما سياسيا رجعيا شوفينيا فيه قدر كبير من التخلف والفجاجة وسوء التقدير انه محاولة للنكوص واالرتداد من اجل المزيد من الهزائم واالنتكاسات . في الجانب المقابل نجد مجموعة من المفكرين الرافضين للتراث الديني والمنكرين له اننا نسمع مفكرا عربيا من لبنان يقول في كتابه ) نقد الفكر الديني ( وهو صادق جالل العظم اصبح االسالم االيديولوجية الرسمية للقوى الرجعية المتخلفة في الوطن العربي وخارجه والمرتبطة صراحة ومباشرة باالستعمار الجديد الذي تقوده امريكا كما كان الدين المصدر الرئيس لتبرير االنظمة الملكية في الحكم النه افتى بان حق الملك نابع من السماء وليس من االرض ثم اصبح اليوم الحليف االول لالوضاع االقتصادية الراسمالية والبرجوازية والمدافع الرئيس عن عقيدة الملكية الخاصة وعن قداستها حتى اصبح الدين واصبحت المؤسسات التابعة له من احصن قالع الفكر اليميني والرجعي ..ثم يؤكد بعد ذلك ) ان الدين كما يدخل في صميم حياتنا وكما يؤثر في تكويننا الفكري والنفسي يتعارض مع العلم ومع المعرفة العلمية قلبا وقالبا روحا ونصا ...( وسنقرأ لمفكر اخر هو ) ادونيس ( حكما كليا يتمثل في هذه العبارات : بما ان الثقافة العربية بشكلها الموروث الساند ذات مبنى ديني اعني انها ثقافة اجتماعية التؤكد االتباع فحسب وانما ترفض االبداع وتدينه فان هذه الثقافة تحول بهذا الشكل الموروث السائد دون اي تقدم حقيقي ..وهو سوف يقول بعد ذلك في محاولة لتبين اسباب التخلف الفكري في المجتمع العربي منتقدا فكر ) الغزالي ( ان هذا الفكر – فكر الغزالي – بقواعده وغاياته هو الذي يسود المجتمع العربي اليوم ولذلك فان االيديولوجية السائدة سواء في المدرسة والجامعة والبرامج التربويه والصحافة واالذاعة والكتاب انما هي قوة ارتداد نحو الماضي وقوة محافظة على الراهن الموروث ... ومازال التطابق القديم بين تصور الواقع وتدبيره اي بين الدين والسياسة قائما وفعلال . وعندما قامت الثورة االيراني ..تحت شعارات الديث وعباءة قياداته لم تكشف بعض اتجاهات الفكر العربي المعاصر عن هشاشة مواقفها الفكرية وافتقادها للتماسك المنطقي االصيل فحسب وانما كشفت ايضا عن المبدئية بعض قادتها وممثليها التي بدت في انتقالهم من الموقع الفكري الى نقيضة وان عددا من الكتاب العرب الذين ينتمي بعضهم الى اصول ماركسية قد جعلوا من انفسهم جوقة تردد ليل نهار اناشيد التهليل والتكبير للثورة االيرانية وللقيادة الدينية التي تلقي عليها بمظلتها ليس سقوط الشاه ودولته العميلة الرجعية هو
80 مايثير الدهشة في تأييدهم غير المشروط لها وانما هو اكتشافهم فجأة ان ) الدين ( والجوهر الديني لطبيعة القيادات االيرانية الجديدة هو اصل االصول في ) ثوريتها ( الى الحد الذي بلغ بادونيس الى ان يقول ) هاهو ماكان يظنه بعضنا انه اصبح خارج التاريخ يبدو االن انه يدخل التاريخ من بابه الواسع وانه محركه االول وهاهو ماكان يعتقد بعضنا انه التقليدي والزائل يظهر االن وكانه وحده الحديث الثوري الباقي وهاهي ساعة الحضور الكامل تدق لما خيل لبعضنا انه الغياب الكامل ...( لم يكن ادونيس وحده بكبيعة الحال فالطابور طويل يضم بعض الذين يدفعهم الوضع العربي الراهن في صورته السكونية الى تصور الخالص في عباءة رجل الدين الذي يسب امريكا ويلعن االستعمار – دون ان يأخذه هذا الموقف اللفظي الى اتخاذ المواقف العملية التي يفترض انه يقتضيها حتى االن- كما يضم بعض السلفيين الذين يريدون العودة الى نظام الخالفة الذي لفظ اخر انفاسه عام 1924 في االستانة مع انفاس ) رجلها المريض ( حتى وان اتخذ الخليفة هذه المرة اسما جديدا هو ) االمام ( او ) روح هللا ( او ) اية هللا ( اما البعض الثالث في هذا الطابور فهو الذي يريد محاربة القومية العربية وتيارها االصيل الزاحف والمتقدم في المنظور العام الشامل ال في المنظور الجزئي المحصور والمحاصر في لحظة معينة تحت شعارات االمة االسالمية والوحدة االسالمية وااليديولوجية االسالمية وقد اليكون االلحاح االن من جانب الدول االمبريالية على اذكاء النوازع الدينية المتعصبة والهابها في بعض اقطارها العربية بغير مغزى في هذا الصدد كما ان االكتشاف – المتاخر ؟ - من جانب تلك الدول االمبريالية وخصوصا الواليات المتحدة االمريكية الهمية الحضارة ) االسالمية ( وعقد المؤتمرات والندوات في الجامعات االمريكية ومراكز البحث الغربية .حولها قد يكون هو االخر مؤشرا موحيا على استغالل االمبريالية القديم – الجديد للدين ومحاولتها تثبيت مواقعها القائمة او العودة للتسلل الى مواقع جديدة تحت عباءته والشك ان محاوالت االستغالل هذه تعود الى اكثر من قرن مضى بطريقة مباشرة او غير مباشرة وسواء عن طريق الهجوم السافر على االسالم من جانب حفنة صغيرة – او كبيرة – من المستشرقين والمبشرين واساتذة الجامعات او عن طريق بث الفتن بين اصحاب الديانات المختلفة داخل الوطن العربي او احيانا بين اصحاب المذاهب المختلفة داخل الدين الواحد او عن طريق االجتهاد في االحتواء السافر او الساذج .ولعلنا ما زلنا نذكر كيف اشهر نابليون بونابرت ) اسالمه ( في القاهرة اثناء الحملة الفرنسية على مصر وكيف عملت بريطانيا العظمى على بث الفرقة بين المسلمين واالقباط اثناء احتاللها لوادي النيل وكيف عملت فرنسا االمبريالية القديمة على تمزيق بالد الشام ولبنان على وجه الخصوص في فتنة الستين ) 1860 )وكيف حاولت الدولتان االمبرياليتان القديمتان الهاب الطوائف واالقليات الدينية في العراق والخليج العربي والمغرب العربي كله وقد يكون من ) الطرائف ( االستعمارية الفجة ان يؤلف مستشرق كبير مثل ماسينيون كتابا عن ) لهجة بغداد العربية ( يتحدث فيه عن التفاوت في ) لغات ( السنة والشيعة والمسيحيين بين سكان بغداد )) ولهذا الكتاب ترجمة عربية طبعت في بغداد عام 1962 .)) ازاء هذا كله يكتسب النص الذي قدمه صدام حسين بعنوان : ) نظرة في الدين والتراث اهمية بالغة وخصوصية وتميزة ال من حيث انه محاولة جادة وعميقة وحاسمة العادة وضع الرؤوس فوق اكتافها مرة اخرى فحسب وانما النه يمثل اضافة فكرية وسياسية مهمة للتراث القومي العربي في العصر الحديث بل وللتراث الفكري والسياسي لحزب البعث العربي
81 االشتراكي نفسه يقدمها هو ليس مفكرا او قائدا سياسيا فقط ولكن رجل دولة يمسك بزمام السلطة في واحد من اهم اقطار الوطن العربي ايضا . وينبغي ان نقول من البداية ان حزب البعث العربي االشتراكي هو حزب يضيف الى جوهره القومي فكرة العلماني مثلما هي دولة البعث في العراق في نظريتها التي تهتدي بها وفي ممارستها دولة قومية وعلمانية ولكن جوهره القومي ونزوعه العلماني لم يحوال بينه وبين وضع العالقة بين حاضر االمة وماضيها وضعا صحيحا وطرح قضية الدين والتراث طرحا اصيال بل على العكس ربما ما كان بوسعه ان يصل الى ذلك الوضع الصحيح والطرح االصيل لو لم يكن يلتصق بذلك الجوهر القومي ويتمسك بالنزوع العلماني . ان مؤسس البعث ميشيل عفلق يؤكد : ان حزبنا منذ بدايته ومنذ التطور االول استلهم تراثنا العربي ...تراثنا الروحي وهذا متجل في جملة كتابات وشعارات في بداية الحزب ...متجل بصورة خاصة في شعار الحزب الذي يقول : ان امتنا واحدة وبان لها رسالة خالدة ..بل ان محاضرته التي القاها في جامعة دمشق في وقت مبكر من دعوته) عام 1943 )والتي نشرت تحت عنوان : ) في ذكرى الرسول العربي ( لدليل على التوجه االصيل من البداية لفكر البعث نحو استلهام التراث بطريقة ثورية لقد حلل في محاضرته جوهر االسالم وجوهر شخصية الرسول كقائد فذ وثائر عظيم ثم اجتهد في ان يقيم الرابطة الحية بيننا وبينهم كي نتمثل ما تضمناه من معاني البطولة واالنسانية الخالدة التي تصلح لنا منطلقا في حاضرنا وهاديا لنا على الطريق ولقد رأى في حياة محمد العظمة التي كانت تنطوي عليها حياة العرب جميعا ) كان محمد كل العرب ..فليكن كل العرب اليوم محمدا (. غير انه كان يقول ايضا ان ) التشبع بالتراث القومي اليعني مطلقا العبودية للماضي والتقاليد وال يعني فتور روح االبتكار ..ذلك الن استلهام التجربة الخالدة في حياة االمة العربية انما يعني استلهام االبداع والدوافع والقيم االنسانية العميقة القيم الثورية التي ال تخول االمة حقوقا وامتيازات بقدر ماتحمل ثورتها المعاصرة مسؤولية كبرى .... وهو المعنى الذي سوف يؤكده قادة البعث الفكريين والسياسيين في كل وقت وهو مالخصه احمد حسن البكر في عبارة قصيرة موحية: ) كونوا معاصرين شرط ان تكونوا اصيلين فالمعاصرة التعني انقطاع الجذور( . وبهذا المعنى اليتحول الماضي الى صنم جامد اخرس واليصبح التراث جثة هامدة ميتة يتعبد في محرابها من يعبدون الموتى بل اليعود الحاضر مجرد استمرار للماضي وانما يصبح صيرورة اي حالته حالة دائمة .. - على حد تعبير الياس فرح احد مفكري البعث – فاحياء الثراث اليعني الرجوع الى الماضي بل يعني فهم التراث فهما علميا ثوريا على ضوء متطلبات النضال في المرحلة التاريخية الراهنة لالمة العربية . وميشيل عفلق كان قد الح على هذا المعنى في اكثر من موضوع في كتاباته : اننا لم نلجأ الى التراث كما يفعل التقليديون من اجل التكرار والتقليد تكرار القول والتقليد غير المثمر وغير المنتج نظرنا الى التراث عبر نظريتنا الى العصر وحضارته الى العصر ومشاكله الى العصر ومقومات قوته وعبر نظرتنا الى واقعنا المتخلف فكانت نظرتنا جديدة اي اننا لم نطلب من التراث ان يكون بديال عن الجهد الذي يطلب منا ان نقدمه وانما نحن عشنا الثورة المعاصرة بكل متطلباتها ومن خاللها وجدنا ان تراثنا يعطينا اصالة اليمكن الية ثورة واية
82 نظرية فلسفية معاصرة ان تهبنا اياها وهذا الفهم للتراث هو الذي جعل الحزب يستمد من قوة روحية واخالقية التستند اليها بقية الحركات ...وهو سوف يؤكد المغزى الثوري لالرتباط بالتراث وللجدل مابين الحاضر والماضي في ثعبير بالغ الداللة ) التراث النفهمه اال عندما نناضل ( تلك اذن هي طبيعة العالقة الصميمية – في فكر البعث – بين الماضي والحاضر بين التراث والمعاصرة ليست القضية نكوصا وارتدادا تحت وهم الخالص الزائف بالماضي وحده ومن خالله كما انها ايضا ليست انكارا ورفضا خاطئا ومستحيال بالهروب من الماضي كله والتعلق بوهم مستقبل منقطع الجذور وهي ليست كذلك دعوة للتوفيق بين النقائض او التلفيق عن طريق االنتقاء انها االمتالك الثوري للتراث الذي اليتحقق اال من خالل العملية الثورية التي تحرر المجتمع وتحرر التراث في الوقت نفسه انها االمتالك الثوري للماضي وتجاوزه بل من اجل تجاوزه انها لحظة النفي الجدلي لالغتراب . صدام حسين يؤكد في بداية حديثه ان ) عقيدتنا ليست حصيلة جمع كل ما يحمله الماضي والدين وانما هي نظرة شمولية متطورة للحياة وحل شمولي الختناقاتنا وعقدنا ودفعها الى امام على طريق التطور الثوري ..والنها ليست حصيلة جمع الي وميكانيكي فانها تنطوي في صميمها على معنى التخطي والتجاوز انها مترشحة عن واقع امتنا ومتقدمة عليه في نفس الوقت .واذا كان الماضي موجودا في الحاضر ومؤثرا فيه ومن خالله فأن مسألة القيم تطرح نفسها بالضرورة فهل يمكن للقيم التي وجدت في الماضي ان تمارس تأثيرها على الحاضر بنفس الشكل والطريقة ومن خالل نفس المنظور ؟ وبعبارة اخرى هل تتغير القيم وتتحول اشكالها ومضامينها بتغير الزمان والمكان وتحول المجتمعات على طريق التطور ام ال ؟ وبتعبير موجز : هل القيم االجتماعية نسبية ام مطلقة ؟ صدام حسين يجيب بوضوح بأن القيم االجتماعية مقاييس موضوعية متطورة وانها مطلقة ونسبية في نفس الوقت انها مطلقة ضمن صيغ التطور في كل مرحلة من المراحل المتعاقبة ..وهي نسبية في حسابات النظرة الشمولية للحياة في حركتها العامة المجردة عن خصوصيات المراحل الزمنية والمكانية والحاالت المحددة االخرى . غير ان ثمة بطبيعة الحال ونتيجة اوضاع مجتمعاتنا المختلفة وخضوعها الطويل لقوى االستعمار والرجعية من يضفون على النسبي صفة المطلق ويخلعون على المؤقت بالضرورة ثوب االبدية وهم بالتالي – ارادوا او لم يريدوا – ينتهون الى اعقام الحاضر وتجميده وافراغه من ديناميكيته وقدرته على النمو والتطور والتقدم تارة باسم تراث الماضي وتقاليده وتارة اخرى باسم الدين ..وصدام حسين يقول لهم بصراحة قاطعة ) ان حزبنا ليس حياديا بين االلحاد وااليمان ( وانما هو مع االيمان دائما ولكنه ليس حزبا دينيا وال ينبغي ان يكون كذلك ( ولكن النكوصيين االرتداديين الذين يبحثون عن الخالص بالماضي وحده ومن خالله تحت وهم امكانية تكراره يذهبون في تفكيرهم وسلوكهم الى حد التعصب االعمى المقيت بل انهم يتحولون – او يحولون انفسهم – الى اوصياء على المجتمع وعلى حاضره باسم ماضيه لم يحدث ذلك في مجتمعاتنا العربية وحدها ولكنه حدث في المجتمعات الغربية ايضا ولكن منذ قرون ان القصة الخيالية التي رواها ديستوفسكي في روايته الشهيرة ) االخوة كرامازوف ( تشير الى هذا المهنى وتجسده بطريقة بالغة الداللة اراد ديستوفسكي ان يصور
83 كيف تحولت العقيدة نفسها الى صنم هائل يحميه ويحرسه ويفيد من تاثيره الوثني الكرادلة والكهنة في عصور محاكم التفتيش التي اعدمت على االت التعذيب مئات الناس في اشبيلية باسبانيا وكان على راس هذه المحاكم احد الكرادلة : شخص مروع يرهبه الناس جميعا ويثير اسمه الذعر بينهم لقدرته الدائمة على ان يصدر امره بقتل اي انسان بدعوى انه خارج على الدين ..الدين كما يتصوره هو بالطبع وطبقا لمذهبه المحدد في فهمه وتفسيره . وذات يوم فوجئ اهل المدينة بأن المسيح نفسه قد ظهر فوق االرض مرة اخرى بعث حيا من جديد وايقنوا انه هو فعال المسيح من هالة الضوء التي تحيط به دائما ومن المعجزات التي قام بتحقيقها امام كل الناس وحملوا اليه نعش طفل لمسه المسيح وقال له انهض فنهض الطفل على الفور وخشعت كل القلوب وجاء الكاردينال الرهيب ورأى المشهد بعينيه المسيح واقفا والكل حوله واقف يتمتم بالصالة وتضاءل الكاردينال .سقط قناع الدين من فوق وجهه ولم يبق تحته اال وجه سفاح واقترب المسيح من الكاردينال وامام الجموع تواجه الدين مع رجل الدين وحدق المسيح في عيني قاتل الرجال باسم المسيحية وفهم الكاردينال ان المصيح يدينه فاستدرجه الى السجن وضع الكاردينال ) المسيحي ( المسيح نفسه وراء القضبان ثم راح يتحدث عن المسيحية التي تالقي االضطهاد والعذاب والكرادلة الذين يتحملون العنف واالالم في سبيل الدفاع عنها ثم ازداد في صفاقته غلواء فراح يشرح للمسيح كيف تغيرت المسيحية نفسها وكيف تشكلت معانيها الجديدة في اذهان الناس .واخيرا وصل الى هدفه اعلن له ان وجوده في المدينه بات يشكل خطرا على المسيحية اي ان المسيح نفسه اصبح يمثل تهديدا للمسيحية وبمعنى اخر فان المسيح لم يعد مسيحيا وكانت ذروة المهزلة .عندما طلب الكاردينال من المسيح ان يغادر المدينة على الفور بدال من ان يصدر امره بمحاكمته بتهمة الكفر بالمسيحية وبالفعل اطلق الكاردينال المسيح من قبضته الحديدية وراء ) اليوشا ( بطل ديستوفسكي في ) حلمه الكئيب ( وهو يعبر الحدود كسيف البال مثقال باحزان ال حد لها منفيا من المدينة مدينته . ماالطريق اذن لمواجهة هذا التعصب هذا االستغالل المقيت للدين ؟ هناك طريقان كالهما تكتيكي ومؤقت االول هو ) التعتيم والتعتيم ( من اجل كسب االغلبية وهو تعتيم وتعتيم مرحلي بالضرورة يقتصر على حدود زمنية معينة ولتجاوز مأزق مؤقت االغلبية تصبح هنا وسيلة .اداة تعبر على غرائزها المدغدغة .السلطة الى اهدافها ومراميها ولكن صدام حسين يعلن في تحديد قاطع ) النريد ان نستخدمها تحقيقا لهدف او اهداف انية او مرحلية ثم نلفظها ونتنكر لها في مرحلة الحقة كما يفعل اليمينيون وبعض فصائل الطبقات المستغلة في عالقاتهم مع الجماهير وانما نريد ان تكون االغلبية من الشعب الى جانبنا في كل االحوال وبصورة دائمة ...ان المعالجات الصميمية والجذرية لمشاكل الشعب والظواهر االجتماعية واالقتصادية االساسية وغيرها تتطلب االبتعاد عن التعميم واالتجاه الى تخصيص االهداف والمعالجات والقوى الفاعلة الى جانب الثورة في نفس الوقت الذي يتطلب االمر فيه تشخيص اعداء الثورة وتحالفاتهم في كل مرحلة من مراحل النضال ... اما الطريق الثاني فهو التداخل مع الخصم .التحول الى مواقعه خلط المفاهيم االلتقاء ) المؤقت ( مع افكار الخصم والتلون والتشكل بالوانه واشكاله والدخول في اللعبة فوق ارضه ووضع شاراته على الصدور بهدف التاثير فيه وقيادته بعد ذلك على الطريق الصحيح وصدام حسين يرفض هذا الطريق التكتيكي ايضا الن ) ماتحتاجه في القضايا االساسية لقيادة الشعب
84 وفي مواجهة اعدائه واالنتصار عليهم بصورة دائمة هو ان تضع العدو في موقع يجعلك متميزا عنه وان تكون الساحة مكشوفة بينك وبينه بما يمنع تداخل الخنادق ويحقق المدى المطلوب لالصابة المؤكدة لتتمكن بندقيتك من تادية واجباتها بدقة عندما يكون مطلوبا استخدامها وليس استخد ام السالح االبيض او مهارة المصارعة ..( فما هو المطلوب اذن للرد على مسألة التعصب الديني والمذهبي في هذه المرحلة ؟ ان الطريقين السابقين كليهما خاطئ وال يحقق الهدف ان التخصيص والوضوح مطلوبان بشدة ) لكي نكسب كسبا صميميا وراسخا ونجعل دور حزبنا قياديا في تحريك وتغيير وقيادة المجتمع ( كما ان خلط المفا هيم وتمييع المواقف وتداخل الخنادق ( يخسرنا المعركة ويهزمننا هزيمة ساحقة ويضعنا امام ازمة فكرية في نفس الوقت الذي نخسر فيه سياسيا وبذلك نخسر في موقعين نخسر االرضية الفكرية التي نرتكز عليها والتي هي مصدر قوتنا االساس ونخسر سياستنا كذلك وبذلك نفقد التماسك الفكري ونفقد التميز ونخسر جهودنا . فهل تكون الدعوة الى رفض الدين واالبتعاد عنه وانكاره هي الحل المطلوب لالشكال ؟ ان هذه الدعوة فضال عن انها التتسق مع الموقف ) غير المحايد ( بين االيمان وااللحاد فهي ) نظرة مرفوضة من قبلنا وهي خاسرة في كل الحسابات ( الحل المبدئي الحل االستراتيجي الحل الثوري الحقيقي يعلنه صدام حسين بجرأة حاسمة كحد السيف : المطلوب منا هو ان نكون ضد تسييس الدين من قبل الدولة وفي المجتمع وضد اقحام الثورة في المسألة الدينية وان نعود الى اصل عقيدتنا وان نعتز بالدين بال سياسات للدين ( المعني المباشر لهذه العبارات هو التمسك بالدولة القومية العلمانية واالرتفاع فوق االنقسامات الدينية والطائفية والمذهبية المختلفة المواطنون جميعا بصرف النظر عن دينهم وطائفتهم ومذهبهم متساوون امام الدولة وال فضل لمواطن على اخر اال بمدى تعلقه بوطنه وارتباطه بالثورة ونضاله من اجل بناء مجتمعها الجديد وتحقيق مثلها وتجسيد اهدافها فليؤمن كل مواطن بما شاء من كتب السماء وليعتنق ما يشاء من مذاهب االرض فالكل امام الدولة والثورة سواسية كأسنان المشط . يجب ان نتذكر ان هذا الحل الذي يقدمه صدام حسين هو تجسيد ألحد المبادئ االساسية في كل وثائق حقوق االنسان التي كافحت من اجلها البشرية طويال ودفعت في سبيلها ماليين الضحايا والشهداء على مدى العصور وتجسيده هنا داخل العراق حيث نواجه عددا من االقليات الدينية والطائفية يكسبه بعدا تقدميا خاصا النه يضع المبدأ النظري في تحد يومي مع السلوك العملي ويوشك العراق – في هذا المضمار – ان يكون واحدا من البلدان القليلة في العالم الثالث عامة وفي الوطن العربي خصوصا التي تواجه فيها قضية االقليات الدينية والطائفية بهذا االنفتاح العقائدي العصري على مستوةى النظر والتطبيق معا . ان الدولة التي تقحم نفسها في صراع ديني تحت غطاء سياسي .او في صراع سياسي تحت غطاء ديني تخسر في النهاية وحدة شعبها وتتحول مهما كان الطرف الذي تناصره في هذا الصراع الديني الى دولة قطاع من المواطنين في المجتمع فقط الى دولة اقلية بل وحتى في الدول التي التواجه م شاكل اقليات بداخلها الينبغي ان تدخل الدولة كأجهزة ومؤسسات في صراع يتخذ صيغة من هو مع الدين ومن هو ليس معه ان الدولة الحديثة ليست مؤسسة للوعظ واالرشاد وليس قادتها كرادلة جددا يمنحون الناس صكوك غفران او يحرمونهم منها ان مثل هذه المعارك داخل مجتمعات العالم الثالث ومجتمعاتنا العربية من بينها هي
85 الباب الواسع الذي يدخل منه االستعمار دائما والنفوذ االجنبي ومن النادر ان نجد اليوم مجتمعا من هذه المجتمعات النامية يسمح قادته بأن تدور في ساحته مثل هذه المعارك الدينية دون ان نلمح اصابع االستعمار سافرة تصب الزيت وتوقد النار او داخل قفازاتها الخشنة او الحريرية تدفع من وراء الستار رجالها وعمالءها والسذج والمتخلفين من الطغاة الصغار كي يهدموا المعبد على رؤوس من فيه ومن بينها رؤوسهم نفسها . لقد اوضح صدام حسين ) ان انتهاج سياسة للتدخل في الشؤون الدينية يؤدي الى ان ينقسم شعبنا ليس بين المتدينين وغير المتدينين فحسب وانما بين المتدينين انفسهم بضوء اجتهادهم وانتماءاتهم الدينية والمذهبية المختلفة ( وينبغي ان اليغيب عن بالنا انه من بين االسباب الجوهرية التي ادت في الماضي الى ضعف ثم الى تآكل دولة الوحدة العربية الكبرى في ظل االسالم من داخلها كان هو انقسام مواطنيها وتمزق وحدتهم بين عدد من المذاهب والتيارات بلغت اكثر من عشرين مذهبا وتيارا : السنة والشيعة والعلوية والزيدية والشافعيى والدرزية واالباظية واالسماعيلية ..وغيرها مما سبقها من معتزلة ومرجئة وخوارج وباطنية الى اخر التيارات والمذاهب التي عبرت في زمانها عن اجنهادات انسانية وخالفات انسانية وكانت رغم عظمة بعض من قادوها عباءة فضفاضة تختفي بداخلها صراعات سياسية واجتماعية وعلى حد تعبير احد الكتاب العرب المعاصرين الذي يدعو الى اسالم واحد فان كل االحداث التي ادت الى ظهور هذه المذاهب والمدارس والتيارات كانت احداثا انسانية وخالفات انتسانية وقد كان اقلها دينيا واغلبها سياسيا اجتماعيا حتى الديني منها لم يكن في صميمه دينيا انما كان خالفات سياسية واجتماعية البس ثياب الدين ...وهو ينتهي الى القول بانه ) اليجوز ان نترجم معارك ماقبل الف سنة الى دساتير اسالمية تنص على مذهب دون اخر وال ان نفرق في دولة ما بين ابناء مذهب ومذهب وال ان نكتب على بطاقة انسان مذهبا دون مذهب ...اسالم واحد بال مذاهب ..( وعندما تكون عاجزا عن توحيد المجتمع فان شفاء العجز لن يكون في الهروب اما الى االنقياد او الى االلحاد وصدام حسين يعي هذه الحقيقة جيدا ويلح عليها كثيرا ) ألن االستسالم للدعوات الرجعية لبعض االوساط الدينية يستلزم ان تترك دورك القيادي للمجتمع المتمثل في حركة ثورية تصنع الحاضر وتتطلع الى المستقبل بطرق وبصيغ واضحة معروفة وان تتخلى عنه لتنتظم في صفوف حركة سلبية متخلفة تقتصر على التطلع الى الماضي ..وتبدأ السلم من اوله ( ولن يجدي كثيرا التظاهر بتعقب الرجعية وتصور امكانية احتوائها وافراغها من سمومها عن طريق التداخل او االلتحام المؤقت المحسوب معها ذلك ) الن الرجعية الدينية وفق مثل هذه النظرة والسلوك سوف تكون هي قائدة المسيرة ال انت نظرا الن لكل طريق ولكل منطلقات قادتها ولذلك فلن تكون انت الذي سيقوم بتعبئة الجماهير على هذا الطريق لتستطيع التحكم في مساراته واتجاهاته الالحقة لتكيف وفق ماتريد ..وانما هناك قادة غيرك من اوساط الرجعية وتخصصون في هذه المسألة سيتولون هم االمور على طريقتهم (. غير اننا ينبغي ان نقول ان صدام حسين في الوقت الذي يلح فيه على ان الدولة ال شأن لها بالممارسات الدينية والمذهبية للمواطنين ويرفض باصرار المساومة مع الرجعية عن طريق االنقياد المؤقت او التكتيكي لها او االندفاع الى الطرف االقصى المقابل الذي يدعو الى االلحاد او يشجع عليه ويؤكد دائما على الخط المبدئي الثابت للدولة والثورة ازاء هذه
86 القضية الحساسية القابلة في كل المجتمعات لاللتهاب السريع فانه اليغفل عن امرين مهمين في هذا الصدد : اولهما :ان الرجعية نفسها قد تكون هي المبادرة – واغلب الظن انها هي المبادرة دائما بذاتها او بمن هم من ورائها – لفتح هذه المعارك ..وثانيهما : ان ترك القضية لذاتها او الصحابها مع حياد الدولة ليس من شأنه ان يقودها خصوصا في مجتمعات متخلفة يقف االستعمار دائما من تظرا خلف ابوابها للتسلل اليها من جديد الى الطريق الصحيح . في االمر االول يقول صدام حسين بوضوح : ) فلندع الجميع يمارسون طقوسهم الدينية االعتيادية وفق اختياراتهم من دون ان نتدخل في شؤونهم وشرطنا االساس في ذلك ) ولنضع خطأ تحت كلمة شرطنا االساس هذه ( هو ان يبتعدوا في ممارساتهم تلك عن التناقض او التصادم مع سياستنا في تغيير ةبناء المجتمع وفق اختيارات حزب البعث العربي االشتراكي محذرين اياهم من ان استخدامهم الدين غطاء للسياسة او غطاء للوصول الى حالة من التناقض والتصادم بين الثورة في منهجها واهدافها وبين الممارسات الدينية ..اليمكن ان يكون االفي خدمة االستعمار الجديد واهدافه وان نشاطا من هذا النوع ال يمكن اال ان يقع تحت طائلة العقاب الصارم والقبضة الحديدية للثورة( . وفي االمر الثاني : يؤكد صدام حسين على ضرورة التثقيف والتوعية والتربية وهنا يبدو عامل الزمن مهما .بشرط اال يستخدم الغراض التدرج ) بحيادية( وانما ) بمنهجية( ) ويلعب االنسان بارادته الواعية دورا مركزيا فيها ( ..انه يقول عليك ان تقبل بمراعاة عامل الزمن على اال يفلت من يديك الزمام والتدع الزمن يستخدم لكي يفلت من يديك الزمام فيصبح دورك ثانويا بدال من ان يكون قياديا (. وعندما يتم التقاط المفاتيح المركزية التي تكفل وتضمن حركة المسيرة في اتجاهها الصحيح وعندما نتمكن من استخدام عامل الزمن بوعي ويقظة وحذر وعمل دائب وايجابية في الفكر والسلوك وفعالية ديناميكية في بناء المجتمع الجديد لكل الناس وبكل الناس ...) عندما الخوف من العدو الخارجي الذي ينتظر خلف السياج ( . انه االعتزاز بالدين اذن دون االنخراط او التورط في سياسات للدين .انه االنحياز الى االيمان دون االنحياز لطرف في المعارك الدينية او المذهبية انه التمسك بالجوهر الروحي الذي يحض على الخير والعدل والعطاء والتضحية والتقدم في صميم الدعوة االسالمية ) ولكن بصيغ جديدة ومن منطلقات جديدة وبحلقات مفتوحة لالجتهاد والتطور المستمرين ( وصدام حسين يرى بحق ان مايطرحه المجتمع الحديث الذي نعيشن مشاكل وتحديات تتطلب المواجهة والمعالجة والحلول العملية لها تختلف اختالفا اساسيا عن المشاكل التي فرضت نفسها على العصور االسالمية االولى حيث وضعت قواعد الفقه ) بحيث اصبح التشريع والفقه االسالمي احد المصادر المركزية التي تستقي او تستلهم منه التشريعات القانونية وليس قانون الحياة الراهنه اضافة الى ان االنسياق وراء الرجعية في اعتبار ان نظرية الحياة العصرية بما فيها من تطور يجب ان تكون انعكاسا لتعاليم الفقه القديم يقود المسلمين الى االختالف الذي يؤدي الى الفرقة نظرا الختالف المذاهب واالعتبارات االخرى وبذلك نكون قد وفرنا االجواء الالزمة لالستعمار الجديد ليلعب لعبته الخبيثة في شق العرب وتسريب المخططات التي تستهدف الثورة والوطن العربي باسره باالضافة الى ان مثل هذا الطريق اليعدو ان يكون جريا وراء السراب ...(
87 ولنتذكر مثاال قريبا على محاوالت الرجعية الحد من التطوير القانوني االجتماعي واالستئثار بحق النظر في هذه التطويرات المتحان مدى اتساقها او تنافرها مع قواعد الفقه القديم .المثال من مصر .ففي 25 مارس – اذار 1974 نشرت وزارة الشؤون االجتماعية المصرية اقتراحا بتعدي ل قانون االحوال الشخصية وطلبت الى المفكرين ورجال القانون واصحاب الرأي تدارسه واعلنت عن نيتها لتقديمه لمجلس الشعب لمناقشته واصداره كقانون فما الذي حدث ؟ في يوم 30 مارس – اذار ..اي بعدها باربعة ايام فقط عقد بالجامعة االزهرية مؤتمر حضره لفيف من علماء الدين وفقهائه واعلن المؤتمر رفض االقتراح ) الن تقنين االحوال الشخصية هو مهمة رجال االزهر وليس من اختصاص وزارة الشؤون االجتماعية ومجلس الشعب ( ..وكانت التعديالت المقترحة تختص ببعض حقوق المرأة وحمايتها بل ان المؤتمرين خرجوا بعد اجتماعه في مظاهرة – وياللغرابة – ليعلنوا عن سخطهم على سلب حقوقهم الفقهية. ان القارئ االوربي قد تساوره الدهشة عندما يرى اننا مازلنا نتحدث في نهاية القرن العشرين عن مثل هذه المظاهر والمواقف الرجعية والتقدمية منها وهي االمور التي تخطتها – او تخطت الجانب االعظم منها – اوربا منذ قيام ثوراتها ) البرجوازية ( وفي مقدمتها الثورة الفرنسية الكبرى ولكن ربما كان من المفيد ان يتذكر ان مثل هذه المظاهر والقضايا والمواقف هي من بعض اثار التخلف الذي ارخت سدوله على بالدنا العربية ..اوربا ) االستعمارية ( نفسها فلم يكن نهب الثروات المادية وتحويل اقطارها الى مجرد مصادر للمواد الخام واسواق لتصريف منتجات ها المصنعة هو هدفها الوحيد فقط وانما كان زرع الفرقة الدينية واالحقاد الطائفية والصراعات المذهبية من بين الوسائل االساسية التي لجأت الستخدامها حتى يحترق شعب المنطقة بنيرانها وتتبخر طاقاته مع دخانها ويتم لها النهب المادي والسلب البشري في امان وكان استالب االنسان العربي واعقام طاقاته وملكاته وامكاناته على الخلق واالبتكار والتطور والتقدم واللحاق بالموكب البشري الصاعد هدفا اساسيا ايضا .ال يقل في اهميته عن االستنزاف السريع والمتواصل لثروات الوطن فهذا االنسان الذي صنع حضارة عربية انسانية في وقت كانت فيه اوربا تعان ي من كثافة الظلمة في قرونها الوسطى وتواجه كرادلة وكهانا الهم لهم اال اشعال المحارق واتالس اراضي ) الجنة ( وبيعها لمن يدفع ثمنا اكثر كان البد له من ان يموت حتى تزدهر الحضارة االوربية او الغربية الجديدة وينعم المواطن االوربي بالرفاهية المادية والرخاء االجتماعي . غير ان هذا االنسان العربي بطاقاته وملكاته وبتواصله العميق مع عقائده وتراثه العريق ) بعث ( مرة اخرى برغم طغيان االستعمار وقهر الرجعية . وهو يجتهد االن في ان يزيح عن كاهله اثقال ) قرونه الوسطى ( بتخلفها ورجعيتها وظالمها وانتهازيتها ليبني حضارته الجديدة العربية واالنسانية معا . ب- صدام حسين وخصوصية التجربة االشتراكية 3 -الطريق الخاص لالشتراكية لم تعد االشتراكية مجرد حلم يراود قلوب االنبياء او عقول الفالسفة او خياالت الشعراء لقد اصبحت واقعا ملموسا تجسده مجتمعات يقطنها مئات الماليين من الناس يمثلون اكثر من ثلث البشرية التي تحتل كوكبنا االرضي .
88 ان االطياف االولى لالشتراكية التي تجلت في الديانات السماوية ثم الحت في ابداعات الفكر الخيالية الكبرى عند يان هوس في بوديميا وتوماس منذر في المانيا وتوماس مور في انجلترا وكامبانيال في ايطاليا وموريللي في فرنسا ثم اتضحت اكثر في اعمال اوين وفورييه وسان سيمون قد تحققت اليوم في صورتها االكثر تعبيرا عن قدرة البشر الفعلية على تحقيق الممكن في الواقع وانطالقا من التناقضات الباطنية في الواقع نفسه . وبقدر مايتعدد الواقع في البزمان والمكان تتعدد ممكناته وتتعدد بالتالي – او ينبغي ان تتعدد – صور االشتراكية وتحققاتها .ان الجوهر واحد للحلم االنساني القديم :الغاء االستغالل الكبقي ونفي القهر االجتماعي والسياسي والقضاء على اغتراب االنسان واطالق طاقاته الخالقة من عقالها بوصفه ذاتا مبدعة غير ان اشكاله تختلف وينبغي ان تختلف بقدر ماتمس اجنحته االرض الواقعية لمجتمعات البشر ذلك النك لو نقلت السمكة خارج مياه البحر تموت بل حتى لو نقلتها الى مياه النهر تموت ايضا ان زهور الوديان التنبت في قمم الجبال وزهور القمم التتفتح في الوديان اال داخل البيوت الزجاجية التي ال تدوم . ومن هذا لم تعد مسألة تعدد نماذج االشتراكية تبعا لتعدد الخصوصيات الوطنية والقومية في كل مجتمع مطروحة اال بالنسبة لمن لم يبلغهم بعد ان االرض تدور وان اهل الكهف عندما يستيقضون من سباتهم العميق سوف يجدون خارج كهفهم عاال جديدا قد ولد ونما وازدهر . صحيح انه في عالمنا الثالث بشكل عام وفي اقطارنا العربية بوجه خاص من امكنهم ان يتسللوا خلسة الى تخوم الحلم البشري واضعين على وجوههم اقنعة اشتراكية زائفه ورافعين في ايديهم الفتاتها واعالمها المستلبه ولكن ماجدوى التسلل الى الموكب الصاعد وجماهيرهم تجذبهم من خلف لتدق اعناقهم بسواري اعالمهم نفسها ؟وما نفع القصور الكرتونية اذا كانت السوس والفئران واللعنة تمرح بداخلها ؟ وكيف يمكن لبيوت الرمال ان تقوى على الصمود امام امواج البحر وعصف رياحه ؟ لن يصح اال الصحيح ولن يبقى سوى االصلح ولن يمكث في االرض اال ما ينفع الناس ام ا الزبد فيمضي جفاء .. ان صدام حسين واحد من ابرز قادة عالمنا الثالث المعاصرين الذين يفردون اشرعة اوطانهم ويقودون دفاتها وسط العباب والعجاج صوب مرافئ االشتراكية لقد كانت االشتراكية في اطيافها االولى في صورها التي تحض على العدل والقضاء على الظلم وتأمر بالمساواة واالخوة بين البشر تخايل دائما عينيه في طفولته وصباه هو نفسه ولد في قرى الريف البائس في بيت من بيوت الفالحين الفقراء ومع ذلك مااكثر ماعاد الى بيته بدون سترته كان يعطيها لطفل او لصبي من رفاقه النه وجده خجال يرتدي سترة بالية او مقرورا يضع على جسده سترة مهترئة . غير انه عندما يقوده نضاله الى الموقع االول في المسؤولية وسيكون قد عرف ان ماليين االطفال في وطنه يخجلون من ستراتهم البالية ويقاسون البرد من ثقوب ثيابهم ... وهو لم يعد بوسعه ان يخلع سترته االن ويغطي كل اجسادهم سيكون قد ادرك وتعلم ووعى ان الخالص لكل الفقراء والمضطهدين والمسحوقين في قرى وطنه وازقته وشوارعه الضيقة يكمن في االشتراكية وباالشتراكية وحدها وحينذاك سوف يبدأ في التخلي عن طوبائية الحلم ويهرع الى ارض الوطن ويحفر في باطنها عميقا ..عميقا حتى يرسي للحلم قاعدة صلبة في صميم الواقع .
89 ماهي المعالم االساسية النظرية والتطبيقية لالشتراكية كما يتصورها صدام حسين اذن ؟ ماهو شكلها ومحتواها ؟وكيف استطاع ان يتخطى المعضالت التي واجهته حتى يرتفع بالبناء طابقا فوق طابق ؟ لنتركه هو نفسه يتكلم االن من خالل نصوصه فتعبيراته واضحة ودقيقة وعميقة الداللة يقول صدام حسين :)احب ابتداء ان اقول علينا كثوريين في هذا المكان من العالم ان ندرس تجارب الثورات جميعا ولكن علينا ان ال نقتبس بصيغة النقل االلي وانما نتفاعل نأخذ ونعطي لنا القدرة في ان نعطي ولدينا الجرأة والوعي والقدرة على الهضم واالستيعاب في ان نأخذ وبهذه الروحية يجب ان نتعامل مع تجارب العالم عموما النشعر ان هنالك تجربة اكبر منا والنشعر ان تجربتنا وحدها هي اكبر من كل التجارب نتواضع بدون ضعف ونكون اقوياء بدون غرور نتعامل مع العالم بدون ان نرفع انوفنا عليه نتعامل معهم ونرفض ان يترفع علينا اي انسان واي كيان في العالم على االطالق بهذه الروحية نتعامل مع تجارب االخرين لذلك البد ان نقول وباعتزاز وبدون تعصب انه مهما كانت تجارب العالم ..العالم الثالث والعالم االخر سوف لن نجد نمطا من التجربة يتطابق تماما مع التجربة التي سنبنيها والتي نبنيها االن في هذا القطر المناضل (. ) لماذا نعطي مثل هذا الحكم ؟ نقول ببساطة: تنضج المبادئ من الواقع المترك وليس الواقع الجامد اي الواقع المتفاعل مع كل عوامله المكونة للمجتمع في الجوانب االقتصادية ..السياسية ..النفسية..واالجتماعية .وتنبثق افكار وهذه االفكار قد تكون نقيضة للواقع وقد تكون لكي يطور الواقع بصيغة الثورة..وقد تكون لكي يطور الواقع بصيغة التطور البطئ لكن عموما اليمكن ان تكون هنالك افكار جديدة بدون واقع قائم متحرك متفاعل بالعوامل التي اشرنا اليها . ) اذن االنسان الذي يكون فيلسوف شعبه ويضع له نظرية البد ان يكون جزءا من هذا الشعب والبد ان يأخذ بواقية من اجل التغيير ليس بواقعية الظروف الواقعة وانما بالواقعية الثورية يأخذ القائم لكي يتجاوزه وياخذ الشعب ..ياخذ الطبقات ..ياخذ االقتصاد ..واالمكانات االقتصادية ..ياخذ التناقض داخل المجتمع عموما وفي ضوء ذلك يصوغ النظرية والنستطيع على االطالق ان نعتبر اي منظر في العالم يمكن ان يتجاوز واقع مجتمعه لكي يصوغ النظرية للعالم جميعا رغم ان الكثير من المنظرين في العالم افادوا العالم جميعا ولكن هنالك فرقا بين ان يفيد االنسان العالم وبين ان ينظر للعالم بشكل مطلق . ) نأخذ مثاال من الواقع نأخذ تجربة االتحاد السوفيتي التي مضى عليها االن 58 سنة ) اثناء حديثه عام 1976 )االتحاد السوفيتي يطبق الماركسية ولم يتوقف عند هذا الحد وانما قال نحن نطبق الماركسية اللينينية اي ماركسية لينين الروسي السوفيتي وليس فقط ماركسية ماركس ..وماركس الذي عاش في المجتمع الغربي .لماذا لم يقل االتحاد السوفييتي نحن ماركسيون ونتوقف عند هذا الحد ولماذا قال نحن نطبق الماركسية – اللينينية ؟ قال هذا لكي يؤكد انه مهما يكن التنظير الذي استخدمه ماركس والذي خدم به الثوريين وفي المقدمة منهم الثوريين في االتحاد السوفيتي لكن بافكار ماركس وحدها مااستطاعوا ان يصوغوا نظرية المجتمع السوفييتي انما الذي صاغ النظرية مستفيدا من افكار ماركس هو لينين ..لماذا ؟ الن لينين عاش في المجتمع الروسي ورأى مشاكله االقتصادية واالجتماعية والسياسية والصراع بين الطبقات وحدود هذا الصراع حجم الطبقات في ذلك الزمان والصورة المتصورة للمستقبل وفي ضوء هذا صاغ النظرية وحين ننقل الى الواقع في هذا
90 المكان من الكرة االرضية في القطر العراقي ونتحدث عن طريق تحقيق االشتراكية ال بد وان نأخذ بنظر االعتبار واقع مجتمعنا وقبل هذا بل ومن خالل هذا نأخذ باالساس منطلقاتنا النظرية اذن فأن مسألة النقل الحرفي ألي تجربة كانت ستكون مسألة ضارة ..ضارة ضررا بليغا .النقل الحرفي لالشتراكية يلحق ضررا بالمجتمع مثل مانحاول ان ننقل االفكار الليبرالية الستخدامها في التطور كبديل عن الطريق الثوري في التطور عندما نستعير هذا من المجتمع الغربي ( ان هذا النص الواضح والبسيط والمحدد يثير في الواقع – خصوصا في ذهن القارئ غير االوروبي – قضية بالغة االهمية هي : قضية الفكر االشتراكي العربي بين النقل والخلق فما من شك في ان القارء االوربي الذي يعيش في بيئة فكرية تخطت منذ سنوات طويلة – وان كانت قد عانت هي نفسها من مثل هذه الظاهرة- مشكلة التبعية الفكرية للتجارب االشتراكية االولى في العالم وفي مقدمتها تجربة االتحاد السوفيتي قد اليدرك مدى خطورة هذه التبعية ال على مستوى النظرية فقط بل على مستوى الممارسة ايضا بالنسبة للفكر االشتراكي العربي ان احزابه الشيوعية نفسها بصرف النظر عن اتفاقه او اختالفه معها تجتهد على االقل في ان تتحدث عن منهجها وممارساتها المستقلة عما كان يسمى في العصر الستاليني بفكر وتجربة ) الدولة االم ( ولم تكن ) الشيوعية االوربية( في ايطاليا وفرنسا واسبانيا اال محاولة جديدة لما كان يسميه ) دوبتشيك ( قائد التجربة التشيكية المغدورة ب ) بعث االشتراكية( وفي كل االحوال لم تعد قضية تعدد المدارس الماركسية نظريا وتطبيقيا في العالم الغربي وبالنسبة لمثقفيه الماركسيين انفسهم ) موضوعة ( تقبل االخذ والرد .ليس فقط الن تطور الحياة ذاته قد طرح تجارب مختلفة في الصين وفيتنام والبانيا وتشيكوسلوفاكيا ومن قبلهم في يوغسالفيا وكوبا بل الن الفكر االنساني نفسه اذا ماتوقف عن الخلق واالبداع واالبتكار يبعا لظروف كل مكان ومتغيرات كل عصر فان االنسانية نفسها التتقدم وال يصبح الجدل الحي بعد ذلك سوى اوراق شجرة ذابلة تغطي ضريح الفكر . ليس هكذا الحال بالنسبة للمؤسسات الماركسية االرثودوكسية في اقطارنا العربية ان الحبل السري الذي يربطنا بااليديولوجية السوفيتية قد دفعها الى الدخول – ارادت او لم ترد – في دائرة االستراتيجيات المتعلقة بمصالح الدولة السوفيتية نفسها ولم يكن االسراع بتأييد كل ما تطرحه تلك االستراتيجيات من سياسات عملية يومية هو المظهر الوحيد لذلك بل لعله اليكون المظهر االهم وانما اغفال طبيعة الواقع العربي نفسه والعجز في كثير من االحيان عن تحليله وتوجيهه وقيادته والتلقن بما يمليه االيديولوجيون ومن يسمون ) العلماء النظريين ( للدولة ا لسوفيتية حول اخص خصائص هذا الواقع العربي مثل مفهوم االمة العربية والقومية العربية والوحدة العربية هو من اكثر تلك المظاهر اهمية فكريا وعمليا بالنسبة لتلك المؤسسات االورثدوكسية .اذن االمثلة التي تعدد تلك المظاهر كثيرة الى حد انها يمكن ان تخرج بنا عن هذا السياق .ومع ذلك فان ما جاء في الكتاب الذي نشر عام 1972 بعنوان : قضايا الخالف في الحزب الشيوعي السوري .حول القضايا االيديولوجية والتطبيقية للواقع العربي على لسان كرادلة الكنيسة الماركسية السوفيتية قد يمكن القارئ غير المتابع لمثل هذه القضايا من ان يلم بجانب او اخر من جوانب الصورة . ومن هنا ربما يكون صدام حسين على حق تماما الحينما اكد على ان عملية الخلق النظري المستمرة شرط اساس ومركزي لتحقيق التقدم والتطور فحسب بل حينما وصف تصرف النقلة االليين من الناحية الموضوعية بانه ) تصرف يميني ( وموقفهم ذلك بانه) موقف
91 يميني من ناحية العمل الفكري واالرادة ومستلزمات التطور االنساني العام مهما تكن اشكال االغطية التي يتغطون بها الخفاء عورة تصرفاتهم(. ليس صدام حسين ) اصالحيا ( ينحدر من ) البورجوازية الصغيرة ( وينتمي الى فلسفتها ) االنتقائية( كما دأب بعض التابعين لتلك المؤسسات االورثدوكسيه على وصف البعثيين .فحتى هنا يسارعون الى اقتباس مفهوم ) البرجوازية ( الصغيرة نفسه ومصطلح ) الفلسفة االنتقائية ( من االدبيات الفكرية الغربية دونما اية محاولة جادة وعميقة لتحليل تركيب البنية االجتماعية في مجتمعاتنا العربية ومدى انطباق ) انماط ( التدارج الطبقي في المجتمعات الغربية الراسمالية عليها .ماهي اوجه التشابه واالختالف بين طبيعة البنيات االجتماعية االوربية وطبيعة بنياتنا االجتماعية العربية ؟ ماهي اوجه التطابق والتفارق بين جدل الطبقات في المجتمع الغربي وجدل الطبقات في المجتمع العربي ؟ وهل يمكن لنا ان نقيم تناظرا بهذه الطريقة االلية الفجة وهذه النزعة التبسيطية المبتذلة بين البنيتين التحتية والفوقية في المجتمع االوربي .والبنيتين التحتية والفوقية في كل مجتمع من مجتمعاتنا العربية؟ هل كان لدينا – في اي قطر من اقطارنا – اقطاع مثلما كان الوربا اقطاعها وهل انبثقت الراسمالية عندنا من رحم االقطاع مثلما انبثقت من رحمه االوربي وهل يمكن لهذه الراسمالية – حتى لو ارادت – ان تتطور نحو االستعمار واالمبريالية وراسمالية الدولة االحتكارية مثلما هو الحال في المجتمعات االوربية التي عرفت تلك االنماط من العالقات االنتاجية واالجتماعية وسلكت تلك المراحل من التطور ؟... ان تحليال اعمق لواقعنا العربي – في انماطه القطرية المتعددة – سوف لن يكشف فحسب عن زيف الكثير من التحليالت لبناه التحتية التي تتبناها كثير من المؤسسات والجماعات ) الماركسية ( االرثدوكسية او التي تدعي انتهاج الماركسية وانما سوف يكشف ايضا سطحية وفجاجة والية احكامها على ماتطرحه البنى الفوقية العربية من تصورات وفلسفات وقيم وافكار . واذا كان الموقف من الملكية هو احد المقاييس االساسية لمدى صحة وجدية التوجه نحو االشتراكية فاننا سوف نسمع صدام حسين يقول : ان مانعتبره جزءا اساسيا من المبادئ المركزية لحزبنا ومالزما لكل مراحل البناء االشتراكي وحركة تطوره هو منع االستغالل ومحاربته ورفض ومحاربة االتجاهات التي تجعل من التملك والنشاط الخاص قيمة ونفصلة عن قيم االشتراكية وحقا ثابتا اليجوز مسه او التصرف به الي سبب كان بل انه يقول في موضع اخر من هذا النص الذي يحمل عنوان ) الملكية الخاصة ومسؤولية الدولة ( ) ان التباطؤ في تطبيق االشتراكية وفي معالجة الملكية الخاصة والنشاط الخاص بعقل وروح ثورية ومواجهة مهماتهما على هذا االساس من شأنه ان يقود الى االستسالم واالنحسار ومن ثم الى الردة..( فما هي طبيعة وافاق موقفه من الملكية الخاصة اذن ؟ وماهو وضع الملكية الخاصة في عملية البناء االشتراكي كما يراه ؟ يقول صدام حسين ان من اهم مستلزمات البناء االشتراكي السيطرة على وسائل االنتاج وتحويل ملكيتها الى ملكية عامة الى الحد وبالقدر الذي يغطي كافة مستلزم ات تهيئة القاعدة المادية للبناء االشتراكي والمحافظة على الموازنة المطلوبة بين ذلك وبين ماهو مطلوب من دور ونشاط للملكية الخاصة والنشاط الخاص لخدمة االشتراكية في نظرتها الشمولية للحياة وفق ظروفها ومراحلها المتطورة المتعاقبة ( . ولنسأل االن : ماذا يقصد بالدور المطلوب للنشاط الخاص لخدمة االشتراكية؟ ..وقبل ان نجيب على السؤال من اقواله نفسها نود ان نتذكر – ربما ليس لمجرد الذكرى فقط – ان
92 بلدانا اوربية تدخل مظلة ) االممية الشيوعية ( كبولونيا والمجر وخصوصا بولونيا ناهيك عن يوغوسالفيا – المارقة والمنحرفة منذ زمان بعيد – مازالت فيها الملكية الخاصة تمثل عنصرا اساسيا في تطورها االشتراكي وبالتحديد في ميدان الملكية الزراعية على الرغم من انها قطعت حتى االن منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وقيام النظم ) الشيوعية( بها خمسة وثالثين عاما من بناء االشتراكية فاذا قيل ان النشاط الخاص هناك محكوم باطار الخطة المركزية للتحوالت االشتراكية فان الرد على ذلك يسير – بصرف النظر عن االعوام الخمسة والثالثين هناك واالثني عشر عاما هنا – وهو مايقوله صدام حسين نفسه :) ان التملك والنشاط الخاص في حسابنا انما يقوم بدور محدد ومرسوم مركزيا وليس اساس مشروعيته مجرد عدم تعارضه مع المسار االشتراكي والحركة االشتراكية لبناء المجتمع الجديد فحسب وانما يجب ان يكون في خدمة ذلك ايضا وان يتناسق معه في الفعاليات والصيغ واالهداف وفق ماتستلزمه طبيعة المراحل المتعاقبة ومستلزمات التطور والتغير المنشودين ...لذلك فان المطلوب ليس احكام النشاط الخاص غير االستغاللي بالقوانين واالتجاهات العامة لالشتراكية فحسب وانما اخضاعه للسياسات المرحلية ونظرتها الى ما يجب ان يقوم به من دور وحجم وطبيعة ذلك ايضا ( . ليست القضية هنا اذن هي الحفاظ على الملكية الخاصة او القضاء عليها نهائيا - وهو مالم يحدث بهذا الشكل اال في التجربة السوفيتية – وانما هو حجم هذه الملكية الخاصة ومداها ودورها المحدد ووظيفتها المرسومة في عملية التحويل االشتراكي .ليس فقط بالنسبة لمتطلبات هذا التحول في كل مرحلة من المراحل المتعاقبة وانما ايضا بالنسبة لقدرة اجهزة الدولة وكفاءتها وطاقتها على استيعاب وادارة كل ضرب من ضروب النشاط االقتصادي فضال عن نسبتها بطبيعة الحال – وهو امر ال ينبغي التقليل من شانه مطلقا – مع تطور شروط النضج االجتماعي والثقافي والنفسي داخل افراد المجتمع . ان الوعي بهذا التدارج المتصاعد وافاقه المستقبلية هو الذي سيدفع صدام حسين الى القول : ) ان السماح بالنشاط الخاص والملكية الخاصة في الحدود التي يسمح بها التطبيق االشتراكي البعثي ورفض االستغالل في الوقت نفسه يستدعي اعادة النظر بالملكية والنشاط الخاص من حيث النوع والحجم واالتجاه من حين الخر ومن ميدان الخر وفق المقاييس والسياقات المقبولة في المنهج االشتراكي عبر المراحل المتعاقبة المتطورة لشؤون الحياة وعناصرها االساسية وبذلك تتحمل الثورة واجهزتها اعباء جدية عبر صيغ متجددة لتامين التوازن المستمر بين مقتضيات التغيير االشتراكي ومقتضيات لجم القطاع الخاص عن تجاوز الحدود المقررة له (. ان الدولة تصبح هنا في ظل عملية التحويل االشتراكي للمجتمع جهازا غير محايد مثلما هو حالها في المجتمع الراسمالي على االقل في حدود االدعاءات الشكلية الن دولة الراسمالية هي دائما في خدمة الراسماليين بشكل مطلق .الدولة هنا تكون منحازة لصالح الغالبية الساحقة من الشعب في مرحلة تتعارض فيها مصالح هذه االكثرية مع مصالح القلة الباقية من الفئات المستغلة و) عندما يزول التعارض وينضج البناء االشتراكي في قوانينه العامة وتطبيقاته االساسية تصبح دولة كل الشعب (.ولكن تبقى مسألة تنطوي على جانب كبير من االخهمية ال بالنسبة لمفهوم االشتراكية بشكل عام كما يتبناه حزب البعث العربي االشتراكي الذي يقوده صدام حسين في العراق وعالقته العضوية بمفهوم الحزب عن الوحدة العربية فقط .وانما بالنسبة ايضا لالمكانيات والشروط العملية التي ؤينبغي توفرها لبناء االشتراكية
93 العربية في ظل وضع التجزئة الراهن وتشتت االمكانات االقتصادية والبشرية وتعدد مراكز التخطيط والتوجه المتعارضة في االقطار العربية وتمزق الثروة العربية بين اسواق منعزلة ومغلقة . هذه المسألة هي : ماهي العالقة بين عمليات التحويل االشتراكي في العراق وعملية بناء الوحدة العربية ؟وهل يمكن لالشتراكية ان تتحقق في جوهرها االصيل – على االقل كما يفهمه حزب البعث – دون ان تتحقق الوحدة وبطريقة اكثر تحديدا : هل يمكن بناء االشتراكية في قطر عربي واحد المقصود به هنا هو العراق ؟ ان هذا السؤال الجوهري قد طرحه صدام حسين نفسه واجاب عليه بطريقة واضحة في نص له يحمل عنوان : ) حول اقامة االشتراكية في قطر عربي واحد ( ربما اضاف به مساهمة جادة الى التراث النظري لحزب البعث بشكل عام .فبماذا اجاب ؟ ) ان مفهوم الحزب لهذه المسألة يتحدد في انه لكي تاخذ االشتراكية كامل مداها وتتحقق امكاناتها المقتدرة على مواجهة التطورات العالمية والكتل الكبيرة ومخاطرها وكذلك على توفير امكانات التطور المادية والمعنوية في المجاالت كافة من اجل الصيرورة الجديدة لقاعدة الثورة العربية البد من نضال قومي يحقق الوحدة يترافق مع النضال والبناء االشتراكي ولكن هل باالمكان تطبيق االشتراكية التي نريد في اي بلد عربي في هذه المرحلة بمجرد توفر االرادة السياسية لتحقيق االشتراكية؟ الجواب : اليمكن تطبيق االشتراكية بمداها الواسع في اي من البلدان العربية بمفرده وخارج اطار النضال القومي .ولكن هل يمكن السير في بناء االشتراكية داخل العراق مع مواصلة النضال من اجل الوحدة العربية ؟ االجابة ) نعم باالمكان اقامة االشتراكية في القطر العراقي بقيادة حزب البعث العربي االشتراكي مع ابقاء راية النضال القومي مرفوعة وبذلك يكون تطبيق االشتراكية احد العوامل المركزية في تقوية ارضية النشاط الفعال والمؤثر للنضال القومي الوحدوي بطريقتين : أ- تهيئة المستلزمات المادية وتفجير الطاقات االنسانية على نحو استثنائي لتقوية الشروط الفعالة لنضال الوحدة من ناحية .. ب- خلق النموذج المطلوب كانعكاس الفكارنا المركزية بما يسهل مهمة التواصل والتفاعل النفسي والفكري ايجابيا مع القاعدة المحررة واالشتراكية للنضال العربي من ناحية اخرى ومع ذلك أيمكن تحقيق الطموح كامال داخل القطر الواحد ام تحقيق الممكن فقط ؟ وما هي حدود هذا ) الممكن ( بالنسبة للطموح ؟ االجابة: ) ان اقامة االشتراكية في القطر العراقي ممكنة وضرورية ولكنها تبقى قاصرة على اعطاء صورة الطموح التي نريدها في الوطن العربي الكبير وال تغطي كل االمكانات المادية التي نريد توفرها لبناء دولة عصرية مقتدرة ومتمكنة من العيش واالستقاللية الكاملة والشاملة في مجتمع التكتالت الدولية الكبيرة ... البد ان يكون جوابنا بالنفي عندما يتجاوز فهمهما وبرنامجنا للتطبيق االشتراكي وبناء دولة العرب المقتدرة مجرد رفع ورفض االستغالل والغاء مجتمع الطبقات وعندما تكون سياستنا المركزية قائمة على التمسك باالستقالل الكامل رافضة للقبول بالتاثيرات والتيارات السياسية واالقتصادية للدول االجنبية بطريق االقتحام او بطريق التسلل الذي قد يؤدي الى حد القبول بالقوانين االساسية العامة لدور الدول الكبرى وحساباتها في التبعية والنفوذ ويضعف دورنا االنساني في التاثير في المجتمع الدولي وبناء الحضارة العربية الشامخة ( .
94 الموقف الفكري لصدام حسين من هذه القضية واضح تماما اذن انه – مرة اخرى – تحقيق الممكن في الواقع انطالقا من تناقضات الواقع نفسه ولكن ضمن منظور ثوري يناضل من اجل السيطرة على هذه التناقضات وحلها حال ثوريا يتسق مع مبادئه ويتجه نحو االقتراب من الغايات البعيدة الشاملة التي تحددها فلسفته انه يسعى االن لتحقيق ) النموذج ( داخل حدود قطره وهو يطمح الى ان يكون هذا النموذج مختلفا ومتقدما نوعيا على تجارب بلدان العالم الثالث والوطن العربي دون ان يغفل للحظة وهو يتحرك اقتصاديا واجتماعيا بامكانات العراق الذاتية عن ان هذه السلسلة من التطورات داخل القطر العراقي ليست نهاية الحلقات وانما يجب ان تظل هذه الحلقات مفتوحة الستيعاب صورة المستقبل على طريق النضال القومي من اجل الوصول الى المجتمع العربي الديمقراطي االشتراكي الموحد . وما من شك في ان بناء االشتراكية في قطر واحد اليعني تعطيل او تحجيم النضال من اجل الوحدة بنفس القدر الذي اليكون به تحقق الوحدة – اذا امكن لها ان تتحقق – تعطيال او تحجيما للنضال من اجل االشتراكية ذلك الن بناء االشتراكية هو تحقيق الساس من االسس النظرية والعملية للوحدة في مضمونها الصحيح والجوهري . ) فلم تعد النظرة للوحدة العربية او للعمل الوحدوي كما كانت في السابق وصارت الشعارات والكتابات والبيانات التي تلقى من االذاعات التفعل فعال جديا على طريقها واصبحت التدابير واالجراءات الفعلية تكتسب اهمية خاصة لذلك فان تدابيرها التي نتخذها في تعاملنا مع احداث الوطن العربي تتطلب دقة من نوع خاص وتتطلب تضحية من النوع الذي يلفت االنتباه ويكون قادرا على استقطاب الجمهور العربي الواسع في مثل هذه الظروف المعقدة حيث تنتشر منابر التزييف واالغراء والتآمر على نطاق كبير وخطير ومن هنا يصح القول باننا نمتد وحدويا الى الوطن العربي بصيغ متوازنة مع تزايد تضحياتنا ودعمنا للنضال القومي ونجاح تجربتنا االشتراكية والديمقراطية كتعبير عن افكار حزبنا ...( هوذا اذن جدل الوحدة واالشتراكية كما عبر عنه صدام حسين بدقة ووضوح وواقعية وصراحة ثورية وهو يتقدم بعد ذلك ليرفع اعمدة البناء على القاعدة الصلبة واذا كانت االشتراكية لم تعد مجرد حلم جميل او شعار براق يخطف ابصار الجماهير وانما علم وجهد وعرق ونضال فان الطريق اليبدو امامه مفروشا بالورد فالعراق الذي تسلمه هو عراق متخلف ينتمي الى ذلك العالم النامي الذي عاش طويال في القهر وامتص االستعمار ثرواته ونهبها ونقلها الى الغرب كي يصنع مجتمع الرفاهية واالستهالك العالي في اوربا وامريكا القائم على التصنيع والتحديث المستمرين ولم يترك من ورائه اال اقل القليل الفتات اليسير تنهب اكثره دائما رجعية عميلة له اما الشعوب باكثريتها الفقيرة المضطهدة المذلة المهانة فان لها بعد الجوع والجهل والمرض والقهر السياسي واالجتماعي جنة السماء وليس ملكوت االرض .. فكيف يمكن بناء االشتراكية اذن وتحقيق التنمية الشاملة بدون الثروة ؟ وكيف يمكن االرتفاع بالبناء االقتصادي واالجتماعي الجديد من غير ان ترتفع معدالت التراكم االشتراكي ؟ ذلك النه ) اذا كانت المشكلة االساسية في البلدان المصنعة هي مشكلة توزيع الثروة فان من المشاك ل االساسية في البلدان النامية مشكلة خلق الثروة . وصحيح ان العراق بين اقطار الوطن العربي ليس فقيرا بامكاناته المادية فهو يسبح فوق بحيرة هائلة من النفط .اهم ثروة في عالمنا المعاصر االن ولكن هذه الثروة الضخمة لم تكن
95 له كانت ملكا لالجنبي وحالال خالصا له وكان العراق اشبه بمن يموت من الظمأ وهو على حافة الينبوع واليستطيع ان يمد يديه ليشرب الن االستعمار قد غلل يديه . كان على صدام حسين ان يتقدم بجرأة لتحرير ثروة بالده وفك اغالل العراق كله حتى يروي غلته من مياه النبع . 4 -النفط : كسر التبعية االمبريالية بدأت العالقة بين النفط وبعض االقطار العربية عندما اكتشف النفط الول مرة في العراق عام 1927 ثم توالت االكتشافات الكبيرة بعد الحرب العالمية الثانية في الكويت والسعودية وقطر والجزائر وليبيا واالمارات العربية . كانت عمليات االستكشاف واالنتاج تجري في بداية االمر في اطار تجمعات اجنبية منعزلة عن النشاط االقتصادي واالجتماعي السائد في االقطار التي وجد فيها النفط ولذلك انحصرت عالقة النفط باالقطار العربية حينذاك في الناحية الجغرافية والترتيبات السياسية التي اقامتها الدول المنتصرة في الحرب العالمية الثانية .قبل الحرب وبعدها ) فالنفط كان يعتبر في نظر هذه الدول ملكا لها ولشركاتها اما نصيب الجانب العربي الذي كانت اراضيه تنتجه فلم يكن يزيد عن اربعة شلنات عن الطن تدفع للحاكم المحلي كي ينفقها على اغراضه الخاصة( ثم حدثت تطورات اساسية في حجم العائدات النفطية المستحقة لالقطار المصدرة بعد صراع 0 مصدق ( مع االحتكار النفطي البريطاني عام 1950. واصبحت حصة الجانب العربي تقدر بعدها على اساس المناصفة في االرباح .بناء على سعر النفط الذي تحدده الشركات االجنبية بنفسها وبعد خصم المصروفات والنفقات التي تحددها هذه الشركات صاحبة االمتياز ايضا . غير ان االكتشافات النفطية الهامة التي حدثت في االقطار العربية خالل الخمسينات والستينات باالضافة الى نيل العديد من االقطار العربية استقاللها السياسي زادت من اهمية النفط في البلدان العربية حيث ارتفع عدد هذه االقطار المنتجة والمصدرة له من خمسة اقطار الى اثني عشر قطرا خالل الفترة من 1950-1970 كما اتجه المعدل اليومي للصادرات النفطية العربية في االرتفاع حتى وصل عام 1980 الى مليون برميل وبعد هذه الزيادة الكبيرة في انتاج النفط العربي اصبحت االقطار العربية النفطية تساهم بحوالي ثلث االنتاج العالمي .وتوفر حوالي 60 % منة النفط المسوق عالميا غير ان ترتيبها منفردة متباين بشكل حاد .اذ تنتج البحرين اقل من 60 الف برميل يوميا بينما تنتج السعودية 9 ماليين برميل يوميا كما ان ثالثة اقطار عربية فقط في منطقة الخليج – من بينها العراق – تساهم بحوالي 70 %من مجموع انتاج الدول العربية . عالقة النفط باالقطار العربية من الناحية الجغرافية تنحصر بشكل رئيس حتى االن في خمسة اقطار عربية هي : السعودية والعراق والكويت وليبيا واالمارات واذا اضفنا الى هذه المجموعة كال من الجزائر وقطر .نجد ان حوالي 94 %من انتاج النفط ينحصر في هذه االقطار . اما من الناحية الديموغرافية فاننا نتبين ان النفط ينحصر في نسبة محدودة من سكان الوطن العربي التتجاوز 18 %اذا استثنينا الجزائر وحوالي 8,27 %اذا اضفناها .
96 فماذا كانت النتيجة المباشرة لهذه المعطيات االقتصادية المجردة على صعيد الوطن العربي ككل ؟ يذكر احد الباحثين االقتصاديين ) ان الفترة منذ اوائل الستينات من هذا القرن ) مرحلة االكتشافات الكبرى للنفط ( قد شهدت انقسام الدول العربية الى مجموعتين متميزتين من الدول وذلك على اساس من الدخل المتوسط للفرد الواحد فبرزت الى الوجود مجموعة من الدول المحدودة السكان يرتفع متوسط دخل الفرد من سكانها الى مستويات الدول المتقدمة او قد تزيد عنها بينما بقي الجزء االكبر من االقطار العربية التي تضم الجمهرة الرئيسية من الشعب العربي تعاني من مشاكل انخفاض الدخل الفردي ومن ازمات العجز الكبير في ميزان مدفوعاتها وغيرها من المشاكل االقتصادية(( ثم يضيف الباحث نفسه قائال : ) ان الدخل بالنسبة للفرد الواحد قد وصل في اعلى الدول العربية دخال عام 1972 وهي الكويت نحو خمسين ضعف الدخل في اقل الدول العربية دخال بالنسبة للفرد الواحد من السكان وهي :الصومال على ان الفارق تضاعف نحو ثالث مرات في عام 1973 بعد ارتفاع اسعار النفط على اثر حرب اكتوبر واصبح دخل الفرد في الكويت يزيد باكثر من مائة وخمسين مرة عن دخل الفرد في الصومال وباكثر من ثمان واربعين مرة عن متوسط الدخل الفردي في مصر واستمر هذا الفارق في السنوات التالية (. غير اننا ينبغي ان نضيف ايضاحا ضروريا لهذه االرقام التي اوردها الباحث يقتضيه االنصاف للكتلة االكبر من الشعب العربي في هذه الدول التي ارتفع ثراؤها الى هذه االرقام الفلكية وهو : ان نسب توزيع متوسط الدخل الفردي على اساس الدخل القومي هي نسب خادعة في كثير من االحيان رغم اهميتها النسبية في اي بحث اقتصادي مقارن ذلك الن هذه النسبة الخاصة المستخلصة من قسمة الدخل القومي العام على عدد السكان تفترض التوزيع المتساوي لهذا الدخل على عدد االفراد وهو ماال يتحقق بالضرورة في اي مجتمع وخصوصا في المجتمعات التي تستاثر فيها ) العائالت ( الحاكمة بالنسبة االكبر من هذا الدخل الوطني لبالدها ويختلف االمر بطبيعة الحال في المجتمعات النفطية العربية االخرى التي تتجه نحو التنمية الجزئية او الشاملة وتخضع في حياتها السياسية واالجتماعية لنظم وفلسفات مغايرة ولنتابع النص التالي بدقة: ) في السنوات االخيرة كان نمو البنى المالية العربية يتجه بشكل مناقض للحاجات الواقعية لتنمية المنطقة العربية ويبدو ان عنصرا واحدا يمكن ان يميز هذا التطور اال وهو اجتذاب رؤوس اموال المنطقة نحو الدول الراسمالية الصناعية وهامشيا : السعي وراء االرباح الضخمة من خالل تمويل مستوردات السلع االستهالكية او البناء باختصار استمر تطور البنى المالية هذا – وهي بنى مصرفية اساسا – في التقيد باالتجاه السابق لتعديل سعر النفط الخام – بعد حرب اكتوبر – اي في كونها محطات للمراكز المالية الغربية الكبرى ويؤكد دور المحطة هذا بتاسيس االتحادات المصرفية .التي توجه الى اسواق الرساميل الغربية قسما من الموجودات المالية العربية .واذا اضفنا الى ذلك ان ادارة المؤسسات المالية العربية الكبرى في الكويت والبحرين واالمارات والعربية السعودية تتوالها مباشرة المصارف الغربية الكبرى نستطيع ان تقدر مدى تماسك ونوعية آليات تحويل االرصدة المالية العربية الى خارج المنطقة يمكننا القول دون مبالغة ان البنى المالية لهذه الدول المنتجة للنفط هي كليا بنى متخارجة بالنسبة للمنطقة بحيث تسهم مباشرة في المجال المالي للمراكز المالية الدولية الكبرى التي تشكل هذه البنى احدى ادواتها بالفعل ((. ان متابعة هذا النص تقودنا الى مجموعة من النتائج االساسية من بينها :
97 اوال : ان النسبة االكبر من عائدات النفط في بعض الدول العربية – والمشار الى معظمها في سياق النص نفسه – التفيد منها المنطقة العربية بل وال يفيد منها شعب هذه الدول نفسها في غالبية العظمى النها التستخدم ال في تنمية المنطقة وال حتى في تنمية هذه االقطار بشكل حقيقي وانما تعود مرة اخرى الى ) مصارف ( الدول المستهلكة وهي الدول الصناعية الراسمالية الكبرى وعلى راسها الواليات المتحدة االمريكية وبعض دول اوربا الغربية . ثانيا : ان االرتفاع في عائدات النفط بالنسبة لهذه الدول لم يتوجه نحو االستقالل االقتصادي الحقيقي – الذي هو جوهر اي استقالل سياسي – وانما ربما قادها نحو االتجاه العكسي اي نحو المزيد من التبعية البنيوية للبنية االمبريالية العالمية ثالثا : ان الفرق الهائل بين دخولها الوطنية من عائدات النفط وبين الدخول الوطنية لبعض االقطار العربية االخرى سواء على المستوى العام للقطر او حتى على مستوى الدخل الفردي لسكانه – مع التحفظ على القيمة النسبية لهذا المؤشر االخير كانت له اثارة بالتاكيد في تعميق التجزئة القطرية والتمسك بالكيانات االقليمية وخلق الهوات النفسية واالجتماعية بين افراد الشعب العربي الواحد داخل هذه االقطار وخارجها خصوصا في غياب االيديولوجيات القومية التي يمكن ان تطامن من حدة هذه الفوارق على المستوى االجتماعي او على المستوى النفسي وهيمنة االيديولوجيات الشبيهة باليبرالية في شكلها الخارجي والتي التؤدي في محتواها الفعلي اال الى تعميق التبعية االقتصادية والسياسية بنيويا مع الغرب االمبريالي . ومن هنا تتخذ صورة العراق – كدولة نفطية – بعض ابعادها الحقيقية وتكتسب افكار صدام حسين السابقة والتي سوف نتعرض لها بعد في هذا السياق دالالتها العميقة سواء على مستوى العراق وحده او على مستوى الوطن العربي ككل والبد من االشارة هنا – وهي اشارة تنطوي على اهمية بالغة – الى ان عمر العراق كدولة نفطية رغم ان النفط العربي قد اكتشف في ارضه الول مرة اليزيد االن عن ثماني سنوات بل ربما ست سنوات فقط بالقياس الى النغزى االقتصادي الحقيقي للدخول النفطية بالنسبة له . ان صدام حسين يذكر بوضوح ان ثورة يوليو – تموز 1968 عندما تسلمت السلطة لم تتسلم معها اال خزائن خاوية وحتى في العام التالي – عام 1969 – كانت عائداتها من النفط الذي يمثل الدخل الوطني االساسي في اقتصاد كان وحيد الجانب بحدة حتى ذلك الحين التزيد عن 730,169 مليون من الدنانير فحسب ولذلك )) اليجب ان يقاس العراق بالبلدان العربية البترولية وبالذات دول الخليج والجزيرة وليبيا باعتبار ان تلك الدول انما تملك رصيدا مخزونا في البنوك منذ سنوات طويلة (( وقد ال يكون في االمر تجاوز حقيقي للواقع اذ قلنا – بالقياس الى الدخول النفطية ذات الداللة في الدول العربية االخرى – ان العراق يوشك ان يكون دولة نفطية منذ عام 1974 فقط ...ذلك ) ان العراق الذي حقق التحرر السياسي من الربقة االستعمارية بعد ثورة 14 تموز – يوليو 1958 )- كما ورد في التقرير السياسي الصادر عن المؤتمر القطري الثامن لحزب البعث العربي االشتراكي في يناير – كانون الثاني 1974 ( – بقي حتى ثورة السابع عشر من تموز – يوليو 1968 خاضعا للسيطرة االقتصادية االستعمارية المتمثلة بالدرجة االولى في هيمنة الشركات االحتكارية على اهم ةاكبر ثرواتنا والمصدر االساس لدخلنا الوطني ...النفط... ( ومن ثم ) كانت المعركة الفاصلة في تحقيق االستقالل االقتصادي في القطر العراقي وبالتالي تعزيز االستقالل السياسي واطالق االرادة الوطنية حرة من كل قيد هي معركة تحرير الثروة النفطية من
98 ربقة الشركات االستعمارية والسيطرة الكاملة عليها .تخطيطا وتسويقا .وبدون خوضها يبقى العراق خاضعا للسيطرة االقتصادية االستعمارية ويكون اي تقدم يحققه في الميادين االخرى ناقصا ومهددا (. ولكن ماذا عن القانون رقم 80 – قانون االستثمار الوطني للنفط – الذي كان قد صدر عام 1961 والذي استولت الحكومة بموجبه حينذاك على جميع االراضي غير المستثمرة من قبل الشركات االجنبية ؟....التقرير السياسي يؤكد ان هذا القانون بقي ) حبرا على ورق ( حتى ثورة 17 تموز – يوليو ويضيف الى ذلك انه قد ) جرت محاوالت محمومة من قبل الشركات لاللتفاف على القانون وافراغه من محتواه الوطني وفي عام 1965 كادت حكومة طاهر يحيى ان تعقد اتفاقا مع الشركات االحتكارية ترهن بموجبه االراضي المشمولة بالقانون رقم 80 للشركات تحت ستار استثمارها من قبل شركة مختلطة من الحكومة واالحتكارات وكان الحزب قد وقف موقفا صلبا من ذلك المشروع المشبوه واستطاع ان يعبئ الراي العام ضده بمشاركة القوى الوطنية االخرى وان يطيح به ( ان الشعار الذي كان اول من رفعه هو ثورة تموز – يوليو في العراق وهو ) نفط العرب للعرب ( لم يكن حتى متحققا في ذلك الحين في تطبيقه الجزئي وهو ان يكون نفط العراق للعراق وحده . ولقد بدأ العراق في تموز – يوليو 1969 اي بعد قيام الثورة بعام واحد اول خطوة في محاوالته بتجسيد شعاره حينما توصل الى اتفاق مع االتحاد السوفيتي لمعاونته في االستثمار الوطني المباشر للنفط في حقول ) الرميلة( ولقد اعتبرت الشركات االحتكارية هذا الموقف – على حد تعبير التقرير السياسي – تحديا خطيرا لمصالحها ومستقبلها في العراق واجتهدت بكل الطرق وحتى عام 1972 في ان تلتف حوله وتفشله وتخنقه في النهاية ولكن االتفاق تم تنفيذه بنجاح بفضل يقظة وصالبة وحزم االرادة الوطنية .لقد كان مجرد عقد هذا االتفاق مع السوفيات في ) هذا الميدان الستراتيجي الخطير الذي يمس جوهر المصالح االمبريالية في المنطقة ( يعتبر جرأة بالغة من جانب الثورة الوليدة التي لم تتسلم سوى خزائن خاوية ولم تكن قد شبت بعد عن طوقها في تحدي القوى االمبريالية واخطبوطها المتمثل في الشركات االحتكارية ) واذا كان من المفيد التشبيه ( – على حد تعبير طارق عزيز في كتابه ) ثورة الطريق الجديد (- ) فان االتفاق مع االتحاد السوفيتي على استثمار نفط شمال الرميله وطنيا يعادل من حيث االهمية التاريخية .اقدام مصر في عام 1955 على كسر طوق السالح وشرائها السالح من البلدان االشتراكية ان لم يكن اكثر اهمية(. ان هناك اسطورة صينية – وبعض االساطير الشعبية القديمة التفقد مغزاها على مر الزمن – تحكي قصة نمر ظهر ذات يوم على جسر تسينيان واختلفت مواقف الناس بشانه بعضهم كان يقول الينبغي ان نستفز النمر الهائج حتىاليقتلنا .وبعضهم االخر كان يقول : فلنتجنب حتى الوقوف امام النمر فكيف يمكن لنا مجرد التفكير في استفزازه ؟ اما ) أوسون ( بطل االسطورة فكان من رايه ان النمر الذي يمرح على جسر تسينيان سوف يقتل الناس سواء استفزه الناس او لم يفعلوا وعلينا اما ان نقتل النمر واما ان يقتلنا هو . ويبدو ان ثورة العراق قد تبنت رأي ) اوسون ( ..ففي نهاية عام 1971 دخلت حكومتها في مفاوضات مع الشركات االحتكارية قررت منذ البداية ان تكون قاطعة وحاسمة .كانت منذ عام 1970 بعد فشل مفاوضات لم يعلن عنها وقتها مع الشركات قد عقدت عزمها بطريقتها الصدامية على التعرض للنمر الذي يمرح مختاال ومواجهته بالعنف الضروري
99 القادر على تخليص الناس من شره غير ان الشركات تصورت ان الثورة انما تناوشها فحسب فكيف يمكن لها ان تستفزها .او تفكر – مجرد التفكير – في الخالص منها ؟ ولذلك لجأت الى االلتفاف واطالة المفاوضات والمساومة وبعد فترة قصيرة حينما لمست ان في االمر استفزازا حقيقيا لها قررت ان تبادر هي بالمواجهة فبل ان تبادر الثورة لمواجهتها فاقدمت على تخفيض االنتاج بنسبة كبيرة جدا حتى تشل الثورة تماما الحركة وتسقط كل مشاريعها في التنمية وتفرغ خزانتها من احتياطيات الصعبة. ولكن الثورة لم تكن تفكر في استفزازها فحسب بل كانت قد اعدت عدتها وهيأت الساحة تماما للقضاء عليها بشكل كامل وقتلها وفي السابع عشر من مايو – ايار 1972 وجهت لها ) انذارها الشهير ( الذي كانت مدته اسبوعين فقط وطالبتهما بمقتضاه ان تجيب بااليجاب على كل مطالبها ...واال فلسوف يكون لها امر اخر وحتى برغم هذا االنذار فلم تكن الشركات تصدق في قمة هيمنتها وسطوتها ان االمر يمكن ان يصل الى المدى الذي لم يكن بوسعها في ذلك الوقت ان تتصوره وهو التاميم الكامل . ينبغي ان نتذكر هنا ان عددا من اصدقاء الثورة انفسهم داخل العراق وخارج العراق لم يكن يدور بخلدهم ان الثورة سوف تتجهبالفعل الى تنفيذ مقتضى انذارها واصدار قرار التاميم ولالمانة التاريخية البد من ان نذكر ان الحزب الشيوعي العراقي نفسه الذي كان في ذلك الوقت قد شارك بوزيرين في الحكومة نصح الثورة بالتريث في اتخاذ قرارها حتى ال تتعرض البالد لما تعرضت له مصر بعد تأميم قناة السويس من عدوان امبريالي مسلح . وفي اللقاء الذي جرى بين صدام حسين وفيدل كاسترو في هافانا في الخامس عشر من يناير – كانون الثاني 1978يذكر صدام حسين لكاسترو : ) ان القائم باالعمال السوفيتي التقى طارق عزيز ليقول له :اذا اممتم النفط فستقومون بعمل خطير وجاء طارق عزيز يقول : ان القائم باالعمال يحذر من التاميم ( غير ان الشعار االساسي في تلك االيام والذي تضمنته في البداية نشرة داخلية موجهة الى الجهاز الحزبي البعثي حول المجابهة مع االحتكارات وتحول بعد ذلك الى اناشيد واهازيج ترددها الجماهير في الشوارع والساحات كان يقول ) التخاذل والى االمام ( . وفي نفس الجلسة مع كاسترو يقول صدام حسين ) لم يكن لدينا معلومات عن سوق النفط سألنا االختصاصيين الماليين واالقتصاديين كانوا يحسبون بالطريقة التقليدية ويقولون ميزانيتكم فيها عجز وليس لديكم رصيد في المصارف فكيف تؤممون ؟ نحن اعتبرنا الجماهير عملة صعبة لم يكن بامكاننا ان نحسب بأي طريق تقليدي ..( كانت المعركة تتصاعد يوميا باتجاه الحسم بل ان الثورة نشرت في تلك االيام علنا محاضر المفاوضات مع الشركات بشكل كامل وكان بوسع المراقب الذي يعرف شيئا عن طبيعة القيادة و) العقل السياسي ( الذي يوجهها ان يتيقن من ان هذا التصعيد الشديد والكشف العلني لما يدور في الغرف المغلقة .ال يمكن ان تقدم عليه اية قيادة ) عاقلة ( – على حد تعبير صدام حسين نفسه – ) اال اذا كانت قد حزمت امرها على قرار حاسم ( ولكن الشركات نفسها ) بقيت تتصور ان الثورة لن تقدم على التأميم . ويذكر صدام حسين انه في ذلك الوقت كانت هنالك اوساط فرنسية لم تتفق مع الشركات في تقديراتها تلك وكانت تضع في حساباتها ان الحكومة العراقية قد تتخذ قرارا بالتشريع من جانب واحد ولكن ) حتى هذه االوساط االكثر فطنة من الشركات لم تكن تتصور ان القرار سيكون تاميم الشركة وعلى اساس تقديراتها هذه حاولت اقناع االطراف االخرى في
100 الشركات باجراء تعديل في موقفها واتصل السفير الفرنسي بسكرتير عام لجنة المتابعة ناصحا بالتريث في اتخاذ قرار من طرف واحد امال في ان يتمكن من اقناع ممثل الشركات ) ستوكويل ( بضرورة النزول عند مطالب الحكومة وقبل انتهاء مدة االنذار في الساعة الحادية عشرة من اول حزيران – 1972 بوقت قصير اتصل السفير بسكرتير لجنة المتابعة وابلغه انه بذل جهده ولكنه لم يتمكن من اقناع ) ستوكويل (. في الساعة الحادية عشرة من صباح االول من يونيو- حزيران 1972 انتهت مهلة االنذار ودق جرس التلفون في مكتب سكرتير عام لجنة المتابعة وكان المتحدث هو ستوكويل يطلب مد المهلة وفرصة اخرى للتباحث . غير انه في نفس اللحظة التي حبست فيها الجماهير انفاسها لتعرف ماعساه سوف يحدث االن كانت موجات االذاعة والتلفزيون العراقي على اهبة االستعداد كي تنقل خطابا هاما الى االمة ووقف الرئيس احمد حسن البكر كي يعلن قرار الثورة التاريخي : تأميم شركات النفط االحتكارية في العراق وتلقى النمر االمبريالي ضربة قاتلة .. ومع ذلك فأن ) المعركة لم تكن نزهة ( – على حد تعبير طارق عزيز في كتابه ) ثورة الطريق الجديد ( – ) كما لم تحسمها ضربة واحدة مثلما يحدث في القصص االسطورية بل كانت معركة صعبة ومعقدة وكان حسمها يحتاج الى ضربات عديدة والى سلسلة مضنية من الكر والفر ( لقد حقق التاميم في ذلك اليوم سيطرة الدولة على 65 %من قطاع انتاج النفط – الذي كان القطاع الوحيد الخاضع للسيطرة االجنبية كما حقق سيطرتها على 75,99 %من رقعة االرض التي يستخرج منها النفط ذلك الن القرار الذي صدر يومها لم يشمل شركة نفط البصرة ) وكان لقرار القيادة في عدم شمول شركة نفط البصرة بقرار التاميم في االول من حزيران 1972 اهمية الكبيرة من ناحيتين االولى انه وفر للدولة مصادر جديدة من العملة الصعبة خالل تلك الفترة الحرجة مما زاد في قدرتها على الصمود في المعركة ومواجهة ضغوط االحتكارات والثانية انه منح الثورة امكانية جديدة لمناورة الشركات بهدف اجبارها على الرضوخ لقرار تاميم شركة نفط العراق واالعتراف الكامل بالقانون رقم 80 كما كان لقرار القيادة بمنح فرنسا موقعا متميزا في عملية التاميم اهميته البالغة وفي الوقت نفسه كان لموقف االتحاد السوفييتي والبلدان االشتراكية المساند للتاميم اهميته السياسية واالقتصادية ( . هل كان تاميم نفط العراق ثورة ؟ ان شعار التاميم شعار شائع بل ان ) مصدق ( رفعه وحاول ان ينفذه في ايران عام 1950 ومع ذلك وعلى الرغم من ان صدام حسين نفسه يقول ) ان االول من حزيران لم يكن ثورة بحد ذاته وانما كان جزءا من ثورة وعمال منسجما مع مفاهيمها ومتصال بمسيرتها بل كان ضرورة من ضروريات هذه المسيرة..فان المسألة هنا ال تتعلق بفكرة التاميم في حد ذاتها او بشعار تحرير الثروات النفطية كشعار مجرد وانما تتعلق اوال – وربما في االساس بطبيعة ) العقل السياسي ( و) السلوك السياسي ( اللذين كانا وراء فكرة التاميم وبلورتها ومتابعتها واحكام قيادة عمليتها ووضعها موضع التطبيق والوصول بها في النهاية الى النجاح فها هنا يكمن الفارق الجوهري بين عملية تاميم وعملية تاميم اخرى اجهضت واختنقت وماتت في مهدها بل ربما يكمن ايضا فارق اخر قد اليقل عن ذلك اهمية وهو ان التاميم هنا قد حدث بتخطيط مسبق وبتدبير جرى االعداد السياسي واالقتصادي له قبل وقوعه بسنوات ولم يحدث كرد فعل عنيف – مهما انطوى رد