The words you are searching are inside this book. To get more targeted content, please make full-text search by clicking here.
Discover the best professional documents and content resources in AnyFlip Document Base.
Search
Published by Ahmad Khaled Mustafa, 2024-05-12 14:53:45

بين العصارة والقصر

بين العصارة والقصر

1 بین العصارة والقصر َ روایة خالد بدو ي


2 الجزء الأول


3 "1" ًا هما ُ كانت زیارة أحد الضباط الأحرار للمدینة حدث � ا ومؤثر بالنسبة للفقراء، بل نقطة محوریة ً م في تحویل مجرى الحیاة للأفضل، فقد تحول البعض إلى أصحاب أملاك بعدما عاشوا لسنوات مجرد أُ جراء. وسط فرحة الأغلبیة في حدیقة قصر البرنس بمدینة نجع حمادي، تم توزیع العقود على الفلاحین، وم . عقب ٌنح بعضهم فدانین والبعض الآخر أربعة أفدنة ً تحیطه الجموع الغفیرة، انتقل ّ خطاب طویل مليء بالحماس، تجول الزعیم بالمدینة مترجلا ورغم أن الزیارة كانت حدثاً بعد ذلك إلى المقر الذي اتخذه استراحة له في شركة السكر. أسعد الكثیرین، لكنها لم تكن كذلك بالنسبة لابن حارس القصر، الذي ظل في غرفته یسترق السمع للخطاب وهتاف جموع الفلاحین. "المصري سعید" اقترب من عامه الأربعین، تربى في جنبات القصر، وتعلم في مدرسة ً الفنون الجمیلة المصریة، التي أنشأ ا، ها البرنس بالقاهرة، وبعد أن أكمل دراسته عاد مجبر ً لوالده المتوفى. كانت ً نزولا على رغبة سیده الذي كان یتكفل بكل مصروفاته، لیحل بدیلا یلازمه دائما في جلسات السمر ورحلات ً علاقتهما أبویة أكثر منها علاقة سید بخادمه. الصید، وعینه على الجنایني والخولي والسفرجي والطباخ. یراقب دفاتر العزبة الممتدة لفراسخ طویلة شرق النیل وغربه. قصر البرنس في مكان بعیـد عـن الأعـین تحیطـه الحـدائق، مـن الشـرق نهـر النیـل، لا یصـل إلیـه إلا مـن ی بـذلك، حتـى البیـوت التـي تطـل علـى النهـر مـن الجهـة الشـرقیة غیـر ُسـمح لـه القصر بنایة تنسج حولها الحكایات، برج عاجي یتطلع ُ مسموح لها بفتح شرفات تجاهه. َّظل إلیه العامة ولا یدخله إلا خاصـة البشـر، هـو جنـة للفقـراء، ومضـرب للأمثـال عنـدما یتحـدثون عن عظمة أي بناء. ٌ كل ما في القصر ك ؛ التي جاءت من تب في محاضر، حملتها معها لجنة الأموال المستردة القاهرة خصیص ا للمعاینة وتقدیر قیمة الممتلكات، التي وضعت تحت الحراسة إلا بیت ً


4 . وعلى خلفیة هذا القرار ُ الحارس، الذي اعتبرته لجنة الجرد بلا قیمة كما كتب في التقریر ظل "المصري" في بیته، الذي یقع خلف حدیقة قصر السلاملك مباشرة من الجهة الغربیة، لم یطرد منه مثل بقیة العاملین في دائرة البرنس، شأن ناظر العزبة، والمهندسین الذین قرروا الرحیل منذ قیام الثورة. و السبب الحقیقي لهذا القرار، هو وجود صداقة قدیمة مع أحد ضباط اللجنة. ً وتقرر بأن یدفع إیجار هذا البیت، وقیمته مائة وخمسین قرشا في الشهر. َ مـا ُ و ِضـع الشـمع الأحمـر علـى الأبـواب، بعـدما أغلقـت نوافـذه وكسـا الظـلام القصـر، ُ فـظ وحِ ِ یـع مـا بیـع فـي مـزاد علنـي. كـان "المصـري" یشـاهد بـأم عینـه كـل یـوم مـا هـو مـؤلم ّ حفـظ، وب ُ ومقلـق؛ شـبه لیـل الخریـف، وكأنـه سـقط حتـى منتصـف جسـده فـي بحـر رمـال تغیـرات كثیـرة ت � متحركة، لا یستطیع النجاة منه، ولیت الرمال ذات عمق لتبتلـع جسـده كلیـا لیصـبح فـي طـي یجلس وحیدا بغرفته الفوضویة، المشابهة لتلك الفوضى داخل رأسـه وشـتات أفكـاره، ً النسیان. لا یأتیه أحد إلا "راسیل" الغجریة، تأتیه خفیة عن عیون حراس القصر الجدد. في غرفته ذات الجو الخانق، بعیدا عن العیون والآذان، معبأة بسحائب الدخان، وأصوات ً قرع الكؤوس، یجلسان على الأرض المفروشة بنوعیة من السجاد الفارسي. بها سریر نوم ًا ّ كبیر، وأمامه بعض من اللوحات التي رسمها حدیث ُ ، وحامل خشبي وبعض من الف رش َ عت داخل علب صغیرة من الصفیح على منضدة خشبیة. كان أثاث ُ والزیوت الملونة، و ِض ُ وفراشة بیت الحارس من بقایا القصر، حتى الكؤوس التي یشربان منها الآن، كانت موضع شفاه أمراء وأمیرات وهوانم وبكوات وأجانب. ، قرر أبوه أن ی تبقـى مـن حیاتـه أرمـل، فلـم تـدخل البیـت بعـد مـوت ُ منذ أن ماتت أمه كمل مـا والدته سوى الغجریة، التي احتال على والده بأنها الأفضل بـین خادمـات القصـر فـي تنظیـف المكان. ُ قذفت "راسیل" الكأس في جوفها مرة واحدة، وهي تراقب وجهه شبه لوحـة زیتیـة لمنظـر الذي ی ّ ا عبثت به عوامل التعریة، فتركت به ندبات متفرقة، لكن عنـد التـدقیق تـرى أثـر لنعمـة ً طبیعي


5 قدیمة. دام الصمت لبرهة، تبادلا خلالها الأنفاس من السجائر، وكلمـا فـرغ كأسـه طلـب منهـا صـیره ومـا ینتـوي فعلـه ِ غیره، فتطیعه بلا تردد، كحال كل امرأة عاشقة، سألته فـي قلـق عـن م في المستقبل � ، وهل مازال وفیا بعهده لها، بأن یجمعهما مصیر واحد!؟ یشــعر أن الأرض توقفــت عــن الــدوران فجــأة، وأن مــا یعیشــه الیــوم هــو بدایــة الإنســانیة أو نهایتهــا، لكــن الأمــر عنــده ســواء، یعلــم أن أكثــر المراحــل صــعوبة فــي التكــوین هــي البدایــة والنهایة، لأنهما تحملان نفس السمات، من حزن أو فرح أو قلق أو خوف. طال صـمته بـین حیرة وعجز. لم تكرر سؤالها مرة أخرى بل تشاغلت بإعداد كأس جدیدة لها، اختطفتها الأفكار إلى فضاء مستقبلها الذي لا یقل ضبابیة عن حال حبیبهـا، امـرأة تعیسـة تعلـق مصـیرها برجـل لا یعـرف مصیره! المعلن بین الناس أنها تعمل داخل قصر البرنس، وهذا یكفل الحمایة المطلقة لها، كونها دوما ألا تقع عین سیده علیها، ً جمیلة، تسلب عقل كل من یراها؛ لذا حرص "المصري" ُعد ممیزة وكاشفة لبعض مفاتنها، وأحیانا یطلب منها بأن تخلع عنها ملابس الغجر التي ت ُ وأن ترتدي ما یرتدیه النساء في البلدة، وهي شبه ملابس الحداد طویلة ملابس سوداء، ت حتى القدم، ذات فتحة مستدیرة عند الرقبة لا تكشف ولا تشف. مخالب الفكر تضرب رأسها في كل اتجاه، تتلقفها فكرة ترفعها إلى أعلى، ثم تهوي بها إلى َّ أخرى أكثر ریبة، حتى امتلأت مقلتاها بالدموع المتحجرة، نهایة، وقبل أن تسقط تأتیها اللا تهمهم عن سوء بختها وقلة حیلتها، مرت بخلدها صورة "بلال" الغجري الذي یرید الزواج منها فازدادت حزنا. ً هــو یراقــب تغیــرات وجههــا المســتدیر شــدید البیــاض مشــرب بــالحمرة، ورغــم البیئــة القاســیة ما یصـفهما مثـل النیـل ً وشظف العیش إلا أنهـا تملـك وجهـا بـلا تجاعیـد أو نمـش، وعینیهـا دو ـ في صفائه، همس في یأس واستسلام شدیدین لمعطیات القدر:


6 - أكثر شيء یفسد الواقع هو التفكیر في المستقبل، الواقع نعیشه؛ فلنأخذ منه نصیب ً ا والبعض الآخر یراها نار. ً ا الأسد، أما المستقبل كالشمس بعضنا یراها نور تبسـمت، اقتربـت منـه وطبعـت علـى خـده الأیمـن قبلـة، تلـك القبلـة كانـت فـي احتیـاج إلیهـا، ً لتعطیهـا قلـیلا مـن الأمـان الـذي تفتقـده كلمـا خرجـت مـن هـذا البیـت. وضـع راحـة یـده علـى رأسـها، ثـم جـذبها برفـق نحـوه، لتضـعها علـى صـدره بعـد أن اتكـأ علـى تلـك الوسـادة خلفـه، تحامل على كوعه الأیمن المثني تحت جسده شبه الممد، ینظر إلى سقف الحجرة ذي اللـون الأبـیض الجیـري تتخللـه بعـض الرسـومات، بـه بقـع أثـر عوامـل التعریـة، ظـل یمـرر راحـة یـده ً فـي شـيء مـن الحـذر: یجـب على شعرها الغجري الناعم المنسـدل، انعقـد جبینـه، همهـم قـائلا أن نفتر ق! رفعــت رأســها عــن صــدره بســرعة مضــطربة، تنظــر إلیــه وجبینهــا معقــود، تبتلــع ریقهــا الــذي شعرت بمرارته في حلقها، وفي حیرة وخوف تحاول أن تخفي عینیها الـدامعتین، تخاطبـه فـي وهن وانكسار: - أنت لست الحبیب فقط أو العشیق كما یظن الجمیع؟!. لبتها: ََ التي غ مسحت دموعها قضیت َ فـي جـوارك أجمـل أیـام حیـاتي، احترمتنـي، كنـت - لـي طـوق النجـاة، الیـوم هـو وقـت ُ الشـدة لـن أرحـل عنـك بـل سـأظل بجـوارك، إن كنـت تسـتطیع العـیش بـدون "راسـیل" فهـي لا تستطیع العیش بدونك! - أنا إنسان بلا مستقبل. - نحن من نصنع مستقبلنا، هل تتزوجني؟ أم تخشي أن یقولوا عنك: تزوج غجریة؟!


7 2 بدأ موسم حصاد القصـب تتعـالى الحنـاجر بالأغـاني، غنـاء كأنـه أجمـل سـیمفونیة مـن جمـال رغم ضـبابیة فصـل الشـتاء، والبـرد یلـدغ كأنـه أذنـاب دبـابیر، اعتـادت علیهـا أجسـاد ُ الطبیعة، العاملین وسط حقول كساها ظلام اللیل، تواصل عملها بهمه ونشاط. على الجسر تقترب ثلاثة جمال محملة بمحصول القصب، تتهادى صوب العصارة التي تقع ا الشوارع هادئة فجر إلا من عواء ذئب مطارد، ً لغربي من نجع الشیخ "مسعود"، ّ في الجانب ا یقابله نباح كلاب الشوارع، أبنیة النجع تتناثر كأنها حصى منثور على أرض خرسانیة، مبعثرة بعشوائیة مطلقة. العجوز الحاج "مسعود" یرتدي جلبابه الفضفاض، یتحرك كل لیلة م المصلین كالعادة في صلاة الفجر، یكون أول ً وحیدا نحو المسجد الوحید بالقریة، یؤ ُّ الحاضرین، وینصرف آخر المصلین، یحمل بین یدیه الرادیو الخاص به من ماركة (ناشیونال). قام یستند على الجدار، یحث الخطى صوب مصباح الزیت المعلق بسقف المسجد أطفأه، ً ً ا ُ یرتفع المسجد بهما عن الشارع الترابي، سمع ض نزل یتحسس الدرجتین اللتین راط شدیدا ّ ، اقترب عاقدا الجبین یتأفف من تلك الرائحة، ً یأتیه من خلف حائط المسجد الشمالي د ) شدید للتخلص من الغائط، استبان شخصه من ملابسه الرثة وشعره ْ وصوت ( حم المعتوه بعد أن دلى َّ المنكوش، انحنى لالتقاط حجر صغیر یهدده وینهره بشدة، قام "صقاو" ثوبه على مؤخرته دون أن ینظفها، یشیح بیده في وجه العجوز، ثم فر هاربا وهو یضرب ً ، كأنهما خ الأرض بقدمیه الحافیتین ُ في جمل منطلق في صحراء جرداء، سلك طریقه بین َّ زراعات القصب. العجوز لم یتوقف لسانه عن سبابه واتهامه بالنجاسة، یواصل خطواته البطیئة نحو العص ارة، جلس على مصطبته الطینیة أمام غرفته، یرفع عینیه صوب الطریق یتعجل قدوم ّ ً أبنائه ودوابه، یشعر بالضیق كلما طال انتظاره، ا، رغم أن ظل صامت حبات المسبحة ًا تمام


8 لا تتوقف عن الحركة، بماذا یفكر؟، عیناه لا تستقران على مشهد معین، نظرات خاطفة في أركان العص ُ الحو ) هیأة للعصر، وبعینین ْ ُش ارة، ینظر إلى أكوام القصب الملقاة في ( ّ الم مرهقتین نحو مبنى طیني متهالك ساكن، یوجد به ماكینة قدیمة لها ترسان من الحدید ّ ّ لأحدهما فتحة في المنتصف، معشق بها لوح خشبي مدبب ّ ّ من البلوط، یثب ت على عنقي البقرتین أثناء عمل العصارة، یدفعانه في حركة دائریة ینتج عنها دوران الترسین یعصران ّ أعواد القصب، لینزل العصیر إلى مصب صغیر ینتهي إلى حوض من الفخار، ینقله أحد ِ العاملین بواسطة إناء ي ِن ْد َع ً یتم إشعال إلى حوض نحاسي عن الأرض، حیث ّ م یرتفع قلیلا ُنقل إلى حوضین من الفخار النار تحته عن طریق عین الفرن، وعندما یتم إنضاج العسل ی لتبریده. هدأت نظرات العجوز على صوت وقع حوافر تقترب منه، بقرتان یعرفهما كما یعرف أبناءه، الذي مر مغمغما بالتحیة دون أن یتوقف. ً یسیر خلفهما "عبید" ابنه الأكبر، راقب هذا الأمر في قلق "عبد االله الوكیل" الابن الثاني للعجوز، اقترب منه بوجه تظهر ًا كافیا من النوم، تجاذب معه أطراف الحدیث عن خطة ً علیه آثار الإرهاق، فلم یأخذ قسط عمل الیوم الجدید، وهما یعلمان علم الیقین أنه لا یوجد تغییر في أحوال العمل داخل العصارة أو البیت دون أن ی "عبید". ُقدم علیه العصارة كأنها خلیة نحل، الجمیع یقوم بعمله في صمت بعد مشاجرة أمس، بعد تناول العشاء أعاد "عبید" بإلحاح مفرط طلبه، فهو یرید بیع الماكینة القدیمة للعصارة واستبدالها ً عن التي ً بواحدة جدیدة، نصف آلیة تعمل بالجاز قدرتها ثمانیة وعشر و ن حصانا- بدیلا تدور بقوة دفع البقرتین- التي سوف یتم شراؤ ها من عزبة البرنس، وتم الاتفاق مع أحد العاملین على حراسة الممتلكات لتسهیل عملیة البیع، وعندما جاءت لجنة الأموال المستردة واضحا من تلك الصفقة، بأن العصارة الحالیة ً تم تقییم سعر الماكینة. وكان موقف العجوز


9 تؤدي الغرض ویكفي إنتاجها متطلبات الحیاة، و لا یرید شراء شيء كثرت عنه الأقاویل بین غامز ولامز. انتقل "العجوز" للجلوس على الأریكة أمام مدخل العصارة في مواجهة العاملین بها، یراقب یزداد كربا. تقترب منه "بخیته" ً العمل، یختلس بعض النظرات بطرف عینه نحو ابنه الأكبر ف ً ْ ُ ن ص ا الغجریة تمتطي حمار ْلی ْج ذو عد ْ ن ل ِ ُ علیه خر ع من القماش السمیك، تضع داخل العد وعلى الع قماش خاصة ْ الأیمن لفائف من القماش الخاص بالنساء، دل الآخر لفائف من بالرجال، تنزل عن حمارها ترتدي ثوبا فاقع اللون، تدلي على جسدها حبرة صوفیة قدیمة، ً تحییه: - صباح الخیر یا حاج. ا یرد في استیاء شدید مشیر نحو دابتها السوداء: ً صباحك ی . ُ - شبه لون حمارك تقترب منه مبتسمة، بعد أن تركت الحمار یأكل من خشاش الأرض، تواصل عادتها الدائمة وهى الغمز المتواصل، بعینها الیسرى لوجود عطب بها: "أنا جیبالك قرص غزولي لما تفص تمد یدها إلیه بقطعة قماش أخرجتها من خ له جلابیة یرجعك شباب تاني" رج الدابة ّ ُ . یمیل برأسه للخلف، ثم یشیح بوجهه في الاتجاه الآخر مغمغما باستیاء، لیحثها على ً الرحیل: - ادخلي العصارة خذى نصیبك من العسل. : "طیب شوف قرص الدمور دا". ُ تخرج من الخرج قطعة قماش أخرى تمد یدها إلیه ً بضاعتها وفي صوت حازم: ینعقد جبینه متجاهلا ، تعالى غدا وسوف أ ِ شتري منك. - لیس وقته الآن ً قالها ونظر نحو الطریق الترابي أمام العصارة یشاهد المارة. بعینین متأملتین شاخصتین، لم تفقد الغجریة الأمل ٍ بل ظلت واقفة تتطلع نحو العاملین؛ فربما یكون بینهم مشتر، وتراقب


10 بطرفها وجه العجوز الذي تجاهل وجودها، ی ِّمني النفس بوجود "رشدي" بجواره یستشیره في ُ هذا الظرف الحالك، فقد سافر یوم الجمعة الماضي لمدینة (قنا) للدارسة فهو في عامه الثاني من المرحلة الثانویة. ِ نزل عنها، ینفض ح توقف رجل بحماره أمام العصارة جر جلبابه الصوفي بیده، یعید ترتیب ُ ِّحس ا ن هندامه، یجر دابته مشیر لها بأن تذهب، یضربها على ظهرها ضربة خفیفة ً عمامته ی یقترب مبتسما. فینتبه العجوز من ً بعصاه لتوجیهها، تعرف طریقها نحو حوش العصارة، شروده الحزین لمجیئه: - جئت متأخرا الیوم، لعل السبب خیر! مرة ثانیة قبل الجلوس، یمیل بظهره للخلف یشعر بسعادة، ِح ینفض "ألفونس" جر جلبابه یمرر طرف سبابته على شاربه الكثیف: ألم تعلم یا حاج بأن صاحب النقود صیاد؟، ظل یتكلم عن هذا السریر الذي اشتراه، سریر خشبي غایة في الجمال والصنعة مكون من ثلاث عشرة قطعة، بجنیهین ونصف، ثم ضحك ضحكة صاخبة، بأن البائع قال له: أن البرنس هو من كان ینام قبله على هذا السریر. وفي نحر الظهیرة بجوار حوضي الفخار الممتلئین بالعسل البارد- إنتاج أمس وأول أمس- یقف "ألفونس القباني" یساعده الرجال الذین یملأون العسل داخل عبوة من الصفیح، یتم وزنها ثم تفریغها في أحد البلالیص المرصوصة بجوار حوض التبرید، یسجل القباني الرقم عند قراءة المیزان بدفتره القدیم المتهالك، معظم صفحاته تملؤ ها الأرقام والتواریخ والأوزان، یراقب "عبید" المیزان وما یكتبه التاجر بدفتره، تنتهي عملیة الوزن، یدفع القباني إلى العجوز ما تبقى من حساب المرة الفائتة وجزء من ما تم وزنه الیوم، تتم هذه العملیة كل أسبوع مرتین یومي الاثنین و الخمیس. ***


11 العلاقة بین مرض السرطان و منهج الدكتاتوریة علاقة متشابهة النتائج، في حالة التصادم یجب الرجوع للعقل والحكمة هذا هو المنطق، أما منطق العصارة، فقد مرت أیام القطیعة والعاملون یشعرون أنها كلیل شتاء معتم، فالفجر رغم حتمیة مجیئه، طال انتظاره، ولم تؤثر القطیعة الشؤ م على العمل، فكل منهم یعرف دوره، إن أقبل ضیف توضع الأقنعة، تتصافى ْبل كل منهم على الآخر بوجه بشوش ق ٕ النفوس مؤقتا وی . ن أدبر هذا الضیف عاد الصمت ُ وا ْجمل تحت حرارة الواقع یكسو المكان، واكفهرت الوجوه، وقطبت الأجبنة، وذاب طلاء الت المخزي. عندما فشل الإنسان في مصارحة نفسه بنواقصه، خلق المسرح التمثیلي، لإبراز نواقص النفس على خشبته، هكذا كان مسرح العصارة. یجلس العجوز ساعة الضحى على الأریكة، كأنه علامة من علامات الطبیعة، یراقب كل شيء یدور حوله، رفع یده دون ً، یقف في مكانه یواصل الهرش ً نحو صوت مشیرا "عبداالله الوكیل". اقترب منه مهرولا شیئ ا یؤلمه تحت ملابسه. ً ً ا شائك بجسده، یشعر بأن بدأ بینهما حدیثا عن العمل، الیوم هو الخمیس میعاد مجيء "ألفونس القباني"، العجوز ً یسأله: م ٍ خزن بحوضي التبرید؟!. ُ - كم "قنطار" تبلغ كمیة العسل ال - لا أدر ي اسأل "عبید" عن هذا الأمر. - بعد الانتهاء من عصر محصول الغیط الغربي أي محصول سوف یتم عصره؟! قد سمع من أخیه أنه یتفاوض على شراء محصول فدان من أحد المزارعین. سأم الوالد من ردوده غیر المشبعة لفضوله، ینتهي الحوار بینهما، یأمره أن یذهب بالحمار بعد صلاة العصر إلى محطة نجع حمادي، لإحضار "رشدي" أخیه الأصغر، القادم من (قنا)، هز رأسه وانصرف لمواصلة عمله. ظل یتفحصه من ظهره، وفي صوت مرتفع یوصیه بألا یتأخر مثل المرة الفائتة، سمع جوابه ًا بقعقعة حذائه الضخم كأن مهمته دق الحصى المنثور. مختلط


12 من مكانه متوجها نحو البیت، وفي منتصف الطریق التقى به "الفونس" القباني، ً قام العجوز ا ابتسامة باهتة، مشیر بأن علیه ً وعندما رآه قفز ا عن الدابة، وصافح العجوز الذي تبسم الذهاب إلى "عبید" لیتولى أمر وزن وبیع المنتج من العسل، وكذلك سوف یْأخذ منه النقود السیر دون أن ینتظر جوابا. ً م ، و واصل ُستحقة الدفع *** قد أرسل العجوز صباح الیوم ثلاثة أرطال من اللحم، أرسلها مع أحد العاملین، وقد أوصاه قبل الذهاب للجزار بأن یبلغه بأن هذا اللحم للحاج "مسعود"، وهذه إشارة یفهمها الجزار، فعلیه أن یقطع أرطال اللحم ویضیف إلیها بعد أن یزن قطعة أو قطعتین من الدهن، ذهب ًا حسن من هندامه ی ، دق الباب، سمع صوت ُ "فرج" الطباخ یحمل لفافة اللحم، یسیر مغتبط "فاطمة" یجیبه من الداخل، واربت الباب وأطلت برأسها، مد یده باللفافة وهو یتأمل وجهها النیر، اهتزت یده، كادت اللفافة أن تسقط، قبض علیها ومعها یدها دون قصد منه، ا َّحمر ً، سحب یده وانصرف ظل وجهها كالحلم الجمیل یتذكره أوقات الفرح. الوجهان خجلا "فرحانة" زوجة "عبید" بجلبابها الأخضر المزین بنقوش صغیرة سوداء، تجمع شعر رأسها بمندیل أخضر، تقف إلى جوار الموقد الطیني (الكانون) له عینان من أعلى، تضع على ً واحدة قد ا من الفخار، بالمغرفة الخشبیة تقلب قطع اللحم المختلطة بشرائح البصل، ِر تتصاعد أبخره ذات رائحة طیبة. تشیر نحو "عوالي" زوجة "عبد االله" الجالسة أمام الفرن بأن تتعجل في إنهاء عملها لأن الوقت یداهمهن، كذلك أعادت الأمر على "فاطمة" ابنتها، وذكرتهما بمیعاد حضور الجمیع للبیت، أعطت أوامرها لهن وهي تواصل العمل وتراقب ترتدي ثوبا بنفس اللون، یبدو ً بطرف عینها؛ خشیة أن تخطيء إحداهن. كانت "عوالي" أنهما قد ابتاعتا الثوبین من قطعة قماش واحدة، وتم حیاكتهما عند حائكة بعینها، من ُ الملاحظ أن فتحة الثوب عند الرقبة واحدة، و الغر ز المستقیمة والغرز رز ذات المتعرجة والغ الزخارف متشابهة في الثوبین.


13 ذهبت "فاطمة" لترى من الطارق، بعد هنیهة عادت إلى خزانة الفرن، تحمل بعض الأساو ر من البلاستیكیة ذات ألوان متعددة. ینعقد جبین فرحانة تنهرها بقسوة وتتساءل: - ِ من أین لك بهذه الأساور؟ ِك! - "بخیتة" الغجریة تجلس في ساحة الدار تطلب رؤیت ً زفر ت شدیدا لضیق صدرها من تلك الزیارة، رغم شغفها للشراء لكن ترى أن الوقت ً نفسا الآن غیر مناسب، تشیر نحو ابنتها التي ما زالت تقف في انتظار قرار ها: "خلیها تیجي یا ً رأسها بإیجاب، و انصرفت وهي تراقب وجه أمها الذي فاطنة"، هزت ابنة الخمسة عشر عاما وضح علیه الرضا لقرب الانتهاء من إعداد الطعام. ً مع غروب الشمس، تحمل "فاطمة" ُ بین یدیها إناء ا مع من الصاج ً ملیئ ُعلق به ق بالجاز، م ا من الفتیل وعلبة ثقاب، تقوم بالمرور على لمبات الجاز المثبتة على الجدران، أثناء ً وبعض المرور وجدت بعضها یحتاج تبدیل الفتیل، والأخرى أضیف إلیها زیت. في ساحة البیت تفترش المرأتان بعض الح "الحلفاء"، ثم "الطبلیة" الكبیرة ُصر المصنوعة من سیقان نبات ً، ثلاثة وبجوارها أخرى صغیرة مخصصة للأطفال، تقومان برص الأطعمة علي الكبرى أولا أطباق من كل صنف، وكل لیلة جمعة یوضع أربعة أطباق عند عودة "رشدي"، في صمت تتحركان من المطبخ إلى الساحة، كأنهما آلتان تسیران على قضیب لا تخطيء عجلاته. رصت اللیلة على الطبلیة أربعة أطباق من كل صنف، تجمعت الأسرة إلا "عبید". ولا زال ، قب ه و أعطاه ْ رب مبتسما ل ید ً جبین العجوز على تقطیبه، رغم فرحته بعودة "رشدي" الذي اقت بطاریات الرادیو التي یحضرها معه خصیص ا من (قنا)، جلس بجواره على الحصیر، لاحظ ً أن الجو غیر رائق في غیاب أخیه، غیاب على غیر العادة، اضطر للبقاء لضرورة وجوده بالعمل، ففهم بأن الأمر به شيء مریب، فسأل "عبداالله" الذي أجابه بصوت مقتضب، بأنه مازال بالعصارة دون أن یذكر أسبابا، فقام "رشدي" یستأذن والده وتوجه إلى خارج البیت. ً


14 أشار العجوز نحو "فر حانة" و"عوالي" بأن تحملا الطعام، ثم قام نحو غرفته شعر بالتعب ً والإرهاق، ألقى بجسده على السریر، طلب من "فرحانة" بأن تطفئ لمبة الجاز ولا تدع أحدا یدخل علیه، أظلمت الغرفة، ظل یفكر فیما آل إلیه الحال. زوجتا ولدیه تراقبان الغرفة التي أظلمت، تتهامسان في خوف من المستقبل. الغجریة "بخیته" تنتظر بفناء الدار أمام خزانة الفرن، كما وعدتها "فرحانة"، بأنها بعد عشاء الرجال سوف ترى بضاعتها وتتناول العشاء معها، لكنها قررت الرحیل عندما سمعت ما حدث، فامتطت حمارها وانصرفت وهى تعد بأنها ستعود مرة أخرى، ولم تأخذ ثمن الأساور من "فاطمة" التي خلعتها ووضعتها في مكان آمن، وقامت لتساعد أمها وزوجة عمها لحمل ا. ً الطعام في صمت أیض وكما أظلمت غرفة الحاج مسعود، هناك غرفة أخرى كساها الظلام، الغرفة التي تقبع أمام وحیدا بعد أن رحل العاملون، وكان "فرج" الطباخ آخر ً العصارة، حیث یجلس "عبید" إن كان یرید شیئا، هز رأسه بالرفض، فانصرف وهو یبتلع ً الراحلین بعدما استفسر منه بعض من الكلمات التي كادت أن تخرج من شفتیه، ومازالت صورة "فاطمة" تداعب أحلامه الیقظة. جالس "عبید" على أریكة والده الخشبیة یضع یده خلف رأسه، شاخص البصر تتلقفه مخالب ا الفكر، یسمع وقع أقدام خارج الحجرة، یقوم من مكانه یتحسس العصا التي بجواره متحفز، ً لكنه هدأ عندما سمع قعقعة حذاء أخیه الذي لا تخطئه أذن اعتادت علیه. في سكون اللیل، الأخ الأكبر جهر لأول مرة بما یحمله صدره من غضب، بسبب عناد ا والده، وهذا العناد لا یجد له مبرر، وأنه یفكر في تحسین الأحوال الاقتصادیة للعائلة، وظل ً یذكر ما حدث في الماضي، كیف أضاع والدهم فرصة لن تتكرر؟! وهي أربعة أفدنة من أجود أنواع الأراضي الزراعیة في عزبة البرنس، والتي تم تقسیمها وتوزیعها على الناس.


15 ُتحت الصدور، احتقن وجه وعندما ارتفع صوته قام "رشدي" لغلق باب الغرفة، وبغلقه ف "عبید": - الكل أخذ نصیبه من الكعكة، ونحن نخشى الأقساط التي لا تعادل ثمن خمسة قناطیر عسل. كأنه سلاح "كلاشنكوف" یحمله قناص ماهر أطلق كل الرصاص تجاه ظهر والده، وأصاب الهدف لما بدت من قناعة على وجهي أخویه الصامتین، واختتم حدیثه: ما أفعله الآن سوف یعرف الجمیع قدره في المستقبل. تحجرت الدموع في عینیه یهدد: - سوف آخذ زوجتي وأولادي وأرحل عن عن البیت حتى یستریح والدنا. ً بتنظیف نعل حالة من الوجوم تسیطر على وجه "رشدي"، كسرها "عبداالله" الذي كان مشغولا حذائه، ثم تكلم دون أن یرفع رأسه، بأن ما یفعله أخوه ما هو إلا وسیلة من الضغط التي لا تؤتي ثمارها، لأن أباه عنید، والأفضل إقناعه ولیس إجباره. *** جاء الشتاء، بدأ الموسم الجدید لكسر القصب، العمل على قدم وساق، كانت تلك الأشهر سعیدة على الجمیع، رغم تقلص أدوار البعض فینسحبون في هدوء دون إثارة الشغب كما فعل العجوز، وخلال أشهر الصیف المنقضي باع "عبید" البقرتین وأكمل على ثمنهما واشترى ماكینة العصارة الجدیدة، وقام بتصنیع أحواض من الأسمنت للتبرید بدیلا لأحواض رض، وجل تم ْ الفخار، وحفر مكانا أكبر لها في باطن الأ ب حوض نحاسي كبیر للطبخ، ً تدریب العمال على كیفیة التعامل مع الماكینة، ارتفع الإنتاج من أربعة قناطیر إلى عشرة في الیوم الواحد، وهو ما جعل "القباني" یأتي إلى العصارة ثلاث مرات في الأسبوع، وفى كل مرة یأخذ ضعف ما كان یبتاعه في الأسبوع الواحد، وارتفعت أجرة العاملین، ذاع صیت الذي ی شیاء، ویحتفظ باللؤلؤ ُ العصارة. "عبید" شبه البحر لا یلفظ خارجه إلا رمائم الأ والمرجان، أمر بأن یحمل روث الحیوانات الذي تم نقله من الزریبة إلى حوش العصارة،


16 ً من الفرن. "عبداالله" الوكیل أشرف على عملیة التخزین دون وكذلك الرماد الذي یستخرج لیلا أن یكلف نفسه عناء السؤال. في الموسم الجدید توقف الحاج "مسعود" عن المجيء للعصارة بعد صلاة الفجر، بل أصبح یعود إلى البیت مباشرة، ینتظر في الردهة، أحیانا یجدهم خرجوا للعمل ومرات عدیدة یلحق بهم، وعندما یراهم یمنحهم دعواته، یظل وحیدا حتى تأتیه أي من النسوة بوجبة الإفطار. ً نجح "ر شدي" في السنة الثانیة وانتقل للسنة الأخیرة للمرحلة الثانویة، جاء هذه الأیام للبقاء لمدة أسبوعین مع والده، قبل بدایة الامتحانات التي تطول فیها فترة غیابه، ذات صباح ًا یمازح والده، جلس ا ِلاثنان في ساحة البیت، یشربان الشاي َّمعا، ضحك "رشدي" متخابث یسأله عن ماكینة العصارة الجدیدة وكم تنتج؟ نطق العجوز بنبرة سعیدة: - إننا كنا في حاجة للتغییر. ابتسم الابن یواصل المزاح، وهو مزاح محبب للقلب: - الآن تعترف بأن عبید كان عنده حق في تغیر ماكینة العصارة لماذا العند؟. ابتسم العجوز في صمت، همس "رشدي یطلب من والده أن یوافق على سفره في الصیف المقبل لتقدیم أوراقه للجامعة بالقاهرة، یتبقى أیام ویجتاز امتحانات الثانویة العامة. انقبض قلب الوالد لهذا الخبر رغم سعادته بتفوق ابنه، لأن الستة أیام التي یقضیها بمدینة (قنا) یشعر فیها بفراغ كبیر، لاسیما بعد التغیرات الجدیدة كعدم الذ � هاب للعصارة یومیا، فكیف له أن یتحمل مرارة فراق سفرة إلى القاهرة؟ وهو دو ما یردد بأن أجله قد اقترب. بعد ً هنیهة من الصمت، هز رأسه ومنحه موافقته المبدئیة على التحاقه بالجامعة، أشار نحو الجریدة التي بیده، أن یقرأ له منها بعض الأخبار. �ا االله بأن یمتعه بالصحة والعافیة، بابتسامة یقترب "رشدي" من العجوز یقبل جبینه، داعی ماكرة یواصل المزاح:


17 - بأن قراءة الجرائد مفیدة أكثر من الحدیث عن الماكینة الجدیدة. بدأ یقرأ أحد العناوین المكتوبة بخط كبیر بجریدة الأخبار، من الصفحة الرئیسیة بتاریخ العاشر من مارس ألف تسعمائة أربعة وخمسین بصوت مسموع: - الرئیس وقیادة الثورة یخطبون في ألفي ضابط. نجیب یقول: - سنحرر الحكم من الدكتاتوریة والطغیان والفساد. عبد الناصر یقول: - لن نسمح للرجعیة أن تفرق صفوفنا. جاء "عبید" یحمل بین یدیه قطعة سجاد، وبابتسامة غیر معهودة منه یداعب والده بأنه یحب "رشدي" أكثر منه ومن الوكیل، ثم مد یده إلیهما یطلب منهما إبداء الرأي في السجادة، انبهر "ر شدي" بها، الذي قام وأفسح مكانه على الأریكة، لیجلس "عبید" الذي منحها لأبیه لكي یفترشها بغرفته. اهتزت ذقن العجوز بهدوء وهو یبتسم، یتحسس نعومة ُ السجادة التى وضعها بجواره على الأریكة، همهم بأنها جیدة، شبه سجاد قصر البرنس ت بأن یصب لأخیه كوبا من الشاي. ً ا مشیر إلى "رشدي" ً الذي رآه عندما زار أخاه "سعید"، "عبید" ببصره إلى أفق بعید، یستعید مشهد قد رآه أمس في مدرسة "داود تكلا" بقریة َش َخص "بهجورة"، عندما ذهب لزیارة المدرسة بصحبة العمدة "حسان"، الذي أرسل إلیه لحضور ؛ بعد التوصل لحل لتلك المشكلة القائمة بین إدارة المدرسة وأحد الجیران، وقد ُ جلسة الصلح جلسة كل ع ِ مد المركز ووجهاء وأصحاب القامات الرفیعة، جلس وسط عْلیة القوم ُ حضر ال یراقب ملابسهم وطریقتهم في الحدیث، وهو شدید الملاحظة حاد النظر یملك ذاكرة قویة تحتفظ بتفاصیل كل الأشیاء. منذ تلك الزیارة و نافذة أحلام جدیدة تتفتح أمام عینیه، تكلم في صوت حالم یستشیر والده فیما ینتوي علیه في المستقبل:


18 - ما رأیك یا حاج في بناء بیت جدید؟ َ َّل یصف البیت كما رسمه في م ِّخیلته، بیت جدرانه من الطوب الأحمر، و أساسه من ُ ظ الحجر، وسقفه من الخرسانة المسلحة، بیت كبیر یضم ثلاثة بیوت صغیرة، كل بیت مكون من ثلاث أو أربع غرف وحمام، من الجهة الشرقیة بیت لعبداالله وأولاده، ومن الجهة الغربیة بیت لرشدي، وفى المنتصف بیت خاص بي، ومن الأمام نترك مساحة كبیرة نجعلها مندرة تلیق بنا وباسم عائلتنا. واصل حدیثه بسعادة، أنه سوف یر صف أرض البیت والمندرة بالخرسانة، ویضع داخلها الأرائك الخشبیة وعلیها مراتب ووسائد قطنیة، مثل التي جلس علیها عندما اصطحبه العمدة هذا الغداء بناء ، الذي حضر معهم إلى مندرة "العمدة ً "حسان" -كان على طلب المأمور حسان"- ثم واصل الوصف قائلا: ونضع لافتة من الرخام بجوار باب المندرة نكتب علیها: "مندرة آل مسعود"، ونترك مساحة أرض خلف البیت نجعلها حوش للبهائم، وهذا الحوش له باب جانبي على الشارع الخارجي، كي تدخل وتخرج البهائم من مدخل خاص دون الدخول للبیت. ً: سوف نضیف َّ على الرماد الذي تم تخزینه بحوش العصارة بعضا من التربة السوداء، أولا ثم تجهیز مكان یصلح لصناعة الطوب، ونصنع عدد مائة ألف طوبة، ثم نقوم بتحویلها من طوب اللبن إلى طوب أحمر بعمل "قمین". حالة من الوجوم والدهشة ترتسم على وجه "رشدي"، الذي صمت لصمت والده الذي همهم بقلق: أنا أحب الخیر لكم جمیعا، یجب علیك أخذ رأي أخویك، لأن هذا شأن یخص الجمیع. ً - یبدو أن العجوز تعلم من درس الماضي، دون الحاجة إلى الجدل أصبح یهز رأسه مستجیبا لطلبات "عبید"، الذي اعتبر كلماته المستسلمة موافقة مبدئیة، تبسم بثقة كبیرة بأنه ً


19 سوف یذهب الآن إلى العصارة، لیشرف على العاملین، وسوف یستشیر الجمیع، ثم دعا "رشدي" لصحبته، قام خلفه وهو یراقب وجه أبیه. بیت حتى العصارة عشر دقائق سیرا على الأقدام، طالت المسافة لتوقفهما ً المسافة من ال بضع دقائق، یرید أن یؤمن أخو ه بفكرة البناء قبل الحدیث للآخر، فتوسع في الحدیث عن َّ البیت وخصه بتلك الممیزات التي سوف یمنحها له: - عندما تلتحق بالجامعة لن تخجل من دعوة الأصدقاء. ثم توقف للحظة وكأنه یقرأ ردة الفعل، ثم استطرد في الحدیث: - فما سأفعله الآن هو وضع مستقبل العائلة على الدرب الصحیح. تبسم "رشدي" و ماز الت في مخیلته صورة الوالد، الذي لم ترق له فكرة البناء لتغیر ملامحه فرد في فتور: - على بركة االله یا أبا مسعود. خلت غرفة الجلوس على العجوز، ظل یهش الذباب الذي یحط على أكواب الشاي، القابعة على منضدة تتوسط الأرائك، لا یدري سر هذا الشعور المقلق، هل تطلعات وحماسة "عبید" أصبحت تخیفه؟ أم حدیثه عن البیت الجدید أثار شجونه؟ أم رغبة "رشدي" في الرحیل للقاهرة؟، عاد للتفكیر فیما قیل، تبین من حالة الوصف أنه لا مكان له بالبیت الجدید، قام ً في خطواته، ترك الذباب یحط على أكواب الشاي الفارغة. متثاقلا


20 3 غیاب "راسیل" الغجریة كفیل بأن یفعل به أكثـر ممـا فعلتـه الثـورة منـذ عـامین، كانـت تشـاركه مشاعره الانهزامیة ولذاته، الأحداث تتـولى وهـو یقـف فـي محلـه لا یحـرك سـاكنا، أكثـر شـيء ً ٌ یقــوم بفعلــه هـو نــبش شــبه عـش الـدبابیر، فـلا یسـتطیع الســیطرة علــى تلــك الماضــي الــذي ی الدبابیر التي أصیبت بداء السعار، تـنهش فـي الواقـع حتـى أصـبح جیفـة نتنـة. و بمشـاعر مـن ــ ٍ الحـزن العتیــق یعـیش لیـال طویلــة، أفــل فیهـا القمــر؛ فاس َّود الفضـاء، تحولــت جــدران البیــت ْ ء التـي تحـدث حولـه لا یجـد لهـا مبـررا أو ً لتصـبح كأنهـا سـور لسـجن، أصـبحت كـل الأشـیا منطقا؛ لكثرة الألغاز التي تحیط به. حاول ألا یجهد نفسه ویكلفهـا عنـاء البحـث عـن منطقیـة ً كمـا تعل ..!!، والقـائمون علیهـا لهـم ّ الأحـداث، لأن الثـورات فـي العـالم لا تعتمـد علـى منطـق ـم ً رؤیا خاصة یرون من خلالها دامسا. ً الماضي ظلاما ا أحیانا یوهم نفسه بأنه یجب علیه أن یدور في فلكها ویكون ماكر ذا حیلة ودهاء، وهذا ً یتطلب منه محق الماضي والتشهیر بنواقصه ومساوئه، وتنكیس رایته السوداء، ویفعل العكس مع الحاضر، یطیل به الفكر وفى النهایة یستسلم لعجلة الواقع لتسحقه. "المصري سعید" یواصل حالة العزلة التامة، حتى الرسم توقف عنه یطالع اللوحات القدیمة، وعندما حاول أن یرسم وجد أن أصابعه مرتعشة، والناتج ما هو إلا عبث طفل، خطوط ر بعض النقود من ِخ متعرجة وألوان غیر منسقة، وأصبحت سلوكیاته الجدیدة عادة. َّ كان ید مر، مضیفاً إلیها قیمة إیجار أرضه الذي ً مال البرنس، یقتات منها ویهدر بعضها لشراء الخ یواظب عمه الحاج مسعود على دفعه مع بدایة كل عام. نظر ذات لیلة من نافذة حجرته، نحو ضریح "الشیخ عمران" رغم رائحة الخمر التي تفوح من فیه، لكنه على یقین بأن االله غفور رحیم، ظل یستجیر به كما استجار البرنس في تلك القصة التي رویت أمامه عشرات ُب المرات، وكان لا یصدقها لكن الیوم یبحث عن القشة التي یتعلق بها من الغرق في ج أفكاره السوداویة. وضریح الشیخ بجوار بیته من الجهة الغربیة، تم تجدید بناءه بأمر من


21 والدة البرنس، فقد رأت حلما كأن الشیخ ینقذ ابنها من أسد في الصحراء، وقد كان البرنس ً ً في هذا الوقت یقوم برحلة صید بصحراء "نجع حمادي" الشرقیة، وعندما عاد روي أن أسدا كاد یفتك به لولا رجل ظهر فجأة وأنقذه؛ فقامت بتجدید الضریح القدیم المتهدم، وتم بناء المئذنة مصمتة حتى لا یصعد إلیها أحد. أطال التضرع ثم عاد إلى مخدعه، یبحث عن القشة التي سوف تنجیه من الغرق، وهو أحدا. على یقین أنها لم ولن تنجي ً اللیلة یحاول أن یكون هو المحرك للأحداث ولیس كعادته، كالغصن یتمایل في مهب الریح، زاد من حزنه ما رآه هذا الصباح، من تحویل مباني قصر السلاملك إلى مقر عام للاتحاد ُّ بدفاترهم أسماء الوافدین المؤیدین. ومن ُ الاشتراكي، ظل یراقب الموظفین الجدد وهم یخ ون ط قبل تحولت قاعة الطعام إلى مقر للجمعیة المركزیة للإصلاح الزراعي، وتحولت القصور إلى عدد من المصالح الحكومیة، وتبدل حال كل شيء حوله، إلا هو ثابت كعمود حدیدي راسخ في باطن الأرض. ُدد انصرفوا، إلا بعض الحراس من الشرق جهة حل الظلام وتیقن بأن جمیع الموظفین الج ا نهر النیل اعتاد على وجودهم لا یحتك بهم وهم كذلك، لمح بطرف عینه خفیر آخر من ً جیدا إنه "متولي" من أبناء نجع ً الجهة الجنوبیة یمر بالسبیل عند سور القصر، یعرفه "الشیخ مسعود"، بعد أن انصرف الموظفون دبت الحیاة مرة أخرى بمنزله المتواضع، هندم على الشاطئ ی ِّحدث نفسه، یجتر ُ َّ ثیابه وخرج في جوف اللیل یتسكع، مر بنهر النیل، ظل الماضي السعید، لم یشغله كثیرا مستقبلة رغم التفكیر في حمل حقیبته والذهاب للنجع، ً ا دار صغیرة مغلقه منذ سنوات، تمنى العیش وسط ً یمتلك بجوار بیت عمه "الحاج مسعود" الأهل، لكن لا یستطیع الإقدام على هذه الخطوة التي یتمناها عمه. �ا للنهر ظهره، قادته قدماه إلى مكان ما، ذهب هدأت أمواج النیل ولم تهدأ أفكاره، قام معطی �ا على ظهره سرج ً ً إلیه قبل ذلك في وضح النهار، وكان وقتها یمتطي جوادا عربی أصیلا مریح للتجوال، وخلفه حارسان، یحمل كل منهما بندقیة ینتظران منه إشارة، وفى هذا المكان رأى


22 "راسیل" لأول مرة تجلس أمام خیمتها، تمشط شعرها وقت الضحى، وقف یتفحصها وظل أسیر للنظرة الأولى، وهى مشغولة بالتمشیط، وعندما انتبهت ولت منصرفة للداخل. منذ هذا الحین لم تفارقه لأنه اصطحبها معه إلى قصر الحرملك لخدمة الأمیرات، وعندما تنتهي زیارة البرنس التي لم تطل أكثر من شهر خلال فصل الشتاء، وما تبقى من العام تصبح في خدمته. اللیلة حملته ریاح الشوق تجاه حوش الغجر، یتفحص الخیام بعضها لها جدران من الصفیح وأكثرها خیام من الخیش والقماش، بینها بقایا أشیاء قدیمة وعربات كارو، رائحة عطن الأشیاء ً وغائط الحافر وبراز الآدمیین تزكم الأنوف، یرى ظلا لرجل من بعید یفرغ مثانته خلف الخیام، ْ وقبل تها، یعرف ِم أن ینتهي ویدلي ثوبه تواري منه، المشهد مقزز لكن لا بدیل عن دخول خی ًا. ً مكانها جیدا لكنه یتوجس خوف صوت یهمس خلف ظهره: "عاوز أیه یا ابن الأكابر". بصوت متلجلج بأنه یرید أن یبتاع بعض الأشیاء من "بخیتة". ابتسم "محمود" وهو یعلم ما جاء من أجله، خاطبه في صوت یحمل اللوم والعتاب: - ً من أراد شراء بضاعة، علیه القدوم في وضح النهار حتى یتسنى له رؤیتها جیدا، ارحل قبل . ْ حدوث ما لا تحمد عقباه، ولا تأت مرة ثانیة إلى هذا المكان انعقد جبینه مما سمع من "محمود" كبیر الغجر، الذي واصل حدیثه بلغة تحمل التهدید هذه المرة: - منذ أیام كانت ستراق الدماء بسبب وجود سیرتك بیننا، أنتم لستم منا ونحن لسنا منكم، ومهما طالت سنوات الجوار لن یختلط الزیت بالماء. بهت وجهه وتراجع خطوة للخلف، یشعر بأن الجمیع یتأمر ضده. استو قفه صوت الرجل مرة أخرى یقدم له النصیحة، بعد أن مسح مخاط أنفه في كم جلبابه: - علیك أن تطوي صفحة الماضي، ومن جئت من أجلها سوف تزف إلى "بلال" الحداد خلال هذا العام كما هو متفق علیه، ومن الأفضل لك ولي أن ترحل كما أتیت دون أن یبصرك أحد. ت اذة ُ دارت الدنیا به یستجمع قواه بعد صدمة المكاشفة، شعر أن حكایته مع "راسیل" شبه رائحة نف اعتادت علیها أنفه، فلم یشعر بها و زكمت أنوف كل من حوله، همس بصوت یتصنع الشجاعة: - أرید الزواج منها..!!


23 ضحك بسخریة كبیر الغجر وهو ینظر في الاتجاه الآخر یراقب الخیام الساكنة، ثم جحظت عیناه وارتجفت شفتاه و رد بصوت حاد: رحل عنا ولا تكن جلابا للشر، لا یشغلني في ً - هل سمعت عن غجریة تزوجت خارج الغجر، ا هذا الأمر لا أنت ولا هي، لكن ما یشغلني هو غضب عمك الحاج "مسعود"، ارحل عنا ولا تعد. ظل یردد كلمة: "ارحل عنا" أكثر من خمس مرات. یشعر بمرارة في نبرة الرجل وهو یحذره من الاقتراب، ابتعد بضعة خطوات عن الخیام، سمع ، نظر للخلف متوجسا، أراد الدخول لل ش لم تطاوعه قدماه، ُ صوتها تصرخ: "إلحقني یا مصري" ً حو لسماع صوت عراك بین الخیام في شبه الظلام، یرى أشباحا تتحرك وأصوات تحذره أن ینجو ً بنفسه، صوت نباح كلاب ضالة مختلط بصوت المتشاجرین، یشعر بالحیرة والعجز، بعد هنیهة ًا وهما لتثقل كاهله. ً ولى ظهره، رحل من حیث أتى لكن تلك الزیارة لم تزده إلا خوف سار یحث الخطى، جر أذیال الخیبة بین دروب المدینة الساكنة لا یرى إلا صورة حبیبته، وصدى صوتها وهى تصرخ تستغیث، ظل سؤال داخل رأسه یبحث له عن جواب: مما كانت تستغیث؟. لم یجد جوابا لكل ظنونه وكذلك لم یدرك قیمة سیده البرنس في حیاته إلا الآن، كم تمنى لو رحل ً عن الدنیا قبل هذا الیوم!


24 4 ساعة الضحى الحاج "مسعود" یجلس على أریكة خشبیة أمام باب البیت، یستمتع بدفء شمس الشتاء، یرد تحیة الصباح ومداعبة بعض السابلة له، اقترب "محمود الغجري" یمتطي �ا لطلب دابته دون خرج البضاعة، یبدو أنه خرج من بیته لأمر هام وعاجل لیس سعی ُ ّم علیه؛ فأذن له بالجلوس بجواره، الرزق، نزل عنها قبل خطوات، اقترب یجرها خلفه، سل الرجل هندم الطاقیة الصوف ذات اللون البني المحروق، ولملم أطراف الثوب المليء بالثقوب، نتیجة عمله نافخا للكیر ، یراقب ندبات على یدیه أثر ، وبوجه جامد ًا لحروق قدیمة ً الملامح صمت بعض الوقت یلتفت حوله ویشارك العجوز رد التحیة على المارة، ثم یعود ا لحالة الصمت على عكس عادته حیث كان ثرثار. ً راقب العجوز التغیر الذي طرأ علیه فطلب منه الإفصاح عما جاء من أجله؛ سأله: - هل ندخل إلى غرفة الجلوس حتى لا یقطع أحد علینا الحدیث. ًا للشرح، بدأ حدیثه بالتلعثم هز الغجري رأسه بالرفض، فما جاء من أجله لا یستغرق وقت "المصري" واقتحامه حوش َّ والخوف من رد فعل سید القوم، ظل یشكو مما حدث أمس من ً، وقد جاء بكلام ی "راسیل"، وأضاف الغجري ُ الغجر ل شبه الهذیان بأنه یرید الزواج من یلا ُ العجوز شبه الاستعطاف، أنهم قوم یعیشون في حالهم ومنذ أن وطئت أقدامهم في لهجة ت المدینة وهم لا یثیرون المشاكل، رغم تعرضهم لبعض المضایقات، یتنازلون عن حقوقهم لطلب السلم والمسالمة، حرص على الحدیث بصوت منخفض ینقطع عند مرور أحد أمامهما في الشارع، بتلك الكلمات التي تنم عن خوف، واصل حدیثه الذي اختتمه بجملة ماكرة یضع بها الس : ُم في العسل - ٕ أخشى من حماقة الشباب التي تخرب الدیار وتجلب المصائب، وان حدثت فضائح نتیجة حالة الغرام تلك؛ ستظل الفضیحة داخل الأرض التي تنشأ فیها، وسوف نرحل عن المكان وتنسانا الناس.


25 ً أنصت الحاج "مسعود" ث ، ووعده أنه سیتولى الأمر، تذكر تلك السنوات م هز رأسه مستاء الغابرة، التاریخ یتكرر وما جناه الآباء یواصله الأبناء، صورة أخیه "سعید" عندما حدثت بینهما مشادة منذ سنوات بعیدة، وهو یحذره من العمل داخل القصر، بعد أن اختاره البرنس عندما شاهده یلعب العصا، وقد غلب الجمیع بقوة بنیانه ومهارته، وكان القرار بمثابة صاعقة ضربت استقرار العائلة، لكن بعد مرور الأیام وجد "سعید" من البرنس المعاملة الطیبة، ودنیا جدیدة تفتح أبوابها، بعد أن أتاه البعض یطلب منه التوسط لدى سیده لقضاء بعض الحوائج، فأقنع نفسه بأن هذا العمل تشریف ولیس مهانة. قام الغجري بعد أن شاهد تغیرات وجه العجوز، انصرف یمتطي دابته كأنه ألقى بعبء ثقیل من على كاهله، لكز بطنها بمؤخرة قدمه الحافیة؛ لكي تسرع في خطواتها یهرب من المكان، یختفي عن الأنظار دون أن یشرب الشاي، الذي أعدته وأحضرته له "فاطمة" و تركت الأكواب والبراد بجوار جدها وهى تهمهم: "الشاي یا جد"، وعادت للداخل مسرعة قبل أن ترقبها عیون المارة. ًا في مكانه یفكر في هذه المصیبة التي حلت به، كیف یمكن الخروج من ظل العجوز جالس هذا المأزق بأقل الخسائر؟ یخشى من مجهول یتربص به، همهم في فتور: - كیف للمصري أن یرتكب تلك الحماقة؟! وأنا أعلم مدى عقلانیته! بعد أن تناول الجمیع العشاء، طلب العجوز من "رشدي"، الذهاب إلى ابن عمه یطلب منه الحضور لملاقاته في أمر هام وعاجل، واختیاره له دون أخوته لعلمه بتلك العلاقة القویة التي تربطه بـ"المصري"، ولرزانة عقله وهدوئه. احتقن وجه "عبید" الذي توقف عن ارتشاف ما تبقى من كوب الشاي، یتفحص وجه والده الذي تجاهل رد فعله، فواصل الأمر في لهجة تحذیریة مشیر : ًا نحوه - لا تعد إلا وهو معك!


26 خرج "رشدي" یمتطي الدابة التي أحضرتها له "فاطمة" ووضعت علیها البردعة، اقتربت تجرها تهمهم: "تفضل یا عم الركوبة أهیه". وظل الجمیع یشربون ما تبقى من أكوابهم في صمت دام لهنیهة، حطم جدار هذا الصمت "الوكیل" ُ الذي كان أسرعهم في شرب الشاي وهو ساخن، عادة اعتاد علیها وسط العاملین بالعصارة لیتخذوه قدوة حتى لا یتم إهدار الوقت، یسأل عن خطة العمل في الغد، طال الحوار بینه وبین أخیه عن أمر العصارة، والحوار الذي أخذ منعطف . ًا آخر عن قمین الطوب الذي یتم تجهیز مكان له ارتشف العجوز آخر رشفة من كوب الشاي وهو یداعب حفیده "مسعود" الذي یجلس بجواره، دون أن یهتم بهذا الحوار الدائر، قام من مكانه؛ فقام الجمیع من خلفه یطلب منه "عبداالله الوكیل" أن یدلي بدلوه في هذا أمر قمین الطوب، توكأ على عصاه نحو غرفته یخطو ببطء ً شدید، یهمهم في لا ا، واصل حدیثه، فهو یرید النوم لا مبالاة بأن علیهم فعل ما یرونه صالح أحد یعلم سر مزاجه المعكر منذ زیارة الغجري صباح الیوم؟ اقترب "عبید" من والده وهو یخطو نحو غرفته وسأله: - ماذا ترید من "المصري"؟ ولما تطلب حضوره في عجالة؟! توقف وتنهد في قوة، واستدار ببطء و في صوت واهن یشعر بالضیق من السؤال الذي اعتبره غیر برئ؛ فرده بكلمات جافه مشیر : ًا بعصاه في الفضاء - ابن أخي أرید رؤیته! هل عندك مانع؟! قالها الرجل كأنه ینتقم، ودفع باب غرفته بعصاه في قوة، ولج دون أن یلتفت إلى أحد، الجمیع یسمعون صوته من داخل غرفته، یستغفر ربه ویهمهم بكلمات غیر واضحة، وبعد هنیهة سمعوا صوت الرادیو. تسببت دعوة "المصري" في تعكیر صفو اللیلة التي كانت تحمل بشائر السعادة للجمیع. ًا كبیر . ا لا یدري ماذا یفعل ً أكثرهم سعادة "عبید" ا نحو مشروعه ً حیث قطع شوط وقف حائر بعد أن شعر بالحرج؟ توجه نحو غرفته ومن خلفه "فرحانة"، وهى في حیرة أكثر منه، بدلت


27 ملابسها من خزانتها التي هي عبارة عن صندوق خشبي یقبع في أحد أركان الغرفة، تراقب زوجها الصامت شاخص البصر. وبعد هنیهة ینقلب على الجانب الآخر معطیا ظهره لها، یتحدث في صوت مسموع: - لست أدري ماذا یرید الحاج مسعود من هذا السكیر. *** وخلال نهار الیوم طال انتظار "بخیته" لزوجها، الذي عاد إلى حوش الغجر على أطراف ًا، فصمتت هي لصمته، یواصل عمله في المدینة، جلس أمام الموقد بجوار خیمته صامت ً نفخ الكیر وتصنیع الأدوات. ا بل أحوال المكان على حالة لا یضربه سهم التغییر كثیر الناس ت لیل الشتاء ثابت الطقس. ُشبه الوقت ساعة المغیب، الشمس تنسحب في استسلام لینتصر الظلام، وجوه متشابهة أرهقها السعي في طلب الرزق طیلة النهار، تلبدت السماء بالغیوم، الفضاء مخیف والصدور مشحونة بإحساس الغربة التي اكتسبها هذا المكان، یشعرون بأنهم یشبهون الحشائش الضارة ًا وسط الحقول، ولدى بعضهم محاولات مستمیتة أن یراهم التي تحاول أن تجد لها مكان الجمیع بأنهم نباتات صالحة، تتحطم التطلعات والأمنیات على جلمود السلوك المتوارث الذي یحمل قدسیة أكبر من قدسیة الدین والقانون، وكان أهم من یقود ركاب التغییر هو والد "راسیل"، الذي وعدها بأنه سوف یقوم باستئجار شقة في مدینة "نجع حمادي"، كما وعدها من قبل وأوفى فقد أصبحت أول بنت بین بنات الغجر تذهب للمدرسة، وكعادتها لا یكتمل لها حلم، حیث توفي وهى في بدایة المرحلة الإعدادیة؛ فتوقفت عن الدراسة، وتبخرت أُمنیاتها في البحث عن هویة جدیدة. أمام خیمة معروفة لجمیع الغجر بنظافتها ونظافة من فیها، یطلقون علیها في سخریة محببة من نساء الغجر خیمة الهوانم، وهي خاصة "براسیل" وشقیقتها الصغرى "سالمة"، خیمة لا یوجد بها روائح إعطاب أو عفن لبقایا الأشیاء، أو أطفال صغار عرایا یتبولون في أي


28 مكان دون الحاجة للانتقال إلى المرحاض، لأن حوش الغجر لا توجد به حمامات لقضاء الحاجة، وكان خلف الخیام مكان للنساء لقضاء حاجتهن، وفى الجهة الأخرى مكان مخصص للرجال وبعض الخیام تحتفظ بإناء معدني لمساعدة من یقضي حاجته. وفى الجانب الشرقي من المكان، طلمبة یستخدمها الجمیع لضخ الماء، تجد النساء حولها ًا، ً أو صیف ینتظرن الدور لمليء الأواني الخاصة بهن، الأرض حول الطلمبة لا تجف شتاء فهي مرتع للناموس والحشرات والكلاب الضالة. أمام خیمة الهوانم، اجتمع القوم وعلت الأصوات بین جذب وشد واختلفت الآراء، یوجد بینهم متعاطف لكن لا یستطیع تأیید حالة العشق على الملأ، وآخر معترض یجهر بصوته بأن ما تفعله البنت سوف یجلب لهم العار. "محمود" الذي یتوسط الجمیع یحاول أن یدیر الحدیث بقدر من الحكمة، وكیف لا یستطیع والحدید یلین بین یدیه؟! ألن یستطیع أن یقود ركاب جلسة من القوم أكثرهم من النساء. قام "بلال" بوجه متجهم - فهو عصبي المزاج سریع الانفعال، لذلك یحاول الجمیع تجنب الاحتكاك به- یعلن: ا شدیدا لكل أوامري سوف أنزل بها عقاب ! ً - إن لم تستجب "راسیل" ً تدخلت "بخیته" تحتج لأنها تعلم حماقة ربیبها، وهو منذ الصغر لا یتعامل مع شيء سوى الحدید والنار والمطرقة، منذ أن تبناه "محمود" وأخذه معه یعمل في مهنة الحدادة، ولم ینتقل إلى خیمة مستقلة إلا منذ أعوام قلائل منذ أن ودع الصبا، بعد أن مات والداه اللذان وجدوهما مقتولین داخل زراعات القصب. كانت أمه تحمل بضاعة لبیعها لنساء القرى المجاورة، ذات صیت في قراءة الودع وكل ما تتنبأ به یحدث، ولذلك كانت لها مكانة ً یحمل قربته فوق كتفه طیلة النهار، ّاء خاصة لدى زوجات وجهاء المنطقة، ووالده یعمل سق ًا، ثم یملأ أواني الشرب، عند ً بارد یمر على العاملین بالأراضي الزراعیة یقدم لهم ماء الحصاد یأخذ نصیبه من غلال المحاصیل، وكثرت الأقاویل حول الحادث: أن الجریمة


29 �ا عند عرض ً كان ا من أحد الأعیان الذي سرقت ً ت انتقام "أم بلال" ا ذهبی من زوجته خاتم بضاعتها، ولكن هناك قول آخر أقرب إلى المنطق: أنه عندما قرأت المرأة البخت لزوجة أحد الأعیان أخبرتها بأن زوجها تزوج بأخرى، فانتقم منها هذا الثري، لأن الزوجة كذبت زوجها ولم تكذب الغجریة، كثرت الأقاویل عن الحادث لكن النتیجة كانت واحدة، قتیلان والفاعل مجهول، وتحولت هذه القصة إلى ماض بعید تجتره الألسنة عند ذكر مساوئ الغجر. لم یتبق من ذكرى هذه الجریمة إلا "بلال" الذي كبر على شيء واحد، هو الكره لكل إنسان ً لیس بغجري، ولا یخرج خارج حوش الغجر ا علیه من افتعال المشاكل مع أهل ًا خوف كثیر البلدة والقرى المجاورة، منذ الصغر حرص "محمود" على ذلك، لأن الفتى یشعر بأن كل من هو لیس بغجري شارك في قتل والدیه. بعد أن رحل "البرنس" تنفس الصعداء، فهو یصر على الزواج من "راسیل"، وفي السابق اعترض على عملها داخل القصر وحاول منعها؛ فحذره عمه "محمود" بشدة من الاقتراب منها، فمن الممكن أن تكون هذه النهایة، فقد یبطش بهم "البرنس"، ومن السهل على رجل ُلك أن یأمر باقتلاع أعمدة الخیام ویعیدهم إلى سیرتهم الأولى، أكثر شيء یملك هذا الم یقلق كبیرهم أن یعود الغجر من حیث أتوا. جلست "بخیته" مع "بلال" وبدأت حدیثها حیث أنها في مقام والدته، لذلك تقترح علیه بأن یتخلى عن فكرة الزواج من "راسیل" ویتزوج بأختها "سالمة"، فهي فتاة جمیلة مطیعة وأكثر ً منها، وقد تحدثت إلیها وأبدت موافقتها على الزواج، وهمست له بصوت یحمل رزانة وعقلا النصیحة: "یا واد دلع بنتك تعرك، ودلع ابنك یعزك"، ثم انخفض صوتها تحذره في قوة وتذكره بعلاقتها مع "المصري": "التفاحة المشمومة طعمها ماسخ". وهذا الكلام زاد من إصراره على موقفه، یكاشفها بالسر أنه یحبها منذ الصغر.


30 انتهت جلستها معه فقامت وهى تنهره وتواجهه بالحقیقة، بأن إصراره على هذه الزیجة لیس ظل الأمر معلق "بلال" في وجه ً كما یدعى بل ما هو إلا انتقام. ا لم یتم البت فیه، بعدما ثار الجمیع ثورة عارمة، وانصرف نحو خیمته بعد أن دق عصاه على الأرض بقوة وهو یهدد ویتوعد الجمیع بسوء العاقبة، وأقسم باالله أنه سوف یشعل النار في الخیام. "راسیل" داخل خیمتها لم تخرج للمجلس، یعتصرها الألم، لا تعرف ماذا تفعل في هذا المآزق؟!!، تدور في رحى الوحدة، وتشعر بأنها ظلمت نفسها بعودتها لحوش الغجر، رغم عودة الحبیب لیلة أمس یبحث عنها، إلا أنها ألقت باللوم علیه، فقد تركها ترحل، فلو كان یحبها كما یدعي؛ فكان علیه إجبارها على البقاء. بعد أن هدأت الأصوات خارج الخیمة، وانصرف الجمیع، تكتشف أن "سالمة" بجوارها منذ وقت تراقب هذا الشرود في غیاهب فكر عمیق. تلقي برأسها على كتفها تواصل البكاء المریر تتساءل في انكسار؟، ماذا علیها أن تفعل وهى حبیسة داخل هذه الخیمة المظلمة؟! تربت على كتفها برفق في صوت یحمل الرأفة، كیف تساعدها؟ بصوت واهن العزیمة: - أرید رؤیة المصري سعید هل تستطعین مساعدتي، أم تخافین من الحیوان بلال. *** أما "المصري" فمنذ لیلة أمس لم یبرح غرفته داخل البیت الساكن، صباح الیوم سمع صوت زیارة قادمة لضریح الشیخ "عمران" اقترب من نافذته، یراقب من جاء لطرق باب بیته، متصدق یحمل بین یدیه نفحة مما یوزع ابتغاء رضا صاحب الضریح، فتركها أمام الباب وعاد یوزع النفحات على الزائرین والسابلة والخفر حراس القصر، وفى غفلة من الجمیع اقترب أحد الخفراء وأخذ الكیس الذي تركه المتصدق. تبسم "المصري" مما شاهده من خلف شیش النافذة، ثم عاد لغرفته لا یدري ماذا یفعل في هذه الأیام؟ یتذكر كلمات "راسیل":


31 ا جدیدا ویتناسى الماضي، انحناء الغصن ً - ً بأن علیه أن یخالط الناس ویصنع لنفسه عالم في وجه الریح لا یعیبه بل یضمن له البقاء. ً في جوف اللیل طرقات خفیف ا؛ قام متعثر الخطى وبیده ة على الباب تهلل وجهه فرح : "راسیل"، لكن توقف خلف ً سیجارته التي أوشكت على الانتهاء، فألقى بها أرضا همهم الباب، یتذكر صوت "بلال" الأجش وهو یحاول أن یفتك به، صمت یسترق السمع. أتاه صوت "رشدي" الممیز الممزوج بالتفاؤل والأمل، علیه أن یفتح الباب فهو یعلم بوجوده. عادت إلیه فرحته وهو ویحتضنه مرحب . ًا به ُ جلس "رشدي" بین أركانها، یراقب حالة البؤس التي ه َ َ َصر على أریكة داخل الصالة یقلب ب كست كل شيء حوله، الفراش مبعثر، الأثاث یعتلیه غبار متراكم لا یقل عن صاحب البیت یأس كان یعود من المدرسة إلى القصر في زیارة عاجله، یرید ًا، یتذكر أیام طفولته عندما البقاء واللعب في الحدیقة. كانت تنتابه حالة من السعادة عندما یدخل إلى قصر السلاملك، یرى الحیوانات والطیور المحنطة، والتحف وتماثیل من المرمر ومقتنیات في كل ركن، أشیاء تدهشه وتمنحه شعور أقوى للعودة مرة أخرى رغم الصعاب. یطلب منه أن یقص علیه كیف كانت حیاته بالقاهرة أیام الجامعة؟، واستطاع "رشدي" من ًا لحیاة جدیدة بالمدینة التي یحلم ً خصب ًا، وخیالا ًا جدید حكایات ابن عمه أن ینسج عالم ً بتلك الزیارة، ومحاولا بالذهاب إلیها، رغم ضیق صدر أخیه "عبید" منعه من الاقتراب من ً ق ا في اختلاق مشاكل عدیدة، فقرر أن صر البرنس، لكن الإصرار على المجيء كان سبب یتسلل في غفلة من الجمیع لمواصلة الزیارة، وأنه وجد ضالته في الحدیث مع "المصري"، ً وقدوة، وكانت لقاءاته معه تملأ الفراغ الذي یعیشه بین أخویه في البیت یرى فیه مثلا الكبیر. �ا ً تذكر تلك اللی ا طبیعی لة الحزینة التي عاد فیها إلى البیت یحمل لوحة فنیة، تصور منظر ُشبه تلك اللوحة المعلقة في بهو القصر، یرید أن یعلقها على جدار غرفته، كما یفعل ت


32 ً البرنس مع لوحاته النادرة، وعندما رآه "عبید" ا وأخذها منه بالقوة وقام اقترب منه غاضب ً بتحطیمها، ولم یشفع ال ا إیاه بأن یلتفت إلى دروسه، بكاء أو الرجاء، بل ارتفع صوته ناصح لأن صحبته لابن الخادم سوف تفسد أخلاقه، وطلب من والده وقتها أن یترك "رشدي" المدرسة كي یعمل معه داخل العصارة، لأنه إن استمر على هذه الحالة لن یفلح!. ومنذ حادثة تحطیم اللوحة توقف "رشدي" عن الزیارة في الخفاء والعلن، وزاره مرة واحدة وبعلم والده، وساعده على الانقطاع التحاقه بالمرحلة الثانویة بقنا، فرحل ولكن یبقى هذا الحادث یؤلمه وقتما تذكره. خرج المصري بعدما اغتسل یجفف وجهه وشعر رأسه، وضع الفوطة في مكان ما، واقترب وهو یرمق ضیفه، یجده یتأفف من المكان المعبأ برائحة الدخان والذكریات، همس له بصوت منخفض یكاد ألا یسمعه: - ألازلت عند موقفك تتخذني قدوة لك یا رشدي؟!، أتمنى من االله الذي جعل بیننا تشابه كبیر في الشكل ألا یجعل بیننا تشابه . ًا في الحظ، ویكون حظك أفضل من حظي ً تبسم الفتى الذي یسعد عندما یسمع الجمیع یص ا فه بأنه شبیهه، یحاول أن یمنحه شعور ًا كثیرة، ولیست مجرد ثلاثة أعوام فقط منذ رآه آخر بالتفاؤل، یتفحص وجهه یراه كبر أعوام نظر إلیه ورد : ّ مرة. في ثقة - الحیاة تجارب، والإنسان الحالم یجعل التجربة تعلمه ولا تقتله، هذا ما تعلمته منك. هز "المصري" رأسه في حالة من الاستنكار، یبتسم بشفاه لا تحمل سوى طعم الدخان الذي یزفره بكثافة، أدار وجهه في الاتجاه الآخر كأنه یهرب. واصل "رشدي" كلماته في محاولة منه لإصلاح ما فسد، یلومه: - كیف تستسلم للیأس، وأنت الشاب القوي المتعلم المثقف، خیرة شباب العائلة.


33 - هل مازال الجمیع یعتبرني من العائلة؟! أنا ابن الخادم على حد مجاهرة "عبید"، أنا شيء ًا ًا تجنبه، إلى الآن لا أعرف سبب منبوذ أجلب له العار، رغم أنني طیلة عمري أحاول جاهد مقنع ! ًا لما یفعله أخوك الأكبر قام "رشدي" من مكانه وتقدم خطوات، یلملم بقایا هذا الجسد ببعض الكلمات، یقترب منه یجلس بجواره، یمسك بیده یجدها باردة جد هذا الجسد داخل ثلاجة الموتى، یتفحص ًا كأن عینیه الشاخصتین إلى أفق بعید یهمس له: ُمنح بل تؤخذ، مع تغیر بعض من سلوكیات البشر یتغیر - السعادة صنیعة أیدینا لا ت مزاجهم. فقد نفذت من "المصري" كل الحیل والمبررات لكي یسوقها، نظر إلى الأرض یداري خجله، وبعد هنیهة وبلهجة قویة الغرض منها تغیر لهجة النصائح التي یسمعها: - دعك من مستقبلي، لماذا جئت في تلك الساعة المتأخرة؟ وما تخفیه خلف مجیئك؟! لا أظنك جئت زائرا!ً - أشتاق لزیارتك منذ زمن، لكن سبب مجیئي اللیلة، عمك یر ید مقابلتك لأمر مهم لا أعلمه. ارتجف عندما سمع سیرة عمه، تذكر زیارته لحوش الغجر أمس، أشعل سیجارة أخرى واقترب من الرادیو الموضوع على المنضدة الخشبیة، منقوش على ظهرها وحوافها بعض من الرسومات لرءوس حیوانات بهت لونها، لها أربعة قوائم من خشب الزان، ضغط على الزر وجلس بجواره على الأریكة یتبادلان النظرات، انطلق الرادیو ببیان هام زاد مستقبله ً أكثر مما هو علیه. غموضا ً "البیان"" ا لمجلس قیادة ًا للوزراء، ورئیس ًا للجمهوریة ورئیس وبالرغم أن اللواء نجیب عین رئیس الثورة، فقد أصر على طلب س نا رفضنا ذلك لكي ُلطات أوسع وأكبر من المجلس نفسه، ولكن ً بیننا الخ نوزع السلطات توزیع ... ًا عادلا


34 ًا مما یسمعه، ًا من سیجارته، زفر بقوة للفضاء وابتسم ابتسامة باهتة ساخر ًا عمیق سحب نفس ً یراقب التغیرات التي أصابت "رشدي" ا لسماعه تلك الأخبار، ومدى ، الذي وضح وجهه باهت تعلق والده باللواء "نجیب"؛ منذ التقى به في السودان، وكانت الرحلة لیبتاع بعض من النوق والجمال للمتاجرة، وبعضها لاستخدامه في حمل القصب للعصارة، وقد جلس معه بعض الوقت للمسامرة، وقد أعجب به وفرح بالثورة أكثر عندما وصل إلیه الخبر بأن من یقودها : ِ ، وانتبه الا یواصل البیان هو اللواء "نجیب" ثنان لصوت المذیاع الذي وانتهینا إلى القرارات التي اتخذها المجلس بالإجماع وهي: - أولا: قبول الاستقالة المقدمة من اللواء أ. ح ." محمد نجیب" من جمیع الوظائف التي یشغلها. رئیس . ً - ثانیا: یعین البكباشي أ. ح . "جمال عبد الناصر" ا لمجلس الوزراء تفرس كل منهما وجه الآخر في صمت، لكن قراءة كل منهما على وجه الآخر نتیجة ما سمعا، كسرت حالة الصمت والظنون والتأمل، موسیقى تتهادى وأغنیة نشید الحریة بصوت محمد عبد الوهاب یشدو: ًا ً ُرغم كنت في صبرك م . ُ كـــنت في صمتــك مــ ... كرها فتكلم وتألم وتعلم كیف تكره؟ ... عرضك الغالي على الظالم هان. وطغى الظلم علیها وعلیك... أرضك الحرة غطاها الهوان. ّ الفن أحد الأسلحة الخالق بها على الإنسان لبلوغ الأمل، لذلك دبت التي م داخل صدر َن حماسة؛ فقام من مكانه بأمل متجدد، مشیر ابن عمه، بأن علیهما الذهاب ً "المصري" ا نحو الآن، وانقشعت سحابة التردد، یبدو أن البیان دفعه للتحرك وأن اختلاف مجلس قیادة الثورة فرصة لعودة البرنس لمكانته. في ظلام اللیل یمتطیان الدابة، التي وصلت إلى الجسر الترابي، أشجار النخیل تتماوج مع الریاح في إطراب وتناغم، ونقیق الضفادع لا یتوقف، یسمعان فحیح وهسیس وعواء مخیف


35 بین زراعات القصب، وكلما اقتربت الدابة نحو النجع، یكفهر وجه "المصري" بسبب حالة ًا، وخوف كاسح كموج البحر الهائج، یزحف ًا روید من المزاج المتقلب، بین أمل یخبو روید نحو الیابسة یقتطع منها جزء . ًا، وبراثن هذا الخوف تجتث كل براعم شجرة المستقبل حاول "رشدي" أن یداعبه عند المرور على الجسر، قص علیه إحدى حكایات "عبداالله" الطریفة، وهي كثیرة، بعدها ضحك الاثنان دون تعقیب على تلك الحكایة وعلى صاحبها، وقبل الدخول إلى النجع یسأله في تردد: - ما أخبار "راسیل" الغجریة؟!!. ا اقتربت الدابة من النجع، ولم یتلق جواب . ً


36 ٥ في الصباح بساحة البیت یستعد الجمیع لتناول الإفطار، باستثناء الأخوین اللذان غادرا البیت فجر . كالعادة "فرحانة" و"عوالي" تعملان بهمة ونشاط، تضعان أصناف ًا إلى العصارة الطعام بمساعدة "فاطمة"، التي توارت داخل خزانة الفرن لم تخرج إلى ساحة البیت لوجود "المصري"، الذي لم یأخذ القسط الكافي من النوم؛ فجلس یتثاءب بجوار عمه، اللیلة الفائتة طال فیها الحوار إلى الساعات الأولى من الفجر. تكلم "رشدي" عن حلمه بالالتحاق بكلیة الحقوق بالقاهرة، یتطلع عندما یتخرج بأن یشترك في أحد الأحزاب السیاسیة الجدیدة، التي ً تم تشكیل بعضها ولم تمارس عملها، حیث ا ًا، ویرید أن یكون عضو �ا بارع یرى نفسه سیاسی في برلمان الأمة، وقد قرأ كثیر "النحاس باشا" ومواقفه الوطنیة في مواجهة الملك ًا عن "فاروق". وفى المقابل حكا "المصري" الذي فتح قلبه وما یعتصره من ألم، وأجاب باستفاضة عن السؤال السابق على ظهر الدابة، بخصوص علاقته بالغجریة ولم یخش البوح داخل الغرفة المظلمة. رغم حالة الوئام والاستقبال الأمثل من الجمیع للمصري، لكن مازالت كثیر من الظنون والخوف من المواجهة داخل صدرة، فإلى الآن لم یفاتحه أحد في شيء، والسؤال الذي تسبب في حیرته منذ لیلة أمس مازال یطل برأسه بین الحین والآخر: لماذا طلبه عمه؟!!، ولماذا طلب حضوره في عجالة؟!!. بعد دقائق دخلت "فرحانة" التي لا تستطیع أن تكسر تلك العادة شبه المقدسة، التي لا تعلم منذ متى بدأتها؟ فمنذ زواجها وهي تواظب علیها، فبعد كل وجبة طعام تحضر الأكواب الزجاجیة الصغیرة المستدیرة، متراصة حول إبریق نحاسي مليء بالشاي المغلي، دخلت ترحب بقدوم "المصري" وتعاتبه برفق لعدم زیارة بیت عمه.


37 بعد أن تناول الجمیع الإفطار، ساروا بخطى بطیئة نحو العصارة، العجوز یتوسطهما لم یتوقف الحدیث بین الثلاثة في شتى الأمور، بعضها من الماضي یسردها بحكمة وحب وحنین، والبعض الآخر عن الحاضر یشارك فیها بحدیث مقتضب "المصري"، الذي كان لا یرغب فى الذهاب إلى العصارة حتى لا یلتقي "بعبید"، في المقابل كلمات الترحاب به قد جلت صدأ صدره المتراكم، وكسرت حاجز القلق. وأثناء السیر مروا أمام بیت "المصري" المغلق منذ زمن، الذي تفحص الباب بطرف عینه فقد تراكمت أمامه قشاش حملتها الریاح، وكم تمنى العودة إلى بیت والده! أغمض عینیه على أمنیته، فتحها على صوت عمه العجوز "االله یرحمك یا سعید یا اخویا". *** نشب شجار داخل العصارة بین "ألفونس القباني" و"عبید"، الذي قرر أن یدفع التاجر المتأخر علیه من النقود قبل أن یزن العسل الجدید، وكذلك رفع قیمة العسل بمقدار ربع جنیه لكل قنطار، وهذا الأمر لا رجعة فیه، ولا یوجد رجاء ولا نقاش، إن أراد مواصلة ُ . لكن "ألفونس" غضب وأعلن اعتراضه على الملأ، لب منه التعامل معه فعلیه أن یلبي ما ط انتهى الحوار إلى طریق مسدود. قام یعلن أنه سوف یذهب إلى الحاج "مسعود" � شاكیا؛ لیجد ً، فالأمر زاد عن حده، وهو لا یطیق التعامل مع ابنه الذي لم تشفع لدیه تلك الع . ِشرة له حلا :ً همس "عبید" ساخرا ً ً بل سوف ندفع إلیهم نقودا. - ِ لن نعطي العاملین بالعصارة قیمة عملهم عشرة وأصولا فصارت همهمات بین العاملین یؤیدون ما فعله، لأنه یحافظ على حقوقهم. وفي الغرفة التي غاضب "بالعذراء" و"المسیح"، أن ما تم شراءه في المرة ً أمام العصارة، جلس "ألفونس" ا یقسم السابقة مازال إلى الآن لم یبعه، یوجد بالمخازن عنده، والتجار الذین یأتون من بحري لم یحضروا إلیه.


38 أما "عبید" فأمسك بطرفي السبابة والإبهام أرنبة أنفه وتمخط بقوة قبل الدخول إلى الغرفة، ثم مسحها بكم جلبابه ولملم أطراف الشال على رأسه، دخل بصحبة أخیه "رشدي" الذي ذهب بأمر من والده یطلب حضوره، تجاهل وجود "المصري" الذي یجلس في صمت، یوضح حجته ومبرراته لما یفعله من رفع قیمة قنطار العسل. و فى المقابل ساق "ألفونس" ما لدیه من حجج، فحكم الحاج "مسعود" فیما بینهما أن یحمل التاجر العسل هذه المرة بالسعر القدیم، وفي المرة القادمة علیه إحضار كل ما تأخر علیه من نقود، وجزء . وافق التاجر على الفور وهو یشكر ًا من ثمن المنتج الجدید بالسعر الجدید العجوز أنه رجل یعرف قیمة الأصول والعشرة. ووافق "عبید" على مضض وهو یتوعده، إن "الوكیل" أن یسجنه داخل العصارة، وما أدراك ٍ لم یأت بالنقود المرة القادمة سوف یطلب من ما "عبداالله الوكیل". ا معترض "ألفونس" ا ساخر : "بلاش الوكیل ده حافظ ومش فاهم وكمان غشیم ومتعافي"، ضج ً ً الجمیع بالضحك، ورغم شعوره بأن العجوز نصره، لكن ظل یردد كلمات العتاب، لولا الحاج ُ لا یدخل هذا المكان أبد "عبید" حسن التعامل معه، وأن حبه للمال كاد ً "مسعود" ا، لأن لا ی أن یفقده عقله. لم یهتم "عبید" بهذا العتاب، وانصرف نحو العصارة وهو یتوعد "ألفونس"، ضحك الجمیع إلا "المصري" الذي یشعر بالغربة، وحالة الأنس التي یشعر بها ما هي إلا مشاعر زائفة، ً . تحول الأمر إلى حالة من المزاح، اختفت بمجرد دخول "عبید" وجوده إلى الغرفة متجاهلا وقص العجوز تلك القصة التي یرددها دوم "ألفونس"، فقد كانت ًا عن مدى علاقته بوالد � تربطهما صداقة قویة منذ زمن بعید، وظل یحكى عن ذكریاتهما، یوم أن ذهبا سویا بصحبة رجال وشباب نجع حمادي والقرى المجاورة بقیادة "حافظ بك الكلحى"، لقطع شریط السكة الحدیدیة عند قیام ثورة ١٩١٩م؛ لمنع القطار القادم من السودان بتعزیزات جیش الاحتلال


39 البریطاني من الوصول إلى القاهرة، لقمع الثورة ومحاولة الفتك بالمستر "روس" المدیر الانجلیزي لمصنع السكر. قام "ألفونس" بوجه ضاحك وصدر منشرح یطلب الإذن للانصراف، استوقفه صوت العجوز : ً ضاحكا - أنتطر أحكي لك عندما ذهبنا أنا ووالدك مع الجمیع نستقبل سعد باشا زغلول. ولم ینتظر منه جواب : "وقفنا على البحر بین زحمة الناس نهتف ًا وواصل حدیثه عن الزیارة یحیا سعد ویسقط الإنجلیز، وأبوك كان متحمس قوي، حد ضربه بكتف وقع في البحر، وكان مبیعرفش یعوم یقب ویغطس ویقول یحیا سعد یحیا سعد". ِ ضج الجمیع بالضحك، نفض الرجل حجر ثوبه، یهمس بأنه قد سمع هذه الحكایة من قبل من والده (قدس االله روحه)، بعد هنیهة توقف صوت الضحك على صوت استغاثة أتى من جهة العصارة، "صقاو" المعتوه یصرخ: "یلعن أبوك" وهو في حالة من الهیاج. اقترب من الغرفة "فرج" الطباخ یبلغ العجوز بما حدث: بأن المعتوه قد طلب من أحد العاملین ثقاب كبریت لكي یشعل سیجارة، وعندما أشعلها رمى عود الثقاب المشتعل على أكوام من القش كادت أن تشتعل النار، لكن تم السیطرة علیها. لكزه "عبید" في صدره بقوة، وضربه بعود القصب على مؤخرته وطلب منه عدم الحضور إلى هنا، ضج الجمیع بالضحك عندما ِّي نفسك مجنون أنا أجن منك". سمعوا تهدید "عبید" للمعتوه: "هتعمل ا العجوز ساخر: ً - یبدوا أن عبید قد جن كما یقول ألفونس، عندما یجعل من هذا المعتوة خصما. *** جاءت "بخیته" َّ الغجریة بعد انقطاع دام لأیام، لم تفك عقدة "البؤجة" ْ التي أخرجتها من الخرج الموضوع على ظهر الدابة، التي أدخلتها "فاطمة" الزریبة لتجد ما تأكله، ولم تمد یدها نحو "عوالي" مشیرة بتمجید وفخر نحو قطعة قماش "دوبلین" كالعادة.


40 أنا أشك إذا أنا موجود، "فرحانة" عندما رأت تصرفات المرأة مغایرة والحیرة بادیة على ّ ً جاءت الیوم ًا هام ملامحها، تسألها عن سر غیابها طوال تلك المدة، شعرت أنها تخفي شیئ لأجله، بفطنة توجهت نحو "عوالي" بنظرات تحمل معنى: تشربي شاي یا بخیته. فـ"بخیته" دائمة الشكوى والحاجة بعد أن غمزت بعینها كالعادة، وكانت قد سألتها "فاطمة" في السابق عن سر إغماض تلك العین، أجابت: - في یوم جلست بجوار زوجي وهو ینفخ النار بموقدة، كان هذا الیوم في شهر أمشیر وتطایرت شرارة داخل تلك العین، ومنذ هذا الوقت وأنا أشعر بوخز داخلها. هزت الغجریة رأسها فهي أحوج الناس إلى كوب من الشاي، فطیلة الیوم وهى تحت حرارة الشمس وتشعر بصداع شدید، وقبل أن تنتهي من حكایتها تركت "عوالي" ما بیدها وقامت نحو الموقد. "فرحانة" تسألها عما في جعبتها من أخبار جعلتها تترك السوق في المدینة، وتأتي إلى النجع. كدابة مستسلمة تحت تصرف من یقودها، تحكى باستحیاء ما كان من أمر "المصري"، الذي جاء إلى زوجها "محمود" یرید الزواج من "راسیل"، هذا الأمر أثار غضب الغجر، وجعل "بلال" ومعه بعض من الشباب یتربصون به، وأنها هي وزوجها یشعران بمدى ًا خطورة الأمر، وا من حدوث فتنة. ٕ � نه جاء شاكیا للحاج؛ خوف امتقع وجه "فرحانة" كأنها على قمة الجبل وهبت علیها ریاح العاصفة تكاد أن تسقطها، بعد سماع الحكایة تلتفت نحو الداخل تطلب بصوت مرتفع من "عوالي" أن تسرع في إعداد الشاي، كأنها تتعجل انصراف الضیفة، التى لملمت بضاعتها دون بیع أو شراء، ترید الانصراف وفي صوت یشبه الاعتذار بأن لدیها بضاعة ترید أن تذهب بها إلى إحدى زبائنها قبل حلول اللیل. ***


41 في نهایة یوم شاق من العمل بالعصارة، رحل الجمیع، وخلا المكان على "عبید" الذي رغب في البقاء لأطول مدة ممكنه، حتى یرحل الضیف أو یخلد للنوم. لكن مرسال زوجته جعله یقصد البیت على عجل، بأنها تریده في أمر مهم وعاجل؛ فلم یدخل إلى ساحة البیت كالمعتاد في انتظار وجبة العشاء والمسامرة حول أحوال العمل. قصد غرفة نومه مباشرة في ًا بأن یتجنب المشاكل على الأقل في هذا التوقیت؛ لأنه ینتوي في تلك صمت، یحاول جاهد الأیام عندما ینتهي الموسم وتتوقف العصارة خلال فصل الصیف، سوف یبدأ في الهدم ثم بناء البیت الجدید، حدثته "فرحانة" بما سمعته الیوم، ثم خرجت تبلغ الجمیع بأن زوجها لن یتناول العشاء معهم لشعوره بالمغص. فقال العجوز: أعدي له كوب كزبرة خضراء لیشربها. ا أنها لن تفعل شیئا. هزت رأسها موافقة، وهي تعلم في قرارة نفسه ً خلال جلسة یسودها الود بین الجالسین بساحة البیت، واصل "عبداالله الوكیل" حكایاته ً الطریفة، بحكایة اكتشاف مبیت "صقاو المعتوه" ا عن الدفء، فى بحوض العسل، بحث الصباح و قف یتثاءب فى الحوض تبرید الملىء بالعسل، منغمس حتى أعلى سرة البطن، وعندما ر آه "عبید" أخذ یلطم على وجهه ثم أمطره بوابل من السباب: - وكمان عتتاوب یا ابن الصرمة. َّ ولا یهتم بثورته ولا شتائمه، وأثناء محاولة انتشاله، جذب معه بینما المعتوه ى یتثاءب ثم تمط فرج. وبعد إخراجهما تم نضح الماء علیهما، یرتعدان، وسط سخریة متواصلة من العاملین، وبین غمز ولمز یتبادلونه في الخفاء كلما توجه عبید لقضاء حاجته بزراعات القصب، بعد إسهال أصابه حزن . ًا على العسل، الذي تم التخلص منه بأمر من العجوز رأى "عبید" أن البت في الأمور خیر من الموائمة، عیناه ملأتها قسوة الانتقام، یفكر فیما سیفعله بتلك المصیبة التي حلت به، فمنذ علمه بحضور "المصري" وهو یتوقع أن هناك ًا، وكعادته لا یدخل البیت إلا وحدثت حالة من الانزعاج تصیب البعض، تذكر ًا مقلق شیئ تلك اللیلة التي أجبره والده للذهاب لأخذ عزاء عمه، داخل السرادق تكفل العجوز بها،


42 ورفض أخذ أیة أموال من البرنس، الذي حضر إلى النجع، وهي المرة الأولى والأخیرة، جاء ا خاصا من المقاعد الموجودة ً ً لتقدیم العزاء بنفسه وبصحبته الأمیرة، التي أحضروا لها مقعد بسرادق عزاء الرجال؛ جلست بین النسوة. بدا علیها الشعور بالحزن لفقد الحارس والخادم الأمین، وبجوارها النسوة یتفحصن في خجل ساقیها العاریتین إلى ركبتیها، وملابسها التي تبدو غریبة، تحول العزاء بعد ذلك إلى مفخرة لدى البعض، فالبرنس حضر العزاء. بساحة البیت توقف الجمیع عن الضحك، فور دخول "عبید" كالسهم، وبلهجة تهكم خاطبه: - قل لهم لماذا ذهبت إلى حوش الغجر؟! تبادل الجمیع نظرات الدهشة، وانقلبت ساحة البیت إلى مكان للعراك، وتحولت جلسة السمر إلى حالة من الضجیج لا یستطیع أحد السیطرة علیها لسرعة أحداثها، "المصري": - أرجوك یا عمي لا تنصت لكلامه أو كلام الناس، وبارك هذه الزیجة، فأنا في أشد الحاجة إلیك، فأنت بمثابة أبي، لا تتخل عني!. واصل حدیثه في حرقة واحمرت وجنتاه: - أنت رجل تحمل كلام االله وتعرف صحیح الدین فكیف لك أن تخوض مع الخائضین؟! بدأت القناعة تظهر على وجوه الجمیع، وقبل أن یتفوه العجوز بأیة كلمة تحسب علیه. تدخل "عبید" الذي اتسعت مقلتاه اللتان أصبحتا باللون الأحمر وصرخ: - من العجیب أن سكیر مثلك یتحدث عن كلام االله والرسول! أنت شخص مجنون وترید أن تلحق بنا جمیع ! كیف لك العیش مرفوع ًا العار، ألم تسمع عن سمعة هؤلاء الغجر؟ ً الرأس؟!! والمثل یقول: من عاشر ا صار منهم، وأنت صرت غجري الطبع القوم أربعین یوم ا والسلوك، ابن الخادم لن یصبح سید ! ً اشتد الغضب بالمصري ورد دفاع : ًا عن والده - ما أراه أنك قلیل الأدب! كیف لك أن تتفوه بما قلت عن عمك وتذكره بهذا الكلام القبیح؟! ً وهدأت نبرته: تراجع "عبید" قلیلا - الناس هي التي تتحدث بهذه الكلمات، وهذه حقیقة... الكلام عنها من عدمه لن ینفیها!


43 ووسط خضم الغضب لم ینتبه أحد إلى الصغیر "مسعود عبید"، الذي خرج من غرفته یفرك ُسب والده من قبل، فانطلق ً ی عینیه براحة یده، الطفل أصابه القلق لما یحدث، لم یشاهد أحدا �ا، اقترب منه "رشدي" و ربت على كتفة برفق وحمله إلى الغرفة المجاورة لأمه وعاد في باكی عجالة، في الغرفة المجاورة امتلأت الصدور بالقلق والترقب وارتفعت دقات القلوب وتعالت الأنفاس في اضطراب شدید، تلك الغرفة التي انخفض فیها فتیل القندیل الزیتي إلى أقل درجة، ً تراقب، بجوارها "عوالي"، الاثنتان بأمر من "فرحانة" التي جلست خلف الباب الموارب قلیلا تسترقان السمع، بعد أن خلد الأطفال للنوم مبكر "فاطمة" التى همست تدافع عن ًا، ومعهما والدها طلبت منها أمها في حزم أن تصمت، وألا تتدخل في شئون الرجال. العجوز طلب منهما الصمت وكفى إلى هذا الحد من التجاوز، وعلیهما أن یؤجلا الحدیث إلى الغد؛ فقام "عبید" إلى غرفته یهمهم بكلمات السخط وارتفعت نبرة صوته إلى تهدید. لم یهتم المصري وقام على الفور وهو یقولها بملء فیه: ً - ا لرغبتك حدیث اللیلة أو الغد لن ینفع معه لأنه لا یرى إلا نفسه، وأما حضوري كان تقدیر یا عمي!! دخل إلى الغرفة وبدل ملابسه في عجالة، وخرج إلى ساحة البیت وهو یقفل ما تبقى من ًا مكانه، یعتذر له عما بدر أزرار قمیصه، اقترب من عمه ذي الوجه المكفهر فمازال جالس منه.. قبل جبینه یرجوه أن یعید التفكیر في الأمر برمته، وقال جملة أصابت العجوز في مقتل: - أرجوك یا عمي، لا تكرر أخطاء الماضي، لا تخسرني كما خسرت والدي من قبل! طلب منه العجوز بصوت متحشرج البقاء للصباح، ثم وضع یده داخل جیب الصدیري، أخرج حافظة نقود جلدیة سوداء ذات "الكبسولات" المعدنیة، مد إلیه یده ببعض المال الذي


44 ًا، امتنع كان م . لكن العم طلب منه بحز م أن یأخذ حقه قیمة إیجار ُعدا لإعطائه مسبق ا ً أرضه، وا . ٕ ن لم یأخذها فسوف یترك الأرض بور فاستجاب ووضع النقود في جیب بنطلونه وانصرف، یسرع نحو الباب الخارجي، ثم تلاشى عن أعین الجمیع في ظلام الطریق الترابي نحو الجسر، حالة من السكون كست البیت. وبعد دقائق خرج "عبید" إلى ساحة البیت یحمل البندقیة كأنه ممثل أجاد دوره، وفي صوت مليء بالتحدي، یجهر بقسم أن تزوج ابن الخادم بالغجریة لسوف یقتله، یتقدم خطوات نحو باب البیت الخارجي، صوب البندقیة تجاه الطریق الذي غادر منه وأطلق رصاصة في الفضاء، فأرعب صدى صوتها قلوب النسوة اللاتي خرجن إلى ساحة البیت مذعورات. تملكت العجوز الحسرة، وتمنى في سریرته لو أن "المصري" لم یستجب لدعوته، یلوم نفسه، كان من الأولى علیه ألا یعد "الغجري" بشيء، وأن یصارحه بحقیقة الواقع، وأن زمام الأمور لم یعد في یده. اقترب "عبداالله" وأخذ البندقیة من أخیة بدون مقاومة، وطلب منه التعقل وأن یكتفي بهذا إكرام لوالده. في ساحة البیت الجمیع نكسوا رؤوسهم بعد أن عاشوا ً القدر من الفضائح، ا حالة من القلق والخوف. إلا "رشدي" الذي استاء مما حدث، ازدرد ریقه الجاف، وتوجه نحو غرفته لكي یواصل ّ المذاكرة وما فاته في تلك اللیلة السابقة التي قضاها مع الضیف، ا لم یستطع أن یطالع أی ًا تلو الآخر، فجلس على سریره یفكر، یتذكر وجه ْلها كتاب "المصري" ّ من كتبه التي ظل یبد وهو یحاول أن یقنع العجوز بالموافقة، بصوت منكسر مليء بالرجاء، فزاد سخطه على أخیه. سار "المصري" ً وحیدا یجرجر أذیال الخیبة، على الجسر الترابي نحو المدینة، لا یشعر بالخوف لأن كثرة المصائب تمیت القلب، لم تفارق خیاله صورة ما حدث اللیلة، یضرب بعض الحصى بقدمیه، یشعل سیجارة یزفر دخانها، ظل على هذه الحالة عصبي المزاج،


45 ً استوقفه صوت "صقاو" المعتوه ا یطلب منه سیجارة، أشعل له واحدة وأعطاها إیاه ُتعتع م دون أي تعلیق، ثم واصل السیر، توقف على صوت سباب شدید وشتائم لا تتوقف ینظر للخلف، وجد المعتوه یمسك بحجر في یده یطارد كلب : "كلب ابن كلب"، تذكر ًا وینهره بقوة ً سباب المعتوه لـ"عبید" في نهار الیوم بالعصارة، تبس ا من تلك المصادفة التي أسقطها م ساخر علیه وهو ینفي صفة الكلب عن عمه ویقول: هو فقط الكلب. وصل إلى المدینة، الشوارع هادئة وكلما رأى سیارة للشرطة توارى في أحد الشوارع الجانبیة، ُعد یصل إلى طریق السرایات الغربي، مر ببیوت المستخدمین الموصدة، تراءى له عن ب الحارس الذي یشعل النار للتدفئة حاول تجاهله وقصد بیته مباشرة، لأن الصدر ممتلئ بالمشاعر السلبیة، لكن استوقفه صوته الجهوري وهو یضع السبابة على زناد البندقیة المصوبة نحوه، یطلب منه أن یكشف عن هویته واسمه، اقترب بهدوء وقف بجوار النار ْ یطلب الدفيء، منذ تأمیم القصر وهو یتجنب الحر ا لون كل فترة، لا یهتم بمن س الذین یتبد ًا، بعضهم یظهر له الاحترام لأنه یعرف عائلته یجيء وبمن یذهب لكن الجمیع یعرفونه جید ًا، والقلیل منهم من أظهر له الكراهیة، ظل یتبادل الحوار ًا، وبعضهم لا یهتم به مطلق جید معه في خجل عن أحوال هذا الشتاء الذي جاء هذا العام شدید البرودة، وتجاذب أطراف الحدیث في مواضیع عامه، كانا كمسافرین داخل القطار كل منهما طال به الطریق، یرید أن یشغل نفسه بأي شيء حتى وا . ٕ ن تحدث بكلام لا فائدة منه یلو م الخفیر على نفسه بعد أن ضرب براحة یده برفق على جبهته، بأن كثرة مشاغل الحیاة كادت أن تنسیه ما حدث لیلة أمس، جاءت إحدى بنات الغجر تطرق على باب بیته، قد أزعجتني الغجریة، فذهبت إلیها استوضح أمرها، جاءت تبحث عنك، فأجبتها أنك رحلت منذ أمس مع ابن عمك. ً اتسعت عینا "المصري" ا یسأل في اهتمام شدید : من هي؟! ً مندهشا حائر - لیست تلك الغجریة التي كانت تأتي إلیك من قبل، هي تشبهها وأصغر منها في العمر!


46 هدأت ألسنة النار تحولت إلى جمر، فقام الحارس نحو حدیقة القصر یبحث عن وقود لها، ً بصوت مختنق: "سالمة" لماذا جاءت؟! لكن لم تهدئ نار الحیرة داخل صدره، الذي تحدثا لا یجد جواب ي ضرب رأسه منذ أن تفوه ً وماذا حدث لراسیل؟! ا حول طوفان الظنون الذ الخفیر بالخبر، لم یهتد إلى ظن یریح قلبه العلیل من تلك الهواجس، القلیل منها یحمل التفاؤل والكثیر منها سيء ومخیف. انصرف عن طوفان ظنونه یتأمل مباني قصر السلاملك الساكن المظلم، نظر نحو تلك ً : "الجمعیة المركزیة الزراعیة للإصلاح الزراعي". ا ُ اللافتة التي كتب علیها ساخر : ًا مضیف ّظل قاعة الطعام سابق . یجتر الماضي ویتذكر مداعبة ًا، كان لا یدخلها إلا الوجهاء والأمراء الأمیرة له بأنه رسام جید وله مستقبل مشرق، یطالعها على لوحاته الجدیدة تسعده كلمات الإعجاب، وعدته أنها سوف تساعده على أن یقام له معرض بمدرسة الفنون الجمیلة المصریة بالقاهرة، والتي أنشأها زوجها في الدرب الأحمر، یرتفع سقف الأحلام یواصل الرسم، یحاول أن ینتقى ما سوف یرسمه، یشاهد اللوحات العالمیة على جدران القصر یستمد منها إلهامه، ولا یقلدها بل كان هدفه أن یرسم الطبیعة المحیطة به، رسم الجسر الحدیدي القدیم المار بنهر النیل، رسم شروق الشمس على ضفاف النهر وهى تختفي خلف الحقول، رسم ضریح الشیخ عمران ومن حوله الزائرین متضرعین یطلبون شفاعته، رسم السوق الذي یقام بالمدینة یوم الاثنین، صور فیه كل طوائف الباعة، من فلاحین وغجر وتجار، سنوات ووعد الأمیرة یمنحه الأمل، ولم یتحقق هذا الوعد ولم تر لوحاته النور. یعیده إلى الحاضر صوت الخفیر الذي جمع الحطب ونظر إلیه بدون مقدمات: - عندما كنت أراك تمتطي حصان البرنس، وترتدي ملابس مثله كنت أظن أنك ابنه أو أحد أقاربه، لم أعرف أن الحاج "مسعود" عمك، ووالدك "سعید" الخاد..! وهنا ابتلع الخفیر ما تبقى من كلمة خادم، التي تفوهه بها بحكم التكرار والعادة، وفي محاولة یائسة لإصلاح ما أفسدته ثرثرته غیر المحسوبة قال الخفیر:


47 - من مظهرك یبدو علیك أنك ربیب القصور. هنیهة قام على الفور یحمل بندقیته نحو ِ محاولة الخفیر لم تؤت ثمارها، بعد صمت دام ل المصطبة الأسمنتیة، جنوب مبنى ضریح الشیخ عمران، یتطلع نحو مبنى الحرملك بالجهة الشمالیة للمراقبة، وتقدم خطوات مر بالحدیقة التي ذبلت زهورها ولم تعد تسر الناظرین، ثم توجه نحو النهر یشاهد الجهة الشرقیة للقصر، دار دورته حول ما هو مكلف بحراسته، ً لكن العادة یسیر بضعة خطو ات ویجهر بصوته: "مین هناك؟"، رغم أنه لم یر أحدا ً، یرید تغییر مجرى الحدیث بكلمات ظاهرها الثقة لكن باطنها الغرور: ً متبعا أصبحت سلوكا ومن ! َ - ما أقوم بحراسته ملك للثورة وللشعب! لا یؤمن بالثورة فهو خائن للبلاد بینما انتهي "المصري" من شرب الرشفة الأخیرة من كوب الشاي، الذي وضعه بجواره وقام یشكره عن تلك الجلسة اللطیفة، ویبدو أنها لن تكون الأخیرة، وطلب منه أن یزوره في بیته، ًا ًا موجود یظل مستیقظ ًا فلا یشعر بالخجل في أي وقت یطرق الباب، وأنه دوم ٕ ن أراد شیئ وا طوال اللیل، شكره الخفیر ومازحه بأنه ابن كرم ولیس كمثل ابن عمه "عبداالله" الذي یتبول ویأكل في مكان واحد. لم یهتم بما قیل عن الوكیل، وانتبه لشيء مقلق أثناء الحدیث مع "متولي" الخفیر، وهو یؤكد له بأن من أتت إلیه لیست تلك الفتاة التي كانت تأتي إلیه في السابق، وهداه عقله المشتت ً إلى سؤال زاد من حیرته: هل كان خلا ا من حرس القصر؟ ل الفترة الماضیة م ! و"متولي" ُراقب ًا بمراقبته؟ ٕ م ! أم هذا فضول منه؟! ن صدقت فراسته هل توقف الحرس عن مراقبته؟ أم ٌكلف وا أن هذا هاجس مثل هواجس كثیرة أصبحت تلازم حیاته؟، فعقد النیة أن یستوضح الحقیقة هذا الأمر، في المرة القادمة عندما یلتقي بالخفیر، یواصل جر أذیال خیبته یبحث عن جواب لهذا السؤال الذي أصابه بالغم والقلق الشدید، لماذا جاءت "سالمة"؟! وماذا حدث لـ"راسیل"؟!.


48 ٦ تم وضع الحجر الجیري في أساس البیت الجدید، وارتفعت الحوائط تخللتها الشرفات والأبواب، ثم بدأ العمل في السقف، وا والمندرة في آن واحد، و"عبید" ٕ عداد الفرش للبیت سعید بحلمه الذي بدأ یتحقق، فقد ابتاع من كل نوع قطعتین متشابهتین واحدة له والأخرى لبیت "عبداالله"، ظل العمل على قدم وساق طیلة أیام الصیف، وقد عقد النیة قبل حلول الشتاء یكون تم الانتهاء من بناء البیت الخاص به والمندرة وبیت "الوكیل"، وأن یرجئ بناء ً بیت "رشدي" ا من أن یداهمهم الشتاء، وهو یرید أن یقوم بعمل إلى الصیف القادم؛ خوف صیانة لماكینة العصارة والاستعداد للموسم الجدید. ً إلا وذهب إلیه أو ّظل یخطط والوكیل یساعده على التنفیذ، واتسعت علاقاته، لا یترك عزاء ً یجلس مع العمد ًا إلا وكان أول المباركی زفاف ن لصاحبه وهو یحمل هدیة قیمة، ویذهب لیلا ومشایخ البلاد وأكابر القوم، یستمعون ویتابعون الأحداث السیاسیة المتلاحقة والملتهبة، على رادیو العمدة "حسان" في إحدى القرى المجاورة، كما كان یشارك في القرار، ویطلب منه إبداء المأمور أیض الرأي في تلك المشكلة في حضرة ا، لا یخلف ظن أحد به لشدة ذكاءه وفصاحة ً لسانه، كما أثنى علیه مأمور قسم الشرطة الذي أعجب به، ولم یعد كالمعتاد لا یعرف إلا العمل داخل العصارة، قد أرسل في طلب "بخیته" الغجریة وطلب منها إحضار عدد قطع من قماش الصوف المحلاوي، بعضها سادة والبعض الآخر مقلم، وأخبرها بنوعیة الماركة التي یریدها، وقد طلب منها أن یكون اللون الأصفر هو الغالب على المشتریات لحبه لهذا اللون، وحذرها من التلاعب في البضاعة كما تفعل مع زوجته وزوجة أخیه، وأرسل إلى "ملاك طلب منه تفصیل عدد من القفاطین والجب . ْ الترزي" ات ظهر "عبید" في صباح أحد الأیام، وكان ظهوره مفاجئة للجمیع، یرتدي الزى الجدید القفطان والج "الالاجا" علیها حزام، وخلع عن رأسه الصغیرة المستدیرة عمامته ووضع ْ بة من ُشبه طرابیش العمد والوجهاء، وفى هذا الیوم قد أوصى ًا ی "عبداالله" بما ً مكانها طربوشا كبیر


49 یتوجب علیه عمله، وذهب إلى قریة "بهجورة" معه ابنه "مسعود" لتقدیم الأوراق إلى مدرسة "داود تكلا" الإعدادیة الثانویة المشتركة، وظل یوصیه لكي یلحق بعمه في الجامعة، وعند العودة مر بتاجر الخیزران ابتاع عصا معقوفة. ومع بدایة موسم العصارة الجدید تم الاتفاق مع القبطي "شماس" لمشاركة "ألفونس" شراء ًا إلا الاستجابة لكل مطالب العسل، رغم اعتراض الأخیر، لكنه لم یجد ب "عبید"، الذي نجح ُد ًا ولأعلى سعر، مرت أن یجعل بینهما حالة من التنافس، من شروط الشراء دفع القیمة نقد ُشبه التغیر السریع على الصعید الأكبر الأیام وأحوال العصارة والبیت الكبیر تتغیر بسرعة، ت للأحداث السیاسیة التي تمر بها بالبلاد. وكان هذا الصیف أكثر حرارة من الأعوام السابقة على مستوى الأحداث التي تتوالى، وما زاد من حرارته خطابات الزعیم عبر الرادیو التي ألهبت مشاعر المصریین، وعن صروح ً ا، والخبر ً الأحلام التي ارتفعت وظلت ترتفع مع كل خطاب جدید وهو یحمل أملا جدید الذي بدأت تتناقله الألسن، بإنشاء مصنع "الألمونیوم" في الصحراء بجوار مدینة نجع حمادي في صحراء قریة "هو"، فقد جاءت لجنة من القاهرة على رأسها مهندسون ْ متخصصون لمعاینة المكان وأخذت عینات من التربة، ورحلت وهى تطمئن من كان في استقبالها، وقد نقل هذه الأخبار "عبید" إلى النجع على لسان العمدة "حسان" الذي كان في شرف استقبال اللجنة. *** ورغم حالة الأمل والتفاؤل التي یعیشها الجمیع، كان العجوز یشعر بالوحدة والحزن لرحیل "رشدي" عنه، الذي حافظ على الوصیة بإرسال خطاب كل أسبوع، لكي یطمئنه على أحواله دراسة بالجامعة، وظل العجوز یوصي ابنه أن یكون حریص وأخبار ال ا على ما ذهب من ً ُشبه الفلاح الجید الذي یراعى أرضه، كل منهما نهایة الموسم یجني أجله، لأن الطالب ی ثمرة مجهوده.


50 قبل رحیل "رشدي" إلى القاهرة بأیام طلب من والده أن یزور "المصري" لیودعه، وفي لیلة كانت جمیلة محاطة بكل الحب والتقدیر كل منهما تجاه الآخر، سأله عن آخر التطورات، حكى عن زیارة "سالمة" الغجریة له مرة ثانیة بل تكررت وأصبحت زیارات متعددة، وما جاءت من أجله أنها تحمل الخبر من أختها أنها مازلت باقیة على عهدها له، ولن تتزوج من أحد غیره، لكن الرسالة كأن لم تكن؛ لأن "المصري" توقف عند هذا الحد من مغامرته بالزواج من الغجریة، لا یستطیع أن یتقدم خطوة واحدة خشیة الریاح العاتیة التي رأى بشائرها في تلك اللیلة ببیت عمه، لا یملك إلا الانتظار كما وعدته وطلبت منه، عندما تجد � فرصة في غفلة من الجمیع سوف تأتي إلیه لیرحلا سویا، رغم الحنین لم یجرؤ على الذهاب إلى حوش الغجر مرة ثانیة، مرت الأشهر ولا یعلم ماذا حدث لها في حوش الغجر؟ وهو یعمل بتلك الوصیة بألا یأتي لزیارتها، وهي لم تستطع الهروب رغم محاولاتها، فكلها باءت ا ً ونهار. ً بالفشل؛ لأنه یتم تبادل الحراسة على خیمة الهوانم لیلا ً وار تفع صوت "رسیل" ا تهدد الجمیع بأنها سوف تقتل نفسها، إذا رغبوا في تزویجها رغم عنها، "بخیته" التي مازلت تنقل كل ما هو جدید یخص هذا الأمر إلى "فرحانة"، تدخلت في محاولة یائسة هي وزوجها بالضغط علي "بلال" أن یتحلى بالصبر إن كان یرید الزواج منها، لم یجد طریق الصبر، وكل هذه الأخبار كانت تنقلها إلیه "سالمة" في غفلة من ًا سوى الجمیع. وفى الصباح حمل "رشدي" معه بعض من اللوحات إلى النجع، وهى لوحة للقصر من الخارج، لوحة للنیل ولوحة زیتیة للبرنس في إحدى رحلات الصید، وهو یمسك البندقیة ویمتطي جواده یرتدي بذلة الصید، كان قد أعدها هدیة له، أو كان ینتوي حملها معه للمعرض الذي وعدته به الأمیرة، لكن ظلت تلك اللوحة معه لأن صاحبها لم یعد مرة صورته تبسم ی "المصري". ُ أخرى، ولوحة لعمه. وعندما رأى الحاج "مسعود" ثني على ً من تلك الزیارة ِ "عبید" لیه مستاء : ً نظر إ ما بعینین جاحظتین ، ساخرا


Click to View FlipBook Version