101 "بلال" ممسك بالعصا یتبادل و"سالمة" الراقدة على الأرض النظرات في توجس، صمت الصوت الذي یحمل الرجاء والبكاء من داخل الخیمة، خرجت "بخیته" ومن خلفها المرأتان، الأمانة بتاعتك سلیمة ظلمنا الب "، قالت قولها ُ اقتربت نحوه تهمس له في حزم: " نیة وانصرفت، خلفها المرأتان في صمت تهرولان بین خیام الغجر، كل واحدة منهن تقصد ُشبه السهام. خیمتها، تسرع الخطوات لتختفي عن الأنظار التي ت وقف "بلال" هنیهة باهت الوجه داخله مشاعر متناقضة، بین الفرح والخجل، ضرب بعصاه ً الغلیظة على الأرض مرتین، بكل قوته كأنه یدك الأرض دكا، نظر إلى قدمیه الحافیتین وجدهما موحلتین في الطین، لا یدري متى لحق بهما، فنفض واحدة تلو الأخرى فلم یسقط الوحل، فغادر دون اهتمام، ذهب خلف "بخیتة" التي جرجرت أذیال الخیبة نحو خیمتها، یبحث له عن مخرج من هذا المأزق، یتحسب ما سوف یحدث عندما یعلم "محمود" بما حدث، هز رأسه بعدم اكتراث یلقي باللوم علیه بصفته كبیر الغجر، بأنه هو من شجعها على التمادي في العناد، همهم في ثقة: - منذ متى بنات الغجر لها رأي فى أمر زواجها. ظل یبحث داخل عقله المتوتر عن مبررات لما حدث ووضع خطة للمستقبل، وبعد أن تأكد من أنها دون عیب زاد تمسكه وحبه لها. ً تجلس "راسیل" على الأرض ممددة الساقین، في حالة ارتخاء كامل ا كأنها أخذت مخدر أفقدها قدرتها على الحركة، تقترب منها "سالمة" تأخذها في حضنها باكیة، وهى تدعوا على "بلال" بالموت، تتهمه بأنه حیوان، تحاول مع "راسیل" أن تبادلها الكلمات، ظلت تلقي علیها بالأسئلة الكثیرة، تنتظر الجواب الذي لم یأتها، قامت أحضرت آناء مليء بالماء الدافئ لتغسل وجهها وأن تغسل معه همومها المتراكمة على صدرها. مستسلمة لأختها تحرك أطرافها كأنها آلة تقوم بعملها ببطيء شدید، أمسكت بها من معصمها لتجلسها على سریرها، رقدت على السریر وضعت علیها الغطاء، جلست بجوارها
102 تمرر راحة یدها على رأسها، ظلت تحكي لها ذكریات الطفولة ومواقف من حیاة الوالد، الذي ظل یظلل علیهما بذراعیة حتى كسرتهما الأیام، عندما أصابه المرض، لم تتذكر "سالمة" ذكریات عن والدتها التي ماتت مبكرا. ً كل محاولات "سالمة" ا تحملق في سقف الخیمة، ًا كبیر فشلت في أن تستنطقها، وظلت وقت كل لحظة وأخرى تنتابها نو بة بكاء، كسا الصمت الخیمة لكن الصدور والعقول لا تتوقف عن السباحة في بحر الأفكار. قامت "سالمة" نحو المصباح الزیتي المعلق بسفود مثني طرفه، یتدلى من سقف الخیمة وأطفأت شعلته، أظلمت الدنیا علیهما، كل واحدة منهما تشبه دجاجة معلقة بآلة شواء تتقلب على جمر الیأس، من أصدق لحظات الإنسان مع نفسه عند الشدائد، یفكر في ماضیة ماذا فعل فیه؟! هل عذاب الحاضر هو نتاج أعماله السابقة؟! لذا یجب علیه قراءة الماضي ُشبه زهرة ً، هكذا فعلت جیدا "راسیل" التي ظلت ساعات الظلام تجتر الماضي، شعرت أنها ت الطریق، التي لا یهتم بها إلا شاعر أو فنان، غیر ذلك فهي موطئ لأي قدم، أولى تلك �ا ً الذكریات صورة "المصري" ا باكی التي تطاردها كل لیلة، تبعث لها برسائل مختلفة، یوم ًا في رقوده، فالحبیب فارقها بجسده فقط، لكن روحه ًا یرتدي ملابس بیضاء، هانئ ًا سعید ویوم ظلت حولها تحیطها من كل جانب أینما حلت، هكذا المتشبثون بالأمل العازفون عن الیأس، یبحثون في عالم آخر من الخیال، یحیون به دون عوائق الدنیا التي قهرت أحلامهم، وسط سكون الغرفة وظلامها، فزعت تصرخ بتلك الكلمات عنه: كان كشجرة السنط كثیر الظل عدیم الثمار، لكن أفضل منكم جمیع . ً - ا "سالمة" قامت من على سریرها مسرعة، تسألها عما حدث! لا تدري ما السر الذي دفعها لهذا الصراخ، إلا أنها قوة خفیة تحرك لسانها رغم أنفها، ُشبه دجاجة تم ذبحها فظلت ترفرف حتى فاضت روحها، جلست القرفصاء، صراخها ی نكست رأسها فوق ذراعیها اللذین یحتضنان ركبتیها، بصوت مبحوح:
103 - ِ سوف أكشف لك عن السر الذي حملته لسنوات، كنت أمینة علیه، سبب البوح ما حدث اللیلة سوف أقابل الجریمة بخیانة الأمانة! تحطیم الأشیاء یحمل النفس المنكسرة على الشعور ببعض الرضا أنها انتقمت، هكذا كان یقول المصري عمن : ضعفاء ولیسوا أقویاء، وأنا الیوم ضعیفة سوف أقول َ یدعون العصبیة : ِ لك الحقیقة - حقیقة عرفها محقق النیابة من التقریر الجنائي الذي قرأه مرتین وقت التحقیق، فالجمیع ظالمون، كیف لهم أن یتهمونني بالفحشاء مع رجل لا یستطیع أن یمارس حیاته الطبیعیة؟! لقد كان به عیب في عضوه الذكرى فلا ینتصب ُ . تنهمر دموعها بغزارة وهي تكمل: - ورغم ذلك كنت راضیة قانعة، على استعداد تام أن أكمل معه حیاتي دون أي شعور بالحرمان، لأنه منحني شعور أجمل من كل الغرائز الجسدیة، شعور ملأ فضاء النفس ً، وجدت معه راحة البال ولیس راحة وجعلها لا تنظر إلا بعین الجمال فلا ترى إلا جمالا الجسد، لأن الأولى باقیة والثانیة فانیة، لیس م ٍ ن الجائز أن نضحي بما هو باق بمقابل شيء مصیره للفناء، هل یتساوى الذهب بالحدید؟! كلها معادن لكن لكل منهما صفات العاجز خ تمجده، "المصري" � العاجز جنسیا أفضل لي من "بلال" � لقیا ُ .
104 ٦ عاد "رشدي" للتواصل مع والده عبر الهاتف واطمئن الجمیع علیه، بعد أن عاشوا حالة من ًا عبر الهاتف، بأن الشهر الذي انقضى دون أن القلق والشكوك تجاهه، جاء صوته حزین یتواصل معهم كانت لدیه أسباب قهریة منعته، ولم یذكرها ولم یلح علیه أحد لذكرها، كأنه خبر عابر دون الاهتمام بأیة تفاصیل، فرحة العودة جعلتهم یتناسون أسباب القطیعة، هدأت نفس العجوز بعض الشيء، لكن ما أثار حفیظته مرة أخرى، ما یحدث بین الأخوین اللذین ًا، وخصوصا وجبة العشاء التي ظل الجمیع لسنوات كثیرة انقطعا عن تناول الطعام مع حریصین علیها، ومن خلالها یتم مناقشة المستجدات في العمل والبیت. ً إلى الآن لم یتم البدء في بناء بیت "رشدي"، كان ا لافتعال مشكلة جدیدة هذا الأمر سبب بینهما، وساق "عبید" الحجج بأن النقود التي یدخرها من فائض مصاریف البیت لن تكفي للبناء، لأن الظروف العامة التي مرت بها البلاد رفعت أسعار مواد البناء، یرید إرجاء الأمر بعض الوقت، اختتم حدیثه بأنه لن یخلف وعده. تدخل "عبداالله" الذي لم یرق له ما قیل، بأن نتاج العصارة والأرض والمواشي یكفي لبناء البیت، أن حالة البذخ التي یعیشها هي السبب، وأنه یهدر النقود في غیر مكانها المناسب، وعلیه أن یفي بوعده. احتج ونهر أخیه: أنت بتسرقني؟! تنهد "الوكیل" یزدرد ریقه یهمهم بثقة، بأنه لم یتهمه بالسرقة ولو أراد ذلك لن یخاف منه، بل سوف یواجهه بالأمر، واختتم حدیثه بعصبیة، بأن ماله لن یسمح لأحد بإهداره على بعض من التافهین الذین یملئون المندرة كل لیلة بمناسبة وبدون مناسبة. - أنا لا أعرف تافهین، وكل معارفي هم أكابر الناحیة عمد وبهوات، والحقیقة أنك تشعر بالغیرة منذ أن أصبحت العمدة، أنت لا تدري بأن هذا المنصب جعل لك مكانة كبیرة بین الناس.
105 ً وثار ثورة عارمة: قام الوكیل من مكانه متعصبا - نحن عائلة كبیرة ولسنا في حاجة لتلك العمودیة، ماذا جنینا منها إلا الریاء والوجاهة الكاذبة. یواصل ثورته بأنه من صباح غد لن یذهب للعمل، حتى یعرف أین یصرف العائد من دخل ً العصارة والدخول الأخرى؟! ا الحساب لا یغضب أحد، وترك الجالسین بالمندرة وذهب مسرع نحو بیته یضرب الأرض بحذائه الكبیر. كعادة الخلافات المستمرة في الفترة الأخیرة، لا ً یصل الطرفان إلى حل مناسب، "عبید" ا بجوار والده داخل انعقد جبینه وجلس صامت المندرة، وبعد هنیهة رفع وجهه تجاه "متولي" الخفیر وطلب منه أن ینصرف، طال الصمت وكل منهما شاخص ببصره یفكر، بعد حالة السكون التي كست المندرة رفع وجهه تجاه والده، یعید علیه طلبه أن یقول رأیه فیما سمع من تجاوزات الوكیل، وهل ترضیه الكلمات التي تفوه بها؟!. �ا، وأنه منذ أن ترك لهما الأمر وهو هز العجوز رأسه وبوجه عابس، یلقي باللوم علیهما سوی لا یتدخل، یراقب من بعید، وأن هناك أمورا كثیرة مرت لم یكن رضیا عنها، لكنه تجاوزها لا یرید أن تحدث مشاكل، واختتم حدیثه یوصیه: لیكن على یقین بأن ما یخسره الیوم في ُشبه اللغم، ساعة یحتاج لأیام أو أشهر لیسترده، العلاقات التي تربطها النقود بین البشر ت التعامل عن ب . ُعد یضمن السلامة للجمیع ً داخل ظل جالس المندرة، یفكر في ما آل إلیه الوضع، كیف ًا لا یهتم بمرور اللیل، وحیدا لأخیه یقف أمامه ندا؟، من الذي یقویه؟! هل هناك أحد في الخفاء یحاول أن یوقع بینهما؟! أم أن أفعالي منذ أن أصبحت عمدة جعلتني لا أهتم به؟! كأنه لا یصدق نفسه وهو یعیش في كابوس مخیف، ینتابه شعور بالخوف من المستقبل. دخلت علیه "فرحانة" وجدته على هذه الحالة، جلست بجواره على الأریكة فلم یلاحظ دخولها، ظلت تراقب تقلبات وجهه، فوجئ بوجودها، نظر إلیها دون أن یتفوه بكلمة واحدة، تسأله عما به؟! بصوت مبحوح:
106 ا واحدا ً - ً الوكیل یرید أن یصبح وزیر . ًا وهو لا یعلم بأن البیت لا یسع إلا وزیر *** ً في الصباح خرج "عبید" ا نحو العصارة لمتابعة الأعمال، بمزاج معكر، كاد أن یضرب مبكر زوجته عندما أخبرته أنه هو المتسبب فیما یحدث.!! ركب حنطوره وهو یحدثها بفظاظة بأنه عندما یحضر الخفیر "متولي" علیها إبلاغه أن یذهب إلى العصارة مباشرة، وألهب ظهر حصانه، وسأله العاملون عن غیاب "عبداالله" الذي یعد مفاجأة، قال لهم: إنه یشعر ببعض التعب. ظل یراقب العمل طیلة النهار، موجود في الحیز والمكان بجسده لكن عقله ما زال ًا فیما حدث لیلة أمس، بوجه جامد الملامح قاطب الجبین، یفكر في مخرج لهذه شارد الورطة التي لم تكن في حسبانه أبد د "الوكیل" قلب كل شئونه رأسا على عقب. مر ًا، تمر "صقاو" المعتوه أمام العصارة یضرب الأرض بقدمیه الوارمتین، ولى وجهه في الاتجاه الآخر عندما رآه جالس . طال صمته وفكره، یجيء إلیه ًا على الأریكة بمدخل العصارة "متولي" بكوب من الشاي ثم ینصرف لمكانه ینتظر الإشارة، وعندما انتصف النهار طلب ٕ ن جاء ضیف من خارج النجع یأتي إلیه یبلغه، منه الذهاب إلى المندرة لمباشر العمل، وا ً؛ لأن العمدة ذهب لقضاء أمر هام وعاجل خارج وأن جاء أحد یشكو فعلیه العودة لیلا البلدة! شعر أن الیوم طویل، ظل یتنقل بین الغرفة التي قضى فیها معظم وقته، وبین حوش ً الع یفكر في أمر مهم، بأنه سوف ینفذ هذا المشروع في المستقبل، ً طویلا صارة وقف وقتا حتى إن اعترض الجمیع كالعادة، یفكر في إنشاء مصنع قمین للطوب، فبعد حفر الترعة الجدیدة شمال القریة وعلى شاطئیها تلال من الطمي یجب أن یستغله، بدأ التفاؤل یتسرب داخل صدره؛ لرؤیته ریاح التجدید تهب على مباني القریة والمجددون یستخدمون طوب القمائن، ثم استدار نحو العاملین عقد جبینه عاد للتفكیر فیما حدث.
107 ًا على العمل هي مهمة ثقیلة على قلوبهم، فالتزم كذلك شعر العاملون بأن وجوده مشرف �ا إلا الضجیج ًا أو مغنی الجمیع الصمت، لم یسمع أحد صوت الصادر من الماكینة، ًا مازح ٌشبه ً ی ًا طویلا الذي لم یتوقف إلا في وقت الظهیرة لتناول وجبة الغداء، عاشت العصارة یوم مجالس العزاء كل من یجلس فیها یشعر بالضجر. *** دخل "عبداالله" غرفته لم یبرحها منذ أن استیقظ، أتت إلیه الزوجة بالطعام، تناوله وعاد للرقود ُ مرة أخرى غیر صر على المواصلة ولا یهتم بالنتائج مهما كانت، سعید بما حدث، لكنه م ً واطمأن قلبه عندما علم بأن "عبید" ا، وبعد صلاة الظهر سمع صوت قصد العصارة باكر ضجیج داخل ساحة البیت، حاول أن یسترق السمع فقام نحو المصدر. لقد عادت "فاطمة" مرة أخرى غاضبة وهذه المرة على وجهها آثار الضرب المبرح، اقترب منها یتقصى حقیقة ما حدث، ظلت تشكو إلى عمها في حضور أمها وزوجة عمها، ًا وطلب منها الرحیل، أبلغها بأن والدها سوف واختتمت شكواها بأن زوجها أشبعها ضرب یعیدها إلیه مثل الخادمة، وا ن ٕ ن أهلها لیس عندهم كرامة فلم یأخذوا ثأر ابن عمهم القتیل، وأ والده العمدة "حسان" هو صاحب الفضل بأن یصبح والدها عمدة. قالت تلك الكلمات وارتمت في حضن "عوالي" تواصل بكائها، هز "عبداالله" رأسه، ثم دخل إلى غرفته وأمسك بعصاه الكبیرة التي یضعها خلف باب الغرفة، خرج من الباب الجانبي الشرر یتطایر من عینیه، لم تجرأ واحدة منهن على سؤاله: ماذا به؟ أو إلى أین یتجه؟! هرولت "فرحانة" نحو المندرة تطلب من "متولي" الجالس على إحدى الأرائك بجوار العجوز، ً ینتظر زائر . ا من حدوث ما ً � ا أو شاكیا تطالبه بأن یسرع بإخبار العمدة أن یلحق بأخیه، خوف لا تحمد عقباه، هرول "متولي" نحو العصارة وضع طرف ثوبه بین أسنانه. دب القلق في صدر العجوز وطلب منها أن تقص علیه ما حدث؟! ومتى عادت "فاطمة"؟.
108 لم تمر ساعة أو ساعتان على خروجه المتعجل من البیت، إلا وجاء الخبر المشئوم بأن "عبداالله" قتل "یوسف" ابن العمدة "حسان"، صرخت "عوالي" في ساحة البیت تندب حظها، ً على زوجها، وأن بیتها قد خرب، تطلب منها "فرحانة" أن تتماسك حتى وهى ترتجف خوفا معرفة الحقیقة. جاء الخبر بأنه ذهب إلیه بمقر عمله بمدینة نجع حمادي، یسأله بهدوء لماذا ضرب زوجته؟!، فلو كانت أخطأت یجب علیه أن یشكوها لأهلها!. ور، بل تسأل ساخر: ً فضحك "یوسف" عندما سمع كلماته، سخر منه وتحدث بغر ا - أین هم أهلها؟! فلو كان لها أهل لكانت زوجة على خلق تطیع أمر زوجها، أنا لیس لي � رغبة فیها، بل والدها هو من یأتي كل مرة راجیا أن أعیدها. لم یسمع المحیطون كلمة أخرى، سوى استغاثة تصدر من "یوسف"، عندما ضربه الضربة الأولى في ساقه الأیمن فقسم عظمتها لنصفین، وعاد علیه بالضربة الثانیة على كتفه ً طرحته أرضا، ظل یتلوى على الأرض كأنه ملسوع، وجاء بالثالثة فوق رأسه لكن تدخل خفیران كانا معه، فقام بضربهما وأرقد الثلاثة یتأوهون، وقف عند رأسة ولكزه في جنبه الأیسر بمقدمة عصاه، وسط تعجب من المحیطین، لهذا القلب المیت، ثم انحنى إلیه في لهجة قویة: عرفت الآن أین أهلها یا عدیم الأدب؟!. مسرع "متولي"، یصرخ في أخیه: ً جاء "عبید" ا بالحنطور خلفه أربعة من الخفراء یتقدمهم "عملت أیه؟! االله یخرب بیتك"..!! نظر إلیه في قوة ثم رفع عصاه تجاهه یحذره، بأن تجاوز في الكلام سوف یضربه لیرقد بجوار صهره، تراجع للخلف خطوتین وهو یبتلع ریقه ُ الجاف..!! صح، بأن علیه الانصراف الآن قبل حضور ، فاقترب یطلب منه بلهجة تحمل الن رجال الشرطة، أو حضور العمدة "حسان" فیحدث ما لا تحمد عقباه. ولكنه أصر على البقاء، اقترب منه "متولي" یرجوه بأن ینصرف في الحال وهذا لصالحه وصالح أخیه؛ حتى لا تهتز صورته أمام الناس. رفع "عبداالله" عصاه على كتفه، فانتفض
109 "متولي"، ابتسم وانصرف في بطء شدید وهو یهمهم دون مبالاة: "أنا همشي یا مقطورة" ثم واصل حدیثه بشجاعة: ً من أحد بل مهما یكن الخلاف بیننا، هو أخي الأكبر ویجب أن احترمه أمام - لیس خوفا الناس. طلب العمدة من الخفراء أن یحملوا "یوسف" نحو الحنطور، وأحضر عربة أخرى لحمل الغفیرین المصابین، ذهب الجمیع نحو مستشفى نجع حمادي، و كان قد أسر في أذن "متولي"؛ فلم یذهب معهم وقصد الطریق نحو النجع، قامت الدنیا ولم تقعد على رأسه، حاول أن یعرف من الطبیب المعالج مدى إصابة صهره، لكن الطبیب طلب منه أن یمنحه بعض الوقت، حتى یتأكد من الأشعة التي أجریت على العظام، جاء المأمور إلى المستشفى، طلب منه "عبید" � راجیا أن یقف في صفة لمنع حدوث مشاكل، وخاطبه في لهجة رجاء: ُتل أحد من العائلتین لن نتمكن من إیقاف نزیف الدم. علینا إقناع الجمیع بأن الأمر - لو ق مجرد خلاف عائلي وندع الأمر للقضاء، والضغط على العمدة "حسان"، فابنه ضرب ابنتنا ٕ ن من فعل هذه الفعلة بـ ًا، وقد تم عمل محضر بالواقعة، وا ضرب "یوسف" سوف أقدمه ًا مبرح للقضاء!. تفهم المأمور وجهة نظره، فعمل جاهد حقیقها، وضغط على "حسان" وكلمه في حزم ًا على ت بأنه رجل یمثل العدالة، فكیف له یرید أخذ حقه بالذراع؟! وقف المأمور داخل مكتبه بمركز الشرطة بعد أن استدعى الرجلین، یحذرهما من أیة تجاوزات، فهناك شخص مصاب بكسر في ساقه وكتفه، والطرف الآخر امرأة لدیها إصابات بالغة. وقد نجحت الحیلة التى همس بها في أذن "متولي": ً ضد "یوسف" ا بتقریر طبي بإصابتها مصحوب ! ً - اذهب بـ"فاطمة" للضابط واعمل محضرا ***
110 یجلس العجوز وحید شدیدة، عندما سمع أن ًا داخل غرفته وقد أصیب بوعكة صحیة كما جاء وحملوه إلى ً "عبداالله" قتل ابن "حسان" الخبر، ارتعشت أطرافه وسقط على الأرض سریره، ظل داخل غرفته یتلقى العلاج، یمني النفس بعودة "رشدي" الذي وعده أنه خلال أسابیع سوف یعود للنجع، وأن هذا عامه الأخیر بالدراسة؛ فلن یغادر مرة أخرى، فرح والده بتلك الأخبار، وطلب منهم عدم إخباره بتلك الأحداث الأخیرة. ظل "عبداالله" یرقد داخل العصارة، لیالي متتابعة وتناسى أمر الخلاف بینه وبین أخیه الذي ً طلب منه ألا ینام في البیت، فهو لا یأمن مكر العمدة "حسان" ا، ، وعاد للعمل بالعصارة نهار ً وباللیل یرقد وحیدا "فرج" ا بما ً داخل غرفتها الطینیة أو بجوار الماكینة، كان أكثر الناس فرح حدث من صدیقه فقد ضرب ا � لشخص الذي تزوج حبیبته، یأتي إلیه یتسامران سویا. حضر المأمور زائر "مسعود" ابن العمدة ًا إلى مندرة، الملیئة بالضیوف من أكابر الجهة، و بمساعدة "متولي" الخفیر یقومان بتقدیم المشروبات. بعد أن رفض العمدة "حسان" بحسم طلب الصلح، كانت حجته بألا یضغط علیه أحد أكثر من ذلك، لقد استجاب وترك الأمر للقضاء. خوف "عوالي" طعام العشاء وخرجت من الباب الجانبي، تلتفت ًا من عقاب زوجها حملت ْتها السوداء تكاد أن تتعثر، حملت مع الطعام أخبار ما یدور خلفها تلملم أطراف برد بالمندرة. یجلسان داخل حوش العصارة بین أكوام من أعواد القصب، ینصت إلیها وهو یتناول طعامه، هز رأسه بأن ما یحدث داخل المندرة لا یعنیه في شيء، تمدد على كومة من القش نظر إلى السماء، یضرب على بطنه براحة یده ضربات متعاقبة خفیفة، كأنه ضارب على طبلة ثم ُكتمل تنهد بقوة، أشار بیده أن تقترب منه یریدها في أ تجشأ، نظرا مر مهم، ثم ً إلى القمر الم : "هاتي بوسة على نور القماري١ ً ."طلب منها أن تقترب أكثر وقال ضاحكا
111 تخمش صدرها متوجسة، همست بلغة تحمل الرجاء: بأنها تخشى أن یبصرهما أحد. انقض علیها فسقطت داخل كومة القش لا تظهر إلا ساقیها اللتان رفعهما إلى أعلى، هدأت شخشخة القش، وهدأت معها اللذة و التنهید، رفع سرواله ثم عاد للجلوس مكانه. اقتربت منه وجلست بجواره ترید أن تتحدث، قد تفتحت أساریرها وهي في غایة السرور والغبطة، حكت له ما أصابها طوال تلك اللیالي الماضیة، منذ أن هجر سریره. هز رأسه تحدث في غیر اكتراث، یذكرها بالرحیل كما كانت متعجلة قبل اللقاء الحمیم، واصل مزاحه: - احضري العشاء كل لیلة فلو حضر "متولي" ِ الخفیر سوف أفعل به كما فعلت معك. علا الخجل وجهها وقالت تلومه: "یا راجل اختشي وبطل كلامك البارد دا" بعدها انصرفت سعیدة بما حدث في تلك اللیلة على كومة القش، تمنت داخل نفسها أن تأتیه كل لیلة ویحدث ما حدث اللیلة، قام معها إلى الطریق العمومي، عند أول البیت في النجع تركها ًا، خلع عنه ملابسه رمى بجسده داخل الماء یغتسل ویدندن وعاد نحو الترعة المحفورة حدیث بأغنیة من السیرة الهلالیة. _______________ ١ -القماري : القمر المكتمل
112 ٧ علم "محمود" بما حدث داخل خیمة الهوانم، غضب من "بخیته" أشد الغضب، ولم یبصر القوم ًا بهذا الشكل، بعد مطاردة بین الخیام وهي تستغیث، لكن لم یتشجع أحد الرجل من قبل ثائر لإغاثتها، قام بضربها بالمطرقة الحدیدیة الصغیرة أدت إلى كسر ذراعها الأیمن، فظلت لأیام داخل خیمتها لا تبرحها، تفكر فى مخرج من هذه الورطة. "محمود" لم یعد ینام داخل الخیمة، واستمرت القطیعة لمدة أشهر یعلن غضبه على الملأ، لم تغیر موقفه دورة فصول العام بین برد وحر، وكذلك مشاعر المحیطین به من لوم وعتاب ً ترجوه أن یصفح عنها بالدخول لیرقد مصحوبة برجاء، سمعت نساء الغجر بكاء "بخیتة" لیلا ً عنها، جذب على جسده داخل الخیمة، الجو شدید البرودة، انقلب على جنبه الأیسر معرضا ًا، بعد أن زود الموقد الذي بجواره ببعض الأخشاب، متجاهل رجاء غطاء "بخیته"، التى رغم ً خشن ً متسللة إلى خیمة الهوانم، الجبیرة حولها ذراعها لم تتوقف عن إلحاحها المتواصل، وذهبت لیلا ببطىء شدید كأنها لص یخشى افتضاح أمره، تتخفى بین الخیام كفأر مذعور، ترجو من "راسیل" المریضة الصفح، والتوسط لها عند زوجها لكي یعفو عنها، ولت وجهها أیضا كما فعل محمود. ْكرها، كانت هي صاحبة الفكرة التي تحمس لها فذهبت المرأة غاضبة مقهورة مما حدث نتیجة م ، وبعد أن خابت ظنونهم ظل كلا منهما یل "بخیتة" في صوت ُ "بلال" قي بالتهمة على الآخر، قالت ًا، حتى لو على حساب سمعتها، مليء بالرجاء بأنها أرادت من هذه الفعلة أن تجد للبنت عذر ٕ فنستریح من "بلال" لحاحه الذي لا یتوقف، زوجها رماها بنظرات تعلم مغزاها، بأن عذرها أقبح وا ًا من فعلها، فانصرفت عنه لا تملك قوة ولا حیلة إلا البكاء، والعودة بحیلة جدیدة لمواصلة ذنب محاولات الصلح مع زوجها العنید، الذي خاصم "بلال" � ووقف له بالمرصاد صرخ متحدیا، بأنه لن رغم حتى لا ً یتزوج من "راسیل" ا عنها، أعلنها صراحة بأن وقت الموائمة قد انتهى، یجب الحسم تفلت زمام الأمور من یده. ثورة "محمود" جعلت "بلال" یتراجع عن المطاردة، وكف عن إلحاحه ا ً، وانفصل سویا عن العمل مع . ً ولو مؤقتا ُ فعمل "بلال" قه وفظاظة سلوكه مع الآخرین، لوحده، لكنه لم یستطع تسویق بضاعته، لسوء خل فطلب من بعض الغجر التدخل للصلح بینهما. واعترف على الملأ بأن "بخیته" هي من أشارت
113 علیه؛ للتأكد من سمعة الفتاة قبل الارتباط بها، لمعت الفكرة في رأسه كأنها ومیض برق في السماء في لیلة مظلمة، صدقها فخاض خلفها، أنه یعلن آسفة عن ما حدث وسوف یعتذر لها أمام جموع الغجر، هو مستعد لأي شيء یتم الح ن یترك أمر الزواج، لأنه لا حیاة ُكم علیه، إلا أ له بدون "راسیل"، ظل یتحدث بكل كلمات الاستعطاف والحب، أنه لو فقدها من الممكن أن یقتل نفسه، ثم بلهجة تحمل الرجاء، یطلب من "محمود" بما أنه في مكانة والده، فعلیه مد ید المساعدة إلیه. قاطعه بحد "محمود" بكلمات ملیئة باللوم والعتاب: ّة - أن حدث وتزوجتها كیف تستطیع العیش معها بعد تلك الفعلة المشینة؟. فصمت "بلال" یشعر بأنه كسیر العین والخاطر، ولم یجد ما یجیب به، إلا أن یقوم من جواره ًا، یجرجر أذیال خیبته نحو خیمته، یدق بعصاه الغلیظة الأرض یشعر أن حیاته تزداد تعقید عاودته ذكرى مقتل والدیه، فقطب الجبین، وانزوى في خیمته، بعد طول الفكر انتفض یقف قابضا على عصاه، یحدث نفسه بطریقة أقرب للهذیان، أنها عمره القادم، إن اقترب منها أي ً شخص لن ینجو بحیاته، أغمض عینیه على هذا القرار المصیري، وارتاحت فرائصه للذة الانتقام، فأظلمت الخیمة على تحدیات المستقبل. انقضت أیام العزلة بین النواح والصمت المخیف، واجترار الماضي مقارنة بالواقع المؤلم، تعافت "راسیل" بعض الشيء، والفترة التي تجنبها فیها منحتها القدرة على استنشاق هواء الحریة من جدید، تودع أختها التي تذهب للعمل داخل سوق المدینة، تخرج في الضحى تجلس أمام خیمتها، یلتف حولها صبایا وأطفال الغجر، تلعب معهم وتقص علیهم بعض من الحكایات، أو تعلمهم آیات من كتاب االله، تظل یومها تبحث بین ركام أحزانها عن أي شيء یمنحها القدرة على ً، عادت لتواظب على أداء الصلوات في وقتها، منذ أن توقفت المواصلة، لم تجد إلا طریقا واحدا بعد أن عملت خادمة داخل قصر "البرنس"، ففیه تعلمت شرب السجائر والخمر، الیوم كلما انتهت من كل صلاة، تتذكر والدها الذي كان دوما یحثها على المواظبة علیها. عند غروب الشمس ینصرف عنها الأطفال بعد أن استقوا من حنانها، تنتظر القادمات من السوق، تبتسم عندما ترى "سالمة" تتوسطهن، كما ساعدتها في الصباح في إعداد بضاعتها،
114 ًا، تحمل عنها المرتجع من تقترب منها تأخذها بها الشفقة، تجدها مرهقه وجهها یتقاطر عرق بضاعتها داخل القفة، ولفافة بها طعام العشاء أو بعض السلع التي ابتاعتها، تشكرها على هذا المجهود الكبیر الذي تبذله لتكفیهم حد السؤال. ًا تبتلعان لقیمات بطعم الخوف من الغد، ومن مجهول مازال یتربص بهما، ینتظر أمام تجلسان مع الخیمة التي یحیطها ظلام حالك. هكذا أصبح حال الأختین اللتین صارتا حالة متفردة بین بنات الغجر، أصبحت كل واحدة منهن مادة للحكایة في الخفاء لكل إنسان لا یجد ما یشغله. إلى سوق المدینة غدا؛ للترویح عن النفس طلبت "راسیل" من كبیرهم ترید الذهاب مع "سالمة" ً وكذلك لتبتاع بعض الأشیاء الخاصة بها؛ أشار إلیها الرجل وهو عاقد الجبین، بأن الأمر سوف ً مناسب غد ًا لیكون هو بصحبتها لأنه في ال یثیر المشاكل، فنصحها أن أرادت الذهاب فلتختر یوما ً، وكذلك لا یأمن مكر وحماقة "بلال" الذي یتربص بها أینما حلت، ثم مد یده إلیها سیكون مشغولا ببعض النقود فهو یعلم العسرة التي تمر بها. زفت إلیها "سالمة" بشرى، بأن تصطحبها إلى احتفالیة مولد الشیخ "عبدالرحیم القنائي" بمدینة قنا، وأنها لن تتركها وحیدة، لا تؤمن مكر هذا الحیوان الذي یطاردها بحجة الزواج، ویراقبها كالعقاب . ِ المتحفز للانقضاض على فریسته بعدها بأیام شاهد الجمیع الأختین متجهتین نحو السوق المدینة، و"محمود" خلفهما یراقبهما من بعید ومعه بضاعته، هز رأسه مستنكر ر عندما ًا عندما رأى أحد شباب الغجر یتبعهما، وتكرر الأم ذهب الغجر إلى مولد الشیخ القنائي، ومحمود یواصل القلق على الجمیع، وبالأخص الأختین، اللتین یشاهدهما الجمیع كأنهما متلازمتین لا تفترقان، داخل القطار الغجر یتوجهون نحو المولد كأنهم أسراب طیر مهاجر، یجلسون على مقاعد القطار وفى الطرقات وخلف الأبواب، یزاحمون الناس بتلك الأجولة والزكائب الملیئة ببضاعتهم.
115 ٨ عاد "رشدي" منذ أشهر إلى النجع، یحمل بین یدیه الشهادة العلیا، ونظارة طبیة شفیفة فوق منخاره، تتقافز أمام عینیه أحلامه التي تكبر وتترعرع كل یوم، طوى داخل ذاكرته أیام القاهرة بما ً تحمله من مسرات وأحزان، وهو یعلم یقینا اختیار المستقبل لیس حریة مطلقة بل توجیه الدفة بناء على التجارب السابقة، ظل یجتر الذكریات المتراكمة داخل رأسه، منها ذكرى "المصري" التي تطل بین الحین والآخر، ینتهي منها بأن یترحم علیه وعلى سیرته الطیبة، واحتفظ داخل غرفته ً لدیهم، ولكن في النهایة ظلت ببعض لوحات، كلما عرضها على بعض المتخصصین لاقت قبولا تلك اللوحات لا تبرح أربعة جدران أینما كانت، سواء داخل بیت الحارس الملحق بالقصر أو داخل الشقة بالقاهرة، أو عندما عاد بها للنجع الذي سئم من بقاءه به، وجد الحال لا یسره خاصة بعد الحكم على "عبداالله" بالسجن خمس سنوات. "عبید" كما وعد المأمور في وقت سابق، فاصطحب أخاه داخل حنطوره إلى قسم الشرطة، ظن أن الحكم لن یتجاوز حبس بضعة أشهر مع إیقاف التنفیذ وغرامة مالیة سوف یدفعها، لكن الحكم جاء مخالف ة نجع ًا لكل الظنون، تقریر الدكتور أخصائي العظام لمصلحة الطب الشرعي بمدین حمادي أدان الجاني، أنه تسبب في أحداث عاهة مستدیمة للمجني علیه، كسا الحزن جنبات البیت واتشحت "عوالي" بالثوب الأسود لم یفارق جسدها، كذلك لم تفارق الدموع عینیها، فانتقلت للنوم بغرفة أطفالها، تحمل مشاعر من اللوم والعتاب على "فاطمة"، فهي السبب فیما حدث لز وجها. ّقت من زوجها، ترى في عیون من ُل وظلت "فاطمة" داخل غرفتها لأیام لا تبرحها، بعد أن ط حولها بأنها هي من جنت على عمها، هذا الإحساس ظل یطاردها كشبح مخیف في لیل بهیم لا یفارق مخیلتها، مریضة أو تدعي المرض كما قالت أمها، وهى تعاتبها بأن علیها الخروج من تلك العزلة لممارسة حیاتها، تخرج لمساعدتها على مضض في قضاء حوائج البیت، بعد أن تخاذلت "عوالي" التي لم تعد كما كانت مطیعة لدیها حماسة مفرطة في مساعدتها. ظل "رشدي" حمامة السلام یتنقل بین الغرف یجلس إلى والده المریض یعمل على خدمته، یحاول أن یشحذ منه الحدیث، یذكره ببعض الحكایات التي كان یقصها علیه في الماضي، لكن العجوز
116 یقابل كل هذا بصمت محزن، رغم أن الطبیب الذي أحضره نقل إلیهم الخبر أن حالته الصحیة ُ حزنا على ما حدث، ینتقل إلى "فاطمة" یتحدث إلیها: بأن َّته صارت شبه مستقرة، یعلم أن ِعل یجب علیها أن تصبر على حالها، فخسارة جزء من الحیاة لا یعني بالضرورة خسارة الكل، هكذا ً الحیاة یجب أن تستمر. ا بل الطلاق شرع االله مثل الزواج، وعلیها كما أن لقب مطلقة لم یعد عیب ألا تصغي كثیرا "فرحانة" عندما ظلت تندب حظ ابنتها؛ فقد سمعها ً لتلك الكلمات التافهة، وعنف ذات یوم تنعتها بالمطلقة ذات الحظ السیئ. وصل "مسعود" الصغیر إلى المرحلة الأخیرة من المدرسة الثانویة، یراقب الأحداث في صمت، یعي جید "رشدي" جلسات كثیرة للمسامرة، ینقل له خبرته في ًا لكن لا یشارك، صارت تربطه بعمه الحیاة الجامعیة، وكیفیة التعامل مع المواقف التي سوف یتعرض لها، یجب علیه أن یفكر فیما یقول قبل أن یتحدث، وأن الحیاة الجدیدة لها سلوك خاص بها، لرسم صورة جمیلة له وسط الزملاء، وحدثه عن الجانب الرومانسي بحیاته الجامعیة، وكیفیة التعامل مع الزمیلات، لأنهن لیس كزمیلات المدارس، سوف یخالط جمیع الطبقات، كما رسم "رشدي" عن طریق الراحل صورة لأحلام الیقظة القادمة، كذلك نسج "مسعود" صورة وردیة عن حیاته المقبلة، واختتم حدیثه معه ً عن السیاسة والحركات الطلابیة، یعلم أن لدیه میول سیاسیة، بلهجة تحذیریة بأن یكون بعیدا فعلیه الانضمام إلى أعضاء الاتحاد الاشتراكي العربي ومنظمة الشباب، فهاتان المنظمتان اللتان ُضر بمستقبله، ولن یسبب له تصادم مع رجال المباحث تعملان في العلن، فالالتحاق بهما غیر م ً عندما یعبر عن آراءه السیاسیة، تنهد بضیق ینهى جملة نصائحه: العامة، وأن یكون حریصا - لا یجب علیك أن تشغل نفسك بأي شيء غیر دراستك. "سلامة" مندوب شركة السكر قطع علیهما خلوتهما، جاء یقصد العمدة "عبید" الذي خرج منذ � الصباح نحو العصارة، فمنذ أن سجن أخوه یذهب یومیا، یظل وقت غیر محدد من نهار العمل، عندما تنتهي عملیة وزن العسل یأخذ النقود، ثم یشیر نحو "متولي" بأن علیه إتمام تلك الأعمال؛ ینصرف نحو المندرة یتابع أعمال العمودیة، فأُرهقه التنقل بین المندرة والعصارة، فأصبح یتخلف عن الحضور للعصارة الأیام التى لا یحضر فیها القباني. دوما قلق متوتر عصبي المزاج، یحاول التي كلما التقت به بكت، كان كریم وأغدق ً دوم "عوالي" ا معها ومع أبناء أخیه ًا الهروب من دموع
117 علیهم بسخاء، وأخذ "جابر" معه إلى السوق وابتاع له ملابس جدیدة، كذلك زاره في المدرسة للاطمئنان، واقترب من "رشدي" طلب منه أن یشاركه الإشراف على العمل بالعصارة. انسحب بابتسامته المعهودة وأخبره أن لیس لدیه خبرة، "رشدي" الذي لم یستطیع في عامه الأخیر الحفاظ على تقدیره الجید جدا مثل الأعوام السابقة، إلا أن مستقبله یغازله أینما ولى عنه، ووقف حائلا بینه وبین المغریات التي قدمت له، ومنذ أیام تحصل على عدم اللیاقة الطبیة لأداء الخدمة ُ العسكریة لضعف بصرة، د العدة له في صمت، كان قد یفاجئ الجمیع بهذا الخبر الذي ظل یع ًا فهو یرید الذهاب إلى سافر إلى قنا منذ أسبوع، وعندما عاد طلب من أخیه مبلغ "قنا" مرة ًا كبیر ً ثانیة، أنه یبحث لنفسه عن شقة؛ فقد قرر العمل بالمحماة مع أحد المحامین بالمدینة، وأیضا یرید أن یصطحب "فاطمة" وأخاها "مسعود" معه، ابتسم لأن تلك الأیام سوف تحل ذكرى الاحتفالیة بمولد سیدي "عبد الرحیم القنائي"، وهو یرید قضاء المولد بصحبتهما؛ ویساعدانه في إعداد مسكنه الجدید. همست "فرحانة" لزوجها في تلك اللیلة: فعلت خیر "رشدي"! ً - ا بموافقتك على طلب واصلت حدیثها برجاء موصول وهى ترفع أكف الضراعة نحو السماء، لعل بركة الشیخ تصیب ابنتها؛ لتساعدها على الخروج من حالة العزلة التي تلازمها منذ أشهر، تبسمت تربت بیدها على كتف زوجها، كأنها تخفف عنه بعضا مما یحمله وأخبرته أن "عوالي" ترید الذهاب لزیارة زوجها داخل سجنه بمدینة قنا. ً ً ا من القلق، الساعات التي یقضیها داخل البیت یكون صوته منخفض ما زال "عبید" ا یعیش أیام ً یحاول ألا یفتعل مشكلات، یرید أن یشعر الجمیع تجاهه بحالة من الود التي فقدها. ا لقد فكر كثیر في طرد "فرج" من العصارة بعد طلاق "فاطمة" لكنه أعاد التفكیر في الأمر. ً فرغم زواج "فرج" ا، وعلى حد عمله أنه یعیش في سعادة تامة، لكن الهاجس ًا وبنت ٕ نجابه ولد وا ُ القدیم -حب فرج لابنته- بل نحو الماضي، فهو یعلم أن ما زال یطارده، وهو یرید قطع كل الس الحب مهما مرت علیه الأیام لا ینتهي، ورغم القلق الذي لم یتجاوز سریرته، لكنه أحتاط بكل الس حیث لا یلتقیان في أي مكان أو مناسبة، لذلك وافق على سفرها دون تردد. ُبل ب
118 حر ی ٕ ص على زیارة أبیه كل لیلة قبل الدخول إلى بیته، واحضار الطعام الذي یحبه، وطالب "فرحانة" بمزید من الاهتمام به؛ فردت علیه في لوم شدید فهي لا تحتاج أن یوصیها بل تفعل ما بمقدورها. بل ذكرته بنصیحتها له منذ سنوات أن یهتم به، فتبرم من ردها، فلازم الصمت، لكن ًا على الدوام، لا تعرف الابتسامة طریقها إلیه، صاحب خلد مشغول علت وجهه الحیرة وبدا حزین قلق! أخذتها الرأفة بحاله فطلبت منه أن یهون على نفسه، فلن یحدث شيء أكثر من مرارة طلاق ابنته وسجن أخیه. كسا الصمت البیت الكبیر في أغلب الأوقات، یبدو أن غیاب "عبداالله" سجن داخل صدور الجمیع الضحكة، "متولي" یراقب في صمت فلم یر أحد داخل البیت یبتسم، الوجوه حزینة ٌمي، اعتادت على الحركة بقوة الدفع، وفقدت القدرة شاخصة تتحرك من المندرة إلى غرفها كأنها د على الإحساس بالمحیطین. ومنذ أن جاءت "بخیته" الغجریة في آخر زیارة لتواسي "عوالي" لم تعد ثانیة؛ لأن ما رأته حالة ًا ُشبه مراسم العزاء، نتج عن ذلك معاملة جافه جعلتها تشعر بأن هذه الدار لیست مكان كرب ت للبیع ولا الشراء بعد الیوم، فقررت أن تذهب إلى مكان آخر تبحث عن رزقها. المشهد في البیت الكبیر یدل على جفاء بین الجمیع، جلس "عبید" مع "رشدي" بصحبتهما الابن "مسعود" لتناول الطعام، ظهیرة الجمعة الماضیة تناول الجمیع اللقیمات بطعم القلق. یصمت الإنسان عندما یفكر، ولكن الصمت داخل بیت الحاج "مسعود" هو الصمت المؤلم، تصاحبه عیون مقرحة بسبب الدموع.
119 ٩ أمرت في باطني ألا أنام إلا على ذكر، فس : هل ذكر مخصوص؟، فقال لا بل هو على ُ " ئل الإطلاق، لا یغفل أحد عن االله إلا لقلة حظه فإنه سبحانه وتعالى لا ینبغي الغفلة عنه، الدنیا كلها ظلمة لیس فیها طریق إلا العلم، لا یستطیع العبد أن یرفع نفسه ما لم یرفعه االله"، من مقولات قطب الصعید "عبد الرحیم القنائي". "مدد سیدي عبـالرحیم یا قناوي مدد"، هكذا تعالت الحناجر بشوارع قنا من مریدي الشیخ، تتعالى معها صوت كل نافخ بمزماره وضارب على طلبته، تهتز الرءوس في تناغم، حبات المسابح خرزاتها لا تتوقف مع تمتمت الشفاه، زحام شدید حول وخلف "زفة التوب"، الكسوة المحمولة على ظهر الإبل التي تطوف شوارع المدینة من حولها قوات من الشرطة والجیش، تتقدمه الفرقة الموسیقیة العسكریة وأصحاب الطرق الصوفیة، كل هؤلاء سائرون على الأقدام، یتوسطهم نقیب الأشراف یضع على رأسه عمته الخضراء ویمتطي حصانه الأبیض، یلوح بیده للجمیع، یوزع على الضیوف ملالیم نحاسیة یأخذونها بركة، یدسونها ُكان المدینة من الشرفات یشاهدون بسعادة مفرطة وقلوب خاشعة، كبیرهم داخل جیوبهم، س وصغیرهم ونساءهم وشیوخهم. تصل "زفة التوب" إلى المسجد والمقام، في انتظارها محافظ قنا وأكابر الطرق والمشایخ ووجهاء المحافظة، كل منهم جاء بذبیحة لیوزعها على الفقراء، وعندما یتزین الضریح بثوبه الجدید، تتعالى أصوات حوله في حلقات الذكر. یصف "رشدي" لـ"فاطمة" المشهد ویضیف معلومات كثیرة عن المقام وصاحبه وتاریخه ونسبه، وهي منصتة منبهرة، ظلت تتوسل بصاحب المقام لكي یفك االله كربها، شعرت بقشعریرة تجتاح جسدها عندما وصلت إلى الضریح وضعت وجهها بین كفیها متضرعة. مر "رشدي" بشاعر السیرة الهلالیة "جابر أبو حسین"، الذي التفت الجموع حوله تأخذهم الحماسة كلما أنشد إحدى : "حبیب عمك عبداالله ً ضاحك المعارك، ألا وهي مقتل "الزناتي خلیفة". فتبسم وخاطب "مسعود" ا ً كأنه مع ذروة الأحداث نسى أن أخاه بالسجن، فلم تلق مزحته قبولا أهوه" ؛ فاستدار بوجهه إلى مكان آخر تمارس فیه بعض الألعاب البهلوانیة وتروض فیه الحیوانات المفترسة السیرك، فأحضر
120 ثلاثة تذاكر لمواصلة حالة البهجة، ولكن بقیت داخل صدره غمامة من الألم حینما رأى شاعر السیرة الهلالیة، وظل أخیه لا یفارق مخیلته طیلة وقت الفرجة. عاش الجمیع حالة من السعادة خلال لیالي المولد، وحالة الاغتراب التي كانوا علیها بالبیت یبدو ت عنه، ُ أنها سوف تنقشع. "فاطمة" شبه الطفلة التي لدیها فضول، كل شيء یثیر دهشتها تسأل عندما رأت جموع كثیرة من القرویین المتجمهرین خلف الضریح، كل منهم نصب خیمته وشد أطنابها بتلك الأرض الفسیحة، یجیب عمها بصدر منشرح، بأنها تلك المنطقة اسمها: "حفرة الضبعة" تكون بها حفر كثیرة قبل المولد، ویتم ردمها وتسویة الأرض، أن الضبعة تنزل من الجبل لتلد فیها. ُخرجها من أحزانها، وشاهد ضحكتها كما كانت قبل تیقن عمها من نجاح فكرته فقد أستطاع أن ی الزواج، ضحكة بریئة صادقة، عادت خفیفة الظل تمازح من یمازحها، رغم وجود هالة سوداء حول عینیها وبشرتها التي لم تعد بنضارتها، وضربت خطوط من الحزن على وجهها فصارت عاقدة الجبین، كل هذه الملامح بدأت تتلاشى وتختفي خلف ابتسامتها النقیة، قالت قبل أن تخلد إلى فراشها: - أنها عاشت في تلك الأیام القلائل أسعد أیام حیاتها. ِ ً ستأجرها بمقابل مائة وخمسین قرش اغتبط "رشدي" بهذا الاعتراف. ا واستقر بشقته الجدیدة التي ا في الشهر، شقة في الطابق الثاني مكونة من غرفتین وصالة وحمام ومطبخ، بها شرفة فسیحة تطل على الشارع الكبیر بقلب المدینة. تلك الشقة التى تخلت فیها "فاطمة" عن صمتها، انطلقت كأنها عصفورة تجوب الفضاء دون عوائق، طلبت منه أن تضع الأثاث على حسب رؤیتها الخاصة، رغبتها أسعدته ورحب بها، قام هو و"مسعود" بتنفیذ كل ما تطلبه، أن یوضع السریر في هذا الجانب من الغرفة، ثم خزانة الملابس التي أشرفت على ترتیب أشیاءها، طلبت منهما أن یبتاعا بعض أو اني الطهي وأغراض خاصة بالمطبخ، عندما عادا وجداها قد نظفت أرضیة المطبخ وغسلت الحوض وجدرانه. أنصت "رشدي" إلى فاطمة باهتمام شدید، لسعادتها بدور المعلمة ست البیت، ضحك عندما أبصرها تحاول تقلید أمها تقلید إیمائي، وهى تطلب منه أن یرفع المكتب من تحت الشرفة، إلى الجهة الأخرى بحیث یكون في مواجهة الشرفة لاستقبال نسمة
121 الهواء، التي تأتي من الشارع الكبیر، ظلت تذكر ممیزات الشرفة الشمالیة التي عادة ما تحمل نسمة هواء باردة خلال شهور الصیف. فاستجاب لرغبتها، تأمرهما أیضا أن یذهبا إلى الشارع بعض من الوقت ویتركا لها المكان؛ لكي تقوم بمسح الأرضیة، هذه المرة أصر "رشدي" أن یكونا معها یدا بید، انزلقت قدماه من أثر الصابون فسقط على الأرض، ضحكت وهى تخبره أن هذا جزاء من لا یستجیب لأوامرها. كان قد حمل معه لوحات "المصري"، وضعها بعد تناول وجبة العشاء على سطح مكتبة الخالي، ظل یحكي لهما ما كان من أمر صاحبها، تعاطفت معه بعدما كانت ناقمة علیه منذ سنوات لیلة التشاجر مع والدها، لكن بعد الذي قیل عنه وتلك التجربة التي مرت بها جعلتها تعید تقییم ًا، والدلیل على ذلك عمها ًا سیئ الأمور، من یتشاجر مع والدها لیس بالضرورة یكون إنسان "عبداالله". أصر "مسعود" أن یعرف ما تبقى من حكایة "المصري" مع "راسیل"، فأكملها له قبل أن یناما وحیدین على سریر في غرفة ثانیة. بعد أن دخلت "فاطمة" إلى غرفتها، لتدثر جسدها بأحلام تلك اللیلة، وفى الصباح بهت وجهها عندما استیقظت على كابوس العودة للنجع، لم تفكر في نهایة الزیارة من قبل، ر بت "رشدي" على ْها العجوز، وأن تكون بجواره وتلبي له كل متطلباته، ومهما یكن موقف كتفها یوصیها على جد زوجة عمها ضدها، أو لوم أمها؛ فیجب أن تلتزم الصمت والصبر، لأنهما سلاحیها الوحیدین، وأوصاها بألا تهتم كثیرا ن لقمة سائغة بین ً بتجاهل والدها لها، علیها ألا تستلم لأحزانها ولا تكو أنیاب الحزن. ارتسمت معالم الجدیة على الوجوه، باقتراب دخول القطار القادم من الأقصر نحو المحطة، صعدت "فاطمة" بأقدام مرتعشة ووجه حزین، جلست على مقعدها مستسلمة، و"مسعود" خلفها یحمل الحقائب والهدایا، من حلویات وتسالي، "رشدي" ابتاع للعائلة هدایا كثیرة، وضعها داخل حقائب وأكیاس، ولم ینس "جابر" ووالدته وأخوته الصغار، كذلك ابتاع هدیة "لفرحانة" و"عبید"، وكلما اشترى هدیة لأحدهم ضحك یمازحهما بأن یبلغوهم بأنها بركة الشیخ "القناوي".
122 تحرك القطار ظل یلوح إلیهما، وآخر ما شاهده دموع "فاطمة" وعینیها الممتلئتین بالخوف من ً المجهول. ضجیج القطار وزفراته المتصاعدة أعادتها إلى حالة من الاغتراب. ا على ظل واقف ًا نحو الرصیف حتى تلاشى القطار، ابتلعته الظلمة الممتدة على القضیبین الحدیدیین، مسرع ، جلس وحید د ً الشمال، كلما ابتعد دب داخل صدره اغتراب شبیه بشعور "فاطمة" ا على المقع الخراساني على الرصیف، رفع نظارته وبدأ ینظف زجاجها بمندیله، وأعادها ثانیة فوق أنفة تتلقفه الأفكار، غد ! یرید إثبات ذاته داخل مكتب المحاماة الذي ًا أول یوم له في العمل كیف سیبدأ؟ سوف یتدرب فیه، وكان قد اتفق مع صاحبه بأن تكون مدة التدریب غیر محددة وقتما یرید الرحیل فلیرحل! هكذا أبلغة الأستاذ "محمد السید"، الرجل الذي تجاوز الستین وأبلغه بأن هذا المكتب تخرج منه محامون لهم شأن عظیم، وظل یذكر له بعض الأسماء!. قام من على المقعد الخراساني ینتوي التوجه نحو مسجد الشیخ "القناوي"، أراد الصلاة والجلوس في رحاب المقام، یشعر بالطمأنینة بجوار الضریح، فقد افتقدها برحیل "فاطمة" و"مسعود"، یحاول ِحتلها منذ أن تحرك القطار نحو الشمال، وصل إلى أن ینفض عن رأسه شبح الذكریات، الذي ا باب المحطة كانت في انتظاره صدفة لم ترد بخاطره، ظل یحدق في وجهها یقول لنفسه: هي جهها الناضر في الصورة، لماذا تلهث من ! َ بعینها، نعم هي، رغم شحوب و یطاردها؟ تبادله نظرات الدهشة والریبة، هل الأموات یعودون؟! سمع همسات شفتیها الرقیقتین: - المصري سعید؟! - الجمیلة "راسیل" الغجریة!
123 الجزء الثالث
124 ١ مرت أربعة أعوام والخامس شارف على الانتهاء، والحال لم یتبدل داخل حوش الغجر، بل ًا، كثرت المشاكل والصراعات، هاجر بعض الشباب إلى ازداد فقر "لیبیا" تسللوا عبر ًا وسوء الحدود الغربیة للبلاد من جبل قریة "العركي"، منهم من عاد ومنهم من أقام هناك لأجل ً غیر معلوم. مرور السنوات بهم داخل مدینة نجع حمادي جعلهم جز ا من خریطتها، أجیال ء ُسمح لمن یملك منهم المال ً زراعیة، والحقیقة لم ی ًا أو أرضا ترث أجیال، لكن لم یمتلكوا دیار بذلك، ومن سعى إلى ذلك لم یتم قبول سعیه، الحوش هو ملاذهم الوحید، بعض الخیام تم تجدیدها، وسلع الغجر تطورت من أدوات تجمیل للنساء وألعاب أطفال، وأدوات الطهي. تم ً للطلمبة التي تم هجرها بعد ذلك، ولم یسلم توصیل صنبور ماء یخدم الحوش، بدیلا الصنبور من التزاحم أیضا، تغیرات الطفیفة بحوش الغجر مقارنة بما یحدث في المدینة والنجوع والقرى التي أصابها التطور السریع. ًا لا یتغیر رغم تقلب أحوال البشر من حوله ونكبات الزمن التي تمر، لكن ظل "محمود" ثابت ُشبه الداء المستعصي على الأطباء، یواصل عمله في الحدادة دون كلل ًا على إرث ی محافظ ًا عند موسم الحصاد یتم إرسال طلبات شراء عدد من ً كبیر أو ملل، بضاعته تلاقي رواجا المحشات، والأمر یتكرر عند كسر محصول القصب یبتاع منه العاملون الفئوس الصغیرة. أصیبت "بخیته" زوجته بالعمى، ظلت داخل خیمتها لا تخرج إلا بمرافقة إحداهن، تذهب إلى ُسنة جدیدة تمنحها بعض بعض زبائنها السابقین عندما یضیق بها الحال، للبحث عن مح الصدقات فتعود بها، طلب منها زوجها ألا تعاود هذه الفعلة مرة أخرى. تمر الأشهر وترسل إلیها إحداهن ممن كانت من الزبائن القدامى؛ فتطلب بإلحاح مفرط الذهاب بصحبة إحدى بنات الغجر، التي تجر الدابة خلفها لتتهادى ببطء شدید، على ظهرها "بخیتة" التي أصابها الملل من طول الطریق تسأل: - هل اقترب المكان؟!
125 تلتقي بإحداهن تعرفها من نبرة صوتها وتشفق علیها مما صار علیه حالها، تجید البكاء وقتما ترید دون الاحتیاج لمشاعر تدفعها إلى ذلك كحال كل النساء، في نهایة الرحلة تعود تحمل الهدایا، وهي تبرر موقفها بأن زوجة العمدة أقسمت علیها ألا ترد هدیتها، كما فعلت في السابق ابنة الوجیه فلان، وسبقتها لهذا الفعل زوجة الشیخ فلان، مبرراتها حاضرة رغم عدم اقتناع زوجها بما تفعله لكن تصر على ذكره وتكراره عند العودة من كل زیارة. یشعر بضیق في صدره عندما یرى دموعها، یسألها في عطف: - ِ ألم أعمل على راحتك بقدر استطاعتي؟! تكفكف دموع عینیها وبصوت واهن: - أتمنى من االله أن یقبض روحي! هكذا كا ٍ ن الحال في حوش الغجر بین شاك ٍ وباك ٍ ، ومتفرج وصامت. ً بعد اختفاء "راسیل" المفاجئ عن الحوش، ظل "بلال" ا یبحث عنها، یطوف الشوارع أیام والدروب والحارات، منها إلى المستشفیات إلى أن حل به التعب، بعد البحث طوال اللیل بمدینة قنا وسط زحام المتزاحمین، ظن الجمیع أنها استقلت القطار نحو القاهرة، عندما أبلغهم أحد أصحاب المحال أن فتاة تحمل نفس المواصفات، مرت منذ ساعتین تهرول بهذا الشارع المؤدي نحو المحطة، فلازم محطة قنا لأیام، حتى جاء أحد شباب الغجر فاصطحبه إلى نجع حمادي فما زال من یومها یتخذ محطة القطار مأوى له، لم تطأ قدمه حوش الغجر إلا مرة وحیدة، افتعل في تلك الزیارة مشكلة كبرى مع "سالمة"، بعد أن تصدى له "محمود" ومعه بعض الغجر منهم "عاشور"، خرج "بلال" في حالة هیاج یسب الجمیع، وأخذ عهدا "راسیل" داخل نعشها. ً على نفسه بأنه لن یدخل حوش الغجر إلا وهو یحمل أصیب الجمیع بقلق عن بناتهن، خوف "محمود" بوضع قانون، بأن ًا أن یسلكن مسلكها، قام البنات والنساء لا یخرجن لسوق المدینة إلا بصحبة أحد الشباب، یقضي معهن الیوم لا یفارقهن كظلهن، هكذا ارتضى الجمیع هذا الحل. فشاهد الناس الغجر كأنهم أسراب یدخلون
126 ویخرجون من السوق، إلا "بلال" الذي جن جنونه وأصابه الهم بعد اختفاء "راسیل"، مرت علیه الأیام واللیالي حالكة لا یوجد بها بصیص من الأمل، ظل یركض، یتعثر.. ثم یعاود ة الكر. عذابه لا ینتهي وهو في رحلة البحث، یجلس على رصیف المحطة ینتظر القطارات ّ القادمة، ینظر إلى وجوه المسافرین یحملق في النساء، وهذا الأمر أثار حفیظة البعض فكاد أن یشتبك معهم، ساعات متواصلة على المحطة متحفزا، حتى عرف بالغجري الذي أصابه داء العشق. ظلت قصة "بلال" أكثر القصص شهرة ولها أكثر من روایة، یراه البعض حافي القدمین رث الثیاب، منكوش الشعر لا یملك في یده إلا عصا غلیظة، یقطع الرصیف ذهابا وعودة طوال النهار. یعرف موعد قدوم القطارات عن طریق تلك النخلة التي یجلس تحتها بجوار المحطة، إن امتد ظلها خمسة وعشرین شبرا فهو في وقت الظهیرة موعد حضور قطار ًا إلى الاتجاه الشرقي فإن النهار شارف على الان ًا كبیر جدید، وا قضاء ٕ ن امتد الظل امتداد ً صوب المحطة، ظل أربعة أعوام وهو ما یعني حضور قطار آخر النهار؛ فیقوم مهرولا على هذا الحال تخللتها فترات من السفر إلى الموالد، من سیدي "عبد الرحیم القناوي" بقنا، ثم ینتقل إلى مولد العارف بسوهاج، ثم إلى مولد "أبي الحجاج" بالأقصر، یواصل البحث بین ضیوفها، كل النقود التي ادخرها لزواجه أنفقها، خلال رحلة البحث بشوارع ودروب المدینة والقرى والنجوع، وهو على یقین أنه سوف یجدها، تتنازعه الأفكار بین مشاعر من الانتقام والشوق، مترددا ماذا سیفعل إن وجدها؟! هل یهوى على رأسها بعصاه الغلیظة؟! أم ینزل عند قدمیها یقبلهما ویطلب منها أن تعود معه للحوش؟!، وأن تصفح عنه لأنه تسبب لها في ألم متواصل دون قصد منه؟!، فمنذ رحیل "المصري" ومن قبله بقلیل وهو سبب أحزانها، واختتم جملة جرائمه في حقها یوم كشف العذریة، كل هذه التناقضات تصیبه بالهذیان، یواصل دون انقطاع تلك التقلبات الخریفیة داخل رأسه.
127 ً ظلت "سالمة" ا له لكي تبغضه رغم السنوات التي مرت، وعذابه المتواصل لم یكن شفیع تترفق به، كما فعل الكثیرون من الغجر وهم یشاهدونه على هذه الحالة التي هي أقرب ٕ ن صمت صدرت منه حركات لا تلیق بعمره، یبدو للهذیان، إن تفوه فكلامه غیر سوي، وا أنه یعیش بعقل طفل. العاملین "بمحطة نجع حمادي" یتحدثون عنه: - إن لم یترفق به القدر ویعرف طریقها فهو إلى الجنون لا محال! تزوجت "سالمة" من أحد أصدقاء "بلال" یسمى "عاشور" وبعد أشهر من الزواج انتهت ، ی لات بأنه ُ حرب "سالمة" رسل لها رسا ً الصداقة بینهما تمام "بلال" ا كلامیة تجاه ًا، بعد أن شن ْتها على َ ساعد سوف یقتلها بعد أن یقتل أختها، لأنها تعرف المكان المختبئة به، وهى من الهروب لیلة المولد، وضللتهم أثناء البحث. اعترض "عاشور" على ما یحدث مع زوجته، حدث شجار عند محطة نجع حمادي المكان الذي یمكث به "بلال" تحت الشجرة، وبعده تفرق أمر الصدیقان. أنجبت "سالمة" بنتا اسمتها "راسیل" رغم اعتراض زوجها على الاسم، وكعادة الغجر البعض منهم لا یملكون شهادات میلاد أو أوراق رسمیة، أجبرت الجمیع على أن ینادونها بالاسم الذي اختارته، رغم تحفظهم بأن أختها خرجت عن تقالید الغجر، دون أن تبالي بنتائج تصرفها الأحمق، والكل یسأل: - أین "راسیل" هل ماتت في صمت؟! كما عاشت صامته، ولكن یحوطها ضجیج كبیر!
128 ٢ "عبید" یجلس داخل المندرة ومن حوله الضیوف یواصلون الحدیث، جمیع المقاعد والأرائك مشغولة، بعضهم ینصرف بعد الحدیث باستفاضة عن سبب الزیارة، والبحث معه عن مخرج لحل بعض المشكلات، وآخرون یدخلون صدورهم ملئیه بشكوى جدیدة، بعد إنشاء وزارة الكهرباء والتي عملت جاهده بالتزامن مع الانتهاء من المرحلة الأولى من بناء السد العالي، أسرعت تلك الوزارة لإدخال الكهرباء إلى بعض القرى القریبة من المدن في الخطة الخمسیة الأولى، المندرة تتزین باللیل بالمصابیح من الداخل والخارج، وقد تم وضع عمود كهرباء ً على طلب العمدة وتم تعلیق مصباح كبیر یضيء حدیدي ضخم مجوف بجوار بابها، بناء تلك الساحة الكبیرة أمامها، یدخل أحد الخفراء الجدد یحمل صینیة الشاي یمر على ً الجالسین، كل منهم یأخذ كوبه، یتقدمه "متولي" مشی أكبر ً إلى الغفیر بأن یعطي أولا را ًا، كان الضیوف سن "متولي" هو المسئول عن تلك الأمور، مثل استقبالهم ویجلس كل ًا ومقام ًا لمعرفته بالجمیع، تعلم تلك المراسم الخاصة واحد حسب وضعه الاجتماعي، وصار بارع بالمندرة بسرعة، في البدایة أبدى العمدة بعض الملاحظات وطلب منه ألا تتكرر. كما خطط وتمنى توقفت العصارة عن العمل بعد إهمال متابعة العمال، كان هذا الأمر عن قصد. نفض یده من تلك المهمة السمجة الثقیلة؛ فالعصارة التي یبتاع لها محصول القصب وینقله ویدفع أجر العمال، ثم ثمن شراء وقود الماكینة. ظل یشرح لوالده بأن ما ینفقه من ً، وعندما یحسب قیمة العسل المنتج خلال أسبوع تكالیف قبل مرحلة الإنتاج كثیر جدا وتكلیف إنتاجه، وجد أن هامش الربح لا یستحق منهم كل هذا العناء؛ فقنطار العسل لا یغطي قیمة تكالیفه. عقد العزم على تنفیذ مشروعه، ألا وهو إنشاء مصنع قمین للطوب؛ فقام بشراء جرار زراعي ومقطورة كبیرة، وأصبح العمل یقوم على تكلیف بعض العاملین بإحضار الطمي المستخرج من الترعة الجدیدة، بعد مرور أیام صارت أرض الحوش الفسیحة عبارة عن تلال من الطمي
129 ت . وبدأ التصنیع، وتم بناء أول قمین وحرقها، وباعها قبل أن تتوقف ُشبه تلال الجبال السوداء ً ألسنة اللهب في أفضل من جوفها، ثم واصل العمل للتجهیز لثانیة، المشروع یدر دخلا العصارة؛ لقلة تكلفة المواد الخام المستخدمة، فانتقل البعض العاملین من حمل أعواد القصب نحو الماكینة إلى حمل الطمي على ظهر مقطورة الجرار. وبالطبع رحل "فرج" الطباخ إلى عصارة أخرى، حزین على ما حدث بأقدم عصارة بالنجع، ً لما حدث ما حدث، ثم یتذكر صدیقه "عبداالله" یتنهد وهو یشعر بقلة الحیلة فلو كان موجودا ،ً یهمهم بحزن عمیق: "ربنا یفك سجنك یا أبا جابر"، آخر یوم عمل خرج من العصارة باكیا ظل یحكي للناس من حوله بأنه منذ أن كان صغیر بطه به ًا وهو یعمل في هذا المكان، تر علاقة لم یستطع "فرج" التعبیر عنها، لكن كل ما استطاع قوله، أنه یحب عصارة الحاج لن ینساها أبد . ً "مسعود" التي تحمل ذكریاته الجمیلة المحفورة بوجدانه وقال عنها: ا فكر أن یتسلل إلى البیت الكبیر یطلب مقابلة العجوز، ولكن نصحه أحدهم ألا یأتي هذه الفعلة لأن العمدة لن یتركه لحاله، وسوف ینقلب علیه ویسبب له متاعب كثیرة، وعلیه ألا ینسى الماضي بأنه ذات یوم تقدم لخطبة "فاطمة"، فعلیه ألا یكون حسن النیة؛ لأن وقتها سوف یتحول الأمر إلى تلك الظنون السیئة، وخصوصا بعد ما حدث في الآونة الأخیرة من ً له. كان في شرف استقباله تمدد لسطوة العمدة، بعد رحیل المأمور القدیم ومجيء أخر بدیلا وتعامل معه بمنطق أن لا فضل لأحد على أحد، هو المأمور وأنا العمدة، المأمور الجدید في أول زیارة له خارج المدینة كانت لمندرة "آل مسعود"، الذي ذبح الذبیحة على شرف الضیف، رغم غضب العمدة "حسان" من هذا الفعل، واستنكر هذه الزیارة فهو أقدم عمدة بالمركز، وأكثرهم جاها، وقد ورث هذا المنصب عن والده! في النهایة نسى الخلاف وكان أول الضیوف حضور . ًا إلى مندرة، في شرف استقبال زیارة المأمور الجدید لیلتها بعد تناول العشاء تم طرح بعض المواضیع المختلفة على الساحة السیاسیة، تكلم المأمور بصوت جهور عما حدث داخل قریة "كرداسة" بمحافظة الجیزة، وكان الحدث وقتها
130 هو الحدث الأبرز، حیث اشتبك المواطنون مع بعض أفراد قوات الشرطة، لأنهم لم یبرزوا ً أثناء هویتهم أثناء إلقاء القبض على أحد عناصر الأخوان المسلمین، ومما زاد الأمر سوءا مهمتهم ذهبوا دون ارتداء الزى الرسمي، فهذا الأمر زاد من شكوك الأهالي نحوهم، واصل المأمور حدیثة وهو یقرأ عنوان إحدى الجرائد التي تحدثت باستفاضة عما حدث وكانت عناوینها كتالي: "الأمن یقتحم القریة للقبض على مطلوبین من الإخوان"- "الإخوان یرفضون تسلیم المطلوبین ویطلقون النار على الشرطة، والحجة أنهم بملابس مدنیة". ثم انتقلوا إلى الحدیث عن موت الملك "فاروق" منذ خمسة أشهر في "روما"، كان الجدل ًا عن طریق المخابرات داخل المندرة حول غموض أسباب الوفاة، بین موته مسموم المصریة، بعد إشاعة عودته إلى مصر التي كانت تتردد بین الحین والآخر، وفكرة الثورة المضادة التي یرتب لها الملك، سواء كان الموت طبیعیا نتیجة التخمة من كثرة تناول الطعام كما قالت أسرته، أو الموت بالسم، المأمور الجدید لا یمدح ولا یذم، یقول الرأي ُرح في وسائل الإعلام دون تدخل منه، لكن عندما ینتهي من طرحه یراقب رد ً كما ط مفصلا الآخرین، من یثني ومن یم "عبید" علیه. ْ فعل تدح، كانت هذه ملاحظة كانت الزیارة موفقه على حد قول الخفیر "متولي"، التي أسر بها في أذن سیده بعد تودیع موكب المأمور حتى الجسر، ولم یكف لسانه عن كلمات المجاملة لأنه حظي بشرف تلك ُ الزیارة الكریمة، وسط صمت وترقب من العمدة "حسان" سحب من الذي تیقن أن البساط ی تحت قدمیه. *** جلست "عوالي" أمام خزانة ملابسها تنتقي أجمل ما فیها، تمسك هذا الثوب ذا اللون الفاتح ًا، ولم ًا كبیر لقد سئمت اللون الأسود، تعیده إلى مكانه تخرج غیره ظلت على حیرتها وقت تنتق ما سوف ترتدیه، خطفتها براثن الذكر یات وهى تقف أمام المرآة، تمرر یدها على شعرها اكتشفت شعیرات بیضاء قلیلة قد بدأت في غزوه؛ فقررت أن تأخذ بعض من الحناء
131 من "فرحانة" التي تسبقها في عملیة صبغ شعرها. مررت یدیها على وجهها الشاحب، لقد ًا من الحزن، تذكرت آخر لیلة بینها وبین رسمت الأعوام الخمسة المنقضیة علیه خطوط زوجها وآخر علاقة حمیمة، تبسمت لأنها كانت منغمسة في كومة القش في حوش العصارة، ظلت تتحسس نهدیها وجسدها، مررت راحة یدها على رأسها، انتبهت لملامح وجهها التي أصابها الكبر، اكتشفت أنها لم تنظر للمرآة منذ خمسة أعوام، ظلت تحادثها كثیر لتي مرت غیرت مشاعرها وأثقلتها بالهموم وغیرت رؤیتها للمستقبل، تشعر ًا، تلك الأیام ا أن حقها ضاع في هذا البیت، صدرها مشحون بمشاعر سلبیة رغم الخبر السعید بخروج "عبداالله" الخمیس القادم، وفرحتها بالابن "جابر" الذي وصل إلى المرحلة الإعدادیة، متفوق في دراسته متزن في شخصیته، انتقل إلى المدرسة داخل الوحدة المجمعة الجدیدة، یذهب ًا، ً على الأقدام هو وسرب من أبناء النجع، الجمیع یسلك طریق الجسر المرصوف حدیث سیرا یوجد بالوحدة المجمعة مدرسة ابتدائیة وأخرى إعدادیة، وبعض المصالح الأخرى التي تخدم أهل النجع وبعض القرى المجاورة. ُ تغیرات كثیرة حلت دد ًا على ذاته، فالآن یوجد به أغراب، موظفون ج ًغلق بالنجع لم یعد من ً بالوحدة المجمعة من مدرسین وأطباء؛ لذلك تم تجدید بیت "المصري سعید" ا وأدخل به عداد للكهرباء، وتم تأجیره لبعض الموظفین الجدد، وتولى هذا الأمر "متولي"، لم یعد أحد یذكر فالجمیع یشیرون نحوه بأنه بیت العمدة، خصوص بأن هذا البیت هو بیت "المصري سعید" ا ً ْاد الكهرباء یحمل اسمه، وهو من یأخذ قیمة الإیجار ودفع قیمة الطلاء وشراء أن عد الفرش. لم تنته بعد حیرتها التي كانت أمام المرآة لتختار الأفضل، لكن انتابتها حیرة أخرى عندما صامتة صمت تعرف أسبابه، واضعة یدیها على خدها داخل حجرة ً وجدت "فرحانة" ً ا طویلا ً الفرن، ذات وجه عابس، فمازال أمر "فاطمة" ا ًا كبیر ی . صدرها ممتلئ بالهم، خمس ُشكل عبئ
132 ُقت ابنتها وهى تشعر بجرح غائر داخل صدرها، حادث الطلاق بالنسبة سنوات منذ أن طل لها أمر عظیم الشأن، أكثر من حدوث الحرب العالمیة. رغم هذه السنوات كلما فكرت في "فاطمة" ومستقبلها صبت جام غضبها على زوجها، ُ الجمیع عرف أنها عاقر، لم یتقدم لها إلا قلیل من الخطاب، معظمهم من كبار السن أو أشخاص لا یرى والدها أنهم یصلحون لابنته، بعضهم رفضه هو مباشرة، والبعض رغم تجاوزه عن مساوئه إلا وجاء الرفض هذه المرة من العروس. عف النفس على تكرار التجربة ٕ جبارها على الارتباط، ترك لها حریة الاختیار، ومنذ عام ونصف العام لم یتقدم أحد من وا الخطاب ُ . تزید تصرفات "فاطمة" في الفترة الأخیرة من حیرة والدتها، تجدها أمام الفرن باكیة، تحذرها بأن تلك الأماكن ملئیه بالجن، تخشى علیها من أن یصبها مكروه، منذ شهور قلیلة ظلت ً، أصاب الأم القلق فقد ظلت تطرق الباب دون مجیب؛ فدفعته بقوة ًا طویلا داخل الحمام وقت وجدتها فاقدة الوعي، استغاثت بـ"عوالي" التي جاءت تهرول على صوت صرخاتها. لفتا جسدها العاري داخل ملاءة بیضاء وقامتا بحملها إلى غر فتها. مرت الأیام علیها بین البكاء والصمت، صارت هزیلة الجسد حول عینیها سواد یلاحظه من یبصرها منذ الوهلة الأولى، برزت عظمتان في وجهها. حال "فاطمة" جعل أمها تصرخ بمليء الفم، بأن زوجة "حسان" الملیئة بالشر قامت بعمل سحر لابنتها، فأرسلت إلى "بخیته" تأخذ مشورتها، رغم علمها بما أصابها لكن ظنت أن عند المرأة الخلاص لخبرتها في هذا الشأن، مر یوم والثاني ولم تحضر الغجریة العجوز، فزاد هذا الأمر من أحزانها، وظلت وقت "عوالي" علیها. ًا لا تعلم مقداره داخل غرفة الفرن لم تشعر بدخول التى تفحصت وجهها المهموم، هل تطلب ما جاءت من أجله لصبغ شعرها بالحناء؟!، أم أخیر "فرحانة" لدخولها بعد حین، بهدوء ً تزید حجرة الفرن صمت ! ا انتبهت ًا على صمتها؟ مفتعل أرخت جفونها إلى أظافر القدم، وجدت علیهم طلاء قرمزي اللون، انتبهت وعقدت
133 ًا، ثم بحركة مصطنعة تحاول أن تتغلب على أح جبینها كأنها تذكرت شیئ زانها لتشاركها ًا مهم فرحتها، على شفتیها ابتسامة مزیفة، بأنها سعیدة بخبر خروج زوجها من السجن، قالت وهى تتصنع الدهشة: الخمسة أعوام مرت سریعة كنهار الشتاء، وأن هموم الدنیا أنستها أن تشاركها فرحتها، بأن تساعدها في إعداد زینتها كما فعلت عند زواجها. تذكرها بما حدث منذ ُرس بلیلة وفي وقت متأخر، وقامت بنمص سنوات، یوم أن ذهبت إلیها قبل لیلة الع الشعیرات الزائدة عن جسدها البكر وتخفیف حواجبها، تدلیك جسدها بالماء المعطر الذي جلبته إلیها من بائعة غجریة. تتمنى في سریرتها أن تعید "فرحانة" ما فعلته في تلك اللیلة البعیدة بكل ما فیها، رغم الحاضر الثقیل السمج، لكن هذا لم یمنعهما من استحضار الماضي، كشفت عن غطاء ُدا من المصارحة طلبت منها بعض شعرها لتظهر شیبتها، لم تنتبه لهذا الأمر، فلم تجد ب ًا ناولته لها، ثم ًا ممتلئ من الحناء الخاصة بها، هزت رأسها مستجیبة لطلبها وأخرجت كیس عادت غرفة خزانة الفرن لصمتها، كل واحدة منهما تفتش داخل رأسها عن مخرج، خدمات البیت صارت قلیلة عما مضى، لا یوجد بالبیت إلا أولاد "عبداالله" والعجوز و"عبید" و"فاطمة" تخدم نفسها، لذلك كان هناك فراغ كبیر خاصة بعدما تم بیع معظم المواشي التي أصابها الجوع، "فرحانة" لم تتحرك من أمام خزانة الفرن عادت للوم على "بخیتة" التي لم تأت بعد. *** ً كثرت ألقابه جمیعها محبب إلى قلبه، منهم من ینادیه: ا إلى العمدة أو البك، وأكثرهم قرب قلبه: أبو الدكتور، إشارة إلى مسعود الذي التحق بكلیة الطب جامعة أسیوط، وهو الآن في السنة الرابعة یتبقى له عام و احد ویصیر طبیبا. واشترى العمدة جهاز تلیفزیون بخمسة وثلاثین جنیها ووضعه بالمندرة، والتف الجمیع حوله. كانت مدة البث خمس ساعات لا ً تخلو المندرة من الزائرین، وصار التلفزیون ا في تعظیم دورة في النجع؛ ً مساعد عاملا
134 وعندما تم عرض أول مسلسل مصري: "هارب من الأیام" أثار فضول وشغف المشاهدین والمتابعین، سمع بعض الأطفال أمام المندرة یقلدون أبطال المسلسل، فابتسم وطلب من ً لیشاهد التلفزیون. و مع زحمة وكثرة الزائرین نسى أن ً جاء خصیصا "متولي" ألا یرد أحدا والده طلبه لأمر مهم، وقد أسر العجوز برغبته صباح أمس إلى "فرحانة"، وهى تعد له متطلباته للاستحمام من ماء ساخن داخل إناء معدني كبیر، لترفع عنه الحرج بأنها بمثابة ً یؤكد لها بأنه یشعر تجاهها بنفس ابنته یجب أن تساعده داخل الحمام، یبتسم خجلا ً ، تجلسه على مقعد خشبي صغیر ً المشاعر، وكذلك غیر ضروري أن تراه ابنته عاریا تماما داخل الحمام، وتقرب نحوه الماء والصابون، وتذهب نحو غرفته ترتبها وتنظفها، بعد دقائق � تساعده في ارتداء ملابسه التي أحضرتها من الخزانة، یسألها بعض الأسئلة المكررة یومیا: - كیف حال "فاطمة"؟، وكیف أمست؟!. ً؟ ألم یخبرها بموعد زیارته القادمة؟ - ألم یتصل "رشدي" هاتفیا - كیف حال الدكتور "مسعود"؟ - كم مر من الوقت منذ أن دخل الابن السجن؟. الإجابات عن تلك الأسئلة تصیبه بالغم، لكن حاولت "فرحانة" في الفترة الأخیرة تجمیل الصورة، وتمنحه بعض الأمل بإجابة دبلوماسیة یبدو أنها تعلمتها من زوجها، ترسم على شفتیها ابتسامة لا یعرف حقیقتها: - كل شيء على ما یرام، وسوف یكون هناك غد أفضل عندما یتخرج الدكتور مسعود وكذلك نجاح "رشدي" في عمله واقتراب خروج "عبداالله" من سجنه.
135 ٣ ً، یمسح بكفیه على شعر ینتهي "رشدي" من الاستحمام یرتدي الروب، وقد امتلأ جسمه قلیلا ُعد ُفرة یجدها فارغة، یشم رائحة الطعام الذي ی رأسه المبتل، یخرج ینظر نحو منضدة الس داخل المطبخ، یدخل نحو غرفة نومه یقف أمام المرآة یمشط شعره، یفكر فى حال البیت الكبیر بالنجع، والیوم هو موعد خروج "عبداالله" من السجن. تدخل بهدوء على أطراف أصابعها، تحتضنه من الخلف مبتسمة، تخبره بأن الطعام أصبح ًا، یستدیر نحوها یقبل شفتیها قبلة عابرة، یثني علیها ویشكرها على دورها الكبیر في جاهز حیاته، لولا وجودها لا یعلم كیف كان سیعیش وحید ة قنا؟!، إنها شریكة كل ما ًا داخل مدین حققه من نجاح، منذ أن عمل لصالحه وافتتح مكتب نهایة الشارع الذي یسكن به، والأموال التي أخذها من أخیه عج "فاطمة" منذ سنوات تتولى ْ لت بفتح هذا المكتب، وكما ترك الشقة لـ فرشها، كرر الأمر في المكتب ترك لها حریة اختیار الفرش أیضا. تمسك برابطة العنق تساعده في ربطها، ترفع ذراعیها لأعلى لطول قامته رغم أنها أكبر منه بضع سنین، لكن بنیانه أذاب الفارق العمري، تمازحه: - خلف كل رجل عظیم امرأة أكثر منه عظمة. یبتسم ثم ینظر إلى ساعة یده متعجل: - باقي ساعة على وصول القطار للمحطة، یجب أن أكون في انتظارهم. تتساءل بقلق وهى تساعده على ارتداء بدلته المتناسقة اللون مع ربطة العنق. م . َ- ن سیأتي مع أخیك العمدة؟ - لا أعرف لكن ما أعرفه هو أمامي عشر دقائق فقط، أكمل فیها لباسي وأتناول إفطاري. التي ت الضائعه فى دورب ُ یتناول الطعام بسرعة، متجاهلا نظراتها شبه الطفلة الصغیرة الحیاة، فاقدة الأمل في أن تجد من یحنو علیها، شعرت بضیق من عدم الاكتراث بحیرتها التى لا تنقطع، كأزیز مرجل من النحاس، ظلت جالسة شاخصة البصر، ملأت صفحات
136 وجهها النیر الحیرة والقلق من مجهول قادم، لا تعرف ما هو؟! لكن شعورها بأن القادم لا یحمل لها التفاؤل. ،ً نظر إلیها نظرة عابرة وهو یرتشف من كوبة رشفات متعاقبة، لا یرید أن یفتح معها حوارا قد تعكر علیه فرحته بخروج "عبداالله"، واصل التهامه للطعام دون أن یسألها عن سر قلقها، أحسن هندامه وسار بضع خطوات نحو الباب وهي تتبعه كظله، وقف یودعها، تبسم لیبث في نفسها الطمأنینة. رفعت وجهها المكفهر تهمهم بحزن وقلق: - هل ستصطحبهم إلى هنا؟! ا، وان حدث هذا الاحتمال أعتذر لك لكن احتمالیة الزیارة لنا ضعیفة جد ٕ - لا أدري! ً مجدد "سندس" كالعادة، السیدة تأنس لوجودك ًا؛ فسترحلین بضع ساعات إلى شقة مدام معها. هزت رأسها في ضیق شدید، تلتفت عن یمینها لا تدري عما تنظر وعن أي شيء تبحث..!! لا تجد أفضل من الصمت وعلى شفتیها سؤال تبتلعه: - إلى متى سیظل هذا الحال؟! ً قب : ْ بطرف السبابة لمس النظارة فوق أنفة ثم مال بجسده لها قبلة سریعة قائلا - لا تخافي من الغد یا "راسیل"؟! ًا، أغلق الباب خلفه لتفتح مع صریره الذكریات، التي لا انصرف دون أن یسمع منها جواب تستطیع السنوات الماضیة أن تطوي أحزانها، جلست على كنبة داخل صالة الشقة ممددة ساقیها وأسندت ظهرها على حافتها تجتر الماضي، یوم أن التقت بـ"رشدي" عند باب المحطة، ظلت تبادله نظرات الدهشة ویبادلها هو النظرات بشغف، إنه معجب بها قبل أن یراها، منذ أن تحدث إلیه "المصري"، لا یذكر إلا محاسنها، اللوحة التي تحمل صورتها تؤكد أنها وقعت في قلبه، كلما نظر إلیها اغتبط، لذلك علقها على جدار داخل الشقة.
137 الیوم عدم اهتمامه بحیرتها جعلها تعید تفكیرها مرة أخرى في هذه العلاقة، جلست لملمت شعرها الطویل، أرخت أطرافها على الكنبة ممددة ساقیها. كلمات "رشدي" ٍ حملتها إلى ماض بعید، وفتحت كل الحصون التي بنتها حول نفسها منذ ظهوره. تتذكر "المصري" أثناء احتضار العلاقة بینهما، كانا یجلسان معا یشربان یتحسران على أیام ما قبل الثورة، الیوم تشعر بنفس المشاعر الانهزامیة، ومن الصدفة أن كلماته تحمل نفس معاني كلمات الراحل - على المرء ألا یفسد الحاضر بسبب قلقه من المستقبل؛ هذا التشابه یدفعها دوما للمقارنة بینهما، هل تحب "رشدي" كما أحبت المصري؟!، هل هو حب مجرد من أي رغبات؟!، رغم أنه منحها السعادة الكاملة غیر منتقصة كزوجة، لا یعكر ًا، المقارنة تقلق راحتها، رغم السنوات التي مرت لكن صفو العلاقة إلا الحفاظ علیها سر ً تنتهي إلى أن الراحل هو صاحب النصیب الأكبر داخل قلبها. دوما ً � تتذكر لیلة أمس وهي تتأوه من فرط اللذة تحت جسده، أشبعها جنسی ا منه بأن هذا ا، ظن ً اللقاء كفیل بأن یذیب أي خلاف، عندما یتم.. ا أن تعود العلاقة كأنها طفل ولید، یقین "المصري" یمتلك قلبها، و"رشدي" احتل جسدها، لكن احتلال یملك مقومات كثیرة تجعلها تقیم معه سلام نفسي، رغم ذلك تشعر بفراغ داخلها، لم یستطع -رغم فحولته- ملئه، كل بعضها بارد كالصقیع وبعضها هذه التناقضات تكاد تشق رأسها لنصفین. تناقضات ٌ ْ كالسعیر، رها، لم یكفي أنها تعیش في كنف رجل متعلم حسن الخلق یعاملها برقي، یقد ً یخبرها بأن الوقت الآن غیر مناسب یتجاوز معها، رغم حرصه على عدم الإنجاب، دوما ً لإنجاب طفل، فهذا العالم غیر ا نحو الحرب العالمیة الثانیة بأن هناك أكثر من أمن، مشیر ستین ملیونا ماتوا ما بین القتل أو المجاعة. ًا غیر الاستجابة لرغبته، كما تتعجب من هذه الحجج الواهیة التي یسوقها، لكن لا تجد مفر طاوعته في البدایة ووافقت على البقاء معه، حینها كانت مثل الغریق تدفعها الأمواج في كل اتجاه، بعد أن استطاعت في غفلة الهروب من مجموعة الغجر التي بالمولد، عند باب
138 المحطة أطمأن لرؤیتها، وتیقن من أنها حقیقة ملموسة عندما مد یده یصافحها، كان مزاجه ًا بسبب رحیل م "مسعود" و"فاطمة"، ولكنه تغیر في التو والحال إلى النقیض، قبض على ُعكر ً یدها لم ا، ترتعد یتركها، حملها داخل سیارة أجرة، ظلت في المقعد الخلفي تلتفت یمینا ویسار تتصارع داخل رأسها الأفكار وتطرح كثیر : أي ریاح دفعتها إلى الموافقة على ًا من الأسئلة صحبته؟ والشعور تجاهه بالأمان؟ّ ! لتقبل أن یغلق علیهما باب واحد. رغم الخوف من هذه المغامرة، لكن وجدت نفسها منساقة خلف دوافع كانت لا تعلم مدى نتائجها، الیوم النتائج غیر مرضیة. كم كبیر من الأسئلة تشبه وخز الإبر الحادة داخل رأسها، تشعر بوجع لكن لا تتوقف، في ً وحیدا : ً لكل هذه التساؤلات النهایة لا تجد إلا جوابا - أنه شدید الشبه بالمصري سعید. هذا السبب كفیل أن یمنحها القدرة على البقاء. ووجدت كثیر من أسرار "المصري" عنده، ذكر لها ما حدث له من مشاكل عندما طالب أن یتزوجها، تحجرت دمعة داخل مقلتیه وهو یصف لها حال الحبیب عندما كان یرجو الحاج "مسعود" للموافقة على الزواج منها، حكى لها عن الأخوین وعلاقتهما به والمشكلة مع "متولي" الخفیر، وعن الفترة الأخیرة التي انقطعت عن زیارته كان یحتضر ببطء شدید، تنهد وهو یختتم حدیثه: - عاش على أمل وحید هو عودتك، وعندما تضائل هذا الأمل أصبح الشيء الوحید الذي یحمله على الفرح هو حضور "سالمة" برسالة جدیدة. بعد هذا الحدیث الطویل عن الحبیب الراحل، قررت أن تعمل جاهدة على إسعاده وتلبیة كل متطلباته، هكذا قررت في سریرتها قبل أن تدفعها الظروف إلى ذلك. ذات لیلة بعد أن تناول عشاءه طلب منها ألا تخلد للنوم، فهو یرید الحدیث في أمر عاجل "تتجوزیني یا راسیل" ثم واصل حدیثه قبل القبول أو الرفض هناك بضعة أمور شریطة هذا ً ُملیه علیها؛ لأنها لا تملك إلا الطاعة؛ لتضمن لها مكانا الزواج، وهى كالعادة تلبي كل ما ی
139 داخل تلك الجنة الجدیدة. الیوم هي امرأة تعیسة أیضا لأنها تعلق مصیرها برجل ٌّ أناني!، ًا، وهى تشاطره كل أحلامه، عالم مستقل ًا جدید ومنذ دخولها إلى عالمه صنع لنفسه عالم ًا أن یبتعد عن النجع حتى لا یعرف أحد بوجودها، إن ذهب فهو ضیف بذاته، یحاول جاهد خفیف، رغم احتیاج الجمیع إلیه في البیت الكبیر لكنه أصبح كثیر الحجج والحیل. وبعد مرور سنوات النتائج غیر مرضیة، هذا هو حالها! هكذا الإنسان دائم التطلعات، كل ً، وما رسمه في مخیلته هو عظیم الشأن إلى أن یمتلكه. ما في یده یراه ضئیلا وقلیلا ًا لا تعلم مقداره على ًا كبیر بعد هذه الرحلة من الذكریات المؤلمة، ظلت خلالها جالسة وقت تلك الأریكة، تمزق الذكریات قلبها، و تیقنت أن كل الطرق التي تحاول السیر فیها لن تجدها ممهدة، مضت نحو الطریق الوحید الذي یسمح به سیدها، لملمت أطراف ثوبها ولملمت معه خیوط الذكریات، ببطء تنظر إلى أثاث الشقة الذي یجب علیها تنظیفه، ثم إلى الملابس التي یجب أن تغسلها، ثم إلى الطعام الذي یجب إعداده.. ثم إلى.. ثم إلى..
140 ٤ لم یكتف العمدة بذبح عجل كبیر بمناسبة خروج أخیه من السجن، بل وزع على الفقراء أكیاسا من اللحوم بمقدار رطل ورطل ونصف، وجلب المشروبات الغازیة وصنوف مختلفة من الأطعمة للمعازیم، الذین جاءوا یباركون من كل حدب وصوب، كانت المندرة في تلك اللیلة عامرة ٕ بالمأكولات والمشروبات. "عبداالله" لى كل الشفاه، ً لكل الأحدث وا ً، مراقبا ً ولیس مشاركا مشاهدا یبدو أن العادة تحتاج لوقت وربما صدمة للتخلص منها، وما جعله یفك عقدة الصمت بالمندرة دخول "صقاو" یحتضنه وسط دهشة الحاضرین، بصوت طفل بريء حصل على لعبته التي فقدها ً نحو العجوز بأن هذا الابن ً وأعیاه البحث عنها، یبتسم ویلوح بیده في وجوه الجمیع، مشیرا قهرا "الزین" قد عاد، یبتسم العجوز وهو ینظر نحو العمدة بطرف عینه. آخر مرة شاهد الجمیع "صقاو" عند المندرة منذ فترة، ظل یرقد أمامها تحت العمود الكهربائي المضيء طوال اللیل، فطلب "عبید" من الخفراء بأن یطردوه من هذا المكان، الذي حملت الریاح منه رائحة صنان بول، فغضب المعتوه ورحل وهو یسب الجمیع بأقبح السباب، ثم قذف أحد الخفراء بحجر فى رأسة وفر هاربا، وسط ضحكات الجمیع، واللیلة عاد عندما رأى الوكیل داخل ً . السیارة على الج ثم دخل مندفعا كالسهم ظل یقبل رأسه سر، جاء مهرولا أجلسه "عبداالله" بجواره وهو یخفي دموع عینیه، وسط تعجب الحضور ابتسم ابتسامة صافیة لا تشوبها شائبة جراء وجع سنوات السجن، أمر الخفیر بإحضار الطعام والمشروبات إلى جواره، اعترض الخفیر مشیرا لف أوامر العمدة، الذي طلب أن یصطحب المعتوه ً أنه لا یستطیع أن یخا إلى غرفة الطعام المجاورة. ًا بیده للخفیر أن لكن الوكیل أصر أن یأتي الطعام إلى مكانه، تدخل متولي شیخ الخفر مشیر ا ً ینصرف، ثم همس في أذنه ببعض الكلمات التي لم ت . فأشار بیده بحزم وقال بصوت ُجدي نفع مسموع: "هات الأكل وخلى لیلتك تعدى على خیر". ابتاع علبة سجائر كاملة وأعطاها له، وضعها "صقاو" وسط حاجاته، مع بقایا الأشیاء المتعددة التي یحتفظ بها داخل جیب جلبابه، ولا یعرف أحد سر قیمة تلك البقایا. وبعد أن تناول الطعام طلب من أحد الحاضرین سیجارة، ضحك الجمیع یشیرون بسخریة تجاه علبة السجائر التي
141 تتوسط حاجاته، أشار الوكیل إلى أحدهم لیعطیه واحدة بعد أن یشعلها له، قام وعلى أصابعه بقایا الثرید فقد التهم كل الطعام الذي جاء به الخفیر داخل طبق الألمنیوم، یلملم أشیاءه ویمتص سیجارته بأنفاس متعاقبة. مرت الاحتفالیة ورحل المهنئون والمباركون و لملمت بقایا الأطعمة والمشروبات ونظفت غرفة الطعام وتم ترتیب الوسائد والأرائك، وعاد المكان لهدوئه، خلت المندرة على الإخوة الثلاثة ومعهم العجوز الصامت، الذي لم یره أحد یواصل السهر إلى هذا الوقت المتأخر من اللیل منذ سنوات، كان أخر الراحلین عن المندرة "متولي" شیخ الخفر الذي سمع صباح الیوم اسمه ولقبه القدیم: "متولي مقطورة". عند العودة من السجن، وخلال الطریق الذي یستغرق ما یقارب ثلاث ساعات، الجمیع داخل سیارة "رشدي"، بعد تأجیل طلبه بأن یزروه داخل شقته، شعر العمدة كأن السیارة ضاقت علیه هو وأخوته، ثم طلب من "رشدي" أن یسرع بتلك السیارة المتهالكة، كیف ابتاعها؟! كان یجب علیه أن یرتقي بالماركة والمودیل. تبسم ورد بأنها سیارة جیدة لكن هو لم یعتد على القیادة لمسافات بعیدة، فهو في مرحلة استكشاف للطریق. وواصلت السیارة طریقها نحو النجع تجتاز الطریق غیر الممهد. بعد قلیل قال "رشدي" أنه اشتاق لسماع أغاني السیرة الهلالیة، قالها وعینیه تراقب الطریق أمامه في حذر. فابتسم "عبداالله" وقبل أن یتحدث لكز "متولي" في جنبه الأیمن ففزع ثم توجع: "اسمع یا مقطورة"، یقول كلمات بصوت الخطیب ولیس شاعر الربابة: كواني زماني وحدي ... یاك حد من أهلك هات أیدك طول اللیل أبكي وحدي ... ولاحد قایل هات أیدك لكن بكر ة ندقوا وتددي ... جمل الحمول فز بیها الدنیاعتاخد وتدي ... واللي صبر فاز بیها اللیلة بعد الحفل خلت المندرة علیهم أعاد "الوكیل" سؤاله عن العصارة وكیف تدار الآن؟! صمت الجمیع هنیهة، عقد جبینه وهو یشعر بالدهشة من حالة الصمت الغیر مبرر، فأعاد نفس السؤال
142 ً علیه بأنه منذ صباح الیوم وهو یسأل ولم یجد الرد، هل حدث مكروه للعصارة؟! مرة أخرى مضیفا هل اشتعلت فیها النار؟!. نظر العجوز و"رشدي" نحو" عبید" كأنهما یطلبان منه الجواب، وكما هو معتاد بدأ بتقدیم المبررات قبل أن یقول ما حدث، فتكالیف تشغیل العصارة أكثر من العائد منها، لأن أجرة العامل ارتفعت وكذلك ثمن المحصول، وصیانتها إلخ.. أنهى جملة حدیثه بأنها توقفت عن العمل منذ ثلاثة أعوام. رأسه متبسم : "علشان میحكش جلدك غیر ضفرك" ثم واصل ً هز "عبداالله" ا كأنه یفتخر بنفسه یصب غضبة على "متولي" كیف له أن یدیر شئون العصارة؟! وهو لا یعرف كیف یدیر شئون ، كان یجب على العمدة أن یكون حریص بیته؟! فزوجته هي صاحبة الكلمة العلیا فیه!! ا علیها ً أكثر من ذلك، ثم ضرب على صدره بیده في فخر وعظمة وقال في صوت ملئ بالثقة: - من الغد ً سوف أسعى جاهدا لإعادة تشغیلها، وسوف أبحث عن العاملین الذین تفرقوا، مهمة أعادتهم سوف تكون صعبة، فمن الطبیعي أنهم مرتبطون بأعمال أخرى، علیك أن تهتم بشئون العمودیة التي تسعدك، واترك لي العصارة سوف أعیدها لأفضل مما كانت علیه. وقف "عبید" في مكانه ثم تثاءب، نظر إلى أخیه الذي یواصل خطة التشغیل، بأن علیه أن یؤجل كل شيء لوقت لاحق لأن العصارة لا تصلح للتشغیل، قالها وانصرف للداخل كأنه یهرب من المواجهة. *** في صباح الیوم التالي الجمیع داخل المندرة إلا "عبداالله"، الذي أصابه سهم الحقیقة بالسكوت والغم؛ فانصرف للداخل دون أن ینبس ببنت شفاه. "رشدي" یشعر بالقلق فتكلم مع والده وطلب منه بأن علیه أن یضغط على أخیه بتقبل الأمر الواقع، لأن التغییر سوف یجلب كثیر من المشاكل، إقناع الوكیل بالرضوخ هي مهمة أسهل من غضب "عبید"، بعدما تذوق حلاوة المكسب، مشروعه یدر علیه أضعاف ما كانت تدره العصارة. تناول وجبة الإفطار على عجل فهو یرغب في الرحیل، وعلل ذلك لوالده الصامت، بأن هناك الموكلین في انتظاره، ویجب علیه أن یفي بما وعد، وأنه سوف یذهب للمكتب مباشرة، لأن بقاءه
143 أكثر من ذلك سوف یتسبب له مشاكل كثیرة في عمله. لم یطلب منه العجوز أن یبقى؛ لأنه في كل مرة یسوق إلیه حجج . ولم یهتم بكلمات والده الغیر مفهومة، والتي ًا كثیرة توجب علیه السفر قال بعضها لیلة أمس ویكملها الیوم، سمعه یخاطب زوجته الراحلة بذكر اسمها وسط همهمته. رحل "رشدي" الذي طلبت منه "فاطمة" أن یصطحبها معه، بعد حدیث المندرة تسللت والجمیع إلى غرفته، ترجوه أن یحقق رغبتها دون أن تذكر له أسباب . صمت لهنیهة یبحث بنظراته في ً نیام ا أكثر من اتجاه داخل غرفته التي اتسع فضائها، نظرات خاویة من أي عاطفة كانت ترجوها، اعتذر عن ذلك ووعدها أنه عندما تتاح له الفرصة سوف یفعل بكل تأكید، كتب لها الرقم الجدید لتلیفون المكتب على قصاصة من دفتره، یطلب منها باهتمام شدید لو حدث شيء معها فعلیها أن تتصل به. فى البدایة شعرت كأنه یسترضیها، وبعد ذلك تیقنت بأن عمها یتهرب منها، لم یشفع توسلها بأنها لن تسبب له عائق ي ًا، سوف تظل داخل الشقة تجهز له الطعام والشراب وتقوم بكل الوظائف الت یجب أن تفعلها. فكیف ستعوقه عن أداء مهام عمله؟ وما هي الظروف التي تمنعه من اصطحابها؟، زاد هذا الأمر من حزنها، وفى الصباح ظلت داخل غرفتها وعندما سمعت صوته ً نحو المندرة یحمل حقیبته الصغیرة لم تخرج تودعه كالعادة. وهو یودع أمها وزوجة عمها، متوجها ً جلست داخل غر ا، َ یهرب منها الجمیع؟، سؤال لم تجد له جواب فتها تفكر فیما یحدث حولها، لم ًا، فهذه الحیاة فهي تعاني من تجاهل والدها، والیوم عمها الذي كان یمنحها كل زیارة أملا جدید البائسة التي تعیشها قد سئمت منها، كما سئمت أمها التي أصبحت لا تطلب منها شیئا من أعمال البیت، تركتها لا تهتم بها كأنها قطعة أثاث عفا علیها الزمن ویجب الخلاص منها، بل لو ظلت داخل غرفتها ساعات متواصلة لا یهتم بها أحد إلا عندما یجلسون لتناول الطعام. تطرق "فرحانة" أو "عوالي" الباب طرقات خفیفة، كالعادة لا تجیب یظنان أنها نائمة فینصرفان، تسمع ْ كلمات اللوم، عي المرض وأن ما تفعله لن تجني منه شیئا إلا التسبب في متاعب لها وأنها تد ولكل من حولها، علیها أن تتخلى عن دلع البنات، وهذا السلوك الماكر اللئیم لن یفلح. تسمع من خلف باب غرفتها ما یقال عنها، یعتصرها الندم والخوف، تظل تقرض في أظافرها حسرة تتیقن أن العیش داخل بیت والدها لا یختلف كثیرا عن بیت طلیقها، الجمیع ً � وغما،
144 متكاتفون ضدها، تطول بها الظنون السیئة، مخالب الفكر الحادة تضربها فى كل إتجاه، تشعر بالیأس والعجز، یصیبها دوار تترنح بین أربع جدران فولاذیة، لاتجد ملاذ إلا أن تدثر جسدها بملاءة الاستسلام. برحیل "رشدي" قامت إلى خزانة ملابسها، متحدیة المنطق والعقل، أحضرت المقص حاد الشفرة، ُستان ذا اللون الأحمر، قصته في وفي توتر شدید ورغبة في الانتقام منه بدأت تقص هذا الف ِ البدایة من حجره لنصفین، ثم أمسكت بكل نصف على حدا تقصه إلى قصاصات صغیرة، هذا الجلباب قد أحضره لها في إحدى الزیارات كهدیة كانت عزیزة علیها.
145 ٥ ً بعد رفض "محمود" الغجري طلب "بخیته" بالذهاب إلى نجع الشیخ "مسعود" ا ترجوه أن ، ظلت أیام یسمح لها بالزیارة، زوجة العمدة تنتظرها، فقد أرسلت إلیها أكثر من مرة، لكنه یصر على موقفه، دموعها لم تشفع لها، جاء خبر خروج "عبداالله" من السجن، فعادت تواصل إلحاحها مرة أخرى، وأخبرته أنها سوف تذهب بصحبته وتعود كذلك؛ فرضخ هذه المرة وقرر أن یصطحبها بعد أن فشلت محاولة إقناعها بالبقاء، قال بصوت جهور وهو یكتم غضبه، أنه سوف یذهب یبارك ً للعمدة والحاج "مسعود"، بل سوف ینوب عنها وعن ا، لكن الزوجة أصرت أن الغجر جمیع "فرحانة" و"عوالي" ربما تغضبان منها، وهى صدیقة قدیمة للعائلة، منذ أن كانت زوجة العجوز على قید الحیاة، وهى ضیفة مكرمة داخل هذا البیت، بل هي من أشارت على أم "عبید" أن ٕ تزوجه "فرحانة"، كانت "بخیتة" على علم بأسرار بیوت النجع، لأن ن رأت ها أمینة على السر وا ًا ولیس فضیلة عیب . فى ساعة الضحى خرجت تتحسس أطناب خیمتها، ترتدي جلبابها ًا تستره خوف ً لسنها، تضع حبرتها على رأسها، تقف تتنفس ً مناسبا الأسود، لا ترتدي إلا هذا اللون وتعتبره لونا بصدر منشرح، كأنها سجین قضى عقوبته، تتحسس طعم الحیاة وا راقها عبر مشاهد كونتها ٕ ش داخل ذاكرتها منذ زمن بعید، وقفت أمام خیمتها تستشعر كل ألوان الجمال عبر أذنیها، تسمع ًا بعد أن سلمت علیها، سألتها صوت : أین المقصد؟ ًا تعرفه جید - إلى نجع الشیخ "مسعود" نبارك لهم لخروج "عبداالله" من السجن. هزت "سالمة" رأسها وهى تلقم صغیر ها ثدیها، تقترب منها أكثر، حتى استنشقت "بخیته" رائحة عطرها الفواح، طلبت منها أن تقترب أكثر، كادت أن تلتصق بجسدها، اشتمت رائحتها بقوة زفیر ثم شهیق من أنفها، ظهر علیها التعجب مما تفعله العجوز، هل أصابها الهذیان؟! لكن جاء رضیا الجواب م . ُ � كیف حاله؟ وهل ی ! ثم ُ "بخیته" مازحة بأنها كانت ستسألها عن زوجها "عاشور": حسن عشرتها؟ تبسمت وصمتت لهنیهة، وواصلت حدیثها أنها عرفت أن الأمر على ما یرام من عطرها، یبدو أن الأطفال ناموا مبكرا لیلة أمس وظلت الخیمة مضاءة للساعات الأولى من الفجر، تطیب الزوجة
146 بالعطر في الصباح دلیل على أن لیلتها الفائتة كانت سعیدة، ثم مررت كف یمناها على وجهها: وجهك ضاحك. ُ تبسمت "سالمة" حسن عشرتها وینصت لمشورتها رغم أنها في بادئ وهى تداري خجلها، بأنه ی الأمر كانت تتوجس منه خیفة، تتذكر لحظات الخوف عندما طلب من عمها "محمود" أن یتزوجها. بخیتة توصیها للحفاظ على الزوج: - مهما یحدث بینكما من خلاف، فلا تمكنیه من هجر فراشه والرقود في مكان آخر، لأن بعض الأزواج مثل الدواب، یعتاد على الأفعال كما تتعود الدواب على طریق فتظل تسلكه دون توجیه. تمازحها "سالمة" قائله بصوت مرتفع: حمد الله على السلامة یا عم "محمود"! ترتجف العجوز العمیاء بخوف، تتحسس ذراعها الذي مازلت تعاني منه، بأنها قالت البعض ولیس الكل. تضحك "سالمة"من رد فعلها، وتخبرها بأنها تمزح معها، ثم دست ثدیها الأیمن بعد أن جف من اللبن، واستبدلته بالأیسر وألقمته للصغیر، أخبرتها بأنها اتفقت مع "عاشور" زوجها بأنهما سوف ٕ یذهبان الخمیس القادم إلى قنا، لحضور أخر ثلاث لیالي لمولد سیدي "عبد الرحیم" ن كانت ، وا ترغب في الذهاب مع المجموعة التي اتفقت على ذلك، لأن هذه اللیالي یكثر فیها المریدین، على ا أثر ذلك یكون الرزق وفیر. ً هزت "بخیته" رأسها في استیاء؛ لأن "محمود" زوجها لن یوافق، فهو مقاطع المولد منذ هروب ً "راسیل"، وظلت تصفه بأنه عنید. ا، كان قد أخبرها بأنه واصلت حدیثها بأنه تأخر علیها كثیر سوف یذهب ببضاعته لأحد التجار المجاورین ویعود لیصطحبها، وقد وعدها أنه لن یتأخر وقبل أن ترتدي ثیابها سوف یعود، ثم أعادت الكلمات مرة أخرى، فلم تسمع صوت قد رحلت "سالمة"، التى أكفهر وجهها تعید ثدیها إلى حمالة صدرها، ثم حملت صغیرها على كتفها الذي أغمض عینیه بعد شعوره بالشبع، انصرفت تتذكر "راسیل" التي طال غیابها وكلمات "بخیته" عنها، أثارت بكلامها أحزان وشجون الماضي، قصة أختها أصبحت كجرح غائر في ظهرها، لا تجد له ً، إلا أنها تصم الأذن وتغمض عینیها عن كل شيء یذكرها. علاجا
147 أمسكت "بخیته" الحبل المشدود من باب خیمتها تتبعه، هذا الحبل ربطه لها زوجها یخشى علیها أن تضل الطریق، أو تسقط على الموقد الخاص بعمله، تتبع الحبل إلى أن تصل لجزع نخلة جاف وهو مكان جلوسها المعتاد، هذا الجزع بمثابة أریكة یستقبل محمود ضیوفه ویجلسهم علیه، ثم رفعت رأسها كأنها تذكرت شیئا ما، تسأل نفسها بصوت مسموع: "طالت الغیبة یا راسیل"، ثم جلست مكانها، قالتها وهى تقبض على حفنة تراب، ظلت تنثرها ببطيء شدید في مواجهة الریاح، ً وهى لا تعلم إلى أین یصل غبارها؟ ا، إلى أن لكن بحكم خبرتها أدركت أن لعبتها لن تؤذي أحد انتهت قبضت على حفنة أخرى، ظلت تمارس هذا الأمر لقتل الوقت. "سالمة" التي أتعبها صغیرها على كتفها فنقلته على الكتف الآخر، تقف أمام خیمة الهوانم ُ المهجورة منذ زمن، تراقب "بخیتة" للاطمئنان فقررت مراقبتها عند عد، رفعت رأسها أبصرت ب "محمود" عند أول خیمة من الاتجاه الغربي، یمتطي ظهر دابته السوداء التي أصابها الكبر ْمتها، تركت خیمة الهوانم بكل ما فیها من ذكریات الماضي، فصارت بطیئة، انصرفت إلى خی ظلت تدخلها على استحیاء، وكلما خلت إلیها أصابها الحزن، ومازال صدى صوت "بخیتة" بأن زوجها قاطع المولد بسبب هروب أختها. وصل "محمود" إلى الجسر العمومي إلى نجع الشیخ مسعود، یتغاضى عن النظرات الساخرة من المارة، وزوجته على ظهر الدابة البطیئة وهو ممسك باللجام، قدمیه الحافتین تضربان الأرض ًا، وقبل أن ًا، یقطع الطریق نحو النجع، هذا الطریق الذي ضرب تغیرت معالمه وأصبح مرصوف ًا، ثم مسح عرق جبهته بكم جلبابه، یوصیها ً كثیف یقترب من المندرة أمسك أرنبة أنفة وأخرج مخاطا بألا تطیل الجلوس داخل البیت، لا تزید عن مقدار زمن تناول كوب من الشاي. أنزلها أمام الباب ً الجانبي، لملمت حب ا ْرتها على رأسها وطوت أطر افها تغطي فتحة فستانها حول رقبتها، لتغطي جلد ًا معوجة علیه، تركها تتحسس الجدران للداخل بعد أن دفع الباب ًا ضرب الزمن خطوط بدا مجعد أمامها، وما أن رأتها "فرحانة" حتى اقتربت منها مهرولة تأخذ بیدها للداخل، تبسمت وهى تلوم علیها لهذا التأخیر، إنها تنتظرها في أمر هام وعاجل. ظلت "بخیته" تشتكي حالها بعد ذرفت الدموع، فقد الإنسان لنعمة البصر شيء لیس بالهین، تتحسس جدران المدخل إلى أن وصلت لساحة البیت وواصلت شكواها، بأن "بلال" الذي رحل
148 یبحث عن "راسیل" التي جلبت لعموم الغجر العار، كانت تأمل فیه أن یكون الیوم بجوارها لیساعدها، لأنه ابنها الذي لم تنجبه، كأنها آلة تسجیل، تجید إبراز علتها كما اعتادت خلال الأیام الماضیة. عاد إلى المندرة بعد أن ربط دابته في أقرب مكان، یسأل عن الحاج "مسعود"، طلب منه أحد الخفراء الانتظار عندما شاهد قدمیه الحافتین، وجلبابه البالي، فاشمئز منه رغم معرفته بأنه ینتمي للغجر، خاف الخفیر على نفسه من عقاب العمدة، فطلب من الرجل الوقوف على جانب بجوار باب المندرة. جاء الوكیل یمتطي دابته، بعد أن قرر عدم الذهاب إلى مصنع قمین الطوب؛ فقصد الأرض یباشر أعماله في الزراعة، وجد كبیر الغجر جالس أمام المندرة، نزل عن دابته وسلم علیه ُ بكل الحب، وهو یسأله لماذا جالس هنا؟! حسن نیة بأن الخفیر سوف یخبر الحاج بوجوده أجاب ب ً، حتى یسمح له . ُ بالدخول أولا اندهش من هذه الكلمات التي أثارت حفیظته، وطلب منه الدخول دون انتظار إذن من أحد، وفى ً أي وقت یأتي علیه دفع هذا الباب یدخل یجلس على الخفیر على سوء أفضل أریكة، وزجرا التصرف مع الرجل الذي لم یقدر شیبته، أخبره بأن عم "محمود" صاحب مكان، وأمسك بیده ودخلا مع . ًا إلى المندرة خرج "عبید" نحو المندرة التي كانت خالیة من الضیوف، سمع صوت أخیه مرتفع یلوم على الخفیر وینهره بقوة، عقد جبینه: كنا في راحة تامة من هذا الإزعاج.
149 ٦ دخل "رشدي" إلى الشقة بعد نهار طویل شاق من العمل بالمكتب، یحمل بین یدیه بعض من الزهور وهدیة أخرى، وجدها كالعادة تسر عینیه، رغم حدوث شجار لیلة أمس بعد أن عاد من النجع في الصباح توجه إلى المكتب مباشرة، ظل یومه وعندما عاد أمس وجدها تنتظره متحفزة، أرادت الحدیث في أمر ما، فطلب منها أن ترجئ الأمر إلى لیلة الغد فهو ُدة لكي تتحدث ًا، أعدت الع یشعر بالتعب، لكن كعادة النساء شحذت همتها ولم تستطع صبر ً. سألته: في هذا الأمر الذي أرهقها طویلا - ما هي نهایة هذه العلاقة؟ هل سأظل على هذا النحو أعیش حیاة أشبه بحیاة المجرمین یعشقون الظلام، یظلون طیلة حیاتهم یتوارون خلف جدران الخوف؟!!ّ هز رأسه مستاء . ً وتجاوز هذه العبارة كأنه لم یسمعها یواصل خلع ملابسة صمته زاد من غضبها واصلت حدیثها تلوم علیه: - أشعر أنني كالمومس تضاجعها مقابل المسكن والمأكل، ولم أشعر یوم ما أنني زوجتك... یشعر بالذهول من جرأتها، ولم یفق من ذهول صدمته إلا وهو یضربها على وجهها بقوة ویصیح: - أنا لست بقواد لكي أحضر امرأة مومس إلى هنا! ثم ترك الغرفة النوم غاضب . ًا وصفع الباب خلفه بشدة بكت وتألمت كثیر من ثلاث ساعات متواصلة، ًا من تلك الصفعة، ظلت على فراشها أكثر جالسة القرفصاء تئن وتشتكي، لأول مرة تشعر أنها أخطأت عندما قررت الهروب من حوش الغجر، الیوم هي وحیدة في مواجهة كل شيء، عاودتها صورة "المصري" الآن فقط ً من البلدة، تتذكر ذاك البریق في عینیه اثنت على تصرفه عندما طلبت منه الهروب معا حد بصوت خفیض رغم قلة حیلته لكن مؤمن بما یقول: ْثها
150 - من یهرب من وطنه بحجة عدم القدرة على العیش والتعایش، فلا یأمل في غربة تعطیه أكثر من فتات موائد أصحابها، وكل البیوت التي یسكنها بعد بیته هي كبیت العنكبوت رغم جمال وبریق الواجهة. وصلت بها أفكارها المتشائمة، بأنها بالنسبة إلیه ما هي إلا مجرد لعبة جمیلة بید طفل، أن فقدت بریقها ألقاها في سلة المهملات، أو عبارة عن وعاء جنسي جمیل یقذف به قاذوراته، تلك الفكرة سیطرت علیها، أو عر : ْتها أمام نفسها - یا له من قذر أناني! عاودها البكاء بشدة تنظر إلى تلك المرآة، تبحث عن مصیر جدید لها، هل تظل معه مكتفیة بحیاة الظل لا تستطیع أن تقف بالشرفة دون أن ترتدي وشاحا على وجهها؟! أو تسیر بعض الوقت تتنزه بشوارع المدینة دون أن تغطي وجهها ویكون بصحبتها؟! ودوما ُسمح لها بصحبة جدیدة، ما هذا السجن الذي ارتضته یحذرها من الاختلاط بالناس ولا ی لنفسها؟! ما هي الدوافع التي تجبرها على ذلك؟! جال بخاطرها سؤال لم تستطع الإجابة عنه: - هل أواصل ما بدأته.. الهروب؟، یبدو أن سجن "بلال" هو بعینه سجن "رشدي" رغم اختلاف السجان والجدران! ظلت تتخبط داخل غرفتها، سمعت صوت أقدام تقترب من الغرفة، رقدت وجذبت الغطاء ً على جسدها، معطیة ظهرها للباب. وقف "رشدي" ا، هل یدخل إلیها أمام الغرفة حائر وا ! سئم الجلوس داخل ٕ یعتذر؟! ن كانت هذه الرغبة تسیطر علیه بشدة، أم یتركها للصباح؟ غرفة المكتب لمدة ثلاث ساعات، بعد رحلة طویلة مع الأفكار، منذ خروج "عبداالله" من السجن، مرور "بعبید" وما فعله داخل العصارة وتخوفه مما سیفعله في المستقبل، وهذیان ًا ً من الأفكار إلى أن ًا بتأنیب الضمیر، رحلة مرهقة جدا العجوز الذي یشعر تجاهه دوم وصل إلى رجاء "فاطمة" أن یأخذها معه إلى مدینة قنا.