The words you are searching are inside this book. To get more targeted content, please make full-text search by clicking here.

تمكيت رواية صرخة مومياء بي دي إف نهائي للطبع

Discover the best professional documents and content resources in AnyFlip Document Base.
Search
Published by الكاتب خالد الحديدي, 2022-06-02 01:32:46

تمكيت رواية صرخة مومياء بي دي إف نهائي للطبع

تمكيت رواية صرخة مومياء بي دي إف نهائي للطبع

‫ـ نعم‪ ،‬وها هي أوامري‪ ،‬بأن تكون أيام الحداد أربعين يوما‪ ،‬ولا‬
‫تقدم قرابين أو تقام حفلات‪ ،‬بل تغلق جميع الهياكل‪ ،‬ثم استطرد‬

‫قائلا‪:‬‬

‫ـ هذا هو الأمر الذي أصدرته أنا ملك مصر‪ ،‬رمسيس الرابع بحق‬
‫الدم وأنا لا أدري هل أتوج ملكا على الأراضي العليا‪ ،‬والسفلى أم‬

‫لا‪.‬‬

‫كان رمسيس الرابع شديد القلق من بنتاور وكبير الكهنة وحزبه‬
‫وما عولوا عليه الآن‪.‬‬

‫ثم وجه كلامه للوزير (نفر) وسأله‪:‬‬

‫ـ هل قوبل أحد من آبائي وأجدادي طوال حكمه بمثل ما قوبلت به‬
‫اليوم من مؤامرات‪ ،‬وهو ولم يتوج بعد‪.‬‬

‫ـ الحزم والقوة‪ ..‬الحزم والقوة يا مولاي‪ ..‬كان أجدادك أقوياء كن‬
‫مثلهم يا مولاي‪.‬‬

‫وبينما هم مجتمعون دخل عليه الضابط حابي وقال‪:‬‬

‫ـ إن رئيس كهنة آمون ورئيس السحرة وحاكم المدينة جاءوا بعد‬
‫أن سمعوا الخبر مولاي الملك‪.‬‬

‫ـ لن أقابلهم الآن‪ ،‬يقابلوني بعد الظهر في قاعة المحاكمة سوف‬
‫تكون مقابلتي لهم علنية؛ لكي يعلم الجميع أنني عقدت العزم على‬

‫أن أحكم البلاد كملك مصر حتى لو كلف هذا الأمر حياتي‪.‬‬

‫ـ فصاح الجميع المجد لك ملك مصر‪.‬‬

‫[‪]100‬‬

‫(‪)22‬‬

‫وفي الساعة المحددة‪ ،‬ذهب رمسيس الرابع إلى قاعة البهو‬
‫الملكي وسجد الجميع أمامه وناداه معظم الحاضرين بملك البلاد‪،‬‬
‫ولكن كهنة آمون ورئيس الكهنة كانوا لا يزالون ينادونه بالأمير‬

‫لأنه لم يتوج بعد‪.‬‬
‫جلس الملك على العرش‪ ،‬وقال لكبير كهنة آمون‪ :‬إن الخسارة‬
‫التي أصابتني وأصابت مصر بفقد والدي كبيرة‪ .‬ثم تابع وسأل‬

‫كبير الكهنة‪:‬‬
‫ـ متى أتوج ملكا على البلاد في هيكل آمون؟‬

‫فرفع الكاهن الأكبر عينيه وقال‪:‬‬

‫[‪]101‬‬

‫ـ اعلم أيها الأمير رمسيس يا من ستتولى عرش مصر‪ ،‬أنني رأيت‬
‫ليلة أمس رؤيا تتعلق بهذا الأمر‪ ،‬وقد خيل في هذه الرؤية أن آمون‬
‫العظيم نفسه يتكلم معي وأنه غير راض عنك‪ ،‬وأنه إن توجت‬

‫على عرش مصر فإنه سيصب لعنته علي وعلى سكان مصر‪.‬‬

‫خاطب الملك نفسه‪ :‬إذن هذه خطتكم‪ ،‬تجعلون الشعب يعتقد أنني‬
‫غير محبوب من الإله آمون‪ ،‬وأن الشعب جاهل سوف يعتقد في‬

‫كل ما يقال له من رجال الدين‪.‬‬

‫فثار غضب الملك رمسيس‪ ،‬ولكنه لم يستطع أن يتفوه أمام‬
‫الحاضرين بما يجول في خاطره‪ ،‬لأنه يعلم أنهم بلا ريب سوف‬
‫يخشون رئيس الكهنة ويؤمنون بما يقول عن هذا اللعنة التي سوف‬

‫تقع عليهم لو تم تتويجه ملكا على البلاد‪.‬‬

‫فقال الملك لكبير الكهنة‪:‬‬

‫ـ وهل تؤمن بهذه النبوءة واللعنة؟‬

‫فأظهر دهشة وقال‪:‬‬

‫ـ هل يجرؤ رئيس كهنة آمون على الكفر بكلمة آمون؟ ثم استطرد‬
‫في حديثة وقال‪:‬‬

‫أري أيها الأمير أن خير وسيلة هي الإذعان لما أرادت الآلهة أن‬
‫تعلنه على لساني أنا خادمها! وأنا لا أستطيع مخالفة الأوامر التي‬

‫صدرت إلي من الآلهة‪.‬‬

‫[‪]102‬‬

‫فقال الملك‪ :‬ما هذه السخافات التي تنطق بها‪ ،‬أتظنني أحد‬
‫كهنتك؟ لي الأمر وعليك الطاعة‪.‬‬

‫رئيس الكهنة‪ :‬وأنا‪ ،‬أتظنني أحد جنودك؟‬
‫ابتلع الملك غيظه وسكت هنيهة ثم قال‪:‬‬

‫ـ أيها الكاهن‪ ،‬يمكنك الانصراف الآن وتأتي غدا لكي أعطيك‬
‫رأيي النهائي‪.‬‬

‫دخل حابي على الملك بعد هنيهة‪ ،‬وكان الملك قد أرسل في طلبه؛‬

‫فقام الملك بسؤاله‪ :‬ما هي الأخبار لديك؟‬

‫ـ جلالة الملك إن الأمور ليست سيئة‪ ،‬اللهم فيما يتعلق بتلك اللعنة‬
‫التي أعلنها كبير الكهنة‪ ،‬والظاهر أنها وجدت رواجا بين الشعب‬
‫وأصبح الشعب حائرا بين الخوف من كبير الكهنة ومن قوته‬
‫ونفوذه الديني وبين حبه لك‪ ،‬وسوف لا يستقر الأمر على شيء‬
‫حتى يقضي على هذا الخوف أو ذاك الحب‪ ،‬وعليك أيها الملك أن‬

‫تتوخي الحذر‪.‬‬

‫جاء كبير الكهنة وكان في صحبته بعض من كهنة آمون والضباط‬
‫والقواد‪ ،‬فخاطب الملك كبير الكهنة بلهجة نمت عن الزهو‪ :‬لقد‬

‫جئت لكي تعرف رأيي‪ ،‬أليس كذلك أيها الكاهن؟‬

‫ـ أجل أيها الأمير‬

‫ـ رأيي أيها الكاهن؛ يجدر بك أن تدعوني الآن الملك‪.‬‬

‫[‪]103‬‬

‫ـ أيها الأمير‪ ،‬إنني كبير كهنة آمون خادمك‪ ،‬ولكن لا أقول هذا‬
‫القول بحق وعدل حتى تتوج‪ ،‬ولو كان هناك من ينادونك بهذا‬
‫اللقب‪ ،‬وأنا لا أستطيع مخالفة الأوامر التي صدرت إلي من الآلهة‪.‬‬

‫ثم ألقى نظرة تنطوي على الخبث والدهاء على رفاقه من كهنة‬
‫آمون‪ ،‬واستطرد في حديثه‪ ،‬وقال‪:‬‬

‫ـ اعلم ايها الأمير أنك لست محبوبا لدى آمون‪ ،‬وقد أخبرتك بما‬
‫قاله لي الإله الأعظم في تلك الرؤية‪ ،‬إن آمون لا يريد أن تصير‬
‫ملك البلاد‪ ،‬ثم رفع يده وقال‪ :‬والواضح أن هناك آخرون يرون‬

‫هذا الرأي‪ ..‬اسمعوا!‬

‫سمع الملك صوتا ضعيفا في الخارج‪ ،‬صوت غضب وصياح في‬
‫الشوارع حيث كان بعض الغوغاء يصيحون ضده؛ بتحريض‬

‫الكهنة حول أبواب القصر‪.‬‬

‫قضب الملك جبينه فقال بغضب‪ :‬طبعا‪ ،‬بنتاور هو محبوب من‬
‫آمون أيها الشيطان المخادع ويحك يا خائن! ما أنت إلا شريكه!‬

‫تبسم كبير الكهنة بتبجح وقال‪:‬‬

‫ـ إن الذين يؤمنون بكلمات آمون هم الموالون لآمون‪.‬‬

‫فاه كبير الكهنة بهذه الكلمات بشدة‪ ،‬وتحرك كهنة آمون وراءه‪،‬‬
‫فاحتشد أنصارالملك خلفه ومن الواضح أن سيف الكراهية قد استل‬

‫أخيرا من غمد الدسائس ووصل بهم إلى مفترق الطرق‪.‬‬

‫فقال الملك بحزم‪:‬‬

‫[‪]104‬‬

‫ـ إن من تفاهة العقل أن يظن مثل ذلك الهتاف يردني عن أمر‬
‫اعتزمته‪ ،‬فاستطرد الملك قائلا‪ :‬سأتوج غدا بصرف النظر عن‬
‫تلك النبوءه الكاذبة‪ ،‬ولو أفضى الأمر إلى دعوة جنودي وخلع‬

‫رؤساء الكهنة وتعيين سواهم‪.‬‬

‫ـ إنني كبير كهنة آمون أيها الأمير‪ ،‬وسأطيع آمون الذي خدمته‬
‫قبل أن أكون في خدمتك ما دمت حيا‪ ،‬أما دعوة جنودك فهذا أمر‬

‫أتركه للإلهة‪.‬‬

‫ـ كفى‪ ،‬كفى ‪ ...‬كفاني منك دهاء تخفيه تحت ستار الاحترام‪..‬‬

‫ثم يستقيم الملك معتزا ويقول غاضبا ‪ :‬ليت هوام مصر تجتمع‪،‬‬
‫فلا تبقي على قطعة من لسانك‪.‬‬

‫رئيس الكهنة ببرود‪ :‬يا أيها الأمير‪ ،‬إن هوام مصر كثيرة‪،‬‬
‫ولساني قليل لا يكفيه‪ ،‬فلن يتحقق رجاؤك‪.‬‬
‫الملك‪ :‬ولكني أريد‪.‬‬
‫رئيس الكهنة‪ :‬وربي لا يريد‪.‬‬
‫الملك ‪:‬لا أعبأ بربك‪.‬‬

‫رئيس الكهنة‪ :‬حذار يا أيها الأمير أن يسمعك الشعب‪ ،‬ولكن؛ من‬
‫ولاك ملكا؟‬

‫الملك ‪ :‬حاذر أن ألقي بك يوما إلى الأسود فتنهش لحمك‪.‬‬
‫رئيس الكهنة‪ :‬بل حاذر أنت أن ألقي عن رأسك تاج مصر‪،‬‬

‫فأعلن للملأ أن روح الآلهة قد انسلت منك‪.‬‬

‫[‪]105‬‬

‫ـ أولم تفعل أيها المخادع؟ ورغم وقاحتك هذه‪ ..‬آذنت لك‬
‫بالانصراف‪ ،‬ولكن اعلم أنني سوف أتوج ملك على البلاد غدا‪.‬‬

‫أراد الملك القبض على كهنة أمون وكبيرهم‪ ،‬ولكن لم يكن لديه‬
‫في هذه الآونة غير فرقتين من الجنود داخل القصر‪ ،‬وخشى أن‬
‫يهيج الشعب قبل أن تكون لديه قوة تكفي للوقوف في وجه أي‬

‫هجوم‪.‬‬

‫[‪]106‬‬

‫(‪)23‬‬

‫خرج كبير الكهنة من القاعة فنظر الملك إلى الوزير نفير‪ ،‬وقال‬
‫له‪:‬‬

‫ـ كيف خدعوا هؤلاء القوم بترهاتهم وأباطيلهم تلك السنين‬
‫الطويلة‪ ،‬آبائي وأجدادي‪.‬‬

‫ـ أيها الملك الآن ظهر الحق‪.‬‬

‫ـ فماذا أفادني الآن ظهور الحق وبطلان تلك الأباطيل؟ خلا‬
‫قلبي من الإيمان بها‪ ،‬فأصبح كدار أصابها حريق فأمست خالية‬
‫خاوية‪ ،‬لا يرى فيها إلا أطلال ورماد‪ ،‬أراني كامرئ جائع فاته‬

‫الطعام ولا يجد ما يسد به رمقه‪ ،‬أو ظامئ منع الماء فلم‬
‫يروغليله‪ ،‬أو عار نزعت عنه ثيابه فلا يجد ما يستره‪ ،‬كنت‬

‫أعمى البصر‪ ،‬فأصبحت روحي أيضا عمياء‪ ،‬فمن أين لي‬

‫[‪]107‬‬

‫بشعاع من نور الأمل‪ ،‬يضيء به روحي؟ من لي ولو بأمل‬
‫كاذب‪ ،‬يحل محل الأمل الخائب؟ وها أنت أيها الوزير نفير ترى‬

‫أنهم يدفعون البلاد إلى حرب أهلية طاحنة‪.‬‬

‫ـ إنني أقدر يا جلالة الملك‪ ،‬إن المعركة سوف تكون عنيفة يملؤها‬
‫الهول‪ ،‬ويحدق بها المخاطر فإما ضعف وهزيمة وإما قوة‬

‫وانتصار‪.‬‬

‫وما أن أتم الوزير نفير جملته حتى دخل عليه الضابط حابي‪،‬‬
‫وقال‪:‬‬

‫ـ جلالة الملك العظيم هناك أنباء سيئة‬

‫ـ هات ما عندك أيها الضابط حابي‬

‫ـ لقد اضطرب الشعب اضطرابا شديدا‪ ،‬والجميع يتمتمون ضدك‪،‬‬
‫ودبت الفوضى بينهم وهم يخشون غضب المعبود إذا انضموا إلى‬
‫جانبك‪ ،‬وتفرق صغار الكهنة بين الجموع وينتقلون الآن بين‬
‫الشعب فأوغروا صدورهم ويحثونهم بكلمات شديدة على مهاجمة‬

‫القصر وقتلك قائلين‪:‬‬

‫إن آمون غضب عليك‪ ،‬أما حبهم لك لقد تغلب عليه خوفهم من‬
‫الكاهن الأكبر؛ إذ تبين أن تمسكهم بديانته وطقوسه هو الأقوي‪،‬‬
‫لقد زاد سخطهم عليك وأخذوا ينادون بتولي بنتاور ملكا عليهم وقد‬

‫هتفوا له الآن‪.‬‬

‫ـ ماذا عن الفرق الستة التي بالمدينة هل كلهم موالين لي؟‬

‫[‪]108‬‬

‫ـ للأسف أيها الملك ليس الأمر كذلك لقد أغرى بنتاور والكهنة‬
‫فرقتين‪.‬‬

‫ـ إذا إن بنتاور لديه هاتان الفرقتان غير الشعب؟‬
‫ـ نعم‪ ،‬ولدينا أربع فرق اثنتان هنا واثنتان في ضواحي المدينة‬

‫ـ يجب دعوتهم إلى القصر في الحال‪.‬‬
‫فقال الضابط حابي‪ :‬لقد توقعت كل هذا أيها الملك‪ ،‬فأرسلت الرسل‬

‫على الفور لاستدعاء الفرقتين من ضواحي المدينة على الفور‪.‬‬
‫ـ إنك تفكر بكل شيء يا حابي‪ ،‬منذ أن كنا نحارب في الدلتا‪ ،‬وقد‬

‫لمست فيك الذكاء والشجاعة والإخلاص‪.‬‬
‫وبينما هم يتحدثون دخل الحاجب ميريس وقال‪ :‬جلالة الملك‬

‫المعظم هناك رجل يريد مقابلتك على الفور‪.‬‬
‫ـ من هذا؟‬

‫ـ إنه عين من عيوننا التي بثت لاستقدام الأخبار؟‬
‫ـ إئت به إلي‬

‫ـ دخل الرجل فسجد للملك وهو يقول‪ :‬أيها الملك يا من لا تنتهي‬
‫له حياة‪.‬‬

‫ـ هات ما عندك‪.‬‬

‫[‪]109‬‬

‫ـ سمعتهم في جيش الأعداء يتحدثون عن مهاجمة القصر الليلة‬
‫ليقتلوك جلالة الملك‪ ،‬ويضعون بنتاورعلى العرش قبل وصول‬

‫الإمدادت‪.‬‬

‫ـ شكرا أيها الجندي الشجاع‪ ،‬اذهب والتمس بعض الراحة‪.‬‬

‫نظر الملك إلى حابي نظرة يملؤها القلق‪ ،‬فلاحظ أن عينيه تلمعان‪،‬‬
‫وهيئته الخارجية تدل على ابتهاجه بقرب القتال ولم يخر عزمه‬
‫عندما سمع تلك الأنباء السيئة‪ ،‬بل لم يشاطر الملك هذا القلق‬

‫والانزعاج فضحك حابي وقال‪:‬‬

‫ـ سيجد جنودنا الأسود غنما كثيرا لافتراسها‪.‬‬

‫وفي تلك الأثناء وصل سخن رع والفرقتان الأخريتان إلى‬
‫القصر بعد مشقة كبيرة‪.‬‬

‫فقال الملك‪:‬‬

‫ـ ليس لدينا غير أربع فرق داخل القصر‪ ،‬ومع ذلك في وسعنا أن‬
‫ندافع جيدا إذا استطعنا الثبات في وجه الأعداء يوما أو يومين إلى‬

‫أن تصل جنودنا من الدلتا عن طريق النهر‪.‬‬

‫فقال حابي‪:‬‬

‫ـ نحن نرى أنك سوف تتوج‪ ،‬أما وإذا تغلب عليك بنتاور الليلة‬
‫واستطاع الاستيلاء على المدينة كلها فإنه سيكون ملك مصر مدة‬
‫طويلة‪ ،‬وسيكون في استطاعته أن يقضي على كل فتنة أو ثورة‬

‫ضد حكمه‪.‬‬

‫[‪]110‬‬

‫ـ إذا يجب أن ندافع عن القصر إلى النهاية‪ ،‬ما هي الأوامر التي‬
‫أعطيتها للحراس يا حابي؟‬

‫ـ أمرتهم أن لا يسمحوا لأحد بالدخول من الباب الكبير الذي أغلق‬
‫الآن بإحكام أمام الجماهير‪ ،‬هناك عديدون وهم يبدون عداء شديدا‬
‫وليس بينهم بنتاور‪ ،‬وإنما يوجد عدد كبير من الكهنة يحرضون‬

‫الناس على الهتاف ضدك‪.‬‬
‫ـ مر الحراس بغلق جميع الأبواب‪ ،‬ثم مر بقية الجنود بالتأهب‬

‫والاستعداد داخل القصر‪.‬‬

‫[‪]111‬‬

‫(‪)24‬‬

‫وبينما هم على هذا الحال دخل الحاجب ميريس‪ :‬مولاي إن‬
‫الجماهير لم تبد إلى الآن أي حركة عدائية‪ ،‬ولكن يبدو أن فصيلة‬

‫أو فصيلتين من جنود بنتاور وصلتا مقابل الأبواب الكبرى‪.‬‬
‫فقال حابي‪ :‬إذن يجب أن أذهب إلى الباب الخارجي‪ ،‬وسأخبرك‬

‫يا مولاي إذا لاحظت من جانب العدو أي رغبة في الهجوم‪.‬‬
‫وبعد برهة دخل حابي فجأة وصاح قائلا‪:‬‬

‫ـ لقد وصلت جميع فرق بنتاور إلى هنا‪ ،‬ويحمل فريق من الشعب‬
‫أسلحة بقيادة الجنود أظن أنهم ينوون مهاجمة القصر‪ ..‬وبنتاور‬
‫نفسه هناك إذ سمعتهم يصيحون باسمه ويدعونه ملك مصر‪ ،‬وقد‬
‫بدأت جنودهم يقذفون سهامهم على الأبواب‪ ،‬فأصيب بعض رجال‬
‫الحرس‪ ..‬يجب إظهار قوتنا لكي يعلموا أننا نستطيع القتال مثلهم‪.‬‬

‫[‪]112‬‬

‫ـ سأكون معكم عما قليل‪.‬‬

‫ارتدى الملك ملابس الحرب‪ ،‬وتأهب للقتال ثم تحول نحو النساء‬
‫وقال لهن‪ :‬انصرفوا إلى الغرفة الثانية ثم سار نحو الملكة الأم‬
‫إيزيس‪ ،‬وكانت جالسة في زاوية من الغرفة وقد لزمت السكوت‬

‫والصمت وقال لها الملك‪:‬‬

‫ـ ها ترين أيتها الأم الحبيبة والملكة العظيمة أنه لا مفر ولا مناص‪،‬‬
‫إن شرفي وبلادي ينادونني فلا مناص من تلبية الطلب فتوسلي‬

‫إلى آمون أن يكتب لنا النصر على الأعداء‪.‬‬

‫فقالت الملكة الأم إيزيس‪:‬‬

‫ـ سأصلي وأتوسل يا بني أن يكتب لك النجاة والنصرعلى الأعداء‪،‬‬
‫وأن تثأر لوالدك ولمصر‪.‬‬

‫ـ كم يحزنني أن يصبح القصر الملكي ساحة للنزال والمصارعة‬
‫والجائزة تاج مصر المزدوج الجليل الشأن‪.‬‬

‫فاقتربت الملكة الأم إيزيس من ابنها الملك‪ ،‬ثم طوقت عنقه‬
‫بذراعيها وهمست في أذنه‪:‬‬

‫ـ ليتني أستطيع القتال وأموت إلى جانبك يا بني‪ ،‬ولكن فليرعاك‬
‫آمون‪.‬‬

‫ـ سوف أنزل الآن للقتال‪ ،‬ربما للموت‪ ،‬ولكن على أي حال إلى‬
‫الشرف والكرامة‪.‬‬

‫[‪]113‬‬

‫وما أن نزل الملك وتوجه ناحية الباب الخارجي وجد القواد‬
‫والجنود وقد علت صيحاتهم وهم يقولون‪ :‬إن جنود بنتاور‬
‫المدربون قد حلت محل الغوغاء‪ ،‬وشرعوا يدقون الأبواب دقا‬
‫مفزعا‪ ،‬فكانوا يحملون جذع شجرة ضخمة ويدقون به الأبواب‪،‬‬
‫فأخذ الحراس من داخل القصر يرشقونهم بسهامهم ولكن جنود‬
‫بنتاور أقاموا متاريس لحماية الذين يدقون الأبواب‪ ،‬وبسرعة‬
‫وضع الأعداء مجموعة من رماة النبال فكانت مهمتهم تصويب‬
‫نبالهم ناحية الفتحة الصغيرة التي كانت في قاعة القصر والتي‬
‫كان حراس القصر يطلقون منها سهامهم على الغوغاء‪ ،‬وقد‬
‫أصيب الحراس من جراء ذلك بخسارة كبيرة فاضطروا للرجوع‪.‬‬

‫وبعد مدة وجيزة دخل الضابط سخن رع على الملك وقال له‪:‬‬

‫ـ إن الأبواب يا جلالة الملك لا تلبث أن تسقط من تأثير الضربات‬
‫الشديدة المتلاحقة‪.‬‬

‫ـ مرالجنود بالانسحاب من الفناء الكبير الذي لا يستطيع الصمود‬
‫مطلقا‪ ،‬وأنت ياحابي خذ حملة الأقواس الأبطال وضعهم على‬
‫طول النوافذ المطلة على الفناء‪ ،‬فيطلقون نبالهم على الأعداء أثناء‬

‫هجومهم واندفاعهم‪.‬‬

‫ثم أمر الملك بسحب جميع الجنود إلى القصر نفسه‪ ،‬وإغلاق‬
‫جميع الأبواب ثم أمرهم كذلك بإشعال كتل خشبية حتى يرى‬

‫الجنود وهم في الظلام جنود الأعداء فيطلقون عليهم السهام‪.‬‬

‫[‪]114‬‬

‫وأخيرا هوت الأبواب بفعل الضربات المتتالية‪ ،‬واندفع جنود‬
‫بنتاور إلى فناء القصر الخالي المضاء بالنيران المنبعثة من الكتل‬
‫الخشبية‪ ،‬وكانوا يصيحون ويصرخون مدفوعين بشهوة القتل‬

‫والنهب والتي كادت أن تذهب بعقولهم‪.‬‬

‫امتلأ الفناء بسيل جارف من الجنود والغوغاء من الشعب‪.‬‬

‫فرفع الملك يده معلنا بدء الهجوم فصاح حابي‪:‬‬

‫ـ أطلقوا السهام‬

‫فأخذ الجنود يطلقون سهامهم‪ ،‬ولم تمض لحظة حتى تغلب صفير‬
‫السهام على صياح الغوغاء‪ ،‬وتعالى صوت وأنين الجرحي‪ ،‬فقال‬

‫حابي للملك‪:‬‬

‫ـ لقد تلغبنا عليهم الآن‪ ،‬كم أنا مسرور كل السرور لأنني عشت‬
‫حتى رأيت هذا اليوم‪ ،‬وإذا كتب لي الموت اليوم فسوف أكون‬
‫سعيدا لأنني سوف أقول في وادي الموت أنني قتلت في مثل هذا‬

‫اليوم‪.‬‬

‫ـ مازال هناك الكثير منهم‪.‬‬

‫ـ نعم ولكن ما زالت كفتنا هي الراجحة‪.‬‬

‫استمرت المعركة على هذا الحال وسهام جنود الملك تفتك بأعدائه‬
‫فتكا‪ ،‬إلى أن دب الرعب في قلوب بعض الغوغاء ففروا فرارا ثم‬
‫دب الرعب كذلك من بعض جنود بنتاور إلى أن خلا الفناء من‬

‫[‪]115‬‬

‫الجميع عدا الجثث المكدسة والجرحى‪ ،‬الذين كانوا يزحفون على‬
‫الأرض يبحثون عن مأوى لهم‪.‬‬

‫فكانت روح الحماسة بادية على وجوه جنود الملك لما أحرزوه‬
‫من نصر‪ ،‬ولكن الملك كان لديه قلق لأنه كان يعلم ما لدى بنتاور‬
‫من القوات ولذا أيقن أنه سيجد مشقة وصعوبة في الثبات في وجه‬

‫الأعداء‪.‬‬

‫وفجأة تعالت الأصوات مرة أخرى من طرف القصر‪ ،‬وجاء‬
‫جنديان إلى الملك يسرعان نحوه وهما يصيحان قائلين‪ :‬إن بعض‬

‫جنود بنتاور دخلوا الفناء الغربي‪.‬‬

‫لم يكمل الجنديان قولهما حتى سمعا أن جنود الأعداء وصلوا إلى‬
‫درجات السلم والأبواب الداخلية دون أن يصاب أحد منهم بسهم‬
‫واحد من الذي أطلقه حملة السهام فاضطر حملة السهام إلى ترك‬
‫سهامهم وأقواسهم وتناولوا السيوف‪ ،‬وتعالى صليل السيوف في‬
‫جميع جوانب القصر‪ ،‬وجد رجال الملك صعوبة في تنظيم‬
‫صفوفهم‪ ،‬ودارت رحى القتال بشدة على ضوء المشاعل الخافتة‬

‫التي كانت حول القصر‪.‬‬

‫اختلط الحابل بالنابل فصرخ الملك في جنوده‪ ،‬وقال‪:‬‬

‫ـ ارتدوا إلى قاعة المحاكمة الكبري‪.‬‬

‫إلا أن صوته لم يسمع وسط جلبة القتال‪ ،‬وعندما أصيب الملك‬
‫إصابات طفيفة؛ لم يتبعه من جنوده سوى النصف تقريبا‪ ،‬في حين‬

‫قاتل الباقين قتال الأبطال‪.‬‬

‫[‪]116‬‬

‫ولم يكن ميريس جنديا‪ ،‬ولكنه حمل سيفا وقاتل قتالا عظيما إلى‬
‫جانب الملك‪ ،‬واشتد وطيس القتال‪ ،‬ورغم قلة عدد جنود الملك إلا‬

‫أنهم استطاعوا هزيمتهم ثم تعالى صياح الجنود وهم يقولون‪:‬‬
‫ـ بنتاور‪ ،‬بنتاور‪ ،‬فرأى الملك أخاه بنتاور وقد ارتسمت على وجهه‬

‫علامات السعادة بالقتال‪ ،‬وهو يقاتل بشدة على رأس جنوده‪.‬‬

‫[‪]117‬‬

‫(‪)25‬‬

‫استطاع جنود الملك رمسيس الرابع الثبات في وجه الأعداء‪،‬‬
‫رغم أنهم كانوا يرتدون إلى الخلف لكثرة عدد الأعداء‪ ،‬حتى دخلوا‬
‫إلى القاعة التي بها عرش الملك‪ ،‬وكان متواجد بها بعض النساء‬
‫والجواري‪ ،‬ثم حدث صدى وجلبة القتال داخل البهو الملكي‪،‬‬
‫فكانت النساء رابضات في زاويا القاعة وخلف الأعمدة‪ ،‬ويقدمن‬

‫حليهن وجواهرهن إلى كل من يقترب منهن لعله ينقذ حياتهن!‬

‫وأصبح صياح الجنود وأنين الجرحي يتردد صداه داخل البهو‬
‫الملكي؛ الذي كان صدى أوامر الملك رمسيس الثالث العظيم يتردد‬

‫داخله‪.‬‬

‫وبينما كان الأعداء يتأهبون لهجوم جديد‪ ،‬أطلق حابي صيحة‬
‫بصوته الجهوري‪:‬‬

‫[‪]118‬‬

‫ـ اجثوا على أرجلكم‪ ،‬سنطلق على الأعداء سهامنا‬

‫جثى الملك على ركبتيه‪ ،‬وأمر جنوده أن يحذوا حذوه‪ ،‬فأخذت‬
‫السهام تمطر الأعداء كوابل من المطر وتفتك بجنود بنتاور‪ ،‬إلى‬
‫أن دب الذعر في قلوبهم؛ فتفرقوا بعد أن حاولوا الثبات هنيهة ثم‬

‫ركنوا إلى الفرار‪.‬‬

‫أخيرا خلت قاعة العرش من الأعداء‪ ،‬عدا القتلى والجرحى‪،‬‬
‫فذهب الملك إلى حابي فشكره على شجاعته وبسالته‪.‬‬

‫ثم أمر الملك جميع جنوده بالارتداد إلى الجناح الخاص به‪،‬‬
‫وإقامة السدود والمتاريس خلف أبواب الغرف‪ ،‬ويكونون على‬

‫أهبة الاستعداد لصد الهجمات التالية‪ ،‬إلى أن تصل الإمدادات‪.‬‬

‫عمت فترة هدوء؛ فأخذ الملك التنقل بين الغرف للاطمئنان على‬
‫الضباط والجنود‪ ،‬فكان سخنع رع تضمد جراحه إحدى جواري‬
‫القصر‪ ،‬في حين كانت تضمد جراح حابي فتاة أخرى أخذ الملك‬

‫يتذكر أين رآها‪.‬‬

‫فسأل حابي‪ :‬أظن أنني رأيت هذا الفتاة من قبل يا حابي؟‬

‫ـ نعم جلالة الملك‪ ،‬لقد تعرفت عليها في حملة التأديب في الدلتا‬

‫ـ آه‪ ،‬عندما كنتم تسبحون في النهر أنت وسخن رع!‬

‫ـ كنت أظن أن أحدا لم يعرف هذا السر‪ ،‬إنك يا مولاي لا يخفى‬
‫عليك أي شيء‪.‬‬

‫[‪]119‬‬

‫فضحك الملك وأخذ في متابعة باقي الضباط والجنود‪.‬‬

‫فقال الملك بصوت عال‪ :‬لم تسر المعركة كما كنت أريد‪ ،‬ولكن‬
‫في وسعنا الثبات إلى أن تأتينا الإمدادات التي لابد أنها في الطريق‬

‫إلينا‪.‬‬

‫لم يتم الملك جملته إذ سمع فجأة جلبة القتال في الخارج‪ ،‬فوثب‬
‫الملك واقفا وخطف سيفه وصولجانه ثم قبل حابي فتاته ثم خطف‬

‫سيفه وهرع من الغرفة يتبعه باقي الضباط‪.‬‬

‫قام الأعداء بهجوم شديد ناحية السد الأول الذي كان ارتفاعه‬
‫إلى الصدر فقط‪ ،‬فكان رماة السهام يصدون الأعداء مرة بعد مرة‬

‫فقد كانوا يدفعون بقوات جديدة‪.‬‬

‫فرغت السهام من جنود الملك رمسيس وتحول القتال إلى‬
‫ملحمة شديدة‪ ،‬فكانت أعداد جنود بنتاور كبيرة مما دفع جنود‬

‫رمسيس إلى أن يرتدوا شيئا فشيئا عن السد الأول‪.‬‬

‫لم يرتدوا بسرعة‪ ،‬فكانوا يحملون جرحاهم حتى رأى الملك‬
‫الجنود وهم يحملون حابي وقد جرح جرحا بليغا‪ ،‬فصاح الملك‪:‬‬

‫تشجع يا حابي أيها الضابط الشجاع المخلص‪.‬‬

‫فكان رئيس الكهنة والكهنة مايزالون بالخارج يصيحون‬
‫ويدعون بنتاور هو الملك‪.‬‬

‫زاد القتال بشدة حول السد الثاني‪ ،‬وقد أصاب الجنود الإعياء‪،‬‬
‫فكانت الملكة إيزيس ونساء القصر يتقدمن بشجاعة من الغرف‬
‫الداخلية حيث كن يراقبن القتال ويضعن في أيدي الجنود السهام‪.‬‬

‫وتمكن رمسيس وجنوده ونساء مصر العظيمات من صد‬
‫حملات الأعداء‪.‬‬

‫[‪]120‬‬

‫(‪)26‬‬

‫رأى الملك رمسيس الرابع أخاه بنتاور وهو يقاتل بشجاعة‬
‫وسط جنوده‪ ،‬فحاول الملك رمسيس الوصول إليه‪ ،‬فلما أحس‬
‫بنتاور برغبة رمسيس في لقائه في حومة الوغى؛ ناضل هو‬

‫الآخر للوصول إليه إلى أن التقيا أخيرا‪.‬‬
‫فصاح بنتاور بابتهاج قائلا‪:‬‬
‫ـ أخيرا‬
‫ـ أخيرا أيها الخائن‬

‫لم يكد يواجه كل منهما الآخر‪ ،‬حتى كف الجنود من الجانبين‬
‫عن القتال كأن هناك اتفاقا مسبقا‪.‬‬
‫فقال بنتاور‪:‬‬

‫[‪]121‬‬

‫ـ أيها الأخ سوف أكون ملك على البلاد‪ ،‬ستموت الليلة وسوف لا‬
‫يعلم أحد في العصور المقبلة أنك وجدت على ظهر الأرض‪ ..‬بل‪،‬‬
‫لن يعرف أحد اسمك أو أنك حكمت أرض مصر التي لم تتوج‬

‫فيها‪.‬‬

‫ـ فصرخ رمسيس غاضبا‪:‬‬

‫ـ صه أيها الخائن‪ .‬إنك الذي كتب عليك الموت الليلة لا أنا‪.‬‬

‫لم يتفوه بنتاور بكلمة‪ ،‬بل رفع سيفه وتقدم نحو رمسيس فضربه‬
‫ضربة صاعقة‪ ،‬فتلقاها رمسيس بدرعه فشقت الدرع نصفين‬

‫فتعالت صياح جنود بنتاور صيحة الفوز‪.‬‬

‫فضربه رمسيس بصولجانه ولكن بنتاور تحاشاها‪ ،‬فضرب بنتاور‬
‫رمسيس‪ ،‬ولكنه أيضا استطاع أن يتحاشاها‪ ،‬فثارغضب بنتاور‬
‫وصوب نحو جسد رمسيس الذي لا يقيه شيء ضربات شديدة‪،‬‬
‫وبينما كان رمسيس بجوار السد إذ وضع في يده درعا‪ ،‬فأخذ جنود‬

‫بنتاور يصيحون بغضب قائلين‪:‬‬

‫ـ أيتها السيدة ارجعي إلى الغرف الداخلية‪.‬‬

‫زاد الملك إعجابا وفخرا عندما علم أن الذي وضعت الدرع في‬
‫يده هي الملكة الأم إيزيس‪.‬‬

‫فصاح بنتاور غاضبا‪ ،‬فألقى الدرع من يده ووثب على رمسيس‬
‫الرابع وقد قبض على سيفه بكلتا يديه‪ ،‬فوثب عليه رمسيس في‬
‫اللحظة ذاتها‪ ،‬سقطت الضربتان في وقد واحد دون أن يجد ما‬
‫يصدهما‪ ،‬فاخترق سيف بنتاور جسد رمسيس فارتجفت ركبتاه‬
‫وسال الدم من خاصرته على ركبته‪ ،‬وكذلك أصاب صولجان‬

‫[‪]122‬‬

‫رمسيس رأس بنتاور فترنج وسقط على الأرض‪ ،‬سار الملك وهو‬
‫يترنح وعلى فمه ابتسامة النصر ولكنه سقط هو الآخر أرضا‪..‬‬

‫انتهز جنود بنتاور سقوط رمسيس أرضا‪ ،‬فانقضوا عليه‬
‫بسيوفهم ليقتلوه‪ ،‬وفي هذه اللحظة ألقى رجل من رجال الملك‬
‫رمسيس نفسه فوقه فأخذ هذا الرجل يتأوه‪ ،‬فتلقى الضربات بدلا‬

‫من الملك؛ كأنه درع للملك فلفظ أنفاسه بشجاعة وإقدام‪.‬‬
‫هجم رجال الملك على الأعداء‪ ،‬بينما قام جنديان بسحب الملك‬

‫رمسيس وراء استحكامتهم‪.‬‬
‫صاح سخن رع وقال‪:‬‬

‫ـ هل أنت على قيد الحياة أيها الملك؟‬
‫ثم أخذ يضمد جرح الملك الكبير فقال‪:‬‬

‫ـ أنت مصاب بجرح بليغ‪.‬‬
‫فقال الملك‪:‬‬

‫ـ نعم‪ ،‬ولكن أخبرني من الذي‪..‬‬
‫ـ إنه ميريس رئيس تشريفاتك الذي ألقى بنفسه فوقك وأنقذ حياتك‪،‬‬

‫لم أر في حياتي عملا أكثر من عمله هذا نبلا وشجاعة‪.‬‬

‫فحاول الملك رغم ضعفه وجرحه البليغ أن يقف على قدميه‬
‫وقال‪:‬‬

‫ـ لا بد أن أواصل القتال‪.‬‬

‫[‪]123‬‬

‫ولكن الضابط سخن رع لم يكترث بقوله‪ ،‬فأمر بعض الجنود‬
‫بحمل الملك إلى إحدى الغرف البعيدة عن القتال‪ ،‬وبينما هم‬
‫يجتازون إحدى الغرف‪ ،‬رأي الملك الضابط حابي الشجاع ملقى‬
‫على الأرض وقد فارق الحياة وكانت إحدى يديه تمسك بسيفه‬
‫والأخري ملتفة حول الفتاة التي يحبها وكانت تبكي وتنتحب‬

‫بجانب جثته فقال الملك‪:‬‬

‫ـ هكذا مات حابي الجندي المقاتل الشجاع‪ ،‬مات كما عاش ممسكا‬
‫بسيفه وفتاته‪.‬‬

‫هرعت الملكة الأم إيزيس وقد ارتسمت جميع آلامها في وجهها‪،‬‬
‫فقال الملك رمسيس الرابع‪:‬‬

‫ـ إنك أنت أيتها الملكة الأم العظيمة التي وضعت الدرع بيدي‪.‬‬

‫فهزت الملكة الأم إيزيس رأسها فقالت‪:‬‬

‫ـ يجب على المرأة أن تقوم بنصيبها حتى في حومة الوغي‪ ،‬فما‬
‫بالك بملكة وأم‪ ،‬فشكرا لآمون إذ رأيتك على قيد الحياة يا بني‪.‬‬

‫وبينما هم في هذه الحال‪ ،‬سمعا جلبة شديدة من كل ناحية‬
‫وجانب‪ ،‬وقد استمر الحال على هذا المنوال مدة ليست كبيرة‪ ،‬إلى‬
‫أن دخل الضابط ختن رع وعلى رمحه رأس الكاهن الأكبر وهو‬

‫يقول‪:‬‬

‫لقد تم لك النصر جلالة الملك على أيدي أعوانك والمخلصين من‬
‫رعيتك‪ ،‬لقد ظن الأعداء أن يد القدر قد غدرت بك‪ ،‬ولكن جاءتنا‬
‫المساعدة بعد أن قطعنا كل أمل بوصولها‪ ،‬وقد أخذ أنصارنا‬
‫أعداءك من الخلف؛ وأعملوا في رقابهم السيوف‪ ،‬فأنقذوا مصر‬

‫[‪]124‬‬

‫من الويلات‪ ،‬وانتشلوا الوطن من الكوراث‪ ،‬وها هو رأس الكاهن‬
‫الأكبر الذي ضلل الشعب بسحره وأكاذيبه‪.‬‬

‫ولقد تم القبض على جميع الخونة‪ ،‬وأيضا تم القبض على زوجة‬
‫الملك الراحل الخائنة تي‪.‬‬

‫ـ فقال الملك رمسيس الرابع‪ :‬ماذا عن بنتاور؟‬
‫ـ إن جرحه بليغ ولكن سوف يتم شفاؤه‪ ،‬وستتم محاكمته أيضا مع‬

‫باقي المتهمين كما أمر الملك الراحل‪.‬‬

‫[‪]125‬‬

‫(‪)27‬‬

‫انعقدت المحكمة‪ ،‬بدأ النظر في القضية الكبرى‪ ،‬وتم نشر‬
‫الخبر على أسماع كل البلاد واصطف الكثيرون من أفراد الشعب‬
‫على جانبي الطريق من أجل رؤية الجناة وهم يقادون إلى ساحة‬
‫المحكمة‪ ،‬فانتظر الجمهور بفارغ الصبر القضية التي فاقت سواها‬
‫في عدد المتهمين‪ ،‬فأخذوا يوجهون لهم أفظع السباب والشتائم‪،‬‬
‫وقد مثل المتهمون أمام القضاة‪ ،‬ووجهت إليهم جميعا نفس التهمة‬
‫وتقدم كل منهم سواء كان رجلا أو امرأة‪ ،‬وقد أشار كل المتهمين‬
‫لـ تي في تآمرها‪ ،‬والذين عمدوا إلى قتل الملك وتأجيج الحقد‬
‫والكراهية ضد الملك الراحل‪ ،‬وضد وريث العرش‪ ،‬وصدر على‬

‫الجميع الحكم بالإعدام‪.‬‬

‫ولم يكن هناك جدوى من عبارات الاسترحام التي كانوا‬
‫يطلقونها معا في آن واحد‪.‬‬

‫[‪]126‬‬

‫ـ الرحمة! الرحمة‪.‬‬

‫لقي ثلاثة وثلاثون متآمرا حتفهم‪ ،‬صدر الحكم بإحراقهم على‬
‫قيد الحياة أمام عامة الشعب‪ ،‬وتم نثر رمادهم على الطرقات الأكثر‬
‫ازدحاما‪ ،‬قاضين بذلك على أي أمل لهم في الرجوع إلى الحياة‬
‫الآخرة‪ ،‬وبعد ذلك حكم على بنتاور بأن ينتحر‪ ،‬وعلى تي بالسجن‪،‬‬

‫وعلى باقي رجال الدولة بالإعدام‪.‬‬

‫وفي صباح اليوم التالي؛ ذهب رمسيس الرابع إلى سجن‬
‫بنتاور‪ ،‬وقف رمسيس لحظة يدير نظره في أرجاء محبس بنتاور‪..‬‬

‫ثم قال في صوت رنان تشوبه رنة التهكم‪:‬‬

‫ـ أي منكر تقترف الآن يا صاحب السمو؟‬

‫فصاح بنتاور محنقا‪:‬‬

‫ـ من دعاك إلى الحضور إلى هنا‪ ،‬أجئت شامتا؟!‪.‬‬

‫ـ لا‪ ،‬ولكن جئت لأتبين أن العدل يأخذ مجراه‪ ،‬لقد حاولتم إخضاع‬
‫القوة للباطل فها هي تخضعكم القوة للحق‪.‬‬

‫ـ فهل تصفح عني أخي الملك؟‬

‫اكتسى وجه رمسيس بالغضب‪ ،‬وصرخ فقال‪:‬‬

‫ـ لقد جاوزتم الظلم والبغي‪ ،‬فلم تبقوا له حرمة‪ ،‬ولقد حاربت‬
‫لإحقاق الحق وإبطال الباطل‪.‬‬

‫ـ حنانيك‪ ،‬ألا تشفق على أخيك؟!‪.‬‬

‫ـ ليكون القصاص منك وفاء لهذه النفس التي أزهقت‪ ،‬ولهذا الدم‬
‫الذي سفك‪ ،‬ورد الأمر إلى نصابه‪ ،‬وليس من حقي التدخل فيما‬

‫[‪]127‬‬

‫صدر من أحكام‪ ،‬هذا ليس من اختصاصي‪ ،‬فمن الأفضل لك أن‬
‫تنفذ الحكم بنفسك‪.‬‬

‫ثم انقطع الحديث بينهما‪ ،‬ثم أطبق على الغرفة صمت هائل‬
‫رهيب‪ ،‬فسار بنتاور دون تردد إلى زاوية من الحجرة‪ ،‬وأخذ يبكي‬
‫طويلا‪ ،‬فتذكر قنينة السم‪ ،‬فأمسك بها ثم شربها جرعة واحدة‪،‬‬
‫وبعد برهة من الوقت أحس بأن أحشاءه تتقطع‪ ،‬فسقط على‬

‫الأرض وهو يتلوى من الآلم‪.‬‬

‫أخذ بنتاور يصرخ من الألم صراخا يشق السحاب شقا‪..‬‬

‫ترى هل كان يصرخ من جراء تلك الجرعة من السم الزعاف‬
‫فقط‪ ،‬أم أنها كانت مصحوبة بصرخة ندم؟‬

‫اقترب رمسيس من جسد بنتاور وهو في النزع الأخير فقال له‪:‬‬

‫ـ سوف تصرخ إلى أبد الآبدين مصحوبا بلعنة الآلهة‪ ،‬وسوف‬
‫تلعنك الأجيال القادمة‪.‬‬

‫وثم همد جسد بنتاور إلى الأبد‪.‬‬

‫علمت تي بموت ابنها بنتاور‪ ،‬انتابها حزن لا حدود له‪،‬‬
‫وتقوقعت داخل محبسها لا تكلم أحدا‪ ،‬وبدت الدموع تسيل من‬
‫عينيها مدرارا‪ ،‬بدون توقف‪ ،‬وكانت تتأوه وتتوجع وقد خالجها‬
‫خوف وهلع شديد؛ لإحساسها بأن الملك يعد من أجلها أقسى أنواع‬
‫العقاب وأكثرها عنفا‪ ،‬فأصبحت تصرخ وهي تنادي على بنتاور‬
‫وتقول‪ :‬الذنب ذنبي‪ ،‬أنا قتلتك يا ولدي بجشعي‪ ..‬فأخذت تنادي‬
‫على بنتاور وهي ذاهلة‪ ،‬وقد ذهب عقلها وهي لا تدري من أمر‬

‫الدنيا شيئا؛ فصارت لا هي من الأحياء ولا هي من الأموات‪.‬‬

‫[‪]128‬‬

‫وعندما علم رمسيس ما أصاب تي من جنون قال‪:‬‬
‫ـ في هذه النهاية خير عقاب يحل بها جزاء عقوقها‪ ،‬وتهافتها على‬

‫المطامع الدنيوبة الزائلة‪.‬‬
‫هذا جزاء الخونة‪ ،‬العقاب الإلهي أشد لمن يسفك الدماء‬

‫ويحاول أن يزرع الشر‪.‬‬

‫[‪]129‬‬

‫(‪)28‬‬

‫ذهب رمسيس الرابع إلى القصر‪ ،‬فدلف إلى البهو الملكي‬
‫وجلس على العرش‪ ،‬فجمع القواد والكهنة فأصدر قرار البدء في‬
‫إعداد جسد الملك الراحل رمسيس الثالث لرحلته الأبدية في موكب‬

‫مهيب‪.‬‬

‫فلم يعد أحد يجهل المأساة التي حدثت في مصر‪ ،‬وتستمر الحياة‬
‫اليومية الصاخبة في كل قرية من قرى النيل‪ ،‬ولكن مصر لم تنس‬
‫الحاكم المتوفي‪ ،‬فتم إعداد جسده الميت للحياة الأبدية ببطء‬
‫وعناية‪ ،‬ثم تم حمله على القارب الطويل ليعبر محملا بالتابوت‬
‫في طريقه نحو المقبرة الكبيرة في طيبة‪ ،‬انتشر أسطول القوراب‬
‫الطويلة في النيل‪ ،‬وملأت تأوهات النساء الباكيات‪ ،‬حتى كادت‬
‫تختفي أصوات ضربات المجاديف المنتظمة‪ ،‬واتخذ أبناء البلاط‬
‫مكانهم على القوراب المحيطة بالسفينة المحملة بالتابوت‪ ،‬فأبناء‬

‫العائلات النبيلة وكهنة الآلهة والنساخ يرافقون الملك‪.‬‬

‫[‪]130‬‬

‫تراكض الفلاحين على ضفاف النهر؛ لرؤية عالم الآلهة التي‬
‫تجل لهم في وضح النهار؛ ليكون يوما مختلفا في عالمهم التقليدي‬
‫الممل‪ ،‬وسيصبح هذا الموكب حديث سهراتهم إلى الأبد‪ ،‬وسينظر‬
‫أطفالهم إلى مجرى النهر ليتخيلوا الموكب وهو يتجه نحو الأفق‬

‫البعيد‪.‬‬

‫لم يكن رمسيس الرابع يبالي بكل هذا المجد الذي أثار إعجاب‬
‫شعبه‪ ،‬بل أمر رجاله بتسريع حركتهم لكي يتخلص من هذه‬

‫الجموع التي تنظر إليه بإلحاح‪.‬‬

‫وعلى إيقاع الأناشيد والأبواق يتقدمون حاملين بجثة الملك نحو‬
‫القبر‪ ،‬ولم يكف أبناء البلاط عن التأوه طوال الطريق وأشعة‬
‫الشمس تحرق رؤوسهم‪ ،‬أضحى وادي الملوك قريبا جدا؛ ولقد آن‬
‫الآوان للبشر العاديين أن يتوقفوا‪ ،‬فهنا تبدأ أراضي الموت‪ ،‬ويبدأ‬
‫الكهنة التحري عن دقة المشاهد الأخيرة التي تصور حياة الملك‬

‫المتوفي‪ ،‬وسيتم تكديس الكنوز إلى جانب التابوت‪.‬‬

‫فنظر الملك للجموع بأسى وحزن؛ وقال‪:‬‬

‫ـ أيها الناس كما قال أوزريس في حكمته‪ :‬كونوا للخير أنصارا‬
‫يسود بينكم الأخيار‪ ،‬ولا تكونوا للشر أعوانا فيسود فيكم الأشرار‪..‬‬

‫إنما أريد أن أريكم نور الحق ساطعا‪ ،‬يأخذ سناه بالأبصار‪ ،‬فتشرق‬
‫عليكم شمس الحقيقة مهتكة الأستار‪ ،‬لا حجاب اليوم ولا أسرار‪،‬‬
‫ومن الضلال إبقاء هذه الأمة في ظلمات الضلال‪ ،‬وتركها تتعثر‬
‫في أذيال آمالها‪ ،‬ولن تتحقق تلك الآمال‪ ،‬وهناك فئة يمنونكم بحياة‬

‫أخرى؛ ليسلبوا منكم نعيم هذه الحياة‪.‬‬

‫نعم‪ ،‬أخطأنا ويجب أن نعترف بأخطائنا‪..‬‬

‫[‪]131‬‬

‫أخطأنا عندما اعتقدنا أن الدين أسبق من الإنسان‪ ،‬وأنه يعوض‬
‫الأخلاق‪ ،‬وبأن الإكثار من المعابد وزخرفتها أهم من بناء الإنسان‪.‬‬
‫أخطأنا عندما اعتبرنا أن جيوب البسطاء هي التي ينبغي أن‬
‫تتحمل عبء الإصلاحات عوضا‪ ،‬بناء اقتصاد وطني تنافسي‬

‫مستقل‪.‬‬
‫أخطأنا عندما اعتبرنا أن إخضاع الناس وتفقيرهم أسلم من‬
‫توعيتهم‪ ،‬وأن الجهل أضمن للاستقرار من العلم والمعرفة‬

‫والثقافة‪.‬‬
‫وهكذا بدأ رمسيس الرابع عهدا جديدا؛ معترفا بأخطاء السلف‪..‬‬

‫فهل سينجج فيما أخفق فيه سابقيه؟ أم يعاكسه القدر؛ فيغرقه مع‬
‫الملوك العظام في بحر النسيان؟‪.‬‬

‫تمت بحمد الله‬

‫خالد الحديدي‬

‫[‪]132‬‬

‫رواية بعنوان‪( :‬صرخة مومياء) للكاتب‪ /‬خالد الحديدي‬
‫من إصدارات دار الوهيبي للنشر والطبع والتوزيع والإنتاج‬

‫الفني والإعلامي لعام ‪2021‬‬

‫[‪]133‬‬


Click to View FlipBook Version