151 كل الصور تلاشت من ذاكرته وبقیت صورة "فاطمة" التي لم ینتبه إلا الآن إنها لم تودعه، وتطلب منه هدیة جدیدة كالعادة، لا یدري ماذا یفعل؟! فهو صاحب ضمیر موجوع ورأس ً لقضایا جنائیة، مهما مشغول، كل الملفات التي على سطح المكتب أمامه تحمل أرقاما یكون جرم أصحابها فهي بالنسبة لجریمة اللیلة تعد فضیلة، "فاطمة" تتألم و"راسیل" كذلك وهو سبب الألم لكلتاهما. راودته خواطر كثیرة أن یغادر الشقة حتى لو تلك اللیلة فقط، لیبعث إلیها برسالة أنه یتألم لحزنها، أو یذهب إلى المدام "سندس" جارته العجوز التي تحبها "راسیل" وتشعر بالأمان ًا بداخله أو تمنحه معها، ویطلب منها أن تصلح بینهما، كل هذه الخواطر لم تحرك ساكن الحماسة والقدرة على القیام من مقعده، بل كل ما مضى من أفكار جمعها وأحرقها داخل ًا عن طریق فلم بوتقة صمته، ثم بعثر رمادها من على قمة جبل الأنا والكبریاء، بحث كثیر یجد إلا هذا الطریق باب الغرفة التي ترقد فیها. ًا، ینظر إلى هذا الجسد وقف بجوار السریر وقت المتدثر بغطاء من الأحزان، قال بدون ًا كبیر مقدمات: - "راسیل" ِ ، أنا لست بضعیف بل قادر في الصباح الباكر أذهب بك إلى النجع وأعلن زواجنا على الملأ..!! ثم توقف عن الحدیث هنیهة لاهتزاز جسدها، توقع أنها ستجادله، اقترب جلس بجوارها وضع راحة یده على رأسها یمررها على شعرها الناعم المنسدل على الوسادة القطنیة، واصل ً في نهایته، قد یحدث یشرح لها موقفه، لو عرف والده بهذا الزواج من الممكن أن یكون سببا شرخ وتتفكك الأسرة كلها، هذا لیس ذنبها أو ذنبه یلعن الظروف التي وضعته في هذا المأزق. أقسم لها یبرر موقفه بأنه سوف یعرف الجمیع حقیقة الزواج، لكن الأمر یتطلب منه بعض الوقت، سوف یختار الوقت المناسب، فعلیه في البدایة أن یذهب إلى أخیه یطلب منه بناء
152 ًا وحكمة، البیت الذي وعده به منذ سنوات، ویتم فرشه وتجهیزه للإقامة، الأمر یحتاج وقت أنهى حواره ثم رقد بجوارها، لصق جسده بجسدها، قب ة عابرة. ْلها من عنقها قبل ُبها، ولن ظل یذكر لها بأن ما وصل إلیه من نجاح كان بسببها وقبل وبعد كل شيء هو یح یجحد فضلها، فقد أحسنت عشرته وعملت على إسعاده، هو یدرك ذلك كله، یعلم أنه لو ً بالغربة مما اصطحبها للبیت الكبیر هذه الأیام لن تهنئ بداخله، سوف تكون أكثر شعورا . ً ن، لن یتقبل أحد دخولها بهذا الشكل، وخصوص هي علیها الآ ا أن الجمیع یعرفون ماضیها ً زاد بكائها؛ فاحتضنها بشدة، وهو یعتذر إلیها عما حدث!! وعما قاله! ا فقد سبب لها ألم ًا فیها بل أكثر من ألم الصفعة بأنها لن یتقبل وجودها بالبیت الكبیر أحد، هذا لیس عیب لجهل أهله، وعدم معرفتهم بشخصها الطیب. ثم وعدها أنها ستكون المرة الأخیرة التي یضربها. صمت لدقائق وأطرافه لم تتوقف عن الملامسة الرقیقة، مرر یده تحت ملابسها الشفافة؛ فاقشعر جسدها، جرت في أوصاله رغبة جامحة، تركته یقوم إلیها یرفع ساقیها دون أدنى مقاومة منها، نال منها حظه من السعادة، ر غم أنها كجسد مطاطي یحركها كیفما یشاء، لم یسمع التأوه ولا الآهات مثلما یحدث عند كل لقاء. في النهایة نام الاثنان وكل منهما تدور برأسه بعض الظنون. وهو على یقین أن ما حدث بعد منتصف اللیل سوف ینسیها ما حدث قبل انتصافه، وهى تیقنت أنها الدمیة الجمیلة التي یعبث بها. بعد أن مر في سرعة البرق ما حدث لیلة أمس، وضع على منضدة صغیرة أمامه حقیبة عمله وبجوارها حزمة الزهور والهدیة، صمت بعض الوقت كأنه یستجمع قوته، طلب منها أن تقترب أكثر لتجلس بجواره مباشرة، هزت رأسها ورفضت بلباقة بأنها تشعر بالراحة في ً مكانها، بعد أن رآها متزی ا، عاد یعتذر عن ما حدث لیلة نة ككل یوم تشجع وقام إلیها متودد أمس، عندما شاهد علامات حزنها، تیقن أن ما حدث بعد منتصف اللیل لم ینسها الصفعة، یجب علیها أن تغفر له حماقته.! ثم مد یده إلیها بالورد، أخذته تتفحص ألوانه وتستنشق
153 عبیره، ابتسم وأعطاها الهدیة، أمسكت بها بدون اهتمام ووضعتها بجوارها على المنضدة ًا على حد ظنه ومازلت تتفحص الورد، قال یزف إلیها خبر : ًا مهم - اتصلت صباح الیوم بالعمدة، وأخبرته بأنني سوف آتي إلیه في أمر هام وعاجل، خلال أیام سوف انتهي من بعض القضایا وأذهب لإنهاء هذا الأمر. د : ً ثم مال بظهره للخلف مستن ا على كرسیه یفتخر ًا - ِ سوف یكون لك مكان داخل البیت الكبیر، نذهب بین الحین والآخر نقضي به وقت ً "سالمة" ا هي والعجوز ِ ، وسوف تأتي إلیك تقضي معك وقت ممتع "بخیته" التي ً جمیلا ٕ أصابها العمى، دون الخوف من هذا المعتوه الذي یسمى "بلال" ن جاء نحو البیت سوف ، وا أطلب من الخفر أن یجردوه من ملابسه، ویربطوا یدیه ورجلیه من خلاف في عمود الكهرباء أمام المندرة! ًا لنفسه بعزة ثم رفع رأسه نحوها ینتظر منها ردة فعل ترضي غروره، وأنهى حدیثه مشیر وكبریاء: - ِ أنت زوجة "رشدي مسعود"! تتألم لهذا التناقض بین حدیث أمس عن البیت الكبیر وبشرة الیوم، قامت نحو الشرفة تتأسف على ما حدث "لبخیتة"، ظلت واقفة بعض الوقت بالشرفة، اختطفتها الذكریات، لاحت أمام عینیها توسلاتها لیلة كشف العذریة قطب جبینها تتذكر، أیضا توسلات "بخیته" التي لم تتوقف رغم ذلك لم تصفح عنها، كلما جاءت إلیها تطلب منها السماح صمتت وأشاحت بوجه جامد الملامح، شعرت بالحنین ترغب بشدة في رؤیة "سالمة"، مر بخاطرها بعض من الذكریات في حوش الغجر، الأطفال الذین كانت تعلمهم وتحكى لهم قصصا، ً أصابها الغم عقدت الجبین، انتبهت أنها تقف بالشرفة دون شيء یستر وجهها، زاد من قلقها ًا ما، وجدته ینظر هذا الشاب الذي یقف بالشارع أمام البقال في مواجهة الشرفة یبتاع شیئ
154 ً لكن وجهه یبدوا مألوفا إلیها، رأته وتحدثت إلیه لكن لم إلیها، لم تتبین ملامح وجهه جیدا تتذكر أین ومتى؟، قالت بحیرة: - من هذا؟ ولماذا یحملق بهذه الطریقة العجیبة؟! عادت وجلست في مكانها دون أن تحضر ما ذهبت من أجله، وهو إناء له ثقوب من أعلاء تستخدمه لرش المیاه على الورد. همس إلیها یرید أن یسمع رأیها فیما قاله، بعد طول صمت همهمت بفتور، ترد على الأخبار التي ساقها إلیها: - لن أذهب إلى النجع معك. عقد جبینه یشعر بالحیرة ماذا یفعل لكي یرضیها؟ نظرة عابرة على الورد الذي مازال بیدها كاد أن یذبل، ثم رفع بصرة إلیها مستنكرا : ً فواصلت حدیثها دون أن تلتفت إلیه ً أسعد فیه، وبعد ما قلته أظن أن ًا أسكنه بل مكانا - لأن الزواج قیمته الحقیقیة لیست بیت بیتك بالنجع أخر مكان سوف أجد فیه راحة البال، الطلاق یریح كل الأطراف. *** مرت الأیام و"عبداالله" یقاطع العصارة مقاطعة التائب عن المحرمات، بعد أن قطع على ً نفسه وعد "عبید" ا منه بأن الأمور ستعود ًا ألا یفتعل مشاكل مع ًا على صحة والده، ظن خوف ً كما كانت لكن الأمر یتطلب بعض الوقت. ا، بعد صباح الیوم ذهب إلى العصارة مجبر ً اكتشاف أن هناك جثة ، متفحمة بجوار عین قمین الطوب، في الفجر خرج العمدة مهرولا "فرحانة" تسللت عبر ساحة البیت نحو بیته، تطرق في قلق، أخبرته بما حدث وطلبت منه ألا یتخلى عن أخیه. ُتح المحضر وأخذت حضرت النیابة ساعة الضحى خلف قوة من الشرطة تتقصى الأمر، ف ا الأقوال، العمدة یقف متوتر یخشى على مشروعة، أوصى الجمیع بما سیقولون أن سألهم ً ُرفت منذ الوهلة الأولى هویة صاحب الجثة، أحد من رجال الشرطة أو النیابة، وبعد أن ع
155 ع "عبداالله" ُرفت من الأشیاء التي یحملها أینما ذهب، ومعها علبة السجائر التي ابتاعها له ُ لم تفتح للآن، وجدوا حاجاته التي هي جزیئا عد خطوات من ت من بعض الأشیاء على ب جثته، مات محروق "صقاو" المعتوه، وذهب المرسال یبلغ المركز بأن المعتوه "صقاو" الذي ًا یجهل الجمیع اسم والده تسلل في جوف اللیل، نحو قمین الطوب ولا أحد یعرف كیف اشتعلت فیه النار؟! هل هو من أشعلها في نفسه؟! أم أنه نام بجوار عین القمین فتسللت ، حملت الجثة إلى الجبانة داخل صندوق من الصفیح أحضره خصیص إلیه ألسنة اللهب؟! ا ً من المدینة، وسط حیرة وتساؤلات كثیرة، بعد أن ظن البعض الظنون، موت المعتوه هو نهایة العمدة. التحقیقات توصلت بأن المعتوه هو من قتل نفسه، الأمر مجرد حادث، صارت الأمور في الطریق الذي تم رسمه، منذ أن جاءه الخبر في الصباح الباكر، عندما عاد من هو مسئول عن حریق القمین ووجد الجثة، قام برش الماء حولها ثم غطاها بشال صوف كبیر كان ً تجاه بیت العمدة، الذي ذهب مرتجفا وهو یكیل إلیه داخل الغرفة الطینیة، وذهب مهرولا التهم بأنه م ف له ترك النار مشتعلة ویذهب إلى بیته؟. یتوعده لو كانت لهذا الأمر ُهمل، كی توابع جنائیة سوف یتحملها، وعندما لاح نور الصباح وعرفت هویة صاحب الجثة، تنفس ً الصعداء وطلب من أحدهم بأن یذهب لإحضار "متولي" ً متوجسا شیخ الخفر، فجاء قلقا خیفة من مرسال الصباح الباكر الذي لا یأتي إلا في المصائب، فحمل عن العمدة البلاغ الذي سوف یبلغ به المأمور الجدید، وسط دهشة البعض، یخبر "متولي" بصوت جهور، ویردد تلك الكلمات أكثر من مرة: - البلاغ ضد العمدة "عبید مسعود" صاحب القمین. أمر بإعطاء الجمیع أجازة لمدة ثلاثة أیام، حتى یتم إحضار الشیخ واستخر اج عفریت ً "صقاو" على نصیحة ، ومعرفة ما سوف تنتهي إلیه هذه الزوبعة، وكان هذا الأمر بناء ً "متولي" التي أسر بها في أذنه عندما رحلت النیابة. شاهد الجمیع "عبداالله" ا في أحد جالس
156 ًا على أخیه، وظل ینظر نحوه ًا یراقب ما یحدث، بیده عصاه الغلیظة قلق الأركان صامت نظرات ملئیه باللوم والعتاب، وكلما تلاقت عیناهما أشاح كل منهما یتجاهل الآخر. مر ً الیوم بما فیه من حزن وفاجعة للجمیع بموت "صقاو" الوكیل، لكن ، وكان أكثرهم حزنا البعض حمد االله أن من مات هو المعتوه، لأن موته لا یسبب مشاكل، هكذا تحدث الجمیع بهذه الكلمات. ً برغبات وأمنیات كثیرة، حكى بعضها لـ"راسیل" حضر "رشدي" في نفس اللیلة محملا ا والبعض الآخر تخیله وهو یقود سیارته وحید . سمع بما حدث، ظل داخل المندرة یخالط ً ً، وجاء في هذه اللیلة المأمور، الذي تحدث إلیه الضیوف الذین امتلأت بهم المندرة لیلا حدیث لى أثره تغیرت ملامحه، وظل طوال اللیل معكر المزاج، ً � ا جانبیا في الغرفة الشمالیة ع مهما حاول أن یخفي ضیقه لكن وضح للمقربین أن وجهه قلق غاضب. تجاهل العمدة أمر أخیه وما كان من المأمور، الذي طلب منه أن یأتي إلیه في الصباح إلى مركز الشرطة، وصافح الجمیع أثناء خروجه، وعندما اقترب من "رشدي" تبسم في وجهه، یوصیه أن یكون شدید الحرص على نفسه؟!. انصرف المأمور ومن خلفه البعض ً. مر الیوم الذي شعر الجمیع بثقله ً حائرا یودعه، وظل "رشدي" مكانه على مقعده قلقا وسماجته، غاب عن المندرة بل عن البیت كله "عبداالله" الذي ذهب إلى بیت "فرج" الطباخ، یقضى معه بعض الوقت، لا یعرف كیف الخروج من حالة التیه التي یحیاها؟! كما ظلت "فرحانة" قلقله بشأن "بخیتة" الغجریة، التي مرت الأیام على ذهابها ولم تأت خاصا ً "بفاطمة"، ووضعته داخل صدرها، وهى ً بالخبر الیقین، منذ أن حملت معها مندیلا تؤكد لها بأن ما تفعله البنت ما هو إلا نتیجة عمل سفلي، وتلك التصرفات غیر الطبیعیة. قصت علیها "فرحانة" ما حدث، ویوم أن دخلت إلى غرفتها وجدتها قد مزقت الثوب الذي ًا ُ أحضره لها عمها، فقامت بضربها ضرب . عد، ًا مبرح منذ هذا الحادث وهى تراقبها عن ب نهرتها بقوة ووصفتها بأنها تفعل أفعال جنونیة! لقد ربطتها في السریر طیلة النهار، لم تهتم
157 بدموعها وهى ترجوها وتعدها أنها لن تفعل هذه الأفعال مرة أخرى! لكن الأم لم تصغ إلا لرغبتها الجامحة في تأدیبها، جاءت "عوالي" تستعطفها أن تأذن لها أن تحل وثاقها، منذ ً هذا الحین و"فاطمة" لم تغادر غرفتها، إلا لقضاء حاجتها، وأن دخلت الحمام ظلت ب ا ه وقت ا كبیر. ً ْ وعندما جاء أخوها "مسعود" دتها یوم واحد، فقد أخبره في التلیفون والده ًا زیارة سریعة م زائر أن عمه قد خرج من السجن، وعندما سأل عن "فاطمة" فهو لم یرها منذ أن حضر، أخبرته ً أمه بأنها تدعي المرض داخل غرفتها، فقام إلیها ظل یطرق على الباب وقت ، ینتظر ًا طویلا ً أن تأذن له بالدخول! اقتربت "عوالي" ، ًا فسوف تدخل إلیها أولا تطلب منه أن یتنحى جانب بعد دقائق جلس "مسعود" معها فكانت كهیكل عظمي، تجلس القرفصاء على السریر، ْطقها، لكن لم یجد منها إلا الدموع والصمت، وعندما ألح فأصابه الغم وهو یحاول أن یستن علیها لكي یعرف ماذا أصابها؟! بصوت متحشرج بأنها ترید الرحیل عن هذا البیت، واصلت: "فرحانة عاوزة تقتلني". ما أثار دهشة أخیها مناداة أمها باسمها دون صفة الأمومة!، یحاول أن یسترضیها، وأخبرها أن كل ما یدور بخاطرها ما هو إلا هواجس من الشیطان، ویجب علیها أن تؤدي الصلوات، وقد وعدها أنه بمجرد أن ینتهي من دراسته، ویعود إلى النجع سوف یفتتح عیادة بمدینة نجع حمادي وسیصطحبها معه، وسوف یسعى لحل كل مشاكلها، كل هذا لم یثنها عن قولها بأن والدتها ترید قتلها. انصرفت "عوالي" باكیه تأخذها الشفقة بحالها، وتركت "مسعود" بجوارها، وضع یده على ً كت ا، خرج من غرفتها یجر أذیال ًا عمیق فها وظل یقرأ ما تیسر من كتاب االله، حتى نامت نوم الخیبة، على ما صار إلیه حالها. اقترب من والدته یطلب منها الترفق بها، فالبنت تمر بظروف صعبة. یرفع رأسه یتنهد بضیق شدید: كیف وصل الأمر بها إلى هذا الحد؟! وأین والدي مما یحدث؟! امتصت الأم شفتیها أن ما تعانیه المتسبب الأول والأخیر فیه هو أبوها.
158 یرحل "مسعود" إلى الجامعة بأسیوط لكنه یشعر بغصة داخل حلقه مما رآه من "فاطمة"، والده ذهب معه إلى محطة القطار بمدینة نجع حمادي، وعندما التقى "بالفونس القباني" الذي افتتح محل لبیع الخردوات بالمدینة وتوقف عن تجارة العسل، صافحه بترحاب شدید، ًا بأنه في عجالة من أمره لأن وطلب منه القباني أن یجلس عنده لیتناول القهوة، أشار مفتخر ولده الدكتور مسعود على موعد مع القطار. ظل "مسعود" یوصي والده بأن یقترب منها ویترأف بحالها، أٌ ْخته تعاني من حالة نفسیة سیئة، و لولا أنه مرتبط بامتحان قادم لظل معها، وعندما یعود لن یتركها على هذا الحال. هز الوالد رأسه یوصیه أن یكون حریصا على دراسته، وأنه سوف یحضر إلیها طبیب ً الوحدة المجمعة. *** ًا للسریر، لا یستطیع العجوز الذي لم یستطع أن یبرح مكانه، الشیخوخة جعلته مصاحب الحركة إلا بمساعدة شخصین یملكان من القوة، كما فعل "متولي" بصحبة خفیر آخر هذا الصباح، حملاه إلى ردهة البیت كي یظل بعض الوقت تحت شمس الشتاء، یجلس مطأطأ الرأس یتوجع بین الحین والآخر، یقترب منه حفیده "جابر"، یجلس بجواره بعض الوقت یهش الذباب عنه، یرفع العجوز رأسه یتفحص وجهه، یسأله بصوت مرتعش: من أنت؟. - أنا حفیدك "جابر ابن عبداالله". - متى تزوج عبداالله؟. یواصل العجوز هذیانه: كیف له أن یتزوج؟! وقد كان ینتوي بعد أن تتوقف العصارة هذا الموسم أن یذهب به إلى مقام الشیخ "عبد الرحیم القناوي"، وقد نذر له نذرا،ً وأنه سوف یذبح له خروف ویختنه هناك، ماذا یفعل الآن؟! وقد اتفق مع الحلاق الذي سوف یغلق دكانه ویكون بصحبته إلى قنا! یخفي "جابر" ضحكة على شفتیه، ویواصل هش الذباب الذي یحوم حول الجد، جاءت "عوالي" تحمل إلیه الطعام، تحاول أن تطعمه بالمعلقة بحرص بعد
159 أن وضعت فوطة على صدره، تخشى مشقة استبدال ثیابه مرة أخرى، یرفع رأسه إلیها بعد أن یبتلع ببطء شدید، یطلب منها إن جاء الحلاق یسأل عنه، تخبره بأن الحاج "مسعود" أرجأ أمر الختان لوقت آخر، تهز "عوالي" رأسها بأنها سوف تفعل وهى تشیر لأبنها بأن یذهب لیذاكر دروسه. اقترب "رشدي" الذي أرهقه طول التفكیر وطال علیه اللیل، دنا من رأس والده یقبلها ویسأل عنه "عوالي" كیف صار حاله الیوم؟! ِ ترد باقتضاب: أنه بخیر، خرج تجاه المندرة عاقد الجبین، لم یجد بها إلا "متولي" الخفیر، الذي أخبره بأن العمدة خرج في الصباح الباكر إلى ً مركز الشرطة، جلس قلیلا من الوقت لا یعرف ماذا یفعل؟! فطلب منه أن یخبره مكان "عبداالله"، قال بدون اهتمام: أنه لا یدري لكن رآه في الصباح یمتطي دابته، یبدوا أنه خرج نحو الأرض الزراعیة، دخل نحو ساحة البیت التقى "فرحانة"، یسأل عن "فاطمة"، طلبت منه أن یدعها لحال سبیلها أنها لم تنم إلا في الساعات الأولى من الفجر، ظلت بجوارها طوال اللیل، حكت له ما كان من أمرها، بعد أن رحل المرة الفائتة. لم یدر سر صمته وما هي القوة التي دفعته أن یدیر ظهره عنها، وألا یفعل ككل مرة ا أن یمنحها بعضا من الاهتمام، لكن الیوم ینسحب في ً ً الدخول إلیها، یداعبها ویحاول جاهد هدوء صوب غرفته، إلا أنه سمع صوت الوكیل عند الباب الجانبي للبیت، ینادي: "یاجابر، یا جابر" والمقصود بهذا النداء "عوالي" فعلیها أن تتقدم نحوه. فخرجت مهرولة وهى تحسن من ثوبها والمندیل الذي تعصب به رأسها، ظل "رشدي" مكانه في ساحة البیت، ینتظر دخول أخیه حتى یلتقیان. *** جلس "عبداالله" ِ یتناول طعامه، شمر حجر جلبابه یرتدي (كالسون) أبیض، بعد أن شفیت كل دمامله داخل السجن، وتركت بقع سوداء على جلده، التهم بعض اللقیمات بسرعة، ورفع
160 بصره تجاهه وجده لم تمتد یده للطعام یسأله في مزاح: "هو أنت قعدت قدامي علشان تأكل ولا علشان تصورني". ابتسم "رشدي" وهو یخبره بأنه لا یشعر بالجوع، لكن یرید الحدیث معه في أمر ما. رمقه ا بنظرات ثاقبة متعجب !، هذه أول مرة یلجا إلیه، طیلة عمره یذهب إلى "عبید" أو إلى والده، ً ظلت الظنون تدور برأسه وهو یلتهم طعامه بسرعة، تسأل في سریرته: هل یرید الزواج؟! أم ماذا یرید؟! مما جاء یشكو؟! أسئلة كثیرة تطرح نفسها بخلده، یرمقه بنظرات عابرة، شاهد وجه أخیه مرهق، كل مشكلة ولها حل إلا الخیانة والكذب. ً؟! لكنه على یقین أن أخاه لا یعرف "رشدي" � كیف یبدأ حدیثه؟ شاكیا أم یعرض مشكلته أولا سوف یخبره بالحقیقة ویشیر علیه بما فیه الخیر له، رغم تهوره وحماقته في بعض الأمور مثلما حدث مع زوج "فاطمة"، ثم عاد للتفكیر في أمر "راسیل" زوجته، لقد طلبت منه الطلاق ما هذا الأمر البشع، دارت برأسه أفكار كثیرة، یشعر كأنها إخطبوط أحاط به من كل جانب. بعد دقائق انتهى من طعامه، وطلب من "عوالي" إحضار الشاي، جلس بجوار أخیه یخبره بأنه منصت إلیه ُ . تنحنح "رشدي" وهو یتلفت حوله، ثم نظر إلیه وتحدث في خجل: - متى سیبني "عبید" لي البیت الذي وعدني به؟!
161 ٧ كان إلحاح "بخیته" هذه المرة أكثر فهي ترید أن تذهب إلى النجع لقضاء أمر ما. رفض "محمود" هذه الزیارة، فاجأها بأنه یرغب في قطع العلاقة مع هؤلاء الناس، لأن العجوز أصابه الهذیان، و"عبید" أصابه داء التكبر، لم یتبق إلا "عبداالله" سوف یذهب إلیه مثل عموم الفلاحین، بالأرض الزراعیة عند كل حصاد لیأخذ نصیبه من الغلال، قد حكى لها ما حدث معه عند الزیارة الأخیرة. كل الحجج التي ساقها لزوجته لم تقنعها، فهي ترید الذهاب لأمر مهم وعاجل، وعندما واصل رفضه بدأت تفصح أكثر عما بداخلها والسبب الذي یدفعها لهذه الزیارة، بأن فاطمة تعاني بشدة، هناك خطر كبیر یحیط بها، ویجب مساعدتها للخلاص من هذا الكرب، ومهما حدث فإن علیها الذهاب؛ وفي الزیارة الأخیرة حملتها "فرحانة" أمانة. صمت الرجل حتى انتهت من سرد كل مبرراتها، فهز رأسه معلنا أنه سوف یصطحبها إلى النجع، والموعد غدا لصباح؛ لكي یتخلص من إلحاحها الذي أصاب رأسه بالصداع، ً في ا فهي امرأة كثیرة الحجج والعلل، وهو رغم ما یعانیه من تصرفاتها لكن في النهایة ینصاع لرغبتها رغم الهمس: إنها تذهب لكي تتسول. ظلت "بخیته" طوال اللیل تفكر فیما ستقوله لـ"فرحانة"، وما قاله الدجال بأن هناك عمل سفلي لصاحبة المندیل، ظل یشرح لها خطورة الأمر وبمرور الوقت سوف تعاني أكثر، لكن كل هذا تبخر بمجرد وصول الخبر بأن "بلال" غادر المحطة، بعد أن حرق فرشته التي ظل یرقد علیها طیلة السنوات الماضیة، وكذلك القطار إلى مدینة ً حطم جرة الماء، یبدو أنه غادر دون رجعة، أبصروه ممسكا بعصاه یركب قنا، وفى عینیه رغبة في الانتقام، هذا ما قاله الشاب الغجري ناقل الخبر. تغیرت ملامح "محمود" لسماع ذاك الخبر، وألقى بعصبیة مفرطة بمنجل كان بیده، هذا الأمر ظل یخشاه لسنوات، رغم حزنه على حال "بلال"، لكنه لا یتمنى سماع خبر المغادرة.
162 شعر بضیق و لم ینتبه لكلمات "بخیته"، التي ظلت تجهر بأن تلك البنت هي سبب كل المصائب. وانتشر الخبر داخل حوش الغجر، بأن أحد الشباب أبصرها داخل شرفة شقة بمدینة قنا أثناء الاحتفال بالمولد، وهو یتجول بالمدینة لشراء علبة سجائر من البقال، وزاد ناقل الخبر ً مما كانت علیه، یبدو أنها تعیش عیشة عن صاحبه أنها لازالت جمیلة بل أكثر جمالا الترف، والشقة یسكنها "رشدي" ابن الحاج "مسعود"، كما جاء الخبر إلى "بلال" وصل إلى ً "عبید" ا له في حوش الذي منح الشاب الغجري خمسة جنیهات، وأوصاه أن یكون عین الغجر. یئست "سالمة" من "عاشور"، الذي أعلن أنه لا یستطیع هذه المرة مد ید المساعدة، یخشى لقاء "بلال" بعد القطیعة، یبرهن على موقفه أنه یخجل من مواجهته، كیف یعود إلیه وبأي وجه یطلب منه الصفح عنها؟! وهى التي ضربت بكل شيء عرض الحائط! وهربت خلف وعندما ق "المصري" ظن الجمیع أننا سوف نستریح لكن زادت المأساة وذهبت ُ نزواتها! تل لابن عمه. یواصل حواره: كیف سأجد "بلال" الذي رحل عصر الیوم في آخر قطار متجه ً إلى مدینة قنا؟! ثم في نبرة تحمل اللوم على زوجته: على هذه القطیعة جاءت بناء طلبك..!! رقد على فراشه بخیمته وبهدوء: كنت أتوقع مجيء ذلك الیوم. واصلت "سالمة" بكائها واقتر بت منه تحاول أن تقبل یده: - المرة الفائتة طلبت منك أن تقطع علاقتك معه، الیوم أرجوك أن تنقذ أختي منه! ًا نظر إلى طفلته التي تجلس بجواره حك بأظافره القذرة شعر رأسه الخشن، لم یحرك ساكن في صمت، ظل یداعبها باسم آخر قد اختاره لها منذ الولادة، غیر اسم "راسیل" الذي اعترض علیه عند ولادتها، الیوم طلب من عموم الغجر بعدم مناداة ابنته باسم "راسیل"، ً زوجته التي حملت رضیعها وغادرت الخیمة وهى تلعن زوجها، وكأنها الیوم متجاهلا تكتشف حقیقة نذالته، ظلت تبحث بالحوش عن منقذ.
163 ً یبدو أنه سمع بما حدث، إلى أن وصلت إلى خیمة كبیرهم ووجدت وجهه صار متجهما جاءت باكیة تطلب العون وترجوه أن یذهب خلفه، قبل أن یلحق بـ"راسیل" الأذى، ترجو العجوز بالدموع، دنت من یده تقبلها، وقف الرجل باهت الوجه لا یدري ماذا یفعل سوى ً حملا عصاه والذهاب إلى المحطة؟! بعد أن رحل "محمود" ظلت "بخیته" جالسة في مكانها المعتاد خائبة الرجاء، تنصت إلى ما یدور حولها، تطلب إیضاحا لبعض الأمور لا یجیب علیها أحد، تلعن العمى وقلة الحیلة، تصب جام غضبها على "راسیل"، التي تسببت قبل ذلك في كسر یدها، وفقد "بلال"، قامت تحسس أطناب الخیمة إلى أن وصلت إلى مكان رقودها، نامت متكورة تفكر في أمر ُ "فاطمة" ثم تنتقل إلى "راسیل" مني النفس أن یأتیها خبر ما یحطم عزلتها، هذا الخبر ، ت ا ً َ مهما تكون نتائجه، سلب . وكلما سمعت وقوع أقدام خرجت من خیمتها سألت: ن ًا أم إیجاب م بعضهم یصمت ولا یجیبها مبتعدا : ماذا ً القادم؟! عنها، ومن یرد علیها تنهال علیه بالأسئلة حدث عند المحطة؟! هل جاء ربیبها؟! وماذا فعل مع تلك المتمردة؟! ألم یذهب أحد خلفه؟! ثم تعود للجلوس مكانها، وعند سماع أصوات تقترب تقوم تعید الكرة من جدید. "محمود" عند المحطة مع بعض شباب الغجر، بین الحین والآخر یسأل عن القطار القادم من مدینة قنا، هل اقترب موعده؟! یأتیه الجواب بأن أمامه ساعات. یشعر بالخوف من وبیده سكین ! أم ینزل عن القطار ً المجهول القادم، هل سیرى "بلال" ا وثوبه ملطخ بالدماء؟ وفي یده "راسیل". وقتها سیزوجها له رغم أنفها، یتنهد في راحة لأمنیته الثانیة، ومع مرور الوقت وتعدد أفكاره نسى موعد زوجته؟!. *** داخل البیت الكبیر اللیلة لم تكن أقل سخونة مما حدث منذ سنوات، بل أكثر بكثیر، بل فاقت كل الحدود، عندما أراد "رشدي" توضیح من أخیه العمدة عن موعد بناء بیته، لأنه یرید الزواج والاستقرار. یواصل حدیثه بعد أن انصرف "عبداالله" الذي رفض حضور هذه
164 الجلسة، وقبل أن یغادر طلب منه أن یبلغه نتائجها. منذ خروجه من السجن یبدو للجمیع ً غامضا، حین معرفته بالتطورات الجدیدة التي حدثت داخل العصارة، وهو صامت یتحاشى الصدام، وربما یؤجله، لكن ما لاحظه "رشدي" وقرأه من حدیثة القصیر معه، استنتج أنه ینتظر فرصة مثل الصیاد الماهر للانقضاض وكان أولها صباح الیوم. عندما وقف بعصاه للعاملین بقمین الطوب الذین عادوا للعمل، حذرهم من الدخول إلى أرض العصارة، ذهب الجمیع من حیث أتوا دون الدخول معه في جدال، یرمقهم بنظرات حادة یواصل سیل الاتهامات، أن نتیجة عملهم تم تجریف الأرض حتى صارت بور "صقاو" الغلبان، ًا، وحرقتم ودق عصاه في الأرض ففزع الجمیع، وعندما جاء الخبر لـ"عبید" اكفهر وجهه، وصمت ، یخبره أن ی : بأن العمل ُ طویلا، بعد طول تفكیر رفع رأسه تجاه "متولي" رسل للعاملین متوقف بأمر من المأمور. انتهى "رشدي" من حدیثه وسبب زیارته المفاجئة للنجع، هز العمدة رأسه وبكل هدوء قام إلى ًا، ثم عاد إلى المندرة یحمل بعض الأوراق، هذا ً كبیر ً خشبیا بیته، داخل غرفة نومه فتح درجا الدرج علیه قفل حدیدي كبیر، یحتفظ فیه بجمیع الأوراق الخاصة، وأخرج كراس كبیرة بین الأوراق والملفات مكتوب فیها أرقام كثیرة، وأمام كل رقم التاریخ، مد یده إلى "رشدي" بأن یجمع هذه الأرقام، وحاصل الجمع هو الجواب. لم یفهم مقصد العمدة، وكذلك لم یجمع تلك الأرقام، وطلب منه الإیضاح. أمسك بالكراسة ووضعها داخل جیب جلبابه، ثم دنا برأسه منه وقال: - هل سمعت عن المثل القائل: إذا كنتم أخوة یجب أن یكون بینكم حساب، كل هذه الأرقام ً ه ا ي الأموال التي تم إرسالها إلیك منذ أن التحقت بالجامعة، وحتى شراء السیارة، مرور بالشقة والعفش والمكتب، الذي دفعت لك ثمنه، هذه الأموال هي حقك، لكن رغم ذلك أنا أخوك الأكبر سوف أساعدك في بناء بیتك الجدید لكن بقدر استطاعتي. تغیر وجهه وتبدلت ملامحه، یشعر أنه ضرب بمطرقة على رأسه، بصوت مختنق:
165 - هذا لیس بعدل، ولم یكن هذا الاتفاق بیننا! - هل قسمة الحق ترید اتفاق مسبق، یجب على الإنسان معرفة ما له وما علیه؛ حتى یستریح ویریح، أشعر أن الأمر صعب علیك فقد اعتدت أن تطلب فقط، لدینا بیت كبیر ٕ یسع الجمیع، ومنذ أن خططت لبنائه ن ًا لك، وا ًا فسیح وتركت لك قطعة أرض تكون بیت ٍ شاطر وتكسب الكثیر، كان یجب أحسنت البناء یكون بیتك أفضل من بیتي، أنت محام علیك أن تعمل حساب ذلك الیوم. شعر أن دوامة سحبته بقوة، آذانه غیر مصدقة ما یقال نفض رأسه، قال في تحد : ٍ كبیر - أنا غیر موافق على ما تقوله، یجب أخذ رأي الحاج "مسعود" فهو صاحب المال الحقیقي. تنحنح یحاول أن یستمر الحوار بهذا الهدوء: - إن كنت ستأخذ رأیه یجب أن یعرف الحقیقة الكاملة، وأن ابنه رمز الأدب والفضیلة تزوج َن العروس؟ للأسف تلك الغجریة التي كان یرید الزواج بها ابن دون معرفته، ویا ترى م عمه. ً، وقف هنیهة ا لا یدري ماذا یقول؟ صامت . ً قام "رشدي" من مكانه مرتجفا بهدوء دون أن یهتم بانفعالات أخیه: اجلس وكن هادئا، أم ترید أن تكون مثل "عبداالله" ا للمشاكل دون وجه حق، هل ترید ً - ً مثیر أن تعرف ما لك وما علیك بالورقة والقلم، أقسم باالله أنك أخذت حقك من المال وأكثر، وأنت ّد الأمر كن على یقین لم تعمل معنا داخل الأرض الزراعیة أو العصارة، إن أردت أن تصع أنك لن تأخذ أكثر من حقك. أمسك بدفتر آخر ثم أكمل: - هذا إیراد العصارة كل عام وهذه المصاریف خلال سنوات عملها، والعائد من الأرض والمواشي.
166 - أین الربح من قمائن الطوب؟! - هذا مشروعي لیس لأحد فیه وجه حق، هل أقاسمك في أتعابك التى تتقاضها من مكتب المحاماة؟! - هذا عملي الخاص. - القمائن أیضا عملي الخاص. لكن الأرض ملك لنا جمیع . ً - ا - أنا لم أقل أن الأرض تخصني لكن ما علیها یخصني، إن كنت ترید أن نحكم الناس بیننا فلك ما شئت، سوف أطلب حضور من ترى فیهم الحكمة والرشاد، وما یحكمون به أنا ملتزم به. - أنا موافق على ذلك. كسر على نصف عینه یتأمل ردت فعله المتعجلة، فتكلم وهو عاقد الجبین: ّى ولم تصدقني، لو تم الحكم - طالما ارتضیت أن یدخل الغرباء بیننا، وقبلت هذا الأمر عل لي بأنني صاحب حق، لن أدع المأمور یمشى من هنا خالي الید، بل سوف أقدم له هذا ألقى بصورة من ملف أمني خاص به كان قد أحضره المأمور خصیص الملف. ا له من ً القاهرة، وكان المأمور قد عرف هذه الأمر عنه بالصدفة، قبل الحضور إلى هنا كان یجمع المعلومات عن المكان الجدید الذي سیذهب إلیه، ووقع الملف بیده، وعرف أن صاحبه شقیق أحد العمد الجدد، ولاءهم للثورة ولیس للملك، وهذا ما یؤخذ على العمدة "حسان"، لذلك كانت الزیارة الأولى للمأمور إلى للمندرة. قلب الملف ووجه یحمل الغضب وقال: هذه التهم باطله! - لا یعنیني إن كانت باطلة أو حقیقیة، أنا لست جهة تحقیق، لأحصل على هذا الملف ًا كثیرة ولم أكتبها في كشف المصاریف، أنا حریص قدمت كثیر من الخدمات، ودفعت نقود على مصلحتك أكثر منك، وفى النهایة یكون هذا جزائي یا أخي الأصغر، أنا حریص
167 علیكم، وأنتم تظنون بي الظنون أصمت ولا أجیب، لكن الآن یجب أن تعرض الحقائق على الجمیع، وما لك وما علیك، لم أطلب منك -أنت بالأخص- رد جمیل، بل خذ حقك فقط، ُقبل على الحیاة، لكن أنت لا ترى إلا واعتمد على نفسك وعش حیاتك مثل أي شاب م نفسك ورغباتك، كنت أتمنى أن تأتي لي تطلب الأذن قبل أن تتزوج، فعلها قبل ذلك ابن عمك، جاء وهو على یقین بأننا لن نوافق، لكنه جاء..! وأنت فعلت وفعلت الكثیر دون أن تعمل خاطر . نصیحتي، علیك الذهاب إلى عملك، وأن تعود لحیاتك التي جعلت ًا لأحد نصفها في الظلام، وسوف أصمت من أجل والدك فقط حتى لا یفقد احترامه لك، رغم هذیانه یظن أنك الوحید بیننا الذي یستحق أن تحیا الدنیا من أجله. *** ً من البیت یحاول ألا یلتقي بأحد، وقف عند باب المندرة دموعه متحجرة داخل خرج متسللا مقلتیه، یشعر بالحیرة بین المندرة والسیارة مركونة بالشارع الساكن، لم ینتظر "رشدي" حتى الصباح، خرج فى منتصف اللیل كما فعلها المصري من قبل، سارت السیارة ببطء شدید على الجسر، الظلام یحیط بها من كل جانب، لا یدري إلى أین مقصده؟! سحر الماضي الجمیل ألقى بظلاله علیه، وصل إلى قصر "البرنس"، توقفت السیارة على شاطئ نهر ً بین القصر والنهر، وهذا الطریق غیر معالم النیل، على جانب من الطریق المنشأ حدیثا القصر من الجهة الشرقیة، ضفاف النهر أصبحت طریق � ا خراسانیا. ً ً، واصل السیر وهو یسیر ببطء شدید، اقترب من السبیل لكي یروي ظمأه، لم یجد به ماء یتنقل ببصره عن یمنیه تجاه النهر، وعن شماله تجاه قصر السلاملك، تتخطفه الذكریات وصورة "المصري" تطارده، بكل ذكریاتها الجمیلة، أول زیارة لهذا المكان یتذكر كل ً معه إلى القصر، وتلك الغرف تفاصیلها، وكل ما قیل من ابن عمه، ویوم أن تسلل لیلا مازلت صورتها البراقة تخطف فؤاده، حدیثة الممتع، ضحكته الصافیة أنفاس دخان سیجارته الخانق، وهو یحكي له عن أحلامه التي رحل دون أن یحققها، لوحاته التي كان شدید
168 الحرص علیها، وجسده مسجى بجوار أخر لوحة رسمها، كانت تحمل صورة "راسیل"، هل سیحزن لزواجه منها؟! أم یشكره لأنه وفر لها الحمایة؟!. همس بفتور واستسلام: كیف سأعود إلیها بخفي حنین؟!! شعر بالفشل لتحقیق رغبتها في إعلان خبر زواجهما، هي لا تطمع في أكثر من ذلك لا ترغب في بیت بالنجع أو شقة ُ بالمدینة، ما شبه طنین ترغبه هو أن تشعر بأنها تحیا حیاة طبیعیة، كل هذه الذكریات ت الأذن لا یسمعه أحد غیره. یواصل السیر لا یعرف مقصده!!! یشاهد التطورات الجدیدة بالقصر، الذي لم یزره منذ حدوث الجریمة، منذ أكثر من خمس سنوات لا بل ثماني لا بل سبع، أظن أنها تسع سنوات، یقینا لم تتجاوز العشر. لا یعرف متى أخر مرة كان هنا؟، ولم یجهد نفسه لمعرفة ذلك، لأنه فقد كیفیة حساب السنوات وأهمیتها على أثر ذلك فقد قیمة الوقت، تجاوز قصر السلاملك ومر بحدیقته الساكنة، لم یكن قصر الحرملك وحدیقته أكثر حظا، فوجئ بوجود مبنى جدید مقتطع من الحدیقة، واجهته نحو النهر مكتوب علیه لافتة كبیرة "كافتریا وقاعة للأفراح"، وصاحبها كتب تحت لافتته وسائل من الترغیب، أحیاء اللیلة هنا بأسعار رمزیه، وتقدیم المأكولات والمشروبات وصنوف مختلفة بسعر رمزي، شعر بضیق في صدره، ظل یتقلب بین موجات أفكاره الهادرة، نظر رة تجاه بیت "المصري" الساكن. ًا بدموع متحج ولم ! ومن غیره یعرف بهذا َ ورد بخاطره سؤال: كیف عرف أخیه أمر زواجه؟! صمت؟ الأمر؟! ارتفع هدیر النهر الساكن، لهبوب ریاح لا یعلم مصدرها، شمالیة أم جنوبیة لكن الجو الساكن انقلب إلى ضبابي، تذكر كلماته وهو یهدده بالملف الأمني الخاص، عاودته ذكریات لحظة القبض علیه في شقته بمدینة الجیزة، كان وقتها لا یعرف السبب، لكن خلال فترة التحقیقات، عرف أنه تحدث واعترض عن تسییس اتحاد الطلاب، وحرمان فصائل سیاسیة من التعبیر عن آراءها، هذا الرأي قاله علانیة في جلسة داخل الحرم الجامعي،
169 انفضت الجلسة ونسى ما حدث داخلها، وباللیل حدث ما حدث وقف أمام الضابط الذي وجه إلیه السؤال الأول: ما رأیك في الثورة؟!. بدأت تنهال علیه الأسئلة التي جواب عنها بعفویه مطلقة، كانت لهذه الإجابات المردود ًا، عرف فیها كثیر من حقیقة كانت غائبة السیئ التي أطالت فترة بقاءه داخل السجن شهر ْلت الصورة إلى أن ظن أن عنه، خلف عناوین الصحف وخلف شاشات التلیفزیون، التي جم النظام أصبح بلا أخطاء. ًا على النهر، یقلب صفحات حیاته صور كثیرة تمر أمام عینیه الدامعتین، وهو جالس وحید التي مرت أمامه كسرعة البرق، بعد طول الجلوس لا یدري ماذا یفعل؟ أیعود للنجع لافتعال مشكلة؟! ویفضحه أمام الجمیع بأنه ابتزه عندما طالبه بأخذ حقه؟! لكن ما هي النتیجة المتوقعة من هذه الخطوة؟! یشعر بحیرة لا یصل إلى بر معین بین أمواج تضربه من كل جانب، تساءل بصوت مسموع: - أین الحقیقة فیما یحدث من حولي؟! یا االله، ما هذه الرحى التي تسحق البش ً ر بدیلا عن الغلال! تنهد ورفع وجهه نحو السماء، مدفوع ! وكیف ًا إلى طریق لا یعرف كیف وصل إلیه؟ ً یستطیع السیر فیه؟! ا من هذا الكرب العظیم الذي أثقل كاهله إلا أن یتوجه لم یجد منفرج نحو السیارة، یجلس بعض الوقت خلف عجلة القیادة، یبحث عن الدرب، في النهایة لم یجد ً إلا ا یوجهها إلیه، ضغط على زر الرادیو، لیخفف عنه صراعات النفس التي لا ًا وحید طریق تتوقف، یرید سماع شیئا یریحه من كثرة الفكر، صوت مذیع نشرة الأخبار، العنوان الرئیسي للنشرة: "أعلان مصر إغلاق مضیق العقبة أمام السفن الإسرائیلیة"
170 انتهت النشرة وما زال الطریق ممتدا، یقود "رشدي" وعیناه متربصة، زاد من سرعة السیارة كأنه یهرب من شيء یطارده، ولكن الحقیقة ما یبث في نفسه الخوف شيء كامن داخل نفسه، صوت المذیاع ینطلق أغنیة وطنیة بصوت "عبد الحلیم حافظ". *** تتساءل "فرحانة" متوجسة: ماذا حدث؟ وما سر غیاب "بخیتة" الغجریة في الرد؟! هل وجدت بالفعل بأن زوجة العمدة "حسان" هي من قامت بعمل سحر لابنتها؟! لهذا خافت أن تأتي إلیها بالخبر المشئوم.!! ظلت تتوعد المرأة، لكن في النهایة استسلمت لسیف الانتظار یمزق راحتها، تتذكر أخر مرة رأت فیها "یوسف" طلیق "فاطمة" وهو یعرج رغم مرور السنوات، لازال یعاني مما حدث، عندما رأته بالمدینة یعبر الطریق، أشاحت بوجهها في الاتجاه الآخر وهى جالسة على المقعد الخلفي للحنطور، طافت بخاطرها صورة ابنتها؛ فأصابها الغم، وطلبت من الخفیر أن یلهب ظهر الحصان. لم تهتم لماذا تأخر زوجها داخل المندرة إلى بعد منتصف اللیل؟! ظلت تصب جام غضبها على "بخیتة"، فرغم أنها أوصتها بأن تأتیها بالخبر في أسرع وقت ممكن، لكن لا مناص ُ من الانتظار، قامت تطمئن على "فاطمة" ظلمة، التي رأت النافذة الصغیرة على بابها م ًا أنها نائمة، لكن راودها خاطر بأن الیوم منذ الظهیرة لم فمرت في صمت دون الاهتمام، ظن تبصرها، وصلت الغرفة نظرت إلى النافذة الصغیرة، وجدتها مضیئة طرقت عدة مرات على الباب دون مجیب، أصابها القلق ظلت تطرق، استدارت في باحة البیت لا تدري ماذا ً تفعل؟! ا فأخبرته بالأمر، ًا صامت ًا وحید تهرول نحو المندرة تطلب الإغاثة، لتجد زوجها جالس قام على مضض لأنها أخذته من بئر أفكاره، منذ أن غادر "رشدي" منذ ساعتین أو أكثر وهو في خضم أحزانه وأفكاره السوداویة. بعد دقائق قامت "عوالي" قلقة على صوت صراخ، "فاطمة" تستغیث من بطش أبیها، تطلب أن یذهب یتقصى حقیقة الأمر، رفض وواصل نومه ممتعض من "عبداالله" ا ً :
171 - هو حر في بنته قولنالوا متجوزهاش لولد حسان، النتیجة دفعت من عمري خمس سنین في السجن". ًا شدید اللهجة ً ها ا من ِس قامت وفتحت بابها تسمع أحیانا سباب . وجدت ْلف ًا وتحذیر خارج الغرفة، ی ! مر بجوارها شعرت بحرارة جسده، ودقات قلبه الذي ُسب الأیام الغبراء، لم تستوقفه ا ً یحمل ألم . تسمع صوت بكاء "فاطمة"، اقتربت خائفة مما سوف تجده، طلت برأسها ًا شدید ً حلیقة الشعر، وخصلات شعرها متناثرة داخل الغرفة أصابتها الدهشة، لتجدها عاریة تماما على سریرها، "فرحانة" تحتضنها وتبكي، وقصت علیها وصوتها مليء بالدموع ما كان من أمر ابنتها، لذلك قام والدها بضربها بشدة. أصاب الجمیع الذهول من تصرفاتها، "فاطمة" شاخصة البصر، تصطك أسنانها مع رعشة تملكت جسدها الهزیل، الخوف من مجهول لا تعرف مصدره، ثم قرفصت كأنها طفل في رحم أمه، بكلمات غیر مفهومة بأن هناك من یطاردها، یرید أن یقتلها تجده بجوارها على ٕ الفراش، وا ن نامت یطاردها داخل أحلامها، شخص ٕ ن ذهبت تستحم یلا مس جسدها، وا ْبعها كظلها لا یبصره أحد غیرها، لا ترید البقاء وحیدة داخل غرفتها، یجب علیها أن یت ترحل من هذا البیت، وا !. ٕ ن لم یسمحوا لها بالرحیل سوف تهرب "عوالي" بعد أن وضعت ملاءة السریر على جسد "فاطمة" العاري، انتقت من خزانة ملابسها أحد أثوابها، ترجوها أن ترتدیه وساعدتها على ارتدائه، ثم رقدت على السریر وهي تتحدث بخوف شدید: "یا مرات عمي أوعي تسیبیني لوحدي"، تحتضنها باكیة وهى تعدها بأنها لن تتركها، بل سوف ترقد بجوارها! بعد دقائق غطت في نوم عمیق، لملمت "عوالي" خصلات شعر "فاطمة" داخل قطعة من القماش، ثم وضعته داخل إحدى الأدراج بعد أن أحكمت ربطه جید "فرحانة" التى لطمت خدها وزاد بكائها، شاكیه بأن ابنتها ضاعت. ًا، تراقب
172 ٨ الجمیع على محطة نجع حمادي ینتظرون بین خوف وترقب حدوث الجریمة، مر یوم ثم الثاني ُ و"محمود" وبصحبته الغجر، كل صوت قطار شبه موسیقى القداس الجنائزي قادم من الجنوب ی بصخبها المخیف ومشاعرها المؤلمة، أصعب أوقات الانتظار هي انتظار خبر موت أحدهم، ًا سحابه من الحزن على ُعدها، لكن تنتاب المستمع دوم مهما تكون العلاقة عن مدى قربها أو ب الفقید، هكذا كان عموم الغجر. كل من یرى الغجر على المحطة بملابسهم البالیة وأقدامهم الحافیة، یشعر بامتعاض یظن بهم الظنون یجلسون جماعات في حلقات متفرقة تحت نخلة "بلال"، تلك النخلة التي ظلت تحمل اسمه كلما أشار الغجر نحوها، بعضهم یذهب یقضي حاجته بالقرب من المحطة، بعد یومین من بقاء الغجر بهذا المكان ارتفعت الر ائحة الناتجة عن البول؛ فتأفف موظفو المحطة والمسافرون ّسمون أنفسهم على امتداد ًا لقطار قادم یهرولون نحو الرصیف، یق من بقاءهم، كلما سمعوا ضجیج ًا، یتمنى رؤیة عربات القطار أمام كل الأبواب، وأمام كل عربة تجد بعضهم یتطلع، ینتظر متحفز ً حتى یجهر بصوته للجمیع، یتفحصون ثم تخیب ظنونهم، یعودون إلى ظل النخلة "بلال" أولا ً بینهم، یتوارون خلف حائط العادة، بعضهم أصابه ینتظرون، ظلوا على حالهم لا یقبلون دخیلا التعب جلسوا یتبادلون الشكوى. "سالمة" وهى تلقم صغیرها ثدیها الذي تغطیه بحبرتها المخططة ذات اللون الأخضر الفاتح، ً تقترب من "محمود" ا جسده یشعر بالتعب، وضع تحت رأسه قالب الذي رقد على الأرض ممدد طوب جعل منه وسادة، وفرش علیه شاله الأبیض المائل للاصفرار من كثرة القذارة والعرق، تجلس بجواره تسأله برجاء مفقود: ماذا ستفعل الآن؟! وهو ینقلب على جنبه الأیسر معطیا ظهره لها: - الآن لا أستط ِ یع أن أقول لك ً شیئا، عندما أرى "بلال" ومعه "راسیل" سوف أفعل، لكن ماذا سأفعل؟ لا أعلم! دعیني وحدي تحت ظل هذه الشجرة؛ أریح جسدي، أشعر بتعب شدید یداهمني، ولا تفعلي مثل الغرباء یحسدوننا على ظل الشجر. ***
173 وصل "رشدي" إلى شقته لم یجد "راسیل"، بحث عنها داخل كل غرفة، بعد البحث هداه عقله، أنها قد تكون في بیت مدام "سندس" نامت هناك كالعادة عندما یسافر ویتركها، لأنه لم یبلغها بموعد ً عودته من البلدة. ا یشعر بالتعب، رقد على سریره لم یستبدل ملابسه، لا الآن الساعة الرابعة فجر یدري سر هذه الروح الانهزامیة، یتحسس مقدمة رأسه، لشعوره بصداع كاد أن یقسم رأسه لنصفین، یحاول أن یغمض عینیه، یبحث عن النوم، تمنى أن تمر هذه اللیلة في لمح البصر. - متى حدث ذلك الأمر؟! قالها بعصبیة لمدام "سندس" في الصباح، عندما أخبرته بالقصة التي حدثت منذ أن رحل إلى البلدة، كانت جالسة تنصت للرادیو، سمعت طرقات قویة على الباب، قامت متعجلة، لتجد "راسیل" قلقلة تستنجد بها تطلب منها أن تخفیها، فـ"بلال" یجلس على المقهى، رأته من خلف الشیش وهى تنظفه، وبجواره شاب من الغجر یشیر نحو شرفة شقتها، جاء خصیصا إلى هنا لیقتلها على حد قولها. ً وعندما حل الظلام صعد "بلال" إلى ا یطرق بعصاه على الأرض كلما مر الوقت، الشقة، غاضب ظللت أراقبه من ثقب بابي وأسمع وعیده، یأخذ رأي صاحبه أنه سوف یكسر الباب، یعلم أنها ًا، أمسك به صاحبه ًا كبیر بالداخل یشم رائحتها الذكیة، ضرب باب الشقة بقوة، أحدث ضجیج ً یدفعه للابتعاد عن المكان، لكنه كان مصرا على الدخول، صاحبه یطمئنه بأنهما سوف یعودان ُ مرة أخرى، وقبل أن ینزلا على درج الس : ُلم اقترب الشاب یطرق على بابي یسأل - أین الأستاذ "رشدي مسعود" المحامى؟! - لا أدري، منذ أمس وهو غیر موجود، من أنتما؟! صمت الشاب هنیهة ثم رد في خضوع: نحن أقرباءه من البلدة، أین زوجته؟ أجبته بوجه محمر وصوت متلجلج: زوجته! هو غیر متزوج، من أنتما وماذا تریدان؟! غادرا وأغلقت الباب وأنا أحمد االله على أنهما یتمتعان بقدر كبیر من الغباء، لأنني لا أجید الكذب، فتتبدل ملامح وجهي دون إرادة مني، لكن هذه المرة حاولت بقدر الإمكان ضبط النفس لأحمي تلك المسكینة، التي ظلت ترتعش تحت الغطاء داخل غرفة نومي، همهمت العجوز بقرف:
174 - رائحة إبط أحدهما بشعة أزكمت أنفي. أنصت بصبر نافد كلما حاول أن یقاطعها لیسألها أین هي الآن؟ تطلب منه أن ینصت لما تبقى من القصة، أعاد علیها السؤال مرة ثانیة، قالت وهى تشیح بوجهها عنه: - هي في مأمن! - أین هو هذا المكان الأمین، لكي أذهب إلیها؟! - لا تجهد نفسك؛ لأنك لن تجدها! یشعر بالضیق من العجوز، التي تتعامل معه كأنه عدو لـ"راسیل" ولیس زوجها، انعقدت جبینه بحزم: - أین مكان زوجتي؟! ٕوالا سوف أذهب إلى القسم الآن أحرر محضر أتهمك بخطفها! ً صغیر : ًا یتوعدها وقالت في ثقة لم تهتم بتهدیده كأنها ترى طفلا - أنت غیر متزوج.! أین هي وثیقة زواجك؟! أترى تلك المدفئة، لقد حرقنا أنا وهى اللیلة الفائتة تلك الورقة غیر الشرعیة والتي تسمیها عقد زواج. ًا رأ ً جلس منك ا والعجوز تتفحصه، بعد فترة ِس ًا كبیر ًا وقت ًا، ظل صامت سه بین ذراعیه مستسلم خاطبته: ً � لا تجهد نفسك في البحث عنها لأنك لو فتشت كل مكان بالمدینة لن تجدها، ثانیا - أولا ووصیتها لي أن تدعها وشأنها، لن أخبرك مكانها حتى تحقق رغبتها، الآن علیك تبدیل ملابسك ُ وحلق لحیت هملة ووضع عطرك الفواح والذهاب لمكتبك، لدیك عمل مهم لتقوم به، وعندما ك الم ُد إلى هنا، سوف أصطحبك إلى المحطة كما اصطحبتها أمس، لنركب تستطیع تحقیق رغبتها ع القطار ونذهب إلیها سویا. *** مكتبه یجلس وحید طلبه أحد ً دخل "رشدي" ا، طلب من الموظفة آلا تسمح لأحد بدخول علیه، وأن في التلیفون تبلغ الجمیع بسفره، جلس على مقعده في حالة من التوتر والعصبیة، لكنه مطمئن أن "راسیل" في مأمن، وهناك خیط من الممكن عن طریقه أن یصل إلیها، وحمد االله أنها ذهبت في هذا التوقیت؛ لیتفرغ لـ"عبید"، وكذلك لیریح رأسه من هذا المعتوه "بلال" الذي جاءه مرة أخرى،
175 یسأله عنها. وأنكر معرفته بها، بل وطلب منه الرحیل وألا یعود هنا مرة ثانیة، وأن عاد فسوف یسجنه! ْبلها ویرجوه أن یساعده في أن یجدها، یواصل إنكاره بأنه طیلة عمره لا یعرف من دنا من یده یق نساء الغجر سوى "بخیتة"، ظل یتحدث بترفع شدید من طرف أنفه، ألیست من تسأل عنها تلك الغجریة التي كان "المصري" ابن عمي یرید الزواج منها؟! هز "بلال" رأسه متلهفا للجواب: نعم هي، هل رأیتها؟! ضم شفتیه في ضیق وقرف یواصل تلك اللهجة المتعالیة: أنا أرید الانتقام منها لقد أفسدت ًا ً، أذهب الآن، وا سوف أخبرك. ٕ ن عرفت شیئ علاقة ابن عمي بنا جمیعا تدخل في الحوار صدیقه المنصت، مشیر : ًا نحوه ً - یا أستاذ "رشدي" نرجوك أن تساعدنا، ما وصل إلیه "بلال" ا أستحلفك ًا، بل جنون لیس عشق باالله. هز رأسه یطلب منهما الانصراف الآن لأنه مرتبط بعمل، یتفحص جلبابهما الرث القذر یبدو ُ أنهما ناما لیلتهما على أحد الأرصفة، نزل "بلال" لم، یسمع طرق نعلیهما وصاحبه على درج الس الب ". ُ المصنوع البلاستیك القوي رخیص الثمن " وت كما یسمع الآن صوت طارق على باب المكتب الخاص به، الموظفة تطلب في أدب شدید بأن أخیه "عبداالله" بالخارج یرید الدخول إلیه، رفع رأسه بقلق عندما سمع كلمة: أخیه.
176 ٩ عاد "عبداالله" إلى النجع بعد زیارة سریعة لمدینة قنا، یتقصى الخبر وما دار بین الأخوین اللیلة الفائتة، بعد أن دارت برأسه دوامة من الظنون تجاه ما حدث، كلها سحبته إلى منطقة أكثر ضبابیة من الواقع، قام في الصباح یبحث عنه فلم یجده، عرف من "عوالي" أنه سافر لیلة أمس، سافر غاضبا، وأنها سمعت صوت شجار بالمندرة بینهما لكن لم تعرف أسبابه، ما نقلته لزوجها جعله یشعر بقلق؛ فركب سیارة أجرة واتجه إلى قنا، ذهب إلیه في المكتب لیعرف حقیقة ما جرى، لم یذهب إلى "عبید" خشي منه ألا یقول له الحقیقة، هذا أول ظن ورد بخاطره فاتبعه دون تریث، وهذا السبب ذكره لـ"رشدي" عن سر الزیارة المفاجئة، قال تلك الكلمات وهو یجلس أمامه على مقعد من أحد المقعدین أمام المكتب، وأنهى حدیثه: - قل لي حقیقة ما حدث، لقد جئت إلى هنا لمعرفة الحقیقة فقط! مندفع وأمسك به من یدیه، ثم ثبت نظراته ً اقترب "رشدي" ا ثم جلس على المقعد المواجه له، على عینیه، كأنه یسیطر علیه ولا یعطیه فرصة أن یفكر سوى فیما سیقول، بحزن شدید بعد أن طلب منه أن یتمالك أعصابه: - عبید یقول أن أرض العصارة وما علیها ملك خاص له، وبیت "المصري" وأرضه هي أیضا مكتوبة بعقود مسجلة بالشهر العقاري، قا ل هذا الكلام عندما طلبت منه أن یفي بوعده ً ً من نتاج العصارة والأرض الزراعیة ًا، قال ویبني لي بیت : أنني أخذت نصیبي كاملا ً، كیف والمواشي، وكل ما كان یرسله لي أیام الجامعة وبعد تخرجي، وهذا هو حقي كاملا یسمح لنفسه بتقسیم إرث والده وهو على قید الحیاة؟! رفع "عبداالله" رأسه مندهشا مما یسمع: أنا أعرف كیف أجعله یعود لصوابه جیدا؟! أنا لا أملك إلا هذا! ً -
177 أشار إلى عصاه الغلیظة التي یقبض علیها، قام من مكانه وهو یضرب بقوة على الأرض، وا . ٕ نه عائد للنجع الآن قبل حلول الظلام فقام "رشدي" یلملم بعض حاجاته داخل المكتب؛ لأنه لن یعود الیوم إلى المكتب مرة أخرى، كما أخبر الموظفة.. یحاول أن یثنیه عن قراره، فى النهایة عرض علیه أن ینقله بالسیارة إلى موقف سیارات الأجرة، یطلب منه أن یهدأ ویفكر بما سوف یفعله. ظل "عبداالله" یفكر وهو داخل سیارة الأجرة، ماذا سیفعل مع "عبید"؟! هل یضربه بعصاه على رأسه؟! أم یكسر له ساقه كما فعل مع صهره؟! وكلما اقتربت السیارة من البلدة، زاد ًا وقبض براحة یده بقوة على عصاه التي یضعها بجواره داخل السیارة، ًا وغضب وجهه تجهم لم ینبس ببنت شفاه منذ أن غادرت السیارة مدینة قنا صوب مدینة نجع حمادي، لم یشارك لعابر، ظل محدق .. بدأت الشمس ً الر ا من خلف الزجاج في الفضاء الخارجي ُكاب الحدیث ا تلملم خیوطها في هدوء، مر أمامه شریط حیاته كأنه صورة متحركة تعرض على الشاشة. أیام الطفولة عندما كان یسیر خلف "عبید" من البیت للعصارة، یتبعه كظله أینما ولى، في مرحلة الشباب اشتد عوده واكتمل بنیانه، وضحت قوته عندما حمل لوح "البلوط" لوحده، هذا اللوح الخشبي المدبب الثقیل الذي یوضع على عنق البقرتین أثناء عمل العصارة؛ حینها اقترب منه الحاج "مسعود" وضربه بالعصا على فعلته، كانت حجة الرجل المعلنة من الممكن أن یكسر اللوح لأنه ثقیل، لكن الحقیقة التي أخبره بها عند تناول العشاء، خاف ّقین المندهشین، وأوصاه بألا ْمل علیه من عین الحسود، فافتعل تلك المشكلة أمام الجمیع المح یظهر قوته أمام أحد. منذ هذا الوقت و الأخ الأكبر یفكر وهو الأداة التي تنفذ، تمر أمام عینیه الذكریات، انتبه للواقع بأن اللیل قد حل، یتعجل السیارة، التي تخترق الظلام، تتأجج داخل صدره مشاعر الانتقام. ***
178 یسیطر القلق على "رشدي" منذ عصر الیوم، منذ أن ودع "عبداالله" وعاد إلى الشقة، فتح الباب كان ی "راسیل" في استقباله بعناق طویل، وقبلة عابرة على شفتیه ُمني النفس أن تكون كما هي العادة، حالة الظلام جعلت أعاصیر من الندم تضرب رأسه، ظل یدور بأركانها لا ًا یهنأ في الجلوس أو الرقود علیه، یتحدث إلي صورتها المعلقة على ًا أو سریر یجد مقعد الجدار، تذكر "المصري" وجثته الهامدة أمام نفس الصورة: فلو جعلها تعیش معه كزوجة لتبدل حاله، لو منحها الأمان الكلي، لو عاملها على أنها وعاء یفرغ فیه همومه وحبه وحنانه ولیس وعاء یفرغ فیه.. لو.. لو..، كل الافتراضات التي فرضها لم تؤت ثمارها، ولم تغیر من الواقع شیئا، وفى النهایة وصل لطریق مسدود في مواجهة نفسه التي عاد یسألها في مكاشفة غیر معتادة منه: كیف كان سیواجه المجتمع والأهل عندما یعرفون بزو اجه من غجریة؟! كل الصور التي رسمها في الماضي لا تحمل له إلا منطق وحید، هو التعقل، فلیذهب القلب للجحیم! لكن الیوم عندما خلت علیه الدنیا شعر بأن تفكیره الذي یصفه بالعقلاني، ما هو إلا مشاعر من الأنانیة. یرغب رشدي بأن یظفر بكل شيء! كل شيء! یمكن أن یحقق رغبتها لكن بعد موت والده، هذه هي الحقیقة التي واجهته بها لكنه أنكرها، والآن اعترف بها في لحظة ندم، وهي اللحظة التي یكون الإنسان بها أكثر ألما وتجردا من كل أنواع الزیف، عاد یفكر في "عبداالله" كیف سیتصرف مع "عبید"؟! یعلم أنه متسرع وسریع الغضب!! كیف ستكون نتیجة ما قاله له؟! هل سیستریح عندما یجدهما یتصارعان أمام العیون؟! یتساءل في خوف: - من أین أتتني تلك المشاعر الانتقامیة؟! ضرب راحة یده بقوة في مرآة كبیرة تتوسط صالة الشقة، یسأل أنعكاسة في صورة وجهه التي وضحت مموجة مشوهة في الزجاج المكسور، بصوت تخالطه الدموع: - لماذا كذبت علیه؟!، أمن أجل أن یقتل أخیه؟!، أم ماذا ترید من تلك الوقیعة؟! أیها الجبان المخادع!
179 یواصل بكاءه بشدة، قام إلى أثاث الشقة وبدأ یحطم كل شيء تطوله یده یدفعه بقوة، وما یجده على الأرض یضربه بقدمه، كالثور الهائج وعلت أصوات نحیبه وهو یلوم نفسه: ً، فلیس بالضرورة أن تتحول إلى حقیر وضیع! "راسیل" - إن لم تستطع أن تكون عظیما ! ِ أین أنت؟ ُلم إلى أسفل، یهمهم ببعض الكلمات غیر مسموعة، ثم نزل من الشقة یقطع درجات الس تجاهل سؤال مدام "سندس" التي خرجت من شقتها قلقة على صوت تحطیم الأثاث. *** في المندرة، "عبید" وبصحبته المأمور وبعض من رجال الشرطة، في جلسة حوار عن أحوال البلد السیاسیة، المأمور یتصفح جریدة المساء عنوان كبیر باللون الأحمر یتوسط الصفحة: "إسقاط ثلاث وأربعین طائرة للعدو"، ثم ینتقل لعنوان آخر بنفس الصفحة: "بدأت المعركة، كلنا رجل واحد خلف القائد". الجالسون منهم من علا صوته بالتكبیر والتهلیل. الكل یرى أن العدو هذه المرة سوف یأخذ درس . حالة من تباین الآراء بین متفائل ًا لن ینساه متحمس وآخر خائف من نتیجة هذه الحرب. ًا، فالبلاد في حالة حرب، یهز رأسه المشغول بأن طلب المأمور من العمدة أن یكون یقظ الأمور سوف تكون على ما یرام، وظل یذكر له ما صنعه أیام حرب العدوان الثلاثي، ًا في تلك الدوریات، التي كانت تقام طوال اللیل على الطریق وكیف كان دوره ممیز الزراعي؟! والخفیر "متولي" یقف للإشراف على تقدیم الشراب للضیوف، رفع رأسه نحو باب المندرة، استدار في الاتجاه الآخر وهو یستعیذ باالله من شر ما هو قادم. دخل "عبداالله" ًا، اقترب من أخیه وأمسك بتلابیب ثوبه، یحاول أن یخنقه، المأمور یحول بینهما، مندفع دفعه بقوة فسقط على الأرض، فأمر الخفر بالإمساك بهذا المجنون. الذى تراجع بضعة خطوات للخلف بعد أن دفع "عبید" فسقط على الأریكة، رفع عصاه الغلیظة، یضرب بها كل من یقترب منه حتى أتته ضربة من الخلف بمؤخرة مسدس، ضربه أحد الضباط، قفز
180 ً وعبید یقف مذهولا الجمیع علیه یربطونه في عمود خراساني داخل المندرة. مما یحدث أمامه، یسأله في حیرة شدیدة: - لم تفعل هذه الأفاعیل الجنونیة؟! ُ ْ یصفه بالطماع الجشع، وظل یتوعده بأنه لن یتركه دو ن أخذ حقه وحق "رشدي". كال التهم ت للعمدة بلا توقف وسط دهشة الحاضرین مختلطة برغاء فمه فیتناثر منه الرزاز. - هل ذهبت إلى "رشدي" في قنا؟! وماذا قال لك؟ ینظر إلیه بعینین جاحظتین ولا یرد علیه، المأمور بعد أن أحسن هندامه یطلب من الخفر أخذ هذا المجرم إلى سیارة الشرطة، یرجوه "عبید" فهو أخیه على أیة حال، وأن هناك سوء تفاهم وسوف یصلح ما فسد، أصر المأمور على موقفه وأنه لن یترك حقه، بعد محاولات ًا بالعمود كثیرة ورجاء متواصل وافق ألا یأخذه معه، لكن بشرط أن یترك لظهر الغد مربوط الكهربائي في الشارع، وهذا أمر ولیس فیه رجعة، أمر الخفر وبعض من عساكره الذین أتوا مهرولین بسحبه، وتم ربطه بقوة بعد ضربه بمؤخرات البنادق عندما حاول المقاومة. ًا الرأس، الدماء تتساقط منها؛ فملئت جلبابه وصدره، ظلت في النهایة استسلم وظل منكس "عوالي" تصرخ وتستغیث، "عبید" في حزم یأمر "متولي" الخفیر أن یجبرها على الدخول للبیت وا . ٕ غلاق الباب علیها ًا وهو یقلب بصره بین الجمیع، المأمور طلب منه إحضار الكرباج لجلد أخیه، وقف متردد ٕ لا سیأخذه معه إلى قسم لكن المأمور نهره في قوة وحزم، علیه أن ینفذ ما طلب منه، وا الشرطة، وسوف یؤدبه بطریقته. فقام بأیدي مرتعشة، یضرب "عبداالله" الذي توجع في صمت، كلما ضربه سأله: - ماذا قال لك رشدي؟!. فلا یجیبه، أعاد ضربه مرة أخرى وهو یصیح به: - أیها الغبي، لقد هدمت كل شيء بهذه الفعلة المشینة!
181 بعد عدد من الضربات لم تتجاوز أصابع الید الواحدة، توقف ینظر حوله في حزن، یشعر بأن كل جلدة تقع على جسده قبل جسد أخیه. هرول الطفل "جابر" � نحو جده باكیا: "جدي إلحق أبویا، عمي ربطه في عمود الكهرباء"، حاول القیام ولكنه لا یستطیع، كف عن محاولات القیام، ثم أشار بأیدي مرتعشة بأنه لا یستطیع القیام، تركه "جابر" والدموع متحجرة في مقلتیه، حاول العجوز القیام من على سریره مرة أخرى، فسقط على الأرض فاستسلم لقلة حیلته. ًا بالعمود الكهربائي في الصباح الیوم التالي كل من یمر أمام المندرة، یجد الوكیل مربوط منكس الرأس، ثوبه ممز ق علیه بقع من الدم رأسه مكشوف دون عمامة، الجمیع منكسو الرءوس یشاهدون في صمت، یقفون على مقربة من المندرة، حاول "فرج" الطباخ إغاثة ً من الجنود المكلفین بحراسة المصلوب، وتم ًا مبرحا ُ صدیقه؛ كانت النتیجة أنه ضرب ضرب سحبه على الأرض وألقوا به بعید أمام المندرة، وسط قلق البعض من ًا عن الساحة التي المستقبل والخوف من العساكر صمت الجمیع. الكل یتساءلون، یتهامسون ماذا فعل؟، وأین الوالد مما یحدث؟، ارتضى الجمیع بإجابة واحدة بأنه تشاجر مع المأمور، وحاول ضربه بعصاه فلم یفلح، كانت هذه المعلومة التي همس بها "متولي" للبعض فسارت كالنار في الهشیم، وظل الجمیع یرددها، ولا یملك قول غیر ذلك في حضرة الجنود والعساكر. داخل حجرتها تجلس "عوالي" محتضنة ابنها، ظلت طوال اللیل جالسة تبكي بشدة، لا تصدق ما رأته العین، كأنها في كابوس، ظل "جابر" یبكي حتى نام رغم أنفه، في الضحى ًا من داخل بیت صوت "فرحانة"، لم تهتم ولم تهرول نحوها كالعادة، بل ً سمعت صراخا شدید ظلت جالسة تحت سیطرة سلطان الانتقام الذي عبأ صدرها. یجلس "عبید" منذ لیلة أمس داخل المندرة، شعر أنه مقید في إحدى الأرائك، بعد أمر المأمور ٕ ن خالف أوامره سوف یدفع بأخیه إلى السجن، وسوف یتقدم بألا یفك أخیه حتى الظهر، وا
182 بطلب إلى المسئولین لسحب العمودیة منه، ومصنع الطوب سوف یتخذ ضده الإجراءات القانونیة، لأنه منشأ بشكل غیر قانوني، وظل یذكر الأسباب التي سوف یكتبها بالتقریر، وملف "رشدي" الأمني سوف یكون في طلیعة أسبابه، رأى في عین المأمور رغبة في الانتقام، یبدو أن ضربة "عبداالله" القویة أعطته الدافع لیمارس سطوته. د أنصرف بعد منتصف اللیل، وترك بعض كان المأمور ق ا من عساكره أمام المندرة، وهو ً ً یوصي الجمیع بلهجة تحمل التحذیر. "عبید" ا لم یخرج خلفه یودعه بل ظل مكانه جالس ًا على الأریكة، یحاول أن یرتب بعض الأوراق التي بعثرتها ریاح أخیه الأمشیریة، تسأل كثیر فلم یجد إجابة لهذا السؤال: - ماذا قال "رشدي" له حتى جعله كالثور الهائج؟! ً ِ ا في ح أعادته إلى الواقع صرخة "فرحانة" جر جلبابه؛ فسقط على الأرض، ثم ، هرول متعثر ًا للداخل، ارتطم بأحد الجدران ثم واصل بلا اهتمام وهو یسمع صوت قام على الفور متوجه زوجته وهى تعلن وفاة ابنتهما. أغلق الباب خلفه لكي لا یسمح لأحد بالدخول، حتى یعرف حقیقة ما حدث. اقترب في خطى مرتعشة نحو غرفة "فاطمة". الدماء تغطي أرضیة الغرفة وجسدها النحیل المائل للون الأزرق مسجى على السریر، "فرحانة" تواصل لطم خدیها بعد أن شقت ثوبها، وقف في أحد أركان الغرفة باهت الوجه، یشاهد جثة ابنته في صمت والدموع تملئ مقلتیه، یسمع صوت ً. لأول مرة في حیاته یشعر بأنه قلیل "متولي" والطرق بقوة على باب البیت، لم یحرك ساكنا الحیلة، وحید ضعیف لا یدري هل تخلى عن الجمیع؟ أم هم من تخلو عنه؟! ً نحو المندرة، متوجه بابه ً بعد أن دخل "متولي" ا صوب بیت العمدة ظل یطرق على مهرولا �ا بعد انتشار الخبر، فمصر ً، عاد نحو ساحة المندرة ظل یندب حظه باكی لم یجد جوابا وسوریا خسرتا الحرب ضد إسرائیل، منذ قلیل انتهى خطاب التنحي.. وسط حالة من الوجوم
183 تسیطر على الجمیع، الناس ملأت الطرقات منهم من یبكي الهزیمة، ومنهم من یراقب في صمت. وصل "رشدي" بالسیارة عند الجسر توقف بها على جانب من الطریق لوجود زحام شدید، یسمع ویراقب، سمع بما حدث بین أخویة، بعد دقائق من الصمت تحرك بسرعة كأنه ُطارد، لكن لم یتجه صوب النجع، بل عاد من حیث أتى، الغبار الذي خلفته إطارات م السیارة أثار حفیظة الجمیع، اختفى عن الأنظار وتلاشى على طریق الجسر الطویل الممتد، وسط تساؤلات كثیرة من أهل النجع: - ماذا حدث بین أبناء الحاج مسعود؟! تمــــــت