The words you are searching are inside this book. To get more targeted content, please make full-text search by clicking here.

تمكيت رواية صرخة مومياء بي دي إف نهائي للطبع

Discover the best professional documents and content resources in AnyFlip Document Base.
Search
Published by الكاتب خالد الحديدي, 2022-06-02 01:32:46

تمكيت رواية صرخة مومياء بي دي إف نهائي للطبع

تمكيت رواية صرخة مومياء بي دي إف نهائي للطبع

‫رواية‬

‫خالد الحديدي‬

‫‪2021‬‬

‫[‪]0‬‬

‫إصدارات دار الوهيبي‬
‫للنشر والطبع والتوزيع والإنتاج الفني والإعلامي‬

‫اسم الكتاب‪ :‬صرخة مومياء (رواية)‬
‫اسم المؤلف‪ :‬خالد الحديدي‬

‫رقم الإيداع‪2021 / 14100 :‬‬
‫ترقيم دولي‪978-977-6846-42-5 :‬‬

‫تصميم الغلاف‪ :‬سهام‬
‫الإخراج الفني والمراجعة‪ :‬دار الوهيبي‬

‫المدير التنفيذي‪ :‬السعيد صابر ربيع‬
‫نائب المدير العام‪ :‬أحمد حسن مراد‬
‫المدير العام‪ :‬سهام محمد عطا الوهيبي‬

‫حقوق الطبع محفوظة للمؤلف‬

‫لا يسمح بإعادة إصدار هذا الكتاب أو أي جزء منه أو تجزئته في نطاق استعادة المعلومات أو نقله بأي شكل‬
‫من الأشكال المعروفة حاليا أو التي ترد مستقبلا دون إذن خطي مسبق من الناشر‬

‫الآراء الواردة في هذا الكتاب لا تعبر بالضرورة عن توجه دار الوهيبي بل تعبر عن رأي المؤلف‬
‫وتوجهه في المقام الأول وكل ما يحتويه الكتاب مسئولية المؤلف‪.‬‬

‫المراسلات‬

‫العنوان‪ :‬مصر ‪ -‬بورسعيد ‪ -‬تعاونيات الزهور ‪ -‬عمارة الواحة مدخل ‪ 1‬الدور الثامن‬
‫شقة ‪2‬‬

‫‪E-mail: [email protected]‬‬

‫‪MOB.: 002-01022128206‬‬ ‫‪TEL&FAX: 002-0663657249‬‬

‫[‪]1‬‬

‫إهـــداء‬

‫إلى وطني الحبيب مصر تلك البقعة الطاهرة التي عاش فيها أ‬
‫جدادي وجاء منها أبي‪.‬‬

‫إلى تلك البقعة الحضارية التي عشت فيها‪.‬‬
‫إلى روح أمي الغالية‪ ....‬رحمة الله عليها‪.‬‬
‫إلى روح أبي المبجل‪ .....‬رحمة الله عليه‪.‬‬
‫إلى زوجتي وشريكة الحياة‪ ......‬أدامها الله نعمة في حياتي‪.‬‬

‫[‪]2‬‬

‫إلى "السادة القراء الأفاضل"‬

‫تقوم الأوطان وتعمر الديار بالقراءة والكتابة‪ ،‬فما من مفكر خط‬
‫بقلمه إلا وخلف أجيال كرام‪ ،‬تقبل روايتي "صرخة مومياء" لعلك‬

‫تجد فيها متعة وعالم جميل‪.‬‬

‫فالقراءة حياة‪ ،‬وأية حياة هي تلك التي تغمرك بمشاعر الصدق مع‬
‫الذات والآخر‪ ،‬والإخلاص للكلمة والمعنى المراد‪ ،‬وأية حياة هي‬
‫تلك التي تهبك ضعف الساعات التي تمضي بلا عد ولا حساب‪،‬‬

‫وتساوي في حساب الإنسانية لقاء فريدا للأرواح‪.‬‬

‫خالد الحديدي‬

‫[‪]3‬‬

‫مقدمـــة‬

‫حين يلقي الماضي بظلاله على الحاضر‪..‬‬

‫فالتاريخ لم ولن يكون مجرد حواديت نتسلى بها قبل النوم ولكنه‬
‫المؤشر الأهم الذي يحكم على مدى ثراء أو إفلاس الأمم‬

‫والشعوب‪..‬‬

‫الأمة التي تمتلك الحضارة والتاريخ هي الأكثر ثراء وعراقة‬
‫ومن المؤسف أن البعض منا ‪ -‬إما عن قصد أو عدم معرفة ‪-‬‬
‫يشارك في تهميش التاريخ المصري القديم؛ مما يمثل أكبر الخطر‬

‫على الذاكرة الوطنية لدى الأجيال من الأطفال والشباب‪.‬‬

‫[‪]4‬‬

‫فيجب علينا أن نتصدى لمحاولات تجريف الوعي الوطني‬
‫وانتشار الأمية الوطنية‪.‬‬

‫كم كرهت مقولة (التاريخ يعيد نفسه) فالأمم التي لا تعي ولا‬
‫تدرس تاريخها ولا تأخذ منه العبرة وتكرر أخطاءها مرة بعد مرة‬
‫وعام بعد عام وقرنا بعد قرن فإن مصيرها الزوال والاضمحلال‬

‫والعبودية الفكرية‪..‬‬
‫والذي يدعوا للحزن أن أخطاءنا رغم تاريخنا الضارب في‬
‫أعماق التاريخ نكررها بنفس الكيفية‪ ،‬والأسلوب‪ ،‬والطريقة‪ ،‬مع‬

‫اختلاف الأشخاص والمدة الزمنية‪.‬‬
‫فأصبحت أيامنا تمضي‪ ،‬يتتابع فيها الليل والنهار من غير‬
‫طائل‪ ،‬فالتاريخ يخبرنا ويحدثنا ولكننا نصم آذاننا ونغلق عقولنا‪.‬‬

‫[‪]5‬‬

‫(‪)1‬‬

‫أغرقت بلاد مصر الضاحكة في الحزن؛ عندما سمع الشعب‬
‫الخبر الصاعق الملك سيتنخت لم يعد على قيد الحياة‪ ،‬وانتشر‬
‫الخبر حتى وصل إلى أبعد المنازل‪ ،‬بكى البعض‪ ،‬وتجهم وجه‬
‫الآخرين‪ ،‬لم يصدقوا أن حياة الملك التي تجري كالنهر تتحكم بها‬
‫أهواء الزمان والطبيعة وفي الصالات المظللة بأوراق الشجر‬
‫كانوا يستعدون لتحية ابن الآلهة المتوفي؛ الذي انتزع من أرضه‬
‫بعد سنتين من الحكم فقط‪ ،‬ولكن الكهنة والأعيان في صالة البلاط‬
‫كانوا يفكرون بالرجل الجالس أمامهم على عرش عظيم‪ ،‬بعيدا‬
‫عن الضجيج‪ ،‬كانوا ينظرون إلى ابن سيتنخت وريث العرش الذي‬

‫يكتم آلامه بصعوبة بالغة‪.‬‬

‫[‪]6‬‬

‫كان الكهنة يرون الأمير رمسيس الثالث أنه الطيبة نفسها‬
‫متجسدة‪ ،‬بتقاطيع مليئة ووجه عريض‪ ،‬وكانت ملامح وجهه‬
‫الدقيقة تحتفظ بالشباب رغم بعض التجاعيد التي حفرتها تجارب‬
‫عاشها إلى جانب أبيه‪ ،‬ولكن تعابير وجهه الحازقة ونظراته الثابتة‬
‫تجعل المرء يستشف أن لديه ميولا أخرى‪ ،‬والأمير رمسيس‬
‫يعرف ذلك جيدا في أعماقه‪ ،‬فهو عند جلوسه على العرش لن‬
‫يتنازل عن سلاحه‪ ،‬ولن تضعفه المحن؛ فهو ما يزال في عمر‬

‫الخامسة والثلاثين‪.‬‬

‫وفي هذه القاعة الصامتة كان جموع أصحاب المقامات تحاول‬
‫سبر أعماق السيد الجديد الواهن القوى‪ .‬واقترب الكهنة والكتاب‬
‫ببطء من الرجل الذي أصبح ملكا لشعبه‪ ،‬فقريبا يجب أن يختفي‬
‫حزنه وراء قناع الملك المتمنع عن الآلم‪ ،‬فليس هناك أخطر من‬
‫عرش خاو‪ ،‬كان سيتنخت يعلم ذلك جيدا‪ ،‬ولذلك قام بتحديد وريث‬

‫العرش أمام أعين الجميع قبل أن يدركه الموت‪.‬‬

‫مضت أيام على دفن الملك سيتنخت في قبره في شاطئ‬
‫الأموات الصخري حيث تغيب الشمس وراء القمم‪ ،‬شعر الملك‬
‫الجديد (وسر ـ ماعت ـ رع ـ مري ـ إمن) رمسيس الثالث بأنه‬
‫هش كتلك النباتات الهزيلة المتشبثة بالمنحدرات العقيمة‪ ،‬وسأل‬

‫نفسه‪:‬‬

‫هل صلاته فوق صلوات الجميع على الآلهة تجعل منه رمسيسا‬
‫ثانيا جديدا؟ وهل يعاكسه القدر فيغرقه مع الملوك العظام في بحر‬

‫النسيان؟‬

‫[‪]7‬‬

‫تقدم أصحاب المقامات من وريث العرش؛ ولكن ذلك لن‬
‫يخرجه من تحفظه‪ ،‬فهو يريد التأمل لبضعة ساعات أخرى قبل‬

‫إقامة شعائر الخلافة‪.‬‬

‫فذهب بالذكريات بعيدا عندما كان والده الملك سيتنخت يسدي‬
‫إليه النصح في كل مناسبة وهو يهتم بشؤون الامبراطورية‬
‫المصرية دون انقطاع‪ ،‬فقد أدرك منذ صباه أن الحرب تلازمه‬
‫ولكنه كان عاجزا عن فهم تلك المعارك المشتعلة وذلك السخط‬
‫الذي يجعل العائلات المسعورة في سعيها نحو العرش تحرك‬

‫جيوشها لتمزق بعضها بعضا‪.‬‬

‫تعيسة هي أرض مصر‪ ،‬كم تعرضت للأطماع العقدين‬
‫الماضيين! أطماع الوزراء‪ ،‬أطماع كبار الكهنة والكتاب‪ ،‬بل‬
‫أطماع الأعيان الأجانب‪ ..‬فتابع الذكريات عندما أغرق الكهنة‬
‫والده الملك سيتنخت بقوانين ابتداء من تقديم القرابين وأطماع‬
‫الكهنة ومحاولاتهم السيطرة على الحكم باسم الآلهة‪ ،‬وقد ظل والده‬
‫يقاوم نفوذ الكهنة فوجد أن كل شيء يريد القيام به كان الكهنة‬

‫يحولون دون تنفيذه قائلين‪:‬‬

‫ـ أنه ضد إرادة المعبود أو ضد مصلحة الشعب فكان يتملكه‬
‫الغضب وأقسم إذا ما حدث وأصبح ملكا أن لا يدع في مجلسه أحد‬

‫من الكهنة إلا من يعرف كيف يخدم إرادة الملك‪.‬‬

‫ولم يخف ارتيابه في كثير من الحقائق والتعاليم الموروثة‪ ،‬مما‬
‫جعله يصرح لوالده الملك‪.‬‬

‫[‪]8‬‬

‫قائلا له‪:‬‬
‫ـ إن هؤلاء الكهنة يضلون البسطاء بالخرافات‪ ،‬ويشاركون الفقراء‬

‫في أرزاقهم المحدودة‪.‬‬
‫ـ يا بني أنهم الأساس المتين الذي يقوم عليه العرش‪.‬‬

‫فهتف الأمير رمسيس غاضبا‪:‬‬
‫ـ لا كرامة لعرش يقوم على الخداع باسم الدين‪ ،‬إلى متى نصمت‬

‫ونترك هؤلاء يخدعون العامة؟‪.‬‬
‫ـ إنهم قوة لا يستهان بها‪ ،‬وإنهم منبثون في كافة أقطار المملكة‬

‫كالدم في الجسم‪.‬‬
‫ـ إنهم دجالين وأفاقين يا أبتي‪.‬‬
‫ـ أعلم ذلك يا بني! ولكن من السهل أن يعلنوا للعامة بأننا كفرنا‬
‫بالإله أمون؛ فيقوم العامة بالثورة ضدنا‪ ،‬إنهم يسيطرون على‬
‫عقول العامة باسم الدين‪ ،‬وأي محاولة للقضاء عليهم سوف تأتي‬

‫بعواقب وخيمة‪.‬‬

‫[‪]9‬‬

‫(‪)2‬‬

‫شعر رمسيس الثالث بجسامة مهمته تجتاح كيانه‪ ،‬ثم عاد أيضا‬
‫بالذاكرة عندما كان صغيرا (ولم يكن سنه يربو على العاشرة)‪،‬‬
‫عندما كان يتلقى دروسه الدينية في حجرته‪ ..‬وكان معلمه الكاهن‬
‫الكبير (حوتيب) يشرح له الأسرار السماوية العميقة في أوراق‬
‫البردي المنثورة أمامه‪ ..‬وكانت لحية الكاهن الطويلة تروح وتغدو‬
‫في الفضاء كلما تكلم‪ ،‬كأنها الآلة الكهربائية التي تمسح زجاج‬
‫السيارة أمام السائق في أيام المطر حتى لا يحجب عن نظره‬

‫الطريق‪.‬‬

‫كان الكاهن يقص على الأمير كيف تكون العالم وكيف خلق‬
‫الإله هذا الفضاء‪ ،‬ثم الأرض‪ ،‬ثم السماء‪ ،‬ثم النيل‪ ،‬ثم التربة‬
‫الخصبة‪ ،‬ولكن رمسيس كان يستمع إلى معلمه في سآمة وضجر‪،‬‬

‫[‪]10‬‬

‫ويود لو شارك الأطفال الذين شاهدهم من النافذة يمرحون في‬
‫الحقول طلقاء سعداء في مرحهم ولهوهم‪ ،‬بينما هو يقضي العمر‬
‫سجينا بين جدران أربعة! فاذا ذكر الكاهن جهنم‪ ،‬وأخذ يصف‬
‫الشياطين المكلفين فيها بعذاب من أذنب في الحياة الدنيا‪ ،‬أحس‬
‫رمسيس برعدة تسري في جسمه الضئيل‪ ..‬وكان الكاهن يرمقه‬
‫بابتسامة صفراء كأنه مغتبط لخوف الأمير‪ !..‬كم ود رمسيس في‬

‫تلك اللحظة لو دق عنق معلمه‪.‬‬

‫وفي أثناء ذلك‪ ،‬ازداد ضجيج الأطفال في الخارج‪ ،‬فنظر الأمير‬
‫إليهم مرة أخرى من النافذة‪ ،‬فإذا بهم يطاردون جحشا فر من‬
‫صاحبه‪ ..‬عندئذ استولت الحماسة على قلب الأمير‪ ،‬واشتدت به‬

‫الرغبة في الانضمام إلى أولئك الصبيان‪.‬‬

‫فصاح بمعلمه قائلا‪ :‬سيدي أرجو منك أن تدعني أهب لمساعدة‬
‫هؤلاء الأطفال في القبض على الجحش الهارب‪.‬‬

‫فكان جواب الكاهن أن أغلق النافذة واستمر في القراءة كأن‬
‫لم يقع شيء‪.‬‬

‫تقلب الأمير المسكين في سريره تلك الليلة‪ ،‬ولم تذق عيناه النوم‬
‫لأنه كان جد غضبان‪ ..‬ولو نظر رمسيس إلى وجهه في المرآة‬
‫في ذلك الحين لشاهد تلك الحمرة الجميلة التي علت خدوده ذات‬
‫الصفرة الذهبية من جراء انفعاله!‪ ..‬حقا! لقد مل الأمير الحياة‪،‬‬
‫وسئم استبداد معلمه! صحيح أن بالقصر أطفالا كثيرين من أبناء‬
‫البلاط يستطيع الأمير مشاركتهم في ألعابهم‪ ،‬ولكن هؤلاء لا‬

‫[‪]11‬‬

‫يعاملونه معاملة الند للند‪ ،‬بل يهابونه ولا يخاطبونه إلا في كلفة‬
‫وحياء‪.‬‬

‫يا رب كيف يتخلص الأمير من نير الكاهن حوتيب؟ إنه طالما‬
‫شكاه إلى فرعون والملكة في الأوقات القصيرة التي يسمح له فيها‬
‫بمقابلتهما ولكن من غير جدوى‪ .‬فقد كانا يردانه دائما خائبا كأنه‬
‫ارتكب جرما‪ ..‬لم لا يرفع الأمر إلى الآلهة الفخام وهم من أقاربه‬
‫كما يزعمون! ولكن هؤلاء هل يعينونه؟ إنه يشك في ذلك‪ ،‬انظر‬
‫إلى صورهم المخيفة!‪ .‬ذاك (سوبك) إله الماء‪ ،‬له صورة التمساح‬
‫الذي يخطف الأطفال على ضفاف النهر‪ ،‬وذلك (أنوبيس) في شكل‬
‫الذئب وقد أكل في العام الماضي غزال الأمير المحبوب‪ ..‬وتلك‬
‫(هاتور) على هيئة بقرة‪ ،‬فهي لا شك بلهاء لا تستطيع نصرته‪..‬‬
‫إذن من يخف منهم لنجدته؟ إيزيس؟ أجل! هي الأم البارة‪ .‬كم مرة‬
‫سكب الأمير دموع الرحمة والحنان إزاء تمثالها وهي جالسة تضم‬
‫إلى صدرها ولدها المحبوب حوروس! وفي تلك الليلة نفسها دعاها‬
‫الأمير لنصرته فاستجيب دعاؤه! ربما تكون إيزيس بعيدة النظر‬
‫في استجابتها دعاء الأمير؛ أليس رمسيس ولي عهد المملكة؟ لو‬
‫آل إليه الملك بعد موت أبيه؛ إذن سوف يتذكرها فيفضلها على‬
‫سائر الآلهة‪ ،‬ويبني لها شاهق القصور ويقيم لها أعظم التماثيل‪،‬‬
‫ويغدق عليها الهدايا والقرابين‪ .‬وإليك كيف استجابت دعاء‬

‫الأمير‪..‬‬

‫لاحظ الأمير أن من عادة الكاهن ملازمة حجرته في كل احتفال‬
‫ديني يقام بالقصر‪ ،‬فكثيرا ما بحث عنه الأمير بنظره في مكان‬
‫الاحتفال فلم يجده فيه‪ ،‬بينما يحضر هذه الاحتفالات الملك والملكة‬

‫[‪]12‬‬

‫والكهنة الآخرون‪ ،‬وجميع رجال القصر‪ ..‬فكان رمسيس يتعجب‬
‫من أمر معلمه‪ ،‬ولا يفهم سبب احتجاب الرجل وتخلفه عن حضور‬
‫مثل هذه الاحتفالات العظيمة‪ ..‬وفي يوم عيد دفع الأمير حب‬
‫الاستطلاع إلى أن يختبئ في حجرة الكاهن حتى يدرك السر‪،‬‬
‫ففعل ذلك قبل وصول الكاهن إلى حجرته بقليل‪ ،‬وما كاد حوتيب‬
‫يدخل ويغلق خلفه الباب؛ حتى ضغط على زر في الحائط فانفتح‬
‫فيه ثقب دخله الكاهن على الفور‪ ..‬وقد أراد الأمير أن يتبع حوتيب‬
‫في الثقب ولكنه أحس الخوف يتملكه‪ ،‬فعاد مهرولا إلى حجرته‬
‫الخاصة‪ ..‬وفي المرة الثانية تغلبت الرغبة على الخوف فاستطاع‬
‫الأمير اتباع الكاهن داخل الثقب فاذا به في دهليز مظلم‪ ،‬انتهى‬
‫منه إلى مكان ضيق يقع خلف الحائط المستند إليه تمثال آمون‬
‫الكبير القائم في قاعة الاحتفالات‪ ،‬وإذا بالكاهن يقف خلف التمثال‬
‫المذكور ويتناول من الأرض بوقا ثم يتكلم منه بصوت متغير مقلدا‬
‫صوت التمثال‪ ،‬فيردد الألفاظ التي طالما سمعها الأمير في تلك‬
‫الاحتفالات بنصها‪ ،‬وكان يظن هو وسائر الحاضرين بطبيعة‬
‫الحال‪ ،‬أنها صادرة عن الإله‪ ..‬حقا! إن دهشة الأمير كانت عظيمة‬
‫بمقدار خوفه‪ ،‬لذلك هرول مسرعا إلى الخارج‪ ..‬ولكن قلبه كان‬
‫يفيض سرورا؛ لاكتشافه العظيم الذي سوف يشتريه منه الكاهن‬
‫بثمن غال‪ ..‬وفي اليوم التالي انتهز الأمير فرصة غياب الكاهن‬
‫عن القصر فقصد حجرته‪ ،‬وهناك ضغط الزر ثم دخل في الثقب‬

‫وعاد منه بالبوق‪..‬‬

‫بعد ذلك‪ ،‬عندما أزفت ساعة الدرس وأقبل المعلم يتهادى في‬
‫رزانته المعتادة‪ ،‬دنا الأمير منه قائلا‪:‬‬

‫[‪]13‬‬

‫سيدي‪ ،‬أظن أنك فقدت هذا البوق في الثقب! عندئذ احمر وجه‬
‫الكاهن حتى عاد (كالطماطم) ثم مد يده ليأخذ البوق صائحا في‬

‫غضب‪ :‬أعطني هذا البوق!‬
‫ولكن الأمير وضع يده خلف ظهره‪ ،‬وقال في ابتسامة الظافر‪:‬‬
‫سوف أفعل يا سيدي؛ إذا أذنت لي في اللعب حيث أشاء ومع من‬

‫أختار من الرفاق‪.‬‬
‫فتردد الكاهن مليا ثم قال في يأس‪ ،‬وهو يطأطيء رأسه‪ :‬لك يا‬

‫بني ما تريد‪.‬‬
‫ويتذكر رمسيس طفولته الصاخبة عندما كان صبيا‪ ،‬يلعب‬
‫بالطوق مع أصدقائه‪ ،‬ويتسلى بشد ضفائرهم الطويلة على‬
‫رؤوسهم الصلعاء‪ ،‬كانوا الكتبة والنساخ يعدونه حينها إلى دور‬
‫الحياة لتلقينه أسرار العالم‪ ،‬كان على رمسيس الذي تلقى علومه‬
‫بعناية كسائر أبناء أصحاب المقامات‪ ،‬واليوم يتذكر هذا الماضي‬
‫البعيد وهو يبتسم فالعالم يفتح له أبوابه وعليه أن يقوده بصولجانه‬

‫دون أن يقدم تفسيرات لأفعاله لأي من البشر‪.‬‬

‫[‪]14‬‬

‫(‪)3‬‬

‫ومن حسن الحظ أن تنصيب رمسيس الثالث تم في ظل طالع‬
‫سعيد؛ فالوضع الجديد في مصلحته‪ ،‬فبلاده حل فيها الأمن والفضل‬
‫لذلك يعود إلى أبيه‪ ،‬وليس لديه أي مزاحم ينافسه على العرش‬
‫ويقسم البلاد بين مناصر ومعاد‪ ،‬فلم تكن مصر منذ ربع قرن‬
‫لتأمل مثل هذا الاستقرار‪ ،‬ونظر الملك ناحية الحقول الخضراء‬
‫الجميلة ونهر النيل وما على جوانبه من أشجار البردي وعلى‬
‫سطحه من السفن‪ ،‬ونحو المعابد والمسلات وقد تحرك شيء أعظم‬
‫من نفسه‪ ،‬أعظم من مطامعه ورغباته‪ ،‬فصرخ أمام الجميع من‬

‫أعماق قلبه قائلا‪:‬‬

‫مصر! مصر‪ ،‬أيتها الأرض الخصباء منذ الأبد؛ سأكون لك مدى‬
‫الحياة كما أنت لى‪....‬‬

‫[‪]15‬‬

‫لقد أقسمت أن أطيع مصر قبل كرامتي الشخصية‪ ،‬وهنائي‬
‫الشخصي‪ ،‬وأمنيتي الشخصية قبل راحتي‪ ،‬قبل سلامتي‪ ،‬قبل‬

‫حياتي نفسها‪.‬‬

‫بهذا القسم الرهيب أقسم رمسيس الثالث‪ ،‬وهكذا وضع مصر‬
‫قبل كل شيء‪.‬‬

‫وطافت به الذكريات تباعا‪ ،‬فتذكر إحدى الليالي عندما أكمل‬
‫الليل تنميق ثوب السماء بجواهر النجوم‪ ،‬تصاعدت من وادي النيل‬
‫حورية محفوفة بأجنحة غير منظورة‪ ،‬وجلست على عرش من‬
‫الغيوم فوق نهر النيل العظيم‪ ،‬عندما خطفت تلك الحورية قلب‬
‫الأمير رمسيس عندما رآها أول مرة في إحدى الحفلات التي كان‬
‫ينظمها والده الملك سيتنخت؛ فتقدم نحوها وقلبه يدق كطبول‬

‫الحرب وسألها‪:‬‬

‫ـ ما اسم الأميرة؟‬

‫ـ إيزيس‬

‫ـ إنه اسم جميل‪.‬‬

‫فحدث نفسه‪ :‬ترى أنها صدفة أن يكون اسم تلك الأميرة الجميلة‬
‫هو نفس اسم الأم البارة التي سكب دموع الرحمة والحنان إزاء‬

‫تمثالها كثيرا؟!‪.‬‬

‫[‪]16‬‬

‫كانت إيزيس شابة من عائلة نبيلة عريقة‪ ،‬كلها رهافة وجمال‪،‬‬
‫ولكنها ليست من نسل المصريين فكانت من نسل السوريين‪،‬‬

‫وكانت والدتها تدعى حبات جيلات‪.‬‬

‫وفي سكون‪ ،‬أحنى الأمير هامته‪ ،‬وضع يدها بمنتهى الرقة‪،‬‬
‫وألصق بها شفتيه برهة ثم تركها تهبط بهدوء وهمس‪ ،‬لأول مرة‬
‫أحست الفتاة بما يشبه رجفة في القلب‪ ،‬وانتهى الحفل وافترقا‪ ،‬مع‬

‫وعد باللقاء في اليوم التالي عند نهر النيل العظيم‪.‬‬

‫عادت إلى القصر وهي غير مصدقة‪ ،‬وقد استلقت في فراشها‬
‫متثائبة‪ ،‬وكانت تحدث نفسها وتسألها في عجب‪ :‬كيف لولي العهد‬
‫وابن مصر العظيم أن يحب فتاة مثلي ليست من نسل المصريين؟!‬

‫لقد عرف من قبلها الكثيرات ولديه كثيرات من الخليلات!‪.‬‬

‫وفي هذه الأثناء‪ ،‬أخذت تقلب يدها التي لثمها بشفتيه‪.‬‬

‫أصبح الأميررمسيس هائما‪ ،‬وأخذ يفكر في لقائها في الغد؛ فحدث‬
‫نفسه‪:‬‬

‫كان بودي لو أستطيع إطالة النظر في وجهها وأن أبادلها مرحها‬
‫وضحكها‪ ،‬ولكنه لم يستطع أن يترك نفسه تفعل ما تشاء‪ ،‬فقد كانت‬

‫رغبة في المحافظة على هيبته ووقاره التي تغلب أية رغبة‪.‬‬

‫وعند النهر كان اللقاء؛ وجلسا بجوار بعضهما متلاصقين‪،‬‬
‫وكانت تغمرهما سعادة لم يشعرا بها من قبل‪ ،‬كانت الدقائق تمر‬
‫كالبرق‪ ،‬ساد بينهما سكون عميق؛ بحيث كانا يسمعان في خلاله‬
‫دقات قلبيهما‪ ،‬وأخيرا تحول الأمير رمسيس ونظر إلى عينيها‬

‫[‪]17‬‬

‫اللتين كانتا تلمعان مثل كوكبين وسط الغسق في حنين‪ ،‬صارت‬
‫يدها الصغيرة التي في يده حارة فجأة‪ ،‬وأخذ نبضها يضرب بشدة‪.‬‬

‫أخذها بين ذراعيه‪ ،‬وقبل شفتيها المرتعدتين وهي مغمضة‬
‫العينين مستسلمة‪ ،‬وأخذ جسمها ينتفض وجدا وغراما‪ ،‬وطوقت‬
‫عنقه بذراعيها‪ ،‬ثم قبلته بلهفة شديدة وقد التصقت به بحيث كان‬

‫يشعر بدقات قلبها‪ ،‬أخذت إيزيس تتمتم بصوت متقطع قائلة‪:‬‬

‫ـ حبيبي‪ ،‬حبيبي‪.‬‬

‫ثم انسلت برشاقة من بين يديه؛ عندما أراد أن يقبلها مرة أخرى‪،‬‬
‫ثم هرعت مهرولة وهي تقول‪ :‬لابد أن أذهب الآن‪.‬‬

‫فقال الأمير رمسيس‪ :‬انتظري‪ ،‬أود أن أخبرك بشيء قبل أن‬
‫تذهبي‪.‬‬

‫ـ ما هو؟!‬

‫ـ لقد اخترق سهم جمالك قلبي‪ ،‬وروعة عينيك‪ ،‬ولم أعد أستطيع‬
‫البعد عنك‪ ،‬سوف أخبر والدي الملك برغبتي في الزواج بك‪.‬‬

‫فابتسمت وأومأت برأسها بالموافقة دون أن تتفوه بكلمة‪،‬‬
‫وذهبت؛ فلمع ثوبها الأبيض لحظة في الظلام‪ ،‬ثم اختفت عن‬

‫الأنظار‪.‬‬

‫سار الأمير كما لو كان في حلم بخطوات بطيئة وهو يمني نفسه‬
‫باليوم الذي يجمعه بحبيته إيزيس‪.‬‬

‫[‪]18‬‬

‫وعادت إلى البيت‪ ،‬فوجدت أمها جالسة في الشرفة كعادتها‪ ،‬ثم‬
‫أخبرتها أن الامير رمسيس طلب الزواج بها‪ ،‬سرت أمها بهذا‬
‫الخبر؛ سوف تصبح ابنتها ملكة‪ ،‬ثم استلقت إيزيس على سريرها‬
‫الوثير‪ ،‬واستسلمت للأحلام‪ ،‬فمرت بصفحة خيالها حوادث اليوم‪،‬‬
‫ثم شاهدت الأمير رمسيس في هالة المجد والجمال‪ ،‬حقا كان يوما‬
‫حافلا؛ ولعل هذا أيقظ عواطفها وشرد خيالها وأصبح قلبها يخفق‬
‫خفقانا شديدا ونفسها تضطرم بلهيب غامض‪ ،‬فلم تستطع النوم ثم‬
‫غادرت السرير‪ ،‬ودلفت إلى نافذة تطل على الحديقة وفتحتها على‬
‫مصرعيها‪ ،‬ثم حلت عقدة شعرها فانساب في خصلات مرتعشة‬
‫على عنقها ومنكبيها‪ ،‬وملأت رئتيها بهواء الليل الرطب وتاهت‬
‫عيناها في الفضاء الواسع للحديقة والنيل الجاري وراءها‪ ،‬فهل‬
‫يستطيع الليل المظلم وهذا السكون المطبق أن يلقيا على رأسها‬

‫القلق ظلا من السكينة والطمأنينة؟‬

‫هكذا كان حال إيزيس وشعورها قبل إعلان الزواج الذي توج‬
‫في حفل أسطوري‪ ،‬وقد بارك الملك سيتنخت الزواج‪.‬‬

‫إيزيس التي شاركته حياته عندما كان ضابطا‪ ،‬ثم رجلا من‬
‫أصحاب المقامات‪ ،‬ثم الآن ملكا فأصبحت زوجة الملك الأولى‬
‫ولم يتخل رمسيس عنها‪ ،‬واستمر تعلقه بها كالسابق‪ ،‬رغم وجود‬
‫زوجات أخريات بجانب رمسيس‪ ،‬ولكن لم يكن لإحداهن المقام‬

‫العظيم الذي تتمتع به إيزيس‪.‬‬

‫لقد وضع القدر إذا إيزيس المخلصة ذات الاسم الجميل في‬
‫المقدمة‪ ،‬وإيزيس هو اسم الإلهة المؤسسة لمصر؛ وهي من أفضل‬
‫الزوجات وتجسد التفاني والإخلاص‪ ،‬فهل زوجة رمسيس الحاكم‬

‫[‪]19‬‬

‫كذلك؟ وهل كان جمال إيزيس وتفانيها السبب الوحيد لهذا الحب‬
‫الحقيقي الذي استحسنه ستنخت؟ لم يندم رمسيس يوما على هذا‬
‫الحب‪ ،‬ولم تكف نظرات إيزيس وشعرها الغزير وبشرتها البيضاء‬

‫يوما عن سحره‪.‬‬
‫وتابع رمسيس الثالث الذكريات‪ ،‬عندما وقف على شرفة القصر‬

‫ونادى الجموع المزدحمة في تلك الحديقة فقال‪:‬‬
‫ـ أبشركم وأهنئ البلاد‪ ،‬فالأميرة إيزيس قد وضعت غلاما سوف‬
‫يحمل شرف عائلتي المجيدة ويكون لكم فخرا وملاذا ووريثا لما‬

‫أبقته أجدادي العظام‪.‬‬
‫فصاحت تلك الجموع وملأت الفضاء بأهازيج الفرح‪.‬‬

‫[‪]20‬‬

‫(‪)4‬‬

‫استعدت طيبة للحفل الكبير؛ فجمع الكهنة ثروات معابد الكرنك‬
‫والأقصر‪ ،‬وتحولت القصور على ضفاف النيل إلى خلية تحوي‬
‫مئات الخدم المنهمكون بتحضير الطعام وشويت الثيران في‬
‫الشوارع‪ ،‬وعمت الفرحة‪ ،‬فالشعب نادرا ما يدعى لولائم كهذه‪،‬‬
‫وتصاعد دخان البخور في المعابد حتى غطى تماثيل الآلهة‪،‬‬
‫هرعت الجموع وهي واثقة من أنها سترقص وتتغذى‪ ،‬ولكن‬
‫الشيء الذي كان يسحرها بشكل خاص هو الوعد برؤية سيد النيل‬

‫الجديد محاطا بحراسه‪.‬‬

‫انتشر الشعب على طول الطريق الذي سيمر منه الموكب‬
‫الملكي‪ ،‬وفرعون يسيطر على الجموع‪ ،‬ويلبس التاج الملكي الذي‬
‫تتدلى منه كوبرا مقدسة من الذهب الخالص‪ ،‬كان رمسيس يمسك‬

‫صولجانه والسوط المقدس بحزم‪.‬‬

‫[‪]21‬‬

‫تمثل الهيكل في رونقه وبهائه‪ ،‬وقد كانت الأعمدة باسقة تحمل‬
‫النحيلة الرشيقة‪ ،‬تلمع رؤوسها النحاسية في ضوء الشمس المائلة‬
‫إلى الغروب‪ ،‬ثم تمثل منظر الهيكل يوم عيد عظيم وقد ازدحم‬
‫بالكهنة يصطفون للقاء فرعون وهم ينشدون نشيد الترحيب‬
‫والتكريم‪ ،‬حتى إذا ما أقبل؛ خروا إلى الأذقان ركعا لابن الآلهة‬
‫وسليل حورس‪ .‬كان صوت الكهنة يتردد بين جدران المعبد القائم‪.‬‬

‫أقبل الملك يحمل في يديه عصا مذهبة وعلى رأسها تاج تحف‬
‫به من أسفله الحية الملكية‪.‬‬

‫فخر الوقوف ساجدين؛ وتعالت في جنبات المعبد أصداء‬
‫موسيقى بديعة بالنشيد الملكي‪.‬‬

‫لاح نور آمون؛ الذي يملأ الأرض بأنوار الصباح‪ ،‬يا ابن‬
‫أوزيريس روحك الأقدس من روح بتاح وقد كان المنظر يدعو‬
‫إلى الرهبة فسجد الحاضرون‪ ،‬وكان يسير وراء موكب الملك‬

‫صفوة المتقربين وقامات من رجال الجيش وكبار الكهنة‪.‬‬

‫وسار (الملك) في سبيل مرسومة إلى أن بلغ قدس الأقداس‬
‫خلال الأغصان الملتفة والأوراق المتعانقة المتراقصة؛ كأنها‬
‫الرقراق من جدول يجري بعد الترويق‪ ،‬أو النسيم يسري من تعدد‬
‫المسارب والثنيات؛ فتخلف عنه القواد وسجدوا إيذانا بالوقوف عند‬
‫حد الحرم الممنوع‪ ،‬دخل الملك والكاهن الأعظم وبعض كبار‬
‫الكهنة يحملون في أيديهم هدايا الملك إلى إله طيبة الأعظم‬
‫(آمون)‪ .‬فلما بلغوا المذبح وضعوا ما بأيديهم وانحنوا إجلالا‪ ،‬ثم‬
‫وضعوا البخور في المجامر وعلا صوتهم بنشيد قدس الأقداس‪:‬‬

‫[‪]22‬‬

‫آمون بارك سليل العلا ‪ ...‬ومن فيه يجري دم الأقدسين‬

‫ولكنهم وقفوا حيث انتهى بهم السير‪ ،‬ودخل الملك وحده إلى‬
‫الحرم الأقدس يتبعه الكاهن الأعظم‪ ،‬إن ذاك الحرم لا يحل دخوله‬
‫إلا للملك ولرئيس الكهنة‪ ،‬وإن الموت هو العقاب لمن يدخله‬

‫غيرهما‪.‬‬

‫صار الملك هناك وحده مع الكاهن‪ ،‬استلقى على مقعد استلقاء‬
‫المجهد السقيم وأن أنة المتوجع المكلوم‪ .‬وتكلم الكاهن بصوته‬

‫الهادئ‪ ،‬اخترق ذلك الظلام بنبرات خفية متزنة‪.‬‬

‫قال‪( :‬أي بني! شملتك رحمة آمون)‪.‬‬

‫فصاح الملك صيحة مكبوتة‪( :‬أيها الشيخ! نحن هنا وحدنا)‬

‫فقال الكاهن‪( :‬أعرف ذلك ولهذا أطلب لك رحمة آمون)‬

‫فقال الملك بالصيحة ذاتها‪( :‬ليتني كنت لا أعرف! ليتني كنت‬
‫أستطيع أن اصدق!)‬

‫فقال الكاهن‪( :‬أي بني! إنك لا زلت شابأ وقد يغتفر للشاب أن يشك‬
‫أحيانا)‬

‫فصاح الملك‪( :‬أشك؟ إنني لا أشك؛ إنما أنطق عن قناعة‪ .‬فلماذا‬
‫يكون لتمثال مصنوع من الذهب في قلبي من الاحترام؟)‬

‫فقال الكاهن بلهجة مرة‪( :‬ولكنك ملك‪ .‬وإن كنت لا تستطيع أن‬
‫تصدق فعليك أن تصدق)‪.‬‬

‫[‪]23‬‬

‫فقال الملك محتدا‪( :‬ماذا أصدق؟ هل أصدق أن آمون إله يرحم‪،‬‬
‫أو جبار ينتقم؟ نحن هنا وحدنا فلا بأس أن تقول الحقيقة مجردة‪.‬‬
‫ليس آمون هو الذي يطلب مني الإيمان والخضوع بل أنت أيها‬
‫الكاهن الأعظم‪ ،‬وليس هو آمون الذي يرضى أن يسخط؛ بل هم‬
‫الكهنة الذين يحملون رمزه ويقومون على سدانة تمثاله الأخرس‪.‬‬

‫هم كهنة آمون الذين يطلبون مني الخضوع والعبادة‪.‬‬

‫فقال الكاهن بهدوء‪( :‬ثم ماذا؟)‬

‫فقال الملك‪ :‬ومع ذلك فقد كنت صريحا مع نفسي؛ ورضيت‬
‫بالإيمان بإله مزيف وأنا عالم بأنني أضلل وأزيف‪ ،‬ألا تعترف‬

‫بذلك؟‬

‫ـ رئيس الكهنة‪ :‬أعترف لك أنت‪ ،‬وإنما نخاطب الناس على قدر‬
‫عقولهم! وإن أنت نزعت من قلب هذه الأمة إيمانها‪ ،‬فأي وازع‬

‫تقيمه فيه مقامه؟‬
‫فقال الملك‪ :‬إن ما تسميه إيمانا أسميه خضوعا أعمى وخنوعا‪.‬‬

‫فقال كبير الكهنة‪ :‬سمه ما شئت‪ ،‬أفما علمت أن النفوس إذا خلت‬
‫من خشية الآلهة انفكت قيودها‪ ،‬فلا يكبح لشهوتها جماح؟‬

‫فقال الملك‪ :‬ما منعت خشية الآلهة من الجرائم‪ ،‬بقدر ما ارتكبه‬
‫القائلون بها لتأييدها في قلوب الناس ‪ ...‬فأستطرد الملك فقال‪ :‬لا‬
‫أدري ما أقول‪ ،‬فإن حجتك قوية‪ ،‬نعم إن قوما رسفوا أجيالا طويلة‬
‫تحت نير الذل في قيود العبودية‪ ،‬حتى انحطت مداركهم وماتت‬
‫نفوسهم‪ ،‬ليسكروا بخمرة الحرية إذا جاءتهم على غرة‪ ،‬فيركبون‬

‫[‪]24‬‬

‫متن الشطط ويأتون أفظع الجرائم‪ ،‬ولكن أتريد أن تقضي عليهم‬
‫لأجل ذلك بالبقاء في تلك القيود؟ انظر إلى الطفل الصغير وهو‬
‫يتعلم الخطى على متكأ‪ ،‬أما تراه إذا نزع المتكأ من بين يديه سقط‪،‬‬
‫فهل أنت قائل بوجوب بقائه على هذا المتكأ حتى يموت؟‬
‫رئيس الكهنة‪ :‬وهل أنت قائل بوجوب نزع كل متكأ؟‪ ..‬ألا إن‬
‫الإيمان عماد القلوب‪ ،‬ففيه شفاء وفيه عزاء‪ ،‬وزعزعته في القلوب‬

‫من شر الأمور‪.‬‬
‫فقال الملك‪ :‬فلو خشينا زعزعة الإيمان لما وجد جديد في الأديان‪.‬‬
‫رئيس الكهنة‪ :‬إن ديننا لا يزال جديدا بالرغم من تقادم عهده‪ ،‬انظر‬
‫إلى قاعات معابدنا تجدها ملأى بألواح الشكر على ما استجيب‬

‫فيها من الدعوات‪.‬‬
‫فقال الملك‪ :‬ولو كانت تسطر الدعوات التي لم تجب‪ ،‬لما وسعت‬

‫معابدكم ألواحها!‬
‫رئيس الكهنة‪ :‬إذا خابت دعوة المصلي مرة فقد آب مزودا بالآمال‬

‫مرارا‪ ،‬فالأمل نعمة ومن الكرم منحها للبائسين‪.‬‬
‫فقال الملك‪ :‬إنكم تمنونهم بنعيم مقبل‪ ،‬لتنسوهم أنكم في نعيم مقيم‪.‬‬

‫[‪]25‬‬

‫(‪)5‬‬

‫قاطع الكاهن حديث الملك؛ وقد بلغ به الغضب مبلغا وقد‬
‫تخلص من هدوئه هذه المرة قائلا‪:‬‬
‫(حسبك يا وسر ماعت)‬
‫فصاح الملك‪( :‬وسر ماعت!)‬

‫فأجاب الكاهن‪ :‬نعم‪ ،‬وسر ماعت أنك إذا رفضت الآلهة فلن تصبح‬
‫ملكا‪.‬‬

‫وعند ذلك لاح شبح الملك وهو ينهض غاضبا ويرفع رأسه‬
‫متحديا‪ .‬ولكنه لم يقل كلمة واحدة بل بقى واقفا وصدره يزدحم‬

‫بأنفاسه‪.‬‬

‫[‪]26‬‬

‫ونهض الكاهن كذلك ووقف أمامه واستمر في قوله‪ ،‬وكان في‬
‫حماسته يحرك رأسه ولحيته الطويلة بشي من العنف ويرفع رأسه‬

‫عاليا مع ما في ظهره من انحناء الشيخوخة‪ ،‬وقال‪:‬‬

‫لا تغضب من الحق‪ ،‬وإن شئت أن تغضب؛ ففكر في العاقبة قبل‬
‫أن تخطو في سبيلك خطوة واحدة‪ .‬إنني أحذر‪ .‬إنني أنذر‪ .‬والبلاد‬
‫كما ترى في أشد حالات الاضطراب والفوضى وقد صارت‬

‫كالنسر المجرد من ريشه أو الأسد الذي قلمت أظافره)‪.‬‬

‫فعاد الملك إلى مقعده وأن أنة أخرى أعمق من الأولى وأشد مرارة‬
‫ثم استمر الكاهن فقال‪:‬‬

‫(ومع ذلك فاسمع قصة قصيرة قد تكون مغنية عن قول كثير‪ .‬هل‬
‫تتذكر الملك تحتمس الثالث؟‪ .‬لقد كان ذلك الملك العظيم كما تعرف‬
‫غير مرشح للملك لأنه ابن محظية؛ لا تجري في أمه دماء الآلهة‪.‬‬
‫ولكن آمون رضى عنه ومال إليه في أول دورة‪ ،‬ووقف أمامه في‬
‫يوم احتفال كهذا‪ .‬فأظهر بذلك ارتياحه إليه وصار الملك من ذلك‬
‫اليوم إليه‪ ،‬فتنحى أبوه عن الملك وتنحى أخوه‪ ،‬بل لقد تنحت أخته‬

‫نفسها وهي التي تجري في عروقها دماء الآلهة‪ .‬أتعرف هذا؟)‬

‫فتمتم رمسيس قائلا‪( :‬نعم‪ .‬أعرفه)‬

‫فقال الكاهن‪( :‬وإذا فلك الخيار‪ .‬سأقول اليوم كلمتي إذا ما خرجنا‬
‫من هنا على مسمع من رجال الدولة والكهنة والأمراء‪ .‬وإذا شئت‬

‫فارفض ما أقول)‬

‫[‪]27‬‬

‫قال هذا ثم نهض رافعا رأسه‪ ،‬واتبعه الملك مطأطئ الرأس حزينا‬
‫فقال‪:‬‬

‫ـ ما أجبن الإنسان! أنكم ملأتم مخيلتي في الصغر بأقاصيص دينية‪،‬‬
‫وأفعمتم قلبي رعبا من الآلهة‪ ،‬وأورثني أبي وجدي وآباؤهما من‬

‫قبل ذلك الخوف‪ ،‬وها أنتم تحاولون أن تغشوا علي بصيرتي؟‬

‫ثم بلغ الكاهن الأعظم مكان المحراب‪ ،‬عرج عليه لكي يؤدي‬
‫فرضا من الفروض المرسومة‪ ،‬وألقى بعض البخور في المجامر‬
‫المتقدة‪ ،‬ثم سار وراء الملك حتى بلغا الفناء الفسيح في وسط‬
‫الهيكل‪ ،‬وكان هناك الحشد الحافل من أهل الدولة والكهنة والقواد‬
‫والأمراء؛ فخروا جميعا للأذقان سجدا يتلقون الملك والكاهن‬
‫الأعظم‪ ،‬ثم جلس الملك على عرش منصوب في الصدر‪ ،‬وقام‬

‫الكاهن الأعظم فألقى كلمة قصيرة قال فيها‪:‬‬

‫(أيها القواد العظام والأمراء الكرام! لقد دخل الملك العظيم ابن‬
‫الآلهة إلى قدس الأقداس وتجلت له أسرار آمون وظهر من إيمانه‬
‫وبره ما جعل الإله العظيم يتجلى له‪ .‬ولكن تجلى آمون للملك‬

‫العظيم‪ .‬فالشكر لآمون)‬

‫فسجد الجميع‪ ،‬مرة أخرى وقام الملك سائرا نحو الكاهن الأعظم‬
‫وكانت خطاه مترددة مضطربة‪ .‬ثم قال بصوت مختنق متهدج‪:‬‬

‫(المجد لآمون)‬

‫فعلت عند ذلك ضجة من الجمع الخاشع كأنها ضجة التهليل‬
‫والتسبيح‪.‬‬

‫[‪]28‬‬

‫وارتفع صوت الكهنة بنشيد الملك‪( :‬أمون بارك سليل العلا)‪،‬‬
‫ثم حمل الكهنة تمثال آمون الذهبي؛ وداروا به حول الفناء أمام‬
‫الحضور حتى أتوا أمام عرش الملك فوقفوا‪ ،‬وأقبل التمثال محمولا‬

‫على الأعناق لكي يبارك الملك المحبوب المؤمن‪.‬‬
‫لقد تجلى آمون (لرمسيس) ورضى عنه لما في قلبه من‬
‫الإيمان‪ ،‬وقام الملك بعد ذلك يتعثر في مشيته‪ ،‬وقد زاد وجهه‬
‫شحوبا على شحوبه‪ ،‬وغارت عيناه وترددت فيهما قطرات تكاد‬

‫تعيشهما‪ .‬وعند ذلك علا صوت الكهنة مرة أخرى بنشيد‪:‬‬
‫(أمون بارك سليل العلا)‬

‫[‪]29‬‬

‫(‪)6‬‬

‫انقضت الأشهر تلو الآخرى والسنين تلو السنين‪ ،‬ومع تقدم‬
‫العمر برمسيس بدأ الكهنة يطمعون بالميراث الملكي؛ فكان وجود‬
‫ملك ذو سلطان كبير يلجم نفوذهم‪ ،‬فكلما كان الملك ضعيفا كلما‬
‫لجأ الشعب إلى الكهنة‪ ،‬فكان انعطاف مصر نحو التيواقراطية‬
‫واضحا‪ ،‬وأصبحت مصر غارقة في روتينها الذي يحرمها من‬
‫المواهب الشابة‪ ،‬فصارت بؤرة الحضارة عاجزة عن التطور‪ ،‬فلم‬
‫تشهد ثورة فنية أو هندسية أو علمية بل ظلت متروكة في أيدي‬
‫الكهنة يستغلونها كيفما يشاؤون؛ وهكذا طغت المصالح الشخصية‬
‫على المصلحة العامة وبدأت روح مصر تختفي‪ ،‬فلم يستطع‬
‫رمسيس الثالث اكتشاف جمود البلاد وتحديد مداه في الوقت‬

‫المناسب‪ ،‬ولكنه حاول الحد من مكانة الكهنة‪.‬‬

‫[‪]30‬‬

‫وفي البلاط كان رمسيس فخورا بابنه رمسيس الرابع؛ فكان‬
‫ابنه يذكره بأبيه سيتنخت وبعلاقتهما الحميمة‪ ،‬فكان يرى في‬

‫نظرات ابنه نفس الإعجاب الذي يكنه هو لأبيه‪.‬‬

‫رزق رمسيس بأطفال من زوجته إيزيس‪ ،‬وكان الأمير الوريث‬
‫سعيد بطفولة إخوته الصاخبة المحبة‪ ،‬كانت إيزيس تتمتع بكل‬
‫الاحترام والتبجيل‪ ،‬ولكنها لم تعد زوجة الملك الوحيدة‪ ..‬فرمسيس‬
‫كان يحب صحبة الجميلات وجناح النساء يستقبل سنة بعد سنة‬
‫أجمل زهرات الأرستقراطية المصرية اللواتي لم يكن أكثر من‬
‫خليلات‪ ،‬باستثناء واحدة أراد رمسيس أن يميزها‪ ،‬إنها (تي) التي‬

‫أصبحت زوجة الملك الثانية‪.‬‬

‫عرفت تي أن تجذب البلاط لها؛ فهي الفتاة الأرستقراطية‬
‫الجميلة‪ ،‬وكانت أصغر من إيزيس ولم تتأخر في الإنجاب‪ ،‬فقد‬
‫أنجبت الأمير بنتاور؛ فها هو أمير آخر يستطيع اللعب مع أشقائه‬

‫من الأب في حدائق البلاط المظللة بأوراق الأشجار‪.‬‬

‫مرت سنوات عديدة؛ ولكن القلق لم يغادر إيزيس بشأن‬
‫المستقبل‪ ،‬فمكانتها المميزة هذه لم تحصل عليها إلا بعد نضال‬
‫عنيف؛ لا زالت تعيشه كل يوم‪ ،‬هل هو خوف امرأة تتقدم في‬
‫السن في عصر لا يحيا فيه الشيوخ؟‪ ،‬أم هو القلق من رؤية قواها‬
‫تخور قبل اللحظة القدرية ومنافساتها ينتصرون عليها وهي‬
‫العالمة بمكر الحريم؟‪ ،‬ومن بين عدواتها تبقى تي الأكثر خطرا‪،‬‬
‫فهذه الأخيرة استطاعت أن تحتل مكانا كبيرا في قلب الملك ولم‬
‫تقبل يوما بمرتبتها الثانية؛ ولهذا كانت تي وابنها بنتأور يشعران‬
‫بأنهما هامشيان بالنسبة للفرع البكر من العائلة المالكة‪ ،‬وأصبح‬

‫[‪]31‬‬

‫دوي المشادات والشائعات قويا في مدينة حابو‪ ،‬وكان الكهنة في‬
‫السر يقدمون دعمهم إلى أحد أفراد العائلة المالكة المستاء من‬
‫وضعه وقد استفادت تي من هذا الأمر؛ وأصبح بنتاور يتحدى‬

‫بنظراته شقيقه رمسيس الرابع؛ الذي يخلف والده في الحكم‪.‬‬

‫[‪]32‬‬

‫(‪)7‬‬

‫كان الليل قد أرخي سدوله منذ فترة ما على قصر بي ‪-‬‬
‫رمسيس‪ ،-‬مقر الملك رمسيس الثالث‪ ،‬وبدا كل شيء ساكنا‬
‫والجميع نيام ولكن‪ ،‬بداخل الأجنحة الخاصة بنساء الحريم الذي‬
‫يتبع الملك في كافة تنقلاته وأسفاره وحملاته الحربية‪ ،‬قضت‬
‫إحدى زوجات رمسيس الثالث ليلتها ساهرة‪ ،‬لم يغمض لها جفن‪،‬‬
‫أخذت تتأمل السماء المرصعة بالنجوم‪ ،‬وأحيانا كانت ترنو‬
‫بنظرها‪ ،‬نحو ابنها المستغرق في نوم منتظم عميق‪ ،‬هذا الابن‬

‫الذي أنجبته من ملك مصر‪.‬‬
‫إنها تكن لابنها (بنتاور) عاطفة جياشة لا حدود لها‪ ،‬وربما أن‬
‫كل هذا الحب الذي تكنه له مبعثه أنه ابن ملك مصر‪ ،‬ولكن لا شك‬

‫[‪]33‬‬

‫أنها كانت ترى أنه يتمتع بمزايا وصفات طيبة كثيرة أخرى‪ .‬لقد‬
‫مضت عليها أشهر عديدة وهي تفكر في هذا الأمر‪:‬‬

‫من حق بنتاور أن يعتلي العرش بعد موت أبيه‪ ،‬ولكنها بالرغم من‬
‫ذلك‪ ،‬ترى أن هذا الحلم لا يمكن تحقيقه‪ ،‬وأن الأمير ولي العهد‬
‫على وشك أن يتسلم مقاليد منصبه كملك على عرش مصر‪ .‬فها‬
‫هي بعض الأقاويل قد انتشرت عن قرب وفاة رمسيس الثالث‪ ،‬بل‬
‫لقد رأته في كثر من الأحيان وهو لا يكاد يستطيع السير على‬

‫ساقيه من شدة ما يعانيه من آلام‪.‬‬

‫وأخذت تحدث نفسها‪ :‬سوف ينتقل الملك إلى العالم الآخر‪ ،‬فلماذا‬
‫إذن لا يحل مكانه فوق العرش ابني (بنتاور) بدلا من الأمير ولي‬

‫العهد؟! أليس بنتاور هو أيضا أحد أبناء رمسيس الثالث؟!‬

‫وتناهى إلى سمعها وقع أقدام من الممر‪ ،‬ويبدو أن إحدى نساء‬
‫الحريم كانت مستيقظة هي الأخرى‪ ،‬وجاءت لملاقاتها‪ ،‬متوخية‬
‫الحرص الشديد حتى لايراها أحد‪ ،‬وتسللت المرأة بداخل غرفة‬
‫(تي) ثم اصطحبتها إلى الخارج‪ ،‬وهنا‪ ،‬سألتها زوجة رمسيس‬

‫الثالث قائلة‪:‬‬

‫ـ إذن ماذا عساك فعلت؟‬

‫ـ هناك ثلاث نساء قبلن الانضمام إليك‪ ،‬وهن يشترطن انضمام‬
‫مفتشي الحريم إلى المؤامرة‪ ،‬ولكن ماذا تزمعين بالتحديد؟ وماذا‬

‫عن رمسيس الثالث؟‬

‫[‪]34‬‬

‫ـ إنه طاعن في السن‪ ،‬فلو أننا عملنا على إرساله إلى العالم الآخر‬
‫قبل موعده المحدد‪ ،‬فربما أن الآلهة لن توقع علينا أي عقاب‪..‬‬
‫ولكنني‪ ،‬بالرغم من ذلك‪ ،‬لا أريد أن أفرض بنتاور على عرش‬

‫مصر دون أن أعد أذهان الشعب بأسره لتقبل هذه الخلاقة‪.‬‬

‫ـ إذن أنت تحتاجين إلى تواطؤ كبار موظفي القصر معك‪ ،‬فبدون‬
‫مساعدتهم لن تحققي شيئا مطلقا‪ ،‬ولكن أود أيضا أن أشرك أسرتي‬

‫في هذا السر‪.‬‬

‫ـ عليك إذن‪ ،‬أن تتحدثي في ذلك مع كبير المسؤولين بجناح‬
‫الحريم؛ فهو الذي يقوم بإرسال خطاباتنا إلى أهلنا‪ ،‬ربما قد يساندك‬

‫وينضم إليك‪.‬‬

‫فقالت لها تي‪:‬‬

‫ـ ولكني لا أريد مخاطرة؟! فلقد أحببت رمسيس الثالث كل الحب‬
‫ولكن‪ ،‬كيف قابل حبي له؟!‪ ،‬فبعد أن حقق انتصاراته الحربية قام‬
‫بإرسالنا للإقامة في جناح الحريم ولكن‪ ،‬هل عساه كان ينظر إلينا‬
‫باعتبارنا زوجاته الفعليات؟ ألسنا في حقيقة الأمر مجرد سجينات‬
‫بداخل سجن ذهبي القضبان؟! إن كل تبجيله وتوقيره يوجهه‬

‫خاصة نحو زوجته إيزيس‪.‬‬

‫وهنا توقفت تلك المرأة عن التحدث مع تي في هذا الشأن‪ ،‬فعلى‬
‫مايبدو أنه قد انتابها بعض الخوف؛ لخطورة المنحنى الذي أتخذته‬

‫الأحداث‪ ،‬ولذا فقد اقترحت عليها تي فكرة جديدة‪:‬‬

‫[‪]35‬‬

‫ـ ريثما استطاع أخوك أن يعد لنا يد المساعدة‪ ،‬فهو يقود إحدى‬
‫الفرق العسكرية في النوبة‪ ،‬ابعثي إذن إليه برسالة‪ ،‬وقبل أن‬
‫نفضي بالسر إلى كبير الحجاب‪ ،‬لنحاول جذب زوجات الحرس‬

‫إلى جانبنا‪ ،‬فالمراسلات قد تمر من خلالهن؟‬

‫وعندئذ بدا بعض التردد والقلق على المرأة النوبية‪ ،‬ولكنها‪ ،‬في‬
‫نهاية الأمر قبلت هذا الاقتراح فقالت لتي‪:‬‬

‫ـ سوف نرى ذلك ولكن الشيء الأساسي هو ألا يكشف أمرنا‪ ،‬ولن‬
‫أعجز مطلقا عن استقطاب النساء إلى قضيتنا‪ ،‬ولكن ربما أن‬

‫أزواجهن لن يقبلوا مطلقا فكرة خيانة الملك‪.‬‬

‫ـ عندئذ سوف نجد وسيلة فعالة‪ ،‬فسوف نستعين ببعض‬
‫المستحضرات الدوائية‪ ،‬بل سوف نلجأ إلى السحر من أجل‬
‫إقناعهم!‪ ..‬ألا تعرفين أن هناك بعض المشروبات والعقاقير التي‬
‫تؤجج الحب وتشعله؟‪ ..‬ولا شك إذن أن السحرة والكهنة لقادرين‬
‫على تكوين تراكيبا من العقاقير تسبب الاضطراب والتشويش لمن‬

‫يشربها‪.‬‬

‫ـ ومن الذي سوف يطلب إليهم إعداد مثل هذه العقاقير؟‪ ..‬أنت؟‪.‬‬

‫ـ لا‪ .‬أحد الخدم‪.‬‬

‫ـ إذن‪ ،‬فها هو شخص آخر سوف يطلع على سرنا!‪ ..‬لو أننا سرنا‬
‫على هذا المنوال‪ ،‬فإن الملك أيضا‪ ،‬سوف يعلم كل شيء‪.‬‬

‫[‪]36‬‬

‫ـ إذن‪ ،‬علينا أن نتصرف بسرعة وفعالية‪ ،‬بل يجب أيضا أن‬
‫نستقطب الكاتب (بير) كاتب الخزانة إلى صفنا‪ ..‬وكذلك (كييز)‪،‬‬
‫فقد أنعم الملك عليه بلقب مفتش مقر الحريم‪ ،‬ووعده بأنه قد يعينه‬
‫رئيسا له في يوم من الأيام‪ ،‬وبالقطع هما لن يوافقا أبدا على خيانة‬

‫مليكهم‪.‬‬

‫وهنا أجابتها تي‪:‬‬

‫ـ إنك لساذجة حقا‪ ،‬لقد تسبب رمسيس الثالث في إثارة مشاعر‬
‫الغضب والضيق بين رجاله المقربين‪ ،‬فهو لم يسدد مرتبات عمال‬
‫دير المدينة‪ ،‬بل ولقد أسرف إسرافا هائلا في النفقات الخاصة‬
‫بالأعياد التي تقام من أجله‪ ،‬وهو أيضا لا يحاول تبين الاستتباعات‬
‫التي تمخضت عن سياسته هذه‪ ،‬خاصة أنه قد بعث بوزير عديم‬
‫الكفاءة والمقدرة‪ ،‬من أجل أن يتحدث إلى أفراد الشعب بدلا عنه‪،‬‬
‫وهكذا‪ ،‬خلق رمسيس الثالث العديد من الأعداء حوله‪ ،‬وأنا لا‬
‫أستبعد أبدا أن الكثيرين من رجال بلاطه يرحبون باختفائه‪ ،‬لكي‬

‫يعتلي بنتاور العرش مكانه‪.‬‬

‫ـ إنني أشعر الخوف مما تقولينه‪ ،‬فها هو الفرعون يستعد لإقامة‬
‫حفلات يوبيله بين مظاهر البهجة والسرور‪ ،‬ولذلك فقد هب كبار‬
‫موظفيه معبئين كل جهودهم ونشاطهم‪ ،‬من أجل أن يكون الاحتفال‬
‫بيوبيله الملك يوم لا ينسى أبدا‪ ..‬فهل أنت على يقين تماما بأن‬

‫رمسيس الثالث قد فقد حب الشعب له‪.‬‬

‫فأجابتها تي قائلة‪:‬‬

‫[‪]37‬‬

‫ـ إن نيران الغضب تكمن تحت الرماد‪ ،‬إنني أشعر بتزايد مشاعر‬
‫الضيق وعدم الرضا تجتاح الشعب‪ ،‬ولكنها موجة عاتية تزداد في‬
‫ضخامتها لتنقض في نهاية الأمر على الساحل وتدمر كل شيء‬

‫في طريقها‪.‬‬

‫وهنا‪ ،‬هزت المرأة النوبية كتفيها‪ ،‬وبدا عليها أنها غير مقتنعة‬
‫تماما بما تسمعه وقالت‪:‬‬

‫ـ لقد سبق قبل ذلك أن قام العمال بحركة تمرد‪ ،‬والفلاحون يشكون‬
‫دائما أن الملك يأمر باقتطاع كميات ضخمة من محاصيلهم‬
‫ومزارعو العنب يرون أن جرار النبيذ التي يحتفظون بها في‬
‫مخازنهم غير كافية‪ ،‬لأن الكتبة يتعاملون معهم بتعسف شديد خلال‬
‫عمليات الجرد‪ ،‬ومع ذلك وبالرغم من مظاهر الشكوى والتظلم‬

‫هذه فمازال النظام قائما والاستقرار مستتبا‪.‬‬

‫ومن بعيد جدا كانت تتناهى أصوات طيور الظلام‪ ،‬وتسللت‬
‫بعض الرياح الساخنة بين سعف أشجار النخيل؛ التي ألقت بظلالها‬
‫القائمة فوق نوافذ الحريم الملكي؛ ظلال عملاقة تبعث على الخوف‬
‫والرهبة‪ ،‬وبدا الليل أكثر سوادا‪ ،‬والجو بأكمله في نطاق قصر‬

‫الحريم هذا يبعث على الضيق والأسى‪.‬‬

‫وبعد لحظات من الصمت‪ ،‬قالت المرأة النوبية لــ تي وهي تشعر‬
‫ببعض القشعريرة‪:‬‬

‫ـ وماذا لو أن أحدهم قد سمعنا ونحن نتحدث؟‬

‫فأجابتها تي على الفور في حدة واضحة‪:‬‬

‫ـ إنني على أتم الاستعداد لأن أقدم حياتي من أجل مستقبل ابني‪.‬‬

‫[‪]38‬‬

‫ـ ولكن ركود الأنباء يثير قلقي‪.‬‬
‫ـ ركود الأنباء من من؟‬

‫ـ النبلاء والأعيان الذين انضموا إلينا‪.‬‬

‫[‪]39‬‬

‫(‪)8‬‬

‫أخذت تي تفكر مليا‪ ،‬وفي نهاية الأمر قررت أن تتحدث في‬
‫ذلك مع أحد كتاب القصر الشبان‪ ،‬ثم قالت له‪:‬‬
‫ـ أريدك أن تحمل رسالة سرية لخارج القصر‪.‬‬

‫ـ انتاب الكاتب خوف واضطراب واضح‪ ،‬وقال لها‪:‬‬
‫ـ إنني لو ضبطت وأنا أنقل الرسالة إلى خارج القصر بدون إذن‬

‫لقتلت على الفور‪.‬‬
‫ازدادت تي قربا منه لدرجة جعلته يستنشق رائحة عبيرها‬
‫الخلاب‪ ،‬ليزاد اضطرابا أكثر من ذي قبل‪ ،‬فكانت تي تجيد فنون‬
‫الإغراء والغواية‪ ،‬فعرفت مدى تأثيرها عليه وابتسمت له ابتسامة‬

‫[‪]40‬‬

‫ساحرة‪ ،‬وهمست في أذنه؛ وهي تقدم له قطعتين ذهبيتين ثمينتين‪،‬‬
‫وهي تقول له‪:‬‬

‫ـ إن مطلبي لا ينجم عنه أي خطر أو مجازفة‪ ،‬وكل ما في الأمر‬
‫أنها مجرد رسالة‪ ،‬لن يشعر بك أحد وأنت تحملها‪.‬‬

‫انحنى الكاتب أمام تي‪ ،‬وأكد لها أنه سوف يبذل كل ما وسعه‬
‫من أجل تلبية مطالبها‪.‬‬

‫ـ ولكن عليك أن تحفظ سري هذا‪ ،‬ولا تفشه لأحد مطلقا‪.‬‬

‫تأكدت تي تماما من أن الكاتب الشاب سوف يحفظ سرها‪ ،‬فقالت‬
‫الملكة تي‪:‬‬

‫ـ إليك الرسالة‪.‬‬

‫لقنته رسالة‪ ،‬كانت مثال الحرص ولا يمكن أن ينالها منها سوء‬
‫إذا افتضح أمرها‪ ،‬فكان عليه أن يسعى لمقابلة السيد (سوكتي)‬
‫الذي لم تقل من أمره سوى أنه يقيم في دار خلف معبد آمون‪ ،‬حتى‬

‫إذا اجتمع به استفسر وقرر له أن ركود الأنباء يثير قلقها‪.‬‬

‫خرج الكاتب من باب القصر الخلفي بعد أن استوثق من خلوه‬
‫من الرقابة‪ ..‬وسار مسرعا حتى وصل إلى ساحة المعبد‪ ،‬ثم‬
‫واصل السير حتى الحارة الممتدة خلف المعبد‪ ،‬ووقف أمام الدار؛‬
‫فقرع بابها عاليا‪ ..‬فصدر في إحدى نوافذها العليا صوت يستفسر‬

‫عن الطارق‪ .‬فأجاب الكاتب‪ :‬معي رسالة إلى السيد سوكتي‪.‬‬

‫[‪]41‬‬

‫فسمع همسا صادرا من أعلى الدار‪ ،‬ووقف الكاتب ينتظر‬
‫النتيجة ثم صاح صائح‪ :‬رسالة في هذا الوقت المتأخر‪.‬‬
‫فرفع الكاتب رأسه‪ ،‬وقال في صوت متزن‪.‬‬
‫ـ لا تدعني أنتظر هنا‪ ..‬أدخلني وسأفسر لك كل شيء‪.‬‬

‫وخيم الصمت لحظة‪ ..‬ثم قال المتكلم في النافذة‪ :‬انتظر‪ ،‬وأغلق‬
‫النافذة‪.‬‬

‫وما هي إلا لحظات حتى أزيح المزلاج وفتح الباب الضخم‪ ،‬وبدا‬
‫له رجل قوي البنية‪ ،‬ممتلئ الوجه والجسم فقال له صاحب الدار‪:‬‬

‫ـ من أنت؟ وماذا تريد؟‪.‬‬
‫ـ معي رسالة سيدي من الملكة تي‪.‬‬

‫ـ أين هي رسالتك؟‬
‫ـ لم أجئ برسالة ما‪ ..‬وإنما جئت لتلقي رسالة من عندك‪ .‬إن الملكة‬

‫تي جازعة لانقطاع الأنباء من عندك‪.‬‬
‫ـ لم يحدث جديد في غضون الأسبوعين الماضيين؛ حتى نبلغ‬

‫جلالة الملكة تي شيئا‪.‬‬
‫وهنا اعتزم الرسول أن يتجاوز حدود المهمة التي عهدت إليه من‬

‫الملكة تي‪ ،‬ويعرف ما يستطيع معرفته‪ ،‬فقال‪:‬‬

‫[‪]42‬‬

‫ـ لا ريب أنه كان من الضروري إبلاغ الملكة تي حتى هذا اليسير‪،‬‬
‫تسكينا لقلقها الطبيعي!‬

‫فمال السيد سوكتي في مقعده إلى الخلف‪ ،‬وتفرس في وجه حامل‬
‫الرسالة برصانة‪ ،‬وقال له‪:‬‬

‫أراك عليم ببواطن الأمور أيها الشاب‪ ،‬فما هي صفتك حتى تظفر‬
‫من جلالة الملكة بهذه الثقة!‪..‬‬
‫ـ أنا أحد الكتاب في القصر‪.‬‬

‫ولكن السيد سوكتي أومأ برأسه متباطئا‪ ،‬وقال‪:‬‬
‫ـ إن لك مطامع إذن!‪.‬‬

‫ـ لا بأس‪ ،‬إن المطامع هي أكبر حافز على العمل‪.‬‬
‫فابتسم السيد سوكتي بدوره ابتسامة ملتوية‪.‬‬

‫[‪]43‬‬

‫(‪)9‬‬

‫أدرك الرسول من فوره أنه أمام رجل نفعي‪ .‬وارتاب في حسن‬
‫طويته منذ اللحظة الأولى فقال له‪ :‬إن ما تطمع جلالة الملكة تي‬

‫في أن أجئ لها بتفسيره هو ركودك‪.‬‬

‫أثارت هذه الكلمة غضب سوكتي‪ ..‬فقال في صوت مختنق انفعالا‪:‬‬

‫ـ ركود!‪..‬‬

‫ثم راح الرسول يستدرج سوكتي بمختلف الأساليب الجدلية‪،‬‬
‫حتى استطاع أن يستخلص منه الحقيقة ويقف على مدي المؤامرة‬
‫التي تديرها الملكة تي بمساعدة طائفة من النبلاء‪ ،‬وأن كثيرا من‬
‫في البلاط وفرق من الجيش قد انضووا تحت لواء هذه الحركة‬
‫الجديدة‪ ،‬فدعا السيد سوكتي الملكة تي للاستمساك بحبل الصبر‬
‫والثقة بهم‪ ،‬ولما رأى إلحاح الرسول وعده غاضبا أن يجمعه في‬

‫[‪]44‬‬

‫الغد بزعماء المؤامرة حتى يقف منهم على التفصيلات التي يريد‬
‫الوقوف عليها نيابة عن الملكة تي‪.‬‬

‫ولما ظفر الرسول بهذه النتيجة وطابت نفسه بما وصل إليه؛‬
‫التمس من السيد سوكتي أن يؤويه في داره هذه الليلة‪.‬‬

‫جمع السيد سوكتي في داره في ضحى اليوم التالي طائفة من‬
‫النبلاء المشتركين معه في التآمر‪ ،‬وكان بينهم أربعة أقصاهم‬
‫الملك عن الولايات التي كانوا عاملين عليها‪ ،‬ولكنهم جاءوا خفية‬

‫بإيعاز من السيد سوكتي‪.‬‬

‫ومع أنهم تبسطوا في الحديث‪ ،‬فإنهم التزموا الغموض والتحفظ‪،‬‬

‫فقال رسول الملكة لهم‪:‬‬

‫ـ أيها السادة إن اجتماعكم هذا لا يفضي بنا إلى نتيجة‪ ..‬وماذا أقول‬
‫حقا للملكة تي؟ هل أقول لها أنكم تعقدون مجرد اجتماعات‬

‫للمناقشة؟‬

‫راح الجميع يحدقون في رسول الملكة‪ ،‬وأخذوا يتبادلون النظرات‬
‫فيما بينهم‪ ،‬وأخيرا ضحك الكاهن بيتو وهو شاب نحيل القامة‬

‫صلب العود كان أشد الموجودين عداوة للملك ‪ ...‬وقال‪:‬‬

‫ـ إنك على حق‪ ..‬إننا سنكون جديرين بازدراء الملكة إذا كانت‬
‫خطتنا لا تعدو مجرد ‪...‬‬

‫[‪]45‬‬

‫وما كاد الكاهن بيتو يصل إلى هذا الحد من الحديث حتى ارتفعت‬
‫أصوات المتآمرين احتجاجا‪ ،‬ولكن الكاهن‪ ..‬تجاهلهم وتابع حديثه‬

‫وقال‪:‬‬
‫ـ إن رجلا من أتباعنا سيتولى‪...‬‬
‫وسرعان ما تعالى صياح الغضب والاستنكار من أفواه‬
‫المتآمرين حتى اضطر الكاهن بيتو إلى السكوت‪.‬‬
‫ثم قال السيد سوكتي‪ :‬إن الكاهن بيتو متهور ومندفع وهو قليل‬

‫الصبر كثير التسرع‪.‬‬
‫وقال رسول الملكة وهو يهز كتفيه تبرما‪:‬‬
‫ـ ولكن الصبر في مجال كهذا قد يفضي إلى عكس الغاية‬
‫المرجوة‪ ..‬إنكم تلتزمون الصبر بينما الوقت يمر مثل السحاب‪.‬‬

‫فقال السيد سوكتي مؤنبا‪:‬‬
‫ـ ذلك لأنك في مقتبل العمر‪ ..‬سيختلف نظرك إلى الأشياء كلما‬

‫تقدم بك العمر‪ ،‬واستطرد في حديثه‪ ،‬فقال‪:‬‬
‫ـ أخبر جلالة الملكة تي أن كل شيء يسير سيرا مرضيا‪ ،‬وأننا‬

‫سوف نجتمع بها قريبا‪.‬‬
‫ثم انفض اللقاء بعد قليل‪ ..‬وتفرق المتآمرون فرادى‪.‬‬

‫[‪]46‬‬

‫(‪)10‬‬

‫خرج الرسول بعد مقابلة المتآمرين وهو يتعثر في خطواته‪..‬‬
‫فهو لم يصل إلى الغاية التي كان ينشدها بعد أن وفق في أول‬
‫المقابلة توفيقا طيبا‪ ،‬وكل ما جناه من هذه المقابلة أنه اطلع على‬
‫المؤامرة‪ ،‬فكان يمني نفسه إثناء الملكة عن تلك المؤامرة‪ ،‬فذهب‬

‫الكاتب إلى الملكة تي‪ ،‬وعندما رأته قالت له‪:‬‬
‫ـ ها أنت حضرت أيها الكاتب‬

‫ـ أنا في خدمتك مولاتي‪ ،‬وعندي من الأقوال ما لا يتسع الوقت‬
‫لسرده‪.‬‬

‫ـ هل جئت برسالة؟!‬

‫[‪]47‬‬

‫ـ ليس لهذه الرسالة قيمة تذكر‪ ،‬ولكن رغب السيد سكوتي أن أبلغك‬
‫أن كل شيء يسير سيرا مرضيا‪ ،‬وهو ما أفسره لا شيء البتة ولا‬

‫شيء سوى الركود‪.‬‬

‫ـ تفسره!‬

‫ـ في وسعي أن أتجاسر على القول بعد أن اجتمعت بالسيد سوكتي‬
‫وأصحابه والمساهمين في هذه المغامرة الحمقاء‪ ،‬أن هذه‬
‫المغامرة‪ ،‬لن تتقدم خطوة واحدة على النحو الذي ترغبين‪ ..‬ولن‬

‫تفضي إلا إلى كارثة محزنة‪.‬‬

‫فتورد وجه الملكة تي غضبا‪ ..‬وقدحت عيناها شررا‪.‬‬

‫ـ لا تتدخل فيما لا يعينك‪ ..‬لقد تجاوزت مهمتك كحامل للرسالة!‬

‫ـ لقد حان الوقت لكي تجدي من يسمى الأشياء بأسمائها الصحيحة‪،‬‬
‫رفعا لسوء الفهم والالتباس‪ ،‬هل تعرفين إلى أين يدفعك السيد‬
‫سوكتي وأصحابه البلهاء؟ إنهم يدفعونك إلى الهلاك‪ ..‬وهؤلاء‬
‫الذين تثقين بهم وتنعتيهم بالنبل هم في الواقع أخساء بالطبع‬

‫والسليقة‪..‬‬

‫ثم استطرد الكاتب في حديثه وقال‪ :‬لو أنهم نجحوا في خطتهم لهان‬
‫الأمر‪ ،‬ولكن كل ما يروعني هو أني لا أرى أملا في نجاح هذه‬
‫المؤامرة‪ ..‬اسمعي نصيحتي يا سيدتي وانفضي يدك من هؤلاء‬

‫الرجال قبل فوات الآوان‪.‬‬

‫فقالت الملكة في انفعال شديد‪:‬‬

‫[‪]48‬‬

‫ـ إني كنت أجزع حقا لو لم أكن واثقة من افترائك‪ ،‬وثقتي من‬
‫نجاح خطتي‪ ،‬واستطردت فقالت‪ :‬إنني أدرك أنهم جميعا بين فقير‬
‫يطمع في ثروة‪ ،‬أو ضئيل يطمع في جاه‪ ،‬بل إنهم لم يتورعوا في‬

‫حديثهم معي أن يتقاسموا سلفا مناصب الحكم في الدولة‪.‬‬

‫ـ معذرة جلالة الملكة‪ ..‬إني أتكلم كلاما قائما على المنطق السديد‬
‫والاستدلال الصحيح‪.‬‬

‫ـ بل كلام قائم على الغرض والتحيز‪.‬‬

‫ـ وهل من التحيز أن أقدم لك النصح؟‬

‫ـ إنهم أحسنوا الصنع مدفوعين بإخلاصهم ووفائهم‪.‬‬

‫ـ بل بأطماعهم ومأربهم‪.‬‬

‫شعرت الملكة تي بخطرسوف يأتي من ناحية هذا الرسول وربما‬
‫قد يفصح عن المؤامرة‪ ،‬وقد عاودها الغضب؛ ولكنها كبتت‬

‫غضبها فقالت‪:‬‬

‫ـ إنني أقدر دوافعك النبيلة‪ ..‬وإنني قد اقتنعت برأيك‪ ..‬وأشكرك‬
‫ولكن هل تسدي لي خدمة أخيرة؟‬

‫ـ في خدمتك سيدتي ما هي تلك الخدمة؟‬

‫ـ اقصد فورا إلى السيد سوكتي وقل له أن مؤامرة القتل هذه يجب‬
‫أن تستبعد تماما‪ ..‬وقل له أن هذه هي إرادتي النهائية‪ ،‬سوف أكتب‬

‫لك رسالة له لتوصيلها؛ حتى يعرف أنها إرادتي النهائية‪.‬‬

‫[‪]49‬‬


Click to View FlipBook Version