51 االله أن رشدي لم یأت من عند المصري مخمور. ً - یحمد ا تجاهل "رشدي" مزحة أخیه السمجة، وحمل الحقیبة الجلدیة لیحتفظ بها بغرفته الجدیدة بالبیت الجدید، بعضها على سبیل الأمانة والبعض هدیة، لأن "المصري" الذي یجهل مصیره یخشى على بعض المقتنیات الخاصة به، والتي أخفاها عن لجنة الأموال المستردة على سطح ضریح "الشیخ عمران" عندما علما بقدومها، وتم تفتیش بیته وأخذ كل ما هو ْ ُ ن بمحاضر لجنة الجرد وضم إلى محفوظات القصر، بقیت تلك الأشیاء ُ ثمین، وكتب وثم بعیده عن الأنظار لا یطلع علیها أحد. *** عقارب الساعة لا تتوقف، ت نفرطت أولى حباتها بدأ شقاء الإنسان ٌشبه حبات المسبحة إن ا على الأرض، شقاء ممتد للنهایة الحتمیة للأشیاء، ربح من ربح وخسر من خسر، جاء شهر دیسمبر والسماء ملبدة بالغیوم، تعلقا كل منهما بالآخر كغریق یبحث عن تلك القشة ُ التي تنجیه، تعددت جلسات شرب الشاي والمسامرة والجدل حتى مطلع الفجر، شبه جدل ی ُ الجدل البیزنطي، على حد وصف "المصري" ني الذي یجلس معه وعیناه تترقبان بیته، یم ٕ النفس بمجيء "راسیل" لى أنفاسها ، ترتمي في حضنه تبث شكواها، یشتاق إلى عینیها وا ُ حیاة ٕ لى الحدیث معها، رغم تضاؤل الأمل لكن یقینه بأنها لا محالة سوف تأتي تحمل له وا جدیدة. ً لم یفلح "المصري" ا خلال أیام الثورة وما بعدها؟ فرغم ُراقب في معرفة الحقیقة، هل كان م ً � ا شافی � ا كافیا لوأد اللقاءات المتعددة مع الخفیر ولكنه ظل یماطل في القول، ولم یعطه جواب ظنونه التي ت . وخلال اللیالي الفائتة كان ُقلق راحته، حتى سئم منه لم یسأله مرة أخرى "تروك" السكر وأوقیة ً حریص "متو لي" ا عند حضوره، جلب ضعف ما یستخدمه من المكعبات ً الشاي الكاملة من ماركة "أبو حمامة" یكفي لاثنین داخل التي یحبها، ویحضر معه عشاء كیس من قماش الدمور، یعلقه بخیط من أعلى في طرف البندقیة، التي یضعها على كتفة
52 بالعرض خلف عنقه ویمسك بطرفیها بیدیه كأنه مصلوب، أصبحت جلسات "المصري" معه ًا بالبیت، عندما رأى تقصر علیه لیل الشتاء ووحدته، ودعاه أكثر من مرة لتناول الشاي مع بعض اللوحات طلب منه مازح "أم روحین"، وعلى ً "متولي" ا بأن یصوره وهو یحمل البندقیة رأسه اللبدة السوداء، وعلى جسده معطفه الصوف ذي الأزرار النحاسیة وحذائه الكبیر، الذي ی "عبداالله" لكنه جدید ونظیف، یصوره على تلك الخشبة على حد وصفه لها ُشبه حذاء عندما رأى اللوحات المتراصة، لكي یریها لأولاده؛ لأنها سوف تبث في أنفسهم السعادة. تبسم وهز رأسه مستجیب ورة وكان قد ًا لطلب الخفیر، الذي یصر أن یحكي عن أمجاد الث سمعها من مأمور المركز والضباط، یحكونها لهم داخل قسم الشرطة، حتى أصبحت ً مقدس : الاتحاد، والنظام، ًا، كثیر من الشعارات مثل ً وطنیا الحكایات عن أمجاد الثورة واجبا والعمل، والحریة، والمساواة، والعدل والاشتراكیة، ونعم لحكومة الشعب لا لحكومة الملك، وحكایات اشمئز منها "المصري" لكثرتها، وكلما حاول أن یغیر مجرى الحدیث، أعاد "متولي" حكایاته عن بطولات الزعیم أبي الغلابة. النار تتوهج وتنطفئ وتشتعل مرة أخرى وحدیث اللیل لا ینقطع، و"متولي" الذي لا یمل الكلام یواصل الحدیث عن حاله الذي تحسن، فأحوال معیشته المادیة في تقدم مستمر بعد أن أخذ هو وأخوه أربعة أفدنة، وبالأمر المباشر من هیئة الإصلاح الزراعي تم زراعتها � أیضا، ومن یخالف ذلك ً ً ًا هذا العام، وتورید المحصول لشركة السكر إجباریا � إجباریا قصب یتم عمل محضر له، وقبل أن ینتهي من حكایته تثاءب؛ یشعر بالتعب لأنه طیلة یومه ًا على الجسر لمدة یومین، لولا تدخل ابن یقف على قدمیه لجمع المحصول الذي تركه مجبر عمه - أهتم "المصري" عندما سمع اسم "عبید"- فواصل الرجل القص وتلك المشكلة التي ً، رغم أحقیته نشبت مع جار له، بسبب الأسبقیة لمن یحمل محصوله إلى شركة السكر أولا في التورید قبل جاره، لكن "سلامة" مندوب شركة السكر هو ابن عم جاره، فمنحه الأسبقیة
53 وبدل الأدوار، تدخل لحل النزاع "عبید" وأنه تحمل تكالیف نقل المحصول من نقوده الخاصة، نعم الرجل إنه یتصرف أفضل من العمدة. حكى "متولي" عن كرامات "الشیخ عمران" وهذا الضریح الذي یأنس به، ثم انتقل إلى حكایة ً "صقاو" ا، بأن لیس كل معتوه صاحب كرامات، كیف لهم یدعونه بالشیخ المجنون، ساخر وهو نجس یفعل أفعال مشینة؟! وقد رآه أكثر من مرة یسیر بالشارع یظهر قضیبه عن قصد، وعن سبب العته، ثم اختتم حدیثه یبارك له على البیت الجدید، بأن "عبید" قام بهدم البیت القدیم وبناء بیت جدید له هو وأخیه "عبداالله"، وأمام البیت مندرة كبیرة لا تقل عظمة عن منادر العمد، وقد وضع بها الأرائك علیها مراتب ووسائد قطنیة. وقبل أن تنطفئ النار قام "متولي" إلى حدیقة القصر یبحث لها عن وقود جدید، فعاد یحمل مع بندقیته بقایا منضدة أرابیسك محطمه، وهو یحكى عن سبب تحطیمها، صباح أمس صعد علیها الموظف لوضع بعض من "الدوسیهات" على سطح الدولاب الخاص به لتخزینها، تحطمت وسقط الموظف على ظهره وسط ضحكات من كانوا بالمكتب، فحملها .ً إلى ركن بعید خلف الحدیقة؛ لكي یستفید منها لیلا ً یعرف "المصري" ا على من ً، هز رأسه في یأس وغمغم في نفسه ناقم تلك المنضدة جیدا حطمها ومن سوف یشعل النار بحطامها، وعلى من سمح لهم بفعل هذه الأشیاء، رفع وجهه إلى السماء شعر بأن الغیوم تكاد تسقط، قام من مكانه ینظر إلى بیته یتمنى أن یجد ا ً ًا مطمئن ًا في انتظاره أو زائرة تحمل له خبر زائر . یستوقفه صوت "متولي" وهو یطلب ًا جدید منه إبداء وجهة نظره في الوحدة المجمعة الجدیدة، التي تم وضع أساس المباني بها التي تقام بجوار نجع "الشیخ مسعود"، فسوف تخدم ثلاث قرى حولها، تضم مدرسة ابتدائیة ووحدة برید ووحدة شئون اجتماعیة ووحدة صحیة. بفتور معترضا على مكان البناء ً : كان من الممكن بناءها على أرض الصحراء الخالیة تمام . ً - ا
54 ً انعقد جبین الخفیر مما سمع، انصرف "المصري" ا ألا مكان له داخل بعد أن تیقن تمام الجمهوریة الجدیدة، كما زاد یقینه بأن هذا الخفیر لن یفهم مقصده، لكن انتابه شعور غریب، بدأ یفكر بطریقة الشك في نفسه، لماذا كل ما یتم إنجازه لا یرضى عنه؟! واصل خطاه المرتعشة دون أن یلتفت خلفه، یتذكر تلك الفرحة التي ترتسم على وجه الخفیر، هل الإنسان أسیر ما یؤمن به؟! أم بقدر منفعته یؤمن بالأشیاء؟!. الغفیر یسمع صوت صریر باب بیت "المصري" یقفل علیه، وبنظرات الریب والشك یطالع البیت من الخارج، شعر بأنه منتصر، مبتسما بنشوة كبیرة، وهو یرتشف أول رشفة من كوب الشاي: - "قال مش عجباه الوحدة المجمعة أما صحیح أنك ابن خدام البرنس". *** لم تثیر سلوكیات "عبید" الجدیدة حفیظة "عبداالله الوكیل" الذي قلب الأمر لمزاح، مع بعض العاملین بالعصارة، بأن أخیه ینسلخ عن ماضیه بتغییر جلده مثل الثعبان، ولم یعد یعمل بیده بل یجلس على أریكة العجوز في الغر فة الطینیة، یشرف على عملیة بیع المنتج من العسل، یضع النقود في جیبه، ویركب دابته ویرحل. ً، فقد ً، وعندما یذهب لا یمكث بها طویلا تلك الغرفة اعتزلها العجوز لا یذهب إلیها إلا قلیلا ًا له، یأتیه إلى المندرة بعض أنس للجلوس ساعة الضحى بالمندرة، ورأى في ذلك خیر �ا أصدقائه یتبادلون حدیث الذكریات، وفي الظهیرة ینتظر عودة حفیدة "مسعود"، ممتطی حماره من مدرسة "داود تكلا"، یطلب منه أن یكرر علیه الدروس التي أخذها في یومه، یسعد برؤیة الصغیر الذي قال له كلمات لم یفهم معناها، ونقلها إلى والدته، فعندما یراه یخبره كأنه رأى "رشدي"؛ فغضبت "فرحانة" لشعورها بأن العجوز یعیش حالة من الوحدة، تقترب منه تحاول أن تسري عنه، عندما تجده وحید . ًا داخل المندرة
55 تحدثت إلى زوجها بأن علیه ألا یهجر والده، بل یجب أن یتقرب إلیه، ویستشیره في كل أمر كما كان في الماضي، فنهرها "عبید" بشدة یلومها: ُ - من أین جئ شبه الهذیان؟ والدي هو أغلى شيء عندي وأنني أحبه ِت بهذا الكلام الذي ی ا كثیر. ً - الحب لیس بالكلام، یجب أن تبرهن على ذلك. - هل أترك أحوالي لأجلس بجواره أسمع منه بأنه اشتاق إلى "رشدي"؟! وما هو العائد علینا من هذا الكلام؟! ثم هز رأسه بدون اهتمام یرید أن ینهي حالة الجدل، وهو على یقین بأن حدیثها ما هو إلا وهم لا فائدة منه، ووعدها بأنه سیبلغ "عبداالله" أن یقوم بهذا الأمر؛ تبسمت باستسلام لمعرفتها الجیدة بطبیعة الم . ٌكلف جاء الخفیر "متولي" في الصباح إلى المندرة یحمل النبوت على كتفیه، اقترب یتبختر بعد لیلة طویلة من العمل والمسامرة مع "المصري"، وكان قد ذهب إلى المركز یسلم العهدة كالمعتاد بعد كل وردیة، وهى سلاحه وعدد من الطلقات الناریة، سلم عهدته وأخذ نبوته الذي یتركه داخل المركز، عاد إلى النجع یحمل رسالة من المأمور، صافح العجوز وهو جالس على تلك الأریكة ذات الفراش القطني، رفع بصره؛ یتفحص الأرضیة وطلاء الجدران الجیري وبعض من الرسومات في أركان المندرة، والأرائك المفروشة بمراتب ووسائد قطنیة، یتحدث وهو یمرر راحة یده علیها بإعجاب، وأثنى علي "عبید" إنجاز في فترة زمنیه وجیزة تم الانتهاء من بناء البیت، واصل حدیثه بعد أن علت شفتیه ابتسامة عریضة: یجب علیكم ذبح ذبیحة تجنب . ً - ا للحسد وبعد أن شرب الشاي قام یضع العصا بعرض كتفیه یمسك بطرفیها كالمصلوب، وهذه هي عادة یستبدل البندقیة بالعصا والعصا بالبندقیة، یبلغ العجوز بأن على "عبید" الذهاب عصر
56 الیوم إلى المدینة، لملاقاة مأمور قسم الشرطة لأمر مهم، وأوصاه بأن یخبره بعدم التأخیر على الموعد المحدد. دبت الحیرة بصدر "العجوز" فیما یرید المأمور ولده، أطلت برأسه الهواجس القدیمة فهو یرى التعامل مع الحكومة غیر مریح، قطعت حبل ظنونه "فرحانة" التي دخلت علیه لتحمل ّ كان قد قص أكواب الشاي التي فرغت بعد انصراف الخفیر، و علیها زوجها ما یحدث منه في جلسات الأكابر، وثناء المأمور علیه، تطمئنه بأن الأمر خیر، تنفس الرجل الصعداء وحثها لكي ترسل لزوجها الآن لتخبره بالموعد وتوصیة بعدم التأخیر. وبعد صلاة العشاء جلس العجوز بالمندرة ینتظر الخبر الیقین، "عبداالله" الجالس على ً ا ا، أسیران لسیف الانتظار، ًا بعد أن سئما الحدیث مع لأریكة في مواجهة والده، صمت تتخطفه غفوات متقطعة یرفع جفنه بین الحین والآخر: "لسه مجاش"، طلب منه والده بأن یقوم یرقد على سریره؛ رفض وهو یواصل الإغفاءات رغم أنفه، كاد أن یسقط من على � الأریكة، وصاح هاذیا یحث العاملین معه بالعصارة لمواصلة العمل، كلمات مكررة اعتاد ً علیها طیلة النهار خلال سنوات ماضیة. ا تبسم الوالد وشعر بالشفقة تجاهه، یسمع حسیس خلفه یلتفت یرى "فرحانة" وبصحبتها "عوالي" تتطلعان من الباب الخلفي للمندرة، وخلفهما "فاطمة" التي تتبعهما كالظل، رغم موافقة العائلة كلها على طلب "فرج" الطباخ، لكن والدها لم یوافق على خطبة ابنته له، لأنه لا یرغب في زواجها الآن لأنها صغیرة، وهذا هو الرأي المعلن لأسباب الرفض، لكن الحقیقة لا تعلمها إلا "فرحانة" التي أخبرها بأن "فرج" المسئول ً عن طبخ العسل هو صانع جید لكن لا یلیق بابنت ِ ا، استسلمت لقرار زوجها وهى ه زوج سعیدة ببناء البیت. فاطمة رغم رغبتها في الزواج منه لكن لم یؤثر علیها رفض والدها، فكتمت مشاعرها داخل صدرها ولم تبد أي اعتراض، وعلمت بما حدث داخل العصارة، عندما انقطع "فرج" عن العمل لمدة أسبوع. ذهب "عبداالله" إلیه، وبكل حب طلب منه بألا یتخلى عن عمله، والزواج قسمة ونصیب، وظل یسوق إلیه الحجج والمبررات وخاطبه في
57 صوت عاقل: إن تزوجتها ونشب بینكما شجار، رفض الزواج لا ینتقص من شأنك شیئا. نجح بمساعدة والدة "فرج" في إقناعه بالعودة للعمل. كانت "فاطمة" عندما تختلي بنفسها خلال تلك الأیام، تتذكر صورة "فرج" وهو قابض على یدیها مع كیس اللحم، وابتسامته واحمرار وجهه، تشعر براحة لهذه الذكریات، منذ الصغر وهى تراه صبي خفیف الظل یشارك عمها العمل بهمة ونشاط، عاشت البنت أیام مزاح قبل البت في أمر الزواج، تمازحها زوجة عمها "عوالي"، بأنها عندما تتزوج سوف تكون مهمتها الكبرى هي إعداد "الجوزة" لأم فرج، التي یعرف الجمیع أنها تشرب دخان المعسل، تبتسم "فاطمة" وهى تداري خجلها. ارتفع نهیق الحمار بالشارع؛ فأدركوا أن "عبید" قد عاد یحمل البشرى كما قالت زوجته، ُ اقترب من الباب الجانبي وأدخل الحمار، ثم عاد إلى المندرة وصع لم الثلاثة د درجات الس التي ترتفع بها المندرة عن مستوى الشارع، ولج في عزة وكبریاء شامخ الأنف بوجه مغتبط، ْل رأسه وهو یزف إلیه الخبر السعید بأن المأمور أبلغه بأنه تم اختیاره اقترب من والده وقب لمنصب العمدة، الذي رشحه له منذ فترة للجنة المؤلفة من مندوب لوزارة الداخلیة ومندوب لوزارة الحقانیة وأربعة من أعیان المدیریة، وكان یضعه ومرشحین آخرین للمنصب تحت نظره منذ فترة، یذكره خلال الحدیث، یوم أن ذهب بصحبة العمدة "حسان" إلى مدرسة "داود تكلا" لحضور حل المشكلة، وبعد الفحص لم یجد أفضل منه، بعد أن أثنى علیه جمیع من أخذت أرائهم، وواصل المأمور أسبابه لما یتمتع به من سمعة حسنة، ونشاطه في حل المشاكل وعراقة عائلته، ویكفي أن النجع یسمى على اسم جده، كان هذا كلام المأمور، واختتم حدیثه یحذره، بأن الأمر تكلیف أكثر منه تشریف، حفظ عن ظهر قلب كل ما قیل له داخل مكتب المأمور، وظل یردده داخل المندرة وسط حالة من السعادة. الذي ا اق من غفوته ِ وانطلقت الزغارید والتهاني والمباركة داخل البیت، همس "عبداالله" ستف : "من صباحیة ما شوفتك وأنت لابس الجبة والقفطان وأنا قولت ً ضاحكا یمازح العمدة الجدید
58 علیك ناویها"، یحتضنه بقوة. منذ مدة لیس بالقلیلة لم یر أحد العجوز یضحك ضحكة ًا إلیه بأن یقترب وضع راحة یده على رأسه، یقرأ بعض صاخبة من قلبه إلا اللیلة، مشیر الآیات من كتاب االله وبعض الأدعیة، و"عبید" جالس یتثاءب في خشوع. أحضرت فرحانة البخور تضعه بجوار زوجها، شعر باختناق من الدخان المتصاعد، فأشار إلیها بأن تذهب به نحو "عبداالله" تبخره، فضحك یسخر من نفسه: "قال حسدوا الغجر على ضل الشجر، وأنا هیحسدوني على إیه.؟! بخري العمدة یا أم مسعود". *** بعد مرور أیام قلیلة من خبر العمودیة، كان رشدي في مسكنة بالقاهرة یتصفح جریدة الأهرام بوجه مكفهر یواصل القراءة في المانشیت الرئیسي: "سیول جارفة تجتاح ٥٠٠ منزل في (قنا)"، تفاصیل الخبر: "سیل مدمر یجتاح المدینة ٕ وعدد من القرى والمراكز عطاء الأمر للجیش والنجوع، أدى لتشرید خمسة آلاف مواطن، وا بالنزول وقیام البكباشي "حسین الشافعي" بالنزول للمحافظة ومشاركة الجیش في الإغاثة ..إلخ.. ظلت جریدة الأخبار لمدة ثلاثة أیام تكتب عن السیول في جنوب مصر، یتابع الجرائد بشغف خلال إقامته بالقاهرة، في شقة قام باستئجارها داخل أحد الأحیاء الشعبیة بالجیزة، وبعد الانتهاء من تصفح كل الجرائد ینزل إلى المقهى ینصت إلى الرادیو، یشعر بالخوف على والده وكیف حاله الآن؟ رغم محادثة التلیفون التي أجریت مع أخیه على تلیفون العمدة "حسان"، وطمأنه بأن النجع لم یلحق به الضرر، سوى بعض الشوارع، وبعض من البیوت القدیمة المغطاة بالعشب وجذوع الشجر، شعر بالراحة تتسلل إلى صدره لأن والده یقیم في بیت جدید، یقینا أخیه یستحق الثناء. في تلك اللیلة العاصفة غمرت السیول الجارفة الحقول والطرقات ووصلت إلى مدینة نجع حمادي، فهدمت بعض البیوت واقتلعت خیام الغجر وتبعثرت بضاعتهم؛ سارعوا إلى أماكن
59 مرتفعة ینصبون خیامهم، یأخذون بأیدي بعضهم البعض، وقدمت لهم المساعدة من الأهالي، وحكومة الشعب تقدم العو ن لإنقاذ المواطنین، وكانت زیارة الزعیم الثانیة لمدینة نجع حمادي والمحافظة قنا، بمثابة انتصار على عواصف الطبیعة، لشعور الناس بأن من یحكمهم یشاركهم أوجاعهم. تقدم "عبید" الصفوف، ومازال ینتظر التكلیف الرسمي بشرف العمودیة، نقل معه بعض من الأسر المتضررة إلى حوش العصارة، وتم نصب خیام لهم داخل الأرض الفسیحة، في الصباح الباكر یمر علیهم یستمع إلى طلبات أصحاب الخیام، یركب عربته الجدیدة ً "الحنطور" ا من بطنه، ذات العجلتین التي یجرها حصان أبیض، غطى الوحل أرجله وجزء یتنقل من النجع إلى مدینة نجع حمادي لرفع طلبات القائمین عنده للمأمور، لیرسل رجال ً یمر بتلك الخیام یطمئن على الجمیع، ْنیة لمد ید المساعدة إلیهم، یعود لیلا المساعدة المد یستفسر: هل جاءت لهم المساعدات التي طلبوها صباح الیوم؟!! یرد الجمیع بكلمات ًا بلذة ینشرح لها صدره، عندما یقترن اسمه بلقب ً الشكر، یعود إلى البیت منهكا شاعر "العمدة" فیزید من السخاء. وفي الصباح الباكر یعاود الكرة ثانیة، یعمل بوصیة المأمور الذي طلب منه الهمة في هذا الكرب الذي حل بالبلاد والعباد، كأنه في تحد . ٍ مع نفسه "فرحانة" تقف معه تحثه على المواصلة. "عبداالله" في ابتسامة عذبة "العمودیة خلت عبید كفه مخرو م"، ضج العاملین بالضحك وهم جالسون أمام العصارة، مر علیهم "صقاو" یضرب الوحل بقدمیه الكبیرتین لیتطایر، طلب منه "الوكیل" مشاركتهم الجلوس حول النار، ثم أشار إلى "فرج" بأن یعطیه سیجارة، أخذها المعتوه وهو یتطلع بعینین خائفتین نحو العصارة. مازح: علیه أن یهدأ لأن "عبید" غیر موجود. ً یخبره "عبداالله" فهز المعتوه رأسه بحركة تنم عن طمأنینة وبصوت متلجلج یدعو علیه: - "یا رب یموت"، ارتفعت الأصوات بالضحك.
60 ٧ ما أصعب أن تواجه غضب الطبیعة وحید "المصري" مصفر الوجه ًا، في لیلة السیول خرج مضطرب وار القصر، استیقظ على نقرات المطر وهزیز ًا بشأن بیته المقام بالطوب اللبن بج الریاح العاتیة فأقلقت منامه، أخذ یبحث عن مأوى بعدما تسربت المیاه عبر عتبة الباب، ً بحث عن الخفیر فلم یجده. ا تجاه شارع السرایات، بعد أن مر كان الخفیر قد ذهب مسرع أحدهم علیه وأخبره بأن میاه السیول اجتاحت بیته، وقد شارف على السقوط، فخاف على الأولاد والدواب؛ وبدون تفكیر انطلق مسرع . ًا، ترك مكان عمله دون أن یبالي بالعواقب ً یدور "المصري" ا، شعر أن نهایته قد اقتربت في هذا المكان، ورغم في حدیقة القصر تائه كثرة الدوافع لكي یرحل، یبدو أن للقدر تصریف غیر تصریف البشر، وتیقن أنه كما عاش ا ً ً وحید . ا، وخشي أن یكسر ًا سوف یرحل وحید ذهب إلى غرفة الطعام؛ وجد بابها موصد ذلك القفل، وتذكر كلمات "متولي" عن الموظف الذي حطم المنضدة الأرابیسك، فرغم یقینه أن ما بالدوسیهات لا قیمة له بالنسبة إلیه لكن یمثل حیاة للآخرین. نظر إلى تلك الفسقیة جنوب مبنى السلاملك، وهى منفذة بقطع صغیرة من الرخام الخردة ذات ألوان متعددة، تتكون من ثلاثة مستویات، الأول مربع الشكل، والثاني مثمن الشكل، أما الثالث فهو حوض الفسقیة، بأركانه خمس فتحات "میاذیب" ممتدة تحت الأرض لضخ المیاه، وفي نهایته فتحة لتصریف المیاه إلى نهر النیل عبر أنبوب فخاري. المیاه غطت الجزء السفلي من الأشجار النادرة وأحواض الزهور اختفت تحت السیل المتواصل. برقت ًا، وتتابعت أصوات الرعد، نظر إلى الاتجاه الغربي نحو شارع � السماء وسمع لها دویا شدید �ا تمام . ا إلا التوجه نحو ًا من المارة لم یجد مفر الجهة الشرقیة، وعلیه ً السرایات، وجده خالی الخوض حتى یصل إلى مكان مرتفع مثل قصر السلاملك، یقترب نحو النهر الذي تحول كشلال جارف یضرب كل شي أمامه، شعر بأن هذا هو یوم الحساب من شدة غضب الطبیعة، وقف بین النهر والقصر في حالة تردد، صعد سلالم القصر الرخامیة، وهو یتطلع
61 نحوه یجده شامخا كالجبل في مواجهة الریح لا تهزه ولا تنتقص منه، ودفعته أحوال الطبیعة ً الغاضبة للتسلل عبر تلك النافذة من الجانب الشرقي للقصر، تلك النافذة المطلة على المرسى الذي تسلل إلیه عشب النهر وأهملت المراكب. ، لیدخل إلیها متسللا یوم ٍ فتح الشرفة كما اعتاد أن یفتحها في لیال كثیرة في غفلة من والده أن اصطحب معه "رشدي"، ومرات عدیدة كانت بصحبته "راسیل" یقضیان اللیل في إحدى الغرف، وینتقلان إلى قاعة البرنس یرقصان رقصة "الساسا" كما شاهدها لأول مرة بأحد الأفلام خلال فترة الدارسة بالقاهرة، وقد شاهد بعض ضیوف البرنس من الأجانب یرقصونها وحاول تعلیمها لـ"راسیل"، رغم أن البدایة كانت حنجلة لكن اقتنعا أنهما یرقصان، یشعرها كأنها أمیرة الأمیرات، یقضیان أجمل اللیالي في غفلة من الجمیع، شهد علیهما سكون اللیل بما یحمله من ملذات ووعود العشاق وأحلام تحلق في فضاء اللانهایة، وعندما تحطمت من یده أحدى الأواني الزجاجیة شعر بالخوف للحظة خاطفة، لكنه قام بجمع شظایاها، استجمع ً ألیس من حق ابن الخادم أن یهدر بعض معها شجاعته تبسم وهو یراقب وجهها المحتقن: " ا مما یملكه سیده". تبسمت وطلبت منه أن ینصرفا قبل أن یراهما والده، فینزل غضبه علیهما، ظل على موقفه یتحلى بالشجاعة والتمرد على واقعه بأنه لا یوجد سید للقصر الآن إلا هو، ولن یبرح المكان إلا بحلول الصباح الجدید كما وعدها بأن یقضیا اللیلة داخله. وبعد موت والده لم یحتج إلى التحایل لدخول القصر بل أصبح یلج إلیه وقتما یرید. اللیلة یتسلل كأنه لص إلى القاعة الشمالیة الشرقیة، كسا الغبار كل مقاعدها وكذلك ًا عما تبقى من أثاث، یتطلع نحو المشربیة المنضدة الكبیرة التي تتوسط المقاعد لا تقل بؤس ُشبه صخرة حمراء في قلب البحر المیت، الخشبیة بالجهة الشمالیة، یرى قصر الحرملك ی یتفحص وحدات الخشب یعلوها صف من القمریات الجصیة المزینة بالزجاج الملون، ینظر
62 من خلال ثقوب المشربیة، إلى النهر الهائج لیجده یزداد غضبا، المیاه تضرب المكان الممتد بین النهر والقصر واختفت درجات سلم المرسى. دخل إلى القصر واصل السیر، إلى القاعة الكبرى یتحسس طریقه على ضوء شمعة بیده، فهو یحفظ كل شبر وركن بهذا المكان المهجور، یتطلع إلى الرسومات على الجدران، یشعر ً یحتضر، ظل یقارن بین الحاضر وصورة الماضي المحفورة داخل ُشبه عجوزا بأن القصر ی رأسه، كل شيء تحسسته یده یحبو نحو الفناء. وقف أمام السلم الخشبي الصغیر اقترب منه رفع ساقه على الدرجة الأولى، یطرق عدة مرات بمقدمة حذاءه المبتل على خشب الأرضیة، یتطلع نحو الطابق الثاني، یشعر باشتیاق شدید نحو كل شيء من أثاث وجدران ولوحات، كل مقتنیات القصر لها واقع جمیل داخل نفسه، الآن كل أحزانه تجمعت كثقل على كاهله، یرید إشعال الشمعدان الفضي؛ لكنه تراجع عن فكرة الإضاءة. لم یجد شیئ ي مكانه، فكما تبدلت أحاسیسه تجاه الجمیع تبدل حال القصر، �ا مما كان ف التغیرات كانت للأسوأ، لكن لم تمنعه تلك الندبات التي ظهرت في كل شيء، أن یواصل التجوال بأروقة المكان، شعوره القدیم بأن العالم قد خلا علیه تحول إلى یقین، فعندما تشرق شمس الصباح لن یكون إنسان سواه في المدینة، تمنى أن تكون معه الغجریة فقط، وتجسدت داخل رأسه صورة من الخیال عن طوفان نوح، مات كل جاحد، ولم یتبق إلا المؤمنون بالحب، الحب هو الرسالة الأسمى للإنسان على الأرض، فرحة دخوله للقصر جعلته لا یشغل فكره كثیرا یال الجامح ً بتلك الأمطار المتواصلة بالخارج، بل حملته إلى الخ وحالة من الهیاج الفكري غیر المنطقي، بصرف النظر عن نتائجها الكارثیة، فلو عاش إلى الصباح وبشروق شمس الغد سوف تكون حالته أفضل من الآن. ُلم یهبط ببطء شدید ظهرت أمامه كل الصور مهتزة؛ فأغمض عینیه یتحسس درابزین الس إلى الأسفل، همس بقلق داخل سریرته: "البدروم"، وتذكر أن مقتنیات القصر موجودة به،
63 وقد سمع هذا الكلام من "متولي" الخفیر، الذي شعر خلال حدیثه معه بأن الرجل حریص على كل كلمة یتفوه بها تجاه القصر ومقتنیاته، الغرف بالطابق الثاني علیها الشمع الأحمر، وتذكر كلمات "متولي" أنها خالیة من المقتنیات لا یوجد بها إلا بعض الأثاث الذي یصعب حمله، بعد أن بیع سریر البرنس بمزاد علني حتى وصل إلى "ألفونس القباني"، نظرة خاطفة إلى الزخارف النباتیة على الجدران، ظل یتأمل جمال كساه الغبار، عندما تحسسه بطرف السبابة زاد غضبة على "متولي" الخفیر. قطع درجات الس ى "بسطة" مستطیلة، تؤدى إلى أرضیة البدروم، دفع ُلم إلى أسفل وصل إل ًا قد دخل ضلفتي الباب بقوة، أصابته الدهشة لا یوجد علیه الشمع الأحمر، یبدو أن أحد ً وهو المكان بعد لجنة الأموال المستردة، انعقد جبینه یواصل ما انتوى علیه، انحنى قلیلا ینزل إلى أرض البدروم غاصت قدماه في الماء، البدروم امتلئ حتى المنتصف، والمیاه مازالت تتساقط عبر الفتحات المستطیلة التي تعلو حوائط البدروم التى تستخدم للتهویة، حاول أن یسحب السجاد العجمي إلى أعلى، لم یستطع لضیق المكان ولأنها أصبحت ثقیلة الوزن، فتراجع خطوات صعد إلى قمة السلم، ارتعشت أطرافه كأنها غصن فى لیلة خریف، ً بكف، أصابته انطفأت الشمعة لم یشغله الظلام الحالك، جلس على أعلى درجة یضرب كفا الخیبة واعتراه القنوط، حینها شعر بالعجز وقلة الحیلة، دفن رأسه بین كفیه، یجهش ببكاء مریر.
64 ٨ مرت أیام السیول بما لها وبما علیها، غسلت أوراق الأشجار الكثیفة، فازدادت خضرتها، أصبح السعف المتدلي حول جرید النخل كأنه رایات خضراء ترفرف تبث في النفس الطمأنینة، هجرت الطیور أعشاشها نبتت البذور على حواف الجسور، والطرق تحولت بعض المناطق المنخفضة إلى برك یجیئها كل شرید لیرتوي، جدران البیوت المبنیة بالطوب اللبن لازالت تنشع، كأنها تذكر الناس بما حدث من سیول، هذا المشهد بدأ یتلاشى رویدا رویدا، وبعد أیام قلائل جاءت لیلة الاحتفال بالمنصب الجدید، حیث عاد "رشدي" من القاهرة بعد انتظام قطار السكة الحدید في رحلاته، وتمت دعوة "المصري" لكنه لم یحضر، ومما زاد الأمر سوء "متولي" جاء یشكو منه بسبب تصرفاته لیلة السیول، وأنه ًا قدوم الخفیر ًا بعد أن اطمئن على أولاده ودوابه، هدده بأنه سوف یتقدم اشتبك معه عندما عاد فجر ُ َص ِّعد الأمر إلى المحافظ الجدید، أسرع بشكوى ضده لمأمور قسم الشرطة، بل سوف ی �ا مستجیرا، یرجوهما بأن یطلبا منه ً "متولي" وهو یرتجف نحو الحاج "مسعود" و"عبید" شاكی عدم التدخل في مهام عمله، لأن ما تلف ببدروم القصر نتیجة السیول هو شيء خارج عن ُ إرادته، ظل الخفیر یسوق مبرراته، وأنه سیناله ضرر كبیر إذا قدمت شكوى ضده. مل ما ح ُ تبقى من مقتنیات القصر إلى مكان آخر عن طریق لجنة شكلت لتقصي الحقیقة، وحصر ما أتلف وكتابة تقریر عما حدث من أضرار أحاطت بالمقتنیات، وهل كان هناك إهمال أم وعندما سمع المصري هذا الكلام ضحك ساخر : ً أن الأمر دون قصد؟! ا من اللجنة - فى النظام البیروقراطي... بدایة تشكیل أي لجنة هو بدایة طمس معالم الحقیقة. الاحتفالیة الكبرى بالمنصب الجدید، جهز لها "عبید" تجهیزات ظل الناس یتحدثون عنها ُ لأیام، و مد استمرت الأفراح ثلاث لیال، حیث نحرت فیها الذبائح، الضیوف هم وجهاء وع القرى المجاورة، كل واحد هدیته بقدر مكانته، حضر مأمور المركز وضباطه خلفه، وتم
65 دعوة أكابر الناحیة من غرب البلاد وحتى شرق النهر، یتوافدون كل شخص حوله حاشیته عدد من الخفراء أو رجال مسلحین. جاءت "نفوسة" الغجریة لإحیاء إحدى اللیالي الثلاث، كانت تلك اللیلة كثیفة الحضور، امتلأت كل جنبات المندرة وساحتها، لا یوجد مكان لقدم على الحصر المفروشة على الأرض والأرائك ممتلئة بالجالسین، خارج المندرة بالشارع تم وضع الحصر من الجانب الأیمن أمام المندرة، وعند مدخل البیت ناحیة الحوش، ودقت الطبول وارتفع صوت المزمار، وتمایلت على نغماته "نفوسة" وسط صیحات المتفرجین، الذین تناولوا العشاء على تلك الحصر التي ظلوا جالسین علیها طوال اللیل لمشاهدة الراقصة، صعدت مجموعة من النساء فوق سطح المندرة، وعلى أسطح البیوت المجاورة للفرجة. "رشدي" -الذي فوجئ الجمیع عند عودته من القاهرة، بحلق الشارب ووضع مادة زیتیة على شعره، بعضهم ظن أنه "المصري" لشدة الشبه بینهما- یقف بجوار "عبید" كتف بكتف یستقبل المباركین، بعد محاولات متكررة من ضبط النفس شعر "عبید" بنافذ الصبر، وكان نفاذ صبره هذا دفعه أن ًا في أذن "رشدي"؛ بأن علیه الذهاب إلي "عبداالله الوكیل" لیقف معهم لمقابلة یهمس مغتاظ الضیوف والترحیب بهم، ذهب وأبلغ أخیه الجالس مع العاملین معه بالعصارة خارج المندرة بالأمر. : "هو ً لقیام ودخول المندرة، وبدون اهتمام همس ضاحكا في أذنه ً رأسه رافض هز "عبداالله" ا ا هیعمل نفسه عمدة علي من دلوقتي ولا إیه؟!!. ضحك "رشدي" من بساطة أخیه في القول دون تكلف. قطع حدیثهما سعال "فرج" الطباخ الذي ظل یسعل بشدة من شفط الدخان من خرطوم النرجیلة. مد الوكیل ساقیه ومال نحوه بنصف جسده الأعلى ولكزه براحة یده، : ً یهمس ضاحكا ً عنك! - المرة القادمة أحضر والدتك معك لتشارك الجمیع تدخین النرجیلة بدیلا
66 ارتفعت أصواتهم ضاحكین و"رشدي" یبتسم لحالة المزاح، انصرف عندما لمح عربة حنطور جدیدة تتوقف أمام المندرة، ینزل عنها ضیف، تقدم نحوها یواصل كلمات الترحاب دون ملل وكلل. ظلت "بخیتة" وزوجها "محمود" في البیت لمدة ثلاثة أیام، تضع على جسدها حبرة جدیدة مخططة، عندما خلعتها بغرفة "فاطمة" ظهر ثوبها ذو اللون الفاقع، وهذا الوشم على ذقنها لمع أكثر عندما دهنت وجهها بأحد الدهانات التي استخرجته من وسط حاجتها، ظلت ْ تساعد "فرحانة" و"عوالي" لت الجمیع نهار الیوم وذهبت إلى حوش في إعداد الطعام، غف الغجر، عادت تحمل "بؤجة" ملیئه ببضاعتها، تنفرد بإحداهن تخرج طرحة تضعها على ُشبه نفس رأس الزبونة وهى تواصل سیل من المدیح، بأنه بدیع لو ارتدته على فستان ی اللون. ضحكت "فرحانة" من تصرفاتها، وقالت لها عندما رأتها تعرض بضاعتها بإلحاح مفرط على النسوة: "مفیش فایدة فیكي زى الفروجة رزقها تحت رجلیها". تعید بضعاتها داخل البؤجة وهى تردد بخجل: "بتسترزق". وفى صباح الیوم التالي، جلس العمدة الجدید یواصل حدیثه بنبرة جدیدة، تحمل قدر كبیر من التكبر والغرور تجاه "عبداالله"، وبوجه صارم یعاتبه: - كیف لك أن تترك الضیوف وتجلس مع العاملین عندنا بالعصارة؟! هذا الفعل تسبب لي في حرج. وظل یكیل التهم نحو أخیه الصامت، فیجب علیه أن یغیر من تصرفاته في المرحلة القادمة، لأنه أصبح شقیق العمدة؛ لذلك علیه أن یستبدل جلباب العمل قبل الدخول للمندرة، التي أصبحت لا تخلو من الضیوف طیلة النهار وفى الجزء الأول من اللیل، وعلیه أیضا أن یبتاع عددا من الجلابیب الجدیدة، وألا یكون كثیر الهزل وسط العامة. ً جلس"عبداالله" ا، لا یبالي بثورة أخیه الذي یقول ًا ساكن على إحدى الأرائك في المندرة هادئ ا ً عنه دوم : "بأنه زیاط". ا لجمال الألحان، یهز رأسه ً وكأنه یردد أغنیة خلف مطرب منسجم
67 ً وهو ناظر إلى ساقیه الممددتین أمامه على الأ ِ ا عنهما حجر جلبابه، یهمس ریكة، مشمر بتطریب وتمدید: - عاوزین كام ِحتة صوف من عند بخیته الغجریة.. - علشاااان أعملهم جلابیة.. - یمكن أأأأخد العمودیة".. ثم یرفع رأسه یمدح نفسه: "أیه رأیك یا "رشدي" مش بقول كلام زي شاعر الربابة جابر أبو حسین". ًا یداري ابتسامته وهو یراقب بطرف عینیه العمدة، الذي بدأ صبره هز الفتى رأسه مستجیب في النفاد فاحتقن وجهه وبدأ یضرب على الأرض بعصاه المعقوفة. بینما یمرر "عبداالله" راحة یده على الدمامل التي امتلأت بها ساقیه، یتحسس بطرف السبابة الانتفاخ المليء بالقیح، یشیر إلى دمل كبیر الحجم: "أنت دورك جیه" ویغرس فیه ظفر السبابة، ینفقئ لیخرج منه القیح یمسحه بطرف ثوبه البالي. الحاج "مسعود" بعد طول صمت وبمشاعر من الشفقة، یتوجه نحوه ینتهره ویلومه، بأنه لم ینصت إلى ما قیل إلیه من قبل عن تلك الدمامل، التي تنتشر بجسده، واصل العجوز الوصفة الطبیة فقال له: - ضع رأس بصلة على النار لعدة دقائق، ثم ضع شرائح البصل على تلك الدمامل قبل النوم، سوف تنفقئ لوحدها وتشفى بإذن االله. ولكن "عبداالله" دون أن یرفع رأسه، وكأنه یحدث نفسه بنفس النغمة التي كان یرددها منذ قلیل: - وكمان كیلو بصل لیاااا.. - علشان أعااالج بیه رجلیاااا".. - یمكن أأأأخد العمودیة"..
68 قهقه العجوز یداري فمه بطرف شاله، و"رشدي" لا یستطیع أن یتماسك فانتفض جسده من ًا من حدوث مشاكل؛ فهو كثرة الضحك، وقام من مكانه یدخل إحدى غرف المندرة، خوف ً یخشى رد فعل "عبید" ا وهب و ً الذي اشمئز وزفر نفس ا یعلن غضبه، انصرف ًا عمیق اقف للداخل نحو بیته وهو یتمتم بكلمات تحمل السخط. عندما سمعوا صوت صریر الباب یوصد بقوة، علت ضحكاتهم حتى وصل صوتها إلى السائر في الشارع. *** خلال شهر یولیو الحار توقفت العصارة عن العمل، "عبید" مشغول بزواج "فاطمة" ابنته ٕ التي تقدم إلیها "یوسف" ابن العمدة "حسان" ن كان قد تحدث ، فوافق دون أخذ رأي أحد، وا ً یستشیره في الأمر ًا مقتضبا إلى والده حدیث . أصبحت "بخیته" ضیفة على البیت كل ًا عابر ً یوم، تحمل داخل "بؤجتها" ا جدیدة من القماش وطلبات العروس التي تسعى لتلبیتها، أصناف وقد اتفقت مع أم العروس أن تذهب معهم إلى المدینة؛ لمعرفتها بالتجار وقدرتها على ّ الشراء بالثمن المناسب، وباتت تلك اللیلة بالنجع، وفي الصباح أقل الحنطور جمیع النسوة ً إلى حوانیت المدینة، طلبت الغجریة من سائق الحنطور أن یتوجه أولا إلى شارع ً من محال "المینى فاتور ة". "القیساریة"، وقررت شراء القماش أولا ً تتطلع "فاطمة" ا بعینیها من داخل بردتها إلى الشوارع، تشاهد المحلات والزحام والباعة مرور بشارع "الجنینة" والذي یعتبر أكبر الشوارع التجاریة، حیث محلات العطارة، والأدوات المنزلیة، ومتاجر الفحم، ومحلات صناعة المفاتیح، ومتجر لبیع عصي الخیزران والشماسي، توقف الحنطور في جانب من الشارع، صارت الغجریة تتقدمهم إلى محلات بیع ُ الأقمشة، رض علیها من البائع توافق علیه على الفور، انبهرت الصغیرة فكل شيء یع ً، ولا تظهر لصاحب الحانوت أن هذا الصنف من القماش أو تطالبها "بخیتة" أن تتریث قلیلا ا لیس موجود ". فتتدخل "بخیته" التي ً الفراشة أعجبها فتطلب نوع آخر، فیجیب البائع: " ا ً
69 تعرف كل الأصناف المتاحة وغیر المتاحة بالسوق، تتحدث بشيء من الفتور سوف تأخذ هذا الصنف، ولكن على مضض وتحاول أن تبخس ثمنه. ابتاعت "فاطمة" ما ترغب به، بل وجدت أشیاء اف الغجریة التي نجحت ً لم تكن في الحسبان قامت بشرائها، تحت إشر حیلتها، وشعر البائع بضیق من طریقتها في الشراء. كانت "فرحانة" تشاهد في صمت ثم تقوم بدفع النقود، عندما شاهدت قدرة الغجریة على الشراء، فرحت بقرار اصطحابها معهما إلى رحلة السوق الأسبوعي للمدینة، رغم اعتراض زوجها خشیة الحسد، أقنعته بأنها سو ف تأخذ احتیاطاتها، بوضع القلیل من الحبة السوداء داخل مندیل قماشي تخفیه في ملابس "فاطمة". عاد "رشدي" لقضاء عید الأضحى مع العائلة بعد نجاحه في العام الدراسي الأول، وكانت ً من والده، لدیه رغبة في البقاء بالقاهرة خلال أشهر الصیف لكن هذه الرغبة لم تجد قبولا وهو السبب الأول لرجوعه، أما السبب الثاني الذي یخفیه عن الجمیع، هو لقاء "المصري" ًا، وعقد العزم على الذهاب إلیه بعد أیام العید مباشرة، وقد ابن عمه الذي اشتاق إلیه كثیر أحضر إلیه هدیة هو على یقین أنها سوف تسعده، بعض أدوات الرسم، مجموعة فرش وبعض الألوان الزیتیة وكمیة من الورق "الكانسون"، فكم حكى له عن ممیزات هذا النوع من الورق فأحضره له على سبیل المفاجئة. ً، وقد تجمعت الأسرة في أول أیام عید الأضحى، العمدة كانت أضحیته هذا العام عجلا ً خالف والده الذي واظب منذ زیارة بیت االله الحرام بأن یذبح كل عام كبشا، انتهى الجزار من الذبح والسلخ، "عبداالله" أخذ خصیتي الذبیحة، وقد أمر الجزار بأن یقشر الجلد الزائد وتقطیعهما إلى شرائح، وأخذها في طبق مشیرا نحو عوالي: "أشوي دول". وعندما راقبه ً "رشدي" أردا أن یمازحه. "الوكیل" ا، بأن هذا مرر طرف السبابة على شاربه متعاظم الصنف من الأكل مفید للجسم، یربت على كتف أخیه:
70 أنت لازلت صغیر . ً - ا لا تعرف قیمة هذا الصنف من الطعام، إنه یقوي الأعصاب انتهى توزیع اللحوم، وانفض الجمع وبعد دقائق طلبت "فرحانة" من "رشدي" بأن یدخل لحمل خوان الطعام النحاسي الدائري، رصت علیه أصناف الطعام حول قدر به كبد الذبیحة الذي تم شواءه بأقصى سرعة لتجهیزه للغداء، وهذه عادة متبعة عندما یتم الذبح، لم ینتبه "عبداالله" لرائحة الشواء أو قدر الفخار ذي الرائحة الزكیة، نتیجة قلي الفلفل والبصل والثوم بقلیل من الزیت، وسط قطع صغیرة من الكبد، ظل یتطلع نحو الطعام للبحث عن شرائح خصیتي الذبیحة. وكان جزاءه السخریة والغمز واللمز من "رشدي" على مسمع من الجالسین عندما رأى تطلعه: - "ما تقلقش اللي بالتدور علیهم قاعدین أبقى تعشى بیهم". مر أسبوع على العید شعر "رشدي" بالملل خلال إقامته بالنجع، لا یجد ما یفعله إلا مجالسة والده بالمندرة لساعات كل یوم، یشعر بأن المواقف والكلمات تتكرر مع تغیر الوجوه والأسماء، انتوى عند شروق شمس الصباح أن یذهب إلى "المصري" في زیارة انتظرها ا كثیر. ً *** منذ حدوث مشادة كادت أن تصل إلى التشابك بالأیدي بین "المصري" ومتولي لیلة السیول، انتهى الأمر بتكلیف خفیر آخر لحراسة القصر، وانتدب "متولي" لخدمة العمدة "عبید"، ولم یكتف بالانتداب فقط بل طلب من المأمور منحه ترقیة لیصبح شیخ الخفر بالمقر الجدید، لأنه أقدم خفراء البلدة وأكثرهم درایة وخبرة بمهامه، ظل "متولي" یحتفظ له بهذا المعروف، ً إقامة شبه كاملة بالمندرة، فهو الید التي تبطش، وهو الأمین فأصبح بین یوم ولیلة مقیما على أسراره والمتحدث أحیان . ًا بلسانه
71 ولم ینج "متولي" من سهام سخریة "عبداالله"، الذي لا یرى العمدة إلا وخلفه الخفیر یتبعه كظله، یهرول وهو یحمل بندقیته، وعندما جاء أحدهم إلى العصارة یسأل عن العمدة، أجابه ا ساخر: ً - "لو عاوز تعرف العمدة راح وین اسأل عن متولي مقطورة". اظ، وحذر أخاه ً ضحك العاملون وانصرف الرجل ضاحكا، وحكى ما حدث للعمدة الذي اغت من التمادي في سخریته، وظل یشرح له بأن التعدي على "متولي" هو التعدي على موظف أثناء أداء مهام عمله، وهذا فعل یعاقب علیه القانون. ً ظل "المصري" ا وتعلق الناس بها؛ كلما یشعر بعلاقة طردیة غریبة كلما زادت الثورة نجاح تفاقمت داخل صدورهم مشاعر من البغض تجاهه، یسأل نفسه: لماذا هو دون غیره؟!!. یخرج كل یوم یتسكع في شوارع المدینة یبتاع حاجته، یجالس بعض الغرباء یتحدث إلیهم على سجیته، فأنهم لا یعرفونه ولا یعرفهم، تكفیه معرفة اسم بلد هذا الغریب، وهم كثر یأتون إلى السوق یحملون بضاعتهم بحرص شدید، سواء الأرض أو نتاج الماشیة، ً كانت نتاج یتحدث إلیهم دون الخوف من براثن الماضي، وعندما التقى صدفة بـ"بخیته" نظرات عینیها ًا، یطلب منها أن تعرض علیه بضاعتها المهتمة به، جعلته یقترب أكثر لعل هناك جدید رغم أنه لیس بحاجة إلیها. لم یدقق النظر في قطعة القماش السوداء التي بیده بل دقق النظر في وجهها الشاحب، رأى تقلبات أمشیریة حلت بها كأنها تخشى من أن ترقبها ً الأبصار وهى تتحدث إلیه، بدون مقدمات یسألها عن "راسیل" ا منها غیر أنها ، لم یجد جواب لملمت بضاعتها "ببؤجتها"، وأعلنت رحیلها في عجالة مهرولة. ا وحیدا یحدق في فراغ اللانهایة، لم یر الشاب الغجري الذي یقف بجواره ً ً ظل "المصري" واقف ً بین ُشبه مخبر لدى جهة أمنیة، فعاد یجرجر أذیال الخیبة نحو البیت، متنقلا ینظر إلیه، ی شوارع المدینة مر بمكان مغلق، عادت إلیه ذكراه الطیبة ویستحضر صوت النغمات الموسیقیة التي كان یطرب إلیها، هو وكبار الموظفین والبهوات والأعیان والأجانب، مكان
72 كان للخاصة یجتمعون فیه یتبادلون الحكایات عن انجازاتهم الجدیدة، على واجهة المكان لافتة من الرخام كساها التراب مكتوب علیها باللغة انجلیزیة Hammide Naga“ واصل السیر تتلقفه براثن الخوف ناقم ة ً "club ا على كل ما یراه، رفع بصره تجاه مدرس ًا مدرسة البرنس، اللافتة التي تغیرت لتحمل اسم "الثورة"، تعثرت قدمه في حفرة وسط ًا جدید الطریق، قام بسرعة نفض عن ملابسه ما تعلق بها وهو یلعن حظه العاثر، ظل یشاهد التغیرات التي طرأت على المدینة. لقد عقد النیة من الغد، سوف یبحث عن "سالمة" في السوق؛ فقد أصبحت تمارس العمل كحال نساء الغجر، تبیع بعض من السلع الخاصة بالبنات، تأتي بصحبتهن وكذلك تعود، ً من الرسائل، كانت بعضها مطمئن والبعض الآخر یزید الأمر وقد حملت إلیه بعضا ً غموضا، لكن ما زاد من توجسه أنها توقفت منذ فترة، وفي آخر لقاء بها حذرته أن أبصرها ُ لا یقترب منها ثلى للحدیث إلیه، ، وأن حملت إلیه رسالة جدیدة سوف تجد هي الطریقة الم أیض دون أن یرقبها أحد من شباب الغجر الذین أصبحوا عین "بلال" على "سالمة" ا ً . ًا، فحمل صنارته وذهب إلى النهر؛ لیمارس إحدى ًا مختلف في هذه اللیلة أراد أن یفعل شیئ الهویات القدیمة التي توقف عنها، جلس على ضفة النهر شرق القصر بعد أن مر بالحدیقة، التي تلف معظم نباتها بعد السیول، وتحولت إلى مكان عطن موطن للحشرات والأفاعي والفئران. رمى بالخیط في الماء الساكن، وطال الانتظار على أمل أن یتحرك خیط الصنارة لكن دون جدوى. ومع مرور الوقت هز العصا التي بیده یوهم نفسه بأنه المرة القادمة سوف تهتز من تلقاء نفسها، یؤمن بأن الحظ یحتاج ولو القلیل من دینامیكیة. لكنه انتبه على ید قویة تهز كتفة من الخلف، وبصوت أجش یطلب منه مغادرة المكان، تحت تهدید البندقیة التي یصوبها تجاهه، دهش من فعل الخفیر الجدید ذو وجهه العابس. طلب منه أن یدعه وشأنه، لكن الخفیر أصر على موقفه، أراد أن یعرفه بنفسه وأنه مستأجر ًا نحو بیته، زاد الخفیر إصرارا على موقفه، وقاطعه بحده بأنه یعرفه جیدا، هذا البیت مشیر
73 وأن "متولي" حكى عنه باستفاضة. عندما سمع اسم "متولي" فقد الأمل؛ فقام من مكانه یلملم أشیاءه كما لملمت "بخیته" الغجریة حاجتها بالسوق. عاد إلى غرفته ورغم سوء حالتها، لكن لا یجد مكان في العالم یسعه سواها، لا یدري ماذا یفعل غیر العودة إلى التحدیق في صورة راسیل؟!، ظل یتأملها وهى جالسة على مقعد أرجله ومسنده باللون الذهبي وكسوة قاعدته بالقطیفة الحمراء علیه ز خارف أشعة الشمس، و خلف المقعد ستائر بنفس لون كسوة المقعد، كما صورها بفستان أنیق یصل إلى ركبتیها، وشعرها منسدل على كتفیها ویحیط بوجهها المستدیر الذي تكسوه ابتسامة رقیقة، وبساقین مائلتین إلى ً وضم الكاحلین إلى بعضهما وهى تضع یدیها في حجرها، كان قد رسمها على الیسار قلیلا قطعة قماش "كأنفاس" الكتاني، یحادثها وتحادثه یتبادلان حكایات الماضي، بعد أن تیقن أن الواقع یرفضه ویرفض كل ما هو متعلق بالبرنس، إلا ممتلكاته ومقتنیاته؟! سمع دبیب أقدام بجوار شرفة غرفته، قام یستكشف المكان، لم ینتبه أن اللیل قد انتصف، وتعجب بأن اللیلة ًا حتى مقام الشیخ عمران یخلو من الزائرین، فكأن شدیدة الظلام، وجد كل شيء صامت الجمیع قد اتفق على ألا یقتربوا من بیت "المصري سعید". *** في الصباح "رشدي" على ظهر الجواد الذي تم شراؤه للتنقل، جاء زائرا "للمصري" یحمل هدایاه الكثیرة... وصدره مليء بحكایات عن القاهرة، یشعر بالغبطة لتلك الزیارة، یطرق على الباب عدة مرات لكن دون مجیب، ذهب إلى موظفي المصالح الحكومیة یسأل عنه، لكنهم أخبروه بأنهم لم یشاهدوه صباح الیوم، حیث كان یخرج كل یوم نحو السوق في ساعة بأنه دوم یتسكع في طرقات مدینة. "رشدي" ازداد ً الضحى، أحدهم قال بضیق وقرف ا یراه حیرة والقلق توغل داخل صدره، هل یعود؟ أم یظل في انتظاره؟!، عاد للطرق على الباب، وبإصرار على عدم العودة قبل أن یلتقي به، ظل یدور حول البیت وهو یراقب بعض المارة.
74 عاود الطرق على الباب، نظر � حوله وجد المكان خالیا، ضرب ضلفتي الباب بكتفه ففتحت على مصراعیها، دخل یجهر بصوته ینادي علیه یتفحص أركان البیت یتأفف من رائحة العطب الذي أزكم أنفه، إلى أن وصل إلى غرفة نومه فوجد بابها مفتوح . ًا كانت الغرفة مظلمة فتحسس الجدار نحو الشرفة الخشبیة عن یمینه، دفعها براحة یده لإضاءة وتهویة المكان، یتفحص الفوضى التي تحیط به من كل جانب، یستكشف الأشیاء المحطمة المبعثرة، عندما شاهد "المصري" ملقى على الأرض في أحد أركان الغرفة، ظل یلعن الخمر التي تجعل الإنسان كالدواب ینام في أي مكان. ظل یتفحصه وهو راقد أمام صورة "راسیل"، اقترب منه وهز جسده؛ لیوقظه ولكنه صرخ من هول المفاجئة فقد وجده جثة هامدة.
75 الجزء الثاني
76 "١" باشرت النیابة التحقیقات حول مقتل "المصري سعید"، اتفق الجمیع أثناء الإدلاء بالشهادة أن الفتى عاش آخر أیامه غامضا، كانت التحقیقات مثیرة للدهشة ً . العمدة عبید: اعترف بأن العلاقة لم تكن جیدة بینهما، وهذا الخلاف كان لتقویم سلوكه، رغم الوصول لطریق مسدود وتباین وجهات النظر، لكن القتیل في النهایة ابن عمه ومن لحمه ودمه، أضاف في أقواله بأن والده قد طلب منه أن یعود للعیش داخل بیته بالنجع؛ لنعود كما كنا أسرة واحدة قبل أن یعمل عمي عند البرنس، لكنه أصر على البقاء لوحده، لسوء تصرفاته من شرب الخمر وعلاقته بالنساء سیئات السمعة. لقد تربى داخل القصر فسلك سلوك صاحبه، والجمیع یعلم سلوك الإقطاعیین وما فعلوه بالعباد والبلاد، للأسف �ا منه، وأكمل الغفیر "متولي" كان شاهد عیان على هذا الأمر، فقد جاء ذات لیلة شاكی بعظمة مشیر : ًا لنفسه ُ - ب قد حاولت بكل ما أوتیت من قوة الصلح بینهما، كان سبب خلافه مع الخفیر أنه یس الثورة ورجالها، وكلما تحدث إلیه عن إحدى إنجازاتها تبرم بل سخر منها، یقول: هي انقلاب من بعض ضباط الجیش، ما كان على أن أعترف هذا الاعتراف، لكن أنا رجل ُ أمثل العدالة وهذا واجبي نحوها، شبه النبات الضار وسط النباتات الاقتصادیة ابن عمي ی یزاحمها على الماء والطعام والنهایة لا فائدة منه. ً الحاج مسعود: وهو یجفف دموعه بشاله الأبیض، قال: ا طیب ًا صالح ابن أخي كان شاب النفس، زاهد عض ًا في الدنیا، مثل شجرة الطریق البعض یقذفها بالحجر لیأكل ثمارها، والب � الآخر یستظل بظلها راضیا بهذا الظل، وأصحاب النفوذ یرغبون في اقتلاع جذورها لأنها ًا أبرهن له شجرة ضالة تعیق الحركة، كان بمثابة ابن لي، أحببته مثلهم؛ لكنني لم أفعل شیئ عن هذا الحب، لم أتعلم من أخطائي مع والده الذي افتدى العائلة كلها بعمله عند البرنس، وكان جزاءه السخریة والغمز واللمز، الجمیع شارك في الجریمة وأنا أول من أشار نحوه
77 ً، كحال شجرة الطریق، التي تثمر باستباحة دمه، ابن أخي أعطى الجمیع ولم ینتظر مقابلا دون رعایة. رشدي مسعود: تكلم بصوت وجسد مرتجف منذ أن رأى القتیل وصورته لم تفارق مخیلته: - كان بمثابة الأخ تربطني به صداقة قویة، لدیه أحلام جمیلة، أحلام طفل لا تحمل إلا ُصلح من حاله، لكن الأمر لم الخیر للجمیع، لا یعرف قلبه الحقد، نقي السریرة حاول أن ی یعد أكثر من أُمنیة داخل صدره، فلما وجد أن صلاح حالة فساد حال الآخرین؛ فعف النفس، حلم بالمدینة الفاضلة ولم یحاول أن یلج إلیها، عاش أخر أیامه كحیوان "النیص" یعشق اللیل والوحدة، إن مشى لا یسمع له صوت، ضعیف، مسالم، هو نیص منطو على ذاته، وللأسف مات دون أن یعلم بأن النیة الطیبة لا تكفي لتحقیق الأحلام. وقف فاغر ه، منكس الرأس ً عبداالله مسعود: ا فاه لانشغال المحقق ببعض الأوراق التي أمام : ً منكمشا غیر مستریح لجو المكتب، المحقق یحثه على قول شهادته، یشیر إلى نفسه ویقول ً - ا مثل عود القصب من الخارج ً طیب أنا أكثر الناس معرفة بطبیعة ابن عمي كان رجلا ً هذا الطیب صلب، ول . ُبه لین حلو المذاق، لا أدرى من صاحب القلب المتحجر الذي قتلا أخفى دمعة تحجرت في مقلتیه. ُلب حضوره في صباح الیوم التالي جاءت الشرطة بشهود جدد، وكل من ذكر اسمه أمس ط للمثول بین یدي المحقق، حضر العمدة تحقیقات الیوم التالي، جاء وبصحبته "متولي" الخفیر، ظل یوصیه طیلة الطریق بكلمات معینة یجب علیه قولها، قبل أن یختتم وصایاه قال كأنه یبرأ ذمته مما أملاه: - نحن نشهد بالحق..!! "متولي" هز رأسه مستجیبا لكلمات سیده: معلوم یا عمدة، الحق حبیب الرحمن!!
78 متولى الخفیر: تحدث باستفاضة عن القتیل، بین كل جملة وأخرى یقول: "لا تجوز علیه غیر الرحمة"، كأنه مات على معصیة وهو یستغفر له..!! أعاد كل ما جاء في شهادة العمدة وأضاف علیها الأتي: - لیلة السیول حاول التسلل إلى القصر، وعندما ضبطته ارتعشت أطرافة، واحتال بأنه یبحث عن مأوى، نهرته على هذا الفعل، فاشتبك معي وسبني بأقبح الشتائم، كانت حجته بأنني مهمل تركت بدروم القصر یتعرض للغرق، وظل یكیل لي التهم وا ى من جعلني ٕ ل ًا على القصر، ویتهم الجمیع بالجهل وعدم معرفة قیمة الأشیاء، لذلك ذهبت إلى عمه حارس شاكیا. ٕوالى الآن لم أتیقن من صدقه، هل تسلل لكي یحتمي؟! أم كان في نفسه شيء ما؟!!.. فقد سألني ذات مرة عن المكان الذي توجد به مقتنیات القصر؟!. ًا لتلك الشهادة كأنه اكتشف سر الحضارة ُسن و وضع یده على رأسه یح ضع اللبدة، مضیف الفرعونیة فقال: ُشبه التي بالقصر، وعندما سألته عنها؛ - إنه یخفي داخل بیته بعض الصور "لوحات" ت قال: إنه هو الذي رسمها بیده، وتیقنت من صدق كلامه لولا ذلك كنت أبلغت عنه الجهات ً المسئولة، إنني رجل شرطة من واجبي الحفاظ على ممتلكات الشعب..!! ا حاولت معه مرار ًا أن یعود لصوابه ویكف لسانه عن سب الثورة ورجالها، لكن كلما ذكرت بعض من وتكرار َّ انجازاتها تبرم وسخر منها..!! وامتدح البرنس والملك، كان مثل نبات ورد النیل یعیق جریان الماء ویستهلك منه الكثیر بلا فائدة...!! ً أما "راسیل" ا كشفته داخل غرفة ً، جاءت تضع على وجهها برقع الغجریة فكانت أكثرهم بكاء ا فضفاضا غیر مهندم علیها، تمسك بطرف الثوب لطوله، لونه ً ً ًا أسود التحقیق، ترتدي ثوب ً، كان بصحبتها "محمود ً على بشرتها البیضاء التي شقتها الحمرة قلیلا الأسود زادها جمالا الغجري" الذي ینتظرها بقلق خارج الغرفة یشعر بضیق من الحذاء لعدم اعتیاد قدمیه علیه،
79 جلس على الأرض الخراسانیة أمام المكتب، وبعد قلیل من الوقت أخرج كعب قدمه وضغط على كعب الحذاء جعله كأنه (شبشب). بدأت حدیثها مشیرة إلى القتیل بأنه حبیبها، فتعجب المحقق من جرأتها، لكن بعد قلیل ُشبه من یحتضر لا یملك إلا الصدق مع النفس والآخرین، واصلت بشفاه اكتشف أنها ت مختلجة: - كان یعطى بدون مقابل، یكرم الجاحد والصالح، یعشق الجمال ویتوق إلى مشاهدته، بل شغوف به یبحث عنه في كل شخص ومكان، یتجنب كل ما هو خبیث. طفل في التدلل، حلیم وقت الغضب، رقیق الإحساس، یعامل الناس بدوافعه هو ولیس برد فعلهم، وبعد أن ُ عاشرته لسنوات كان بمثابة شجرة السنط، كثیرة الظل عدیمة الثمار، كنت قانعة راضیة النفس بهذا الظل الذي تواطأت الدنیا كلها لحرماني منه! انعقد جبین المحقق من كلام الغجریة الم مر، فظلت ُبهم، حاول أن یطلب منها إیضاح الأ ًا مع كثرة البكاء والدموع المنهمرة كالشلال، تزیده من ألغازها، وزاد وجهها حمرة واحتقان تصر على موقفها: - إنه كشجرة السنط كثیرة الظل عدیمة الثمار. مال المحقق برأسه للخلف على كرسیه الدوار، تنهد في حیرة، یشعر بأنه أمام لغز كبیر ً رة الفرعونیة، الجریمة أكثر أنواع الجرائم غموض شبیه بألغاز معجزات الحضا ا وما جعلها غامضة ومحیرة، شهادة الشهود التي تتسم بالتناقض، یشعر بأنه یحقق في مقتل شخصین كلیهما عكس الآخر. لم تضف كثیر "محمود" و"بلال"، اللذین لم تخرج شهادتهما أكثر من مشاعر ًا شهادة شخصیة، وكذلك الخفر، شهادات تجیب عن بعض التساؤلات التي تحیط بالجریمة مثل: متى رأیته مرة آخر؟ م ! سلوكیاته؟! المأمور ورجال َن كان بصحبته؟ من كان یزوره؟ البولیس لم یجمعوا الأدلة الكافیة.
80 انتهت التحقیقات النتیجة بأن الفاعل المجهول، "رشدي" حزین یصوب سهام شكوكه في كل الاتجاهات لكن لم یصب الهدف، همس ما ألت إلیه نتیجة التحقیقات كان عن عمد. یشاركه هذا الشعور المحقق الذي حضر إلیه التقریر الطبي، وعندما انتهى من قراءته عقد جبینه، عاد مرة أخرى یقرأ نتیجة التحقیقات السابقة، همس نافذ الصبر، وعلى وجهه علامات الدهشة: - كلهم صادقون في شهادتهم، التي لا تعدو أكثر من مشاعر تجاه "المصري سعید"، لكن أقربهم إلیه وأصدقهم "راسیل" الغجریة.
81 ٢ مازال البیت الكبیر یعیش حالة من الحزن، النسوة والرجال في ملابس الحداد. جاءت تقدم العزاء، ظلت طوال الیوم جالسة بین النسوة اللاتي یحضرن أفواج قبل ً "بخیته" ا یصرخن أن یقتربن من البیت كأنهن إنذار سیارة إسعاف؛ لیعلم الجمیع بقدومهن. العجوز جالس بالمندرة یجفف دموعه التي لا تتوقف منذ الخبر؛ یشعر بأنه منح القاتل الفرصة لینفذ جریمته، عندما تخلى عنه وتركه یعیش وحید . ًا حضر "محمود" الغجري إلى المندرة یقدم العزاء، بحث عن العجوز الذي ولى عنه وجهه، ُ المقت منذ أن جاءه شاكیا، لاقتحام ی "المصري" حوش الغجر، فمنذ تلك اللیلة ولم ُكن له تطأ قدم ابن أخیه النجع، بدوره غیر الغجري الذي شعر بالإحراج قبلته نحو "عبید"، الذي شاهده الجمیع عاقد الجبین یأخذ العزاء بقدم ثابتة ومشاعر غیر واضحة. مر ت أیام العزاء بما تحمله من سخافات ومشاعر مزیفة، ورغم كثرة الأقاویل في الخفاء عن الحادث لكن أخرسها صمت أهل المیت المثیر للدهشة. الحزن داخل النفوس بدرجات متفاوتة، أكثرهم شعور "رشدي"، الذي سافر إلى ًا به العجوز و القاهرة وحمل معه بعضا من اللوحات، التي أخذها بع د دفن الجثة، لا یدري سر هذا ً الفعل؟! هل یحقق رغبة صاحبها في أن توضع داخل إحدى المعارض؟!، أم یخشى علیها من التحطیم؟! حمل مع اللوحات وحقائبه شعور عام بالسخط والمقت تجاه النجع. العمدة ُجة ملكیة بیت النجع والأرض الزراعیة وأوراق أخرى، بعد أن أذن له اختص نفسه بح المأمور بأخذ حاجات القتیل الخاصة، قبل وضع الشمع الأحمر على باب البیت. وبعد مرور أیام كثیرة وأحوال الناس لا تتوقف متقلبة بتقلب اللیل والنهار، لملمت صفحات ًا من الحزن، تجمع بعض الأفراد داخل المندرة ینصتون لجهاز الأیام المتعاقبة جزأ كبیر الرادیو، الموضوع على حامل خشبي مثبت على واجهة أحد الجدران في ساحة المندرة،
82 � یستمعون إلى بیان الرئیس في صمت لأن البلاد في حالة حرب، جاء الصوت شجیا من القلب: أیها المواطنون: السلام علیكم... أمس بدأت بریطانیا وفرنسا غارتها الجویة على القاهرة، وعلى منطقة القناة، وعلى وكان الغرض من هذا واضح ..الخ... ً الإسكندریة، ا؛ وبهذا اتضحت خطة العدو ً، وامتلأت ساحتها من الداخل والجمیع تجمع بعض من شباب ورجال القریة أمام المندرة لیلا ً تملأ صدروهم الحماسة، وشاع الخبر: ا، ووضعت بأن المواطنین سوف یحملون سلاح بعض الأسلحة داخل إحدى غرف المندرة، التي تم إحضارها من مركز الشرطة، للمساعدة المد . جهر العمدة یخطب في الجمیع بأن البلد في حالة ْنیة في ضبط الأمن في النجع حرب، وأشار إلیهم بأنكم جمیعا سمعتم خطاب الزعیم وهو یأمر بفتح مخازن الأسلحة، بأن كل مواطن هو مقاتل بالجیش، من یرید أخذ سلاح فعلیه التقدم لـ"متولي" لكتابة اسمه، وسوف تسلم لكم هذه الأسلحة على مسئولیتي لأني أثق بكم، وسوف نقسم بعضنا مجموعات تسمى الدوریات الزراعیة، ونعمل كمائن عند مداخل ومخارج النجع، أشار في نهایة خطابه نحو "عبداالله" أنه سوف یتولى قیادة الجمیع هو و"متولي" شیخ الخفر فهما ً من نائبان عنه أثناء قیام الدوریات بعملها، نرید أن یكون النجع خلال هذه الفترة خالیا الجرائم؛ لأن المأمور سوف یرفع التقاریر عن البلاد. ً أمام غرفة السلاح وقف "عبداالله" ا، ًا واحد ًا كم جلبابه یسلم الأسلحة، للذین یقفون صف مشمر اقترب منه "فرج" الطباخ لكي یأخذ دوره، رفع بصره إلیه یبتسم یداعبه: - حتى الذي ینام مثل القطط من المغرب سوف یحمل بندوقیة. ا وهو یمسك سلاحه یرفع فوهته إلى أعلى متفاخر. ضج الجمیع بالضحك، وابتسم "فرج" ً وبدأت حراسة القریة بعدد أربعة كمائن كل منها في جهة مختلفة ودوریات زراعیة تمر علیها، اثنتان على الجسر العمومي، واحدة من الجهة الشرقیة تراقب القادم من مدینة نجع
83 حمادي، وأخرى من الجهة الغربیة في أول النجع تراقب القادم من خط الجبل، وواحدة عند العصارة وهو مدخل ضیق للنجع للسائرین أو من یمتطي دابة، وآخر عند الوحدة المجمعة الكمائن الأمنیة طوال اللیل وهو ّظل الجدیدة التي لم یكتمل بناءها للآن. الوكیل یمر على یركب الفرس، خلفه "متولي" یمتطى دابته، لا یكف عن الثرثرة والحكایات عن الثورة ُظمى التي تحكم العالم، وأن ٕ نجازاتها وأن الجیش منصور بأذن االله، والحدیث عن القوة الع وا مصر أصبح لها شأن كبیر، وأن "أبو الغلابة" رجل من ظهر رجل جعل الغر ب كله یخضع له ویخشاه، وأنه سمع من المأمور بأن الحرب الدائرة في سیناء، والإسماعیلیة، وبورسعید، والسویس، هي حرب الكرامة والعزة. ساخر : ً همهم "عبداالله" ا منه - "من حقك یا مقطورة تقول أكتر من كدا.. ما أنت أخدتلك فدانین". ضحك یشیر بأن معظم أهل النجع استفادوا من تقسیم أرض "البرنس" وتأمیم ممتلكاته.. مازال "عبداالله" شاخص البصر یترصد أي غریب، ثم وجه فرسه صوب الطریق الخبیثة كما یطلق علیها، وهى طریق تحیطها المخاطر لكثرة الحوادث علیها، یترصد بها اللصوص.. ُتم. صوت "متولي" مرتجف یحذره بأن علیه العودة، عنده أطفال صغار یخشى علیهم من الی ولم ینتظر رد منه یلكز بطن الفرس، یشق الطریق المهمل الضیق المحاط بزراعات القصب، تحیطه أشجار النخیل من كل جانب، وبعض من نباتات البوص والحلفا، ممر ًا، یضع بندقیته على كتفة ُطرب ُظلم تنمو علیه حشائش النجیل، یتبختر، یهز رأسه م ضیق م یدندن بأغنیة شاعر الربابة جابر أبو حسین: بعد تمجیدي في جمال محمد أصغى لأشعاري عن رجال ملاح یقول الشجیع الزعیم رزق ابن نایل جور اللیالي والزمان فضاح
84 بص بعینه ابن نایل على المال كان عنده ستین سنة عداید شاف المال وعقله الذكي مال ّى أنوح عداید قال یجب عل تم عمل اجتماعات من المتعلمین داخل النجع، كان دورهم نشر التوعیة لدى المواطنین، ً، وعدم إنارة مصابیح الجاز والكیروسین قویة الشعلة، وعدم تتبع منها إظلام البیوت لیلا الشائعات المغرضة، فهي محاولة إیقاع بین القیادة والشعب، بأن تأمیم قناة السویس هو الذي جلب علیهم تلك المصائب، وأن القوى العظمى بریطانیا وفرنسا لن تبقي على النظام القائم. المأمور یزور "عبید" بصحبة وفد من قسم الشرطة، كان حدیثهم بأن هذه من المرات القلائل التي یتحرك فیها ضمیر العالم ضد قضیة أحد طرفیها عربي. المأمور یشید بدور العمدة: دوما كان عند ح . ُ - سن الظن به تحدث یتفاخر بما قدمه هو وأهل بلدته: - أعطیت الأوامر للعاملین بالعصارة لحمل السلاح، منذ خطاب الزعیم والعمل متوقف تمام حتى یوم السابع من نوفمبر، هذه الأیام مدفوعة الأجر من مالي الخاص، أنهى ًا، حدیثه: - بأن مصر أهم من العصارة.
85 ٣ جلس "محمود" الغجري أمام موقده، یكتوي بنارین: نار العمل، ونار الرعیة، فهو یحمل همومهم كأنهم أبناءه. فرغم أنه لم یرزق بأولاد لكن عوض عاطفة الأبوة نحو شباب وبنات ً. یواصل نفخ الكیر بجدیة، لكن رأسه الغجر؛ فیمد لهم ید المساعدة دون أن ینتظر مقابلا مزدحم بأمور عدة، تقترب منه الزوجة التي تطلب منه أن یضع عنها ما تحمله على رأسها، جلست تشعر بتعب شدید تجفف العرق على جبینها بطرف حبرتها، بعد صمت دام لهنیهة، نظر إلیها وجدها شاردة، طلب منها الإفصاح عن ما یدور داخل رأسها، نظرت إلیه بوجه جامد الملامح یدل على حیرتها ثم أشارت نحوه تسأله: - ماذا ستفعل بعدما حدث؟! انعقد جبینه یطلب منها أن تفصح أكثر. همهمت في شيء من الفتور والقلق، وبوجه جامد الملامح: - موقف "بلال" من "راسیل"، الذي یواصل إلحاحه، منذ أیام طلب مني أن أتحدث إلیك للبت في أمر زواجه، لقد مل المماطلة، كان یرید الحدیث معك، لكنني طلبت منه أن ینتظر، إلى أن أعود إلیه بالرد من كبیر الغجر، الرد الذي یثلج صدره. قالتها ونظرت نحو خیمة "بلال" القریبة منها. ًا لا ًا عمیق ً یشعر باستیاء مما سمع، یزفر نفس توقف الرجل عن العمل، رفع حاجبیه مستنكرا یدري ماذا یفعل مع هذا المعتوه؟! قال في حزم: لن یستریح قبل أن یكون سبب في قتل أحد الغجر، وعندها ستحضر إلینا الشرطة ً - "بلال" ا ُجة للنیل منا والتنكیل بنا، لم أنس كلمات المأمور تقتادنا إلى السجن، وهى تبحث عن ح عنا: بأن كل جریمة تحدث داخل المدینة أو القرى المحیطة أول ما تأخذه شكوكه بأن الغجر هم مرتكبوها، وهو فتى یحمل الشر أینما ذهب، وأنا على یقین أن النصیحة غیر �ا: مجدیة معه. ثم أردف متحدی
86 لن أسمح له بالزواج من غجریة رغم أنفها، هذا الأمر إن تم ی . ٌ - عد وصمة عار في حقي ثم تنهد یأسف على حال الغجر: لقد اتخذت بنات الغجر جمیعهن بناتي، كیف ی !! ُ - غصب الأب بناته على الزواج؟ ثم واصل نفخ الكیر بقوة، حتى تطایر الشرر من داخل الموقد، وألسنة اللهب تتصاعد � ً ا لبعض الوقت، ممسكا طرفه بخرقة مبتلة، یخرجه من بطنها یغرس بداخلها سیخا حدیدی ً ًا داخل ًا، یطرق علیه في یأس بمطرقة كبیرة بیمناه، یلهث بأنفاس متلاحقة یطرد جحیم محمر صدره تراكم عبر سنوات متعاقبة، یكف عن الطر ق على قطعة الحدید المتقدة، یرفع رأسه یراقب الخیام المتراصة بجوار بعضها، مبعثرة كأنها حصى منثور، یراقب بعض الصبیة یلعبون عراة أمام صنبور الماء، یتراشقون بالمیاه والكلمات ویتبادلون الضحكات، والنساء ،ً كل وحدة منهن تقوم بعملها دون كلل أو ملل، والرجال بعضهم یجلس أمام خیمته خاملا وبعض الكلاب راقدة على أرض طینیة ممددة أرجلها، ومن خلفها حمار یبحث عن طعام ً من خشاش الأرض. ا یطارده شعور الغربة، یخشى أن تلفظه الدروب كبیر الغجر دوم والحواري من جدید، یعرج إلى الطرقات تتعثر خطاه، ینال منه التعب، یلهث خلف ومیض مدینة جدیدة، هو رجل تقدم به العمر، فلم تعد صحته تعینه على الترحال، یدور برأسه في ً كل اتجاه كأنه یستكشف المكان، أو كالباحث عن ضالته متجاهلا وجود زوجته التي ظلت أسیرة للصمت. ثم هزت رأسها في تبرم، تراقب وجهه، تنظر إلى الأرض تعبث بطرف أصابعها بالتراب، كأنها ضاربة الودع، مستاءة من رد زوجها غیر المطمئن: - إن أمرك عجیب! إذا لم یتزوجها "بلال" هل سترفع رایات العزة والشرف؟!، على العكس سوف یلحق بنا العار جمیع . ًا، ویشیع الخبر بین الناس بأن بنات الغجر أصابهن التمرد لملمت أطراف حبرتها ثم قامت من جلستها في تحد كبیر، تحمل بین ذراعیها بضاعتها ً، رماها بنظرات امتعاض، ٍ الثقیلة، تخطو صوب خیمتها بقدم مرتعشة، وظهر منحن قلیلا
87 فهو یعلم جید "بلال"، سمعها تخاطب نفسها ًا مكر زوجته، یخاف حماقتها أكثر من تهور في سخط شدید: - المرأة المتمردة لا تخضعها إلا امرأة مثلها! مرت أیام الحرب والغجر منشغلون بحربهم الداخلیة والصراع على لقمة العیش، ولأنهم عالم مستقل بذاته تحكمه قوانین خاصة؛ یحافظون باستماته على السور الذي ظلوا سنوات یبنونه حولهم، ولا یسمحون لغریب عن عالمهم باختراقه. الألسن لا تتوقف عن تتبع كل ما هو جدید، في الحكایة التي صارت حدیث الغجر، إصرار "بلال" على الزواج من "راسیل"، التي لازالت حزینة صامتة منذ العودة من النیابة، لم تغادر خیمة الهوانم، ملقاة على سریرها، ً، تنهش الأحزان من عافیتها دون رحمة، تهمس باسم الحبیب وتجز صار جسدها هزیلا على أسنانها، حتى لا یسمع أحد بكائها، لأنهم برحیله لم یجدوا لها حجة لرفض الزواج. بدأ الكلام یتناثر بین الخیام أن سبب رفضها الزواج من "بلال" وجود عیب بها، فربما فقدت عذریتها. جهرت بصوتها ذات یوم باكیة، بعد أن نالت منها الألسنة كل منال صرخت وسط جمع منهم: - كلكم تجهلون حقیقة الأمر! هو كشجرة السنط كثیر الظل عدیم الثمار! سخروا منها، وقالوا عنها أصابها الهذیان برحیله، أو أنها تدعي الجنون وهذه حیلة بلهاء لن تفلح في إیجاد الحجة الم . ُقنعة وداخل خیمتها تفتح صندوق خزانتها الخشبي، تعبث بأشیائها المتراصة، تعثر على بعض هدایا الحبیب الراحل، تضعها على أنفها تشمها بقوة، یعاودها البكاء مرة أخرى، یختلط الواقع بالخیال تحضر المرآة تنظر إلى وجهها الشاحب، تمشط شعرها وتضع علیه مادة زیتیة، وتتزین لحبیبها القادم، ترسم طریقهما المحاط بالشموع والورود نحو النهر، یتبختران في حدیقة قصر السلاملك، یتهامسان بأجمل العبارات، ممزوجة بعطر أنفاسهما، یعانقها ً یسمع دقات قلبها، كل دقة تنطق باسمه، یأخذ بیدها نحو درج القصر. ًا ط عناق ویلا
88 یتوقفان على صوت الخفیر یطلب منهما التوقف، یصوب البندقیة نحوهما، یأمرهما بصوت أجش بأن یعودا من حیث جاءا، یهددهما بصوت مليء بالقسوة، ینعت "المصري" بأنه شیطان ابن شیطان. المصري یصر على الدخول نحو القصر، یجهر بصوته بأنه لا توجد قوة على وجه الأرض تستطیع منعه، هذا القصر هو إرثه، لا یهتم بالسباب ویواصل الصعود، صوت رصاصة تخترق جسده من الخلف. ینتفض جسد "راسیل" وهى تصرخ، شيء یهز كتفها، تفتح عینیها یعیدها لواقعها صوت "سالمة" أختها، فقد عادت تحمل الطعام، بعد رحلة عبر سوق المدینة تضع بضاعتها داخل قفة مضفرة من سعف النخیل، تغطیها بقطعة قماش كبیرة، تذهب كل صباح لا تعود إلا في المساء، كحال كل نساء الغجر یبحثن عن الرزق، جلست مكفهرة الوجه صامتة، فصدرها ضاق من هذا التحایل على لقمة العیش، تسأل: متى ینتهي هذا ً العذاب؟! ا عن سهم النظرات إنها ترید أن ترحل دون رجعة، ألیس من حقها العیش بعید التي تمزق جسدها؟!. ومتى تتخلص من هذا التلاسن كلما وطأت قدماها الطریق؟!. تقترب "راسیل" منها تربت بیدها على كتفها، تترفق بحالها یبدو أنها واجهت الیوم ما یجعلها ً تبث شكواها، وهي منذ ا تتساقط على الصغر قلیلة الشكوى، تمسح بطرف أصابعها دموع ً علیها، ومن الغد سوف تشاركها البیع ًا ثقیلا خدها، تلوم على نفسها أنها أصبحت عبئ والشراء، لا فائدة من البقاء داخل هذه الخیمة، اجترار الأحزان لن یعید من رحل. أشارت "سالمة" باكیة، بأن الذنب لیس ذنبها، بل تشعر بأن الجمیع یتربصون بهما، لأنهما ًا من دون عائل، إنها ستتزوج بأول شخص یطلب یدها، حتى لو كان هذا العریس وضیع و . ترتمي في حضن أختها تواصلان البكاء المریر. ُضعاء القوم
89 ٤ مرت الأیام سریعة متقلبة، عادت "فاطمة" إلى بیت والدها ولكنها لیست ككل مرة فقد كانت تأتي زائرة معززة مكرمة، ولكنها الیوم جاءت عبر الجسر، تحاول أن تختفي داخل البردة السوداء التي تدثر بها جسدها، جالسة داخل الحنطور الذي یقوده أحد الخفراء یلهب ظهر الحصان بالسیاط، یقطع الطریق بلا توقف نحو البیت الكبیر، تنظر إلى الشارع، تشتاق إلى المكان الذي قضت فیه طفولتها البریئة، تعاودها الذكریات تشعر بطعمها كأنها قطعة حلوى تذوب فى فمها، تشخص ببصرها نحو مشاهد تمر أمامها بسرعة كأنها آلة عرض. تتذكر ْ یوم أن كانت تخرج خلف عمها "رشدي" اب، تطلب منه أن یصطحبها وهو ذاهب للكت "الكرامیل" ثم یعود بها إلى "فرحانة"، التي ً فیحملها ضاحكا نحو البقال، یبتاع لها حلوى تلومها على فعلتها، كانت "فاطمة" أول حفیدة بالبیت، نالت حظها من التدلیل، یسقط طرف البردة یكشف عن وجهها، تلملم أطرافه، وتلملم معه أحزانها التي أثقلت جسدها. ظلت "فاطمة" تمارس طقوسها داخل البیت دون خلل، مساعدة أمها وزوجة عمها في الأعمال الیومیة، داخل غرفة مغلقة همهمت لوالدتها وهى تكفكف دموعها لقد طفح الكیل، ُعامل معاملة سیئة داخل بیت زوجها، كأنها خادمة للجمیع یثقلونها بهموم لتأخر أنها ت حملها. ردت علیها أمها بصوت متحشرج تعلن رفضها لهذا الموقف، وتكیل لها التهم، فهي سبب كل المشاكل؛ لأنها عنیدة مثل أبیها، وأخفت على الجمیع أثناء العشاء، السبب ً الحقیقي لعودة ابنتها. لم تجد "فاطمة" ا غیر أن تبتلع لسانها داخل حلقها، تشعر بمرارة ُد ب الشكوى لا تزیدها إلا هم "فرج" لا زالت ْ الظلم البین، لأن ا، رغم سنوات مرت لكن صورة تراود مخیلتها. وضعت "عوالي" و"فرحانة" أربعة أطباق من كل صنف على المائدة كما هي العادة، الحفید "مسعود" خلف مكان عمه، وانتقل إلى مجالسة الرجال أثناء تناول العشاء، فهو الآن في المدرسة الثانویة، یواصل نجاحه.
90 اللیلة بعد العشاء، یستعد العجوز للقیام نحو غرفته، لم تعد صحته تعینه على الجلوس "رشدي" على التلیفون، یرید أن یتحدث إلیه رغم أنه ً طویلا، ویتمنى أن یبلغه أحد بأن یحادثه كل یوم جمعة، وظلت هذه المحادثة طاقة نور تمد العجوز بالقدرة على المواصلة، طلب منه "عبداالله الوكیل" البقاء بعض الوقت فهو یرید الحدیث في أمر مهم أثناء وجوده - ل "الوكیل" للدور الذي یقوم به داخل العصارة، ینوب عن أخیه، الذي إذا ذهب إلى ُقب بـ مكان ما، یوصیه بأن یقوم بالأعمال التالیة، وعندما یحضر "ألفونس" القباني ولم یجد سوى وا احتدم الخلاف على شيء ما في الأسعار أو المیزان یجهر بصوته: "أنا هنا ٕ "عبداالله". ذا وكیل بنفذ كلام عبید"، ومن هنا أطلق علیه لقب الوكیل. اللیلة غاضب من تصرف العمدة منذ أیام، ولم یعلم به إلا في نهار الیوم، وهو نقل حیازة �ا، فكیف له أن یفعل هذا الأمر دون أرض "المصري سعید" على اسمه. وواجه أخاه متحدی ً أخذ مشورته؟!! ا بها نحوه، یقسم ویبرر موقفه ضاق صدر العمدة فأخرج بطاقة الحیازة مشیر بأن هذه البطاقة لا تعني شیئا، بل هي لإخراج سماد الكیماوي من الجمعیة الزراعیة ولتسهیل بعض الإجراءات، ثم مد یده بها إلیه: "خد اقرأ" وهو یعلم أنه لا یجید القراءة. قرأ ً بصوت مرتفع ما كتب على ظهرها: " ا للملكیة أو لمشروعیة لا تعتبر هذه البطاقة سند الحیازة وذلك ما لم تكن مستندة إلى سندات صحیحة ناقلة للملكیة أو مثبتة لحق الانتفاع أو ا الإیجار على الوجه المقرر قانون ". ً یشیر إلیه بعصبیة وتلعثم في الحدیث: - هذا لا یعنیني فما أعرفه هو شيء واحد، یجب علیك أخذ مشورتنا قبل الإقدام على هذه الخطوة. حاول أن یمتص غضب أخیه الذي تزداد حدته كلما تحدث، الجمیع یراقبون ما یحدث في صمت، و"متولي" المتواجد بالمندرة وصل إلیه الحدیث الدائر في غرفة الطعام التي تقع خلف المندرة مباشرة، ظل یسترق السمع وبوجه قلق بشأن ما یحدث؛ فهو صاحب الوشایة
91 لفرج الطباخ، الذي أبلغ "الوكیل" بما حدث، ینتهي الجدل الطویل دون الوصول إلى حل یرضي الجمیع، كعادة كل الأحداث الأخیرة التي اختلفت فیها الرؤى بینهما. هكذا صار العمل داخل العصارة والبیت الكبیر، المسافات تتسع للبعض، وتضیق على آخرین، لكن لابد من مسایرتها، هذه السیاسة المتبعة من "عبید" فى التعامل مع أخیه وعناده ومكابرته، لأنه لا یرید أن یخسره، ولا یرید أن یجعل من نفسه مادة للقیل والقال، فكان ینسحب قبل حدوث تصادم مباشر، یفعل هذا الأمر بحرفیة السیاسیین وبأقل الخسائر، یرسل ما یریده مع أحد العاملین، وأحیانا یبلغ والده برغبته، التي ینقلها العجوز بأمانة حتى لا تحدث مشاكل، وظل یتبع هذا الأسلوب یحافظ على أعمدة المعبد بقدر الإمكان، رغم سلطته التي فرضها على الجمیع داخل النجع لكن توقفت عند "عبداالله"، الذي لا یهتم بشيء سو ى ما ًا، فیسعى لتحقیقه، بل ظل یبحث عن الأشیاء التي تثیر حفیظته ویفعلها في یراه صحیح العلن. ذات یوم وهو یجلس بالمندرة أبصر "صقاو" المعتوه یمر بالشارع، خرج خلفه وطلب منه الدخول للمندرة وأجلسه على إحدى الأرائك وظل یمازحه، وسط ابتسامات من الجالسین، طلب من "عوالي" أن تجهز مائدة طعام، وجلس الاثنان وسط ساحة المندرة. یشیر "صقاو" نحو "عبداالله" یحادث العجوز المبتسم وهو یتعتع: "حـ حـ حاج الواد دا زین"، ثم أشار نحو ً العمدة: "حـ حـ حاج الواد دا أوف" ا منه، ضحك العجوز، قام وهو یضع یده على أنفه متأفف "عبید" یشعر بالحرج من كلمات المعتوه، لا یرید أن یدخل معه في مهاترات كعهده السابق، فانصرف وهو یكتم غضبه، یدخل من الباب الداخلي للمندرة فالتقى "فرحانة" التي استفسرت منه: - إلى أین ذاهب؟ هل هناك ما یمكن أن أقضیه لك؟! أجاب بعصبیة مفرطة: ذاهب في ستین ألف داهیة!
92 واصل خطواته نحو باب بیته، وزوجته تسمع صوت الضحكات ترتفع في صفاء من داخل ا المندرة، بعد رحیل زوجها غاضب . دخل "متولي" الخفیر لیبدأ المزاح معهم دون تحفظ. ً *** مرت الأیام ولم یسمع أحد رنین الهاتف، لم یتواصل "رشدي" مع أحد؛ فدب القلق في صدر والده، الذي انتظر یوم الجمعة بالمندرة أكبر وقت، فمكث بها إلى بعد صلاة العشاء حتى ًا، كان كطفل صغیر ً، یستعطف التلیفون أن یصدر رنین وصلت الساعة الحادیة عشر لیلا یشتاق إلى عودة والده بهدیة عزیزة. وفي الیوم التالي جلس بمكانه المعتاد ساكن، تتلقفه مخالب الخوف، وكعادة الآباء عندما تخیب ظنونهم أول ما یرد بخاطرهم الظنون السیئة، ً یفكر فیما حدث لـ"رشدي" ا، كل ألوان ًا، أو مصاب ً ، لا بد أنه في خطر، مریضا، أو حبیس الابتلاءات تمر في مخیلته، والهواجس ظلت تملئ صدره حتى انطبعت على وجهه فبدا ا ً عابس . ًا حزین ً لأمر ما، جهز له "متولي" الحنطور، فوثب مر علیه "عبید" برأس مشغول وخرج متعجلا على المقعد الخلفي وهو یتحامل على عصاه المعقوفة، دون أن یهتم أو یسأل العجوز عن ً حاله؛ الذي مرت علیه "فرحانة" ا، ولكنه طالبها بالجلوس ًا أو شراب فسألته إن كان یرید طعام ً بجواره على نفس ا من دخول غریب، الأریكة، بدت قلقة، وعیناها على باب المندرة خوف فجلست بالقرب من الباب الداخلي للبیت، وبعد صمت دام لهنیهة أخذ العجوز یتفحص وجهها وقال في صوت یحمل الأسى: ً - ا ما أخبار فاطمة مع زوجها؟ هذه الزیارة أشعر بأنها لیست ككل مرة، یبدو أن هناك أمر في الخفاء. أنعقد جبین "فرحانة" وتحدثت في ضیق:
93 - البنت تعاني سوء المعاملة، وكلما بثت شكواها لي نهرتها وطلبت منها الصمت، أعلم أنني أقسو علیها لكن هذا لمصلحتها، أخشى أن تفشل في تلك الزیجة، ثم رفعت وجهها نحو السماء وقالت: االله یسامح من كان سبب "فرج" الطباخ كان یتمنى التراب الذي تمشي علیه. ً - ا، صبت جام غضبها على حماة ابنتها، التي تحرض ابنها على زوجته، وصفتها بأنها سیدة سیئة الخلق، أنهت حدیثها بأن زوجها ذهب إلیهم لیتحقق من شكوى ابنته؛ ولیضع حدا لهذه المهزلة غیر الأخلاقیة، وعادت تكیل للمرأة الشتائم لأنها تعایر ابنتها بأنها للآن لم تنجب لها الحفید الذي تنتظره. ً زادت هذه الشكوى من هموم العجوز؛ فجلس مكانه بلا حركة ممسكا بطرف عصاه بین الحین والآخر یضرب بها الأرض، لا یملك وسیلة للتعبیر عن اعتراضه غیرها. *** ضاق صدر "عبید" من كثرة حدیث "العمدة حسان" والثرثرة الفارغة، والذي لم یمنحه الفرصة للحدیث حول ما جاء من أجله؛ ففهم أن الأمر عن قصد، لكنه انتهز الفرصة عندما صمت "حسان" بدخول الخفیر بفنجاني القهوة وضعهما وخرج، فسأله عن ابنته "فاطمة" التي عادت إلیه منذ أیام غاضبة، ولم یحضر من یسأل عنها..!!. هز الرجل رأسه وصمت لهنیة، یحاول أن یمتص غضبة وقال في هدوء: - الخلافات الزوجیة واردة بین كل الأزواج. ثم واصل حدیثه كأنه یتنصل من الأمر، بأنه لم یتحدث إلى ولده "یوسف"، ولم یعرف أبعاد الموضوع، وأنهى جملة حدیثة بطلب إرجاء الحدیث في هذا الأمر؛ حتى یسمعان خطاب فصمت الضیف متبرم ت الرادیو وفكره مشغول، یلمح بطرف عینه ً الرئیس. ا ینصت لصو ًا بجوار الحنطور أمام المندرة، یهش الذباب، یستمتع بشمس الشتاء، متولي الخفیر جالس
94 یراقب المارة، یتناول ما ق . أشاح بوجهه المكفهر، یسترق السمع لخطاب ُدم له من مشروب الزعیم هو والعمدة "حسان". "ولقد انتهت محادثاتنا إلى إعلان � الوحدة رسمیا، وتوقیع هذا الإعلان في یوم السبت الأول من فبرایر سنة ١٩٥٨م، وقد أودع هذا الإعلان التاریخي في مكتب مجلسكم، وكانت النتیجة الكبرى له هي توحید مصر وسوریا في دولة واحدة؛ اسمها الجمهوریة العربیة المتحدة.. الخ" جاء اللیل ولم یحضر "عبید" والعجوز ماز ال ینتظر رنین التلیفون، عاد "عبداالله" من العمل ً في مكانه على نفس الأریكة، تبادلا الكلمات المختصرة، طلب منه الوالد وجد والده جالسا الجلوس بجواره، وحكى له عن ذهاب أخیه لصهره لیتقصى حقیقة ما حدث مع "فاطمة". هز رأسه یلقى باللوم علیه بسبب هذه الزیجة. نظر العجوز نحو باب المندرة و قد بدأ صبره في النفاد همس وكأنه یحدث نفسه: - یجب البحث عن حلول! "رشدي" الذي لم ً وكالعادة لم یجد حلا عنده سوى الصمت، ثم تبادلا كلمات مقتضبة عن یتصل. بعد دقائق صرخ الوكیل في زوجته التي تأخرت في إعداد العشاء؛ لأنه یشعر بالجوع. قالت تبرر موقفها: "فرحانة" طلبت مني انتظار عودة العمدة! زاد غضبه وهو یجهر بصوته: "نموت من الجوع علشان خاطر هو مش موجود" ثم واصل كلماته: - الطعام كثیر وعندما یعود یأكل! ثم نظر إلى والده كأنه یبرر له ما حدث منه، بأنه یشعر بالجوع ولا یستطیع الانتظار أكثر من ذلك، فهز العجوز رأسه وهو یقوم من مكانه یتوكأ على عصاه، أخرج ساعته المعلقة
95 ً، فقد الأمل في الاتصال، بسلسلة داخل جیب صنع خصیصا لها وجدها الحادیة عشرة لیلا ُ واصل خطواته ببطء شدید. "عبداالله" قطب جبینه وهو یخلع عنه حذاءه الضخم لتهویة قدمیه، یمسك كل فردة یضربها على الأرض الأسمنتیة عدة مرات للتنظیف. دخلت علیه "عوالي" تحمل خوان دائري علیه طعام، حذرها بقوة بألا تتأخر علیه في أمر ما یطلبه، قالت تدافع عن نفسها: ً لا تتناول الطعام إلا في حضور ه! - ماذا حدث؟!! دوما ً بامتعاض شدید وهو یقسم رغیف الخبز لنصفین: ثم همسا وناس تتقن ". ْ ناس تتم دل، دا شقى مخفي یاولاد ْ - " نظر *** ٕ ورغم محاولة تهرب "حسان" بقاء الحوار حول السیاسة، بعد خطاب الزعیم كان الحدث وا جلل، مع ذلك لیس له أهمیة لـ"عبید" بقدر السبب الذي حمله على الزیارة، خلت المندرة علیهما، وكان أمر الخلوة رغبة أبداها الضیف، وظل یكیل التهم إلى صهره "یوسف" الذي یتعامل مع ابنته دون أخلاق، كیف یسمح لنفسه إعطاء الفرصة لغیره أن یفعل ذلك؟! یسقط ً الكلام على زوجة العمدة. ا صهره إن كان لا یریدها؛ فلیفعل كما فعل في سابق عهده محذر عندما جاء یرجوه أن یزوجها له، فإن كانت ابنته مخطئة فسیحاسبها، وأن كانت غیر ذلك ا ً لن یترك حقها یضیع هباء . ظل محتقن الوجه حاد النظرات یتحدث بلغة حادة، إن ً منثور قدومه الیوم لیس عیب : ًا، ثم غیر نبرته وتكلم بلغة تحمل عاطفة أبویة - ٕ جئت إلى هنا بقلب الأب، والى الآن أعتبر أننا أهل، بل یجب علینا المحافظة على تلك العلاقة الأسریة! أیقن أن دفة شراعه تبحر في الاتجاه الصحیح.
96 ً ظل "حسان" ا، بأن ابنه أخطأ، بل عندما یعود ًا، ثم ابتلع ریقه وهز رأسه مستجیب صامت سوف یعاتبه على كل ما بدر منه في حق "فاطمة" التي یعتبرها بمثابة ابنته وقال في ابتسامة مصطنعة: - نأتي إلیك الجمعة القادمة في المندرة لیعتذر لك ولزوجته، هذه أصول ولن یستطیع أحد أن یتعداها! مرت الجلسة بسلام لم یر وجه صهره "یوسف"، الذي ساق والده الحجج بأنه لو علم بمجیئه الیوم لكان في شرف استقباله، لقد ذهب إلى مدینة نجع حمادي لأمر مهم یتعلق ببعض الشئون الخاصة بأعمالهم. عاد یزف الخبر إلى "فرحانة"، بأن "یوسف" سوف یأتي هو ووالده یعتذران، عما حدث في حق ابنته، ظل یحكي لها كیف عاتبهم عتاب ! وكیف عدد أخطائهم؟! حتى ًا شدید اللهجة؟ اعترف الرجل بأن ابنه مخطئ. لكن صدمته "فرحانة" التي لم یسعدها الخبر ونقلت إلیه بأن ابنته لا ترید العودة مرة أخرى لبیت زوجها. ً تغیر لونه وظهر وجهه باهت الملامح عندما سمع هذه الكلمات، علا صوته غاضبا ا مهد : ِد - ِ ابنتك لن تستریح إلا بعد أن تخرب بیتها بیدها، فعلیك أن تنصحیها أن تعود لصوابها، وأن لم تعد سوف أجبرها على ذلك وهذا آخر الحلول. ظل یتحدث بفظاظة عن ابنته وما كان منها: - هي الس ً بب فیما یحدث؛ لأنها لم تستطع منذ البدایة أن تضع حدا لهذه المهازل، إن ًا في صفها، إن كان على المرأة العاقلة هي التي تمتلك زمام الأمور، وأن تبقى زوجها دوم ً أمر الإنجاب فلیس لها ید فیه، لذلك لم أذكره أمام "حسان" ا، إن ًا مناسب ، لأنني لا أملك رد أراد "یوسف" الزو اج؛ فلیفعل لا أستطیع أن أمنعه حقه. ضربت "فرحانة" صدرها بیدها وقالت فیما یشبه الندب:
97 - هل ستوافق أن یتزوج علیها ویحضر لها ضرة. *** جاءت اللیلة الموعودة "عبید" طلب من زوجته في ظهر الیوم إعداد مأدبة عشاء، ولا ترسل الطعام إلا عندما ی مرسال مع "متولي"، هذا الكلام زاد من قلق "فرحانة" التي ُرسل إلیها تعرف زوجها جید "حسان" وولده. ًا، یبدو أنه لا یثق في عاد "عبداالله" من العمل أخذ حمامه قبل الذهاب للمندرة، یجلس داخل بیته یشعر بصداع طلب من زوجته إعداد كوب شاي قبل الخروج، التى أخبرته بأن العمدة "حسان" و"یوسف" سوف یحضران اللیلة لمصالحة "فاطمة"، هز رأسه دون اهتمام، تواصل الزوجة قص ما تعرفه عن هذا الأمر، یأتیه صوت "جابر" ابنه الذي التحق بالمدرسة الابتدائیة هذا العام، ّ وهو یجهر بصوت مرتفع بالنشید المدرسي: أمـــي أمـي ما أغلاها هي في عیني ما أحلاها هي في قلبي لا أنساها أنا أرضیها أنا أهواها بعد هنیهة تقترب "عوالي" من زوجها تجده یضحك یمازحها: "سامعه الواد بیقول إیه؟. ینعقد جبینها تستفسر منه عن مقصده، ظل یرتشف رشفات متواصلة من كوبه إلى انتهى منه ً إلى ابنه: "أمي ما أحلاها.. بسرعة كالمعتاد، یقوم من مكانه یتكلم بصوت مرتفع مشیرا باین یا ولدي اللي كتبلك الكلام دا مشافش أمك"، تبتسم "عوالي" من كلماته، تفهم مقصده ید هي و"جابر" لشأنهما وعلیه الذهاب لحال سبیله، یواصل مزاحه وهو ْ تطلب منه أن عها یتوجه صوب المندرة یردد: "أمي أمي ما أحلالها"، ثم یقهقه حتى بانت نواجذه. جلس بجوار والده بوجه لا ینم على خیر، فهو یتوجس من عودة "فاطمة" لبیت زوجها فقال في صوت واضح:
98 ً ً قاسیا - هذا الولد غیر أمین علیها، والبنت لا تجد راحتها في بیته، فعلیك أن تلقنهم درسا قبل عودتها، حتى لا یتكرر هذا الحدث؛ فالبنت لا ترید العودة فلا تغصبها، بل حاول أن تؤمن لها بقاءها هناك، ولو حدث لها مكروه مرة أخرى لن أترك هذا الولد دون حساب! أتمنى آلا تعود غاضبة مرة أخرى، وكان علیك ألا تذهب إلیهم، فلو كان زوجها في احتیاج إلیها لجاء من تلقاء نفسه..!! ابنتنا غالیة والشيء الغالي لا یدلل علیه! هذه الكلمات أمن علیها العجوز، فصمت الجمیع كل منهم داخل رأسه ما یشغله. بهت وجه "عبید"، شعر بالتقصیر في حق ابنته، یتمنى في سریرته بأن یدخل "متولي" ًا یخبره بأن الضیوف قد حضروا، ثم هز رأسه بأنه سوف كالعادة من باب المندرة مندفع یفعل ذلك الأمر، وطلب منه بصوت أقرب للرجاء بألا یتدخل في هذا الشأن، ظل یقص ً علیهما ما حدث منه أمس داخل مندرة العمدة "حسان" ا شدید اللهجة، إنه ، وأنه حذره تحذیر یخاف على ابنته، ولا یرید العناد، إنه یتعامل بالحكمة. شابت عودة "فاطمة" إلى بیت زوجها، تناقضات كثیرة بین مؤید ومعارض، وفى تلك اللیلة ح "فاطمة" داخل حنطور العمدة "حسان"، ودعتها كل من "فرحانة" و"عوالي" بالدموع، ُملت وتهامس علیها النسوة من خلف الأبواب، بین متعاطفة وشامتة، أما "فاطمة" فتشعر بأن الدنیا تتحالف ضدها، أخفت دموعها عن والدها الذي جلس داخل المندرة لم یكرر كلام أمس لـ"یوسف" بل حذره أمام والده بقوة، ألا یهین ابنته وأنها إذا جاءت المرة القادمة شاكیة سوف یتعامل معه بقسوة، أشاح "یوسف" بوجهه في الاتجاه الآخر ولم یرد. ، فصمت وواصل كتم غضبه، تیقنا بأن الولد جاء مجبرا ولم یأت ضاق صدر "عبداالله" ً راغب "متولي" مأدبة العشاء، دخل إلى ً ً ا في زوجته، فقام تاركا جلسة الرجال عندما أحضر البیت بحث عن "فاطمة"، طلب منها في حزم علیها تحقیق رغبة والدها، إن عاد "یوسف" لسخافته فعلیها العودة إلى عمها، وضرب على صدره بقوة في عزة وكبریاء، یتوعده بقوة، بأنه لن یتركه بل سوف یجعله عبرة لمن یعتبر إن تعدى حدود الأدب. منحتها هذه كلمات
99 القدرة، لكي تخطو خطوات صوب الحنطور الذي ینتظرها أمام الباب، حزمت حقائبها بمساعدة "عوالي"، وحزمت معها أحزانها داخل صدرها، تخفي أحزنها خلف دموع الوداع. ًا خلال الأیام التي مرت، وهو عدم اتصال كان یشغل العجوز أمر "رشدي" رغم مرور ًا واحد ما یزید عن ثلاثة أسابیع كاملة، یستیقظ الرجل في الصباح یظل بجوار الهاتف داخل ً المندرة، ینزوي إلى مقعد في أحد الأركان، ا إلا عندما یوجه إلیه ًا لا یكلم أحد صامت الحدیث، ینظر إلى الهاتف بین الحین والآخر، یتطلع لتلك السماعة، كأنه یرجوه أن یأتي إلیه بالخبر. تجاهل "عبید" الأمر برمته ولكن العجوز لم یتركه؛ طلب منه أن یعرف حقیقة غیاب "رشدي" طیلة الأیام الماضیة، ابتسم بدون اهتمام بأن الأمر عابر، من الممكن أنه انشغل بمذاكرة دروسه عن الاتصال لأن امتحان آخر العام قد اقترب، حاول طمأنته بأنه إذا لم یتصل؛ فالأسبوع القادم سوف یكلف "متولي" الخفیر بالسفر إلیه. هنا تهلل وجه العجوز فرح .. ًا
100 ٥ صوت غراب أسود ینعق في وقت الغروب، فحمل البعض على شعور بأن اللیلة ضبابیة ًا، بعد منتصف اللیل هدأ حوش الغجر، تسللت تحمل حدث "بخیته" وبصحبتها ًا مشئوم سیدتان خلفهن "بلال"، الذي طلب في حزم من "سالمة" أن تخرج من الخیمة، تبادلت النظرات مع "راسیل"، المنكمشة على سریرها متقهقرة متكورة كأنها رأس نبات الكرنب، عندما رأت عیون الضیوف ممتلئة بالشر، تطلب من أختها بخوف شدید ألا تغادر. وقفت "سالمة" مكانها محتارة مترددة، تستغیث دون مغیث، باكیة تقاوم: - لن أترك أختي! لماذا جئتم إلى خیمتنا وجوهكم تحمل الشر؟! اقترب منها "بلال" وجذبها بقوة من معصمها، تتوسل إلیه ألا یخرجها، تسقط على الأرض أمام الخیمة، وهى تشكو إلى االله ضعفها وقلة حیلتها، ترمق "بلال" الذي وقف على باب الخیمة كالحارس قوي البنیان، جامد الملامح یحمل بین یدیه عصاه الغلیظة یدقها على الأرض، شاخص البصر نحو الخیام، یرمق ویحذر كل من یقترب، ومن یقترب ویرى وجهه یولي من حیث أتى. طلبت "بخیتة" من "راسیل" بألا ترفع صوتها؛ دنت منها وجذبت بیدها الغطاء عن جسدها ومن خلفها امرأتان، تشیر للمرأتین أن تقتربا منها وأن تمسك كل واحدة بإحدى ساقیها وتجذبها عكس الأخرى، لتنفرج ساقیها لتواصل مهمتها دون رحمة، قامت بخلع سروالها الأسود الذي یستر عورتها. كانت "راسیل" منكمشة على نفسها متقهقرة في أحد أركان الخیمة، مرتجفة تهمس بصوت یخالطه الدموع: "بلاش یا خاله أبوس على یدك أنا معملتش الخطیئة". تصرخ في فضاء ماتت فیه كل الضمائر، وأصیبت بالصمم، لن یتبقى إلا متسلط أو جبان یستتر، ینتظر نتیجة الفحص التي سوف یجعلها مادة للحكایات، هكذا تحول حوش الغجر إلى أجساد من شمع تتشابه مع البشر لكن فقدت كل الحواس إلا التلصص.