The words you are searching are inside this book. To get more targeted content, please make full-text search by clicking here.

تمكيت رواية صرخة مومياء بي دي إف نهائي للطبع

Discover the best professional documents and content resources in AnyFlip Document Base.
Search
Published by الكاتب خالد الحديدي, 2022-06-02 01:32:46

تمكيت رواية صرخة مومياء بي دي إف نهائي للطبع

تمكيت رواية صرخة مومياء بي دي إف نهائي للطبع

‫ـ لا بأس سيدتي يسعدني أنك اقتعنتي برأيي‪.‬‬

‫ـ ولن أضايقك بعد الآن‪ ،‬وسأبقى شاكرة لك ما فعلت من أجلي‪.‬‬

‫ـ سوف أذهب من فوري‪.‬‬

‫ـ صاحبتك السلامة‬

‫ذهب الرسول إلى السيد سوكتي وقال له‪:‬‬

‫ـ إن الملكة قد عهدت إليك برسالة عاجلة‬

‫ـ هات الرسالة‬

‫وأخذ السيد سوكتي يتلو الرسالة في سره‪:‬‬

‫من الملكة تي إلى السيد سوكتي‪ ،‬بمجرد أن تصلك تلك الرسالة لا‬
‫تتأخر في قتل الرسول المرسل من طرفي على الفور‪ ،‬لقد أصبح‬

‫يعرف أكثر من اللازم وصار خطرا علينا‪ ...‬الملكة تي‬

‫فوثب السيد سوكتي على قدميه‪ ،‬وصاح وقد احتقن وجهه ونفرت‬
‫عروقه‪:‬‬

‫ـ رحماك يا أمون‬

‫فأعطى السيد سوكتي الرسالة للكاهن بيتو فقرأها بدوره‪ ،‬فجحظت‬
‫عيناه وانتفخت أوداجه‪ ،‬فنظرالسيد سوكتي إلى الرسول وقال وهو‬

‫عابسا‪ :‬يا لهذا الهدم الذي أتممته بيدك‪.‬‬

‫ـ الهدم‬

‫[‪]50‬‬

‫ـ نعم الهدم‪ ..‬لقد هدمت حياتك‪ ،‬في اللحظة التي كنت تحاول هدم‬
‫آمالنا‪ ..‬ألا ترى بعينيك ما فعلت؟ ألا تفهم أنك قضيت على نفسك؟!‬
‫فأشار السيد سوكتي بيده للكاهن إشارة تدل على التنفيذ‪ ،‬فوثب‬
‫عليه الكاهن بيتو كالثور الهائج بخنجره‪ ،‬فصوب إليه عدة طعنات‬
‫قاتلة‪ ،‬وهو يقول‪ :‬هذا جزاؤك أيها الأبله‪ ،‬فسقط أرضا‪ ،‬ومات‬

‫على الفور‪.‬‬

‫[‪]51‬‬

‫(‪)11‬‬

‫في فجر هذا اليوم‪ ،‬بدت جدران معبد وقصر مدينة هابو وقد‬
‫تزينت ببصيص ذهبي ضئيل من أشعة رع المشرقة‪ ،‬وها هو‬
‫رمسيس الثالث قد استيقظ من نومه في هذا الصباح الباكر‪ ،‬فعلى‬

‫ما يبدو أن الفرعون لم ينم إلا في ساعة متأخرة‪.‬‬
‫كان الملك يشعر بإرهاق شديد لاحظ أحد الخدم أنه استيقظ فقال‬

‫له‪:‬‬
‫ـ لقد أعد حمام الملك‬
‫أخذ فرعون يتمتم قائلا لنفسه‪:‬‬

‫[‪]52‬‬

‫ـ إنني مازلت أشعر بإرهاق شديد‪ ،‬لقد كانت قسمات وجه طبيبي‬
‫الخاص تعبر عن التشاؤم؛ بالرغم من أنه كان يحاول أن يتصنع‬

‫بغير ذلك‪.‬‬

‫وتوجه الملك إلى غرفة الحمام الصغيرة‪ ،‬وجلس بداخل‬
‫الحوض المصنوع من الحجر الرملى في وسط الحجرة‪ ،‬وعندئذ‬
‫بدأ بعض خدمه يسكبون المياه المخلوطة بالأملاح فوق جسده‪،‬‬
‫وعندما دخل كاتبه الخاص بادره رمسيس بأنه لن يستقبل أية‬
‫شخصيات استقبالا خاصا؛ فهو منهك ومرهق إلى أقصى درجة‪.‬‬

‫ـ ربما أن مولاي قد أصيب بلفحة برد‪ ،‬لجلوسه بشرفة القصر إلى‬
‫وقت متأخر من الليل‪.‬‬

‫فتنهد رمسيس تنهيدة عميقة وأجابه‪:‬‬

‫ـ ربما كان الأمر كذلك‪.‬‬

‫وأخيرا خرج رمسيس من حوض الاستحمام وترك الخادمات‬
‫يقمن بإلباسه ثم قال لبيري كاتبه الخاص‪:‬‬

‫ـ اقرأ رسائل اليوم وسوف أملى عليك الردود عليها‪ ،‬ولن أوزع‬
‫أية مكافآت ولن أعقد مجالس‪ .‬وسوف تقوم بالإنابة عني‪ ،‬من‬
‫خلال شرفة القصر بتقديم بعض القلادات إلى كبار موظفي الدولة‬
‫الذين كنت قد وعدتهم بمكافأة‪ ،‬وبالتالي فهم يستطيعون الاحتفال‬

‫بهذه المناسبة مع عائلاتهم‪ ،‬فأجابه بيري كاتبه الخاص‪:‬‬

‫[‪]53‬‬

‫ـ ولكننا أقمنا المنصة بفناء القصر‪ ،‬أرجو ألا تكون نسيت هؤلاء‬
‫المبعوثين من النوبة ومن سوريا ومن بلاد بونت؛ لقد وعدتهم‬

‫بأنك سوف تستقبلهم‪.‬‬

‫ـ قم بجمع ما أتوا به من هدايا‪ ،‬ووزعها على كافة المعابد‪ ،‬وسوف‬
‫ينوب عني ابني ولي العهد لشكرهم‪ ،‬وحالما تتحسن حالتي؛ سوف‬
‫أتوجه للاطمئنان على جيادي‪ ،‬إنني أتوق إلى رحلات الصيد‬
‫وأشتاق إليها كثيرا‪ ،‬أما في هذه الليلة فسوف أذهب إلى جناح‬

‫الحريم فإنني أريد أن أستمتع باستعراضات الرقص‪.‬‬

‫ولكن في نفس اللحظة التي كان الملك يهم فيها لملاقاة الملكة‪،‬‬
‫استأذن أحد المراسلين للدخول إلى جناح الملك‪.‬‬

‫ـ أرجو معذرتي يا مولاي معي رسالة‪ ،‬من قائد الحامية بالدلتا‬
‫سخن رع إلى جلالتك‪.‬‬

‫فنظر الملك إلى الوزير نفر‪ ،‬وقال له‪:‬‬

‫ـ اتل علينا يا وزير نفر نص الرسالة‬

‫‪ -‬من قائد الحامية سخن رع إلى حضرة صاحب الجلالة ملك‬
‫مصر ونور الشمس المشرقة وظل الإله رع وحامي النيل‪..‬‬
‫يؤسفني أن أرفع إلى مسامع ذاتكم المقدسة‪ ،‬أنباء محزنة عن‬
‫حوادث غدر شائنة من الوزير تا وبعض الأعيان في الدلتا‪ ،‬وأنهم‬
‫شقوا عصا الطاعة‪ ،‬وقاموا بتأليب الجماهير‪ ،‬فقاموا بثورة في‬
‫كافة ربوع الدلتا وقد قام الغوغاء بسلب ونهب المقابر الفاخرة‪،‬‬
‫وقد تحدوا قوات الحراسة القائمة على مداخل المدينة ومخارجها‬

‫[‪]54‬‬

‫وهم يصيحون قائلين‪ :‬بأنهم جياع‪ ،‬وأخذ الناس والعمال يعبرون‬
‫عن ثورتهم صائحين بأنهم يقومون بإضراباتهم هذه لأن الفساد قد‬

‫انتشر وساد بين كبار المسئولين بالحكومة‪.‬‬

‫ثم انقضوا خلسة في الليل على بعض ثكنات الحاميات‪،‬‬
‫وأعملوا فيهم التقتيل الوحشي وإني في انتظار أمر مولاي‪ ،‬سأظل‬

‫على رأس جنودي أقاتل في سبيل مولاي الملك ووطني مصر‪.‬‬

‫انتهى الوزير نفر من تلاوة الرسالة فصاح الملك غاضبا‪:‬‬

‫ـ وكيف تجاسر هؤلاء على تحدي الملك؟!‪ ..‬الوزير (تا) الذي‬
‫عينته في هذا المنصب ووضعت ثقتي به هو من يقوم بالتمرد‬

‫ضدي ويجرؤ أن يتحداني أمام الشعب!‪.‬‬

‫فيشتد به الغضب فأقسم بالويل والثبور لهم‪..‬‬

‫ثم نظر الملك إلى الوزير نفر وقال له‪:‬‬

‫ـ ما هي مشورتك أيها الوزير نفر؟‬

‫ـ مولاي إنها رسالة خطير جدا‪ ..‬وإن الأمر سوف يسوء إن لم‬
‫نتحرك وبسرعة‪ ،‬ويكون الجواب الوحيد على تلك الرسالة هي‬

‫القيام بحملة تأديبية‪.‬‬

‫فأومأ الملك برأسه وهو يقول‪:‬‬

‫ـ نعم الرأي والمشورة أيها الوزير نفر‪.‬‬

‫تلك الأنباء جعلت الملك يشك في كل إنجازاته فأخذ يسأل نفسه‪:‬‬

‫[‪]55‬‬

‫ـ ما الذي كان ينقص أبناء هذه المدينة حتى يقوموا بهذه الثورة؟‬
‫وهو لا يدري أن غضب الدلتا كانت رمزا لما تعانيه مصر‬
‫كلها وأبناؤها عاما بعد عام من سوء المعاملة؛ بسبب الإصلاحات‬
‫التي بدأ بها رمسيس‪ ،‬والمصادرات كانت تطال حتى مناضد‬
‫الباعة‪ ،‬وكانت الضرائب تزداد بمعدل متطلبات رمسيس من أجل‬
‫الإصلاحات‪ ،‬فجأة اكتشف المصري اللا مساوة المفجعة بحقه‬
‫والفائض الرهيب من الثروات‪ ،‬وكان حكام الأقاليم يعملون على‬
‫إرضاء الملك؛ حتى لو أدركوا انخفاض شعبيته‪ ،‬وامتدت‬
‫الاضطرابات إلى الجوار وشملت المخلصين للملك الذي لم‬

‫يرحمهم الهياج الشعبي‪.‬‬

‫[‪]56‬‬

‫(‪)12‬‬

‫استدعى رمسيس أبناءه الأمراء‪ ،‬وكلف رمسيس الرابع الذي‬
‫يجسد الوفاء نفسه بالاستعداد لإعادة فتح الدلتا‪ ،‬يا لسخرية القدر!‬
‫فالدلتا التي وضعت الحاكم على عرش طيبة تهدد الآن بعزله‪ ،‬لقد‬
‫جعلت هذه الثورة رمسيس يفهم أنه من الخطأ وضع قوة استثنائية‬
‫في يد الوزير‪ ،‬فأصبحت هذه القوة خطرا‪ ،‬فقد استطاع الوزير‬
‫والمسئول عن الدلتا رشوة النساخ والجنود‪ ،‬وأصبحت الجموع‬

‫تلبي نداءه‪ ،‬وكان لوعده قيمة ومصداقية كما لوعود الحاكم‪.‬‬

‫لقد جمع ابنه البكر وقادة الجيش وزودهم بالعتاد جيدا‪ ،‬ولكن‬
‫الوزير وأتباعه أيضا لم تكن تنقصهم الأوراق الرابحة‪ ،‬فالدلتا‬
‫توحدت ضد الملك‪ ،‬ويستطيع أصحاب المقامات بالمنطقة أن‬

‫يسلحوا فرقهم من المستودعات الملكية‪.‬‬

‫[‪]57‬‬

‫تمت استعدادات الجيش‪ ،‬ودعا رمسيس الرابع الضابط حابي‬
‫لمرافقته‪ ،‬حيث يعسكر الجيش ولما وصل إلى المعسكر لقي‬

‫الجيش على تمام الاستعداد للزحف‪.‬‬

‫وسارت طليعة الجيش تحت قيادة رمسيس الثالث وبجانبه‬
‫الأمير رمسيس الرابع‪ ،‬وأخذ الجنود يجدون في السير‪ ،‬لا يلوون‬
‫على شيء‪ ،‬حتى وصل الجيش في ظهر اليوم التالي على أعتاب‬

‫الدلتا‪ ،‬وانعكست أشعة الشمس على أسلحة جيش الملك‪.‬‬

‫فأوصى رمسيس الثالث ابنه رمسيس الرابع فقال له‪ :‬عندما‬
‫تدخل الدلتا لا تبقي على أحد منهم‪ ،‬ولا تأسر جنديا واحدا‪ ..‬بل‬

‫اذبح جميع المتمردين عن آخرهم‪.‬‬

‫تقدمت هذه القوة إلى ناحية الدلتا‪ ،‬فقابلتها طائفة من السهام‬
‫اصطدمت بالدروع ولم تصب أحدا بأذى‪ ،‬فتشجعت القوة فأمعنت‬
‫في التقدم؛ فتقدم فرسان من جيش المتمردين ناحيتهم فأشار‬
‫رمسيس الرابع لجنوده بإطلاق السهام على الجياد فأصيب نحو‬
‫عشرين جوادا في الطليعة؛ فعلا صهيلها وألقت راكبيها عن‬

‫ظهرها‪.‬‬

‫فتقدم الضابط حابي ناحيتهم‪ ،‬فصاح في جنوده بصوت داو‬
‫رنان أن يذبحوا جنود المتمردين عن آخرهم ويمثلوا بهم تمثيلا‪.‬‬

‫وقد حاول بعض جنود المتمردين الدخول إلى الدلتا للاحتماء‬
‫بأهلها‪ ،‬فتابعهم رمسيس الثالث وجنوده إلى الدلتا‪ ،‬ووجد رمسيس‬
‫نفسه مضطرا إلى تحطيم مدينة ساهم هو نفسه في إغنائها‪ ،‬أصيب‬

‫[‪]58‬‬

‫قرويو الدلتا بالذعر؛ عندما رأوا جيش الفرعون‪ ،‬وقد خالوا أنهم‬
‫يرون النسور المنقضة‪ ،‬وقد أذهلهم الرعب وقد أحاط بهم الهلاك‪،‬‬
‫ولم يسلم مكان ولا إنسان من الهجوم‪ ،‬فالناس كانوا يذبحون حتى‬
‫على درجات المعابد‪ ،‬وقد انقض الجنود على النساء والعائلات‬
‫الهاربة في شوارع المدينة‪ ،‬وغطت الجثث الأرض في كل مكان‬

‫واندلعت الحرائق؛ لتخبر أهل الدلتا عما يكلفه إيذاء الملك‪.‬‬

‫تم قمع الثورة‪ ،‬فعانى الأهالي قسوة الحرب والجوع‪ ،‬وظل جنود‬
‫فرعون في الدلتا مدة كبيرة‪ ،‬حتى أصاب الملل الضباط والجنود‬

‫فقال الضباط حابي‪:‬‬

‫ـ إن حديث الهدنة والسلم على كل لسان‪ ،‬ولكن كل ما يخامرني‬
‫ويغمرني هو الإحساسات الفياضة‪ ،‬إحساس التعطش إلى الحياة‬
‫والتلهف إلى البيت والحنين إلى الأهل؛ رغم توافر كل ما يشتهيه‬

‫الجندي من الطعام الطيب والراحة في الوقت الحالي‪.‬‬

‫ـ فقال سخن رع‪ :‬لكن الملل يقتلنا‪.‬‬

‫فقال حابي‪:‬‬

‫ـ ما رأيكم عندما يأتي المساء وحتى نكسر هذا الملل‪ ،‬دعونا نذهب‬
‫للسباحة في مياه نهر النيل‪.‬‬

‫وافقنا جميعا على هذا الرأي دون تردد‪ ،‬وعندما جن الليل‬

‫وألقى الكرى رداءه على وجه الأرض‪ ،‬تركنا نحن الضباط الثلاثة‬

‫مضجعنا وخيمتنا ومضينا نحو النهر‪ ،‬ومن ثم شرعنا في‬

‫[‪]59‬‬

‫السباحة‪ ،‬وبينما نحن نسبح رأينا ثلاث نساء يسرن الهوينا على‬
‫الشاطئ الآخر من النهر‪ ،‬ولم يحولن أنظارهن عنا‪ ،‬ناداهم حابي‪،‬‬

‫فضحكن ووقفن يراقبننا‪ ،‬وأخذنا نقذفهن بكلمات عذبة‪،‬‬
‫بقصد بقائهن‪ .‬كانت إحداهن نحيلة القوام سمراء بلون طمي‬
‫النيل‪ ،‬عيناها واسعتان‪ ،‬تلمع أسنانها إذا افتر ثغرها‪ ،‬شعرها‬
‫يهتز بثقة فوق كتفها‪ ،‬وكانت تدندن بأغنية مجهولة وشرعنا‬
‫رغم برودة الماء نبدي لهن كل تودد ممكن‪ ،‬وحاولنا إثارة‬

‫اهتمامهن حتى لا يرحلن بسرعة‪ ..‬ورحنا نوجه الدعابات‬
‫والنكات إليهن‪ ..‬فكن تتجاوبن معنا‪ ،‬وفجأة خرج حابي من‬
‫النهر فأسرع إلى خيمتنا داخل المعسكر‪ ،‬فعاد مسرعا وهو‬
‫يحمل رغيفا كبيرا من الخبز‪ ،‬وأمسكه بيده وهو يلوح به إليهن‪.‬‬
‫أحدث الرغيف تأثيرا كبيرا ‪..‬فأومأن برؤوسهن وأشرن إلينا‬
‫أن نقترب من ناحيتهن‪ ..‬لم نستطع الاقتراب‪ ..‬فقد كان العبور‬

‫إلى الشاطئ الآخر من النهر محظورا‪ ..‬وهناك حراس‬
‫منتشرون يستحيل المرور بينهم إلا بتصريح خاص‪ ،‬ولذلك‬
‫أشرنا إليهن أن يأتين إلى ناحيتنا‪ ..‬لكنهن هززن رؤوسهن‬

‫[‪]60‬‬

‫وأشرن إلى الممر حيث يوجد الحراس فقد كان العبور محظورا‬

‫عليهن أيضا‪ ،‬استأنفت النساء الثلاثة سيرهن‪ ..‬وتابعناهن‬

‫سباحة‪ ،‬ثم وقفن بعد مسيرة بضع مئات من الأمتار وأشرن إلى‬

‫منزل قائم على مسافة قصيرة من النهر‪ ..‬ففهمنا أنهن يقمن‬

‫فيه‪ ،‬اتفقنا على زيارتهن هذه الليلة‪ ،‬منتهزين فرصة الظلام حتى‬

‫لا يرانا الحراس‪..‬‬

‫وقالت إحداهن متلعثمة‪:‬‬

‫لا تنسوا الخبز‬

‫أكدنا لهن أننا سنحضر معنا خبزا ولحما‪.‬‬

‫ولما أقبل الليل‪ ،‬حمل كل منا رغيف من الخبز واللحم ووضعنا‬
‫هذه الهدايا في صنادلنا التي قررنا أن نحملها معنا‪ ،‬ولما كان لابد‬
‫أن نذهب إلى النساء سباحة فقد خلعنا ملابسنا وتركناها في‬
‫الخيمة‪ ،‬معتمدين على ستار الظلام وقرب المسافة‪ ،‬وخرجنا‬
‫حاملين صنادلنا في أيدينا‪ ..‬وسرعان ما نزلنا إلى الماء‪ ،‬وأخذنا‬
‫نسبح على ظهورنا حاملين الصنادل بمحتوياتها فوق رؤسنا‪ ،‬ولما‬
‫وصلنا إلى الشاطئ الثاني‪ ،‬أخرجنا الهدايا ثم أخذنا نركض في‬
‫الظلام عراة الأبدان يقطر الماء منا‪ ،‬وقد تأبطنا هدايانا‪ ،‬وعندما‬
‫وصلنا إلى المنزل‪ ..‬وأخذنا نحوم حوله متلصصين‪ ..‬وفجأة تردد‬

‫حابي وقال‪:‬‬

‫[‪]61‬‬

‫ـ ماذا يكون الموقف لو وجدنا أحد الضباط؟‬

‫ـ فأجاب سخن رع‪ :‬نبتعد عن هنا ببساطة‪ ،‬ولن يستطيع معرفة‬
‫من نحن‪ ،‬ونحن على هذه الحال‪.‬‬

‫طرقنا الباب عدة طرقات خفيفة ناعمة‪ ،‬وبعد هنيهة فتح باب‬
‫المنزل‪ ،‬وظهر بعض الضوء الخافت وصرخت المرأة في صوت‬

‫يشف عن الانزعاج‪..‬‬

‫فقلنا في صوت واحد‪:‬‬

‫ـ صه! نحن أصدقاء‬

‫وفي اللحظة التالية ظهرت المرأتان الأخريتان‪ ،‬وفتح الباب‬
‫على سعته وتسرب ضوء كاف‪ ..‬فعرفتانا؛ وانفجرتا ضاحكاتين‬
‫من منظرنا‪ ،‬واستمر ضحكهن جميعا وقتا طويلا؛ وهن يتلوين‬

‫من فرط الابتهاج‪.‬‬

‫استأذنت المرأتان واختفتا في الداخل‪ ،‬وألقيتا إلينا بعض‬
‫الملابس‪ ..‬وسترنا بها أجسادنا‪ ..‬وبعد ذلك سمحتا لنا بالدخول‪.‬‬

‫كان هناك ضوء خافت يضيء الغرفة التي تقدمنا إليها‪ ،‬وشممنا‬
‫منها رائحة عطرية‪ ،‬وبسرعة فك كل منا هديته وقدمها إليهن‪،‬‬

‫فلمعت أعينهن وتبين لنا بجلاء أنهن جائعات‪.‬‬

‫فأشار حابي إليهن بالأكل‪ ..‬وفي لحظة عاد إليهن النشاط وأخذن‬
‫يأكلن بشراهة‪ ..‬ونحن نتطلع إلى هذا فخورين مسرورين‪.‬‬

‫[‪]62‬‬

‫أمطرنا المرأتين بعد ذلك بوابل من الحديث ورنت كلماتهما في‬
‫آذاننا رنينا عذبا‪ ..‬وعبثت المرأة السمراء النحيلة بشعر حابي‬

‫وقالت‪:‬‬

‫ـ كانت بطوننا خاوية!‬

‫وكذلك هناك العديد غيرنا من المصريين يعانون آلام الجوع‬
‫والبعض يقعون صرعى من جراء تلك الحرب‪ ..‬مصيبة كبرى‪..‬‬

‫أطفال مساكين‪.‬‬

‫فسألها حابي‪ :‬أتعيشون لوحدكم في هذه الدار؟‬

‫فأجابت الفتاة وهي مطرقة الرأس وغلبها البكاء‪:‬‬

‫ـ مات والدنا في بداية الثورة‪ ،‬فقد كان فلاح فقير وقد وضعت‬
‫الآلهة الحكمة في عقله؛ فكان لا يرضى بالحال المائل فثار ضد‬

‫الظلم فوقف بين جموع المتظاهرين مخاطبا فيهم قائلا‪:‬‬

‫ـ أنتم إخوة العذاب‪ .‬فقد وسم الذل جباهكم‪ ،‬وأحنى الكد ظهوركم‪،‬‬
‫وأنت أيها الراع‪ ،‬أيطعمونك مثلما يطعمون الأنعام التي ترعاها؟‬

‫إنهم يحقرونك وأنت من البشر‪ ،‬وأنت أيها الزارع‪ ،‬تزرع‬
‫ويحصدون‪ ،‬وتجوع ويشبعون‪ ،‬وينامون على فرش ناعمة نوما‬

‫هنيا‪ ،‬وأنت يا رافع الماء من بطن النهر لري الحقول‪ ،‬القائم‬
‫على عمله من قبل السحر إلى ما بعد الأفول‪ ،‬أتراك أسعد حظا‬

‫من تلك الماشية التي شدت إلى الساقية؟‬
‫فويلكم يا قوم‪ ،‬لماذا تقيمون على هذا الضيم؟‪ ،‬كيف ترضون‬

‫[‪]63‬‬

‫بالشقاء والكد مع الفقر والضعة‪ ،‬ومواليكم لا يعملون وهم في‬
‫عز وسعة؟‬

‫وما كاد ينتهي من كلامه‪ ،‬حتى رشقته سهام جنود الملك فمات‬
‫على الفور‪ ،‬ولم نجد بعد ذلك ما يقيم أودنا‪ ،‬أصبحنا نبيع أجسادنا‬
‫من أجل كسرة خبز أو بعض الثمرات اليابسة‪ ..‬هكذا صار من‬

‫يقول الحق في بلادنا ما بين سجين أو قتيل‪.‬‬
‫تشبث حابي بذراعيها وطبع قبلة في راحة يدها‪ ،‬وهو يتأسف‬
‫لما حدث لوالدها‪ ،‬ثم أطبقت أصابعها على وجهه‪ ..‬وكان في هذا‬
‫الوقت من أسعد المخلوقات‪ ..‬ولما ألقي حابي نظرة على صاحبه‬
‫فوجده لا يقل عنه سعادة بهذه اللحظة الجميلة التي لم يكونوا‬

‫يحلمون بها‪ ،‬ثم تفرقوا في الغرف المجاورة‪.‬‬
‫اجتمع جميعهم بعد وقت‪ ..‬وكان حابي أشدهم ابتهاجا‪ .‬ثم لبسوا‬
‫صنادلهم وودعوا النساء وداعا حارا‪ ،‬وأخذوا يسيرون في ضوء‬
‫القمر الساجي بخطوات واسعة‪ ،‬وعادوا إلى خيمتهم في معسكرهم‬

‫الذي أووا إليه دون أن يفطن إليهم أحد‪ ،‬أو هكذا اعتقدوا‪.‬‬

‫[‪]64‬‬

‫(‪)13‬‬

‫عاد رمسيس الثالث إلى طيبة لقد أنقذ رمسيس عرشه‪ ،‬وطهر‬
‫إدارة الدلتا‪ ،‬وهو الآن يحاول القيام بالإصلاحات من جديد‪ ،‬وعين‬

‫وزيرا جديدا على الدلتا‪.‬‬
‫لم يكن الملك المتمسك بالتقاليد والغافل عن المفاهيم الجديدة‬
‫ليتخيل هذا المصير‪ ،‬ولم يخطر بباله أن مشروعه في إعادة بناء‬

‫مصر بحيث تكون طيبة المركز يتناقض مع انتعاش الدلتا‪.‬‬
‫لقد أنهك نفسه في محاولة التغلب على الصعاب‪ ،‬وكان يفرض‬
‫الإصلاح تلو الإصلاح في سعي حقيقي نحو الحداثة‪ ،‬ولكنه لم‬

‫يقدر النهاية القدرية‪.‬‬

‫[‪]65‬‬

‫لم يعد الملك يخرج البتة من قصره‪ ،‬فما الجديد الذي يكتشفه؟!‬
‫فأخذ يلهي نفسه في مخدع الحريم‪ ،‬وقد قارب الاحتفال بيوم مولده‬
‫وأخذ يتأمل الأراضي الخضراء الممتدة أمام ناظريه‪ ،‬والتي‬
‫تشعره بالطمأنينة وتبدد كوابيسه وفجيعته بتحول أعماله إلى هباء‪،‬‬
‫ولكنه واهن خائرالقوى‪ ،‬منهوك الجسم كما أنه منهوك العقل‪ ،‬قد‬
‫سكن هو واضطرب من حوله كل شيء‪ ،‬بل سكن جسمه‬
‫واضطرب في نفسه وعقله وقلبه وجوفه كل شيء‪ ،‬وأصبح يرى‬
‫الأرض تمر أمامه مرا‪ ،‬ولكن هاتفا يهتف به‪ :‬أرح نفسك وخذ‬

‫حظك من الدنيا ما بقي فيها من العمر‪.‬‬

‫وفي المساء قرر رمسيس الذهاب إلى مخدع الحريم‪ ،‬وما أن‬
‫دلف مخدعهن تحولقت العديد من الزوجات حوله وهن يحملن‬

‫زجاجات العطور وأواني الفاكهة‪.‬‬

‫وجلس الملك على مقعد ضخم‪ ،‬صنعت أرجله على هيئة مخالب‬
‫الأسد ثم دخلت تي إلى القاعة بجمالها وفتنتها الضارية المتنمرة‪،‬‬

‫استطاعت أن تحجب جمال باقي الزوجات‪.‬‬

‫وقال لها رمسيس‪:‬‬

‫ـ تعالي بجانبي إنني أتوق إلى الإحساس بك بجواري هذا المساء‪.‬‬

‫جلست تي هنيهة ترمقه بعينين هادئتين‪ ،‬ثم دنت منه وقبلته وهي‬
‫تقول‪:‬‬

‫ـ هذا المساء فقط؟ إنني لم أرك منذ أيام عديدة‪.‬‬

‫[‪]66‬‬

‫ـ أنت تعلمين ما تمر به البلاد لقد أنهكني هذا وأقض مضجعي‪.‬‬

‫ونظرت إليه تي نظرة تفيض بمشاعر متناقضة بين الحب‬
‫والتهكم‪ ،‬إنها الآن ولأول مرة تلاحظ أنه طعن في السن وازداد‬

‫نحافة‪ ،‬فقالت له‪:‬‬

‫ـ أريد أن أحدثك في أمر هام‬

‫ـ ماهو هذا الأمر الهام؟‬

‫ـ أريد أن أحدثك عن بنتاور ابننا‪ ،‬فإنه يزداد تألقا وبراعة‪ ،‬وأنه‬
‫أكثر أبنائك ذكاء وفطنة‪.‬‬

‫ـ أنت تقولين ذلك لأنه ابنك‪.‬‬

‫ـ لا‪ ،‬إنني أحدثك بموضوعية ‪ ...‬لماذا لا تجعله وليا للعهد؟‬

‫وحتى لا يضايقها‪ ،‬وعدها رمسيس بأنه سوف يفكر في الأمر‪.‬‬

‫وقالت تي وهي تمسك بيده‪:‬‬

‫ـ تعال في إثري‪ ،‬سوف تشرب نبيذك في جناحك فهناك سوف‬
‫تكون على سجيتك‪.‬‬

‫لم يمانع الملك في ذلك وترك نفسه لقيادة تي تاركا وراءه جميع‬
‫زوجاته الأخريات اللائي شعرن وقتئذ بشيء من خيبة الأمل‪،‬‬
‫وتمددت تي على سريرها ثم أخذت تي تدلك له كتفه وجبهته‬
‫بحركات دائرية رقيقة‪ ،‬سرعان ما جعلته يسترخي في هدوء‪ ،‬قال‬

‫لها رمسيس‪:‬‬

‫[‪]67‬‬

‫ـ إنني سعيد بوجودك هنا معي في وأثناء الاحتفال بعيد ميلادي‪،‬‬
‫إن الحياة بدونك تبدو باهتة لا طعم لها‪.‬‬

‫ـ أليس هذا هو الدور الذي يجب أن تقوم به أي زوجة؟ وعموما‬
‫لن أكون الزوجة الوحيدة التي سوف تحضر الاحتفال‪.‬‬

‫ـ ولكنك تعرفين أنك المفضله لدي‬

‫ـ لكنك بالرغم من ذلك‪ ،‬تختار أبناء زوجتك الملكة إيزيس لشغل‬
‫أهم المناصب وأعلاها شأنا‪.‬‬

‫ـ كفاك نميمة‪ ،‬لقد سئمت هذا الحديث!‬

‫أمضى رمسيس ليلته كلها بجوار تي‪ ،‬وفي صباح اليوم التالي‬
‫استيقظ مبكرا‪ ،‬وارتدى ملابسه الرسمية‪ ،‬التاج الأبيض والأسود‬
‫يعلوه قرنان ذهبيان يتوسطهما قرص الشمس فوق ذقنه المستعارة‬

‫وهنا قالت تي‪:‬‬

‫ـ ولكنني أفضلك حليق الذقن‬

‫ـ وأنا أفضل ذلك‪ ،‬ولكن على الالتزام بالبروتوكول‪ ،‬والآن يجب‬
‫أن تذهبي‪ ،‬فليس من اللائق أن تكوني معي عندما تحضر الملكة‬

‫إيزيس‪.‬‬

‫فمرقت تي الملك بنظرة نارية‪ ،‬فإنها تعتقد بأنها تفوق هذه الزوجة‬
‫في أهميتها وتميزها‪.‬‬

‫[‪]68‬‬

‫فقال لها الملك‪:‬‬
‫ـ إنني أكاد أقرأ ما يجول بخاطرك‪ ،‬ولكن عليك أن تعلمي أن‬

‫أبنائي محاربين أشداء‪ ،‬فلقد ولدوا لكي يقودوا ويحكموا‪.‬‬
‫هنا مطت تي شفتيها‪ ،‬معبرة عن اشمئزازها ومعارضتها تماما‬
‫لهذا الرأي‪ ،‬وهي تحاول أن تخفي غضبها‪ ،‬ولكنها تسلطت على‬
‫انفعالاتها بإرادة من حديد‪ ،‬وثم استرسل رمسيس في كلامه وقال‪:‬‬
‫ـ ليس من المعقول أن أبقى هذه الليلة معك وأترك باقي الحريم‪.‬‬
‫فقالت تي؛ وقد انتابها الغضب وقد اجتهدت اجتهادا وهي تحاول‬

‫إخفاء النار الموقدة في دمائها‪:‬‬
‫ـ لقد كنت أشك فعلا أنك لا توليني أي اهتمام‪.‬‬
‫فأخذ الملك ينظر إلى جسدها الرشيق الفارع‪ ،‬وساقيها اللتين‬
‫تشبهان في رشقاتها قوائم الغزلان وعينيها السوداوين الواسعتين‪،‬‬
‫وبدا ثوبها فائق الشفافية لدرجة أنه كان يعبر عن أدق تفاصيل‬

‫جسدها‪.‬‬
‫فقال الملك‪ :‬دعي هذا الحديث إلى وقت آخر‪.‬‬

‫[‪]69‬‬

‫(‪)14‬‬

‫أعلن الحاجب عن وصول الملكة إيزيس‪ ،‬انسحبت تي من‬
‫حجرة الفرعون في تردد وتثاقل واضح‪ ،‬فلم يعجبها مطلقا تنحيتها‬
‫جانبا‪ ،‬بمثل هذا الأسلوب و حاولت جاهدة أن تراها الملكة إيزيس‬
‫عند دخلوها الحجرة من خلال المرآة التي كان الملك يعدل فيها‬
‫من ملابسه أمامها‪ ،‬وعندما رأتها إيزيس وهي تتوارى من خلال‬
‫الأبواب الجانبية المستترة المؤدية إلى الممر الذي ينتهي عند جناح‬
‫الحريم‪ ،‬ابتسمت ابتسامة خفيفة فهي تعرف أن زوجها الملك يعاني‬
‫من بعض الأمراض ولكن ذلك لم يمنعه أبدا من اندفاعاته‬

‫العاطفية‪.‬‬

‫[‪]70‬‬

‫فتنهدت تنهدا عميقا‪ ،‬صعدت أنفاسا حارة مكتومة؛ فكانت ألسنة‬
‫اللهيب التي تحترق بها أحشاؤها بغير رحمة‪ ،‬وما كانت تدري‬
‫من الأمر شيئا‪ ،‬فقد شاهدت المأساة من بدء فصولها ورأت الملك‬
‫يتردى في الهاوية ويذهب فريسة لهواه الجامح‪ ،‬وأصابها سهم‬
‫سام في عزة نفسها وسويداء عواطفها‪ ،‬ولكنها لم تبد حراكا‪،‬‬
‫ونشب في صدرها صراع عنيف بين المرأة ذات القلب والملكة‬

‫ذات التاج‪.‬‬

‫وعلى الفور؛ أعلن الملك بإعداد عربة الاحتفالات وانطلق‬
‫ومعه الملكة إيزيس إلى مكان الإحتفال‪ ،‬وهناك وجد الملك في‬

‫استقباله جمعا كبيرا من القضاة وعدد كبير من الكهنة‪.‬‬

‫وعندئذ‪ ،‬أخذ الشعب يصيح هاتفا‪:‬‬

‫ـ المجد لرمسيس ابن رع الذي ترعاه آلهة مصر السفلى ومصر‬
‫العليا‪.‬‬

‫كانوا جميعا شبه مذهولين من فخامة الملابس‪ ،‬وقبل مراسم‬
‫الاحتفال قام بزيارة معبد آمون‪ ،‬ثم شاهد عرض تمثيلي لقصة‬
‫أوزريس الذي صرعه أخوه ست‪ ،‬ثم تلى ذلك بعض التمثيليات‬
‫الصامتة عن بعض الأساطير الشعبية الشائعة‪ ،‬ثم أخذ الملك يتفقد‬
‫كافة المدارس والمعاهد‪ ،‬وتوجه إلى بيت الحياة من أجل تشجيع‬
‫الشباب الصغار الذين يتلقون بها علوم الكتابة والقراءة والمبادئ‬
‫الأخلاقية السامية‪ ،‬واحترام الآخرين وتوقيرهم والعلوم والجغرافيا‬

‫والطقوس الدينية وتاريخ الملوك الأوائل‪.‬‬

‫[‪]71‬‬

‫ثم توجه إلى منصة الاحتفال وجلست بجواره الملكة إيزيس‪،‬‬
‫وقتئذ كانت تي تجلس بمصاحبة بقية زوجات رمسيس الثالث على‬
‫الجانب الآخر من المنصة‪ ،‬كانت ترمق بكل الحب والإعجاب هذا‬
‫الملك الذي تبوأ عرش مصر طوال ثلاثين عاما وتزوج إيزيس‬
‫وهي لم تناهز الخامسة والعشرين‪ ،‬وحقيقة أن بعض التجاعيد‬
‫كانت تتراءى على قسمات وجهه‪ ،‬ومع ذلك فإن تي كانت تكن‬
‫شغفا وحبا لهذا الرجل الذي يكبرها سنا‪ ،‬ولكنها في نفس الوقت‬
‫كانت تشعر نحوه بشيء من الكراهية والحقد؛ لأنه لا يريد أن يقر‬
‫بأحقية ابنها بنتاور كوريث للعرش‪ ،‬صحيح أنها تحب الملك‬
‫ولكنها تحب ابنها أكثر‪ ،‬أخذت تي ترمق هذا الملك الذي تجله‬

‫وتهيم به حبا بعينيها الواسعتين وهي تحدث نفسها‪:‬‬

‫ـ إذا لم تطعني‪ ،‬وإذا رفضت أن يكون بنتاور وريثا لك فوق‬
‫العرش؛ سوف أقتلك ولن أتردد في ذلك أبدا‪.‬‬

‫تقدم أبناء الملك نحوه ليهنئوه ويحيوه‪ ،‬ولكن تي بدت وكأنها قد‬
‫تسمرت مكانها وركزت نظرها على ابنها بنتاور الواقف خلف‬
‫الملك رمسيس الثالث منتصب القامة مرفوع الرأس‪ ،‬ورمسيس‬

‫الرابع الواقف بجوار أبيه وأخذ يحيي هو الآخر‪ ،‬أفراد الشعب‪.‬‬

‫شرعت تي تتجرع في عصبية واضحة كأس من الجعة‪ ،‬ها هو‬
‫الملك منذ أن رجع من الحفل لم يتنازل بزيارتها ولو مرة واحدة‪،‬‬
‫مما زاد من إيلامها؛ أنه لم يوف بوعده لها بخصوص ابنهما‬
‫بنتاور‪ ،‬وأخذت تحدث نفسها‪ :‬يبدو لي أنه يحاول أن يتلافى‬

‫مصاحبتي منذ أن بدأت أحدثه عن بنتاور‪.‬‬

‫[‪]72‬‬

‫(‪)15‬‬

‫أخذت تي تغدو وتروح في جناحها الخاص فهي تنتظر قدوم‬
‫المجموعة التي استقطبتها نحوها واستمالتها شيا فشيئا إلى‬
‫قضيتها‪ ،‬وأخيرا فتح جناحها‪ ،‬ودخلت مجموعة من كبار موظفي‬
‫القصر وبعض أعضاء أسرة الملك‪ ،‬بل أيضا بعض حراس‬
‫القصر‪ ،‬وتقدم كبار موظفي القصر نحوها لتحيتها ولقد بدا عليهم‬
‫الوجوم والحيرة‪ ،‬فكانوا من أكبر حجاب القصر منزلة وأهمية‬
‫ويحظون بثقة لا نهائية من جانب الملك‪ ،‬ثم دعتهم تي للجلوس‪،‬‬
‫ثم أخذت تقدم لهم أكوابا من النبيذ وأطباقا من الفاكهة ولزم الجميع‬

‫الصمت التام‪.‬‬

‫وبعد لحظة وجيزة؛ حضر مساعد المشرف على جناح النساء‬
‫وساعده الأيمن بمصاحبة الكاتب بيري ومعهم ستة آخرون من‬

‫[‪]73‬‬

‫كبار الموظفين‪ ،‬وعلى الفور بدأ بيري كلامه موجها حديثه للملكة‬
‫تي‪:‬‬

‫ـ لا تعتقدي مطلقا أنني قد أنحاز لجانبك‪ ،‬لن أخون الملك مطلقا‪،‬‬
‫ولكن يمكنني أن أعدك فقط‪ ،‬بألا أنطق بكلمة واحدة أو أبلغ الملك‬

‫عنك‪.‬‬

‫وسارع المشرف على جناح النساء يقول هو أيضا‪:‬‬

‫ـ وكذلك الأمر بالنسبة لي‪.‬‬

‫وكذلك الرجال الستة الآخرون‪ ،‬فقد بينوا عن انضمامهم هم أيضا‬
‫لرأي بيري بإيماءة من رؤوسهم دون أن ينطقوا بكلمة واحدة‪ ،‬ثم‬
‫هموا جميعا بمغادرة جناح تي‪ ،‬وقد ارتسمت على وجوههم‬

‫علامات الضيق‪.‬‬

‫فتقدمت تي منهم واعترضت طريقهم قائلة ‪-‬وكأنها تمنعهم من‬
‫الخروج‪:-‬‬

‫انتظروا!‪ ..‬ألا تعرفوا أن ابن رئيس الخزينة الملكية ومفتش جناح‬
‫النساء‪ ،‬قد قبلا الانضمام إلينا؟‬

‫فقال لها بيري وهو يهز رأسه‪:‬‬

‫ـ لا يمكن أن أصدق هذا‪ ..‬هذا مستحيل‪.‬‬

‫وفي هذه اللحظة دخل الجناح أحد ندماء الملك المقربين وقال‪:‬‬

‫ـ ولكنها الحقيقة فعلا‪.‬‬

‫[‪]74‬‬

‫شعر الكاتب بيري بالفزع وقلق شديد وهو يرى مجموعة الرجال‬
‫الذين دخلوا لتوهم جناج تي‪ ،‬فهم عدد من ندماء الملك ورجال‬

‫حاشيته فقال محتدا‪:‬‬

‫ـ إيني أنت هنا أيضا‪ ..‬وأنتم أيضا‬

‫ثم استرسل في الحديث وقال‪:‬‬

‫ـ إذن ليس الأمر مجرد غيرة أو تنافس‪ ،‬بل إنها مؤامرة بمعنى‬
‫الكلمة‪.‬‬

‫وهنا قاطعه أحد الندماء وقال له‪:‬‬

‫ـ وأنا أنصحك بألا تبوح بشيء مطلقا لإي إنسان‬

‫وقال رجل آخر‪:‬‬

‫ـ سوف تشعر بمزيد من الدهشة لو قلت لك أن قائد الجيش (بنوي)‬
‫وكبير حجاب رمسيس ومساعده قد انضموا إلينا‪.‬‬

‫فقال بيري وهو يغادر جناح تي‪:‬‬

‫لا أريد أن أعرف شيئا‪ ،‬إنكم إن تآمرتم على الملك؛ سوف تمحوكم‬
‫الآلهة من الوجود‪.‬‬

‫فسارع أحد الندماء نحوه‪ ،‬وأمسكه من ذراعيه قبل أن يغادر‬
‫الجناح‪ ،‬وقال له‪ :‬أقسم بآمون‪ ،‬أنك لن تتحدث مع أحد في هذا‬

‫الأمر‬

‫[‪]75‬‬

‫ـ لا تنطق باسم الآلهة في حين أنك تتآمر من أجل الاعتداء على‬
‫ابن رع‪ ،‬سوف أفعل ما أراه مناسبا‪.‬‬
‫فقالت تي‪:‬‬

‫ـ اتركه يمضي‪ ،‬إنه لن يفتح فمه مطلقا‪ ،‬إننا سوف نستحوذ على‬
‫السلطة في خلال بضعة أيام‪ ،‬وسوف يتبوأ ابني بنتاور حكم‬
‫مصر؛ فإذا حاول بيري إفشاء سرنا فهو يعرف ما ينتظره بدون‬

‫رحمة أو شفقة‪.‬‬
‫فقال بيري لها‪:‬‬
‫ـ إن تهديداتك لن تخيفني أو ترعبني‪.‬‬
‫ـ لا أعتقد ذلك‪ ،‬عليك فقط أن تعرف أن هناك فرقا عسكرية قد‬
‫تأهبت من أجل خلع رمسيس الثالث عن العرش‪ ،‬فربما تساعدك‬
‫تلك المعلومة على التزام الصمت‪.‬‬
‫ـ لا أريد أن أسمع المزيد‬
‫وبينما يحاول الخروج من جناح تي‪ ،‬حضر اثنان من قيادة‬
‫الجيش وكاهنان من المختصين بالمراسم الدينية المهمة‪ ،‬وجاء‬
‫أيضا بعض نساء رمسيس للمشاركة في التآمر‪.‬‬
‫وحينئذ وجهت تي إليهن كلامها قائلة‪:‬‬

‫[‪]76‬‬

‫ـ أرى أننا من الأفضل ومن أجل نجاح خطتنا أن نقوم بالتخلص‬
‫من الأمير رمسيس بقتله بطريقة لا تعرضنا للخطر والسبيل ممهد‬

‫الآن‪.‬‬

‫ـ كيف هذا وبعض الضباط والحراس يرافقونه حيث ذهب؟‬

‫ـ إنه دائما يسير في المدينة لمتابعة الرعية أليس كذلك؟‬

‫ـ نعم دائما يفعل هذا‪.‬‬

‫ـ سوف يقوم الكهنة بعمل ذلك ثم تابعت حديثها سوف يتم قتل‬
‫الملك رمسيس الثالث وابنه الوريث في نفس الوقت‪ ،‬ويجب أيضا‬

‫أن يتم إخفاء الكاتب بيري حتى لا يشي بنا‪.‬‬

‫ثم سألت النساء المشاركات في المؤامرة‪:‬‬

‫ـ ماذا تم بخصوص السحرة؟‬

‫فأجابتها إحدى زوجات الملك الأخريات‪:‬‬

‫ـ لقد وعدوني بأنهم سوف يلاقوننا هنا‬

‫وهنا سألهن إيني متهكما‪:‬‬

‫ـ وسحرة أيضا؟‬

‫فأجابته تي بصرامة وحزم‪:‬‬

‫ـ نعم‪ ،‬سحرة ربما قد نحتاج إلى مساعدتهم‪ ،‬ولقد انضم إلى جانبنا‬
‫الكاتب مسوي؛ فهو على علم بالعديد من الطلاسم والوصفات‬

‫[‪]77‬‬

‫السحرية‪ ،‬وكذلك الكاتب إيري؛ الذي وعد بأنه سوف يفتح لنا‬
‫الخزائن التي تتضمن الوصفات السحرية ببيت الحياة‪ ،‬بل لقد نجح‬
‫لتوه في جعل الحراس يغطون في نوم عميق من أجل أن نتجمع‬

‫هنا بدون أي عائق‪.‬‬
‫وأضاف ميسوي قائلا‪:‬‬
‫ـ لقد استوليت بالفعل من المكتبة على بعض البرديات التي سوف‬
‫تعود علينا بالنفع‪ ،‬ولكن الضرورة تحتم ألا يلحظ ذلك أي كاتب‬
‫من الكتبة في بيت الحياة؛ ولذا فعلي أن أقوم بنسخها وإرجاعها‬

‫ثانية إلى مكانها‪.‬‬

‫[‪]78‬‬

‫(‪)16‬‬

‫عند اجتماع جميع هؤلاء المتآمرين مرة أخرى‪ ،‬قاموا بوضع‬
‫خطة محكمة لتنفيذ مؤامراتهم‪ ،‬ووعدهم مسوى بأنه سيقابل في‬
‫اليوم التالي باخنوم المشرف الأعلى بالقصر؛ وكان هذا الأخير‬
‫قام بمهمة المراسل والموزع لخطابات النساء المتآمرات مع تي‬
‫إلى الخارج‪ ،‬وهكذا تكونت فئات خارجية مناهضة للملك وعلى‬

‫أهبة الأستعداد للثورة والتمرد‪.‬‬
‫ذهبت تي إلى مسوي وقالت له‪:‬‬
‫ـ لا شك أن الملك سوف يلقى حتفه‪ ،‬ولكن قبل أن يقتل فإنني أريد‬
‫أن تكون آخر أيامه مفعمة بالسعادة والمتعة‪ ،‬أليست لديك وصفة‬

‫سحرية تجعله ينجذب نحوي؟‬

‫[‪]79‬‬

‫وهنا نظر مسوي إليها بطرف عينه وقال لها‪:‬‬

‫ـ إذا كنت مازلت تحبين الملك لماذا إذن قررت أن تقتلينه؟‬

‫ـ لأنني أريد أن يعتلي ابني بنتاور العرش‪ ،‬ورمسيس يعترض‬
‫على ذلك‪ ..‬أحيانا أشعر وكأنني واقفة على إحدى ضفتي النيل‪،‬‬
‫وهو واقف على الضفة الأخرى‪ ،‬وليس هناك وسيلة لنتلاقى‪،‬‬
‫فالتمساح يراقبنا وفرس النهر يتحفز للانقضاض على من يحاول‬

‫وضع قدميه في الماء لملاقاة الآخر‪.‬‬

‫ـ إن الحب يحفز على مصارعة أي شيء‪ ،‬حتى لو كان التمساح‬
‫نفسه فلو كان الملك يحبك فعلا فمن الممكن أن يعبر النيل دون أن‬

‫يخشى أي شيء‪.‬‬

‫وهنا تقدم ميسوي ناحية صندوقيه اللذين يضع بداخلهما أدواته‬
‫وحاجياته وبدأ يتلو هذه العبارات‪ ،‬متجها للإلهين آمون ورع‬

‫(فليرتبط رمسيس الثالث بهذه المرأة المدعوة تي فيكون مثله مثل‬
‫النبات المتسلق الذي يحيط بأعمدة القصر ويحتضنها وإذا لم‬

‫تستجيبا لدعواتي فلتسقط النجوم فوق الأرض لتحرقها)‬

‫وبالرغم من كل مابذلته تي لجذب رمسيس إليها؛ إلا أنها لم‬
‫تستطع جذب الملك نحوها‪ ،‬ومرت الأيام وتوالت وهو لا يقترب‬
‫منها مطلقا‪ ،‬وكان أكثر ما كان يضايقها ويثير حنقها أنه كان يقوم‬
‫بزيارة زوجاته الأخريات‪ ،‬بل كان يمضي كل ليلة مع زوجة‬

‫مختلفة‪ ،‬فانتابتها ثورة عارمة وأقسمت بينها وبين نفسها‪:‬‬

‫[‪]80‬‬

‫ـ سوف يكلفه هذا الازدراء والإهمال ثمنا غاليا‪.‬‬
‫فارتمت تي على الأرض‪ ،‬وأخذت تمزق أطراف ثوبها وهي‬

‫تصرخ وتئن‪:‬‬
‫ـ اللعنة على الملك‪ ،‬فليحرمه رع من نعمة البصر‪ ،‬فليرحل إلى‬
‫مملكة أوزريس‪ ،‬فليصب بالشلل التام‪ ..‬أما هذه الكلبة الملكة‬
‫إيزيس هذه التفاحة المعطبة فليمح أثرها من الوجود كله هي‬

‫وأبناءها‪.‬‬
‫ولكنها تذكرت أن منظمي المؤامرة قد أصبحوا على أهبة‬
‫الاستعداد‪ ،‬وأنهم يوشكون على البدء في تنفيذ المؤامرة فقالت‬

‫وهي تحدث نفسها‪:‬‬
‫ـ غدا سوف يقوم بنتاور باعتلاء العرش‪ ،‬أما أنا فسأكون الملكة‬
‫الأم‪ ،‬فأنا لم أعد أستطيع تحمل ابنه رمسيس ابن إيزيس الذي‬

‫يتصرف وكأنه أصبح ملك مصر‪.‬‬

‫[‪]81‬‬

‫(‪)17‬‬

‫لقد عاد الكهنة إلى المحيط الملكي‪ ،‬وعاد مستشارو الملك‬
‫العجائز ليحوموا من جديد حول الملك‪ ..‬كان كهنة آمون وبتاح‬

‫يتحدثون ويعلقون ويتهامسون حول مشاريع لا تنتهي‪.‬‬

‫لقد رمي الكهنة رجال الدين ذوي الرؤوس الصلع شباكهم حول‬
‫طريدة شبه موافقة على ذلك؛ هذه الطريدة هي الملك لم يستسلم‬
‫أحد من الرماسيس كما استسلم هذا الحاكم العجوز للشر القادم‬

‫الذي قضى على أكثر من سلالة ألا وهو التوقراطية‪.‬‬

‫كانوا الكهنة يعلمون أنهم سيحكمون من الآن فصاعدا بضمير‬
‫الملك بعد أن تلاشى إيمانه بالمستقبل وضعفت إرادته الصلبة لقد‬
‫تعب رمسيس وهو يشعر وكأنه أصيب فجأة بالشلل‪ ،‬لذلك ترك‬

‫[‪]82‬‬

‫الكهنة يلعبون دور العرافين‪ ،‬فبعد أن كان الدين في مصر روح‬
‫البلاد أصبح اليوم سلاسلها وأغلالها‪ ..‬أي فأل شؤم هذا!‪ ،‬لم يعد‬
‫رمسيس ينتمي إلى عالم الأحياء‪ ،‬فأفكاره تذهب باستمرار إلى‬
‫وادي الملوك الكائن على بعد عدة فراسخ من مدينة حابو‪ ،‬حيث‬
‫أصبح قبره الثاني جاهزا الآن‪ ،‬سيكتفي الحاكم من الآن فصاعدا‬
‫بتأمل بوابات معبد آمون الضخمة ومدينة الأموات الملكية المطلة‬

‫على المعابد الجنائزية‪.‬‬

‫لقد هجر السلام ضفاف النيل‪ ،‬وأصبح كل شخص فيه منقادا‬
‫وراء مطامعه ولا يهتم بالمصلحة العامة‪ ،‬وأضحت مصر مثل‬

‫سفينة تسير في نهر النيل ويتحكم بها طاقم سيئ‪.‬‬

‫اضطجع بنتاور لفترة دون أن يستطيع النوم‪ ،‬ضحك فجأة بجنون‬
‫مع نفسه‪ ،‬ثم غرق في التفكير؛ ليس في الماضي بشكل خاص أو‬
‫في شيء محدد‪ ،‬كان يتألم بشدة من منزلته الوضيعة من والده‬

‫الملك فسأل نفسه‪:‬‬

‫ـ ما الذنب الذي اقترفته لكي لا يفكر والدي مطلقا في؟ لماذا‬
‫اختار والدي ابنه رمسيس ابن إيزيس بجانبه طوال السنوات‬
‫الماضية حتى أصبح يتصرف كأنه ملك حقيقي‪ ،‬وقد أشركه والدي‬

‫في كل شيء؟‬

‫وحينما كان على وشك الاستسلام للنوم‪ ،‬تراءت في خياله لحظة‬
‫جلوسه على العرش‪.‬‬

‫[‪]83‬‬

‫لقد استطاع بنتاور أن يضم له حلفاء من المحافظات البعيدة‪،‬‬
‫والكثير من النساخ والضباط وأصحاب المقامات في شمال البلاد‬
‫وجنوبها‪ ،‬وكان نجاح التحضيرات لقتل الملك يثر الراحة في نفس‬
‫المتآمرين‪ ،‬وخاصة عندما انضمت فرقة كاملة من الجيش تحت‬

‫تصرفهم‪.‬‬

‫كان الاضطراب سائدا حتى النهاية‪ ،‬والنزاع قائما على أعلى‬
‫المستويات‪ ،‬فالسفينة التي هجرها القبطان تسير نحو الغرق‪ ،‬وبات‬
‫الجنود ينتظرون لحظة التنفيذ لكي ينقضوا بدورهم على الحاميات‬
‫المشهورة بولائها لرمسيس الثالث وابنه وريث العرش‪ ،‬وباتوا في‬
‫انتظار لحظة إعطاء الإشارة التي طال انتظارها؛ وهي قتل الملك‪.‬‬

‫وكان السؤال الذي يتردد فيما بينهم‪ ،‬من الذي سيحمل الخنجر‬
‫القاتل؟‬

‫بدأت الشائعات تسري في أروقة البلاط‪ ،‬في البداية كان الكلام‬
‫مبطنا ثم ذكرت الأسماء فيما بعد‪ ،‬استولي الشك على الملك‬

‫وإيزيس وبسرعة افتضح الأمر واكتشف الوباء‪.‬‬

‫بدا الملك وهو في قصره‪ ،‬وقد انتابه أسف وأسى شديد وهو يتحدث‬
‫إلى الملكة إيزيس قائلا‪:‬‬

‫ـ إن جميع هؤلاء الجناة يدينون لي بمراكزهم ورتبهم‪ ،‬وقد أسبغت‬
‫عليهم من كرم ونعم‪ ..‬إنهم ناكرين للجميل‪.‬‬

‫علمت تي باكتشاف المؤامرة‪ ،‬ولم يخالجها أي خوف أو وجل‪،‬‬
‫وكل ما شعرت به هو شيء من الإحباط وخيبة الأمل‪ ،‬فذهبت‬

‫[‪]84‬‬

‫مسرعة إلى الكاهن مسوي والكاهن باخنوم؛ ووجدت عندهما كل‬
‫المتآمرين والذين كانوا عازمين على المضي قدما فيما بدؤوه‪،‬‬

‫عندئد قالت لهم تي بشيء من الأسى‪:‬‬

‫ـ هذا مستحيل لقد ضاع كل شيء‪ ،‬فها هو الملك عرف كل أسماء‬
‫كل من تآمروا ضده‪.‬‬

‫وعندئذ قال لها مسوي‪:‬‬

‫ـ لا تنسي أن هناك جيشا على وشك الوصول لمحاصرة قصر‬
‫الملك‪ ..‬لا‪ ..‬لم يفلت الأمر من بين أيدينا بعد؛ ولكن علينا الإسراع‬
‫في خطواتنا وقتله‪ ،‬وخاصة بعد أن أصدر أمرا بتكوين لجنة من‬

‫القضاة للتحقيق في الأمر‪.‬‬

‫هنا قالت له تي وقد تراءى بعض الأمل في نبرات صوتها‪:‬‬

‫ـ إنني على استعداد لتنفيذ كل ما تقترحه‪.‬‬

‫وقد أجمع كل المتآمرين بأنه لن يستقر لهم أمر ولن يثبت لهم‬
‫ملك حتى يزول الملك ووريثه من الوجود‪ ،‬هنا أعلن (كبير‬
‫الحجاب) إلى الملكة تي والأمير بنتاور أنه على استعداد لقتل‬

‫الملك وأشار بنتاور على (كبير الحجاب)‬

‫ـ عليك أن تختار جماعة من الحراس ممن تثق بهم ليساعدوك في‬
‫مهمتك الخطيرة‪،‬‬

‫[‪]85‬‬

‫وأنت أيها الكاهن ميسوي عليك بتنفيذ خطتك لقتل أخي‬
‫رمسيس‪ ،‬ولكن كونوا على حذر؛ إننا لو أخفقنا فإن رمسيس الثالث‬

‫لن يرحمنا أبدا‪.‬‬

‫وفي مساء نفس اليوم استولى على الملك رمسيس الثالث‬
‫النعاس‪ ،‬وأنس حركة يسيرة عن كثب منه‪ ،‬فاستند على مرفقه‬
‫وأدار رأسه إلى مصدر الصوت‪ ،‬وما هي إلا لحظة حتى لمح‬
‫خيط من النور يبدو من ناحية الباب ويزداد وضوحا شيئا فشيئا‪،‬‬
‫وسرعان ما أدرك أن هناك يد تفتح الباب بحركة وئيدة خفية‪ ،‬ثم‬

‫انسل من فرجة الباب شبح رجل بدا قوامه جليا فقال الملك‪:‬‬

‫ـ من أنت؟‬

‫ـ أنا كبير الحجاب يا مولاي‬

‫فقال له الملك‪:‬‬

‫ـ كيف تجرؤ على دخول مخدعي دون أن أأذن لك أيها الخادم‬
‫القذر؟ ماذا تريد؟‬

‫ـ لا حاجة للكلام!‬

‫فأخرج خنجره‪ ،‬فبادره كبير الحجاب بطعنة في رقبته وهو يقول‬
‫له‪:‬‬

‫ـ لكي أنهي حياتك وأرسلك إلى مملكة أزوريس!‬

‫[‪]86‬‬

‫لقد كانت ضربة عاجلة قوية‪ ،‬فهوى الملك على الأرض‪،‬‬
‫وكانت تي تقف على باب المخدع‪ ،‬فقالت لرمسيس وهو يخور‬
‫والدم يتدفق من رقبته‪ :‬لقد دفعت حياتك ثمن عنادك لقد قلت لك‬

‫أن بنتاور أحق بولاية العهد!‬
‫وبينما كان الملك في النزع الأخير‪ ،‬سمع صوتها؛ اجتهد أن يرفع‬

‫طرفه ليراها فوقع على ظهره وهو يقول‪:‬‬
‫ـ يا خائنة‪ ،‬يا خونة ولم يقل بعدها شيئا‪.‬‬

‫[‪]87‬‬

‫(‪)18‬‬

‫فكان لازما وضروريا وفي سبيل الغاية التي كرس المتآمرون‬
‫أنفسهم لأجلها ومن أجل إنجاح خطتهم؛ لابد من قتل رمسيس‬
‫الوريث فمضوا في خطتهم الشيطانية في نفس اللحظة التي تم قتل‬
‫الملك رمسيس الثالث‪ ،‬فبينما كان الوريث رمسيس يسير ومعه‬
‫بعض الضباط والحرس في شوارع المدينة المزدحمة‪ ،‬إذ بامرأة‬

‫جازعة تجري مهرولة ناحيته وهي تنادي عليه‪:‬‬
‫ـ سمو الأمير‪ ،‬سمو الأمير‬

‫ـ فنظر ناحيتها وقال لها‪ :‬ما بك أيتها المرأة‪ ،‬ألك حاجة أقضيها‬
‫لك؟‬

‫ـ لا‪ ،‬أنا زوجة الكاتب بيري‪.‬‬

‫[‪]88‬‬

‫فسألها تعجبا!‪ :‬الكاتب بيري أين هو؟ ولماذا اختفى؟‬

‫ـ لم يختف بمحض إرادته‪ ،‬وقد بحثنا عنه طويلا‪ ،‬حتى سرت‬
‫الإشاعات بأن هناك من في القصر قتله‪ ..‬وفي يوم ما ليلا ألقى به‬
‫جماعة من الناس أمام البيت وهو في حالة يرثى لها‪ ،‬وقد بلغ‬
‫اشتداد وطأة الداء عليه حتى يئس الطبيب من شفائه‪ ..‬فهل تعطف‬

‫عليه بزيارتك له قبل فوات الأوان‪.‬‬

‫ـ انقضت كلمات المرأة على الأمير كالصاعقة‪ ،‬واغرورقت عيناه‬
‫بالدموع لمجرد التفكير في فقد هذا الرجل المخلص‪ ،‬وما كادت‬
‫المرأة تنتهي من كلامها‪ ،‬فوافقها على زيارة الكاتب بيري حتى‬
‫قصد من فوره غرفته‪ ..‬فألفاه ممددا على فراشه جامد الحركة‬
‫شديد امتقاع اللون يكاد يحسبه الناظر في عداد الموتى‪ ،‬لولا تنفسه‬

‫المجهد وبريق عينيه الذي لم تطفئه وطأة العلة‪.‬‬

‫جثا الأمير قرب الفراش‪ ،‬وتناول اليد الباردة المتثاقلة بين يديه‬
‫الدافئتين القويتين‪ ..‬فانحدر الرأس قليلا فوق الوسادة‪ ..‬وأشرق‬

‫ذلك الوجه المغضن بابتسامة‪ ..‬وقال بيري بصوت ضعيف‪:‬‬

‫ـ جميل أيها الأمير‪ ..‬أنك تقوم بزيارتي‪ ،‬والواقع أن جسمي قد دب‬
‫إليه الموت فعلا‪.‬‬

‫تطلع الأمير وشاهد الطبيب عند نهاية الفراش‪ ،‬فسأل الأمير‬
‫الطبيب‪ :‬ألا تجدي براعتك شيئا في هذا المقام؟!‪.‬‬

‫ـ فغمغم الطبيب‪ :‬هو بين يدي الإله آمون‪.‬‬

‫فقال الأمير‪ :‬هل دنت النهاية!‪.‬‬

‫ـ إن نهايته مرهونة بإرادة الإله‪ ..‬وقد يعيش أياما‪.‬‬

‫[‪]89‬‬

‫(‪)19‬‬

‫تطلع الأمير رمسيس إلى وجه الكاتب بيري وتفرس فيه لأول‬
‫مرة منذ حضوره‪..‬‬

‫كان بيري في الخامسة والثلاثين من عمره‪ ..‬وقد عرفه‬
‫رمسيس قوي البنية موفور الصحة‪ ..‬بيد أنه رآه الآن مهدم القوى‪.‬‬
‫شاحب اللون‪ .‬متبلد العينين غائر الفك كأنه شيخ محطم‪ .‬وإذا تكلم‬

‫خرجت الكلمات كالفحيح من فم تجرد من أسنانه‪.‬‬
‫هتف الأمير‪ :‬ويحك يا رجل ماذا أصابك!‬

‫انكمش بيري على نفسه إزاء هذا السؤال‪ ،‬وتحت وطأة هذه‬
‫النظرات الفاحصة أجاب متعلثما‪:‬‬

‫[‪]90‬‬

‫ـ كنت ‪ ...‬كنت‪ ...‬كنت مريضا!‪ ..‬مريضا جدا‪ ..‬ووجودى اليوم‬
‫على قيد الحياة هو معجزة‪.‬‬
‫ـ لكن أين أسنانك؟‬

‫ـ فقدتها‪ ،‬كما ترى‪ ،‬هذه نتيجة المرض‪.‬‬
‫استولى على الأمير شك مروع‪ ،‬وتذكر قول زوجته عن سبب‬

‫اختفائه‪ ،‬وعن هؤلاء الأشخاص الذين ألقوه أمام الدار‪.‬‬
‫ـ وإبهامك؟ لم هو معصوب؟‪.‬‬

‫استولى الرعب على بيري‪ ..‬وارتعد فكاه ارتعادا مؤلما وقال‪:‬‬
‫ـ هذا؟ هو لا شيء‪ ،‬مجرد جرح‪..‬‬

‫ـ انزع الضمادة‪ ..‬انزعها يا رجل!‪ .‬أحب أن أرى هذا الجرح‪ ،‬هل‬
‫تسمعني؟‪.‬‬

‫لم يسع بيري أخيرا إلا أن يمتثل‪ ..‬فأزال الضماد عن إبهام يده‬
‫اليسرى‪ ..‬وما كاد الأمير يرى الإبهام مجردا حتى امتقع وجهه‬
‫واشتد جزعه‪ ..‬وهتف‪ :‬إنهم كانوا يعذبونك يا حضرة الكاتب! قل‬

‫لي الحقيقة من هم؟ ولماذا عذبوك كل هذا العذاب؟‬
‫اختلجت شفتا بيري اختلاجا عنيفا حين سمع كلمات الأمير‬

‫ـ لم أقل أن أحدا عذبني‬

‫[‪]91‬‬

‫ـ أنت لم تقل هذا حقا‪ ..‬لكن حالتك تنطق به‪ ..‬أنت لم تقل هذا‪،‬‬
‫لأنك لا تجسر‪ ..‬من فعل بك هذا؟‬

‫ثم أمسك به من كتفه‪ ،‬وقال‪ :‬أجب‪ ..‬هيا تكلم‪.‬‬

‫ـ سوف أتكلم‪ ،‬ولكن قبل أن أتكلم هل آخذ عليك عهدا ووعدا‬
‫بحماية عائلتي‪.‬‬

‫ـ أعدك‪ ،‬تكلم‬

‫ـ إنهم الملكة تي والأمير بنتاور وكهنة آمون‬

‫‪ -‬ماذا تقول؟‬
‫ـ لقد اختطفوني‪ ،‬وحملوني إلى غرفة داخل أحد المعابد وقد‬
‫ابتكروا من العذاب ما لا يستطيع بشر تحمله‪ ،‬في البدء جعلوا‬
‫يلوحون لي بمكافأة مالية ضخمة تستهوي قلب رجل فقير‪ ،‬كان‬
‫يمكن أن تغنيني مدى الحياة ‪ ،‬فلما رفضت توعدوني بالموت إذا‬
‫لم أنفذ ارادتهم الشائنة‪ ،‬وقد تحديت هذ الوعيد‪ ،‬فسلطوا علي هذا‬
‫العذاب الطويل وجعلوا ينتزعون كل يوم سنا من فمي بوحشية‬
‫وعنف حتى ذهبت أسناني جميعا‪ .‬وأمضيت أسبوعين ذقت فيهما‬
‫أهوال الجوع والآلام‪ ،‬ثم أخذوا في نزع أظفاري‪ ،‬بيد أنهم ما‬
‫كادوا ينتزعون ظفر إبهامي اليسرى حتى ذهب احتمالي ولم أعد‬
‫أطيق أكثر مما طقت فكنت أتمنى الموت‪ ،‬فالموت رحمة لوضع‬
‫حد لعذابي الهائل الوحشي‪ ..‬فخضعت لغرضهم الشائن وهو‬
‫الصمت‪ ،‬وعدم الإدلاء والاعتراف بالحقيقة فألقوا بي أمام‬

‫داري‪.‬‬

‫[‪]92‬‬

‫لم يستطع بيري تحمل الآلام فعاجلته المنية‪ ،‬فمات بعد أن‬
‫اعترف بالحقيقة‪.‬‬

‫كانت مشاعر الأمير تتراوح بين المقت والغضب والرثاء لهذا‬
‫الرجل؛ الذي كان ضحية الجشع والأطماع والغدر‪.‬‬

‫وما كاد يصل إلى باب دار بيري حتى استقر رأيه واعتزم ألا‬
‫يدع المتآمرين يفلتون من العقاب‪ ،‬حتى لو دفع رأسه ثمنا لهذا‬

‫العزم‪.‬‬

‫[‪]93‬‬

‫(‪)20‬‬

‫تخلف رمسيس عن الضباط والحراس لكثرة الناس في ساعة‬
‫الغروب‪ ،‬فكان على مقربة منه فتاة سقط صندلها فجأة فمال‬
‫لالتقاطه ثم ناولها إياه‪ ،‬رأى أن عينيها مغرورقتان بالدموع فلاحظ‬
‫رغم التفافها بثوب طويل‪ ،‬أنها جميلة وجها وقواما‪ ،‬فسأل الفتاة‪:‬‬

‫ـ لماذا تبكين أيتها الفتاة؟‬
‫فخاطبته بصوت خافت قائلة‪:‬‬
‫ـ إنني في حزن شديد وليس‪ ..‬وليس لدي سند ألجأ إليه‪.‬‬
‫شعر الأمير برغبة في مساعدة تلك الفتاة‪ ،‬وهي رغبة طبيعية‬
‫تولدت في نفس أمير نحو رعاياه فسألها‪:‬‬
‫ـ هل أستطيع مساعدتك في شيء؟‬

‫[‪]94‬‬

‫فقالت بصوت تخنقه العبرات‪:‬‬

‫ـ إنني شريدة‪ ،‬وحيدة وخائفة‪ ،‬لأن عمي في ثورة غضبه طردني‬
‫من المنزل‪ ،‬والآن لا أدري أين أذهب؟‪ ،‬منزلي بالقرب من هنا‬

‫ولكنه خالي بعد وفاة والدي‪.‬‬

‫فأطرق هنيهة يفكر في أمرها‪ ،‬وأخيرا قال لها‪:‬‬

‫ـ إذا لم يكن هناك أحد تستطعين الالتجاء إليه فعليك أن تذهبي إلى‬
‫منزلك على الأقل سوف تجدين لك مأوى وسقفا يظلل رأسك‪.‬‬

‫ـ ليس في وسعي الذهاب إلى منزلي لأنه خالي‪ ،‬وسوف أكون‬
‫وحيدة فريسة للخوف‪ ،‬ليتني أجد من يحميني ويرافقني إلى هناك‬

‫ويهتم بأمري‪.‬‬

‫ثارت في قلب الأمير الغيرة والحمية‪ ،‬ووجد من الملائم كأمير‬
‫أن يخفف آلام شعبه فسار معها حتى اقتربا من المنزل التي أشارت‬

‫إليه فقالت‪ :‬إن منزل أبيها هناك‪.‬‬

‫فرأى منزلا تحيط به الأشجار‪ ،‬وكان الظلام شديدا في الداخل ولم‬
‫يبد فيما حوله دليل على الحياة؛ كما قالت الفتاة‪ .‬تعلقت الفتاة بذراع‬

‫الأمير مظهرة الخوف ثم قالت وهي تلهث‪:‬‬

‫ـ كم أنا خائفة‬

‫ـ لا تخافي إنك معي ليس هناك مايدعو للخوف‬

‫فسمع الأمير صوت الضابط حابي الذي كان يرافق الأمير‪ ،‬فقال‪:‬‬

‫[‪]95‬‬

‫ـ وجدتك أخيرا أيها الأمير‪ ،‬هل أنت بخير؟‬
‫ـ نعم‪ ،‬أنا بخير وليس في حاجة لكما‬

‫ـ ولكن نحن في حاجة إليك‪ ،‬ومن الخطر أن تسير لوحدك ثم نظر‬
‫إلى الفتاة وقال‪:‬‬
‫ـ من هذه الفتاة؟‬

‫ـ هذه فتاة مسكينة من عامة الشعب كانت في حاجة للمساعدة‪.‬‬
‫فقال بتهكم وتعجب! فتاة مسكينة؟‬

‫فانتحى الأمير نحو حابي بعيدا عن الفتاة‪ ،‬فانتهزت الفتاة فرصة‬
‫ابتعاد الأمير عنها حتى رفعت يدها إلى صدرها‪ ،‬فاستل حابي‬
‫سيفه في الحال من غمده فغرزه في جسد الفتاة‪ ،‬فقد الأمير صوابه‬

‫وصرخ في وجه حابي قائلا‪:‬‬
‫ـ تبا لك أيها النذل قاتل النساء!‬
‫ـ معذرة أيها الأمير‪ ،‬فأنا في خدمتك أنت ومصر الحبيبة‪ ،‬ولكن‬
‫اصفح عني؛ هذه الفتاة دسيسة عليك وهذا المنزل المهجور كان‬

‫من أجل الإيقاع بك وقتلك‪.‬‬
‫ـ أنت تحاول التغطية على فعلتك الشنعاء بقتل امرأة بتلك الكذبة‪.‬‬

‫ـ لا أيها الأمير إني أقول الصدق‪ ،‬انظر‪.‬‬

‫[‪]96‬‬

‫فمال حابي فوق الفتاة ونزع ثوبها عن صدرها فسمع صوت‬
‫خنجر يسقط على الأرض فاستطرد في حديثه‪ :‬إنك لو كنت‬

‫طاوعت هذه الفتاة ودخلت معها المنزل لكنت ميتا الآن‪.‬‬
‫وبينما كان الأمير واقفا تتجاذبه عوامل الغضب والشك‬
‫والجحود‪ ،‬إذ بأحد الحراس يجري ناحيته وهو يلهث وخر على‬

‫وجهه أمامه وقال له‪:‬‬
‫سمو الأمير وارث الأرض العليا والسفلى‬

‫ـ ماذا وراؤك؟!‬
‫ـ واأسفاه أيها الأمير‪ ،‬إن إباك الملك رمسيس حاكم الأرض العليا‬
‫والسفلى مات الآن‪ ،‬لقد قتلوه الخونة وهو الآن يقف أمام أوزريس‪.‬‬

‫[‪]97‬‬

‫(‪)21‬‬

‫كان هذا النبأ المروع قد أربك عقل الأمير رمسيس واستحوذ‬
‫عليه القلق‪ ،‬فذهب مسرعا إلى القصر والتقى بالوزير نيفر عند‬
‫الباب الداخلي‪ ،‬فكان يحب الملك حبا يكاد يفوق حب الأمير‬
‫رمسيس‪ ،‬وفوق ذلك كان يخشى وهو الخادم المخلص الأمين أن‬
‫يفقد مركزه في النزاع الذي لا مناص من وقوعه للاستيلاء على‬

‫السلطة‪.‬‬
‫صاح الوزير قائلا‪ :‬أيها الأمير رمسيس لقد مات الملك العظيم‪،‬‬

‫إن الخطب جلل والمصاب‪.‬‬
‫فقاطعة الأمير قائلا‪:‬‬

‫ـ نعم وهذا هو السبب في قدومي بهذه السرعة‪.‬‬

‫[‪]98‬‬

‫ـ ما العمل أيها الأمير؟ هل سيتولى بنتاور العرش؟ هل ستتوج‬
‫ملكا على مصر؟‬

‫ـ هدئ من روعك نفير‪ ،‬تقدمني حيث وضعتم جسد الملك العظيم‪.‬‬

‫فدلف الجناح حيث كانت جثة الملك فوق سريره‪ ،‬وكانت والدته‬
‫إيزيس وباقي نسائه وجواريه يندبن ويبكين تحت قدميه‪ ،‬في حين‬

‫التف بعض جنوده من حوله‪.‬‬

‫أمعن النظر مدة طويلة إلى وجه والده‪ ،‬وأطال التفكير في‬
‫الموت الذي سيداهم الجميع عاجلا أم آجلا‪ ،‬ويجعل الملوك‬
‫والصعاليك في مستوى واحد فقال‪ :‬آه يا والدي المسكين ليت كل‬
‫الحقائق كانت كاذبة‪ ،‬فلا أبكيك اليوم! ثم يجثو باكيا ويديه‬
‫ممدودتين على جسم والده‪ .‬ثم تنوح إيزيس أمام جثة زوجها الملك‬
‫وهي تقول‪ :‬إلى أوزيريس‪ ،‬إلى أوزيريس‪ ،‬ثم سقطت مغمى‬
‫عليها‪ ،‬فتسرع إلى إسعافها النساء‪ ،‬ويشهق ابنها رمسيس بالبكاء‬

‫‪ ...‬وأقسم بالموت لكل الخونة‪.‬‬

‫خرج الأمير رمسيس من الجناح وهو حزين القلب‪ ،‬ثم ذهب‬
‫إلى البهو الملكي الذي به العرش وجلس على العرش نفسه‬
‫المصنوع من المرمر‪ ،‬ثم استدعي الضباط والنبلاء والكتبة‬

‫وغيرهم من رجال البلاط وقال وهو غاضب‪:‬‬

‫ـ يجب معاقبة الجناة الخونة‪.‬‬

‫فقال الوزير نفير‪ :‬أيها الأمير‪ ،‬إنك صرت بحق الإرث ملك مصر‬
‫الغير متوج‪ ،‬يجب أن تصدرأمرك بمراعاة الحداد‪.‬‬

‫[‪]99‬‬


Click to View FlipBook Version