The words you are searching are inside this book. To get more targeted content, please make full-text search by clicking here.

صدام حسين مناضلا ومفكرا وانسانا.كاملا

Discover the best professional documents and content resources in AnyFlip Document Base.
Search

صدام حسين مناضلا ومفكرا وانسانا.كاملا

صدام حسين مناضلا ومفكرا وانسانا.كاملا

101 الفعل ذاك على موقف ايجابي في بعض العمليات التاميمية السابقة عليه في غير مجال النفط وال شك ان التاميم ذاته في مجال النفط بالتحديد في ظروف تلك المرحلة وفي ظل ازمة الطاقة العالمية وجوع االمبريالية النهم لكل مايتعلق بالنفط يحمل اكثر من داللة ال على شراسة المعركة وضراوتها ضد االمبريالية فحسب وانما على مدى الجرأة الثورية والحنكة القيادية في الممارسة السياسية التي امتازبها ) العقل السياسي ( في الثورة العراقية انذاك في وقت تسلم فيه زمام القيادة و) لم تكن لديه معلومات عن النفط (و) وبالتاكيد لوال نجاح التطبيق كما يقول صدام حسين ولو كانت النتيجة غير انتصار اذار / مارس – وهو التاريخ الذي سلمت فيه الشركات بقرار التاميم – لو حدثت كارثة مالية او نتائج كالتي اصابت التجارب السابقة لكان حديث الكثيرين عن التاميم مختلفا مباطار مختلف ( فيما قبل التاميم وبعده كان ) العقل السياسي ( حكيما في نظرته بغير ضعف او تردد جريئا الى حد االقتحام في مسلكه دون ان يدفعه ذلك الى االنزالق في منحدرات المغامرة وفي النظرة والسلوك معا كان – كشأنه دائما – يحسب بتوازن ويدرك بشمول وينهج بتكامل . ان طارق عزيز يعبر عن هذه المعاني في نصه السابق قائال :) لقد وعت قيادة الثورة اهمية عنصر الوحدة الوطنية ووحدة الفصائل التقدمية في المعركة من اجل التحرر والبناء وعملت لتوفيره قبل التاميم وبعده ووعت اهمية عنصر المشاركة الشعبية في اية معركة وطنية فحملت الجماهير مسؤوليتها قبل التاميم وبعده ووعت اهمية البعد القومي للمعركة فلم تطرحها مجابهة قطرية بل معركة قومية ووعت اهمية التحالف مع قوى الثورة العالمية والمعسكر االشتراكي في مقدمتها فوثقت هذا التحالف ووعت عنصر التناقض والتنافس بين المصالح الغربية وعرفت خصائصه وابعاده وكيفية الولوج الى داخله فاستخدمته بذكاء وكفاءة دون ان تتنازل عن خطها الثوري ومواقفها المبدئية ووعت اهمية االدارة الحسنة والتقنية الناجحة وغيرها من العوامل في انجاح معركة من هذا النوع واعطتها ماتستحقه من االهتمام ووعت وبدرجة عالية من الحساسية اهمية عنصر الحزم وعدم التردد في معارك من هذا الطراز فظلت ثابتة االقدام حتى في احلك الساعات واشدها اثارة للقلق فكان لها النصر ( عندما تم التاميم ارسلت القيادة العراقية واحدا من اعضاءها الى االتحاد السوفييتي وهناك التقى بالرئيس السوفييتي حينذاك فبادره ) بودجرني ( قائال: ) لقد تعرضتم لمصالح الدول الكبرى ( فرد عليه عضو القيادة العراقية بهدوء وثبات : مافعلناه لن نتراجع عنه . والواقع ان هذا الثبات الذي يعكس ثقة العقل السياسي في صحة قراراته ومبدئيتها ورسوخها الجماهيري هو وحده الذي يستطيع في النهاية ان يكسب الصداقة الحقيقية حتى مع الدول الكبرى ويحقق ديمومتها بجدارة ولعلنا نذكر هنا فيتنام ايضا فما اكثر ماتلقى قادتها ) النصائح ( الرفاقية بالدخول في مفاوضات مع االمبريالية االمريكية لوقف الحرب وحقن الدماء والوصول الى حل مرض للطرفين ومع ذلك فان الثبات الراسخ الذي ابدته فيتنام في ايمانها بسالمة سياستها وصحة مواقفها حينذاك رغم كل ماكانت تقدمه من ضحايا في لحظة هو الذي فرض على العالم كله احترامها وتقديرها وتاييدها وال شك ان اليه وحده – او على االقل في االساس – يرجع الفضل في مد جسور المعونات العسكرية والسياسية لها من جانب الدولتين العظيمتين اللتين اتفقتا في سياستهما الخارجية الول مرة منذ تناقضهما العلني هناك وهما االتحاد السوفيتي والصين الشعبية .


102 لقد ساندت الدول االشتراكية وفي مقدمتها االتحاد السوفيتي قرار التاميم بعد صدوره بل وكان االتحاد السوفييتي هو اول من اشترى النفط العراقي المؤمم وتبعته فرنسا واسبانيا وتركيا وايطاليا واليونان ويوغسالفيا وبلغاريا والمجر وتشيكوسلوفاكيا ورومانيا ومصر والمغرب وشركات غربية مستقلة ولم تترك ادارة شؤون المعركة بعد التاميم طيلة التسعة اشهر التي اعقبت القرار وسبقت رضوخ الشركات في النهاية له في االول من مارس – اذار 1973 وهي الشهور الصعبة القلقة التي لم يوضح فيها القرار موضع التطبيق فحسب بل وضع فيها العقل القيادي للعراق كله موضع االمتحان العسير للفنيين وحدهم لم يتخلف العقل السياسي لحظة واحدة عن االمساك بدفة المعركة واحتفظ القياديون في الحزب بمواقعهم االساسية دائما في غرفة عمليلتها مع توفير الكادر الفني المطلوب والضروري لها بطبيعة الحال ولقد كانت النتيجة ان ) الذين لم يكونوا على اية معرفة بشؤون النفط (من قبل استطاعوا قبل بداية مارس – اذار 1973 ان يسوقوا من النفط المؤمم 48 مليون طن من اصل 57 مليون طن هي الطاقة االنتاجية القصوى لحقول كركوك المؤممة في ذلك الوقت وهذا الرقم يزيد بمقدارؤ عشرين مليون طن عن الرقم الذي ادعت الشركات المؤممة قبل تاميمها انها التستطيع تسويق اكثر منه وهو مابررت به في وقتها تخفيض االنتاج . في نهاية مخاض الشهور التسعة ولد االقتصاد العراقي المستقل وشهد النور الول مرة لقد تمت التجربة ونجحت ) الن الذي نزل الى النهر ...استطاع ان يسبح بمهارة وان يصل الى الضفة االخرى من النهر سالما ( اترانا نستطيع القول انها لم تكن المرة االولى بالنسبة لصدام حسين الذي يجتاز فيها عرض النهر سابحا ويبلغ بقوة ارادته وايمانه ويقته الكاملة في مبادئه وسياسته وقيمته...الشاطئ االخر ؟ غير ان تاميم النفط في العراق لم يؤثر داخليا على مستوى الساحة الوطنية فحسب وانما كان له تاثيره القومي البعيد المدى ان تحقيق االستقالل االقتصادي وتحرير االرادة الوطنية بكسر التبعية والقطع البنيوي مع االمبريالية لم يكن هو اقصى االماد التي يطمح للوصول اليها العقل السياسي الذي دخل معركة التاميم وخرج منها حينذاك بنجاح لقد ذكر صدام حسين ان ) اي انتصار يتحقق في اطار قطر ما يبقى خطوة على طريق االهداف المركزية للثورة العربية ...( ومن هنا فأن شعار ) نفط العرب للعرب ( الذي كان العراق اول من رفعه وان كان قد تحقق جزئيا داخل القطر العراقي وحده فانه اليزال مرفوعا مدويا ينادي على العرب النفطيين ان يأخذوا به وينتزعوا لالمة الفقيلرة والعارية والمتخلفة رغم كل تراثها المذهل حقوق ابنائها منة براثن االمبريالية العالمية . ان شعار نفط العرب للعرب لم يكن مجرد كملمات حماسية تطلق لالستهالل على الساحة القومية فلقد رفع العراق شعارا اخر نابعا منه ومعبرا عن نفس محتواه النضالي وهو : النفط كسالح في المعركة وفي اجتماع مجلس الدفاع العربي المشترك في 27 يناير – كانون الثاني عام 1973 في غ ضون الشهور التسعة العسيرة نفسها طرح العراق مشروعا للعمل العربي المشترك يرتكز على اساس استخدام النفط كسالح في المعركة القومية ضد االمبريالية والصهيونية بتاميم المصالح النفطية وكل المصالح االخرى لكل دولة ال تستجيب لنداء قطع المساعدات العسكرية واالقتصادية عن الدولة الصهيونية وقال العراق يومها للعرب ) االخرين ( ) نحن دولة نفطية ولذلك التعتبروننا مزايدين عندما نطرح هذا الشعار اننا نطرحه بأخوة وندرك فاعليته ونحن اول من ينفذه ومن يبدأ به في العراق فاجعلونا فدائيين (.


103 وطرح المندوب العراقي يومها صيغة محددة هي ) ان على الدول النفطية القادرة على التاميم ان تؤمم حصة امريكا وتهدد كل دولة تقف مثل موقف امريكا بتاميم حصتها ويجب اال يسوق النفط المؤمم الى نفس الجهة بل يباع الى الشركات والدول االخرى لالستفادة منه في العالم وتعزيز مواقف السياسة العربية في عالقاتها الخارجية .اما الدول العربية التي التستطيع التاميم فعليها قطع النفط عن امريكا فعليا وعليها ان تقطعه ايضا عن اية دولة تقف مثل مواقف امريكا (. وعندما قامت حرب اكتوبر – تشرين االول 1973 كان العراق اول من سارع الى وضع اقواله ومقترحاته في التطبيق العملي اتخذت القيادة السياسية مساء السادس من اكتوبر – تشرين نفسه – يوم بداية الحرب – قرارا اعلن صبيحة السابع من اكتوبر – تشرين االول بتاميم حصة امريكا في شركة نفط البصرة بسبب موقفها تجاه قضية النضال العربي وارسلت مبعوثين عنها الى دول عربية نفطية اخرى كي تحثهم على اتخاذ مثل هذا القرار او حتى ماتراه مناسب لها ودون مستواه فقيل لهم بوضوح اننا اليمكن ان نستخدم هذا الطريق نحن ندفع امواال اما ان نلعب بالنفط فتلك مسألة مرفوضة ( ومع تصاعد الحرب وانتصاراتها المدوية في ايامها االولى – ولقد زج فيها العراق بجيشه على الجبهة الغربية - واندفاع درجات الحماس الجماهيري الى اقصاه كان البد لقضية النفط ان تتخذ وضعا اخر فالذين كانوا – وما زالوا – يعتبرون النفط اغلى من دماء البشر التي كانت تنزف على قناة السويس وفي هضبة الجوالن وجدوا انفسهم في مأزق واضطروا في المؤتمر الذي عقد في الكويت اثناء الحرب الى اتخاذ قرار ضعيف بتخفيض ضخ النفط في البداية 5 %على االطالق اي 5 %من مجمل الضخ النفطي ثم تصاعدت النسبة مع استمرار الحرب معممة وقف ضخ النفط على الجميع االعداء واالصدقاء والذين كانوا او كان يمكن ان يكونوا محايدين . يقول صدام حسين ) كان كل العرب يستطيعون ان يقفوا موقفا اكثر صالبة من الموقف الذي وقفوه لو نسقت السياسات بعيدا عن الحسابات كما ان بعض الدول العربية كانت قادرة بالحسابات المباشرة لو انها تمكنت من ان تتخلى او ان تقاوم السياسات االمبريالية على الوقوف مواقف افضل من المواقف التي نفذت ...ولو استمرت الحرب شهرين لتغيرت مفاهيم وامور كثيرة في الوطن العربي ..( . ولم يكن العراق وقتها موافقا على تعميم وقف امدادات النفط عن كل دول العالم ويومها تساءل صدام حسين قائال : ) لماذا نوقف الضخ عن دول اوربا الغربية غير المعادية ؟هل نسعى لكسب مزيد من االعداء ام نريد تقليلهم ونكسب اصدقاء ونحيد البعض ؟...ومع ذلك لم تتوقف تلك السياسة الخاطئة في حينها وخسر العرب بالتاكيد رصيدا معنويا – وربما ماديا – كان يمكن ان يكون لهم في بعض بلدان اوربا الغربية ولقد كشفت دراسات كثيرة نشرت بعد الحرب عن ان امريكا هي التي كسبت من وراء تلك السياسة عن طريق رفع اسعار نفطها وتصدير كميات منه الى اوربا الغربية مع شحنات مكثفة من الدعايات المضادة للعرب . كان ذلك على اي حال موقف العراق ورؤيته السياسيه وهو موقف متسق مع نفسه ومع مبادئه القومية وهي رؤية فيها من الحسابات المتوازنة بقدر مافيها من االبعاد المتكاملة . وعندما تأممت حصة امريكا في نفط البصرة ثم حصة هولندا بعدها وفي النهاية حصة ) كولبنكيان( اصبحت سيطرة الشعب العراقي ممتدة على 85 %من انتاج النفط في بالده


104 وهي التي كانت 65 %فقط غداة معركة التأميم الظافرة اما النسبة القليلة االخرى المتبقية فلقد تم تأميمها في عام 1975 وبعدها اصبحت كل الثروة النفطية ملكا خالصا لشعب العراق وحده او لنقل – ربما بتعبير اكثر دقة – ملكا للشعب العربي كله .الم يقل صدام حسين نفسه اكثر من مرة وفي اكثر من مكان ان ثروة العراق النفطية هي ملك للعرب جميعا وانها ستبقى دائما في خدمة قضاياهم المصيرية من اجل التحرر من هيمنة االمبريالية وقهر التخلف واالستغالل ؟ 5 -التنمية : تحديدات منهجية ) بالنسبة للمجتمعات وبالنسبة للبشر النمو بغير تحد ان التقدم معركة كما ان الحياة معركة وهذه الحقائق لم تغب يوما عن الذهن الن تاريخ المجتمعات البشرية يكاد ال يتميز حتى االن عن التاريخ العسكري ( هذه العبارات القليلة التي قالها ) سرفان شريبير ( المفكر الفرنسي في كتابه ) التحدي االمريكي ( تلخص في الواقع جوهر الصراع العالمي الراهن البين الدول او االنظمة القائمة فحسب وانما بين الحضارات التي تسيطر على عالمنا ايضا فاذا كانت الصراعات العسكرية بين الدول الكبرى قد باتت – بعد توازن الرعب النووي – مجرد رؤيا كئيبة اشبه برؤيا ) يوحنا ( االسطورية لنهاية العالم فان الصراعات الحضارية هي وحدها التي بقيت وستظل باقية الى اقصى مدى يمكن ان يبلغه التطور االنساني . وماهو الصراع الحضاري في حقيقته ؟ انه الصراع من اجل المعرفة بهدف السيطرة على الطبيعة باوسع معانيها البيئية واالقتصادية واالجتماعية والسياسية .الصراع الذي اطلق شرارته االولى ) برومثيوس ( وجسد مغزاه بحياته وموته : ان تصبح ) المعرفة( ملكا لكل البشر بصرف النظر عن الجنس او اللون او العقيدة ...ان تصبح المعرفة اداة لرفع المستوى االجتماعي واالخالقي والجمالي لكل البشر ال ان تكون امتيازا تحتكره قلة من البشر كانت فيما مضى تتقنع بالوجوه المستعارة لأللهة – حتى ولو كانت الهة الشر – وهي اليوم تسفر عن وجهها فيما يسمى بالدول المتقدمة .ففي اقل من قرن قفزت البشرية على طريق المعرفة العلمية مسافة اطول بكثير مما قطعتها على مدى عشرين قرنا من تاريخها هذه الحقيقة التي تبدو الول وهلة غير قابلة للتصديق اصبحت اليوم موضع اتفاق العلماء والمفكرين والمؤرخين في العالم كله بغض النظر عن طبيعة نظمه االقتصادية والسياسية واالجتماعية فالقرن التاسع عشر الذي كان يسمى 0 القرن العجيب 9 لما قدمه لالنسانية من اكتشافات واختراعات ومعارف جيدة تبلورت اثارهاا فيما عرف بالثورة الصناعية بات اليوم في تاريخ المعرفة العلمية قرنا عاديا اليكاد يثير االلتفات بل حتى الثورة الصناعية نفسها بمقارنتها بالثورة العلمية والتكنلوجية التي انطلقت في منتصف هذا القرن غدت اشبه بالهبة او االنتفاضة المتواضعة التي تمثل البدايات االولى الجنينية لثورة عمالقة هائلة كانتها تبدأ تاريخ االنسانية من جديد . ولقد ظلت االمة العربية رازخة القرون الطوال تحت نير االستعمار باشكاله المختلفة وخاضت اقطارها –او معظمها – نضاالت دامية حتى تحقق لها االستقالل السياسي ولكنها اكتشفت ان االستقالل السياسي بدون االستقالل االقتصادي – على اهميته وضرورته واسبقيته احيانا- شكل تجريدي ينقصه المضمون الحي واذا كان الجوهر الحقيقي الي


105 استقالل اقتصادي هو كسر التبعية والقطع البنيوي مع البنية االستعمارية فان الهدف االساسي من وراء ذلك كله وبعد ذلك كله هو تحقيق االنتصار على التخلف وانجاز التنمية الشاملة التي تتيح لالنسان العربي ان يجسد االهداف التي يسعى اليها من بناء حضارته العربية الجديدة . ان هذا االنسان العربي الذي نعنيه هو ذلك االنسان الذي صنع من قبل احدى الحضارات الزاهرة المتقدمة ماديا ومعنويا التي اثرت بعمق في تطور الحضارة االنسانية ككل حتى تحطم وطنه الكبير وانفرطت وحدته االولى الكبرى ولم يعرف هذا الوطن بعد ذلك مجرد التجزئة الى اقاليم واقطار متعددة فحسب ولكنه عرف ايضا الفقر والتخلف واالنحدار الى درك االنحطاط الحضاري من خالل استنزاف قواه في حروب صليبية استمرت حتى القرن الثالث عشر ثم من خالل الخضوع لسيطرة االحتالل العثماني الذي هيمن عليه اكثر من ثالثة قرون وفي الوقت الذي سوف يحاول فيه هذا الوطن الممزق ان يتخطى تخلفه وانحطاطه ستكون اوربا – التي ترافق بزوغ نهضتها مع افول حضارته قد اتجهت نحو مرحلتها االستعمارية بحيث انه عندما يبدأ في فتح عينيه سيرى اسطول ) بونابرت ( يدق ابوابه . وحتى عندما استطاع ) محمد علي ( في مصر في العقود االولى من القرن التاسع عشر ان يبني تجربة جديدة متقدمة بالقياس الى ماكان قبلها وحولها فان تجربته لم تدم طويال كانت مجرد جزيرة مضيئة في محيط مظلم لحظة استثنائية في زمان التخلف وسرعان ماتكالبت عليها اوربا االستع مارية النهمة وحاصرتها باساطيلها بعد ان حطمت الجسور التي استطاعت ان تقيمها مع محيطها العربي وضغطت على انفاسها حتى اختنقت . من هنا ربما يكون صحيحا القول بان اشكالية التخلف الحضاري في الوطن العربي لم توضح كتحد يتطلب االستجابة اال منذ حوالي ربع قرن تقريبا وقد اليكون في االمر غرابة قالسنوات الخمسة والعشرون الماضية هي التي شهدت بروز ما يسمى بالعالم النامي او ) العالم الثالث ( حسب االصطالح الذي اطلقه الكاتب الفرنسي ) الفريد سوفي ( في عام 1956..على اثر المؤتمر المعروف الذي عقد في باندونج عام 1955 وكان نقطة تحول هامة في تاريخ الدول المتخلفة او النامية ومهما تكن درجة الصحة او الخطأ في اصطالح ) سوفي ( الذي صاغه قياسا على ) الطبقة الثالثة ( التي كانت تشير في عهود الملكية السابقة على الثورة الفرنسية الى مجموع فئات الشعب التي التنتمي الى طبقة النبالء او رجال الدين فأن االمر الذي الشك فيه ان هذا االصطالح الذي بات مالوفا في الكتابات االكاديمية والجارية على السواء قد طرح مشكلة التخلف في مجموعة هذه الدول طرحا جديدا امام شعوب هذه الدول ) المتخلفة ( وغنى عن البيان ان الوطن العربي يمثل وحدة اساسية من وحدات هذا العالم الثالث او المتخلف او النامي . ان الغرب اليكف اليوم عن الحديث عبر اجهزة اعالمه الموجهة بدقة لخدمة اهدافه عن ) العالم العربي ( او عن ) العرب ( الذين يسيطرون على موارد الطاقة النفطية ويتعنتون في رفع اسعارها ويتسببون في كثير من االختناقات االقتصادية والمالية التي يعاني منها المواطن االوربي واالمريكي وتصدق قطاعات كبيرة من الراي العام الغربي مثل هذه الدعايات الكاذبة من كثرة االلحاح عليها وغياب القنوات البديلة التي يمكن ان تنقل اليها الحقائق بعيدا عن تشويهات االجهزه التي تخدم الطبقات المستغلة في المجتمع الغربي نفسه .


106 وعلى الرغم من صحة الحقيقة التي اوردناها فيما سبق والتي تشير بوضوح وموضوعية الى ان الجانب االكبر من الدخول النفطية في االقطار العربية المشرقية المنتجة للنفط – باستثناء العراق – يعود في النهاية للدوران في عجلة الرأسمالية المالية العالمية فان حقيقة اخرى مهمة – بل لعلها بالغة االهمية – ال تفيد في الداللة على مدى عمليات االستنزاف التي قامت وتقوم بها الدول الصناعية المتقدمة في الغرب القطار الوطن العربي فحسب وانما ايضا على المدى الذي بلغته في ) تخلفه ( هذه الحقيقة هي ان الوطن العربي بكامله بما فيه اقطاره النفطية اليصل دخله القومي مجتمعا اال الى اقل من ثلث ميزانية الحكومة االتحادية للواليات المتحدة االمريكية بل اليصل في عام 1976 على سبيل المثال – بعد ارتفاع اسعار النفط على اثر حرب اكتوبر – حتى الى اجمالي الدخل القومي في ايطاليا وحدها مع انها ليست من الدول االوربية الغنية وال يزيد عدد سكانها عن 60 مليون نسمة اي اقل من نصف سكان الوطن العربي فلقد بلغ اجمالي الناتج القومي في مجموع االقطار العربية عام 1976 ( 4,148 (بليون دوالر بينما وصل في ايطاليا وحدها 6,163 بليون دوالر وبالطبع التجوز المقارنة مع الناتج القومي في دول غن ية مثل فرنسا الذي بلغ في نفس العام 5,346بليون دوالر او المانيا الغربية حيث وصل الى 3,453 بليون دوالر وهذا رغم الفوارق الكبيرة بين الدخل الوطني في القطر العربي ونظيره في القطر االخر على نحو ما اوضح البحث الذي اشرنا اليه فيما سبق . هوذا وطن عربي اذن يعيش فوق ارضة اكثر من مئة وخمسين مليونا من البشر ويضم في باطن ارضه اهم ثروة استراتيجية في عالم اليوم ومع ذلك فهو يعاني حتى عظامه من التخلف ..والفقر . ما الطريق لتخطي هذا التخلف ؟ وماهي اتجاهات الحلول المقترحة لتجاوزه؟ وكيف يمكن تحقيق تنمية شاملة جذرية وحقيقية حتى يتمكن المواطن العربي من استشراق افاق هذا العصر والبدء في ارساء مايتصوره من اسس لحضارة عربية جديدة؟ وما هي ) النماذج ( او ) المثل ( التي يمكن ا ن تحتذبها التجارب التنموية العربية – اذا كان البد لها من احتذاء نماذج خارجها – حتى تنجز اهدافها ؟ كيف يفكر صدام حسين في كل الموضوعات التي تثيرها هذه االسئلة ؟ وبتعبير اخر ماهي ) ايديولوجية( التنمية – او التقدم – التي يتبناها كمفكر ويناضل على رأس مجتمعه لتطبيقها ؟ ) ابتداءا علينا ان نضع في حسابنا االبتعاد عن طريق ) التعقيب ( اي اننا يجب ان ال نتعقب حركة الدول الصناعية الكبرى وبنفس الصيغ وبنفس االتجاهات واالساليب ولنفس الزمن المحدد من قبلها وصوال الى الهدف المؤثر ذلك ان اسلوب التعقيب اي االستنساخ التقليدي للحركة سيجعل فاصله التخلف قائمة اذا لم يزدها بيننا وبين الدول المتقدمة علينا اذن ان نسلك طريقا جديدا الن ثورتنا هي ثورة الطريق الجديد المقصود بثورة الطريق الجديد ليس هو ثورة الطريق المنعزل وانما ثورة الطريق المتميز والخاص والمتفاعل بقنوات افقية مع فكر وتجارب العالم عموما وما يقدمه العقل البشري من علم وتقنية ومع حضارات العالم كذلك ولذلك فانه ليس انعزاال ان نفتش عن طريق جديد في كل ما نعتقده ضروريا لحركتنا اذ بدون ذلك سنبقى متخلفين ولن نصل الى المستوى الذي يتيح لنا مكانا محددا فاعال في حركة السياسة وفي بناء مجتمع جديد او ان نتحول الى تابع يدور في فلك االخرين وتتحدد حركته ودوره ومستقبله بارادتهم وليس بارادتنا الذاتية وهذا مانرفضه رفضا مطلقا ...(


107 ذلك هو التحديد المنهجي االول الذي يقوم به صدام حسين التحديد المنهجي الثاني يتجه الى التخصيص في االقتصاد العراقي وتاشير الطابع الذي يميزه بشكل عام :) ان اقتصادنا اقتصاد وحيد الجانب حتى االن بمعنى ان موارد النفط هي التي تلعب الدور الحاسم في اقتصادنا في الوقت الذي تباع نسبة كبيرة منه حتى االن في االسواق الراسمالية التي تلعب فيها وتؤثر فيها المخططات الراسمالية المعبرة عن استراتيجية البلدان الراسمالية الكبرى مما يجعل النفط الخام وفي العوامل الرئيسيه المؤثرة على مبيعاته محكوما بتقلبات السوق الراسمالية واستراتيجياتها وينعكس هذا تبعا لذلك باثار سلبية على مواردنا وبذلك يلحق ضررا بالتطبيق االشتراكي في مجتمعنا ...( التحديد المنهجي الثالث يتجه الى مزيد من التخصيص مع االشارة الى طبيعة العصر الذي نعيشه وعالقتها بطبيعة السمات االخرى لالقتصاد العراقي : ) اننا بلد زراعي ومثل هذه المقولة على اطالقها مقولة منحرفة يقصد بها ابقاء العراق بلدا متخلفا وابقاء البلدان النامية اسواقا للمواد االولية والتجارة للبلدان الراسمالية ..ان حركة العالم اليوم كما هو معلوم تجري في عصر يسمى عصر التقدم التقني والعلمي ومعلوم ان اي بلد مهما تطور في الزراعة فانه ال يمكنه امتالك حلقات التقدم العلمي والتقني الرئيسية ..استيعابا او تقديرا اذا مابقي اهتما مه مقتصرا على الزراعة على افتراض ان هذا ممكن ...( التحديد المنهجي الرابع يتجه الى تاشير الهدف الذي ينبغي ان يتوخاه النمو في االقتصاد العراقي . ان بلدنا يجب ان يكون بلدا صناعيا وزراعيا معا والصحيح ايضا هو انه اليجوز وليس ممكنا ان تزدهر الزراعة ازدهارا حقيقيا في بلدنا بدون ان يكون بلدا صناعيا ومتطورا في الحلقات الرئيسية للتطور الصناعي والتي تعكس قدرته الخاصة وصورة التقدم العلمي والتقني بوجه عام وكذلك فان قطرنا العراق اليمكن ان يكون بلدا صناعيا متطورا وقادرا على التطور في ميدان الصناعة من دون ان يكون هناك ربط محكم بين حلقات التطور الصناعي وبين االزدهار المطلوب للزراعة السباب معروفة ومعلومة ...( . وبعد هذه التحديدات المنهجية االربعة يجدر بنا ان نتساءل االن : اذا كان صحيحا ان العوامل االساسية التي تتحكم في التنمية – كعملية اقتصادية خاصة – هي ثالثة عوامل كما يتضح من كتابات الغالبية العظمى من رجال االقتصاد والسياسة واالدارة : قوة العمل ورأس المال بصوره المختلفة ثم مايمكن تسميته ) بالمعرفة( وتندرج تحتها االسس العلمية واالساليب التكنولوجية التي يستند اليها الفن االنتاجي ومناهج التنظيم فما هو التصور الذي يقدمه صدام حسين لهذه العوامل الثالثة فيما يختص بعملية التنمية االقتصادية في المجتمع العراقي على وجه التحديد ؟ 6 – العوامل االساسية للتنمية االقتصادية : يجب ان نشير في البداية الى ان عدد سكان العراق اليزيد اال قليال عن ثالثة عشر مليون نسمة وفي الحسابات التقليدية يبدو هذا العدد قليال بالقياس الى مجتمعات اخرى بعضها يبدأ عند حدوده الشرقية مثل ايران وبعضها االخر يبدأ عند حدوده الشمالية القربية مثل تركيا والنسبة المثوية لمستوى التراكم السكاني كل عام في 3و2 %فقط .


108 غير ان صدام حسين ينظر الى المسألة بشكل اخر نظرة تتصل بامكانيات التطوير ) الكيفي ( او ) النوعي ( للبشر بحيث يستطيع القليل المتطور كيفيا ان يعادل الكثير الذي قد ال يكون احيانا سوى ) كم ( غير متطور ويزيد عليه ونظرته في ذلك تصدر عن منطلقين : احدهما اقتصادي واالخر عسكري انه يقول : ) قد يرى البعض ان النسبة في زيادة عدد السكان والبالغة 3و2 %يجب ان ال تزيد بل ربما يجب ان تنخفض فيما نرى نحن وجوب المحافظة على هذه النسبة واذا كانت هناك امكانية لزيادتها فيجب ان تزيد ..فالقطر العراقي ذو امكانيات اقتصادية كبيرة وهو يقع في الطرف الشرقي من الوطن العربي وتحده دولتان اكثر منه سكانا مما يقتضي ان يكون الثقل السكاني فيه كافيا للدفاع الذاتي عن النفس وعن مصالح االمة العربية من هذا المكان وفي هذا المكان فالبلد الذي يتحمل مسؤليات كهذه وطنية وقومية يجب ان يتطور فيه االنسان بحيث تصبح ماليينه هذه تعادل ثقال اكبر بكثير من ثقل الشعوب المجاورة للعدد المماثل ..(. البد من القول هنا الى ان الكم وحده ليس هو العنصر الحاسم – وربما ال يكون العنصر االساس – في عمليات النمو االقتصادي داخل المجتمعات ولنضرب مثاال واحدا ففي معظم االقطار العربية ومصر في مقدمتها يعمل نحو ثلثي القوة العاملة في الزراعة بينما نجد ان النسبة في هولندا تتراوح بين 9 - %10 %من القوة العاملة وفي السويد التزيد على 6%من القوة العاملة اما في الواليات المتحدة فهي تتراوح بين 3 %و 4 %من مجموع السكان الكلي اي ان نحو سبعة ماليين نسمة يقدمون الحاصالت الزراعية التي تكفي الطعام نحو مئتي مليون نسمة ويبقى بعد ذلك ) فائض الحاصالت الزراعية االمريكية( الذي يستخدم عادة كاداة في المساومات السياسية مع الدول الكبرى او في الضغوك السياسية واالقتصادية على الدول المستقلة حديثا في العالم النامي او المتخلف . واذا كان ذلك ينطبق على الزراعة فهو من باب اولى ينطبق على ميدان الصناعة وخصوصا في ظل التطورات النوعية في التكنولوجيا الحديثة بل ربما كانت احدى المشاكل المترتبة على استخدام اشكال متطورة من التكنولوجيا ال تتطلب اعدادا وفيرة من العاملين ليست هي نقص او ندرة القوى العاملة وانما على العكس البطالة السافرة او المقنعة كما حدث في بعض اقطار الوطن العربي نفسه كالجزائر التي اليزيد عدد سكانها عن عدد سكان العراق سوى ستة ماليين فقط مما يثير مشكالت اساسية فيما يتعلق بأساليب التطور الصناعي ومدى تناسبها مع حجم ونوع القوى العام لة وفي كل مجتمع ال حسب ظروفه وامكاناته االقتصادية والبشرية فحسب وانما ايضا حسب فلسفته السياسية واالجتماعية التي تحدد طبيعة النمو االقتصادي بداخله ومغزى االهداف التي يسعى اليها من خالل عملية النمو ونوعية الطبقات او الفئات او الشرائح االجتماعية المستفيدة منه باختصار التي تحدد مضمون ايديولوجيته . ان تاميم الثروات النفطية في العراق قد حقق من الموارد المالية الكبيرة المتزايدة عاما بعد عام مايشكل في الواقع العمود الفقري في ) التراكم الرأسمالي ( الذي يخصصه العراق لعملية التنمية االقتصادية بعد قيام ثورته وتنضاف اليه بطبيعة الحال هنا الموارد االخرى التي توفرها الموارد التقليدية الناجمة عن الزراعة والتجارة واالستغالل الوطني لبعض الثروات المعدنية االخرى .


109 فالثورة التي تسلمت ) خزائن خاوية ( في بداية عهدها ولم يصل دخلها الوطني الى اكثر من 896 مليون دينار في عام 1969 ازداد في عام 1972 الى 1218 مليون دينار قد بلغ في عام 79/1980 اكثر من 15 الف مليون دينار وينبغي ان يكتسب تاميم النفط لصالح الشعب العراقي طبقا لهذا المنظور .بعدا اخر وراء بعدية االخرين وهما : الخروج من دائرة النفوذ االجنبي االستعماري وتحقيق استقالل االرادة السياسية الوطنية وكسر التبعية البنيوية لالقتصاد العراقي للبنية االمبريالية العالمية . هذا البعد الثالث هو تجنيب العراق الدخول في ساقية القروض االجنبية المشروطة او الضاغطة على كل حال مهما كان مصدرها .على االرادة الوطنية في عملياته التنموية وهو االمر الذي من المتعذر – ان لم يكن من المستحيل – تجنبه بالنسبة للغالبية الساحقة من الدول المتخلفة او النامية وهو مايشكل في النهاية اقتصاديا وسياسيا حائطا مسدودا امام نموها وسقفا محدودا امام افاق تطورها وتقدمها وما اكثر ما فشلت تجارب تنموية عديدة في العالم الثالث نتيجة اغرائها بالقروض السهلة في البداية ثم اغراقها في الديون بعد ذلك وهي السياسة التي تستخدمها االمبريالية كواحدة من اساليبها العديدة لوقف تطور البلدان النامية وشل تقدمها وابقائها في وهدة التخلف مربوطة بسالسل ال فكاك منها مع البنية االمبريالية العالية . بطبيعة الحال ال يمثل تراكم رأس المال من خالل عائدات النفط في حد ذاته خروجا تلقائيا من الدائرة الجهنمية للقروض االمبريالية والشركات متعددة الجنسية فمن المعروف ان كثيرا من الدول المصدرة للنفط وعلى راسها ) ايران ( في منطقة الشرق االوسط تعاني ازمة تراكم الديون الخارجية على اقتصادها وعجزا في ميزان مدفوعاتنها ذلك الن تراكم راس المال وحده قد يدفع بعض الدول التي تمتاز به الى االندفاع نحو مزيد من القروض الخارجية وهو االمر الذي حدث بالنسبة لعديد من الدول النفطية العربية نفسها بعد االرتفاع المفاجئ في اسعار النفط عام 1973 ان المسألة في النهاية تتعلق – مرة اخرى – بالفلسفة السياسية للسلطة ومدى تمثيلها للطبقات والفئات والشرائح االجتماعية الفقيرة والكادحة في مجتمعها التي ينبغي ان توجه لصالحها العملية التنموية في المجتمع . ان العراق نفسه مثال معبر عن هذا المعنى فمنذ تسلمت سلطته ثورة تموز في 1968 وحتى االن لم تكتشف بداخله مصادر جديدة للثروة ومع ذلك فان التطورات الضخمة التي حدثت في السنوات العشر الماضية تكشف عن المغزى الحقيقي لقيادة ترتبط بشعبها والداللة الواقعية العملية الحسا س شعب من الشعوب بانه يعمل لنفسه ال لقلة من الفئات الرجعية المستغلة وانه يصنع الرخاء المادي لحاضر ابنائه واجياله المقبلة . في عام 1979 كان صدام حسين جالسا في مكتبه وامامه وزير االعالم الموريتاني ) ولد ديدي ( وكان مبعوثا يومها من الجانب الرئيس الموريتاني ينصت اليه ..وهو يتحدث عن التجربة الثورية في العراق وانجازاتها في الميادين المختلفة.وبدأ على الوزير الموريتاني االقتناع المشوب باالعجاب الذي عبر عنه بقوله : ) انكم في الحكم منذ حوالي عشرة سنوات لم تكتشفوا منابع جديدة لتنمية اقتصادكم فالبترول والغاز والتمر كلها كانت موجودة ولكنكم استطعتم ان تنهضوا بالبالد من خالل حسن استغاللكم لها وغيرها من مصادر الثروة .) وهنا نظر صدام حسين بعيدا وكانه يسترجع ذكريات النضال الشاق في مسيرة الثورة على مدى االعوام العشرة الماضية وقال له .


110 ) في صيف عام 1969 ذهب وفد كبير الى امارات الخليج ليقترض منها خمسة ماليين دوالر ...) وفي عام 1970 كنت ازور االتحاد السوفيتي وكان مطلوبا منا في تلك السنة ان نسدد مبلغ 17 مليون دينار .دين لالتحاد السوفيتي بذمتنا عن اقيام سالح .رجوتهم ان يدور المبلغ على السنة التالية ولكنهم رفضوا عندها قلت لهم )) انني بعد ان اعود سأعمل على تسديد الدين حتى لو اضطريت لبيع ) جاكيتتي (( وفعال سددنا المبلغ .. ) وفي عام 1978 طلب االتحاد السوفيتي منا نفطا بقيمة 150 مليون دوالر على ان اليدفع المبلغ في نفس السنة وانما في السنة التالية فقلنا لهم فورا نعم ..( ثم تعود نظرته من بعيد وتتركز على وجه محدثه ويتابع قائال : ) هذا يؤكد قولك انه لم تكن هنالك منبع جديدة ولكن اذا كانت هناك قيادة مقتدرة وشعب يعمل فباالمكان قطع اشواط كبيرة نحو االمام ...( ان عامل راس المال اصبح يبعا لذلك يحتل مرتبة ثانوية وتقدمت عليه بالنسبة لظروف العراق عوامل اخرى فما هي هذه العوامل ؟ ام صدام حسين نفسه يلخصها فيما يلي : العامل االساس هو قدرة استيعاب اجهزة التطبيق االشتراكي للخطوة في المكان والزمان اذ يجب ان يتوازن التوسع االفقي في ميادين الصناعة والزراعة والخدمات مع قدرة الشعب واالجهزة المختصة على االستيعاب لنأدية المهام بشكل جيد ومتطور. العامل الثاني هو طبيعة المرحلة الراهنة وهي تدخل في قضيتين اساسيتين : 1 -الخصوصية الوطنية أي المجتمع الذي تسلمته ثورة تموز – يوليو وطبيعة العالقات السائدة فيه وانتشارها على نطاق واسع بين افراد الشعب ) فنحن لم نتسلم مجتمعا تملك فيه القلة الضئيلة بينما القسم االكبر ممنه معدوم الملكية كما هو الحال في مجتمع االتحاد السوفيتي مثال عندما قامت ثورة اكتوبر – تشرين االول 1917 وانما تسلمنا مجتمعا تقوده الرجعية ومواقعها المؤثرة في الملكية وتتداخل فيه الملكية بين مراكز الملكية والتاثير الراسماليين الكبيرة وبين قطاعات واسعة من الشعب القسم االكبر منهم وطنيون وقسم منهم ثوريون (. 2 -تاثير السياسة الدولية وطبيعة حركتها االقتصادية في عموم العالم وفي منطقة الشرق االوسط التي تشكل جزءا منها وازدياد تاثيراتها الدعائية وتجاوزها الحدودبسبب تقدم التقنية ووسائل الدعاية المضادة ) ولهذا يتوجب علينا ان نكيف صيغ التوسع االفقي في تطبيق االشتراكية بضوء هذه االعتبارات (. ومن هنا لم يعد العامل المركزي في التوسع االفقي لميادين الصناعة والزراعة والخدمات هو ) انتظار تحقق التراكم الراسمالي المطلوب ( على حد تعبير صدام حسين نفسه ولكن تبقى المشكلة الجوهرية بعد ذلك كله وهي مشكلة ) المعرفة ( مشكلة االسس العلمية واالساليب التكنولوجية التي ينهض عليها البناء االنتاجي داخل المجتمع الحديث فما هو تصور صدام حسين البعاد هذه المشكلة بشكل عام وفي العراق بشكل خاص؟ وماهي الحلول التي يقترحها الستيعابها وتخطيها في النهاية؟ كان )) هومي بابا (( مؤسس مشروعات الطاقة الذرية الهندية يقول : ماتاريخ االنسانية سوى اضافات الى حضارات مصر واشور والهند والصين ...وهي اليوم بالد فقراء ...ذلك ان الغرب اضاف واستضاف ونقل استخدام النار وترويض الحيوان والزراعة والري والنسيج والفخار والسبك والكتابة والحساب والبارود والعديد من اوجه التكنولوجيا عن البالد التي نسميها اليوم متخلفة (


111 وما من شك في ان العالم الذري الهندي كان على حق تماما في ذلك القول ويكفي ان نذكر ان ثالثة مخترعات اساسية من تلك التي كانت عالمات على عصر النهضه االوربية الحديثة عرفها العالم القديم قبل اوربا بقرون عديدة فالصين كانت قد اكتشفت ) البارود ( قبل اوربا ولكنها استخدمته في االلعاب النارية وليس في صنع المدافع وكذلك الشأن بالنسبة ) للمطبعة ( التي كان يستغلها اهل الصين القديمة في طباعة اوراق اللعب اما ) البوصلة ( فلقد عرفها العرب قبل ان يعرفها االوربيين بزمان طويل . ومع ذلك فان اوربا استطاعت ان تقوم باول ثورة تكنولوجية ضخمة في التاريخ الحديث وهي الثورة الصناعية في النصف الثاني من القرن الثامن عشر .والتي كان جوهرها احالل اآللة محل الجهد االنساني العضلي على مجموعة من االختراعات البسيطة في حد ذاتها او التي كان اكثرها معروفا من قبل في مجتمعات اخرى .اما الذي مكنها من ذلك فهو طبيعة بنياتها االقتصادية واالجتماعية والحضارية في ذلك الوقت حيث كانت الراسمالية التجارية المهيمنة على امبراطورية استعمارية واسعة في غرب اوربا وانجلترا بالتحديد تملك الدافع على زيادة االنتاج ,وراس المال الالزم لتمويل التوسع فيه ومن هنا وجدت افكار المخترعين سبيلها الى التطبيق الصناعي ومع كل خطوة كانت تتحقق وقفت تلك البنيات االجتماعية من ورائها ودفعتها من خالل البحوث وتشجيع العلم وتاسيس الجامعات واحتضان العلماء خطوات اخرى الى االمام ومع كل مرحلة جديدة في تطور تلك البنيات كانت التكنولوجيا تتطور ايضا وتتحول الى سالح من اخطر االسلحة في وقتنا الراهن تستحوذ عليه وتستغله دائما الراسماليات العالمية االحتكارية بل لقد تحول هذا السالح في يدها بعد ثورات الشعوب الجديدة بعد الحرب العالمية الثانية وسقوط االمبراطوريات االستعمارية التقليدية القديمة الى ) حصان طروادة ( من نوع اخر يتسلل من خالله الى قلب الشعوب المتحررة المستقلة حديثا ) االستعمار الجديد ( . ولقد مر تقسيم العمل الدولي حتى االن في ثالث مراحل كانت العالقة بين الراسمالية العالمية االستعمارية ) الكواونيالية ( في المرحلة االولى وبين البلدان المستعمرة تخضع لتقسيم للعمل يجعل من البلدان المستعمرة بلدانا زراعية فقط بينما تستأثر البلدان االستعمارية بالصناعة وحدها في المرحلة الثانية حين تحولت النظم االستعمارية الى امبريالية مهيمنة جرى تعديل في قسمة العمل حيث اصبحت الدول االمبريالية تصدر رأس المال اساسا – مع احتفاظها بالطبع بتصدير بعض المنتوجات الصناعية – وبات من الممكن للراسماليات التابعة في البلدان المستعمرة او شبه المستعمرة ان تمارس توظيف بعض اموالها في صناعات هي استهالكية بالضرورة وال تتعلق بتصنيع وسائل االنتاج . اما في المرحلة الثالثة فلقد جرى تعديل اخر وان يكن جزئيا مع تطور االمبريالية نفسها الى راسمالية الدولة االحتكارية ومع مايسمى بالثورة العلمية الثالثة – ثورة العقول االلكترونية والسيبرنطيقا واالوتوميشن – بحيث تنفرد هذه البلدان االمبريالية بصناعات تصل فيها انتاجية العمل الى مستوى عال جدا وتستند الى ذلك التطور الهائل في العلم والتكنيك وسيسمح هذا التطور الجديد بان تدخل الصناعة في بعض الدول ذات الراسماليات التابعة نفسها – مرحلة التصنيع الثقيل – اي انتاج وسائل االنتاج – جزئيا بالتاكيد وفي اطار محكوم كما وكيفما بالت بعية للبنية االمبريالية العالمية وفي نفس الوقت .


112 ولكن ماعسى ان يكون موقفها من الدول واالقطار التي كسرت سالسل التبعية وتريد ان تبني حياتها الجديدة على االسس الضرورية وهي العلم والتكنولوجيا ؟ يقول صدام حسين : ) ان الدول الصناعية ومنها الصناعية الكبرى باتت االن مقتنعة حسبما اتصور بان اقامة سورصيني بين مالديها من امكانات وخبرات علمية وتقنية وبين دول العالم الثالث او الدول متوسطة الحجم حتى وان كان بعضها يخرج عن ) خانة ( بلدان العالم الثالث ,مسألة غير ممكنة وعلى ذلك فانها حسب تصوري سوف تلجأ في جملة ماتلجأ اليه من االمور الى مايلي : اوال – الهاء بلدان العالم الثالث ببعض جوانب المسألة الصناعية كي تبقى الفاصلة بينها وبين هذه البلدان بنفس حجمها وصيغتها الحاليين او تعوق التقدم لردم هذه الفاصلة بينها وبين بلدان العالم الثالث وتبقى الحركة بهذا االتجاه بطيئة ويتم هذا االلهاء بطرق شتى... منها تأخير الوصول في الزمن المحدد عن طريق تعطيل فعل العمل في االنجاز او عن طريق الخوض في مفاصل او ميادين صناعية ليست لها اسبقية في المنظور الصحيح لما يجب ان يكون عليه العمل ومنها الدخول في استثمارات فاشلة لتعطيل رأس المال ومنعه من ان يستثمر بالشكل الصحيح وضمن اسبقياته الصحيحة ومنها استخدام الفنيين والهاؤهم في الحركة والمكان اي استخدامهم في ميدان فاشل او ميدان ليس له هنا اسبقية اولى او اشغال حجم او عدد كبير من الفنيين في اكثر مما يستحق النشاط المعين الى غير ذلك من االمور . ثانيا – اعتماد صيغة التخصص االحتكاري او احتكار المتخصص اذ لم يعد بامكانهم احتكار العلم والتقنية في كل الميادين بسبب طبيعة السياسة الدولية االن لذا فانهم البد ان يلجأوا الى مايسمى االحتكار المتخصص او التخصص االحتكاري اي التخصص في االمور المعقدة والتي اليجوز – من وجهة نظرهم – لدول العالم الثالث ان تتعامل معها ...والتخلي – بالمقابل – عن الصناعات البسيطة او صناعات محددة تحديدا دقيقا اليتناقض تسربها مع غايات االحتكار المتخصص وذلك العتبارين : االول : هو تلوث البيئة في البلدان الصناعية وادراكهم انه البد من نقل بعض الصناعات التي باتت تسبب لهم مساوئ خطيرة الى ميادين اخرى وبتخطيط مرسوم وهم في الميدان ال يستبعدون امكانية تحولهم الى مستوردين وفق اتفاقيات خاصة او وفق السياق الذي يرسمونه ويؤثرون به في اتجاهات الحركة االقتصادية لتلك البلدان وتحديد مساراتها . الثاني : ان التخصص االحتكاري واستمرار التميز انما يتطلب التخلص من بعض الصناعات التي تستلزم حجما كبيرا من استخدام االيدي العاملة والتي بات الغرب بشكل خاص يحس بالضيق تجاه امكانية توفيرها او ان تلك الدول صارت تدرك انه من غير الممكن ان تحتكر كل ميادين وفروع الصناعة والتكنيك مما يتطلب التخصص ومن خالل تطبيق اسلوب احتكار التخصص في ميادين محددة تعتمد هذه الدول صيغا من التفاهم فيما بينها تجعل تسرب حلقات التطور الرئيسية في هذه الميادين امرا غير ممكن مما يحرم دوال كثيرة في العالم ومنها بلدان العالم الثالث من قدرة استقراء مستقبل مثل هذه الصناعات على نحو صحيح وتجعل نقل العلم والتكنولوجيا اليها عملية غير ممكنة او عملية باهظة الثمن (. اذن كيف يكون التعامل مع العلم والتكنولوجيا وفي ميدان مهم منها مهو الصناعة على ضوء هذه االعتبارات كلها في نظر صدام حسين ؟


113 في البداية يحذر من اتباع طريق ) التعقيب ( اي تعقب حركة الدول الصناعية الكبرى واقتفاء اثار خطواتها وتبني مناهجها واساليبها واتجاهاتها ذلك ان محاولة تعقب اثار تلك الخطى او مايسميه هو ) االستنساخ التقليدي للحركة ( لن يقودنا الى تخطي تخلفنا بل ) سيجعل فاصلة التخلف قائمة اذا لم يزدها اتساعا بيننا وبين الدول المتقدمة (. ينبغي ان نلتفت هنا الى ان صدام حسين يخالف في رؤيته تلك كثيرا من رؤى معظم الذين يقودون مايسمى بعمليات ) التحديث ( في العالم النامي ومن بينه بعض اقطارنا العربية نفسها فالمنطق الذي يحكمهم هو اعتبار ) التحديث ( مرادفا ) للتقدم ( واعتبار التقدم مرادفا ) للغرب ( اذن فال بد من الوصول الى المستوى الذي بلغه الغرب حيث يتحقق ) النموذج االمثل ( ولكن كيف ؟ باحتذاء الطريق الذي سلكه الغرب نفسه والبد ان نستنتج هنا ان ثمة فرضا ضمنيا يقوم عليه هذا المنطق وهو امكانية ) تكرار ( تجربة التراكم الراسمالي التي وصل من خاللها الغرب الى ماوصل اليه من تقدم سواء تم هذا التكرار عن طريق الراسمالية الليبرالية او عن طريق راسمالية الدولة ومعنى ذلك ان المجتمعات النامية متخلفة اليوم لنفس السبب الذي كانت من اجله المجتمعات المتقدمة متخلفة منذ قرنين او ثالثة قرون ماضية ويكتسب مفهوم التخلف بهذا المعنى مضمونه كما تتصوره قيادات تلك الدول واالقطار والبنى االجتماعية التي تمثلها : انه مجرد تخلف في الزمن يمكن تخطيه عن طريق استيراد احدث ما وصل اليه الغرب نفسه االن من منجزات التكنولوجيا . ان واحدا من ابرز المفكرين واالقتصاديين العرب يقول لنا : ) ان منجزات التكنولوجيا في الغرب ثمرة عملية تطور حضاري طويلة نسبيا كما ان استيراد بعض تلك المنجزات اليمكن ان يولد في المجتمع عملية التطور ذاتها فاستيراد محطة ارضية لالتصال بقمر صناعي اليدخل البلد المستورد ) عصر الفضاء ( .وبناء محطات نووية لتوليد الكهرباء لن يفضي في افضل االحوال اال الى تدريب بعض االفراد على معدات تم تصنيعها بالكامل في الخارج والبد في تشغيلها وصيانتها من االعتماد على الخبرة االجنبية واالرجح ان يلحق احسن اولئك االفراد بجيش االدمغة النازحة وتبقى المحطة بعد ذلك جسما غريبا في المجتمع كله يمكن ان تتوقف لو تلف فيها مسمار حتى يتم استيراده وهي بعدما تكاد يبدأ العمل حتى يكتشف من دفعوا فيها باهظ الثمن انها اصبحت متخلفة تكنولوجيا ( صدام حسين يقدم رؤية مختلفة ومتميزة واصيلة تعتمد هذه الرؤية على ثالثة عناصر اساسية : االول هو : -) ان نعد انفسنا الن نتعامل مع التقنية والعلم ونستوعبها بشكل جيد ولذلك البد ان نهتم بمراكز البحوث والبد من االهتمام باعداد الكادر وال بد من االهتمام باخر مبتكرات العلم والتنلوجيا اطالعا ودراسة ..فلكي نصبح دولة متطورة صناعيا بالموقع والصيغ التي تنسجم مع اهدافنا علينا ان نتقن التعامل مع العلم والتنولوجيا كما ابتدعها االخرون في المرحلة االولى من عملنا ( . وفي هذا المضمار يجب ان نتذكر ان البحوث العلمية في عصرنا الراهن اصبحت استثمارا من ارفع واجدى ضروب االستثمار من ارفع واجدى ضروب االستثمار فأي تنمية حقيقية تبدأ مراحلها العلمية من نقطة اساسية هي البحث العلمي ثم البحث التطبيقي ثم تنتهي الى مرحلة االنتاج االقتصادي ومن ثم فأن عملية البحث هي في حد ذاتها جزء ال يتجزأ من عملية التنمية ذاتها ولقد ازداد االرتباط العضوي في هذا العصر بين عملية البحث العلمي وعمليات االنتاج االقتصادي ولعل اشتداد هذه الرابطة وما احدثته من عمق التفاعل بين


114 البحث النظري والتطبيق العملي .قد اسهم بالنصيب االوفر في التقدم الذي يتخذ شكل طفرات او انفجرات في البحوث النظرية وتطبيقاتها االقتصادية على السواء بل ان االنفاق على البحوث العلمية يمثل في هذا العصر واحدا من المعايير االساسية في قياس درجة تقدم اي مجتمع وربما في قياس مدى جديته في تخطي تخلفه ولئن كان االتجاه السائد في كثير من الدول النامية هو استيراد المصانع والمبتكرات التكنولوجية من الدول المتقدمة والقناعة بان هذا االستيراد هو التطبيق االمثل لفكرة اللحاق بالعصر فان التجارب قد اثبتت ان هذا المنهج اليؤدي الى تقدم حقيقي واليلحق اصحابه بموكب العصر كأعضاء اساسيين او منتسبين طالما انه التوجد لديهم القاعدة الثابتة والمتطورة من العلميين الذين يمثلون العنصر الديناميكي في عملية التطور والتنمية .العلم اذن هو المعيار بل هو االساس والحضارة الجديدة هي علم في االساس وبدون العلم ال مكان المة – مهما كان ماضيها عظيما ومثيرا – في خريطة المستقبل .وبقدر اسهامها في نمو المعرفة العلمية والحضارة العلمية سوف تكون المساحة التي تشغلها في حضارة العصر الجديد ..فالقوة التي تحكم عالم اليوم هي في صميمها قوة حضارية اي قوة علمية وعلى حد قول ) سرفان شريبير ( فان فيالق الجيوش والمواد االولية ورؤوس االموال لم تعد دالئل على القوة وال هي ادواتها وحتى المصانع لم تعد سوى عالمة خارجية على هذه القوة ان القوة العصرية هي المقدرة على االختراع اي على البحث والقدرة على تحويل االختراعات الى منتجات اي التكنولوجيا والمناجم التي يجب االستخراج منها لم تعد في االرض وال في عدد السكان وال في االالت انها في الفكر وبتحديد أدق في استعداد البشر للتفكير والخلق ( . الثاني : تكييف التكنولوجيا وطنيا وتكييف اتجاهات استخدام العلم فاليجب ان ناخذ كل مبتكرات العلم والتكنولوجيا ونضعها في االستخدام كما هي انما نكيفها او نكيف البعض منها بضوء اهدافنا وظروفنا السياسية واالجتماعية واالقتصادية(. والبد من القول هنا ان مسألة تكييف التكنولوجيا وطنيا هي من اهم المسائل التي شغلت وتشغل بال المفكرين االقتصاديين التقدميين في البلدان النامية بل وحتى في البلدان الغربية نفسها ان المفهوم الصحيح للتكنولوجيا نفسها في نظر هؤالء المفكرين هو : ) تطبيق مجتمع محدد للعلوم بحثا عن حلول لمشكالت محددة يواجهها معتمدا على االمكانات المتاحة له مستلهما القيم الحضارية التي يؤمن بها ( ذلك الن اي اختراع يهتدي اليه االنسان كما جرى في الماضي يمكن ان يظل مجرد موضوع للتامل وال يؤثر في االنتاج مطلقا ان لم يكن يقدم حال لمشكلة واقعية يواجهها المجتمع بالفعل ويدرك اهميتها ويطمح الى السيطرة عليها ان كل انجاز من انجازات التكنولوجيا هو ظاهرة اجتماعية ويتسم بسمات المجتمع الذي انجزه او على حد تعبير البعض ) يحمل رمزه الوراثي ( ولذلك فان فاعليته تقترن بتوافر البيئة التي نشأ فيها وتتدهور اذا غاب ت معالم هذه البيئة والعكس صحيح ايضا فان التكنولوجيا المستوردة كثيرا ماتسبه عملية زرع االعضاء في جسم غريب اذا لم تتوفر لها نفس بيئتها وليس من المستغرب اذن ان تواجه بعض المجتمعات هذه التكنولوجيا المستوردة – غير المتكيفة وطنيا وبيئيا – كما يواجه الجسم االعضاء الغريبة اي بالرفض .ان التنمية اليمكن ان تفيد معنى التقليد او االستنساخ لحضارة الغرب ونفي الشخصية الحضارية لكل شعب فليس اهم مايميز االنسان هو القدرة على التقليد والمحاكاة ان اهم مايميزه هو القدرة على االبداع والخلق ومن ثم فان ) التحديث ( الذي فهمه معظم قادة الدول النامية واكدت ذلك الفهم تجاربهم التي فشلت – وربما كان محتما عليها ان تفشل –


115 على انه القدرة على استخدام ما ينتجه االخرون يفهمه صدام حسين بمعنى مغاير بل لنقل مناقض وهو قدرة المجتمع ككل على التجدد وبناء التجديد في حياته دون اي انقطاع حضاري في شخصيته او قطع مع تاريخه . الثالث : هو التصنيع اي ان نصنع نحن بطريقنا الخاص وبما يتالئم واهدافنا الوطنية وطموحنا القومي فال نمتنع عن تصنيع كل ما يمكننا شراؤه وال نصنع كل ما يمكننا تصنيعه في الحسابات الفنية واالقتصادية المباشره والمعزولة عن التصور االستراتيجي االشمل ومن الخطأ ان نقع بمثل هذا التصور وان نتصور ان كل ما بامكاننا شراؤه يجب ان ال ندخله في خططنا التصنيعية او نتصور ان كل شئ نحتاج الى استخدامه يجب ان ندخله في ميدان التصنيع هذا خطأ كما ان هنالك خطأ اخر مهلكا ايضا وهو ان يتصور البعض بأن مجرد حساب امكانياتنا المالية وحساب حجم ونوع البشر المتوفر لدينا يهيئ لنا مستلزمات القرار الصحيح الختيار ميدان ونوع الصناعة المطلوب دخولها .ان مثل هذه الحسابات قاصرة وذات فهم اقتصادي وفني قاصر ومبستر للمسألة فيجب ان الندخل ميدان التصنيع بحسابات كهذه الن دخول ميدان التصنيع بمثل هذا الفهم الخاطئ يجعلنا نقع في شباك النقطة المركزية االولى وهي الهاؤها في ميادين محددة دون الذهاب الى المفاصل المركزية الحيوية التي من شأنها ان تغير مجتمعنا وتجعل اهدافنا ضمن امكانية التحقق لحساباتنا السياسية الوطنية والقومية التي نطمح اليها . صدام حسين يطرح هنا كامل قضية اساسية في العملية التنموية هي استراتيجية التنمية وعالقتها باالستراتيجية العامة للمجتمع ككل ..ان رفضه االول لمفهوم التعقيب او مايسميه باالستنساخ لتجربة العالم الغربي لم يكن مجرد ادراك الستحالته او النه يمكن ان يؤدي الى نتيجة مناقصة تماما لما يتصوره االخذون به اي الى مزيد من التخلف وانما كان رفضه – الى جانب ذلك – النه يتصور استراتيجية ) مغايرة( لمجتمعه ولوطنه الكبير وهو من اجل الوصول الى تلك االهداف االستراتيجية يطالب بتقبل حتى فكرة ) النفقات الضائعة ( او ) مايسمى في الحسابات المباشرة والحسابات التجارية او االقتصادية المبتسرة المعزولة عن اصل التصور المركزي الن تقبل فكرة هذه النفقات الضائعة والى وقت مفيد ) الكتساب الخبرة الالزمة في الميادين التي نطرقها من اجل ان تصبح النفقات المستخدمة فيما بعد غير ضائعة ( ام كل خطوة على طريق التصنيع يجب ان ترتبط عنده بالهدف او االهداف – او بتعبير ادق – بالرؤية االستراتيجية المتكاملة الفق تطور المجتمع العراقي في ارتباطه بافاق تطور الوطن العربي ككل .اننا نضرب هنا مثلين لهما داللتهما البالغة على طريقة تفكيره .. االول : يتعلق بقضية بناء قاعدة للتصنيع الثقيل داخل العراق )) فالفنيون عندما يبحثون هذا الموضوع ينظرون الى حاجة العراق الى التصنيع الثقيل وحسب والى امكانات العراق وياخذون المؤشرات المرتبطة بهذه النظرة فيضعون الخطة لهذا العمل ويرسمون الخطوة المركزية االولى على اساس هذا التقدير فيقعون في الخطأ ايضأ ( اذن كيف يفكر هو في االمر ؟ يقول : ) اما العقل السياسي فالبد عند بحثه لبناء قاعدة للتصنيع الثقيل في هذا القطر ان يضع في الحساب حاجة االمة بضوء مستقبلها وتطور السياسة الدولية وبضوء تطور وصلة المكان والزمان والحركة االجتماعية بين هذا القطر وبين اقطار الوطن العربي فعندما نبحث مسألة التصنيع يجب ان ندرس بعمق التطور المحتمل في االقطار العربية اجتماعيا


116 واقتصاديا وعسكريا اي ان ندرس التطور المحتمل واتجاهاته ومنعكسات ذلك على الدور الذي يمكن ان يلعبه العراق في بناء مثل هذه القاعدة ضمن التفكير القومي (. المثل الثاني : يتعلق بقضية تصنيع السالح والتجهيزات العسكرية هل في امكان العراق ان يذهب في تصنيع السالح الى حد تغطية كل ما يمكن ان يحتاج اليه ؟ يقول صدام حسين : ) لالجابة الصحيحة على مثل هذا التساؤل يجب ان ندخل في حسابنا نقطة مركزية اساسية : هي ان الدول العدوة او الخصم االن وفي المستقبل والى وقت طويل سوف تكون حليفة او صديقة للواليات المتحدة االمريكية اذن فان الحلقات المركزية في تسليحنا يجب ان تكون متوازية مع الحلقات المركزية المتصورة لتطور العلم والتكنولوجيا العسكرييين في الواليات المتحدة االمريكية ومن هنا فنحن غير قادرين في مدى تلك المدة ان نصنع كل مايتطلبه جيشنا ونستغني عن االرتباط في حلقات معينة مع الدول التي تعتبر هي مصدر التسليح المركزي لجيشنا الن الدول التي ستظل تحاربنا كواقع قائم االن او كاحتمال للمستقبل المنظور هي دول صديقة او حليفة تقاتل بالنيابة عن االمريكان في هذه المنطقة (. ولكن هل يعني هذا الكف عن التفكير في التصنيع العسكري او الدخول فيه حتى بصيغة ) النفقات الضائعة ( او غير الضائعة ؟صدام حسين يجيب هنا بحسم : ) ال ( ألن هذا يعني اننا سوف نقبل النمط الحالي من صيغ وحجم ونوع التعامل الى ماالنهاية رغم ان الدول التي تزودنا بالسالح هي دول صديقة الن هذه الدول اليفترض انها تتفق معنا في كل االهداف التي نريدها ..فالن حدود افكارنا واهدافنا ليست محصورة ضمن العراق وانما تتعداه الى الوطن العربي فاننا يجب ان نعد انفسنا في تصنيع السالح بما يتناسب وهذا التصور ومستلزماته والذي قد يتعارض او ال يلتقي في كل او في بعض جوانبه مع استراتيجية دول مصدر السالح في زمان ومكان ما (. تلك هي المفاهيم االساسية العامة التي تطرحها ايديولوجيته في تطبيقها على ميدان محدد هنا هو عمليت التنمية االقتصادية في المجتمع العراقي وذلك هو – فيما نعتمد – منهج النظر الذي يتبناه لمعالجتها واسلوب التفكير الذي يستخدمه في التعامل معها . لم يكن غريبا اذن ان نبدأ استعراض هذا الجانب من جوانب فكرة بتلك العبارات التي تحدث فيها ) شريبير ( عن انه ) ال نمو بالنسبة للمجتمعات وبالنسبة للبشر بغير تحد ( ذلك الن سمة اساسية من سمات تفكير صدام حسين في هذا الميدان – وربما في كل الميادين االخرى – هي االقتحام وليس مجرد التحدي . غير ان االقتحام هنا اليعني بحال من االحوال معنى المغامرة وانما يعني اوال وقبل اي معنى اخر التتويج االستراتيجي للتحليل العقلي المتوازن الذي يمارسه قائد سياسي يدرك بشمول وينهج بتكامل . فهو ايضا علمته تجربة حياته ونضاله ان التقدم معركة كما ان الحياة معركة ومتى كان تاريخ المجتمعات البشرية مختلفا حقا عن التاريخ العسكري ؟. 7 -دور الحزب فوق دور التكنوقراط عندما نصل الى هذه النقطة في رحلتنا مع افكار صدام حسين البد ان نطرح مجموعة من االسئلة التي تنطوي على غير قليل من االهمية سواء من الناحية النظرية الخالصة او من الناحية العملية التطبيقية وهي :


117 هل يمكن ان تؤدي هذه التنمية االقتصادية بالمنهج وبالصيغة وباالسلوب الذي تحدث به عنها الى بناء االشتراكية ؟ وماهي ضمانات عدم تحولها الى مجرد راسمالية دولة مثلما حدث في كثير من تجارب العالم النامي االخرى والتي كانت ترفع ايضا شعارات االشتراكية ؟ واذا كنا قد استعرضنا – فيما سبق من صفحات – افكار ) القائد ( حول تصوراته وصياغته للعملية التنموية واتجاهات تطبيقها في العراق فما هو في رايه دور الجماهير العراقية نفسها ؟ وفيم يتمثل هذا الدور ؟ وماهي ضمانات استمراره ال من جانب الجماهير فحسب وانما من جانب القيادات نفسها التي قد يغريها النجاح في ) موقعه ( او في ) معركة ( فتتصور انها كسبت ) الحرب ( كلها وتيتخف بالتالي بدور الجماهير او قد تيتغني عنها نهائيا ؟ سيقول لنا صدام حسين في البداية : كل تنمية خطوة على طريق بناء االشتراكية او خطوة االشتراكية في اي بلد او في اي نظام .فالتنمية وجدت في اوربا وفي الواليات المتحدة االمريكية واليابان وفي بلدان اخرى ولم تصنع االشتراكية والنشاطات التي تولتها الدولة هناك ماهي اال نمط من انماط راسمالية الدولة النها جزء من البناء االجتماعي الراسمالي االجمالي .والدولة وسلطاتها في مثل هذه النشاطات انما تتولى وظائف المحافظة على النظام الراسمالي فيها ( ..ولكن من جانب اخر ))..اليمكن تصور بناء نظام اشتراكي مزدهر قادر على ان يكون نموذجا في هذه المنطقة التي نحن جزء منها وقادر على تحقيق الرفاه المتزايد للشعب وتوفير مستلزمات الدفاع عن نفسه ومبادئه بدون تنمية كما ان التنمية في بلدنا اليمكن اال ان ترتبط ارتباطا وثيقا بالمنطلقات االشتراكية للنظام وبرامجه المركزية بهذا االتجاه وتهعبر عنها تعبيرا دقيقا وصميميا لذلك فان النظرة لها تاخذ لون ونوع النظرة الى المنطلقات المبدئية لحزبنا في الميدان االجتماعي واالقتصادي (. اذن ففي رايه انه ليست كل تنمية خطوة على طريق االشتراكية فقد تنتهي التنمية الى راسمالية الدولة ان لم تنته الى الراسمالية الصريحة اما في العراق فالتنمية مرتبطة بالمنطلقات المبدئيه للحزب والمنطلقات االشتراكية للنظام وهنا يدخل عنصر جديد في الموقف هو : دور الحزب والمقصود به الحزب الثوري الذي يحمل ايديولوجية اشتراكية يعتبرها من صميم مبادئه كما يدخل عنصر جديد اخر – وان كان يمثل وجها اخر للعنصر السابق – وهو : دور السلطة المتمثلة في النظام...وهو نظام يعبر عن ممارسة ايديولوجية الحزب في واقع محدد هو العراق ,الحزب , السلطة بايديولوجيتهما الواحدة يحوالن دون تحول االشتراكية الى راسمالية الدولة ويضمنان مواصلة المسيرة التنموية الى افاقها المرسومة نحو تحقيق االشتراكية . في اللقاء الذي جرى بين صدام حسين وفيدل كاسترو في صباح الخامس عشر من ديسمبر – كانون اول عام 1978 وحضره عدد من كبار المسؤولين في الثورة الكوبية دار حوار مهم بمكننا ان نستمع الى طرف منه فهو يفيدنا في تاكيد المعاني السابقة : كاسترو : كالمكم ) حكيم جدا ( عندما تقولون نربح الوقت الن الوقت يعمل لصالح الثورة فالعراق يمكنه ان يتقدم سياسيا واجتماعيا واقتصاديا وعسكريا لقد حقق االميون اول انتصار للجيش الكوبي ونحن االن نستدعي من المستو المتوسط للجيش لذلك فنحن االن مدربون ومهيئون اكثر ,عندهم كفاءة وامكانية افضل الستخدام االسلحة ...في حالة العراق


118 الوقت يعمل لصالحكم النكم تقومون بتطوير البلد بكامله .حشد الجماهير وهذا مالم يفعلوه في مصر . صدام حسين : لم يكن هناك حزب ثوري ولم يكن هناك غير عبد الناصر وقد كان ثائرا لكن عبد الناصر تختلف عن ظروفكم انتم بنيتم ثوارا قبل استالم السلطة وهو مالم يفعله ..نحن في العراق قمنا ببناء ثوار قبل استالم السلطة ..وقد اعطى الحزب تضحيات وقدم شهداء وعانى من السجن والتعذيب وكان البد من ذلك اليجاد ثوار يعرفون كيف يحافظون على الثورة وعلى جعلها في خدمة الشعب لذلك فنحن لسنا قلقين ان قلقنا ينصب على كيفية تطوير برنامجنا بشكل اسرع كيف نختار صيغ التطبيق االشتراكي ؟ كيف نقضي على االمية التي يعاني منها سدس الشعب في ثالث سنوات ؟....ان لدينا االن مليون وربع انسان ملتحقون بمراكز محو االمية بحماس . كاسترو : برغم الصعوبات نحن متفائلون . صدام حسين :اكيد واال لن نكون ثوريين .الشعب يعمل بارادة الخير ومهما كانت حسابات االمبرياليين فانهم لن يستطيعوا حساب قدرة الشعب بشكل دقيق انهم ليسوا اختصاصيين بالشعوب ان اختصاصهم في المخابرات .في الشر في االستغالل اما كيف يتصرف الشعب من اجل مصلحته فان التجربة علمتنا دائما انهم يخطئون الحساب ... لقد جرى هنا ايضا وفي هذا اللقاء مع واحد من اهم قادة التجارب االشتراكية ) ذات المنحى الماركسي ( في العالم تاكيد على دور السلطة الثورية والحزب الثوري وحشد الجماهير كما جرت فيه مقارنة سافرة بين التجربة الناصرية من جانب والتجربة الكوبية والعراقية من جانب اخر و لم يقل ال كاسترو وال صدام حسين .ان السبب في نهايتها الفاجعة هو اغفالها لبناء الحزب الثوري وحشد الجماهير قاال فقط ان عبد الناصر الثائر لم يبن ثوارا مثله قبل ان يتسلم السلطة وانه لم يبن حزبا ثوريا بعدما تسلم السلطة . ولكن صدام حسين سوف يقول في مكان اخر عبارات تحمل نفس المعاني التي نريد قولها االن : ) ان االفكار الغراض التطبيق والرسوخ وبناء التقاليد البد ان تعبرعن نفسها بصيغ عملية واذا ما بقيت نجرد كتاب فان العملية المضادة ستكون سهلة جدا فأي مغامر يتسلم مقاليد االمور با مكانه ان يعيد هذا الكتاب الى المكتبة لكي ينهي او يضعف التاثيرات المضادة ) ومع ذلك يمكن ان يظل السؤال قائما : اليس ن الممكن بالنسبة لحزب في السلطة ان تاخذه العزة بانتصاراته او الغرور بمنجزاته فتتراخى عضالته وتتصلب شرايينه ويتجمد الدم في عروقه ؟ تجارب كثيرة في العالم قادتها احزاب كانت تتوهج بالثورة قبل تسلمها السلطة وحتى في بداية ممارستها لها سرعان ما خمدت نيرانها وبردت ثوريتها وتحولت الى ) ارشيف ( يخرجه ) البيروقراطيون ( الجدد من ادراجهم لينظروا فيه كما ينظرون في ) البوم ( الذكريات القديمة او ليتحدثوا عنها في المناسبات الوطنية واالعياد الرسمية . صدام حسين واع تماما لهذه القضية وال يصدر وعيه بها من شبابه المتوقد فقط وانما من نضاله الشاق الذي خاضه في صفوف الحزب قبل ان يتسلم السلطة وعلى راس الحزب بعد ان تولى السلطة فهو لم يهبط على كرسي السلطة بثورة فوقية ولم يكن الحكم بالنسبة اليه هدفا في حد ذاته بل انه اكثر من مرة طلب ان يتراجع عن المواقع التنفيذية في سلطة الثورة وان يحتفظ فحسب بموقعه كمناضل في صفوف حزبنا .لم يكن طلبه ذاك بعد ان خلص الثورة من المتسللين اليها في 30 تموز 1968 الول مرة وال الخر مرة فقبل قيام الثورة نفسها


119 اثناء االعداد لها كان يقول لرفاقه في القيادة القطرية :عندما تقوم الثورة وتتسلم سلطتها ارجوكم ان تعتبروني عضوا عاديا في الحزب .وكانوا بالطبع يرفضون رجاءه ولم يكن ثمة مجال حينذاك على كل حال لتنفيذه ولكنه بعد ان خلص الثورة من المتسللين اليها في 30 تموز 1968 واطمأن الى ان حزبه وحده هو الذي يقبض على زمام السلطة في البالد .قال للرئيس احمد حسن البكر بعد ان اذاع بيان 30 تموز : االن اصبح من الممكن تنفيذ رجائي القديم .ولكن البكر ورفاقه في القيادة رفضوا رجاءه مرة اخرى باصرار اشد ولن يزايله هذا الرجاء بعد ذلك حتى بعد ان مرت عليه سنوات طويلة وهو يقود السفينة من موقع نائب رئيس مجلس قيادة الثورة سيظل يردده بين الحين واالخر حتى اصبح في لحظة لم يعد فيها مفر امامه من ان يكون لبمسؤول االول امام جماهيره وامام دول العالم عن دولة الثورة . ان المناضل الحزبي االصيل الينسى او يتناسى حزبه للحظة ان الدولة بالنسبة اليه هي جهاز ادارة الثورة ومن هنا ليس من الغريب ان يلح على رفاقه دائما بأن ينقلوا ) تقاليد الحزب الى الدولة ( ) نريكم ايها الرفاق وانتم تقودون السلطة ان تستعينوا بتقاليد الحزب كيما تكون عرفا ثابتا في عملكم اليومي وتكون هي تقاليد الدولة المتطورة حسب الحاجة العملية الستخداماتها ال تحاولوا استعارة تقاليد الدولة لتجعلوا منها بديال لتقاليد الحزب ..الن ثمة فرقا نوعيا كبيرا بين الدولة وبنائها السياسي والتنظيمي ..وبين الحزب وبنائه السياسي والتنظيمي رغم ان الدولة هي دولة الحزب واذا ماانعدم الفرق بين سلطة الدولة وبين الحزب فعندها سيغدو الحزب حزب السلطة بدال من ان تبقى السلطة سلطة الحزب وستنتهي خصوصيتنا كمناضلين مؤثرين في واقع المجتمع بقصد التغيير نوعيا الى امام او تضعف الى حد كبير فيتحول الحزب الى جهاز تقليدي من اجهزة الدولة فال تعود الدولة كيانا يحركه ويقوده ضمير وعقل الحزب دائما للتطور الى امام (. بل ان المناضل الحزبي االصيل الذي يعرف جيدا ان النقد والنقد الذاتي هما شهيق الحزب الثوري دائما وزفيره يؤكد لرفاقه في الحزب ولقاعدته في الدولة انه : ) يجب ان ال نتطير من االفكار النقدية المخلصة التي تقال في اجواء ديمقراطية ( فهل النقد لمجرد النقد واثبات ديمقراطية القيادة ؟ كال ) في الوقت نفسه يجب ان النترك االفكار الخاطئة او المنحرفة تمر دون ان نؤشر عليها ونعالجها بوعي وبحزم ذلك ان مواقع الردة انما تكمن في داخلنا ...اي داخل المجتمع العراقي ..وداخل اجهزة الدولة ومازالت هذه المواقع قوية النها موجودة فكريا وسيكولوجيا في كل قطاع من قطاعات الدولة ويعبر عنها احيانا بصيغ شتى حسب الظروف واالحوال ..( . احذروا الردة هذا مايقوله لهم دائما ال النه يشك في ان جماهيره تقبض على زمام سلطتها بيد من حديد وانما النه يعرف ان اعداء اي ثورة حقيقية وطموحة كثيرون في الخارج والداخل ومن هنا فانه يطالب رفاقه في كل لحظة بأن يتجنبوا الخدر ويتصوروا ان الباب موصد بشكل نهائي امام الردة ولذلك فان االمر يستوجب دائما في رايه تشديد الرقابة الفكرية العالية وتعميق الحصانة المبدئية ) فال يجب ان نبتعد عن دورنا في الرقابة في الحياة الداخلية للحزب والدولة وال نبتعد عن دورنا في تنشيط الرقابة الجماهيرية على اجهزة الدولة وحتى في الشعيرات الصغيرة التي لن تحتل فيها عناصر رجعية او يمينية مواقع معينة باتجاه مضاد وان نعمل بهمة التلين في تطهير اجهزة الدولة في المواقع والمفاصل الحيوية التي تحتل فيها العناصر اليمينية مواقع مؤثرة وان نسد فرص الصعود


120 بوجه العناصر المماثلة في الحزب وان نقوي ضوابط الحصانة التنظيمية والمبدئيه في الحياة الداخلية للحزب ...( غير ان للردة اقنعة عديدة ...واحدث اقنعتها استعارته من حاجة المجتمعات النامية المتخلفة الى التكنولوجيا والتحديث ان ثورات عديدة في العالم الثالث تراخت قبضتها شيئا فشيئا عن زمام السلطة الحقيقية وحلت مكانها ايدي البيروقراطيين والتكنوقراطيين ..التكنولوجيا تتحول الى اسرار خبيثة يحتفظ بها الكهنة الجدد النفسهم ويستخدمونها عند الحاجة وتحت ستار الحسابات الفنية لتطبيقات التكنولوجيا الحديثة كان الثوار يتراجعون دائما لنقص علمهم باسرار الكهانة الزائفة ويفتحون ثغرات تتسلل منها الثورة المضادة . ومع ذلك فان صدام حسين ليس غافال عنهم ...عن حسني النية وسيئي النية على السواء ) ان الكثير من الفنيين بما في ذلك بعض البعثيين يجد مفسه في كثير من االحيان منساقا لمعالجة القضية المطروحة عليه من زاوية فنية وينسى ان يحكم الربط بين المعالجة الفنية وبين عموم فكر الثورة ...الذي هو طريق بناء المجتمع الجديد ( ..وهو اليتردد في ان يقول بوضوح وبحسم مالو قاله قادة اخرون في زمان اخر ومكان اخر لوفروا على تجاربهم مرارات الفشل واالحباط : اننا نقول هنا وبمسؤولية :عليكم ان ال تتصرفوا في المسائل االقتصادية والفنية الرئيسية بدون ان تستشيروا الفنيين ولكن اياكم ان تتركوا للفنيين مهمة قيادة االقتصاد الوطني ... التتيحوا لهم المجال الخذ الدور القيادي وانما يجب ان يكونوا دائما تحت توجيه وقيادة العقل القيادي الثوري الذي التتحدد قدراته ومعرفته باالختصاص التقني فقط...والذي يفهم الثورة ويفهم الوسائل الحاسمة لتغيير عموم المجتمع واتجاهات هذا التغيير فيضع كل حركة من حركات االقتصاد في خدمتها وخدمة اهدافها ( ترى لو كان االمر قد ترك بالفعل للفنيين وحدهم الذين يحسبون بطرقهم التقليدية اثناء التحضير لمعركة تاميم النفط في العراق ..هل كان يمكن للتاميم ان يتم ؟ وهل كان بوسع العراق ان يحقق استقالله االقتصادي ويبدأ في تطبيق مشروعاته الطموحة على طريق التنمية ؟. ان للفنيين دائما دينهم وللثوريين دينهم االخر وفي معظم االحيان كان الثوريون اقرب الى قلب هللا النهم كانوا ينصتون دائما لصوت الشعب ... 8 -التنمية من اجل االنسان الثورة هي علم التغير ولكنها ايضا حلم دائم بالتغيير والثوار هم اولئك الذين يناضلون على الدوام كي ينسجوا من احالمهم واقعا جديدا يقيمونه على انقاض واقع قديم والثوري الذي يفقد قدرته على الحلم يفقد في نفس الوقت قدرته على النضال فالحلم الذي يتحقق يصبح واقعا جامدا البد من تجاوزه باحالم جديدة ونضاالت جديدة فما شاطئ اخير ترسو عليه سفينة الثورة هناك دائما شاطئ جديد بعيد يتوجه اليه المالح الثوري وتتعلق عيناه . والثورات الحقيقية لها دائما منظورها الشامل في عملية التغيير فليس هناك مايسمى ثورة اقتصادية او سياسية او اجتماعية او ثقافية كل على حدة مكتفية بذاتها مقطوعة الصلة عن غيرها الثورة تكون ثورة بحق عندما تضرب بجذورها الجديدة في مختلف مجاالت الحياة وتعيد تشكيل عناصر البنية االجتماعية بمعناها الكلي تشكيال جديدا يتالئم مع اهدافها


121 ويتناسب مع المستوى الجديد الذي بلغه التطور االجتماعي ويتجاوب مع االمال والمطامح التي تعلقها الطليعة الثائرة على المرحلة الثورية التي تجتازها. الثورة تكون ثورة بحق عندما تضع على راس مهماتها تغيير االنسان نفسه واطالق قدراته وملكاته وطاقاته الكامنه وتوفير الوسائل الضرورية التي تمكنه بالفعل وفي الممارسة العملية من المشاركة االيجابية في بناء حياته وامتالك مصيره . وصحيح ان الثورة قد تتوجه في بداية انطالقها الى التركيز على مجاالت معينة مثل التنظيم السياسي للدولة او التشكيل الجديد للعالقات االقتصادية في المجتمع ولكن قسماتها التتحدد ووجودها اليتنامى اال عندما تتكامل بل ان التكامل نفسه معيار اساسي من معايير انتصارها وجديتها واستمرارها وما اكثر ما شهد العالم الثالث ووطننا العربي في تاريخه الحديث والمعاصر من الفتات ثورية واشتراكية بعضها كان زائفا صدئ الرنين وبعضها االخر كان اصحابه حسني النيه في اسعد االحوال لم يدركوا ان الثوره الجديرة بمفهومها ليس بوسعها ان تكون انتقائية تجتزئ مجاال وتترك غيره تقتصر على حقل من حقول الحياة وتهمل ماعداه وكانت النتيجة الكبيعية والمنطقية هي االنهيار والتداعي والسقوط مهما استطاعت التماسك او الصمود او المقاومة لجرثومة التآكل في داخلها هي نفسها لفترة تطول او تقصر من زمان . والحق انه مهما كان حسن النوايا او صدق االرادة في بناء االشتراكية فانه اليمكن عن طريق االجراءات والتحوالت االقتصادية وحدها ان يتغير المجتمع فاالفكار والمفاهيم والتصورات والعادات والتقاليد واالعراف القديمة البالية ال تسقط بشكل آلي من تلقاء نفسها بمجرد اتخاذ بعض االجراءات االقتصادية او احداث بعض التغييرات المادية مهما كان مداها او عمقها تماما كما انه ليس بوسع اية جهود تبشيرية تنويرية ان تحقق اهدافها ان لم تكن انطالقا من تلك التغيرات المادية واستنادا عليها ضد كل الشروط التي تكرس ايديولوجيات االستغالل والتخلف فاالنسان الجديد الذي تصنعه الثورات الحية هو من خلق ذلك التفاعل الخالق بين الثورة المادية والثورة الروحية او الثقافية واالقتصار على احدهما – حتى لو كان ذلك ممكنا في حدود الفرض المجرد – هو انحراف عن شمول الثورة وانزالق اما في نزعة اقتصادية ال تقدم من وجوه الثورة اال البيانات االحصائية او في نزعة تبشيرية تخنقها في مهدها ضرورات الواقع المادي . وانه ليبدو واضحا وعي صدام حسين العميق بهذه الحقيقة ام ) المبادئ ( التصبح خطرا حقيقيا بوجه اليمين والرجعية اال ) عندما تصيح قوانين في التطبيق وعندما تصبح منجزات مادية تغير الواقع االجتماعي والثقافي للشعب ( بل انه يشير بوضوح الى المرض الذي نخر في عظام ) ثورات ( اخرى وعكسته عالقة التفارق بين اقوالها وممارساتها بين مبادئها وتطبيقاتها ) فالحديث بمنطلق ثوري في السياسة الخارجية والحديث بمنطلق ثوري في العالقات السياسية مع الحركات الوطنية في الداخل اليجدي شيئا مالم يتغير الواقع االجتماعي طبقا للمبادئ والواقع االجتماعي اليتغير طبقا للمبادئ مالم يكن االقتصاد في خدمة تغيير الواقع االجتماعي طبقا للمبادئ ..واال فما قيمة ان يجري الحديث عن االشتراكية ونبقى على الطبقات ؟ وماقيمة ان يجري الحديث عن االشتراكية ويبقى الناس جياعا ؟ وما معنى ان نتحدث عن االشتراكية ويبقى الناس بدون ضمان ؟ وماهي قيمة المبادئ اذا ما القي بالموظف او العامل المريض مرضا معوقا او مقعدا على قارعة الطريق بدون مصدر عيش محدد وبدون رعاية صحية من قبل الدولة ....؟ ان الهدف من الغاء االستغالل عن


122 طريق تدخل الدولة وسيطرتها الواسعة في ) تشريك ( وسائل االنتاج االساسية هو اذن توجيه نشاطات المجتمع واقامة وتوفير مستلزمات اقتصادية واجتماعية تجعل االنسان العربي قادرا على ان يسهم اسهاما غير عادي في تشكيل وتكوين عالقات انسانية جديدة على صعيد العالم اجمع باالضافة الى تفجير طاقاته الكامنة على نحو استثنائي لبناء تجربته الحضارية.... ولكن كيف يمكن بناء هذه العالقات االنسانية الجديدة دون تمزيق نسيج العالقات القديمة المتخلفة ؟ ان قيم السلوك واالعراف التي سادت ومازالت تسود ال في العراق وحده وانما على نطاق الوطن العربي كله وانما تنبع من طبيعة البنى االجتماعية في مجتمعاتنا العربية التي تناوبت عليها قوى االحتالل واالستعمار واالمبريالية ودعمت فيها نسيج العالقات سبه االقتصادية واحيانا االستبدادية بما تحمله في خيوطها من اثار العالقات القبلية والعشائرية والطائفية وحتى عندما هيمنت عليها الراسماليات العربية الضعيفة والمتخلفة بحكم طبيعة تكوينها نفسه لم تستطع ان اروج بداخلها اال الجانب األسوأ من قيم الحضارة الراسمالية الغربية قيم المصالح الفردية واالنانية . ان ازاحة مثل هذه القيم الرديئة المتخلفة عن بنياتنا االجتماعية الجديدة والعودة الى ينبوع القيم في شخصيتنا العربية العريقة بروح عصرية وثورية تتالئم مع مرحلة بناء االشتراكية في الربع االخير من القرن العشرين يحتاج من المناضل الثوري الحقيقي الذي يملك المنظور الشامل المتكامل لمعنى الثورة في التطبيق الى جهد ومعاناة وصراع قد اليقل عما يبذله في المجاالت االخرى االكثر تحديدا ووضوحا كاالقتصاد والسياسة والعالقات الدولية بل لعلة احيانا قد يزيد . ومن هنا يكتسب الجهد المضني الذي يبذله صدام حسين في هذا المضمار داللته ومغزاه اننا لن نتحدث هنا عن جهوده الفكرية وقراراته العملية في هذا الميدان الواسع بكاملها سنكتفي هنا بمجالين اساسيين من مجاالت التغيير االجتماعي – االنساني يعبران عن افاق الثورة الثقافية التي يشق مجراها في العراق : 1 -ان الوضع العام لقضية المرأة في المجتمع العربي ككل يعكس طبيعة بنيته المتخلفة ماديا وثقافيا وهو يختلف من قطر لقطر اختالفات كمية في جوهرها باستثناء اقطار الجزيرة العربية وامارات الخليج حيث تصل االختالفات او الفوارق الى درجات نوعية في مستوى تخلفها عن االقطار العربية االخرى . وربما يكفي ان نشير هنا الى وضع المرأة في قطر عربي هو مصر يعتبر تقدمه االجتماعي التاريخي سابقا في الزمن على االقل لالقطار العربية االخرى ,كي يتبين لنا مدى التخلف االجتماعي الذي تعانيه المرأة العربية عموما ,من ناحية نظرة المجتمع الفكرية لها ومن ناحية نظرة المجتمع التشريعية بأزائها ايضا ان الحق الكامل للرجل ) المسلم ( في تعدد الزوجات وفي الطالق امر تكفله التشريعات والقوانين داخل المجتمع وتقول االحصائيات ان نسبة المتزوجين باكثر من واحدة في جمهورية مصر العربية هي 4 %فقط من االسر االسالمية ولكنها تضيف ان نسبة من يتزوجون خالل عام ممن كانوا متزوجين من قبل تتراوح مابين 2,7 %و 8 %مما يؤكد ان ظاهرة تعدد الزوجات اكبر مما تشير اليه النسبة العامة الرئيسية بل ان هذه االحصائيات نفسها تؤكد ان تعدد الزوجات هو احد االسباب الرئيسية في الطالق وتعتبره مسؤوال عن 20 %من حاالت الطال ق غير ان هذه النسبة العامة على نطاق القطر المصري بكامله ال ينبغي ان تنسينا ان حاالت الطالق في المدن


123 الكبرى تزيد كثيرا عنها في المدن الصغيرة والريف ففي القاهرة وصلت الى 42 %من الزيجات وفي االسكندرية بلغت 5,35 %منها فقط ) احصاءات 1978.) وقد اليكون بغير مغزى ان نشير الى رد الفعل العنيف الذي احدثته بعض المحاوالت االصالحية الخاصة بتقييد الزواج والطالق خالل عام 1974 لقد خرجت ) المظاهرات ( تطالب بوقف مناقشة هذه القوانين وتتهم وزيرة الشؤون االجتماعية – ويالها من مفارقة ان تكون في مثل هذا الوضع وزيرة للشؤون االجتماعية – بالزندقة وااللحاد والخروج على الشرع اليست هذه الحادثة تعبيرا انفعاليا حادا عن مدى التخلف في تركيبة البنية الثقافية العربية بشكل عام ؟ صدام حسين يعي هذا الوضع جيدا بكل ابعاده ولذلك سوف نسمعه يقول: ) القفز من فوق الظروف الموضوعية انحراف ونظرة خاطئة واتخاذ الظرف والظواهر القائمة مبررا العاقة العمل الى امام انحراف كذلك يجب ان يكون حديثنا عن المرأة ودور المرأة في المجتمع حديثا متوازنا وان تكون نظرتنا الى هذا الموضوع نظرة متوازنة ( ..فماذا تعني هذه النظرة المتوازنة اذن ؟ يقول صدام حسين : ان المنطلقات الفكرية ونظرية العمل في حزبنا تشير الى ان التغيير الثوري ال ينجز بقوانين مجردة وانما بعمل نضالي دؤوب وتحرك جماهيري واسع ومعرفة دقيقة بقوانين تحول المجتمع واستخدامها استخداما صحيحا عن طريق قيادة كفوءة تحدد بدقة المجاالت والصيغ الصائبة والسليمة لتحرر المرأة بحيث تتم عملية تحرير المرأة باقصى مايستطيعه الفعل الثوري وباقصى ماتحمله ويستوعبه المجتمع ضمن حركته الموضوعية الثورية التي تستهدف تغيير المجتمع الى امام مع مراعاة الموازنة الثورية الصحيحة لكي ال تؤدي الحركة والفعل المطلوبان الى اختالل العملية و هي تتخطى االطر والتقاليد والعادات المتخلفة وتتجاوز المفاهيم البرجوازية الشكلية للحرية ( . ولكن هل يعني ذلك عدم اللجوء الى التشريع القانوني لحماية حقوق المرأة كال بالطبع صدام حسين يقول : ) في حساباتنا التي اجريناها وتوصلنا الى ضرورة ان نصحح موقع المرأة بقوانين ولكن دون ان نطرح هذه القوانين في زمن متقدم تجعل فيه الرأي العام ينقسم ونجعل اليمين الرجعي يحصل على غطاء يستقطب من خالله بعض الناس الذين ليسوا منه وانما هم من الثورة ( ..وهو في هذا السبيل يرى ان يتكون عرف جديد ينسج العرف القديم داخل المجتمع يسهل مهمة التشريعات الالحقة كيف يمكن ان يتم هذا التكون للعرف الجديد ؟ ) تقوية الموقع االقتصادي للمرأة بصيغة حقوق واعراف في المجتمع هي جزء من عملية تحرر المرأة تقوية وتوسيع الشروط الالزمة لمنع الرجال من الزواج باكثر من واحدة هي جزء من عملية تحرر المرأة وتقييد الطالق بقيود اضافية وتعميق وضبط شروطه القائمة هي جزء من تحرر المرأة وكذلك شان التوسع في العملية التربوية والدراسية بفرص متساوية بين الرجل والمرأة واهم من كل ذلك هو ان تتحرر المرأة من خالل العمل الفعلي والمشاركة الجدية في بناء المجتمع ...( وهنا نصل الى جوهر تفكير االساس في هذه القضية واتجاهات منطقة: ) ان تحرر المرأة كليا وجذريا وفق النظرة التي نؤمن بها انما يتم من خالل تحرير المجتمع كله سياسيا واقتصاديا وثقافيا الن تحرير المجتمع يوفر الشرط الموضوعي لتحرير المرأة ويخلصها من قيود التخلف والتأخر ( .


124 ان تحرير المرأة من قيودها لن يتم اال بتحرير الرجل من قيوده وكالهما لن يتحرر اال بتحرير المجتمع نفسه ومن خالله فهل يمكن لمن ليس حرا ان يمنح الحرية لالخرين ؟ 2 -مامن شك في ان مشكلة محو االمية في اقطار الوطن العربي هي واحدة من المشكالت االكثر الحاحا وضغطا على امكانيات تطور البنية العربية وتقدمها اجتماعيا وسياسيا واقتصاديا ومنذ ان تفتحت عيوننا على الحياة من حولنا ونحن جميعا نحس بمهانة هذا العار الذي يستشري في مجتمعنا وكنا نقرأاالحصاءات التي تصدرها الهيئات الدولية او تصدرها حتى الجهات المحلية المعنية ونضع ايدينا على وجوهنا من بشاعة االرقام وكنا ننصت الى من يتحدثون عن االشتراكية – وما اكثرهم – في بالدنا والنملك سوى الدهشة والتعجب اذ كيف يمكن ان تؤمم المصانع او البنوك او المؤسسات مهما كانت اهميتها وال تؤمم المعرفة االنسانية ؟ كيف يمكن الحديث عن اعادة توزيع الثروة المادية واليسبقها او ال يواكبها او حتى ال يعقبها توزيع عادل للثروة االنسانية ؟اليس االنسان هو اثمن راسمال كما تقول كل المذاهب والمدارس والعقائد االشتراكية ؟ بل من يبني هذه االشتراكية ؟ ايمكن الية اشتراكية حقيقية ان يبنيها الموظفون والبيروقراطيون والتكنوقراطيون في غيبة المشاركة الفعلية – ال المظهرية – للجماهير صاحبة المصلحة االولى واالخيرة في اية اشتراكية ؟ وكيف يمكنها ان تشارك بالفعل ان تمارس بالفعل وهي تفتقد االلمام باالبجدية االولى او بالعمليات االولية في مبادئ علم الحساب ؟الم يكن ذلك كله تزويرا وتزييفا وطمسا للحقائق ولمظاهر الواقع الكئيب في مجتمعاتنا العربية ؟ وتأمل هذه االرقام القليلة عن نسبة االمية لتعرف بعض الحقائق المباشرة عن واقعنا العربي ) وهي مأخوذه عن تقرير صدر عن مركز التدريب على تنمية المجتمع العربي التابع لهيئة اليونسكو( : جمهورية مصر العربية 70 % الجمهورية التونسية 7,68 %الجمهورية الليبية 76 %الجمهورية الجزائرية 78 %الجمهورية السودانية 5,86 %المملكة المغربية 86 %المملكة السعودية 95 %المملكة االردنية الهاشمية 7,67 %الجمهورية اللبنانية 9,13 %الكويت 1.47 %الجمهورية السورية8,60 %اما اقطار الخليج العربي واماراته فليس هنالك لحسن الحظ بيانات متوفرة. تأمل هذه االرقام القليلة وحدها ولك بعد ذلك ان تتحدث – ان اردت – عن التنمية والتصنيع واللحاق بالعصر الجديد ماشاء لك الوهم ان تتحدث فلن ينصت اليك احد ولك ان تتحدث – ان اردت – عن ماضينا وتراثنا وحضارتنا الغابرةماشاء لك التمسك بالعز القديم الزاهر فاغلب الظن ان الذين ال يقرأون التاريخ لن يصدق منهم احد فعالم اليوم لم يعد يتذوق شعر المعلقات فيق االطالل ولم يعد يفهم غير لغة القوة العلمية واالقتصادية التي تؤدي الى القوة العسكرية المستقلة ولم يعد ينجذب لغير مشاهدة الصواريخ العمالقة التي تدفع بانسان الربع االخير من القرن العشرين الى السير فوق ارض القمر . وليس بوسع المرء ان يتصور ان ثمة عربيا مهما كان موقعه السياسي او اتجاهه الفكري لم يستشعر في نفسه عزة حقيقية وهو يقرأ القانون الذي صدر في النصف الثاني من عام 1978 عن مجلس قيادة الثورة العراقية الخاص بالحملة الوطنية الشاملة لمحو االمية االلزامي الذي يتعلق بسدس سكان العراق وتحدد له سقف زمني هو ثالث سنوات فقط . من نافل القول ان نشير هنا الى القيمة الكبيرة التي ينطوي عليها هذا القانون سياسيا واجتماعيا واقتصاديا وحضاريا ومن العبث ان نعيد القول في طبيعة عصرنا الذي يوصف تارة بانه عصر التكنولوجيا وتارة اخرى بانه عصر الجماهير او ان نتحدث عن عالقة ذلك


125 كله بالتنمية االقتصادية واالجتماعية والحضارية او بالديمقراطية الحقيقية في معناها الذي يتعدى مجلرد الواجهات البرلمانية الشكلية ذلك كله االن بات حديثا معادا مكررا ومن المفارقات الغربية ان كل اجهزة االعالم في االقطار العربية ومعظم ) دساتيرها ( و ) دساتير ( احزابها التمل من اعادته وتكراره . ومع ذلك فالقطر العربي الوحيد الذي سوف يبادر بمحو هذا العار من فوق جبينه هو العراق ,فلن ينتهي عام 1981 حتى تكون الرؤوس العربية التي لفها الظالم قرونا طويلة وكان قمينا به ان يلف اجيالها القادمة عقودا اخرى من السنين سوف تضئ في النهاية كقناديل مشعة باالمل على طريق الثورة العربية . واالمر الذي الشك فيه ان التطبيق المبدع لهذا القانون سوف يؤدي الى قفزة حضارية في المجتمع العراقي ويؤديس بالضرورة كذلك الى تغيرات عميقة الغور في المفاهيم واالفكار والعادات واالعراف والتقاليد والممارسات بحيث يمكن للعراق في ظل سلطته الثورية ان يقدم مثال ملهما لالقطار العربية االخرى . وفي كل االقطار والدول التي عرفت جهودا من هذا الطراز لم تنجح سوى تلك الجهود التي قادتها احزاب ثورية او ثورات لم تصب بفقر الدم ولم تتصلب شرايينها في المؤسسات البيروقراطية بل ربما لعب االشراف المباشر وااللتصاق الحميم بتلك الجهود من جانب الشخصيات القيادية االساسية التي تنطوي على معنى ) الرمز ( لتلك االحزاب والثورات دورا بالغا في اشعال الحماس الوطني والشعبي او االحتفاظ بمستوى حرارته االولى مع تقدم الزمن بين الجنود الذين يخوضون معارك التنوير كل يوم هكذا كان يفعل لينين وماو وكاسترو والعم هوتشي منه ..وهكذا يفعل اليوم الول مرة في اقطار الوطن العربي الكبير : صدام حسين . انها ثورة ثقافية اذن ؟ ال بل هي نفس الثورة الشاملة تتحقق في ميدان من ميادينها المتكاملة ذلك الن ربان السفينة مازال يفرد شراعه القوي ويناضل باصرار عصف الرياح وسطوة االعصار وعيناه تتطلعان الى هناك ...الى االفاق المضيئة ...ودائما وابدا ترن في اسماعه اصوات تناديه بالرحيل ...الى الشواطئ البعيدة الجديدة ... ج- صدام حسين وشمولية قضية الديمقراطية 9 -الديمقراطية نظرة شمولية للحياة اما االن فلقد بلغنا في طريقنا نقطة ينبغي ان نتوقف عندها لحظة لنواجه مجموعة من االسئلة الملحة التي قد تثير حساسية البعض هنا او هناك على هذا الجانب او ذاك بينما نتصور على العكس منهم ان التعرض لها – بصرف النظر عما تثيره وما سوف تثيره – اضاءة لجوانب من الصورة ربما تخفي ليبب او الخر على اولئك الذين لم يضع التعصب او الجهل او الحقد او االنحياز المسبق غشاوات على عيونهم وهم خالصة من تطمح الى التوجه اليهم صفحات هذا الكتاب . هل صدام حسين حاكم مطلق ,دكتاتور فرد يمارس البطش والقمع على المواطنيين ؟ هل هو ممثل لمصالح ) البرجوازية( في مجتمعه يدوس على مصالح الطبقات والفئات والشرائح االجتماعية الفقيرة والكادحة ؟ ماذا كان موقفه من قضايا االقليات القومية في وطنه وعلى


126 راسها القضية الكردية ؟ وما هو موقفه الحقيقي من مسألة وجود وممارسة االحزاب االخرى ومن بينها الحزب الشيوعي العراقي لنشاطاتها السياسية داخل العراق ؟ وهل كانت الجبهة الوطنية والتقدمية في نظرة مجرد موقف تاكتيكي مؤقت ام انها كانت جزءا اليتجزأ من استراتيجية الثورة اقامتها بارادتها او لعبت الدور االكبر في اقامتها وما كانت تريد لها ان تفصم ؟ وبتحديد ادق هل السلطة في العراق التي يقف على راسها صدام حسين معادية للشيوعية كسائر السلطات وكافة االنظمة بغير استثناء الموجودة في الساحة العربية بما فيها تلك التي توجد بها احزاب شيوعية ) ديكورية ( تاتمر بامر السلطان وتسارع الى توقيع بياناته وتفنى في خدمة اهدافه واالستجابة الى طلباته ؟ ام ان السلطة في العراق مختلفة مع الشيوعية في اسسها الفلسفية وفي المناهج السياسية العملية لمعالجة جانب او اخر من القضايا المصيرية كقضية القومية العربية والوحدة العربية والقضية الفلسطينية ومسألة العالقات مع االتحاد السوفيتي وطبيعتها وحجمها ومداها وفلسفتها كما تمارسها بعض االحزاب الشيوعية العربية الرسمية ؟ واذا لم يكن االمر مجرد قضية فلسفية حول خلق العالم ونشأة االنسان وتطور المجتمع وانما قضية ممارسة نضالية في الزمان المحدد والمكان المحدد من اجل تغيير مجمل العالقات السياسية واالقتصادية واالجتماعية والثقافية تغييرا جذريا وتقدميا وهو مالم تتراجع عنه او تقصر فيه السلطة في العراق النه ماهية وجودها ومبررها فلماذا جرى ماجرى فانفرط العقد وتهدمت العروة الوثقى ؟ ومن الذي يتحمل المسؤولية التاريخية في ذلك كله ؟ ومن تراه الخاسر في النهاية ؟ ...اذا لم يكن السؤال – كما قد يفهمه البعض – تعبيرا عن نزعة براجماتية يزورون عنها بوجوههم وانما تعبير في جوهره عن الحرص على ) التجربة ( التي تألقت لسنوات في الظلمة وكان جدير بها ان تواصل اشعاعها في نفس الوقت على كل حلبات ) المصارعة الرومانية ( في وطننا العربي ؟ ان االجتهاد في محاولة االجابة على هذه االسئلة سوف يقتضينا : اوال – العودة الى ماقبل ثورة 17تموز 1968 في العراق مباشرة كي نلقي نظرة سريعة خاطفة على صورة العراق السياسية قبل قيامها . ثانيا – العودة الى ايديولوجية صدام حسين نفسة في اقواله وممارساته وبالتحديد فيما يتعلق بثالث قضايا : قضية الديمقراطية قضية االقلية القومية الكردية قضية الجبهة الوطنية والقومية التقدمية . اوال – بدال من تناحر القوى الوطنية : كل القوى الوطنية والقومية التقدمية في اي مجتمع تستهدف دائما من نضالها اجراء تغييرات سياسية واقتصادية واجتماعية في مجتمعها بحيث تستجيب لالمال التي تعقدها عليها جماهيرها والطبقات والفئات والشرائح االجتماعية التي تعتبرها مراكزها القيادية وطالئعها االمامية ولكل قوة من هذه القوى بالطبع استراتيجيتها واهدافها البعيدة التي قد تتفق او تختلف مع القوى االخرى حولها والتي قد تلتقي او تتعارض معها حول كل او بعض تفاصيل هذا الجانب من جوانبها حسب المراحل التاريخية المختلفة . وفي مجتمعات العالم الثالث عامة وفي مجتمعاتنا العربية بشكل خاص وكنتيجة طبيعية لسنوات االستعمار الطويلة فان المشكلة االساسية التي كانت تواجه هذه القوى الوطنية


127 والقومية التقدمية – وماتزال تواجهها في بعض االقطار العربية – والتي تمثل الحد االدنى الذي يمكن ان تلتقي حوله كل القوى بصرف النظر عن منطلقاتها االيديولوجية واهدافها االستراتيجية البعيدة هي تحقيق االستقالل السياسي وكسر سالسل التبعية االقتصادية وانجاز تنمية حقيقية وتجسيد شكل من اشكال الديمقراطية يتالئم مع الظروف الموضوعية وبطبيعة الحال يمكن لهذه القوةى التي تتالف حول هذه االهداف في بداية اية ثورة ان تتفارق بعد انجازها بحسب طبيعة مصالحها االجتماعية فليس من المنطقي ان تتابع قوى البرجوازية الكبيرة والمتوسطة في مجتمع من المجتمعات مسيرة وضع االسس العميقة لبناء االشتراكية في بالدها التي سوف تكون هي ) ضحيتها ( االولى بل كثيرا ماتراجعت هذه البرجوازيات حتى عن اهدافها االولى التي تبنتها في بداية الثورات التحررية وانقضت عليها وعادت الى االرتباط مرة اخرى بقوى االمبريالية – ان كانت قد قطعت معها بالفعل في البداية- والقت من يدها – حسب االتعبير الستاليني الشعير – علم الوطنية كما انه ليس من المنطقي ايضا – بالمقابل - ان تكتفي القوى الثورية الشعبية في اي مجتمع من المجتمعات بتحقيق االصالحات الزراعية وانجاز بعض المشروعات الصناعية وتطبيق شكل او اخر من اشكال الديمقراطية وتقنع بمجرد الوصول الى اهداف الثورة الوطنية الديمقراطية .بل على العكس فانها سرعان ما تتابع مسيرتها الجراء التحوالت الجذرية التي تفتح الطريق امامها واسعا للدخول في المرحلة االشتراكية وهذا بالطبع اذا اعتبرنا المرحلتين من فصلتين عن بعضهما البعض وليستا متداخلتين او متضايفتين – بحسب التعبير المنطقي- كما هو مقتضى الحال في كثير من بلدان العالم الثالث ومن بينها بعض اقطارنا العربية في ظل المتغيرات العالمية الجديدة . واذا حاولنا القاء نظرة على الوضع العام في العراق عشية ثورة 17 -30 تموز – يوليو من جوانبه السياسية واالقتصادية واالجتماعية في ضوء المقاييس العامة السابقة لوجدنا انه لم يكن قد قطع اية اشواط لها تاثيرها او عمقها او داللتها الكبيرة فيما يتعلق بمرحلة الثورة الوطنية الديمقراطية . صحيح ان المرحلة السابقة عليها كانت قد اطاحت بالملكية وحققت الجمهورية والغت حلف بغداد وامتلكت شكال من اشكال االستقالل السياسي واصدرت القانون رقم 80 بشأن االستغالل الوطني للنفط كما اجرت بعض االصالحات الزراعية وبعض التاميمات المحدودة لعدد من المشروعات الصناعية القليلة بطبيعتها ولكن في قطر تعتبر فيه الثروة النفطية العمود الفقري االساسي القتصاد وحيد الجانب بقي البترول كما كان قبل قيام ثورة 14تموز نفسها نهبا لالحتكارات االجنبية تستنزف منه ماشاء لها استغاللها المدمر وتهدد به شعبا في لقمة خبزة وحكومات متوالية في استمرارها في مقاعدها بل وحتى المشروعات الوطنية في هذا المجال بقيت ضعيفة وعاجزة ومشلولة ومحاصرة من خارجها بمصالح االحتكارات الكبرى ومن داخلها بعمالئها وعيونها ورجالها الذين ينفذون بطريقة اخرى سياستها .مامعنى االستقالل االقتصادي – الذي هو جوهر االستقالل االقتصادي – اذا كانت ثروات البالد قد بقيت في يد اعدائها ؟ ولقد ظلت العالقات شبه االقطاعية مسيطرة على الريف ومهيمنة بتقاليدها واخالقها واعرافها البالية على الفالحين الى جانب ) عشائرية ( كانت تمثل مواقع محصنة للرجعية والتخلف ضد اية محاوالت للتقدم والتطوير بل وحتى مراكز الطبقة الراسمالية الكبيرة في المدينة على صعيد التجارة والصناعة فلقد استمرت في اضطهادها للعمال تحت الفتات


128 االشتراكية ...في وقت كانت العالقات بينها وبين البنية االمبريالية العالمية تستعيد قواها ونشاطها مرة اخرى عبر جسور واشكال جديدة تلعب نفس الدور القديم وتؤدي الى نفس الهدف . فاذا كانت تلك هي صورة الجانب االقتصادي في الوضع العام فماذا عساها كانت صورة الجانب السياسي وخصوصا فيما يتعلق بالمسألة الديمقراطية ؟ على صعيد العالقة بين القوميتين المتآخيتين في العراق وهما العربية والكردية فان الحرب المسلحة بين السلطة المركزية وسلطة البرزاني العشائرية على االكراد ماكانت تتوقف للحظة من اجل التقاط االنفاس تحت شعارات زائفة للسالم حتى تعود فتشتعل نيرانها مرة اخرى مع توقد جديد اشد سعيرا للنزاعات الشوفينية والرجعية الضيقة االفق وكلما ازداد انهمار الدماء ارتفع باالتالي رصيد الحقد والمرارات في النفوس وشكل ذلك كله مزيدا من العقبات في وجه اي حلول تستهدف حقن الدماء وتوفير االموال الضخمة التي تنفق كل يوم وعودة السالم الحقيقي الى ربوع الوطن كله . اما القوميات االخرى التي تمثل اقليات ليس لها ثقل سكاني كبير فلقد كانت حقوقها هي االخرى ضائعة ومهددة وكان من العبث بطبيعة الحال ان يطالب ) التركمان ( على سبيل المثال باي حق اجتماعي او ثقافي يعيد اليهم مالمح من هوياتهم القومية المسحوقة والمضيعة . وعلى صعيد الحريات للمواطنين جميعا فلقد كان القهر والقمع والبطش واالستبداد هي العالمات الفارقة المميزة للساحة السياسية العراقية في تلك المرحلة فبعد ان قام عبد السالم عارف بانقالبه في اكتوبر – تشرين 1963 اقام مكان االحزاب الوطنية في البالد تنظيمه الشكلي المفتعل الذي كان يحمل اسم ) االتحاد االشتراكي العربي ( جريا على نهج نظيره في مصر والذي كان يحمل نفس االسم وبعدها بدأت حمالت االرهاب العنيف الفكري والمادي على كل االصوات الوطنية والقومية والتقدمية التي تتصاعد من خارجه وانفتحت ابواب السجون على اخرها لتستقبل المواطنين الذين ينتمون الى احزاب القوى السياسية المختلفة كما تهيأت معها غرف التعذيب لتتولى باساليبها الوحشية خيرة المناضلين . ومن المفارقات الغريبة ان يصدر الحزب الشيوعي العراقي تقريرا عن االجتماع الكامل للجنته المركزية في اغسطس – اب عام 1964 يقول فيه ) ان الموقف االيجابي الذي يتخذه حزبنا من االتحاد االشتراكي العربي هو في الجوهر مستمد من االفكار التقدمية التي يعتنقها او تدعو اليها العناصر التقدمية في هذه المنظمة وكذلك من افق التحوالت الممكنة في تركيب قيادته وفي نهجه الالحق ان حزبنا لن يتخذ من هذا التنظيم موقفا انعزاليا بل على العكس سيتخذ منه موقفا ايجابيا ويرسم التدابير الضرورية للتعاون معه بهدف السعي لتعزيز الجانب التقدمي في سياسته وتطوير ايديولوجيته . ولن يمر على صدور هذا التقرير سوى بضعة اشهر حتى يكون الحزب الشيوعي العراقي قد اصدر بيانا في كانون الثاني – يناير عام 1965 يقول فيه : ) الى جانب السجن والتشريد وأصل كبار مسؤولي العهد – العارفي – سياسة االعدامات فأعدموا من الشيوعيين وسائر الوطنيين خالل عام واحد اكثر مما اعدمهم النظام الملكي طوال ربع قرن ..( فهل كانت العالقات فيما بين القوى الوطنية واحزابها السياسية تشير الى التقارب واالنفتاح على بعضها البعض في ضوء الفهم االعمق لطبيعة التناقضات التي تحكم المرحلة ؟ هل


129 كان قد ان اوان حقن الدماء بينها ووقف الصراعات الالمجدية والكف عن االتهامات والمهاترات التي احتلت زمنا طويال جسور اللقاء فيما بينها ؟ سيقول لنا طارق عزيز في احد النصوص التي يتضمنها كتابة ) ثورة الطريق الجديد ( ان اتجاها جديدا اخذ يشق طريقه الى العقول ومن ثم ببطء نسبي الى النفوس تكون في رحم تجربة المسيرة الطويلة الماضية ولكن نكسة حزيران – يونيو 1967 كانت بالنسبة اليه نقطة تحول وحافزا حادا نقله من مرحلة التكون الى مرحلة الوالدة (. ماهي طبيعة هذا االتجاه الجديد وماهو محوره الفكري ؟ ...فلنتابع النص ) ان مختلف الفئات الوطنية على تباين منطلقاتها الفكرية واساليبها في التحليل والعمل صارت تدرك بقدر ملموس من الوضوح ان خطأ فادحا كان يحكم المسيرة الماضية فعوضا عن ان تتصرف الفئات الوطنية على اساس ان التناقض الرئيسي في المرحلة هو التناقض القائم بين مجمل القوى الوطنية والتقدمية من جهة وبين االستعمار والصهيونية والرجعية من جهة اخرى وان التناقضات القائمة بين الفئات الوطنية هي تناقضات ثانوية اليجوز تصعيدها الى حالة التوتر الحاد والصراع العنيف تصرفت على اساس ان هذه التناقضات الثانوية هي التناقضات الرئيسية فالتهبت المعركة بين الفئات الوطنية وكانت الصورة العامة لمسيرة السنوات العشر الماضية ان الصراع الناشب بين القوى الوطنية على صعيد العراق وعلى صعيد الوطن العربي كان من حيث الكم والنوع اوسع واكثر حدة من الصراع الناشب بين مجمل هذه القوى وبين االستعمار والصهيونية والرجعية وقد جاءت نكسة حزيران لتعطي الدليل الذي ال حدود لضخامته وهوله على خطأ هذه المسيرة كما اكدت النكسة ان التعرف على هذا الخطأ والعمل على تجاوزه هما الحد االدنى الذي تقتضيه شروط الحفاظ على وجود االمة العربية وبالتالي على حريتها وعلى قدرتها على التقدم (..ومع ذلك ورغم ان المناخ السياسي كان مهيأ لتالقي هذه القوى والشرط الفكري او االيديولوجي كان قد )) ولد(( – وان يكن متاخرا والوضع العربي العام بعد نكسة 1967 كان يتطلب االسراع ال في التالقي بل في التالحم فان اتحاد هذه القوى الوطنية التقدمية لم يتم وجبهتها الوطنية التقدمية كانت يبدو بعيدة عن التحقق عصية على االنجاز وبقيت االرض الحرام تفصل بين تخوم االحزاب الوطنية والقومية التقدمية . لذلك اسبابه بالتاكيد النفسية والفكرية والتنظيمية ولكن ذلك ايضا كانت له مخاطرة ولم يكن احساس السلطة العارفية بمأزقها ومن ثم امكان اتجاهها الى انتهاج سياسة ارهاب عنيف دموي هو الخطر الوحيد المحتمل بل ربما لم يكن هو الخطر االكبر وانما احتمال وقوع انقالب عسكري من صفوف النظام نفسه وبهدف احداث مجرد تغييرات شكلية في الوجوه الحاكمة هو الخطر الماثل في اطار تلك الظروف التي كانت قائمة ولم يكن من العسير تصور ماسوف تفعله دكتاتورية عسكرية غاشمة ومتخلفة ال بالقوى السياسية الوطنية والقومية والتقدمية في البالد فحسب بل بالجماهير العراقية نفسها التي دفعت سيال من الدماء في سبيل خالصها الذي لم يتحقق حتى تلك اللحظة وكان االنتظار يحمل معنى وحيدا ومحددا هو تمهيد الطريق امامها واعطاؤها عن طيب خاطر اكثر من فرصة الحتماالت النجاح . وفي تلك اللحظة استطاع حزب البعث العربي االشتراكي ان يضرب ضربته وينهي حكم العائلة ) العارفية ( الدكتاتوري الرجعي ويقيم سدا منيعا امام احالم المغامرين العسكريين ويحقق ثورته في 17 تموز – يوليو عام 1968 وكان يوم 30 تموز تتويجا ثوريا لنضال


130 طويل وشاق طهرت به الثورة – كما رأينا في القسم االول من هذا الكتاب – اخر جيوب المتسللين بين صفوفها ومن مواقع السلطة حيث تتوهج في العادة كل نوازع التفرد واالنفراد – وخصوصا اذا كان لها مايبررها في الجدارة وما يغطيها من تاريخ النضال – نادى حزب البعث العربي االشتراكي على االحزاب والقوى الوطنية التقدمية في العراق ودعاها الى التعاون والتالف والتازر في جبهة وطنية وفومية تقدمية تضع حدا لمأساة التطاحن والتشرذم واالنقسام وتشارك في صنع مستقبل البالد وتعمل جنبا الى جنب على حل مشاكلها واقامة صرح تقدمها وتضع بثقلها معا القواعد االساسية لبناء االشتراكية وليس مجرد انجاز مهام الثورة الوطنية الديمقراطية . وينبغي ان نتذكرهنا ان تلك هي المرة االولى – فيما نعلم على االقل في العالم الثالث – التي يصل فيها حزب سياسي بمفرده الى السلطة ويستقر زمامها في يده ثم يقرر بمحض حريته واختياره ان يشاركه االخرون في سلطته . واذا كنا قد نسينا فان جمال عبد الناصر قائد ثورة يوليو – تموز العربية في مصر لم يقبل باقل من حل جميع االحزاب السياسية في سوريا كشرط من شروط الوحدة بينها وبين مصر حتى وان تعاون مع بعض قادتها او اعضائها كافراد بعد ذلك وكان حل جميع االحزاب السياسية في مصر – بصرف النظر عن تقويمنا لها او موقفنا منها حينذاك او االن – واقامة ماسمي بهيئة التحرير في البداية ثم االتحاد القومي بعد ذلك واخيرا االتحاد االشتراكي في النهاية وكلها شكل من اشكال التنظيم الواحد الذي يسمح بعضوية االفراد واليقبل عضوية الجماعات او الهيئات او التنظيمات او االحزاب عالمة مميزة السلوب حكمه ومنطقه في قيادة السلطة منذ عام 1952 حتى 1970 . واذا كنا قد نسينا ايضا فان السجون والمعتقالت لم تفرغ في مصر من روادها السياسيين اعضاء االحزاب القديمة المنحلة او اعضاء التنظيمات السرية الشيوعية واالخوانية طيلة المرحلة التي حكم فيها جمال عبد الناصر اال في فترات قليلة ال تكاد تزيد عن بضعة اشهر وغض النظر عمن كان المخطئ او المصيب حينذاك فان االفراج عن الشيوعيين المصريين عام 1964 بعد اعتقاالتهم التي زادت عن خمس سنوات متواصلة عرفوا فيها الول مرة في تاريخهم داخل مصر .السقوط تحت وطأة القتل المباشر امام رفاقهم او تحت طلقات الرصاص .او في غرف التعذيب انتهى بقرار حل الحزب الشيوعي المصري واالندماج في االتحاد االشتراكي العربي ...وحتى هذا القرار لم ترض به اجهزة السلطة الناصرية فلم تسمح بدخول االتحاد االشتراكي – الذي لم يكن سوى خيمة فضفاضة يستظل بها البيروقراطيون ورجال السلطة نفسها – اال لبعض اعضاءه وبصفتهم الفردية الشخصية مثل هذه التذكرات المؤلمة – ال لسبب ذاتي وانما لما ترتب عليها بالنسبة لالوضاع الداخلية في مصر وفي المنطقة العربية باسرها – قد تنطوي لمن يريدون التعرف على الحقائق بتجرد على مغزى مفيد يعينهم على ادراك المعنى الكبير الذي تضمنته دعوة حزب البعث العربي االشتراكي لالحزاب السياسية االخرى ومن بينها الحزب الشيوعي العراقي رغم كل ماكان بينهما في ظل دكتاتورية قاسم وما بعدها للمشاركة في جبهة وطنية وقومية تقدمية في العراق . بل ربما استطاعت تلك الحقائق الموضوعية والتاريخية ان ترد على االلتباس المفتعل الذي يصطنعه البعض وان تذكرهم بما طالما اغلفوه او تغافلوه وهو )) ان حزب البعث لم يكن


131 معاديا للشيوعية او مكافحا لها فهذه مهمة االحزاب الرجعية وحزب البعث ليس من هذه االحزاب (( كما قال مؤسسه نفسه ميشيل عفلق في عام 1966 . ثانيا: الدعوة للنضال من خندق واحد . عندما تسلم حزب البعث العربي االشتراكي السلطة في العراق لم يواجه فحسب جبال من المشاكل المتراكمة االقتصادية والسياسية واالجتماعية وانما واجه ايضا كثيرا من الهوات النفسية التي تفصل بين القوى الوطنية والتقدمية داخل العراق وكان عليه ان يعبر تلك الهوات ويزيح من طريقة ذلك الجبل وينبغي القول هنا انه برغم كل االحزاب السياسية التي نشأت ومارست نشاطها في العراق فانه – على حدتعبير التقرير السياسي للمؤتمر القطري الثامن لحزب البعث نفسه – ) كان من اكثر االقطار العربية افتقارا الى التقاليد والممارسات الديموقراطية بصرف النظر عن محتواها االجتماعي فقد انتقل العراق من نظام تعسفي استبدادي الى اخر منذ ايام السيطرة العثمانية حتى ثورة السابع عشر من تموز – يوليو 1968 ولم يعش سوى فترات قصيرة تمتع فيها الشعب وقواه النيرة بقدر من حرية الفكر والصحافة واالحزاب والنقابات وممارسة اللعبة البرلمانية ...(.وفي مثل هذه االوضاع والظروف ليس من السهل القفز من فوق الهوات الواسعة او تخطي الجبل بخطوة واحدة كان عليه ان يسير وسط حقل االلغام بحذر وببطء ولكن بثبات وبارادة التهتز في البداية اتجه الى االهتمام بالم نظمات الشعبية واولى جهوده لبناء نقابات العمال وجمعيات الفالحين والطلبة والنساء والمنظمات المهنية وتشكلت قيادات كثيرة من هذه المنظمات بطريقة ائتالفية .اي بمشاركة ممثلي حزب البعث لممثلي القوى السياسية التقدمية االخرى . ثم توجه الى ميدان االعالم ليشيع فيه مناخا ديمقراطيا يسمح لكل القوى السياسية بأن تتنفس وان تعبر بحرية عن نفسها فالى جانب صحفه الرسمية وعلى راسها صحيفة ) الثورة( صحيفة الحزب المركزية – سمح للحزب الديمقراطي الكردستاني باصدار جريدة يومية سياسية تحمل اسم ) التآخي ( ) تغير اسمها االن الى العراق ( ومنح الحزب الشيوعي امتياز مجلة شهرية سياسية وثقافية هي ) الثقافة الجديدة ( ثم منحه امتيازا لصحيفة اسبوعية باسم ) الفكر الجديد ( ثم امتيازالجريدة يومية سياسية باسم) طريق الشعب ( كما منح امتيازا لمجلة ثقافية وسياسية لعدد من الديموقراطيين اليساريين باسم : الثقافة ولم يحدث حتى االن في اي قطر عربي اخر ان استطاع الشيوعيون ان يمتلكوا هذا العدد من المنابر االعالمية والثقافية وان يتنفسوا بحرية في هذا االفق الواسع وان يعبروا عن انفسهم بطريقة علنية ورسمية من خالل صحف توزع كل صباح تضع على راس صفحتها االولى ) لسان حال الحزب الشيوعي العراقي ( ولم يكن ذلك كله مناورة من البعث وال رغبة في محاصرة او احتواء هذه االتجاهات جميعا واليمكن ان يكون ذلك هو الطريق االقصر او االسلم للمحاصرة او االحتواء على كل حال وانما كان تعبيرا عن توجه ديمقراطي اصيل ورغبة صادفة في بناء تجربة ديمقراطية خاصة على ارض العراق يمكن ان تكون نموذجا يحتذى في غيره من االقطار او مثال ملهما خارجها على االقل . وعندما نتحدث هنا عن التوجه الديموقراطي االصيل لحزب البعث في العراق فاننا نتحدث بالضرورة عن توجهات صدام حسين والعكس صحيح ايضا ذلك الن صدام حسين هو ابن مخلص من ابناء هذا الحزب وهو يمثل ارقى ماوصل اليه الحزب في تطوره الفكري واعلى


132 مابلغه في خبرته النضالية والتنظيمية واذا كان دوره في قيادة االحداث التاريخية قبل وبعد 17-30 -تموز- يوليو 1968 قد حمله الى الموقع االول في المسؤولية كرئيس لدولة العراق فانه هو الذي ابدى لرفاقة اكثر من مرة رغبته الصادقة في التخلي عن المواقع التنفيذ ية في السلطة النه كان وما يزال يعتذر ويحرص على لقبه الذي واجه به ذات يوم رئيس المحكمة العسكرية عندما ساله عن عمله فاجابه : ) مناضل ( في حزب البعث العربي االشتراكي غير ان حرصة واعتزازه بهذا اللقب لن يستمد مبرره ومحتواه من تاريخ قديم وانما من وقائع مسيرة تاريخية متجددة على الدوام في ساحة النضال . ورغم ذلك وربما بفضله سوف نسمعه يقول لرئيس وزراء اليمن الشمالية والوفد المرافق له حين التقى بهم في الرابع من الشهر السادس عام 1979 .. ان مجلس قيادة الثورة هو مجلس غير استشاري فنحن جميعا مثل الرئيس البكر مشاركون في القرار ...النظام هنا يختلف نظامنا هو نظام قيادة المسلمين الذين كانوا يخاطبون محمدا باسمه الى ان نزلت اآلية الكريمة ومثلنا مثل قول عمر بن الخطاب لما خاطب قومه : لو رايتم في اعوجاجا ماذا تفعلون ؟ قالوا نقومه بسيوفنا فأجابهم الحمد هلل الذي جعلكم قادرين ان تقوموا عمرا بسيوفكم هذا هو موقفنا اال اننا نحترم المتقدم علينا بالنضال والجهاد ونحفظ له التسلسل بكل احترام (. ان الديمقراطية عنده ) نظرة شمولية للحياة ( واذا كان التقرير السياسي للقيادة القطرية في مؤتمرها الثامن قد اشار الى ان العراق كان من اكثر االقطار العربية افتقارا الى التقاليد الديمقراطية فان صدام حسين يقول : ) ان بعض الممارسات الجديدة التي نقوم بها البد من ان نقبل معها قدرا من الخسائر من اجل ان نتوصل الى انضاجها وبخاصة في ميألة كالمسألة الديمقراطية .. وان خسائر كهذه يجب ان ال تخفنا الننا عندما ناخذ االمور بمحصلتها االجمالية المحددة بالهدف والوسائل المركزية نجد ان المطلوب منا بالتاكيد هو ان نسير في اتجاه ممارسة الديمقراطية وباتجاه تحقيق االشتراكية وباتجاه النضال والسعي من اجل الوحدة العربية (. لقد مر العراق – ربما اكثر من اي قطر عربي اخر – بظروف شاقة بالغة الحدة سواء في عالقة االطراف السياسية ببعضها البعض في داخله او في مجمل نضال هذه القوى الوطنية على نطاق المجتمع ككل ولقد كان االستعمار واالمبريالية والرجعية هي المشاجب التقليدية التي تعلق عليها االخفاقات التي تمنى بها هذه القوى في نضالها .اما صدام حسين فانه يخترق هذا الحاجز التقليدي ويشير باصبعه الى عوامل اخرى ) ان سر ذلك كامن في العوامل الذاتية في النضج في االستفادة من التجارب في التحليل الصائب في المواقف الصائبة في كبح جماح العواطف غير المشروع ة في كبح جماح النظرة االنية التي كانت دائما تنطلق من حسابات خاطئة غالبا ماكانت تتم على حساب الهدف االستراتيجي والصفحة البعيدة المدى ...( ثم يضيف يطريقة اكثر تحديدا ) فالرجعية واليمين واالمبريالية وركائز الرجعية وركائز االمبريالية واليمين كعقلية واليمين كمصالح موجودون في المجتمع ووجودهم ليس ابن اليوم او ابن تلك المرحلة التي مرت بنا وشهدنا اخفاقاتها وجودهم يمتد الى سنين قبل هذا التاريخ ( ..


133 وما يهدف اليه صدام حسين من هذا القول هو ان يجعل من هذه الحقائق جميعا : ) طريقا في عملية النظرة الى النفس والنظرة الى الغير والنظرة الى المسيرة وتصور المستقبل ومستلزمات هذا المستقبل ايضا .. كيف حقق صدام حسين مقتضيات هذه النظرة في السلوك العملي ؟ كيف استطاع ان يتجاوز سلبيات الماضي في بنائه الجديد للديمقراطية ؟...لننتقل االن لتأمل هذا البناء نفسه. 10 -الديمقراطية والتقدم للشعب الكردي. ينبغي ان نقول بوضوح ان احدى المشكالت الكبرى التي كانت تواجه اي قائد سياسي في العراق هي : مشكلة الحل الديمقراطي للقضية الكردية فمنذ عهد عبد الكريم قاسم ثم عهد العائلة العارفية ) عبد السالم عارف – عبد الرحمن عارف ( وجبال كردستان في شمال العراق تصطبغ كل يوم ب دماء العرب واالكراد بال نهاية متوقعة في االفق . ولقد استطاع حزب البعث ان يقدم صيغة متكاملة نظريا وسياسيا وعمليا تعتبر تحوال تاريخيا ال في نضال الجماهير الكردية وتطالعاتها القومية المشروعة فحسب بل في نضال جماهير العراق كله عربا واكرادا من اجل بناء مجتمع ديمقراطي تقدمي يعطي المثل لغيره من المجتمعات المحيطة به في حل مسائل القوميات المتعددة بداخلها وتجسدت هذه الصيغة في البيان الشهير الذي عرف باسم بيان ) 11 اذار – مارس ((. وانطلق حزب البعث في وضع الصيغة الجديدة من ثالث منطلقات اساسية حددها التقرير السياسي للمؤتمر القطري الثامن في مايلي : 1 -ان الحركة القومية الكردسة في العراق برغم بعض المالبسات التاريخية التي رافقتها وما تحتويه من شوائب واتجاهات انعزالية رجعية بعضها على صالت مفضوحة بالدوائر االستعمارية والرجعية فهي من حيث الجوهر واالساس حركة قومية تمتلك في حدود مطالبتها بالحقوق القومية المشروعة للشعب الكردي في اطار الجمهورية العراقية وعلى راسها الحكم الذاتي مبررات مبدئية وواقعية وانها في هذا االطار جزء اساس من الحركة الوطنية في القطر العراقي . 2 -ان حزب البعث العربي االشتراكي حزب قومي انساني واشتراكي وديمقراطي العقيدة لذلك من الطبيعي تماما ان يتفهم الحقوق المشروعة للجماهير الكردية وان يناضل في سبيل تامينها وضمانها ...ولما كان الحزب يقود السلطة الثورية في البالد منذ 17-30-يوليو 1968 فانه يتحمل المسؤولية االساسية في ضمان هذه الحقوق في صيغ دستورية وقانونية واجرائية . ان المنهج الثابت واالساس الذي يعتمده حزب البعث العربي االشتراكي في الوصول الى تامين هذه الحقوق وضمانها هو المنهج السلمي والديمقراطي عن طريق التعاون المخلص وااليجابي مع القوى الخيرة الوطنية والتقدمية في صفوف الجماهير الكردية وفي اطار العمل الوطني المشترك المتمثل بالجبهة الوطنية والقومية التقدمية . وعندما صدر بيان 11 اذار – مارس الذي يعطي الحقوق القومية الكاملة للشعب الكردي في اطار الوحدة الوطنية للشعب العراقي وقفت ضده بعض القطاعات من جانب االكراد ومن جانب العرب على السواء فبعض القطاعات الكردية التي كانت تلتف حول قيادة المال مصطفى البرزاني الرجعية االقطاعية ذات االرتباطات السافرة بالقوى الرجعية والصهيونية


134 واالمبريالية خارج العراق وقفت ضده التها كانت تستهدف االنفصال ال الحكم الذاتي وبعض العناصر العربية وخصوصا داخل القوات المسلحة العراقية – وبعضها كان له مستواه القيادي – كانت ضده او التؤمن على االقل بجوهره الن لها حساباتها الخاصة التي تتعلق بمواقعها التي كانت لها في صفوف القوات المسلحة واعتبرت صدور مثل هذا البيان بمثابة وضعها على المطرقة وتجريدها من اية وسيلة للدفاع عن النفس بسبب المالبسات التي كانت سائدة قبل 11 آذار –مارس في العالقات القائمة وضمن المجتمع العراقي ..ولذلك فقد قاد الحزب القائد يومئذ نضاال شاقا مع النفس ونضاال شاقا في داخل المجتمع من اجل ان يولد بيان 11 اذار – مارس عام 1970.. كما قال صدام حسين نفسه . غير ان بيان 11 اذار – مارس الذي تضمن الحقوق القومية للشعب الكردي يبعته سلسلة من القوانين الصادرة عن مجلس قيادة الثورة تضمنت ايضا الحقوق الثقافية لكافة االقليات القومية االخرى الموجودة في العراق والتي ال تمثل بحسابات عدد السكان ثقال كبيرا واصبح من حق هذه القوميات االخرى ان تدرس بلغاتها – مع تعلم العربية اللغة االشمل للمجتمع كله بالطبع – وان تحافظ على تراثها وتقاليدها الخاصة وان تعبر عن نفسها في صحف ومجالت وكتب خاصة بها . لم تكتف القيادة االقطاعية للحركة الكردية بمعارضة بيان 11 اذار – مارس بل ظلت بعد صدوره سادرة في غوايتها وحملت السالح ضده ومن حولها قطاعات من الشعب الكردي التي كانت غارقة السباب تاريخية في اميتها وتعصبها ووالئها الديني للمال مصطفى البرزاني وساعدتها الحدود المفتوحة في شمال العراق مع ايران الشاه على التزويد بالسالح والعتاد ال من ايران وحدها بل حتى من مخفر االمبريالية االمامي في منطقتنا العربية: ) اسرائيل ( مباشرة لقد اصبح شمال العراق يومها بؤرة تنزف صديد الثورة المضادة ضد الثورة التقدمية في العراق . ورغم كل شئ اصرت الثورة على تنفيذ مشروع الحكم الذاتي وفي موعده المحدد لم تلق باال الى مناورات االنفصاليين الذين كانوا يتحدثون عن تاشير الحدود او اقتسام الدخول النفطية بين العرب واالكراد وكأن االمر يتعلق بانشاء دولة جديدة وليس باقامة حكم ذاتي القلية قومية في اطار الدولة الواحدة وفي تمام الساعة الثانية عشر من يوم 11 اذار – مارس 1974 تم اعالن قانون الحكم الذاتي لمنطقة كردستان واعطيت مهلة مدتها اسبوعان لممثلي الحزب الديمقراطي الكردستاني لالنظمام الى الجبهة الوطنية والقومية التقدمية .وااللتزام بقانون الحكم الذاتي . ولكن ممثلي البرزاني لم يردوا بالطبع على هذا النداء ال خالل االسبوعين والبعدهما ظلوا معتصمين بالجبال وبحبال الشاه الممدودة الى االمبريالية والصهيونية واستمر القتال ضد جيوبهم التخريبية بطبيعة الحال واشتد شراسة من جانبهم فلقد اصبح الحكم الذاتي واقعا قائما وكل امالهم في االنفصال باتت مهددة في صميمها وخالل عام واحد من القتال وقعت اكثر من ستين الف اصابة منها ستة عشر الفا من القوات المسلحة فقط وسقطت بالمقابل اعداد كبيرة من الشعب الكردي الذي زجت به القيادة العميلة في حرب ال مصلحة له فيها والمستقبل له من خاللها فعلى مدى اربعة عشر عاما لم يستطع ان يحقق منها مكسبا وما كان بوسعه ان يحقق بالسالح ومهما وقفت خلفه – او خلف قيادته الرجعية المعادية للوحدة الوطنية قوى االمبريالية – نصرا حاسما ان الدماء تسيل بغزارة وتبتلعها رمال الجبال واالموال تهدر كل يوم والحاجه تشتد اليها لتحقيق التنمية وتجاوز التخلف وتطوير البالد.


135 وكان صدام حسين يؤمن بان العمل الحاسم في ازاحة خندق جيب الردة ال يقرر بالسالح وانما بالسياسة فبقدر ماتكون هذه السياسة متجاوبة مع مصلحة الجمهور اكرادا وعربا فانها مستطيعة دفع جيب الردة حتى اخر موقع يستسلم فيه . وفي 6 اذار – مارس عام 1975 جرى في الجزائر لقاء بين صدام حسين وشاه ايران اثناء اجتماع القمة للبلدان المصدرة للنفط وتم عقد اتفاقية بين العراق وايران لحل مشكالت الحدود بين البلدين وارست هذه االتفاقية اسس العالقات بينهما على اساس االحترام المتبادل للسيادة وعالقات حسن الجوار وباتمام التوقيع على هذه االتفاقية من الجانبين تمت السيطرة على الحدود العراقية- االيرانة واغلقت في وجه المساعدات التي كانت تصل الى الجيب الرجعي في الشمال وانهارت فلول البرزاني وهرب هو نفسه الى داخل ايران . سوف نسمع بعد عقد هذه االتتفاقية بحوالي ثالث سنوات فيدل كاسترو يقول لصدام حسين: - ان اتفاقكم مع ايران كان حكيما جدا . - لم يكن عناك بديل رغم اننا كنا متأملين فانه كان قرارا حكيما وجريئا - لقد استطعتم ان تكسبوا الوقت لصالحكم - لقد ربحنا الثورة والعراق كله واستطعنا ان نركز على بناء االشتراكية . وعندما تم النصر الحاسم على الرجعية العميلة في الشمال ظن البعض داخل الوطن العربي وخارجه ان قانون الحكم الذاتي قد نسخ ....الى حد ان دوال معينة كانت تسأل السلطة العراقية : ماذا سيكون مصير الحكم الذاتي بعدما انتصرتم عام 1975 ؟ ...وكان صدام حسين يجيب دائما : نح ن لم ننتصر في ذلك التاريخ كبعثيين فحسب ولم ننتصر كعرب وانما انتصرنا كعراقيين وانتصرنا كاكراد وكعرب انتصرنا على انفسنا في معالجة الخطأ وانتصرنا على العمالء الذين وضعوا انفسهم في خدمة االجنبي بارادتنا جميعا من عرب واكراد ويقيادة حزب البعث العربي االشتراكي وبمساندة كل االطراف الوطنية والقومية والتقدمية اذن انتصرنا مرتين مرة بارادتنا ومرة على انفسنا ....المنحرف طرد وهزم والمخطئ تراجع تحت ظروف ومعطيات جديدة التغيير في سياستنا منهج الحكم الذاتي لم يقم على اساس حسابات مؤقتة ولم ينتزع منا انتزاعا من طرف منتصر واخر مندحر هو نحن ..وانما الحكم الذاتي كان تعبيرا اصيال عن منهجنا ونحن منتصرون بل نعتبر في قمة انتصارنا عندما نتخذ قرارا ناضجا يعبر عن حل صحيح لمشكلة عراقية او عربية او دولية ليس االنتصار فقط في ان تصلب ارادتنا في الصراع المسلح وانما االنتصار بل واحيانا القرار السياسي الجرئ يكون اخطر واكثر جرأة من اخطر القرارات العسكرية الجريئة كان الحكم الذاتي قرارا جريئا وكان قرارا مبدئيا صحيحا لشعبنا الكردي ومازال وسيستمر . غير ان الثورة في العراق على اخطر المشكالت التي واجهتها داخل الحدود العراقية اليثلج بالتاكيد صدورا عديدة خارج الوطن صدور الرجعيين واالمبرياليين وشراذم الشوفينيين من بقايا البرزانيين الذين ينتشر بعضهم في البلدان االوربية وبعضهم االخر في البلدان الشرق االوسط ولسوف تشتد الحملة على العراق كلما خطأ خطوة تقدمية اة ثورية او معادية للرجعية واالمبريالية في بالده وسنسمع اقاصيص وحكايات عن عودة القتال مرة اخرى في الشمال او عن تهجير االكراد من مواطنهم في كردستان الى جنوب العراق ...وبطبيعة الحال سوف يستغل سمار الشائعات حادثة ما تقع في الشمال .وقعت او من الممكن ان تقع في منطقة دارت على مسرحها رحى الحرب اربعة عشر عاما وينسجون حولها االساطير كما انه من الممكن ان يحولوا اجراء عاديا طبيعيا مثل اجراء ترحيل الذين يسكنون على الشريط


136 الحدودي بين العراق وايران من جانب او بين العراق وتركيا من جانب اخر الى عمق االراضي العراقية بمسافة تتراوح بين عشرة وعشرين كيلومترا والى قرى نموذجية اعدت لهم خصيصا تتوفر بها كل المستلزمات – التي تفتقر لها حتى االن بعض القرى القريبة من العاصمة نفسها – الى حملة اعالمية معادية تتحدث عن ترحيل االكراد من قراهم حتى يذوبوا في البحر العربي داخل البالد ...ولكن مثل هذه الشائعات والحمالت المغرضة التثير القلق بل لعلها تدعو الى االطمئنان فطالما ان من يقفون وراءها هم دعاة الثورة المضادة فان الثورة تكون اذن في مسارها الصحي ح . ويبقى ان صدام حسين يقول لرفاقه بعد النصر مايؤكد معاني المبدئية الثورية المستمرة رغم كل انتصار بل وبفضل كل انتصار : التصابوا بالغرور النكم ستصابون بالدوار وتفقدون القدرة على رؤية الطريق واالهداف الصائبة التفقدوا عوامل النصر فعوامل النصر يجب ان تطور لكي يبقى النصر دائما وجوهر هذه العوامل : ان تحرص على شعبك فنحن النحب الجبل لكونه جزءا من العراق فقط وانما نحن نحب الجبل في شمال وطننا بالدرجة االولى الن عليه شعبنا فمن موقع الدفاع عن شعبنا ندافع عن الجبل ...ان الذي يدافع عن الجبل ويسحق شعبه اليمكن ان يكون منتصرا وانت تدافع عن الجبل يجب ان يكون واضحا لديك انك تدافع عن شعبك الذي يعيش على الجبل باالساس .. لم ينتصر البعثيون في شمال العراق اذن وحدهم ال ولم ينتصر العرب واالكراد فقط وانما انتصر قبل اولئك وهؤالء مبدأ الديمقراطية الذي طالما لقي الهزيمة النكراء ومازال يلقاها في اكثر من مكان حول العراق . 11 -الجبهة الوطنية هدف استراتيجي لم يكن انتصار اذار – مارس الذي حققته ثورة تموز – يوليو وارست فيه وبه اسس الحلول العلمية والمبدئيه للمشكلة الكردية هو اول انتصاراتها على طريق الديمقراطية كانت قد حققت انتصارا اساسيا اخر قبله بعامين وهو قيام الجبهة الوطنية والقومية التقدمية رسميا في 17 يوليو – تموز عام 1973 ففي ذلك اليوم اعلن الرئيس احمد حسن البكر من كل اجهزة االعالم العراقية قيام الجبهة بين حزب البعث العربي االشتراكي والحزب الشيوعي العراقي بعد سنوات طويلة من التعارض والتناقض واالحتراب بالسالح ولم تكن تلك اللحظة اال تتويجا لجهود شاقة طويلة تعرضت للمد والجزر اكثر من مرة حتى امكن لهذه الجبهة ان ترى النور . ومن المفيد ان نتذكر هنا ان حزب البعث كان المبادر الى مد يده للقوى السياسية االخرى ومن بينها الحزب الشيوعي العراقي من اجل وحدة العمل السياسي القومي التقدمي داخل البالد لم يكن ذلك بعد انتصاره بمفرده في االستيالء على السلطة صباح السابع عشر من تموز – يوليو فحسب وانما قبل ذلك بكثير ايام دكتاتورية عبد الكريم قاسم نفسها وحتى بعد مأسي الموصل وكركوك حين كان ينادي على كافة القوى الوطنية والتقدمية بالتوحد الجبهوي داخل جبهة االتحاد الوطني . وفي اللحظة التي تم فيها التخلص من العناصر المتسللة الى ثورة 17 تموز –يوليو وانطلقت الطائرة التي تحمل عبد الرزاق النايف من معسكر الرشيد في طريقها الى المغرب ..اخرج


137 صدام حسين من جيب سترته البيان الذي كان قد اعده لثورة الثالثين من تموز- يوليو وكان يتضمن هذا النص الذي اذيع يومها من كل اجهزة الراديو والتلفزيون . ) ان القوى التقدمية مدعوة ان تعي مسؤليتها في هذه المرحلة الدقيقة من حياة شعبنا وامتنا وان تسهم مساهمة جدية في حماية الثورة والحفاظ على نهجها التقدمي من خالل المشاركة الفعلية في تحمل اعباء المسؤولية وان الثورة حينما تنتهج هذا الطريق لن تنطلق من مواقع الضعف وانما ارادت ان تؤكد ايمانها بضرورة تحقيق اوسع مشاركة جماهيرية في دفع عجلة الثورة الى االمام ...( وكان صدام حسين في هذه العبارات وفيا للخط السياسي الذي اقره المؤتمر القومي التاسع لحزب البعث العربي االشتراكي الذي انعقد في فبراير – شباط 1968 اي قبل قيام الثورة في العراق واكد فيه بوضوح وجرأة على ان صيغة النضال الجبهوي على صعيدي النضال السلبي والحكم هي الصيغة الوحيدة القادرة على تلبية متطلبات النضال العربي في هذه المرحلة التي زادها العدوان االمبريالي الصهيوني خطورة وتعقيدا . ولم تكن تلك الدعوة الصريحة الى مشاركة كل القوى في مسؤوليات العمل الوطني هي الدعوة االخيرة فلقد تكررت هذه الدعوة اكثر من مرة على لسان المسؤولين القياديين في حزب البعث وفي ديسمبر – كانون االول عام 1968 نفسه اي بعد قيام الثورة باقل من خمسة اشهر نشرت جريدة الثورة دراسة طويلة معمقة بقلم طارق عزيز تحت عنوان : نحو جبهة وطنية تقدمية راسخة حث فيها القوى الوطنية والتقدمية على االسراع بجدية في الدخول الى هذه الجبهة التي يدعو اليها بحرارة وحماس ومبدئية حزب البعث وقال : يجب على القوى الوطنية اال تتصرف كمناطقة القسطنطينية الن اسرائيل واالمبريالية وقوى الرجعية الداخلية والخارجية وشبكات التجسس والتخريب لن تنتظر حتى ينتهي جميع التقدميين من حوارهم الطويل وتتشكل في العراق جبهة وطنية تقدمية راسخة ستعمل اول ما تعمل على سحق هؤالء االعداء ... وختم دراسته بنداء جديد : في جميع الظروف واالحوال ومهما طال الطريق نحو الجبهة الوطنية التقدمية المنشودة فان الفئات الوطنية التقدمية في الحكم وخارجه مطالبة كلها بأال تنسى الحقيقة الكبرى التي وعتها جماهير الشعب وهي ان التناقض الرئيسي هو بين الفئات الوطنية والتقدمية مجتمعة من جهة وبين االستعمار والصهيونية والرجعية من جهة اخرى وان التناقضات القائمة والتي يمكن ان تقوم بين الفئات الوطنية والتقدمية ماهي اال تناقضات ثانوية ممكنة الحل وال يجوز ابدا تصعيدها الى مستوى التناقضات الرئيسية وجعلها سببا للصراع واالقتتال ...ان الظروف الجديدة التي وفرتها تغيرات 17 و 30 تموز- يوليو – 1968 تشكل اليوم فرصة تاريخية لوضع العراق على طريق الوحدة الوطنية وعلى طريق الثورة الوطنية التقدمية وان الفئات الوطنية مسؤولة عن تحويل هذه الفرصة الى واقع حقيقي وسيكون الحساب امام الشعب والتاريخ عسيرا اذا مافرط احد بهذه الفرصة وفرط بما تتيحه من امكانيات لتحقيق الثورة الوطنية التقدمية ذات االفق الوحدوي االشتراكي .. وفي 20 يوليو – تموز عام 1970 سيعقد الرئيس احمد حسن البكر مؤتمرا صحافيا يؤكد فيه نظرة البعث الى الجبهة وسنسمعه يقول : الجبهة على الصعيدين القطري والقومي هدف استراتيجي ثبته المؤتمر القومي التاسع لحزب البعث العربي االشتراكي قبل قيام ثورة السابع عشر من تموز – يوليو 1968 وقد عملت قيادة قطر العراق على اقامة الجبهة قبل الثورة واجرت عدة اتصاالت مع القوى الوطنية في هذا القطر ..ولكنها جوبهت بسلبية ال


138 مسؤولة من قبل هذه القوى ...وعندما قامت ثورة السابع عشر من تموز – يوليو جدد الحزب مساعيه القامة الجبهة وعرض على القوى االخرى المشاركة في تحمل المسؤولية وكان موقف تلك القوى – مع االسف- غير ايجابي ..بالمرة .. فلماذا كان الشيوعيون يرفضون ايامها او يتقاسمون عن دخول الجبهة ؟ وما هي العوامل التي كانت تحكم تفكيرهم في تلك المرحلة على اثر قيام الثورة ؟ يمكن القول ان تلك العوامل لم تكن تخرج في جوهرها عن العوامل االربعة التالية العامل السيكولوجي :الذي يرسخ سلبيات العالقات الماضية ويرجح الجانب الذاتي على الجانب الموضوعي في العالقة السياسية بين قوتين سياسيتين على المسرح العامل االيديولوجي الذي يدفع الى القصور في التحليل ومن ثم الى الخطأ في الحساب وهو مابدأ في التقويمات االولى للثورة على انها مجرد حلقة في سلسلة االنقالبات التي تقوم بها فئات ) البرجوازية ( الصغيرة في العالم الثالث وفي اقطارها العربية وسرعان ما تهبط فورتها ويخمد حماسها وتسقط في اخطبوط مشاكلها فال تحقق اي شئ ..العامل التنظيمي : فلقد كان الحزب الشيوعي العراقي يعاني من اثار االنقسامات الداخلية التي لم يبرأ منها قط كما لم تبرأ منها كل الحركات الشيوعية في اقطارها العربية اما العامل الرابع – ولعله اهم هذه العوامل جميعا – فلربما امكن ان نسميه عامل التنافس القيادي فلقد استنكف الشيوعيون – في البداية – ان يكون لحزب البعث العربي االشتراكي دور ) متميز ( في قيادة الجبهة بوص فه صانع الثورة وحده وطالبوا بالمساواة بين االحزاب المختلفة في قيادة العمل الجبهوي وهو االمر الذي لم يكن مقبوال ال نظريا وال عمليا فنظرية االواني المستطرقة في العمل الجبهوي ال وجود لها .وفي كل الجبهات التي حدثت في الشرق والغرب كان دائما ثمة دور قيادي متميز للحزب الذي فجر الثورة ويمسك بزمام السلطة بصرف النظر عن قيام الجبهة او عدم قيامها . شكلت هذه العوامل االربعة – فيما نعتقد – عناصر التردد والتراجع في مواقف الحزب الشيوعي العراتقي ازاء الدعوة لدخول الجبهة ولقد قوبلت هذه العوامل وخصوصا العامل االخير بحسم واضح من جانب حزب البعث ولسوف يقف صدام حسين في ندوة عقدت في شهر مايو – ايار عام 1970 ليقو ل بصراحة قاطعة : هذه الثورة وجدت لتبقى ووجدت لكي يكون حزب البعث العربي االشتراكي قائدا لها وعندما يكون حزب البعث العربي االشتراكي قائدا لها يعني انه عندما نوجه الدعوة للقاء القوى الوطنية اليعني ان نتخلى عن دورنا القيادي على مستوى المنظمات الشعبية الجماهيرية وعلى مستوى اجهزة الحكم الدستورية والتنفيذية الننا لم نأت حتى نحكم فقط لقد جئنا حتى نطبق برنامج حزب البعث العربي االشتراكي الذي هو من وجهة نظرنا برنامج الجماهير الكادحة في القطر العراقي وفي سائر اجزاء الوطن العربي االخرى ولذلك ليس من المعقول ان يطلب منا ان نغادر القيادية في هذه الثورة وفي اجهزتها لم نحارب انسانا في هذا القطر على ارائه السياسية واوضح ان صحيفة الثورة فاتحة صفحاتها للكتابة لكل االتجاهات السياسية وهناك مجلة اسمها ) الثقافة الجديدة ( يفترض فيها ان تكون مجلة فكرية عامة اال انها مجلة سياسية تنشر فيها كل بيانات الحزب الشيوعي وكل وجهات النظر ... غير ان الشيوعيون ظلوا يطالبون بمبدأ ) التكافؤ ( او ) الجبهة المتكافئة االطراف ( او تطبيق نظرية االواني المستطرقة وجرى ذلك بشكل علني في مؤتمر الحزب الديمقراطي الكردستاني على لسان كريم احمد الداوود عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي انذاك وردت جريدة الثورة بمقال تقول فيه : ) ان السيد عبد الكريم احمد عندما يحلو له ان يتحدث


139 عن المتكافئة االطراف انما يقدم شيئا فريدا في الواقعية فمعنى التكافؤ ياتي من داللة الكلمة ) التكافؤ ( ال من المشاعر الذاتية التي يسعى البعض لفرضها عليها والتكافؤ يقتضي باالساس وجود اطراف متساوية في مسؤوليتها ومشتركة في مهامها ومتضامنه في حفاظها على نتائج اعمالها اي لكي يكون الطرف الذي يريد التكافؤ متكافئا فعال فالبد ان يكون تاريخه القريب تاريخ تكافؤ فعلي ان يكون متساويا معه ) لتعميق طابع اتحاده االشتراكي ( وان يكون مشتركا في الثورة ضد هذا الحكم مهما كانت النتيجة ربحا او خسارة ال ان ينتظر الربح ويقول : هيا فلنقتسم وان يكون ممتلئا بالعرفان للثورة التي حررت اعضاءه وازالت كل المضايقات والقيود التي احاطت بهم سابقا ال ان يقابل ذلك بالجحود ...( . غير ان المؤتمر الثاني للحزب الشيوعي العراقي الذي عقد في سبتمبر – ايلول 1970 كرر نفس مقوالته بالنسبة للدعوة المطروحة عليه لدخول الجبهة والح على مبدأ التكافؤ بين جميع االطراف . وكانت جريدة الثورة قد نشرت في تموز – يوليو 1970 تصور حزب البعث لقيام الجبهة وشروطها واسسها وكان يتضمن ضرورة قيام االطراف الوطنية بتقييم حزب البعث وقيادته تقييما موضوعيا صريحا باعتباره حزبا ثوريا وحدويا اشتراكيا ديمقراطيا واصدار تقسسم ال لبس فيه وال غموض وال التواء لثورة 17 تموز – يوليو الوطنية التقدمية المعادية لالمبريالية والصهيونية واالستغالل الطبقي واالعتراف بالدور القيادي للحزب على صعيد الحكم وعلى صعيد المنظمات وعلى صعيد الجبهة رفض الوجود الصهيوني رفضا كامال وااليمان بالتحرر الكلي لفلسطين واالرض العربية المحتلة ورفض قرار مجلس االمن مع تبني الكفاح المسلح من اجل تحرير فلسطين واعتبار الوحدة العربية الهدف االساس الذي يستجمع كل االهداف ويقف في مقدمتها االيمان بالتحويل االشتراكي ومعاداة االستعمار والرجعية وعدم السماح بخلق والءات خاصة داخل القوات المسلحة غير الوالء للثورة باعتبار هذه القوات احدى المؤسسات الثورية المهمة التي يعني االمتداد من قبل االحزاب والمنظمات السياسية في صفوفها خطرا على وحدتها كأداة فعالة .. وفي عام 1971 في الخامس عشر من شهر نوفمبر – تشرين الثاني اصدر حزب البعث العربي االشتراكي ) ميثاق العمل الوطني : تتويجا لمسيرةالثورةالظافرة ومسعاها الجاد لتحقيق العمل الجبهوي من خالل تجاوز سلبيات بعض القوى السياسية في القطر واستجابة للمصلحة الوطنية العليا الصف ووحدة الوطني لترسيخ وتعميق النهج الوطني الثوري ...وتحدث الميثاق عن ضرورة الجبهة والتحالف بين القوى الوطنية والقومية والتقدمية في القطر العراقي وكيف ان النظرة الى هذا التحالف هي نظرة ) مبدئية واستراتيجية( بالنسبة لحزب البعث وعدد المنجزات الكبيرة التي حققتها الثورة تحت قيادة البعث مثل تصفية شبكات التجسس داخل العراق واالستثمار الوطني للكبريت والنفط واصدار تشريعات ثورية في المسألة الزراعية كقانون االصالح الزراعي رقم 151 لسنة 1970 واصدار قانون العمل رقم 151 لسنة 1970 وقانون التقاعد والضمان االجتماعي واالتجاه لحل المسألة الكردية حال سلميا ديمقراطيا واعداد اضخم خطة تنمية خمسية في تاريخ القطر وغيرها . وفتحت جريدة الثورة صفحاتها على مدى ثالثة اشهر لكل الكتاب التقدميين من ذوي االتجاهات المختلفة لمناقشة الميثاق وكان االجماع على ) ان ميثاق العمل الوطني انتصار جديد ومهم للحركة الثورية في القطر وفي الوطن العربي وهو اول بادرة ثورية من نوعها


140 يقوم بها حزب تقدمي حاكم في الوطن العربي ) وفي معظم ارجاء العالم الثالث ( لتجميع كل القوى التقدمية الخيرة في بالده عبر دعوة نضالية تاريخية لقيام وارساء العمل الجبهوي والنضال المشترك النشيط الواسع على اسس استراتيجية عملية وتكتيك ثوري يضع الثورة العربية على طريق النصر . بل ان المكتب السياسي للحزب الشيوعي العراقي اصدر بيانا يقول فيه : ان ميثاق العمل الوطني يتضمن اسسا صالحة للتعاون الوطني وان مشروع الميثاق من حيث مضامينه واتجاهاته الرئيسية معاد لالمبريالية ...واكد على ان الميثاق يعلن االنحياز الكامل والحازم الى معسكر الشعوب المناضلة ضد االمبريالية والعدوان ..( وعلى ان الميثاق يرسم برنامجا تقدميا للتحوالت االقتصادية – االجتماعية ويعتبر طريق التطور الراسمالي طريقا مرفوضا من الناحية المبدئية وعلى ان الميثاق يؤكد على الحل السلمي الديمقراطي للمسألة الكردية ..وعلى ..اهمية االستمرار في توثسق عالقات التعاون مع الدول االشتراكية .. ثم مضت بعد ذلك ثالثة اشهر ... وفي قبراير – شباط 1972 قام صدام حسين بزيارة لالتحاد السوفيتي على راس وفد رسمي وحزبي كبير ثم تلتها زيارة الكسي كوسيغين رئيس وزراء االتحاد السوفيتي للعرؤاق وجرى خاللها التوقيع على معاهدة الصداقة والتعاون بين العراق واالتحاد السوفيتي في نيسان – ابريل 1972 واثناء زيارته للقطر عقد كوسيغين اجتماعا مع اعضاء اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي .في نطاق تبادل وجهات النظر بين الحزبين الشقيقين واصدر الحزب الشيوعي بعدها بيانا بمناسبة توقيع المعاهدة قال فيه : ان الحزب الشيوعي العراقي اذ يعتبر عن ترحيبه البالغ بالمعاهدة العراقية – السوفيتية .فانه كان يتابع باهتمام تطور العالقة بين العراق واالتحاد السوفيتي السيما بعد زيارة الوفد العراقي الحزبي والحكومي لالتحاد السوفيتي في شباط – فبراير عام 1972 واليوم وقد تكللت جهود الجانبين الصديقين بالنجاح في توقيع معاهدة الصداقة والتعاون فان حزبنا الشيوعي العراقي يثمن ايجابيا هذه الخطوة التاريخية وهو يعلن عن استعداده الكامل للعمل بكل طاقاته دون تحفظ للتعاون مع حزب البعث العربي االشتراكي ...من اجل ان تخفق راية الصداقة العراقية – السوفيتية عاليا ..(. وبعد ان اعلن الحزب الشيوعي موقفه ذاك طلبت منه قيادة حزب البعث االشتراك في الوزارة بمقعدين فعقدت اللجنة المركزية اجتماعا طارئا لدراسة الموضوع وقررت اتخاذ موقف ايجابي من الدعوة والموافقة على االشتراك في الوزارة : ودخل من اعضاء اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الى الوزارة العراقية ..عامرعبدهللا و مكرم الطالباني . وفي 17 يوليو – تموز 1973 بعد سلسلة من االجتماعات بين ممثلي الطرفين اعلن عن توقيع البيان المشترك بين حزب البعث العربي االشتراكي والحزب الشيوعي العراقي وقعه عن خ\حزب البعث امين سر القيادة القطرية احمد حسن البكر وعن الحزب الشيوعي عزيز محمد السكرتير االول للجنة المركزية . ونشرت جريدة الثورة وجريدة الفكر الجديد نص ميثاق العمل الوطني وقواعد العمل في الجبهة وكان يتضمن بوضوح االعتراف الصريح من جانب الحزب الشيوعي بان حزب البعث العربي االشتراكي يحتل موقعا متميزا في قيادة الجبهة وفي هيئاتها وانه يقود السلطة السياسية في الدولة كما يقود مؤسساتها الدستورية كما نص صراحة على االلتزام بعدم ممارسة النشاط الحزبي في داخل القوات المسلحة لغير الحزب القائد للثورة بوصفها احدى


141 المؤسسات الثورية المهمة التي يمثل االمتداد من قبل االحزاب والمنظمات السياسية الى صفوفها خطرا على وحدتها . وبدأت صفحة جديدة .. وفي كل مكان خارج العراق وعلى امتداد الوطن العربي كله اعتبر المناضلون القوميون والتقدميون من كافة االحزاب والمنظمات والتيارات القومية التقدمية هذا االقفاق االخير واحدا من االنجازات المهمة لثورة تموز – يوليو في العراق ..يمكن ان يكون له صدارة واشعاعه الخارجي كما يمكن ان تكون له افاقه االيديولوجية المحتملة على طريق التفاعل االيجابي بين التيارين الفكريين االساسيين في الساحة العربية بحيث تتطور الجبهة من خالل نضاالتها العملية الى مزيد من التالحم والوحدة الفكرية والتنظيمية بين اطرافها . صدام حسين نفسه كان يلح في اجتماعاته مع لجان الجبهة على ضرورة هذا التفاعل االيجابي وتوفير شروطه االيديولوجية والنفسية كان يقول :اعتقد ان الخطأ الذي يقع فيه البعثيون كما يقع فيه الشيوعيون بشكل خاص .هو ان كل رفيق منهم يتصور ان استقالليته االيديولوجية تجعله يعتقد بانه وحده يمتلك الحقيقة الكاملة المطلقة في التطبيق .ثم يصر على هذا التصور ويطلب من االخرين ان ينضووا تحت جناحه وتتاثر كل تصرفاته الالحقة بذلك ان مثل هذا الفهم الخاطئ لالستقاللية اذا ما استمر فان الجبهة لن تصل الى افقها االسترتتيجي .. كما كان يولي تقديرا لالعتبارات النفسية التي تلعب دورا هاما في خلق االطار المالئم لهذا التفاعل :ان اساس التفاعل ايها الرفاق هو توفر روحية التفاعل و وجود الرغبة في التفاعل والرغبة المجردة بدون ارضية تقف عليها غير كافية اذ يجب ان نوجد الجو النفسي الذي يجعل من التفاعل عملية مطلوبة وضرورية والتفاعل في اية حال غير مناقض لالستقالل االيديولوجي ان االستقاللية االيديولوجية ال تلغي التفاعل من اجل وضع االيديولوجية في سياق جديد يكون الوجه الجديد فيها هو التكيف والتفاعل مع حقائق المجتمع ومع ظروفه الموضوعية المتطورة بما يفتح مسالك جديدة امام العمل السياسي والفكري واالجتماعي ان هذا النهج يمكننا من تكوين جبهة تكثر فيها المعابر التي تجعل الفكر امام اخذ وعطاء للمستقبل وامام تفاعل افضل بصورة دائمة .. وكان في تقديره دائما ان هذا التفاعل االيجابي الذي ينطلق من ان كل طرف لديه ما يعطيه وكل طرف عليه مايجب ان يتعلمه يمكن ان يكون المفتاح المركزي لخلق االجواء النفسية والفكرية التي تسهل الوصول الى االهداف العملية وبدونه اليمكن ان تنتهي المواقف المتشنجة التي تحدث احيانا بين البعثيين كما اليمكن ان تنتهي المواقف المتشنجة والتصرفات الخاطئة بين صفوف الشيوعيين والتي تغذي هي االخرى المواقف المتشنجة لدى البعثيين وتوجد لها المبررات النفسية ... غير ان التفاعل اليعني مجرد النقد المتبادل بين الطرفين وليس هو مجرد المطالبة بحقوق دون المشاركة العملية االيجابية في البناء بل ان هذا النقد نفسه اليكتسب مبرره وضرورته ومشروعيته اال من خالل اداء بارز للواجبات . في العمل اليومي كما ان عمليه ان يوضع في سياقه الصحيح ايضا فال يتحول الى تصعيد لالخطاء وتجاوز للممكنات الموضوعية في تقييم االجراءات التي تتخذها الثورة وعليه دائما ان يستلهم الروح الجبهوية وان يتخذ من لجانها وهيئاتها اطارا له فال يتحول الى محاوالت للكسب على حسابها .


142 ان الشيوعييين يؤمنون بخط مستقل ايديولوجيا عن حزب البعث ومثلهم منتسبوا الحزب الديمقراطي الكردستاني واالخرون اذن فعليهم ان يكسبوا بهذا الطريق وليس باي طريق اخر اذ ان اي طريق اخر البد ان يقود الى التناقض بين اطراف القوى الوطنية وقد يقود الى االنحراف عندما يتحول الى صراع مع مسيرة الثورة لو تصورنا االية معكوسة وبدأنا في حزب البعث نشهر بالشيوعيين في خطبنا وفي اجهزة االعالم الن بعضهم يشهر بنا وبنظامنا ومبادئنا – وهم يفعلون ذلك عن طريق ما يعتبرونه خاطئا في تصرف االجهزة االدارية ويجعلون من ذلك وسيلة للكسب – فكيف تتصورون الحال ؟اي ان نكسب لحزبنا عن طريق تهشيم االخرين فهل هذا مقبول ؟ اذا كان هذا مقبوال فال بد ان تتصوروا كم ستخسرون اذا ما تحدث قادة حزب البعث في خطبهم للجماهير عن سلبيات الحزب الشيوعي ...ولكننا عندما نقف ونتحدث عن الجبهة وعن دوركم فيها وعن دور القوى الوطنية االخرى بشكل ايجابي فان في ذلك كسبا كبيرا لكم .. ولم يتردد صدام حسين في ان يضع مشكلة االجهزة الخاصة في الدولة في اطارها الطبيعي وان يفسر بوضوح اسباب شططها احيانا وان يقدم الحلول العملية اليليمة للخروج من ضغوطها :في العالم كله في االنظمة االشتراكية وفي الدولة الراسمالية قد تسعى االجهزة الخاصة الى وضع القيادة السياسية امام حالة استثنائية احيانا وقد تسعى بعض عناصرها الى ذلك عن قصد اذا كانت غير امينة وعندما تكون مخلصة فقد تسعى الى ذلك احيانا وبدون قصد وانما هي تجد نفسها منساقة – نفسيا – الى خلق حالة غير طبيعية كي تاخذ صالحيات استثنائية ويكبر حجمها في التعامل مع القيادة السياسية ولكن دورنا في التثقيف ودورنا في الرقابة ودورنا في التفاعل يقلل من فرص العناصر السيئة او العناصر الساذجة في ايجاد حالة استثنائية لمعالجة اية قضية من القضايا المطروحة .. ولكن كيف يمكن وضع ذلك كله موضع التطبيق ؟ ماهو الطريق الذي ال طريق غيره لحل كل المشكالت الناجمة عن العمل اليومي في الواقع العملي ؟ سوف يقول صدام حسين بوضوح : ان التفاعل يجب ان يزداد واالجتماعات ينبغي ان تنتظم والبد من ان يكون هنالك اطالع على القرارات السياسية واالجراءات االدارية واجراءات الدولة كما هي بحجمها الطبيعي ومبرراتها االساسية ) يقول المثل الريفي : البخور يطرد الخبيث ونقول نحن :الوضوح يطرد الخبيث مثلما تطرد الشمعة الظالم . غير ان ذلك كله ينبغي ان ينطلق من منطلق اساسي وجوهري بدونه المعنى للتفاعل او النقد االيجابي بل المعنى للجبهة نفسها في حد ذاتها هذا المنطلق هو ) االنتماء للثورة ( ان هذا االنتماء الواضح المحدد للثورة هو القاعدة الصلبة التي يمكن ان يرتفع من فوقها البناء المشترك بل لعل هذا االنتماء الصميمي هو الذي يمكن وحده ان يضع البذرة الطيبة لكل احتماالت او ربما ضرورات اللقاء والتعاون والتىزر على الصعيد االستراتيجي ان صدام حسين يقول بطريقة ال لبس فيها وال غموض ان هذا االنتماء هو المحك وهو ايضا معيار النجاح والخصوبة في نتائج المستقبل . هناك تجارب كثيرة في العالم ايها الرفاق الشيوعيون تريكم كيف تصرفت االحزاب الشيوعية بمرونة عالية استجابة للشروط الوطنية والقومية في بلدانها فثورة كاسترو تفاعل معها الحزب الشيوعي هناك الى الحد الذي اصبح فيه كاسترو زعيما للحزب الشيوعي في كوبا وهناك احزاب شيوعية في اوربا الشرقية التحمل اسم الحزب الشيوعي فلماذا تفسر


143 االستقاللية االيديولوجية في هذا القطر تفسيرا يبعد التفاعل بينكم وبين رفاقكم من االطراف السياسية االخرى فيما تفسر في تجارب ثورية اخرى في العالم بشكل مختلف ؟ ينبغي القول ان الهدف المبدئي للجبهة والتصور االستراتيجي لها لم يغب قط عن تفكير صدام حسين بصرف النظر عن المشكالت الفرعية او الجزئية التي كان يغرق فيها البعض وينسون افاق المستقبل بل ان السؤال الذي كان يتردد همسا واحيانا داخل الغرف المغلقة طرحه صدام حسين بجرأة كعادته وواجه اصحابه في عيونهم :ماذا استفدنا من الجبهة ؟ ) ستواجهون جميعا سواء اكنتم بعثيين او شيوعيين او مستقلين من الحركات السياسية االخرى التي قد تجد طريقها الى الجبهة مستقبال ستواجهون هذا السؤال : ماذا استفدتم من الجبهة ؟...هذا السؤال سيكون مطروحا وبشكل دائم وهذا احد االساليب والوسائل التي تستهدف خلق ثغرات نفسية والعمل على تعميقها لكي تكون ثغرات عملية من اجل ان ينفذ منها المقابل ..ربما كنا نجد من حين الخر ان فائدتنا قليلة اما اذا كنا نقيس هذه الفائدة باطار التصور االستراتيجي المرتبط بالمسيرة التي نقيم اسسها جميعا وبجهد مشترك من اجل شعبنا فاننا سنجد نفعا يوميا اليحصى لنحاول االن ان نعكس السؤال في غير صالح من يسألون : ماذا سنستفيد لو عشنا متناحرين ؟هكذا يكون وسترون جوبه ترى ماذا استفاد الشعب العراقي من من خالل ظروف التناحرات السابقة وماذا استفاد الوطن ؟...ان المنهج الذي نسير عليه ينطوي على مقدار االستفادة بالحسابات والتصورات االستراتيجية .. فالثورة والمسيرة والجبهة تؤخذ بمحصلتها وال تؤخذ مجزأة ..واذا ما أخذتم المحصلة بما فيها من مؤشرات فانها ستجعلكم وتجعلنا جميعا نفخر باالنتماء اليها ( . غير ان السؤال فيما سبدو ظل يتردد في اوساط الشيوعيين الذين كان بعضهم يتصور الكسب ) بعقلية نقابية ( او في االقل بعقلية بعيدة عن التصور االستراتيجي الشامل لمسيرة الثورة ماذا خسر الشيوعيون من دخولهم الجبهة ؟ انتم ايها الرفاق يبحثون عما كسبتم فماذا خسرتم ؟ لقد ازداد عددكم وازدادت جماهيريتكم وقوى تنظيمكم وتجد افكاركم اليوم المجال للتفاعل مع االطراف الوطنية االخرى وتعملون بحرية فماذا كنتم ستكسبون لو كنتم خارج الجبهة ؟( ومن الغريب ان الحزب الشيوعي نفسه كان يقول انه كسب على لسان سكرتيره االول عزيز محمد في التقرير السياسي الذي قدمه للمؤتمر الثالث للحزب الذي عقد في عام 1976 اعتراف صريح وواضح : ) ان االنجازات التقدمية التي سبقت قيام الجبهة ومن ثم قيام الجبهة نفسها خلقت امكانيات اكبر الساعة الديمقراطية في البالد فقد اتيحت لحزبنا الشيوعي في الظروف الجديدة فرصة ممارسة العمل العلني وفتح مقراته وصدور صحيفته اليومية المركزية: طريق الشعب بصورة شرعية كما مارست القوى الوطنية الكردية نشاطها العلني وشرعت مؤسسات الحكم الذاتي لمنطقة كردستان بممارسة اعمالها ...( بل ان السكرتير االول يؤكد قيادة حزب البعث للمسيرة التي اثمرت كل تلك المنجزات على صورة قرار من المؤتمر كله جاء فيه : ) ان حزب البعث العربي االشتراكي هو قائد الثورة والدولة السلطة السياسية في القطر وله دور متميز في قيادة الجبهة وان الحزب الشيوعي يسند ويدعم هذا االتجاه ويؤيد المنجزات الثورية والتقدمية التي تتحقق ويعتبرها لبنات اولية وضرورية ومفيدة على طريق بناء االشتراكية في العراق ...(


144 بكل الحسابات اذن المبدئية والتنظيمية والعملية كان الحزب الشيوعي يكسب من قيام الجبهة ومن استمرارها ومن تقدمها فما الذي قلب الموازين وغلب اتجاهات العزلة واالنعزال او ضخم اوهام التفرد واالنفراد ؟ هل كان مايجري على السطح غير مايدور في االعماق ؟ بعد االجتماع الكامل للجنة المركزية للحزب الشيوعي في 10 مارس – اذار 1978 صدر تقرير سياسي وزع توزيعا علنيا واسعا تضمن انتقادات حادة لحزب البعث العربي االشتراكي كما انطوى على مطالب جديدة تتنافى مع نص ميثاق الجبهة وروحه . ويمكن تلخيص المحاور االساسية التي دار حولها التقرير فيما يتعلق بالجبهة وبالعالقة بين الحزبين فيما يلي : 1 -ان الحزب الشيوعي يطالب بان يكون عام 1978 عام انهاء فترة االنتقال واالعداد لالنتخابات العامة للمجلس الوطني في ظل الحريات السياسية العامة التي تطلق مبادرات الجماهير وطاقاتها . 2 -ان الحزب الشيوعي يطالب بان تتدارس الجبهة القرارات المهمة قبل اصدارها . 3 -ان الحزب الشيوعي يطالب بالغاء شرط االلتزام الحزبي في تسلم المسؤوليات . واذا كانت تلك هي المطالب المحددة فلقد مهد التقرير بسلسلة طويلة من االنتقادات التي اخرجها من جعبته فجأة وطرحها دفعة واحدة في عرض الطريق كي تسده امام اية محاولة للمناقشة الهادئة الجادة البعيدة عن التشنجات واالنفعاالت العصبية داخل لجان الجبهة او في هيئاتها القيادية العليا لم يكن البعث مترددا في االعداد لالنتخابات العامة للمجلس الوطني ولقد كانت الظروف الموضوعية التي مر بها العراق في صراعه ضد مراكز االمبريالية ومخافرها في الشمال المتمثلة في بؤرة التمرد البرزاني ثم انتصاره الحاسم عليها ثم اعادة الحياة الى اوضاعها الطبيعية في منطقة الحكم الذاتي .تحول دونه وما يطالب به الحزب الشيوعي من انتخابات حرة شاملة وفضال عن ذلك فان تعبيراته الخاصة بالحريات السياسية العامة واطالق الطاقات والمبادرات توحي بان ثمة ضغطا وكبتا وقمعا كان يجري في البالد وهو ما يتنافى مع قرار مؤتمره السابق نفسه بل يتعارض مع ماكان يتمتع به من ممارسة لحرياته السياسية العلنية والتعبير عن ارائه الكاملة في صحيفته اليومية المركزية التي تصدر باسمه وهو مالم يتمتع به حزب شيوعي اخر في المنطقة كلها حتى االن ...وباالضافة الى ذلك فان الحريات العامة التي تنطلق بغير توجيه نحمل معنى الليبراليه التي اليمكن تطبيقها اصال وليست مطبقة بالفعل في بلدان العالم الثالث او اي قطر من االقطار العربية للظروف الخاصة بطبيعة بناه االجتماعية واالقتصادية والثقافية المترتبة على االستعمار الطويل الرضه وعلى تعرضه الدائم حتى بعد االستقالل السياسي لعودة اشكال االستعمار الجديد اليه مرة اخرى ورغم ذلك كله فهل يمكن للديمقراطية الليبرالية ان تتفق مع ايديولوجية الحزب الشيوعي ؟ وهل يمكن لليبرالية ان تقوم اصال في مجتمع يخضع اقتصاده لتوجيه مركزي شديد جانب الدولة ؟ كيف ؟ اما المطالب االخرى فلعلها ان تكون واضحة التعارض مع ما اعترف به الحزب الشيوعي في قرار مؤتمره السابق من الدور القيادي المتميز لحزب البعث في الثورة والدولة والجبهة جميعا , وهو االعتراف الذي كان اساسا من اسس تكون الجبهة نفسها وشرطا من شروط ميالدها ان العودة الى مبدأ التكافؤ بين االطراف هنا اليعني سوى محاولة هدم االسس التي


145 قامت عليها الجبهة والتي وافق عليها الحزب الشيوعي من البداية واعلن استعداده للتعاون والمشاركة في المسيرة بناء عليها وانطالقا منها .افهل يعني ذلك كله سوى وضع قنبلة موقوتة داخل البناء الجبهوي نفسه ال ينقصها اال اطالق مفجرها حتى ينهار البناء كله ؟ ولقد انطلق المفجر بالفعل بتاسيس خاليا للحزب الشيوعي داخل القوات المسلحة نفسها وكان ذلك ايذانا باشعال الحريق . 12 -الشيوعيون ينقضون التزاماتهم لماذا حدث ذلك كله ؟ لماذا سلك الحزب الشيوعي هذا النمط من السلوك الفكري والتنظيمي الذي كان يعرف مغبته جيدا ؟وهل يمكن القول ان المطالب التي اعلن عنها في تقريره تمثل الدوافع االصيلة الدفينة لهذا السلوك ؟ ام ان ثمة ماهو ابعد واعمق منها في باطن فكره نفسه او ايديولوجيته ذاتها بحيث ان ماجرى لم يكن غير متناقض معه فحسب وانما معبر عن جوهره الحقيقي ؟ لنقل في البداية ان تفاعال اصيال ومنزها وعميقا ضمن الشروط النفسية والفكرية والتنظيمية التي تحدث عنها صدام حسين لم يحدث بالفعل بقي الحزب الشيوعي متصلبا داخل مفاهيمه التقليدية متمترسا خلف مقوالته الجاهزة التي تصدر عنها نظرته وتحليالته وسياساته العملية حول طبيعة السلطة في المجتمع العراقي . وشروط االنتقال الى االشتراكية وشروط بنائها وما يسمى بنظرية التطور الالراسمالي واهم من ذلك كله حول طبيعة الظاهرة القومية بشكل عام وفي مجتمعنا العربي بشكل خاص ومعنى الوحدة العربية وداللتها بالنسبة اليه والعالقة الجدلية بين الوحدة واالشتراكية في وطننا العربي . ان العبارة الشهيره التي قالها خروشوف من فوق منبر المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفيتي وترددت اصداؤها القوية في جنبات العالم الثالث واالقطار العربية بوجه خاص – وهي : ان كثيرا من بلدان اسيا وافريقيا قد احرزت استقاللها السياسي وعليها االن ان تواجه السؤال الذي تطرحه مرحلة مابعد االستقالل : اي الطريقين سوف تختار في تطورها ؟ طريق النمو الراسمالي او النمو غير الراسمالي ؟...هذه العبارة التي ولدت اوهاما كثيرة عن االختيار الحر لطرق المجتمعات التي كانت توصف عادة بانها المستقلة حديثا – بصرف النظر عن مسؤولية خروتشوف عن هذه االوهام او عدم مسؤولية – لم تكشف احداث التاريخ عن زيفها فقط بل عن خطورتها ايضا على نضال الطبقات المستغلة في بلدان العالم الثالث واقطارنا العربية على الخصوص . فلم تكن عبارة التطور الالراسمالي في الواقع صياغة نظرية علمية النها لم تحدد لنا طبيعة البنية االجتماعية بطريقة ايجابية فالتعريف السلبي هنا ال يقودنا الى التعرف على الحقيقة المحدده الية بنية اجتماعية فاذا كان قد قيل عن بعض اقطارنا العربية في الستينات انها تسير في هذا الطريق المسمى ) ال راسماليا ( فمعنى ذلك نفي ان هذه البلدان تسير في طريق التطور الراسمالي فهل يعني هذا انها كانت – او ماتزال – تسير في طريق التطور االشتراكي ؟ ليست عبارة التطور الالراسمالي . على اي حال متماثلة في مضمونها ومغزاها مع عبارة التطور االشتراكي فما الذي كانت تدل عليه مثل هذه الصياغات النظرية الغامضة؟ كانت


146 تشير الى المفهوم الذي شاع ايامها حول ماسمي بدولة الديمقراطية الوطنية التي تقود البالد على طريق ال راسمالي وتحقق حرية الحز الشيوعي في العمل حتى تخوم الدولة االشتراكية حيث يتولى الحزب الطليعي مهمة بناء االشتراكية والحزب الطليعي هنا هو حزب الطبقة العاملة الشيوعي . مثل هذه الصياغات النظرية الغامضة – التي اوقعت في شباكها الكثيرين – لم تكشف عن اقل من العجز النظري عن تحديد طبيعة البنيات االجتماعية في اقطارنا عن اية راسمالية كانوا يتحدثون او عن اية اشتراكية دون التركيز على طبيعة االرتباط البنيوي بين البنية االجتماعية العربية والبنية الراسمالية العالمية االمبريالية ؟ وكيف يمكن التطور على طريق راسمالي – اي كما كان الحال بالنسبة للطبقة الراسمالية في الغرب – في ظل تلك التبعية البنيوية وهو مستحيل نظريا وعمليا ؟ وكيف من باب اولي يمكن التطور على انقاض تلك التبعية دون ان يؤدي ذلك بالضرورة الى وضع االسس الكفيلة ببناء االشتراكية ؟ ان الذي يحافظ على ذلك االرتباط مع البنية االمبريالية العالمية اليمكن مهما ادعى اال ان يبني على ارض بالده ركيزة اخرى لالمبريالية والذي يستطيع كسر هذه التبعية البنيوية البد ان يكون مؤهال لبناء االشتراكية . غير اننا ينبغي ان نقول ان ذلك العجز عن تحليل طبيعة بنياتنا االجتماعية ال يتحمل مسؤولية ) اوليانوفسكي ( وحدة وانما ايضا – وربما اوال وفي االساس – منظمات واحزاب سياسية كانت هي المدعوة قبل غيرها لفهم وتحديد طبيعة البنيات االجتماعية التي كانت تناضل لتغييرها ولعل بعضها لم يتنبه لفساد مثل هذه النظريات اال عندما تنبه صاحبها نفسه لفسادها وتخلي عنها – وان يكن على استحياء مشوب بكبرياء المفكرين الرسميين للدول الكبرى – بعد ان هزته في عاصمته البعيدة اصداء االرتطام الكبير بين نظريته والواقع في كثير من اقطار العالم الثالث وبعض اقطارنا العربية . لم تلتفت االحزاب الشيوعية العربية الرسمية لسوء الحظ لدراسة واقعها العربي لقد تبنى الشيوعيون العرب داخل تلك االحزاب من المقوالت والمفاهيم والتحليالت الجاهزة التي صكت في واقع مغاير وفي ظروف تاريخية مختلفة دون اية محاولة من جانبهم المتحانها او لقياس مدى انطباقها على واقعهم االجتماعي او التاريخي ان نظرية ستالين حول االمة والقومية التي تعتمد اربعة مقومات اساسية لالمة هي : وحدة اللغة ووحدة االرض ووحدة الحياة االقتصادية المشتركة ووحدة التكوين النفسي .تؤكد كما هي كمعايير هندسية لقياس عملية تكون االمة العربية والقومية العربية ومايترتب عليها من نضال من اجل الوحدة العربية . عندما انفجر الخالف واشهر سيف االنقسام داخل الحزب الشيوعي السوري عام 1972 حول قضايا االمة والقومية والوحدة العربية حمل الجميع اثقالهم الفكرية وطرحوها امام باباوات الكنيسة الماركسية ولسوف نسمع داخل الردهات العتيقة للكملن اصوات القادة والعلماء السوفييت تتحدث رغم مرور ثالثة عشر عاما على المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفييتي الذي اهال على ستالين تراب التاريخ بنبرات ستالينية واضحة . قال العلماء السوفيت : فيما يتعلق بوجود امة عربية واحدة في الوقت الحاضر يجب االخذ بمميزات االمة كما صاغها ستالين هناك ميزة ليست متوفرة وهي : االقتصاد المشترك لم يقل ستالين السوق المشتركة وانما قال االقتصاد المشترك تعبير االمة العربية الواحدة االن ليس موضوعيا يمكن الكالم عن الشعب العربي ...يمكن الكالم عن عملية تكون االمة العربية


147 هذا ليس تصريحا صحافيا هذا برنامج لذلك اليجوز القول ان االمة العربية متكونة تماما ...العامل االقتصادي في قيام االمة وتكونها هو عامل حاسم في قضية االمة يجب الكالم عن الشعب ال عن القومية االمة هدف النها ليست مكونة بعد . ولكن ماذا عن الوحدة العربية ؟ قال العلماء السوفيت الوحدة ليست هدفا بذاتها يمكن ان يكون لها محتوى مختلف اليمكن ان تكون الوحدة هي الهدف الرئيسي للشيوعيين الهدف الرئيسي هو االشتراكية ..اهم قضية هي االشتراكية ثم الشيوعية واليمكن ان نحل محلها اي قضية اخرى ...شعار الوحدة العربية يمكن ان يعرقل احيانا النضال في سبيل التقدم االجتماعي واالشتراكية ان التروتسكيين من قبل والصينيين االن يطلبون من االتحاد السوفيتي ان يذوب ان يتوقف تطوره من اجل الحركة االشتراكية العالمية فهل يجب التضحية بالتقدم االجتماعي في هذا البلد العربي او ذاك في سبيل الوحدة العربية ؟ غير ان االمر مع االسف الينتهي فثمة اسئلة كثيرة تنشب مخالبها هنا ال بالنسبة لالمة العربية وحدها او للوحدة العربية او للقومية العربية بمفاعيمها التي يتبنونها وانما بالنسبة للنظرية الستالينية نفسها ..ذلك الن هذه النظرية وليدة الواقع االوربي خالل القرن التاسع عشر ومن ثم فهي عاجزة عن تفسير ظواهر قومية اخرى نشأت خارج هذا الواقع االوربي وفيما قبله بقرون عديدة ان ستالين يرد ظهور الواقعة القومية الى ظهور النمط الراسمالي الحديث في االنتاج حيث يتطلب احد الشروط االساسية لالمة في نظرة وهو وحدة الحياة االقتصادية – اي وجود السوق الراسمالية المتكاملة – ومن هنا لم يكن تركيزه الشديد على هذا العنصر في مقومات االمة فحسب بل تركيز العلماء السوفييت في مناقشاتهم مع اعضاء المكتب السياسي للحزب الشيوعي السوري حين انفجر الخالف بينهم ولكن اال يؤدي تقبل نظرية ستالين بحذافيرها ان تقع مسؤولية اكمال تكوين االمة العربية على عائق الراسماليات العربية التي سوف تبحث عن توحيد سوقها وهو امر يوشك ان ينحدر الى مستوى الهزل لمن يعرف مستوى تطور الراسماليات العربية بل والمدى المحدود والمحدد من جانب الراسمالية العالمية الفق تطورها في ظل النظام الراسمالي العالمي الراهن ؟ ان االمة العربية اذن التي يزعمون انها في طور التكوين لن تتكون قط مادام تكونها اليمكن ان يتم اال في اطار الراسمالية والراسمالية المحلية بالتحديد وضمن النظام الراسمالي العالمي . مثل هذه النتائج الخاطئة البد من الوصول اليها مادمنا نطبق انماطا نظرية جاهزة نابعة من الواقع االوربي المحلي على واقع مختلف جذريا عنه ال من حيث مستوى التطور فحسب بل من حيث طبيعة التكوين االجتماعي نفسه وهكذا النصل اال الى التبسيط المخل من جانب او التيه النظري من جانب اخر ذلك النه البد وان يكون الواقع العربي متشابها بل متماثال مع الواقع االوربي حتى نصل الى نفس النتائج التي يصل اليها منطقة اي البد ان ننتقل من االقطاع الى الراسمالية ومنها الى الدولة القومية ثم ينفتح الطريق بعد ذلك عبر تناقضات الراسمالية الى االشتراكية فماذا لو لم يكن لدينا اقطاع ؟ وماذا لو لم تكن لدينا راسمالية محلية قادرة عبر سلطتها البرجوازية على ارساء السلطة القومية الواحدة ؟ هل ستتوقف العملية التاريخية اذن ؟ غير ان هذا العجز عن فهم تطور الظاهرة االجتماعية الخاصة باالمة والقومية لدى االحزاب الشيوعية الرسمية قد صاحبة ايضا تقليل كبير من شأنها ومن اهميتها في الوطن العربي فما دامت هذه الظاهرة في نظرهم .ظاهرة برجوازية فان االهتمام وااللحاح عليها يعثبر


148 سقوطا في حبائل الفكر البرجوازي وتنافسا او مزاحمة – على حد تعبير العلماء السوفيت – للقوميين في مواقعهم يبقى الحديث عن االمة العربية والقومية العربية في ادبيات هذه االحزاب حديثا سياسيا في معظمه اقرب الى التصريحات الصحافية منه الى المقوالت الفكرية المؤسسة على قناعة ايديولوجية وفي باطن تفكيرها ان تحقيق االشتراكية سيني كل االشكاليات المتعلقة بالمسألة القومية ومن ثم فهي تتخذ من نصيحة العلماء السوفييت بان القومية العربية ليست شعارنا وان الهدف الذي نسعى اليه هو االشتراكية تاكيدا امميا لعجزها النظري عن االلتحام بواقعها او فهمه فهما علميا على االقل ذلك الن ما جرى في عالم اليوم – وما زال يجري – يدل على ان الظاهرة القومية لم تختف بظهور االشتراكية في البلدان التي بنيت فيها فما الذي جرى بين الصين واالتحاد السوفيتي ؟ ما من تفسير مقنع تقدمه هذه االحزاب االورتودوكسية سوى تريد لمقوالت السوفيت بصدد تناقض اوشك ان يصل في بعض اللحظات الى حد الحرب المسلحة وهو ترديد يتمثل في ادانة الصينيين في كل مؤتمرات ومقررات هذه االحزاب دون ان يكونوا اصال طرفا معنيا بموضوع التناقضات وال بطبيعتها وماذا جرى في ربيع براغ الدامي ؟ انها االمبريالية وحدها المسؤولة عن ذلك كله هكذا تقول هذه االحزاب ماذا جرى من قبل في يوغوسالفيا اذن ؟ في بولونيا ؟ ماذا تعني ظاهرة الشيوعية االوربية ؟ ماذا جرى على الحدود الفيتنامية – الصينية ؟ كيف يمكن تفسير التاريخ اذن مادمنا ال نفعل سوى ان نحيل وقائعه الى مجرد مؤامرات محبوكة – كما في الروايات البوليسية – تحيكها هذه المرة اجهزة االستعمار واالمبريالية ؟ وهل يمكن تغيير الواقع العربي بحق – في بنيته القطرية او القومية – مادمنا في الخالفات الفكرية حول ظواهره النستطيع حسمها اال بالرجوع الخاضع الى المقوالت التي لم تكن اال انعكاسا لواقع اوربي مغاير بالضرورة لواقعنا او باالنصات الخاشع لنصائح مقدسة يدلي بها كرادلة ال عالقة لهم بكنيسة شعبنا الحقيقية ؟ ومع ذلك فان علينا ان نسال االن : هل انتهت التجربة هل اصبح الطالق واقعا ونهائيا ؟ ان الكتاب الذي صدر منذ فترة قصيرة بعنوان اضواء على الحركة الشيوعية في العراق في خمسة اجزاء حافلة بالوثائق والبيانات ينهي جزأه الخامس بنبرة مغللة بغير قليل من التشاؤم خصوصا عندما يتحدث عن القيادة التقليدية للحزب الشيوعي وربما يستطيع المرء ان يستشف من خلف نقاب التشاؤم بارقة امل ماتزال باهته معقودة على الكوادر الشابة التي يمكنها ان تعيد للماركسية وجهها الحقيقي كمنهج للتحليل المرتبط بواقع معين في زمان محدد وتتخلى عن الجمود والتبعية واالنعزالية االيديولوجية التي قادتها الى العزلة الجماهيرية في ظل القيادات التقليدية . اما صدام حسين الذي يستعد االن لتجسيد تجربة ديمقراطية جديدة وخوض انتخابات على المستوى الجماهيري الختيار ممثلي الشعب في المجلس الوطني الذي سوف يبدأ نشاطه البرلماني هذا العام فانه قال امام عشرات الصحافيين والمراسلين الذين اجتمعوا في بغداد في تموز عام 1978 لم يكن في ذهن حزب البعث العربي االشتراكي انذاك وحتى اليوم والى المستقبل مع استمرار اطراف الجبهة بالتزامماتهم الصميمية تجاه الثورة وليس في حسابنا ان نجعل من الجبهة صيغة مؤقتة وعالقة ليست قائمة على مهام صميمية تاريخية في تحويل المجتمع على الطريق االشتراكي في بناء المجتمع وبناء عالقاته بناء اشتراكيا وجعل الثورة تواجه مهماتها باقتدار اعلى بمساهمة جميع العراقيين فيها وكونكم تريدون


149 الحقيقة كاملة نقول : الى جانب هذا لم يكن يخطر في بالنا ولن نسمح الي طرف كان في الجبهة او خارجها ان يجعل من اي نمط من العالقة بينه وبين الثورة نمطا من نوع الذي يفرض العالقة بشروط ..ليست هناك شروط وال تقبل الثورة ان تفرض عليها شروط من اي طرف ...وانما يفترض حسن النية والتعبير عن ذلك بمفردات السلوك اليومي ..فالوالء المطلق للثورة واعتبارها هي الحقيقة النهائية وليست الحقيقة النهائية المطلقة وانما الحقيقة المرتبطة بقوانين التطور والمستجيبة لها وليست الحقيقة المعزولة عن قوانين التطور بما في ذلك مايجري في العالم .... على هذا االساس تقوم العالقات الصميمية بيننا وبين اطراف الجبهة وتستمر وتزدهر وتتوثق وتتعمق على طريق انجاز المهام االساسية للثورة والمضي في البناء بهمة واحدة ..هناك اسس للعالقة وليس هنالك شروط للعالقة ال نقبل بشروط للعالقة وانما نقبل باسس للعالقة وامر بديهي ان تكون العالقة بين طرف او اكثر قائمة على اسس ولكن صيغة الشروط مرفوضة في منهجنا وفي تفكيرنا وفي عقليتنا ... واذا كان صوته قد بلغ كل االذان التي تستطيع ان تسمع وينبغي عليها ان تسمع فلماذا يبقى العقد منفرطا وال تستعيد العروة الوثقى مرة اخرى مكانها ؟ ومن تراه الخاسر في النهاية : الذين يسافرون مع قطار التاريخ ام الذين يحلو لهم الوقوف طويال يحلمون باالتي الذي الياتي ابدا .على ارصفة االنتظار ؟ د – صدام حسين ومتغيرات لعبة االمم 13 -التوازنات الدولية بين لحظتين الفكرالفلسفي يميل بطبيعته الى ان يكون كليا والذين يملكون او يتبنون نظريات فلسفية اي ذلك النسق من االفكار والمفهيم والتصورات المتكاملة حول الحياة والمجتمع واالنسان البد لتفكيرهم وسلوكهم ان يمثال معا وحدة كلية ولذلك فان االنسجام والتناسق بين فكر صدام حسين وتطبيقاته داخل المجتمع العراقي سوف نلحظهما ايضا على مستوى السياسة الخارجية للهراق مع دول العالم ان ايديولوجية تكتسب من اتساقها الداخلي وانسجاما مع تطبيقاتها العملية وجدتها وتكاملها وشمولها واستقاللها الذاتي . واذا كانت السمات النظرية العامة لهذه االيديولوجية في تطبيقاتها الداخلية – كما حاولنا ان نؤكدها – هي الخصوصية الوطنية والقومية المتفاعلة مع االخرين دون ان تفقد هويتها والتوازن الذي اليقوم على اساس حسابات ميكانيكية ثابته بل على محصلة الجدل الحي بين الحاضر والمستقبل والبحث عن صيغ جديدة بشكل دائم المن اجل الجدة لذاتها او في حد ذاتها وانما من اجل تخطي عقبات وصعوبات موضوعية التسمح بتخطيها الصيغ واالساليب التقليدية فاننا سوف نلمس هذه السمات العامة مجسدة في تطبيقاتها الخارجية ايضا . فما هي الصورة التحليلية التي يقدمها لصراعات القوى في عالم اليوم ؟ ومن اي زاوية ينطلق في تحليله ؟ واية حسابات يبني عليها حركة العراق في عالقاتها المتشابكة مع حركة العالم ؟ وما هي التطبيقات العملية لهذه التحليالت والحسابات في المواقف المختلفة ازاء دول العالم ؟


150 ينبغي القول قبل الدخول في محاولة االجابة على هذه االسئلة ان الللحظة التاريخية التي ظهر فيها صدام حسين على المسرح الدولي توشك ان تكون مختلفة تماما عن اللحظة التي سبقتها في نفس الوقت التي هي حبلى فيه باحتماالت مرجحة لتغيرها هي ذاتها بل ؤبما لمكن القول بتعبير ادق ان لحظة صدام حسين هي لحظة مخاض جديد بصورة جديدة للعالم وهي مثل كل مخاض التنطوي بداخلها على عوامل القلق وعدم االستقرار فحسب وانما على اوجاع المخاض الطبيعية واالمة ايضا . عندما ظهر جمال عبد الناصر في عام 1952 على سبيل المثال من خالل الثورة المصرية على مسرح السياسة الدولية كان العالم قد انتهى لتوه من اثار الحرب العالمية الثانية وتحددت معالمه الدولية بشكل فيه غير قليل من الوضوح كما بدت ليس فقط في انقسامه الى معسكرين محددين وانما ايضا في مناخ الحرب الباردة التي كانت سائدة بينهما ان هذه الحقيقة وحدها تلقي ضوءا مهما على طبيعة السوك الدولي الذي تبناه عبد الناصر على االقل في المرحلة االولى من ثورته اي في المرحلة التي كانت تجري فيها من خالل التطبيق العملي اختارتها وفي ضوء هذه الحقيقة يمكننا ان نفسر مهارته التي بدت في ضربة على اوتارالتناقض بين العمالقين الدوليين وان نفهم لماذا كان بوسعه – في تلك الفترة- ان يقطف ثمارا جيدة من الضرب على ذلك التناقض الذي اتاح له فرصة كبيرة للمناورة وكسب اقصى مايستطيع ان يكسبه فعندما ترفض امريكا مد مصر بالسالح كان بوسعه ان يحصل عليه من احدى دول المعسكر االشتراكي وعندما يسحب ) داالس ( عرض تمويل السد العالي كان بوسعه ان يحل االتحاد السوفيتي مكان الواليات المتحدة وعندما كان الغرب يتقاعس ويتردد ويحجم عن تلبية مطامحه في التصنيع والتنمية كان الشرق يسارع الى تقديم القروض والمساعدات المادية والفنية عن بعد نظر او عن طيب خاطر . وفي تلك اللحظة ايضا كانت اوربا ماتزال ضعيفة اقتصاديا وسياسيا ورغم ذلك كانت ماتزال تتمسك بمبادئها االستعمارية القديمة التي تحد من قدرتها على التعامل الحر مع المستقلين الجدد وكان النفوذ االمريكي يطبع سياستها الخارجية بشكل سافر وفج طامعا في ان يرث تركة االمبراطوريتين المتهالكتين انجلترا وفرنسا ومنطلقا في ذلك من اسس نظرية ومادية كانت تحكم حركته الخارجية ال منذ نهاية الحرب العالمية الثانية فقط وانما في اثنائها ايضا فعندما كان العالم غارقا في حمامات الدم نشر المفكر االستراتيجي االميركي 0 نيكوالس سبيكمان ( كتابه الشهير االستراتيجية االمريكية في السياسة الدولية الذي اصبح فيما بعد اشبه بانجيل ملهم لقادة ومنظري السياسة الخارجية االمريكية وكان يقول فيه : في المجتمع الدولي مسموح بكل اشكال االجبار والقسر بما فيها حروب الدمار وهذا يهني ان الصراع من اجل القوة هو بذاته الصراع من اجل البقاء ولذلك فان تحسين مراكز القوة البد وان يصبح الهدف االول للسياسة الداخلية والخارجية للواليات المتحدة وكل ماعدا ذلك ثانوي وياتي في المرتبة الثانية ...ذلك النه في اللحظة االخيرة تستطيع القوة وحدها ان تنجز اهداف السياسة الخارجية ان القوة تعني البقاء وامكانية ان نفرض ارادتنا على االخرين وان نملي على اولئك الذين القوة لهم وان ننتزع االمتيازات من اولئك الذين هم اقل قوة من قوتنا ... وفي تلك اللحظة ايضا كان المعسكر االشتراكي نفسه واحدا وموحدا وكان اكثر من ثمانمائة مليون من البشر قد انضموا اليه في عام 1949 حينما انتصرت ثورة ماو بفالحيها على االمبرياليين والرجعيين ولم يكن ثمة منحرف او مارق يومها سوى جوزيف بروز تيتو


Click to View FlipBook Version