The words you are searching are inside this book. To get more targeted content, please make full-text search by clicking here.

ملامح من تاريخ القدس عبر العصور

Discover the best professional documents and content resources in AnyFlip Document Base.
Search
Published by hamidrezk, 2021-07-27 06:10:24

ملامح من تاريخ القدس عبر العصور

ملامح من تاريخ القدس عبر العصور

‫مــلامح من تاريخ‬
‫القدس عبر العصور‬



‫الأزهًر الش��ريف‬
‫هيئة كبار العلماء‬

‫مـــــــلا مح‬
‫من تاريخ القدس عبر العصور‬

‫‪..‬‬

‫إعداد‬

‫الباحثين المعاونين بلجنة التاريخ والحضارة‬
‫بهيئة كبار العلماء‬

‫الطبعة الأولى‬

‫لهيئة كبار العلماء‬

‫‪1442‬هـ ‪ 2021 /‬م‬

‫الأزهر الشريف‬
‫هيئة كبار العلماء‬
‫ُمتعهد الطبع‪:‬‬

‫مجمع مطابع الأزهر الشريف‬ ‫تليفون‪0225939046 :‬‬
‫تليفون‪26840557 :‬‬ ‫فاكـس‪0225939046 :‬‬
‫فاكس‪26840557 :‬‬
‫*****‬ ‫البريد الإلكترونى‪:‬‬
‫الإعداد العلم ‪..‬ى‪:‬‬ ‫‪[email protected]‬‬

‫أ‪.‬د‪ /‬عوض سـعد محمود عيسـى‬ ‫الموقع الإلكترونى‪:‬‬

‫د‪/‬مصطفـى محمـد عبد النبي عوض‬ ‫‪www.azhar.eg/scholars‬‬
‫د‪/‬صلاح عبد المولى السـيد الشورى‬ ‫العنوان‪:‬‬

‫شارع الأزهر – أمام مسجد سيدنا د‪/‬الحسـيني حسن حماد‬

‫ى‪:‬‬ ‫ُلغو‬ ‫تدقيق‬ ‫الحسين – القاهرة‬
‫*****‬
‫‪..‬‬

‫عيـد صبحـي‬ ‫لدار‬ ‫فهرست الهيئة المصرية العامة‬
‫الكتب والوثائق القومية‪:‬‬
‫الإعداد الطباع‪..‬ى‪:‬‬
‫أمين أحمد زكريا‬

‫إيهاب مجدى عامر‬ ‫ملامح من تاريخ القدس عبر العصور‬

‫لجنة التاريخ والحضارة بهيئة كبار العلماء تصميم الغلاف‪:‬‬

‫محمد سيد عبد الفتاح‬ ‫عدد الصفحات‪140 :‬‬

‫رقم الإيداع‪:‬‬ ‫مقاس‪ 25 × 17.5 :‬سم‬

‫افتتاحية‬

‫ الحمـد لله رب العالمين‪ ،‬الهادي إلى سـواء ال َّسـبيل‪ ،‬وال َّصلاة‬
‫وال َّسـام عـى أشرف الأنبيـاء والمرسـلين‪ ،‬سـ ِّيدنا مح َّمـد ص َّل الله‬
‫عليـه وعـى آلـه وأصحابـه أجمعـن‪ ،‬وعـى ال َّتابعـن وتابعيهـم‬

‫بإحسـا ٍن إلى يـوم ال ِّديـن‪ ...‬وبعـد‬

‫ فــإ َّن مــن فضــل الله تعــالى عــى هــذه الأ َّمــة أن جعلهــا‬

‫والحضــار ِّي‬ ‫يكـ ِّلـهدـاال‪،‬إععـــانر اعلققيلـبـدـ ٍة ِّيراواسلـعقخــٍة أِّيَّ‪،‬ن‬ ‫أ َّمــة وســ ًطا‪ ،‬تمــ ُّد‬
‫ـا خـر أ َّمـة‬ ‫والإنسـان ِّي لل ُّدنيـا‬
‫ُأخ ِرجــت للنَّــاس تأمــر بالمعــروف في ك ِّل مجــالات الحيــاة‪،‬‬

‫وتنهــى عــن المنكــر في ك ِّل مجالاتهــا كذلــك‪.‬‬

‫ وقـد ق َّيـض الله لهـذه الأ َّمـة مـن يحمـل منهجهـا‪ ،‬ويسـعى‬
‫بــه في النَّــاس‪ ،‬فــكان الأزهــر ال َّشيــف حامــل لــواء الخــر‪،‬‬

‫ومترجـم الوسـط َّية‪ ،‬ومشـعل الهدايـة الباقـي عـى مـ َّر القـرون‬
‫والأزمــان‪ ،‬ولســان ال َّشيعــة النَّاطــق بالحــ ِّق والبرهــان‪.‬‬

‫وإســهامات الأزهــر ال َّشيــف المعمــور لا تنكــر في مجــال‬

‫ال َّتواصـل مـع الآخـر‪ ،‬وإعـاء قيـم المواطنـة والإنسـان َّية؛ ليظـ َّل‬

‫هـذا العطـاء شـاه ًدا لهـذا الـ َّرح ال َّشـامخ بـا تر َّسـخ لديـه عبر‬
‫القـرون مـن تع ُّمـق في فهـم الإسـام عقيـدة وشريعـة‪ ،‬واعتـاد‬
‫صحيـح ال ِّديـن منه ًجـا يتر َّبـى عليـه أبنـاؤه ومريـدوه‪ ،‬ويترجـم‬

‫ذلـك علـاؤه ومنتسـبوه‪.‬‬

‫ ويتوالــى عطــاء الأزهــر ال َّشــريف مــن خــال هيئــة كبــار‬
‫العلمـاء وا َّلتـي تضطلـع بعـ ْبء ال ِّريـادة العلم َّيـة وحسـم النِّـزاع في‬
‫شـ َّتى قضايـا الأ َّمـة مـن خـال رصـد الواقـع وتوجيهـه ومعالجتـه‬

‫بمــا ي َّتفــق وصحيــح ال ِّديــن‪.‬‬
‫ وانطلا ًقــا مــن تلــك المه َّمــة المحمــودة عملــت الهيئــة‬
‫علـى إخـراج بعـض المؤ َّلفـات العلم َّيـة لل َّسـادة علمـاء الأزهـر‬
‫الأجـ َّاء‪ ،‬وا َّلتـي تتنـاول أهـ َّم القضايـا العلم َّيـة وتعالجهـا معالجة‬

‫متع ِّمقــة‪ ،‬تع ِّبــر عــن منهــج الأزهــر الوســط َّي‪.‬‬
‫ ناضـ ٍج‪،‬علـوىج أهـ َّنٍد فهـكذـهرا ٍّليإدقصيــ ٍدقا‪،‬رايه ِّيتـ إ َّئن لمـلاقـتامر ِّثـئلالثكمـرايـرمعفمرـ ٍلصـةعلطمِّيـبـٍّةي‬
‫لمزيــد مــن المعرفــة ال َّصحيحــة‪ ،‬كمــا تي ِّســر لــه ال ُّســبل لفهــ ٍم‬
‫أعمـق‪ ،‬وثقافـ ٍة أرحـب علـى طريـق الوعـي الفقهـ ِّي وال َّشـرع ِّي‬

‫المســتنير‪.‬‬
‫ نســأل الله العلــ َّي العظيــم أن يو ِّفــق علماءنــا للعمــل لمــا‬
‫فيــه خيــر ديننــا ونصــرة إســامنا‪ ،‬وأن يحفــظ الأزهــر وشــيخه‬
‫وعلمـاءه‪ ،‬وأن يجز َيهـم عـن الإسـام والمسـلمين خيـر الجـزاء‪.‬‬

‫الأمانة العا َّمة‬
‫لهيئة كبار العلماء‬

‫المبحث الأول‬
‫القدس قبل الفتح الإسلامي‬



‫المبحث الأول‬
‫القدس قبل الفتح الإسلامي‬

‫تعــد مدينـة القــدس مـن أقـدم مـدن العـالم؛ إذ يمتـد تاريخهـا إلى نحـو‬
‫سـتة آلاف عـام‪ ،‬وعـى الرغـم مـن صغـر مسـاحة القـدس‪ ،‬فإنهـا كانـت محـط‬
‫الأنظــار عــر التاريــخ‪ ،‬كــا كانــت منــز ًل لكثــر مــن الأنبيــاء والمرســلين‪،‬‬
‫وتعـددت أسـاؤها بتعــدد سـاكنيها وتعـدد أحوالهـا وتبــدل ظروفهـا‪ ،‬ومـع‬

‫ذلــك ظلــت تحتفــظ القــدس بعروبتهــا‪.‬‬

‫وتقـع مدينـة القـدس فلك ًّيـا عـى خـط طـول (‪ )35‬درجـة و(‪ )13‬دقيقـة‬
‫شر ًقـا‪ ،‬وخـط عـرض (‪ )31‬درجـة و(‪ )52‬دقيقـة شـا ًل؛ لذلـك فـإن مدينـة‬

‫القـدس في موقـع فلكـي يتوسـط فلسـطين المحتلـة(‪.)1‬‬

‫وقـد أقيمـت القـدس عـى أربعـة جبـال هـي‪ :‬جبـل موريـا ‪ -‬ومعنـاه‪:‬‬
‫المختــار ‪ -‬وعليــه المســجد الأقــى ومســجد الصخــرة‪ ،‬وجبــل صهيــون ‪-‬‬
‫ويعــرف بجبــل النبــي داود ‪ -‬وجبــل أكــرا؛ حيــث توجــد كنيســة القيامــة‪،‬‬
‫وجبـل بزيتـا الـذي يقـع بالقـرب مـن بـاب السـاهرة‪ .‬ويحيـط بالمدينـة عـدة‬
‫جبـال منهـا‪ :‬جبـل أبي عـار‪ ،‬وجبـل الزيتـون‪ ،‬وجبل المشـارف‪ ،‬وجبـل المنظار‪،‬‬
‫ووقـوع المدينـة فـوق هـذه القمـم الجبليـة‪ ،‬جعلهـا تتصـل بجميـع الجهـات(‪.)2‬‬

‫(((  طلعت أحمد عبده‪« :‬جغرافية القدس»‪ :‬ص‪.30‬‬
‫(((  للمزيــد عــن هــذه الجبــال وأهميتهــا يراجــع‪ :‬نــاصر خــرو‪« :‬ســفرنامه»‪ :‬ص‪ ،76‬وياقــوت‬
‫الحمـوي‪« :‬معجـم البلـدان»‪ ،)186 /5( :‬وعبـد الحميـد زايـد‪« :‬القـدس الخالـدة»‪ :‬ص‪.15-13‬‬

‫‪10‬‬

‫ومدينـة القـدس يفصلهـا عـن البحـر الميـت مسـافة (‪ )18‬ميـ ًا شر ًقـا‪،‬‬
‫وترتفــع عنــه بنحــو (‪ 3800‬قــدم‪ 1150/‬مــ ًرا)‪ ،‬ويقــع البحــر المتوســط في‬
‫غربهـا‪ ،‬والمسـافة بينهـا تقـدر بنحـو (‪ )32‬ميـ ًا‪ ،‬وترتفـع عنـه بنحـو (‪2500‬‬
‫قـدم‪ 750/‬مـ ًرا)‪ ،‬وترتفـع القـدس نحـو (‪ )892‬مـ ًرا عـن سـطح البحـر‪.‬‬

‫وكانـت المدينـة تقـع عـى مـكان غـر بعيـد مـن جبـل الطـور المطـل عـى‬
‫قريـة سـلوان‪ ،‬إلى الجنـوب الشرقـي مـن الحـرم الشريـف والمسـجد الأقـى‪،‬‬
‫وقــد بنــى العــرب الذيــن أنشــؤوا المدينــة ســو ًرا حولهــا‪ ،‬كان محيطــه يبلــغ‬
‫ميلــن ونصــف الميــل‪ ،‬وطولــه مــن الشــال (‪ )3930‬قد ًمــا‪ ،‬ومــن الــرق‬
‫(‪ )2754‬قد ًمـا‪ ،‬ومـن الجنـوب (‪ )3245‬قد ًمـا‪ ،‬ومـن الغـرب (‪ )2086‬قد ًمـا‪،‬‬
‫وأمـا ارتفاعـه فيـراوح مـا بـن (‪ )38‬و(‪ )40‬قد ًمـا‪ ،‬وعليـه أربعـة وثلاثـون‬
‫بر ًجـا منتظـ ًا‪ ،‬وكانـت مسـاحة القـدس داخـل الأسـوار (‪ )868‬دونـ ًا (نحـو‬

‫‪ 868.000‬م‪.)1( )2‬‬

‫وقـد هجـر النـاس هـذا الموقـع عـى مـر العصـور‪ ،‬لتقـوم القـدس عـى‬
‫تـال تقـع إلى الشـال مـن الموقـع الأول‪ ،‬بـن بـابي السـاهرة وحطـة‪ ،‬وبـن‬
‫مرتفـع سـاحة الحـرم الشريـف في الـرق (جبـل موريـا)‪ ،‬ومرتفـع صهيـون‬
‫في الجنـوب الغـربي‪ ،‬وهـي المرتفعـات التـي تقـع داخـل السـور فيـا يعـرف‬
‫اليـوم بـ(القـدس القديمـة)؛ حيـث ُشـ ِّيدت عليهـا عـدة مبـا ٍن جميلـة خـارج‬
‫الأسـوار القديمـة للمدينـة‪ ،‬فنمـت مدينـة القـدس‪ ،‬وتوسـعت حدودهـا كثـ ًرا‬

‫(((  طلعـت أحمـد عبـده‪« :‬جغرافيـة القـدس»‪ :‬ص‪ ،33‬وهشـام محمـد أبـو حاكمـة‪« :‬تاريـخ فلسـطين‬
‫قبـل الميـاد»‪ :‬ص‪ ،55‬وعـي أحمـد محمـد الشريـف‪« :‬القـدس في الوثائـق المصريـة القديمـة»‪ :‬ص‪.52‬‬

‫‪11‬‬

‫عـا كانـت عليـه في العصـور السـابقة‪ ،‬وبعـد هـذه التوسـعات التـي أضيفـت‬
‫إليهـا جـاوزت مسـاحتها (‪ )19.331‬دونـ ًا‪.‬‬

‫وتجــدر الإشــارة إلى أنــه في ســنة ‪1896‬م ُعثــر عــى خريطــة في مدينــة‬
‫(مأدبـا) عنـد أعـال حفـر لبنـاء كنيسـة للـروم الأرثوذكـس‪ ،‬يعـود تاريخهـا إلى‬
‫القـرن السـادس الميـادي‪ ،‬وتظهـر القـدس عـى الخريطـة محاطـة بسـور عليـه‬
‫أربعـة أبـواب‪ ،‬ولكـن يبـدو أن عـدد الأبـواب كان أكثـر مـن ذلـك؛ فهنـاك‬
‫الأبـواب تظهـر مغلقـة‪ ،‬خاصـة عـى الجهـة الشرقيـة مـن سـور الحـرم‪ ،‬مثـل‬
‫بـاب الجنائـز وبـاب الرحمـة‪ ،‬وعـى الجهـة الجنوبيـة مثـل بـاب النبـي‪ ،‬وبعضهـا‬
‫ُبنـي عـى أسـس سـابقة مثـل بـاب العامـود (بـاب دمشـق)‪ .‬وفي أثنـاء العـر‬
‫العثـاني‪ ،‬بنـى السلطــان سـليمان القانوني سـنة ‪949‬هــ‪1540 /‬م السـور الذي‬
‫لا يـزال قائـ ًا‪ُ ،‬مَـ ِّد ًدا لحـدود القـدس القديمـة جغراف ًّيـا‪ ،‬والأبـواب الحاليـة‬
‫للســور هــي‪ :‬بــاب الســاهرة‪ ،‬وبــاب العامــود‪ ،‬وبــاب الأســباط‪ ،‬وبــاب‬

‫الحديـد‪ ،‬وبـاب الخليـل‪ ،‬وبـاب المغاربـة‪ ،‬وبـاب صهيـون(‪.)1‬‬

‫وقــد ُق ِّســمت القــدس إلى أربعــة أقســام تســمى حــارات‪ ،‬والأســاء‬
‫المســتخدمة اليــوم لــكل حــارة مــن هــذه الحــارات هــي‪ :‬حــارة الأرمــن‪،‬‬
‫وحـارة النصـارى‪ ،‬وحـارة الـرف (أو حـارة اليهـود)‪ ،‬وحـارة المسـلمين(‪.)2‬‬

‫(((  مـروان أبـو خلـف‪« :‬المعـالم الحضاريـة في مدينـة القـدس»‪ :‬ص‪ ،321‬ومبـارك رمضـان أبـو زيـد‪:‬‬
‫«القـدس في ضـوء كتابـات نـاصر خـرو»‪ :‬ص‪ ،133 ،132‬ومحمـد عـوض الهزايمـة‪« :‬القـدس في‬

‫الـراع العـربي الإسرائيـي»‪ :‬ص‪.515‬‬
‫(((  شوقي شعث‪« :‬القدس الشريف»‪ :‬ص‪.15‬‬

‫‪12‬‬

‫ويثبـت التاريـخ أن القـدس لم تكـن مأهولـة بالسـكان قبـل خمسـة آلاف‬
‫ســنة‪ ،‬وأن قبائــل عربيــة زحفــت مــن الجزيــرة العربيــة واســتقرت هنــاك‪،‬‬
‫وأقامـوا بهـا عمرا ًنـا ذا حضـارة‪ ،‬وأن بنـي إسرائيـل لم يدخلـوا المدينـة إلا بعـد‬
‫العـرب بألفـي عـام‪ ،‬ولم يقيمـوا عاصمـة لهـم هنـاك إلا لمـدة قليلـة مـن الزمـن‬
‫لم تتجـاوز أربعـة عقـود‪ ،‬ومـن القبائـل العربيـة التـي اسـتقرت في القـدس‪:‬‬

‫الكنعانيون‪:‬‬

‫تؤكــد المصــادر التاريخيــة والآثــار القديمــة أن القــدس مدينــة عربيــة‬
‫خالصــة‪ ،‬أنشــأها العــرب الكنعانيــون منــذ آلاف الســنين‪ ،‬والكنعانيــون في‬
‫التـوراة هـم أبنـاء كنعـان بـن حـام بـن نـوح‪ ،‬وهـم أول مـن سـكن فلسـطين‬
‫عــى الأرجــح‪ ،‬وجــاء في الدراســات الســامية القديمــة أن الكنعانيــن قبيلــة‬
‫سـامية مـن السـاميين الشـاليين‪ ،‬وفـدت إلى فلسـطين مـن شـبه الجزيـرة العربية‬
‫في الألـف الرابـع قبـل الميـاد‪ ،‬وأقامـوا بهـا حضـارة راقيـة‪ ،‬ولفظـة (كنعـان)‬
‫في العربيـة تعنـي الأرض المنخفضـة الخشـنة؛ وهـذا مـن أسـباب صلابـة أهلهـا‬

‫وبأســهم (‪.)1‬‬

‫العموريون‪:‬‬

‫هـم أولاد أنـاك في التـوراة‪ ،‬ظهـروا على مسرح الأحـداث التاريخيـة في نهاية‬
‫الألـف الثالـث قبـل الميـاد‪ ،‬وأطلـق عليهـم في الحضـارة العراقيـة (السـومرية‬
‫والأكاديـة) اسـم عمـورو‪ ،‬وهـي كلمـة تعنـي بـاد الغـرب أو الغربيـن‪ ،‬نسـبة‬

‫(((  جمـال حمـدان‪« :‬اليهـود أنثروبولوج ًّيـا»‪ :‬ص‪ ،65 ،64‬وحسـنين محمـد ربيـع‪« :‬دحـض افـراءات‬
‫الصهيونيـة الخاصـة بتأسـيس مدينـة القـدس»‪ :‬ص‪.27‬‬

‫‪13‬‬

‫لاتجـاه المـكان الـذي سـكنوا فيـه‪ ،‬وكانـوا منتشريـن في سـوريا وبـاد مـا بـن‬
‫النهريـن‪ ،‬وفي جـزء كبـر مـن فلسـطين قبـل الزحـف المـري الفرعـوني نحـو‬
‫الشـال في عـام ‪ 1600‬ق‪.‬م تقري ًبـا‪ ،‬وهـم مـن أوائـل العـرب الذيـن قدمـوا إلى‬
‫القـدس قديـ ًا‪ ،‬وكانـوا شـع ًبا بدو ًّيـا سرعـان مـا تحـر‪ ،‬وأقـام المـدن وعـاش‬
‫فيهـا‪ ،‬وبقـي اسـم العموريـن متـداو ًل فـرة طويلـة مـن الزمـن‪ ،‬وكانـت اللغة‬

‫السـائدة آنـذاك هـي اللغـة العموريـة (الكنعانيـة)(‪.)1‬‬

‫اليبوسُّيون‪:‬‬

‫قبيلـة عربيـة متفرعـة مـن الكنعانيـن‪ ،‬سـادت لغتهـم العربيـة وثقافتهـم‬
‫وديانتهــم وأشــكال حياتهــم في القــدس خــال النصــف الأول مــن الألــف‬
‫الثانيـه قبـل الميـاد‪ ،‬وفي هـذه الفـرة أخـذ اسـم (يبـوس) و(اليبوسـيين) يظهـر‬
‫في فقـرات التـوراة بنفـس الاسـم الـذي كان يتـداول بـن اليبوسـيين عـى أنهـم‬
‫جيـل مـن العـرب سـكنوا المدينـة بعـد العموريـن‪ ،‬كـا وردت أسـاء بعـض‬
‫حكامهـم العـرب في اللغـات القديمـة مثـل اللغـة المصريـة القديمـة‪ ،‬واللغـة‬
‫الآشـورية‪ ،‬وغيرهمـا‪ ،‬ومـن هـذه الأسـاء ملكـي صـادق‪ ،‬أحـد ملـوك القـدس‬
‫(يبــوس) في بدايــة الألــف الثــاني قبــل الميــاد‪ ،‬وقــد عــاصره أبــو الأنبيــاء‬
‫إبراهيـم عليـه السـام(‪ ،)2‬كـا اسـتقرت قبائـل عربيـة أخـرى في القـدس منهـا‪:‬‬

‫(((  جمـال حمـدان‪« :‬اليهـود أنثروبولوج ًّيـا»‪ :‬ص‪ ،65‬وهشـام محمـد أبـو حاكمـة‪« :‬تاريـخ فلسـطين»‪:‬‬
‫ص‪ ،55‬وعـي أحمـد محمـد الشريـف‪« :‬القـدس في الوثائـق المصريـة القديمـة»‪ :‬ص‪.52‬‬

‫(((  سـفر التكويـن‪ ،)18 /14( :‬وحسـن شريـف‪« :‬فلسـطين مـن تدمـر الهيـكل والشـتات الأكـر إلى‬
‫ظهـور الصهيونيـة (‪1897 – 70‬م)»‪ :‬ص‪.815‬‬

‫‪14‬‬

‫الفينيقيــون‪ ،‬والآراميــون‪ ،‬والأيدوميــون‪ ،‬والمؤابيــون‪ ،‬وغيرهــم‪ ،‬وكان هــذا‬
‫قبـل مجـيء بنـي إسرائيـل وظهـور اليهوديـة بـآلاف السـنين(‪.)1‬‬

‫بنو إسرائيل والقدس‪:‬‬

‫بنـو إسرائيـل هـم أبنـاء يعقـوب بـن إسـحاق بـن إبراهيـم عليهم السـام‪،‬‬
‫وقـد عـاش يعقـوب في بدايـات الألـف الثـاني قبـل الميـاد‪ ،‬وإبراهيـم هـو َجـ ُّد‬
‫بنـي إسرائيـل المنحدريـن مـن يعقـوب بـن إسـحاق‪َ ،‬و َجـ ُّد العـرب العدنانيـن‬

‫المنحدريـن من إسـاعيل بـن إبراهيـم (‪.)2‬‬

‫ولم يكـن لبنـي إسرائيـل أدنـى علاقـة بنشـأة القـدس‪ ،‬وتشـهد بذلـك –‬
‫بالإضافـة إلى مـا سـبق ‪-‬توراتهـم فيـا أوردتـه مـن إشـارات تبـن أنهـم كانـوا‬

‫يـرون أنفسـهم غربـاء عـى القـدس‪ ،‬ومـن تلـك الإشـارات‪:‬‬

‫أن سـيدنا إبراهيـم عليـه السـام تـزوج مـن سـارة ابنـة عمـه‪ ،‬وكانـوا‬ ‫ ‪ -‬‬
‫يعيشــون في أور جنــوب العــراق‪ ،‬ثــم هاجــر مــع بعــض أفــراد مــن‬
‫قبيلتــه إلى حــران في شــال العــراق‪ ،‬ومنهــا هاجــر إلى فلســطين‪ ،‬ونــزل‬
‫مدينـة حـرون التـي ُسـميت مدينـة الخليـل تكريـ ًا لـه‪ ،‬وعـاش هنـاك‬
‫بـن العـرب أصحـاب المدينـة‪ ،‬ولمـا ماتـت سـارة لم يكـن يملـك قـ ًرا‬
‫في المدينـة‪ ،‬فذهـب إلى ملكهـا عفـرون بـن صوحـار الحثـي‪ ،‬وطلـب منـه‬

‫(((  جمال حمدان‪« :‬اليهود أنثروبولوج ًّيا»‪ :‬ص‪.65‬‬
‫(((  جمال حمدان‪« :‬اليهود أنثروبولوج ًّيا»‪ :‬ص‪.64 ،63‬‬

‫‪15‬‬

‫قطعـة أرض يجعلهـا مدفنًـا لـه ولأقربائـه‪ ،‬فباعهـا لـه بأربعمائـة مثقـال‪،‬‬
‫وكانــت ســارة أول مــن دفــن فيهــا (‪.)1‬‬

‫ ‪ -‬أن يعقـوب بـن إسـحاق بـن إبراهيـم عليهـم السـام‪ ،‬ولـد وعـاش في‬
‫حــرون (الخليــل) بفلســطين‪ ،‬وحــن نــزل مدينــة شــكيم وجــد فيهــا‬
‫العــرب الكنعانيــن‪ ،‬وبحــث عــن مــكان يقيــم فيــه خيمتــه‪ ،‬ولكنــه لم‬
‫يكـن لـه أمـاك هنـاك‪ ،‬فاشـرى مـن بنـي حمـور العـرب قطعـة أرض‪،‬‬

‫ونصــب فيهــا خيمتــه (‪.)2‬‬
‫ ‪ -‬أنـه في نحـو سـنة ‪ 1150‬ق‪.‬م وفـد رجـل مـن بنـي إسرائيـل مـع جماعـة‬
‫لـه إلى فلسـطين‪ ،‬وفيـا هـم عنـد يبـوس والنهـار قـد انحـدر جـ ًّدا‪ ،‬قـال‬
‫الغــام لســيده‪ :‬تعــا َل نميــل إلى مدينــة اليبوســيين هــذه ‪ -‬يبــوس هــي‬
‫القـدس ‪ -‬ونبيـت فيهـا‪ .‬فقـال لـه سـيده‪ :‬لا نميـل إلى مدينـة غريبـة لا‬

‫أحـد فيهـا مـن بنـي إسرائيـل (‪.)3‬‬

‫وهكـذا‪ ،‬فـإن إبراهيـم عليـه السـام وأبنـاءه حـن قدمـوا مـن العـراق إلى‬
‫فلسـطين وجدوهـا أر ًضـا مأهولـة بالسـكان العـرب الكنعانيـن(‪.)4‬‬

‫وقـد خـرج بنـو إسرائيـل من مـر في عهد رمسـيس الثـاني في عـام ‪1250‬‬

‫(((  سفر التكوين‪ ،)19 ،18 /23( :‬والهروي‪« :‬الإشارات إلى معرفة الزيارات»‪ :‬ص‪ ،32‬وابن كثير‪:‬‬
‫«قصص الأنبياء»‪ :‬ص‪.189‬‬

‫(((  سفر التكوين‪ ،)20 ،19 /23( :‬ومبارك رمضان أبو زيد‪« :‬القدس»‪ :‬ص‪.111 ،110‬‬
‫(((  سـفر القضـاة‪ ،)12 ،11 ،10 /19( :‬وحسـنين محمــد ربــيـــع‪« :‬دحض افتراءات الصـهيــونية»‪:‬‬
‫ص‪ ،28‬وعـاء الديـن عبـد المحسـن شـاهين‪« :‬القـدس في المصـادر النصيـة والأثريـة إلى الألـف‬

‫الأول قبـل الميـاد»‪ :‬ص‪.38‬‬
‫(((  جمال حمدان‪« :‬اليهود أنثروبولوج ًّيا»‪ :‬ص‪.64‬‬

‫‪16‬‬

‫ق‪.‬م قاصديـن فلسـطين بقيـادة نبـي الله موسـى عليـه السـام‪ ،‬ولمـا وصلـوا‬
‫إلى مشـارف القـدس؛ وجدوهـا عامـرة بالسـكان السـاميين العـرب‪ ،‬فرفضـوا‬
‫دخولهـا والاشـتباك مـع العـرب‪ ،‬وعصـوا أوامـر موسـى عليـه السـام‪ ،‬كـا‬
‫هــو مذكــور في القــرآن الكريــم؛ حيــث قــال ربنــا عــز وجــل‪ :‬ﭽﮔﮕ‬
‫ﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢ‬
‫ﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰ‬
‫ﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠ‬
‫ﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭ‬
‫ﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹ‬
‫ﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀﰁ ﰂﰃ ﭑﭒﭓﭔﭕ‬
‫ﭖ ﭗ ﭘ ﭙﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ‬
‫ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ‬
‫ﭴﭵﭶﭷﭸﭹ ﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﭼ‬
‫[المائـدة‪ ،]٢٦ - ٢٠ :‬فـكان عقابهـم هـو التيـه في صحراء سـيناء أربعين سـنة(‪.)1‬‬

‫وبعـد وفـاة نبـي الله موسـى عليـه السـام‪ ،‬جـاء مـن بعـده يوشـع بـن‬
‫نــون الــذي قــاد بنــي إسرائيــل لاحتــال أريحــا عــام ‪ 1189‬ق‪.‬م‪ ،‬ولكنــه لم‬
‫يســتطع احتــال يبــوس (القــدس)‪ ،‬وبعــد وفــاة يوشــع زحفــوا إليهــا مــن‬
‫جديــد بقيــادة يهــوذا‪ ،‬وبعــد عــدة حــروب مــع ســكان البــاد الأصليــن لم‬

‫(((  سـفر القضـاة‪ ،)21 /1( :‬وجمـال حمـدان‪« :‬اليهـود أنثروبولوج ًّيـا»‪ :‬ص‪ ،66‬وحسـنين محمـد ربيـع‪:‬‬
‫«دحـض افـراءات الصهيونيـة»‪ ،‬ص‪ ،29‬وعـاء الديـن عبـد المحسـن‪« :‬القـدس في المصـادر النصيـة‬

‫والأثرية»‪ :‬ص‪.35‬‬

‫‪17‬‬

‫يســيطروا إلا عــى التــال والأراضي الفقــرة الداخليــة بعيــ ًدا عــن القــدس‪،‬‬
‫في حــن ظلــت الســهول الغنيــة في أيــدي الكنعانيــن‪ ،‬وعــاش بنــو إسرائيــل‬
‫في تلـك المناطـق عـ َّا ًل لم تكـن لهـم صناعـة أو حضـارة‪ ،‬ومـع مـرور الزمـن‬
‫شــي ًئا فشــي ًئا أخــذوا يتســللون إلى القــدس‪ ،‬حتــى توصلــوا إلى إقامــة تنظيــم‬
‫شـبه عشـائري تحكمـه التقاليـد ببعـض مناطـق القـدس‪ ،‬وانتزعـوا بع ًضـا مـن‬
‫الأراضي في الداخــل‪ ،‬ومــع ذلــك لم يتمكنــوا مــن الاســتيلاء عــى العاصمــة‬
‫يبــوس (القــدس)‪ ،‬وإنــا اختلطــوا بالســكان الأصليــن‪ ،‬وتأثــروا بحضــارة‬
‫العـرب الموجوديـن‪ ،‬ولم تسـقط المدينـة في يـد بنـي إسرائيـل إلا عندمـا اسـتولى‬

‫عليهــا نبــي الله داود عليــه الســام(‪.)1‬‬

‫وفي سـنة ‪ 1000‬ق‪.‬م تقري ًبـا‪َ ،‬و َّحـ َد نبـي الله داود القبائـل اليهوديـة‪ ،‬وهـزم‬
‫العـرب‪ ،‬وو َّسـع مملكتـه‪ ،‬وانتـزع حصـن أورشـليم (القـدس) بعـد أن اسـتولى‬
‫عـى عـن روجـل‪ ،‬مصـدر المـاء الوحيد عنـد اليبوسـيين‪ ،‬وعرفـت باسـم مدينة‬
‫داود‪ ،‬وقـد «اتخـذ المدينـة عاصمـة لمملكتـه‪ ،‬وأخـذ داود حصـن صهيـون هـي‬
‫مدينـة داود‪ ،‬وقـال داود في ذلـك اليـوم إن الـذي يـرب اليبوسـيين ويبلـغ إلى‬
‫القنـاة‪ ...‬وأقـام داود في الحصـن وسـاه مدينـة داود‪ ،‬وبنـى داود مسـتدي ًرا مـن‬

‫القلعـة فداخـ ًا» (‪.)2‬‬

‫(((  سـفر القضـاة‪ ،)21 /1( :‬وجمـال حمـدان‪« :‬اليهـود أنثروبولوج ًّيـا»‪ :‬ص‪ ،66‬وعـاء الديـن عبـد‬
‫المحسـن‪« :‬القـدس في المصـادر النصيـة والأثريـة»‪ :‬ص‪.39‬‬

‫(((  سـفر صموئيـل الثـاني‪ ،)8 – 6 /5( :‬وعـاء الديـن عبـد المحسـن‪« :‬القـدس في المصـادر النصيـة‬
‫والأثريـة»‪ :‬ص‪.42‬‬

‫‪18‬‬

‫وخلـف داود ابنـه نبـي الله سـليمان عليهـا السـام‪ ،‬وقـد وصلـت المملكـة‬
‫في عهــده الــذروة؛ حيــث اســتعان ســليمان بالمعماريــن الفينيقيــن والمصريــن‬
‫وغيرهـم في بنـاء قـر مشـيد اسـتغرق بنـاؤه ثلاثـة عـر عا ًمـا‪ ،‬كـا شـ َّيد‬
‫هيـك ًل ليكـون معبـ ًدا ملك ًّيـا ملح ًقـا بالقـر‪ ،‬اسـتغرق بنـاؤه سـبع سـنين‪،‬‬
‫وعــى الرغــم مــن الجهــد وطــول الوقــت اللذيــن ُبــذلا في تشــييد القــر‬
‫والهيـكل‪ ،‬فإنـه لم يبـ َق منهـا حجـر واحـد‪ ،‬وحـاول بعـض الباحثـن المتعصبين‬
‫أن يحــددوا موقــع الهيــكل في مــكان الحــرم القــدسي الشريــف دون أي دليــل‬
‫علمـي صحيـح سـوى شيء مـن بعـض الظـن‪ ،‬وإن الظـن لا يغنـي مـن الحـق‬
‫شــي ًئا(‪ ،)1‬وكذلــك جميــع الحفريــات الإسرائيليــة في القــدس وحــول المســجد‬
‫الأقـى‪ ،‬لم تصـل إلى أي دليـل عـى وجـود الهيـكل الـذي دمـره الرومـان عـام‬
‫‪ 70‬م‪ ،‬فعندمـا دخـل المسـلمون مدينـة القـدس سـنة ‪16‬هــ‪637/‬م في عهـد‬
‫الخليفـة عمـر بـن الخطـاب‪ ،‬كانـت خرا ًبـا وركا ًمـا‪ ،‬فأمـر الخليفـة بتنظيفهـا(‪.)2‬‬

‫وتجـدر الإشـارة إلى أن إدارة اليبوسـيين للقـدس اسـتمرت حتـى بعـد أن‬
‫اسـتولى عليهـا داود عليـه السـام؛ وذلـك لأنهـم كانـوا ذوي خـرة وكفـاءة‬
‫عاليـة في الإدارة التـي تعلموهـا عـى أيـدي رجـال البـاط الفرعـوني‪ .‬ونبـي‬
‫الله داود نفسـه تـزوج مـن يبوسـية تدعـى بتشـبع‪ ،‬وكانـت زوجـة أحـد الجنـود‬

‫(((  حســنين محمــد ربيــع‪« :‬دحــض افــراءات الصهيونيــة»‪ :‬ص‪ ،29‬وعــاء الديــن عبــد المحســن‪:‬‬
‫«القــدس في المصــادر النصيــة والأثريــة»‪ :‬ص‪ ،43‬وعــي أحمــد الشريــف‪« :‬القــدس في الوثائــق‬

‫المصريــة القديمــة»‪ :‬ص‪.58‬‬
‫(((  عبــد الفتــاح حســن أبــو عليــة‪« :‬القــدس‪ :‬دراســة تاريخيــة حــول المســجد الأقــى والقــدس‬

‫الشريــف»‪ :‬ص‪.19‬‬

‫‪19‬‬

‫اليبوسـيين‪ ،‬ومعنـى اسـمها (بنـت سـبعة أربـاب)‪ ،‬وأنجـب داود منهـا ولـ ًدا‬
‫ســاه يديديــا‪ ،‬ومعنــاه (محبــوب يهــوه)؛ أي حبيــب الله‪ ،‬وأطلــق أبــوه عليــه‬

‫اسـم سـليمان (‪.)1‬‬

‫وقــد اســتمرت مــدة حكــم داود وســليمان عليهــا الســام للقــدس مــن‬
‫عــام ‪ 1000‬إلى ‪ 970‬ق‪.‬م‪ ،‬كانــت المملكــة فيهــا موحــدة(‪ .)2‬وبعــد وفــاة ســليمان‬
‫سـنة ‪ 970‬ق‪.‬م‪ ،‬انقسـمت المملكـة إلى قسـمين‪ :‬مملكـة يهـوذا جنو ًبـا‪ ،‬وعاصمتهـا‬
‫يبـوس (القـدس)‪ ،‬بقيـادة رحبعـام بـن سـليمان‪ ،‬وتضـم قبيلتـي يهـوذا وبنيامـن‪،‬‬
‫ومملكـة إسرائيـل ‪ -‬أو مملكـة إفرايـم‪ ،‬نسـبة إلى أكـر سـبط (قبيلـة) فيهـا ‪ -‬شـا ًل في‬
‫السـامرة‪ ،‬وتضـم القبائـل اليهوديـة العـر الباقيـة‪ ،‬وقـد بقيـت المملكتـان في حالـة‬

‫مــن الفــوضى والنــزاع والحــروب(‪.)3‬‬

‫صراع الإمبراطوريات القديمة حول القدس‪:‬‬

‫مـن تلـك الإمبراطوريـات القديمـة التـي كان بينهـا صراع حـول القـدس‪،‬‬
‫الإمبراطوريـة المصريـة؛ حيـث اسـتغل الحاكـم المـري شيشـنق حالـة الفوضى‬
‫والنــزاع بــن المملكتــن‪ ،‬واســتطاع مهاجمــة عاصمــة مملكــة يهــوذا وغنــم‬
‫كنوزهـا نحـو عـام ‪ 920‬ق‪.‬م‪ ،‬أمـا مملكـة إسرائيـل فقـد تلقـت ضربـة قاضيـة‬
‫عـى يـد الإمبراطوريـة الآشـورية في العـراق؛ حيـث اسـتولى عليهـا سرجـون‬

‫(((  سـفر صموئيـل الثـاني‪ ،3 /11( :‬و‪ ،)25 /12‬وكاريـن أرمسـرونج‪« :‬القدس‪ :‬مدينـة واحدة عقائد‬
‫ثـاث»‪ :‬ص‪ ،84 ،83‬وعـي أحمـد محمـد الشريـف‪« :‬القـدس في الوثائـق المصريـة القديمـة»‪ :‬ص‪.64‬‬

‫(((  علاء الدين عبد المحسن‪« :‬القدس في المصادر النصية والأثرية»‪ :‬ص‪.42‬‬
‫(((  ســفر الملــوك‪ ،)38-1 /6( :‬وحســنين محمــد ربيــع‪« :‬دحــض افــراءات الصهيونيــة»‪ :‬ص‪،29‬‬

‫وعــاء الديــن عبــد المحســن‪« :‬القــدس في المصــادر النصيــة والأثريــة»‪ :‬ص‪.42‬‬

‫‪20‬‬

‫الثـاني بـن عامـي ‪ 721 – 722‬ق‪.‬م‪ ،‬وقيـل إنـه أسر ‪ 27.722‬شـخ ًصا نقلهـم‬
‫إلى عاصمتـه (ميديـا)‪ ،‬وتلاشـت مملكـة إسرائيـل إلى الأبـد(‪.)1‬‬

‫وفي سـنة ‪ 612‬ق‪.‬م ظهـرت الإمبراطوريـة البابليـة‪ ،‬واسـتطاعت القضـاء‬
‫عـى الآشـوريين‪ ،‬وعندمـا تمـردت عاصمـة يهـوذا (القـدس) عـى حـكام بابـل‪،‬‬
‫اسـتولى عليهـا نبوخـذ نـر عـام ‪ 597‬ق‪.‬م‪ ،‬وأسر الملـك‪ ،‬كـا أسر الآلاف مـن‬
‫رؤسـاء المدينـة ومـن الصنـاع المهـرة‪ ،‬وأرسـلهم إلى المنفـى في بابـل بالعـراق‪،‬‬
‫وهــو مــا ســمي بــالأسر البابــي الأول‪ ،‬وعندمــا عــادت القــدس (عاصمــة‬
‫مملكـة يهـوذا) للتمـرد مـرة أخـرى‪ ،‬عـادت إليهـا جيـوش بابـل في عـام ‪586‬‬
‫ق‪.‬م‪ ،‬وأتــت عــى الأخــر واليابــس‪ ،‬وأحرقــت الهيــكل‪ ،‬وبعــد شــهر مــن‬
‫ســقوط المدينــة أرســل نبوخــذ نــر أحــد قادتــه إلى القــدس ومعــه أوامــر‬
‫بمحوهـا‪ ،‬فجعلهـا قا ًعـا صفص ًفـا‪ ،‬وأسر كل القادريـن عـى العمـل في المدينـة‪،‬‬
‫وقيـل إن عددهـم كان خمسـن أل ًفـا‪ ،‬وهـو مـا سـمي بـالأسر البابـي الثـاني‪،‬‬

‫وفـ َّر البعـض إلى مـر‪ ،‬وكان مـن بينهـم النبـي أرميـا(‪.)2‬‬

‫وهكـذا سـقطت مملكـة يهـوذا وعاصمتهـا (القـدس)‪ ،‬وتـم القضـاء عـى‬
‫المعبـد‪ ،‬وأصبحـت القـدس مدينـة موحشـة‪ ،‬إلا أنـه ظهـرت مجموعـات مـن‬

‫(((  حسـنين محمـد ربيـع‪« :‬دحـض افـراءات الصهيونيـة»‪ :‬ص‪ ،30 ،29‬وعـاء الديـن عبـد المحسـن‪:‬‬
‫«القــدس في المصــادر النصيــة والأثريــة»‪ :‬ص‪ ،44‬وعــي أحمــد الشريــف‪« :‬القــدس في الوثائــق‬

‫المصريــة القديمــة»‪ :‬ص‪.61 ،60‬‬
‫(((  حســنين محمــد ربيــع‪« :‬دحــض افــراءات الصهيونيــة»‪ :‬ص‪ ،30‬وعــاء الديــن عبــد المحســن‪:‬‬
‫«القــدس في المصــادر النصيــة والأثريــة»‪ :‬ص‪ ،42‬وعــي أحمــد الشريــف‪« :‬القــدس في الوثائــق‬

‫المصريــة القديمــة»‪ :‬ص‪.60‬‬

‫‪21‬‬

‫العبرانيـن عرفـوا بالمكابـن‪ ،‬و َّحـدوا صفوفهـم واسـتولوا عـى القـدس عـام‬
‫‪ 563‬ق‪.‬م‪ ،‬ولكنهـم اختلفـوا فيـا بينهـم أي ًضـا‪ ،‬ولم يمهلهـم القائـد الرومـاني‬
‫يوجــي‪ ،‬فاحتــل القــدس في نفــس العــام‪ ،‬وقــى عليهــم وعــى الوجــود‬

‫اليهـودي في القـدس تما ًمـا‪.‬‬
‫وفي ســنة ‪ 538‬ق‪.‬م احتلــت الإمبراطوريــة الفارســية القــدس‪ ،‬وكانــت‬
‫تســمى حينهــا أورســالم‪ ،‬واســتطاع اليهــود العــودة إليهــا بعــد أن تمكنــت‬
‫الغانيـة اليهوديـة الحسـناء إسـر ‪ -‬عشـيقة ملـك بابـل ‪ -‬مـن اسـتصدار قـرار‬

‫يســمح لليهــود بالعــودة إلى القــدس‪.‬‬

‫وظلـت أورسـالم تابعـة للفـرس ويسـكنها اليهـود حتـى احتلها الإسـكندر‬
‫المقـدوني عـام ‪ 332‬ق‪.‬م‪ ،‬وكانـت تسـمى هيروسـاليما‪ ،‬ثـم دخلـت هيروسـاليما‬
‫في حـوزة الرومـان عـى يـد بومبـي سـنة ‪ 63‬ق‪.‬م‪ ،‬ومـن حكامهـم هـرودوس‬
‫الـذي ُولـد المسـيح عليـه السـام في آخـر حكمـه‪ ،‬و ُصلـب شـبيهه في عهـد‬
‫بيلاطــس بونيتــوس‪ ،‬ثــم جــاء الملــك تيتــوس عــام ‪70‬م‪ ،‬وحــاصر القــدس‬
‫طويـ ًا حتـى سـقطت في يـده‪ ،‬فـأسر مـن اليهـود َمـن أسر‪ ،‬وقتـل منهـم َمـن‬
‫قتــل‪ ،‬وبيــع بقيتهــم في ســوق الرقيــق‪ .‬ومنــذ ذلــك الوقــت انقطعــت صلــة‬
‫اليهـود بالقـدس‪ ،‬وحكمهـا الرومـان حتـى عـام ‪16‬هــ‪637 /‬م‪ ،‬حـن ُفتحت‬
‫المدينـة عـى يـد المسـلمين‪ ،‬و ُسـ ِّلمت إلى عمـر بـن الخطـاب‪ ،‬دون أن تسـفك‬

‫قطـرة دم (‪.)1‬‬

‫(((  علاء الدين عبد المحسن‪« :‬القدس في المصادر النصية والأثرية»‪ :‬ص‪.44‬‬

‫‪22‬‬

‫ونخلــص ممــا تقــدم‪ ،‬إلى أن إقامــة اليهــود المتصلــة في فلســطين لم تكــن‬

‫سـوى مـدة قصـرة لا تقـارن بالوجـود العـربي والإسـامي في القـدس قديـ ًا‬
‫وحدي ًثـا‪ ،‬ذلــك الوجـود الــذي زاد عــى خمسـة آلاف عـام‪.‬‬

‫أسماء القدس ومعانيها منذ القدم‪:‬‬

‫حملــت القــدس عــر تطورهــا التاريخــي‪ ،‬وصــولاً إلى عصرنــا الحــاضر‪،‬‬

‫عـدة أسـاء‪ ،‬منهـا‪:‬‬

‫مدينة أورسالم‪:‬‬

‫ارتبــط هــذا الاســم بمدينــة القــدس قبــل خمســة آلاف عــام مــن الآن؛‬
‫وذلـك لأن قائـ ًدا عرب ًّيـا كنعان ًّيـا اسـمه سـالم هـو الـذي بنـى القـدس‪ ،‬ف ُسـميت‬
‫باسـمه‪ ،‬وكان ذلـك في بدايـات الألـف الثالـث قبـل الميـاد‪ ،‬ومنـه جاء الاسـم‬
‫الإفرنجـى (جيروزاليـم ‪ ،)Jerusalem‬وهـو في الأصـل عـربي‪ ،‬وورد ذكرهـا في‬

‫النصـوص الأثريـة الهيروغليفيـة والآشـورية باسـم أورشـليم(‪.)1‬‬

‫مدينة يبوس‪:‬‬

‫ترجــع هــذه التســمية إلى نســبتها لســكانها مــن قبيلــة اليبوســيين‪ ،‬وهــي‬

‫قبيلــة متفرعــة مــن الكنعانيــن الأوائــل الذيــن عاشــوا في القــدس في بدايــة‬

‫الألــف الثــاني قبــل الميــاد‪ ،‬وكانــت المدينــة تعــرف بنفــس الاســم عنــد‬

‫(‪)2‬‬ ‫لهــا‬ ‫المؤسســن‬ ‫اليبوســيين‬

‫‪.‬‬

‫(((  وقيـل إن سـالم هـو إلـه السـام عنـد الكنعانيـن‪ ،‬يراجـع‪ :‬عبـد الوهـاب المسـري‪« :‬موسـوعة‬
‫اليهــود واليهوديــة والصهيونيــة»‪ :‬ص‪ ،206‬ومصطفــى مــراد الدبــاغ‪« :‬بلادنــا فلســطين في بيــت‬

‫المقــدس»‪ :‬ص‪ ،50‬وعــي أحمــد الشريــف‪« :‬القــدس في الوثائــق المصريــة القديمــة»‪ :‬ص‪.52‬‬
‫(((  كامل العسلي‪« :‬القدس في التاريخ»‪ :‬ص‪.19 ،4‬‬

‫‪23‬‬

‫مدينة قاديتس‪:‬‬

‫أطلــق اليونانيــون كلمــة (هيروســليما) عــى القــدس بعــد دخــول‬
‫الإسـكندر الأكـر بـاد الشـام‪ ،‬ويظهـر في الاسـم أصلـه العـربي‪ ،‬وقـد ذكـر‬
‫المـؤرخ الشـهير هـرودوت أن اسـمها قاديتـس؛ لأنـه سـمع سـكانها العـرب‬
‫المعاصريـن لـه ينطقونهـا هكـذا‪ ،‬وقـد ذكـر قاديتـس مرتـن في الجـزء الثـاني‬

‫والثالــث مــن تاريخــه‪ ،‬وقاديتــس هــي القــدس(‪.)1‬‬

‫مدينة إيلياء كابيتولينا‪:‬‬

‫وهــذا الاســم ُأطلــق عليهــا مشــت ًّقا مــن اســم الإمبراطــور الرومــاني‬
‫هادريــان إيليــوس الــذي أمــر ســنة ‪136‬م بهــدم المدينــة القديمــة وبنــاء‬
‫الجديـدة‪ ،‬و(إيليـاء) مـن إيليـوس‪ ،‬وهـو لقـب عائلـة هادريـان‪ ،‬و(كابيتولينـا)‬
‫يعنــي العظيمــة‪ .‬وقــد أصبحــت مســتعمرة رومانيــة‪ ،‬حــ َّرم الرومــان عــى‬
‫اليهـود السـكن فيهـا أو دخولهـا؛ بسـبب خيانتهـم وتمردهـم‪ .‬واسـتمرت هـذه‬
‫التسـمية إلى أن فتحهـا المسـلمون في القـرن الأول الهجـري‪ /‬السـابع الميلادي(‪.)2‬‬

‫ومـن الجديـر بالذكـر هنـا‪ ،‬أن اليهـود أنفسـهم ذكـروا القـدس باسـم (مدينـة‬

‫(((  عبـد الوهـاب المسـري‪« :‬موسـوعة اليهـود واليهوديـة والصهيونيـة»‪ :‬ص‪ ،206‬وحسـن ظاظـا‪:‬‬
‫«القــدس‪ :‬مدينــة الله أم مدينــة داود»‪ :‬ص‪ ،45 ،44‬وعــي أحمــد الشريــف‪« :‬القــدس في الوثائــق‬

‫المصريــة القديمــة»‪ :‬ص‪.53‬‬
‫(((  كاريـن أرمسـرونج‪« :‬القـدس‪ :‬مدينـة واحـدة عقائـد ثـاث»‪ :‬ص‪ ،277‬وعبـد الفتـاح حسـن أبـو‬
‫عليـة‪« :‬القـدس‪ :‬دراسـة تاريخيـة حـول المسـجد الأقـى والقـدس الشريـف»‪ :‬ص‪ ،19‬وعـي أحمـد‬

‫الشريـف‪« :‬القـدس في الوثائـق المصريـة القديمـة»‪ :‬ص‪.63 ،52‬‬

‫‪24‬‬

‫القـدس(‪ ،)1‬و(جبـل القدس)(‪ .)2‬وجـاءت في كتابات المؤرخين العـرب المتأخرين‬
‫باسـم‪ :‬إيليـاء‪ ،‬وبيـت المقـدس‪ ،‬والقـدس الشريـف‪ ،‬ودار السـام‪ ،‬والقـدس‪.‬‬

‫ويتبـن ممـا سـبق‪ ،‬أن أسـاء القـدس عربيـة؛ فـإن اسـم (أورسـالم) – عـى‬
‫سـبيل المثـال ‪ -‬المسـتعمل حتـى يومنـا هـذا‪ ،‬ليـس عبر ًّيـا ولا مشـت ًّقا مـن اسـم‬

‫عـري‪ ،‬فأصـل التسـمية كنعانيـة عربيـة‪ ،‬نسـبة إلى (سـالم) مؤسـس المدينـة‪.‬‬

‫شواهد أثرية تؤكد عروبة القدس قبل الإسلام‪:‬‬

‫مـن تلـك الشـواهد الأثريـة التـي تؤكـد عروبـة القـدس قبـل الإسـام‪،‬‬
‫عـن سـلوان‪ ،‬وهـي البئـر التـي حفرهـا اليبوسـيون للوصـول إلى نبـع المـاء‪،‬‬
‫وتقـع عـى مسـافة ثلاثمائة مـر مـن الزاويـة الجنوبيـة الشرقيـة للحـرم القدسي‪،‬‬
‫وأطلـق المقدسـيون عليهـا (أم الـدرج)؛ لأن الوصـول إليهـا يتـم عـن طريـق‬
‫َد َرج أو ُسـلم‪ ،‬وقـد قـام الخليفـة عثـان بـن عفـان ‪ ‬بوقـف ميـاه العـن عـى‬

‫فقـراء مدينـة القـدس‪.‬‬

‫وعثـر الأثريـون عـى أجـزاء كبـرة مـن الأسـوار والمنشـآت العسـكرية‬
‫اليبوســية القديمــة‪ ،‬مثــل حصــن يبــوس‪ ،‬وهــو أقــدم أبنيــة المدينــة‪ ،‬شــيده‬
‫اليبوســيون عــى القســم الجنــوبي مــن الهضبــة الشرقيــة‪ ،‬وشــيدوا في طــرف‬

‫الحصــن بر ًجــا عال ًيــا للســيطرة عــى المنطقــة‪ ،‬وأحاطــوا الحصــن بســور‪.‬‬
‫وهنـاك مجموعـة مـن الأدوات عثـر عليهـا الأثريـون‪ ،‬منهـا أواني الطهـي‪،‬‬

‫(((  يراجع‪ :‬سفر أشعيا‪ ،)2/48( :‬وسفر نحميا‪.)1/11( :‬‬
‫(((  يراجع‪ :‬سفر أشعيا‪.)13/27( :‬‬

‫‪25‬‬

‫والسـهام العربيـة‪ ،‬وفي ذلـك مـن الأدلـة مـا يؤكـد الأصـول العربيـة للحيـاة في‬
‫القـدس‪.‬‬

‫ومـن تلـك الشـواهد الأثريـة التـي تؤكـد عروبـة القـدس قبـل الإسـام‪،‬‬
‫اللوحــات الطينيــة التــي ُعثــر عليهــا بالقــرب مــن القــدس مكتوبــة باللغــة‬
‫الكنعانيـة‪ ،‬ويرجـع تاريخهـا إلى سـنة ‪ 2500‬ق‪.‬م؛ أي قبـل دخـول داود عليـه‬

‫السـام القـدس والاسـتيلاء عليهـا بألـف وخمسـائة عـام(‪.)1‬‬

‫خاتم النبيين ‪ ‬والقدس‪:‬‬

‫علمنــا فيــا ســبق حقيقــة تاريخيــة‪ ،‬وهــي أن القــدس عربيــة؛ فقــد ظــل‬
‫الوجـود العـربي قائـ ًا بهـا وفعـا ًل حتـى بـزوغ فجـر البعثـة المحمديـة التـي‬
‫امتزجـت فيهـا العروبـة بالإسـام‪ ،‬وارتبـط المسـجد الأقـى بالمسـجد الحـرام‬

‫مـن خـال الإسراء والمعـراج‪ ،‬وتحويـل ال ِقبلـة‪.‬‬

‫لـذا‪ ،‬فـإن القـدس لهـا ملمحـان‪ :‬تاريخـي‪ :‬وهـو يتمثـل في عروبتهـا عـر‬
‫العصـور‪ ،‬ودينـي‪ :‬وهـو يتمثـل في أنهـا منـزل الأنبيـاء والمرسـلين‪ ،‬وكان طبيع ًّيـا‬
‫أن يكــون للنبــوة الخاتمــة نصيبهــا ودورهــا الفاعــل في القــدس‪ ،‬وقــد تحقــق‬

‫ذلـك مـن خـال عـدد مـن الوقائـع التـي نذكـر منهـا‪:‬‬

‫رحلة الإسراء والمعراج (‪:)2‬‬
‫يعــد إسراء رســول الله ‪ ‬مــن مكــة المكرمــة إلى بيــت المقــدس قبيــل‬

‫(((  للمزيـد عـن هـذه الشـواهد يراجـع‪ :‬هشـام محمـد أبـو حاكمـة‪« :‬تاريـخ فلسـطين قبـل الميـاد»‪:‬‬
‫ص‪ ،185‬وعبـد الحميـد زايـد‪« :‬القـدس الخالـدة»‪ :‬ص‪ ،117‬وعـي أحمـد الشريـف‪« :‬القـدس في‬

‫الوثائـق المصريـة القديمـة»‪ :‬ص‪.55‬‬
‫(((  للمزيــد عــن معجــزة الإسراء والمعــراج يراجــع‪ :‬ابــن هشــام‪« :‬الســرة النبويــة»‪،)12- 2 /2( :‬‬

‫‪26‬‬

‫الهجــرة النبويــة‪ ،‬إشــارة إلهيــة قويــة بمكانــة مدينــة القــدس قبــل أن يفتحهــا‬

‫المسـلمون عمل ًّيـا في عهـد عمـر بـن الخطـاب ‪ .‬وقـد سـجل الوحـي هـذا‬
‫الحـدث الدينـي التاريخـي‪ ،‬فقال ربنـا سـبحانه وتعـالى‪ :‬ﭽ ُسـ ۡب َحٰ َن ٱ َّ ِل ٓي أَ ۡ َس ٰى‬
‫َّ‬ ‫ٱ ۡلَ ۡق َصــا‬ ‫َ‬ ‫ٱ ۡ َلــ َرا ِم‬ ‫َ ۡلــ ٗا‬
‫َبٰ َر ۡك َنــا‬ ‫ٱ ِلي‬ ‫ٱلۡ َم ۡســ ِج ِد‬ ‫إِل‬ ‫ٱلۡ َم ۡســ ِج ِد‬ ‫ِّمــ َن‬ ‫بِ َع ۡبــ ِدهِۦ‬

‫َحــ ۡو َ ُلۥ لِ ُ ِن َيــ ُهۥ ِمــ ۡن َءا َيٰتِ َنــآۚ إِنَّــ ُهۥ ُهــ َو ٱل َّســ ِمي ُع ٱ ۡلَ ِصــ ُر ﭼ‪[ :‬الإسراء‪.]1 :‬‬

‫ومـن القـدس بـدأت أعظـم رحلـة في تاريـخ البشريـة؛ حيـث ُعـ ِرج برسـول‬

‫الله‪‬مـن أعـى الصخـرة المقدسـة التـي تقـع في وسـط الحـرم القـدسي الشريف‬

‫ببيـت المقـدس‪ ،‬إلى السـموات العـى‪ ،‬إلى حيـث سـدرة المنتهـى‪ ،‬عندهـا جنـة‬

‫المـأوى‪ ،‬فـرأى رسـول الله مـا رأى مـن آيـات ربـه الكـرى‪ ،‬وفي هـذا الحـدث‬

‫العظيـم نـزل قـول الله تعـالى‪ :‬ﭽ َوٱلنَّ ۡجـ ِم إِ َذا َهـ َو ٰى ‪َ ١‬ما َضـ َّل َصا ِح ُب ُكـ ۡم َو َما‬
‫َّ‬ ‫ٱلۡ َهـ َو ٰٓى ‪٣‬‬ ‫َغـ َو ٰى ‪٢‬‬
‫‪.]4‬‬ ‫‪-‬‬ ‫‪1‬‬ ‫[النجـم‪:‬‬ ‫يُو َ ٰحﭼ‬ ‫َو ۡ ‪ٞ‬ح‬ ‫إِل‬ ‫ُهـ َو‬ ‫إِ ۡن‬ ‫َع ِن‬ ‫يَن ِط ُق‬ ‫َو َمـا‬

‫القدس ِقبلة المسلمين الأولى (‪:)1‬‬

‫لزيـادة صلـة المسـلمين ببيـت المقـدس والصخـرة المباركـة؛ جعـل الله تعالى‬
‫بيـت المقـدس ال ِقبلـة الأولى للمسـلمين في صلاتهـم وهـم في مكـة قبـل الهجـرة‪،‬‬

‫وظـل بيـت المقـدس بعـد الهجـرة أي ًضـا سـتة عـر ‪ -‬أو سـبعة عـر ‪ -‬شـه ًرا‬
‫ِقبلـة للمسـلمين حتى نـزل قـول الله تعـالى‪ :‬ﭽﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢ‬

‫والطــري‪« :‬تاريــخ الرســل والملــوك»‪ ،)207 /2( :‬وابــن كثــر‪« :‬البدايــة والنهايــة»‪108 /2( :‬‬
‫‪ ،)118-‬و«موســوعة نــرة النعيــم في مــكارم أخــاق الرســول الكريــم»‪.)246 /1( :‬‬

‫((( للمزيـد عـن تحويـل ال ِقبلـة يراجـع‪ :‬ابـن قيـم الجوزيـة‪« :‬زاد المعـاد في هـدي خـر العبـاد»‪/3( :‬‬
‫‪ ،)67 ،66‬والسـمهودي‪« :‬وفـاء الوفـا بأخبـار دار المصطفـى»‪ ،)364 – 359 /1( :‬وصفـي الديـن‬

‫المباركفـورى‪« :‬الرحيـق المختـوم»‪ :‬ص‪.211‬‬

‫‪27‬‬

‫ﮣ ﮤ ﮥﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ‬
‫ﮱ ﯓﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝﯞ ﯟ ﯠ ﯡ‬

‫ﯢﯣﯤﭼ[البقـرة‪.]144 :‬‬
‫وهــذه النصــوص التــي تقــرن بــن المســجد الحــرام والمســجد الأقــى‬
‫في نســق إيــاني تاريخــي رائــع‪ ،‬جعلــت حــكام المســلمين بــد ًءا مــن الخلفــاء‬
‫الراشـدين إلى اليـوم‪ ،‬يضعـون المسـجد الأقـى جن ًبـا إلى جنـب مـع المسـجد‬
‫الحـرام في مكـة‪ ،‬ومسـجد الرسـول في المدينـة‪ ،‬وجـاء الحديـث الشريـف مؤكـ ًدا‬
‫تلـك الحقيقـة؛ حيـث قـال النبـي ‪« :‬لا ُت َشـ ُّد ال ِّر َحـا ُل إلا إلى ثلاثـة مسـاجد‪:‬‬

‫المسـجد الحـرام‪ ،‬ومسـجدي هـذا‪ ،‬والمسـجد الأقـى»(‪.)1‬‬

‫ومما سبق عرضه من معلومات تاريخية في هذا المبحث‪ ،‬نخلص إلى ما يأتي‪:‬‬

‫أو ًل‪ :‬القـدس عربيـة النشـأة والسـكان والثقافـة منـذ القـدم‪ ،‬أسسـها وقـام‬
‫عـى تطويرهـا وتطويـر مؤسسـاتها الثقافيـة والدينيـة؛ العموريون واليبوسـيون‪،‬‬

‫وهـم مـن العـرب الكنعانيـن‪ ،‬وقـد نزحـوا إليهـا مـن الجزيـرة العربيـة‪.‬‬

‫ثان ًيـا‪ :‬حـن ارتحـل الخليـل إبراهيـم عليـه السـام إلى فلسـطين هـو و َمـن‬
‫معـه مـن قومـه‪ ،‬لم يقيمـوا في القـدس‪ ،‬بـل توجهـوا إلى مدينـة حـرون – وهـي‬

‫مدينـة الخليـل الآن ‪ -‬وعاشـوا بـن العـرب أصحـاب البـاد الأصليـن‪.‬‬

‫ثال ًثـا‪ :‬لم يكـن لنبـي الله يعقـوب أبي اليهـود أي علاقـة بالقـدس؛ لأنـه ُولـد‬
‫وعـاش في حـرون‪ ،‬ثـم جـاء هـو وأبنـاؤه إلى مـر في عهـد نبـي الله يوسـف‪،‬‬

‫(((  أخرجه البخاري في صحيحه‪ ،‬رقم (‪.)1189‬‬

‫‪28‬‬

‫وقـد ورد ذلـك في القـرآن الكريـم؛ حيـث قـال الله تعـالى‪ :‬ﭽﭻ ﭼﭽ‬
‫ﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄ ﮅ ﮆﮇﮈﮉﮊﮋ‬
‫ﮌﮍ ﮎ ﮏ ﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚ ﮛﮜﮝ‬
‫ﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦ ﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭ‬
‫ﮮﮯﮰﮱﯓ ﯔﯕﯖ ﯗﯘﯙﯚ ﯛ ﯜﭼ [يوســف‪،99 :‬‬
‫‪ ،]100‬وقــد مــات يعقــوب عليــه الســام بمــر‪ ،‬وقيــل إن رفاتــه ُنقــل إلى‬
‫حـرون؛ حيـث ُدفـن مـع أبيـه‪ .‬وممـا يذكـر في هـذا الشـأن‪ ،‬أن يعقـوب حـن‬
‫رحــل ذات مــرة إلى بلــدة فلســطينية أخــرى تســمى شــكيم – وهــي مدينــة‬
‫نابلــس الآن ‪ -‬اضطــر أن يشــري مــن العــرب قطعــة أرض ليقيــم عليهــا‬

‫خيمتـه‪.‬‬

‫راب ًعــا‪ :‬عثــر الأثريــون عــى مجموعــة مــن الأدوات الخاصــة بالعــرب‬
‫(اليبوســيين) في هــذه المنطقــة‪ ،‬ممــا يــدل عــى أن الوجــود العــربي في مدينــة‬
‫القـدس ومـا حولهـا أسـبق بألفـن أو ثلاثـة آلاف عـام من ظهـور بنـي إسرائيل‬
‫فيهـا‪ ،‬وهـذا يؤكـد كـذب اليهـود الصهاينـة أنهـم شـيدوا مدينـة القـدس منـذ‬

‫ثلاثـة آلاف عـام‪.‬‬

‫خام ًسـا‪ :‬لم يسـبق لبنـي إسرائيـل أن أقامـوا عاصمـة خالصـة لهـم بالقدس‪،‬‬
‫وحتــى بعــد أن دخلهــا داود عليــه الســام ســنة ‪ 1000‬ق‪.‬م تقري ًبــا‪ ،‬بقــي‬
‫سـكانها اليبوسـيون موجوديـن بكثافـة في الجيـش‪ ،‬وفي الأعـال التجاريـة‪ ،‬وفي‬
‫المؤسسـات الدينيـة‪ ،‬وهـذا يعنـي أن المدينـة ظلـت عربيـة في مجتمعهـا وثقافتهـا‬

‫‪29‬‬

‫ولغتهـا‪.‬‬

‫ساد ًســا‪ :‬فتــح المســلمين للقــدس في عهــد عمــر بــن الخطــاب ‪ ‬عــام‬
‫‪16‬هــ‪637 /‬م‪ ،‬لم يكـن أول ظهـور عـربي فيهـا؛ لأن العـرب كانـوا هـم ُبناتهـا‪.‬‬
‫وأهـل القـدس عندمـا طالعهـم عمـر بـن الخطـاب كانـوا عر ًبـا ينطقـون اللغـة‬
‫العربيـة؛ أي إن عروبـة المدينـة كانـت قائمـة راسـخة قبـل دخـول المسـلمين‬

‫بأمـد بعيـد‪.‬‬

‫***‬



‫المبحث الثاني‬
‫الفتح الإسلامي للقدس‬



‫المبحث الثاني‬

‫الفتح الإسلامي للقدس‬

‫للقـدس في حيـاة ونفـوس المسـلمين منزلـة عاليـة‪ ،‬ومكانـة كبـرة؛ فهـي‬
‫أرض القداســة التــي بــارك الله فيهــا وفيــا حولهــا‪ ،‬والمصلــون في المســجد‬
‫الأقـى لهـم أجـر عظيـم وثـواب مضاعـف‪ ،‬وقـد خـص نبينـا ‪ ‬القـدس‬
‫بجملـة مـن أحاديثـه‪ ،‬حتـى إنـه َبـ َّ َر بفتحهـا‪ ،‬وحـث أصحابـه عـى السـكنى‬

‫فيهـا؛ ولهـذا تحركـت نفـوس المسـلمين لفتحهـا(‪.)1‬‬
‫وقـد كانـت القـدس وفلسـطين وبقيـة الشـام في ذلـك الوقـت تحـت حكـم‬
‫الرومـان الشرقيـن (البيزنطيـن)‪ ،‬وهـذه المنطقـة يسـكنها العـرب مـن قديـم‬
‫الزمــان‪ ،‬والــروم البيزنطيــون كانــوا ألــد أعــداء الإســام والمســلمين‪ ،‬وكان‬
‫الصـدام حتم ًّيـا؛ ومـن هنـا جـاء فتـح الشـام كلهـا‪ ،‬ومـن ضمنهـا القـدس(‪.)2‬‬
‫ومــن المهــم في هــذا الســياق معرفــة مفهــوم الفتوحــات الإســامية‬
‫والهـدف منهـا؛ فقـد وردت لفظـة (الفتـح) في العديـد مـن الآيـات القرآنيـة‪،‬‬
‫ومنهـا قـول الله تعالى‪:‬ﭽإِنَّـا َف َت ۡح َنـا لَـ َك َف ۡت ٗحـا ُّمبِي ٗنـاﭼ [سـورة الفتـح‪،]1:‬‬

‫(((   إميل الغوري‪« :‬فلسطين عبر ستين عا ًما»‪ :‬ص‪.30 -28‬‬
‫(((   الواقدي‪« :‬فتوح الشام»‪.)16 /1( :‬‬

‫‪34‬‬

‫اَفلو َعقفتلِوــل َـمـحه‪َ:‬متـ‪8‬اعـ‪1‬ـِا]فل‪،‬ىُق‪:‬ولُقوبِوﭽلِه َّلــ َقهۡمــعفَۡدأـَنزَرـ َزِو َلَضجٱـٱللَّلَّس ُ‪:‬لـ َِكعﭽيـ َـوَنأُ َِةن ۡخٱ َـلعۡ ََُلرم ۡيۡؤِٰهى ِمـنُِۡمـتِـ ُّب َووأََن ََنثٰإَِهَباۡذُۖهنَـُيـَبۡما ۡيَِف ُع‪ۡٞ‬ترو ٗنَِّمحــــا َنَ َقكٱ ِر َليَّ ۡتٗبلِـــاَ و ََفتۡتﭼـٱل ‪[ٞ‬حَّشسَقـــرِيَوج َر‪ٞ‬رةبةِۗ‬
‫َوبَـ ِّ ِر ٱلۡ ُم ۡؤ ِمنِي َنﭼ[سـورة الصـف‪ ،]١٣ :‬وقولـه سـبحانه‪ :‬ﭽإِ َذا َجـآ َء نَـ ۡ ُر ٱلَّلِ‬
‫َوٱ ۡل َف ۡتــ ُح ﭼ[ســورة النــر‪ ،]١ :‬وقــد يتبــادر إلى الذهــن أن الفتــح بمعنــى‬

‫النـر والغلبـة‪ ،‬لكـن معنـى الفتـح أشـمل وأعمـق مـن هـذا؛ فـا يقتـر‬

‫مفهــوم الفتــح الإســامي عــى الانتصــار العســكري فحســب‪ ،‬بــل يتعــداه‬

‫إلى الانتصــار في مختلــف المياديــن‪ ،‬ودخــول أهــالي البــاد المفتوحــة في ديــن‬

‫الإسـام بقناعـة ورضـا؛ فكلمـة الفتوحـات بهـذا المفهـوم الشـامل تعنـي مـا‬

‫قـام بـه المسـلمون مـن جهـاد‪ ،‬وفتـح للبلـدان‪ ،‬وتمهيـد للدعـوة‪ ،‬وتبليـغ ديـن‬

‫الإسـام إلى النـاس كافـة؛ هدايـ ًة لهـم‪ ،‬ورف ًعـا للظلـم عنهـم‪ ،‬وإخرا ًجـا لهـم‬
‫ّلِ ۡل َعٰلَ ِمـ َنﭼ‬ ‫َّ‬ ‫أَ ۡر َسـ ۡل َنٰ َك‬
‫َر ۡ َحـ ٗة‬ ‫إِل‬ ‫ٓ‬ ‫ﭽ َو َمـا‬ ‫تعـالى‪:‬‬ ‫الله‬ ‫قـال‬ ‫النـور‪،‬‬ ‫إلى‬ ‫الظلـات‬ ‫مـن‬

‫[سـورة الأنبيـاء‪ ،]١٠٧ :‬وليـس كـا ي َّدعي البعـض أن الفتوحـات كانت بهدف‬

‫التوسـع في الأرض وفي السـلطان‪ ،‬واسـتعباد أهـل البـاد المفتوحـة وإذلالهـم‬

‫وإهانـة كرامتهـم‪ ،‬ونهـب خيراتهـم لحسـاب المسـلمين(‪.)1‬‬

‫أسباب الفتح الإسلامي للقدس‪:‬‬

‫للفتـح الإسـامي للقـدس عـدة أسـباب‪ ،‬منهـا‪ :‬أسـباب دينيـة‪ ،‬وأسـباب‬

‫عسـكرية ودفاعيـة‪ ،‬وأسـباب اسـراتيجية‪ ،‬وذلـك عـى النحـو الآتي‪:‬‬

‫(((   محسـن محمـد صالـح‪« :‬الطريـق إلى القـدس‪ :‬دراسـة تاريخيـة في رصيـد التجربـة الإسـامية عـى‬
‫أرض فلسـطين منـذ عصـور الأنبيـاء وحتـى أواخـر القـرن العشريـن»‪ :‬ص‪.55 ،54‬‬

‫‪35‬‬

‫أوًل‪ :‬الأسباب الدينية‪:‬‬

‫منهــا أنــه قــد ُأسري برســول الله ‪ ‬مــن المســجد الحــرام إلى المســجد‬
‫الأقـى؛ وبذلـك ارتبطـت عقيــدة المسـلمين بهــذا المـكان المقــدس‪ ،‬ومنهـا‪:‬‬
‫الأجـور المضاعفـة للصـاة في المسـجد الأقـى‪ ،‬ومنهـا‪ :‬ثبـات أهـل القـدس‬
‫عنـد الفتـن‪ ،‬ومنهـا‪ :‬أنهـا أرض الملحمـة الكـرى‪ ،‬وأرض المحـر والمنـر(‪،)1‬‬
‫كــا أن بعــض أصحــاب رســول الله ‪‬عاشــوا وماتــوا بالقــدس‪ ،‬ومنهــم‪:‬‬
‫سـلمان الفـارسي‪ ،‬وبـال بـن ربـاح‪ ،‬وشرحبيـل بـن حسـنة‪ ،‬وهاشـم بـن عتبـة‬
‫ابـن أخـي سـعد بـن أبي وقـاص‪ ،‬وعبـادة بـن الصامـت‪ ،‬وقيـس بـن هبـرة(‪.)2‬‬

‫ثانًيا‪ :‬الأسباب العسكرية والدفاعية‪:‬‬

‫وهـذه الأسـباب ظهـرت عندمـا كان الرسـول ‪ ‬لديـه إحسـاس قـوي‬
‫بخطـورة الـروم عـى المسـلمين‪ ،‬وتأكـد هـذا الإحسـاس بتدخلهـم في غـزوة‬
‫مؤتـة سـنة ‪8‬هــ‪629 /‬م؛ لـذا كان عـى المسـلمين أن يسـتعدوا لهـذا الخطـر‬
‫القـادم‪ ،‬ولم يتأخـر الوقـت؛ ف ُبعيـد وفـاة الرسـول ‪ ‬بـدأ الصـدام‪ ،‬وبـدأت‬
‫الحـرب منـذ خلافـة الص ِّديـق أبي بكـر‪ ،‬ولم تنتـ ِه إلا بطـرد الـروم مـن الشـام‬
‫ومــر وشــال أفريقيــا(‪)3‬؛ حيــث قــام أبــو بكــر الصديــق بإرســال أربعــة‬
‫جيـوش لفتـح بـاد الشـام والقـدس‪ ،‬وهـم‪ :‬جيـش عمـرو بـن العـاص لفتـح‬

‫(((   عارف العارف‪« :‬تاريخ القدس»‪ :‬ص‪.43‬‬
‫(((   يوسف جمعة سلامة‪« :‬إسلامية فلسطين»‪ :‬ص‪.53 ،52‬‬

‫(((   ابن خلدون‪« :‬تاريخ ابن خلدون»‪.)268 /2( :‬‬

‫‪36‬‬

‫فلسـطين‪ ،‬وجيـش شرحبيـل بـن حسـنة لفتـح الأردن‪ ،‬وجيـش يزيـد بـن أبي‬
‫سـفيان لفتـح البلقـاء‪ ،‬وجيـش أبي عبيـدة بـن الجـراح لفتـح دمشـق(‪.)1‬‬

‫ثالًثا‪ :‬الأسباب الاستراتيجية‪:‬‬

‫وقــد تمثلــت في أهميــة مدينــة القــدس مــن الناحيــة الاســراتيجية‪،‬‬
‫وارتبطـت بطـرد الرومـان الذيـن احتلـوا مـدن الشـام‪ ،‬واسـتأثروا بخيراتهـا‪،‬‬

‫وحرمــوا أهلهــا منهــا(‪.)2‬‬

‫أحداث الفتح الإسلامي للقدس‪:‬‬

‫لقــد مــرت أحــداث الفتــح الإســامي للقــدس بعــدة مراحــل‪ ،‬وذلــك‬
‫عــى النحــو الآتي‪:‬‬

‫ ‪ ) 1‬أرسـل عمـر بـن الخطـاب ‪ ‬إلى أبي عبيـدة عامـر بـن الجـراح‪ ،‬يأمـره‬
‫بالذهـاب إلى إيليـاء (القـدس) لفتحهـا‪ ،‬وذلـك بعـد أن تـم فتـح بقيـة‬
‫بــاد الشــام‪ ،‬وعــى الفــور قــام أبــو عبيــدة مسر ًعــا بتلبيــة الأمــر‪،‬‬
‫وذهــب إلى القــدس‪ ،‬وبــدأ في حصارهــا‪ ،‬وزيــادة في تقديــر أهميــة‬
‫المدينـة الشريفـة اسـتدعى القائـد أبـو عبيـدة عـد ًدا مـن كبـار رجـال‬
‫الجيــش أصحــاب رســول الله ‪ ‬ليشــاركوا بخبرتهــم في عمليــة‬
‫الفتـح‪ ،‬ومنهـم‪ :‬عمـرو بـن العـاص‪ ،‬وخالـد بـن الوليـد‪ ،‬وشرحبيـل‬
‫بـن حسـنة‪ ،‬وحـن اكتملـت الجيـوش ضربـت حصـا ًرا شـدي ًدا عـى‬
‫القـدس مـن جميـع النواحـي‪ .‬ولا بـد هنـا مـن التذكـر بأنـه عندمـا‬

‫(((   الواقدي‪« :‬فتوح الشام»‪.)220 /1( :‬‬
‫(((   عبد الحميد الكاتب‪« :‬القدس»‪ :‬ص‪.24 ،23‬‬

‫‪37‬‬

‫حــاصر المســلمون القــدس لم يقصــدوا بهــذا الحصــار أهــل القــدس‬ ‫ ‪) 2‬‬
‫مـن النصـارى‪ ،‬بـل قصـدوا الرومـان الذيـن اسـتعمروا تلـك الأراضي‬ ‫ ‪ )3‬‬

‫العربيــة‪ ،‬ونهبــوا خيراتهــا وثرواتهــا‪ ،‬وحرمــوا منهــا أهلهــا(‪.)1‬‬ ‫ ‪ )4‬‬
‫حــل بالــروم الموجوديــن داخــل مدينــة القــدس الضعــف والهــوان‪،‬‬
‫وفقـدوا الأمـل في مسـاعدة الدولـة الروميـة (البيزنطيـة) لهـم‪ ،‬واشـتد‬

‫بهــم الجــوع والضنــك؛ فقــرروا تســليم المدينــة للمســلمين(‪.)2‬‬
‫خــال هــذه الفــرة نجــح الأرطبــون (الحاكــم) الرومــاني لمدينــة‬
‫القــدس‪ ،‬والقائــد العســكري الــذي يقــود المعركــة ضــد المســلمين‪،‬‬
‫في الهــروب ومعــه مجموعــة كبــرة مــن جنــوده‪ ،‬إلى الأراضي المصريــة‬
‫ليتحصـن بهـا‪ ،‬ويحـاول تجميـع قواتـه هنـاك؛ آمـ ًا في العـودة مـرة ثانيـة‬
‫إلى القـدس للسـيطرة عليهـا مـن جديـد‪ ،‬ولكنـه لم يتمكـن مـن ذلـك‬
‫بســببفتــحعمــروبــنالعــاصلمــربعــدفتــحالقــدسمبــاشرة(‪.)3‬‬
‫اتفـق السـكان المسـيحيون داخـل مدينة القـدس عـى ضرورة التفاوض‬
‫مـع المسـلمين؛ لإبـرام الصلـح وتسـليم المدينـة المقدسـة لهـم‪ ،‬ولكنهـم‬
‫قدمـوا رجـا ًء للخليفـة عمـر بـن الخطـاب ‪ ،‬وكتبـوا هـذا الطلب إلى‬
‫أبي عبيـدة بـن الجـراح‪ ،‬وهـو ضرورة تسـليم المدينـة للخليفـة عمـر بـن‬

‫الخطـاب بنفسـه‪ ،‬فوافـق أبـو عبيـدة عـى هـذا الأمـر(‪.)4‬‬

‫(((   ابن الأثير‪« :‬الكامل في التاريخ»‪.)329 ،328 /2( :‬‬
‫(((   ابن خلدون‪« :‬تاريخ ابن خلدون»‪.)268 /2( :‬‬
‫(((   الطبري‪« :‬تاريخ الرسل والملوك»‪.)606 /3( :‬‬
‫(((   البلاذري‪« :‬فتوح البلدان»‪ :‬ص‪.140‬‬

‫‪38‬‬

‫ ‪ )5‬أرسـل أبـو عبيـدة رسـالة إلى الخليفـة عمـر بـن الخطـاب ‪ ‬يخـره‬
‫بـا جـرى الاتفـاق عليـه‪ ،‬وبعـد أن استشـار عمـر بـن الخطـاب كبـار‬
‫الصحابــة في هــذا الأمــر‪ ،‬كان رأي الأغلبيــة أن يذهــب عمــر بنفســه‬
‫إلى القــدس؛ ليكــون هــو أول خليفــة فتــح وتســلم مفاتيــح المدينــة‬
‫المقدسـة بنفسـه؛ وهـذا ُيعـد شر ًفـا بالنسـبة لـه ‪ ،‬وهـذا عـن مـا‬
‫طلبـه البطريـرك صفرونيـوس‪ ،‬فتحـرك عمـر بـن الخطـاب ‪ ‬مـن‬
‫المدينــة المنــورة متج ًهــا إلى بــاد الشــام باد ًئــا بالقــدس لتســلمها(‪.)1‬‬
‫ ‪ )6‬ولمـا وصـل عمـر بـن الخطـاب ‪ ‬إلى معسـكر المسـلمين حـول مدينـة‬
‫القــدس‪ ،‬وكان عــى مقربــة مــن جبــل الزيتــون؛ اســتقبله الجنــود‬
‫المســلمون بقيــادة أبي عبيــدة عامــر بــن الجــراح ‪ ،‬وقــد وقفــوا‬
‫لاسـتقباله في صفـوف متراصـة‪ ،‬وكانـوا يهللـون ويكـرون‪ ،‬وكان عمـر‬
‫‪ ‬يركـب دابتـه‪ ،‬ولم يكـد عمـر يسـريح مـن عنـاء السـفر حتـى بـدأ‬
‫أبـو عبيـدة بـن الجـراح يطلعـه عـى مـا حـدث؛ فكانـت أوامـره عـى‬

‫الفــور أن أرســلوا إلى البطريــرك بقدومــي(‪.)2‬‬
‫ ‪ ) 7‬عندمـا علـم صفرونيـوس بقـدوم عمـر بـن الخطـاب ‪‬؛ جـاء وهـو‬
‫يحمــل الصليــب في يــده‪ ،‬وكان بصحبتــه عــدد مــن القساوســة‪ ،‬فلــا‬
‫دخلــوا عــى أمــر المؤمنــن عمــر بــن الخطــاب ‪ ‬قــام للقائهــم‪،‬‬
‫ورحبــوا بــه داخــل القــدس‪ ،‬وبــدأ عمــر في إكــرام ضيوفــه داخــل‬

‫(((   الطـري‪« :‬تاريـخ الرسـل والملـوك»‪ ،)608 /3( :‬وابـن الأثـر‪« :‬الكامـل في التاريـخ»‪،330 /2( :‬‬
‫‪.)331‬‬

‫(((   عارف باشا العارف‪« :‬تاريخ القدس»‪ :‬ص‪.46‬‬

‫‪39‬‬

‫معســكر المســلمين‪ ،‬ثــم شرع في الحديــث عــن عمليــة تســليم المدينــة‬
‫للمســلمين(‪.)1‬‬

‫مظاهر التسامح الإسلامي في القدس بعد الفتح‪:‬‬

‫بعــد أن انتهــى الفتــح الإســامي لمدينــة القــدس ســنة ‪16‬هــ‪636 /‬م‪،‬‬
‫أبـرم عمـر بـن الخطـاب ‪ ‬صل ًحـا مـع سـكان القـدس المسـيحيين‪ ،‬وو َّثقـه‬
‫في مبايعــة ا ْشــ ُته َرت في التاريــخ الإســامي باســم وثيقــة (العهــدة العمريــة)‪.‬‬
‫ومـا كتبـه الفـاروق عمـر بـن الخطـاب لأهـل القدس مـن أمـان ُيعـ ُّد وثيقة‬
‫للتعايــش الســلمي بــن جميــع الأديــان؛ حيــث تضمنــت (العهــدة العمريــة)‬

‫حقـوق وواجبـات كلا الطرفـن عـى النحـو الآتي‪:‬‬

‫أوًل‪ :‬حقوق أهل القدس على المسلمين‪:‬‬

‫جاء في نصوص المعاهدة‪:‬‬

‫بسم الله الرحمن الرحيم‬

‫هـذا مـا أعطـى عبـد الله عمـر أمـر المؤمنـن أهـل إيليـاء مـن الأمـان‪،‬‬
‫أعطاهــم‪:‬‬

‫ ـ ـ أما ًنــا لأنفســهم‪ ،‬وأموالهــم‪ ،‬ولكنائســهم‪ ،‬وصلبانهــم‪ ،‬وســقيمها‬
‫وبريئهــا‪ ،‬وســائر ملتهــا‪.‬‬

‫ ــ وألا تسـكن كنائسـهم‪ ،‬ولا تهـدم‪ ،‬ولا ينتقـص منهـا‪ ،‬ولا مـن حيزهـا‪،‬‬
‫ولا مــن صليبهــم‪ ،‬ولا مــن شيء مــن أموالهــم‪.‬‬

‫(((   الطبري‪« :‬تاريخ الرسل والملوك»‪.)611 ،610 /3( :‬‬

‫‪40‬‬

‫ ــ ولا ُيكرهون على دينهم‪ ،‬ولا ُيضار أحد منهم‪.‬‬
‫ ـ ـ ولا يسكن بإيلياء معهم أحد من اليهود‪.‬‬

‫ ــ ومـن خـرج منهـم فإنـه آمـن عـى نفسـه ومالـه حتـى يبلغـوا مأمنهـم‪،‬‬
‫ومـن أقـام منهـم فهـو آمـن‪ ،‬وعليـه مثـل مـا عـى أهـل إيليـاء مـن‬

‫الجزيــة‪.‬‬
‫ ـ ـ ومــن أحــب مــن أهــل إيليــاء أن يســر بنفســه مــع الــروم‪ ،‬ويخــي‬
‫بِيعهـم وصلبهـم‪ ،‬فإنهـم آمنـون عـى أنفسـهم وعـى بِيعهـم وصلبهـم‬
‫حتـى يبلغـوا مأمنهـم‪ ،‬فمـن شـاء منهـم قعـد وعليـه مـا عـى أهـل‬
‫إيليـاء مـن الجزيـة‪ ،‬ومـن شـاء سـار مـع الـروم‪ ،‬ومـن شـاء رجـع إلى‬
‫أهلـه‪ ،‬فإنـه لا يؤخـذ منهـم شيء‪ ،‬حتـى يحصـد حصادهـم‪ ،‬وعـى مـا‬
‫في هـذا الكتـاب عهـد الله وذمـة رسـوله‪ ،‬وذمـة الخلفـاء وذمـة أمـر‬

‫المؤمنــن (‪.)1‬‬

‫واجبات والتزامات أهل القدس تجاه المسلمين‪:‬‬

‫وكـا أعطـى عمـر بـن الخطـاب ‪ ‬الأمـان لأهـل القـدس‪ ،‬فقـد أعطـاه‬
‫نصـارى القـدس عهـو ًدا‪ ،‬كـا يتضـح مـن الخطـاب الآتي‪:‬‬

‫هـذا كتـاب لعبـد الله عمـر بـن الخطـاب أمـر المؤمنـن مـن نصـارى مدينة‬
‫إ يليا ء ‪:‬‬

‫ ــ إنكـم لمـا قدمتـم علينـا سـألناكم الأمـان لأنفسـنا وذرارينـا وأموالنـا‬

‫(((   الطبري‪« :‬تاريخ الرسل والملوك»‪.)609 /3( :‬‬

‫‪41‬‬

‫وأهــل ملتنــا‪.‬‬ ‫ ــ ‬
‫ولا نمنـع كنائسـنا أن ينزلهـا أحـد مـن المسـلمين في ليـل أو نهـار‪ ،‬وأن‬
‫يوسـع أبوابهـا للـارة وابـن السـبيل‪ ،‬وأن ننـزل مـن مـ َّر مـن المسـلمين‬ ‫ ـ ـ‬
‫ ــ ‬
‫ثــاث ليــا ٍل نطعمهــم‪.‬‬ ‫ ـ ـ‬
‫ولا نواري في كنائسنا ولا في منازلنا جاسو ًسا‪.‬‬

‫ولا نكتم غ ًّشا للمسلمين‪.‬‬
‫ولا نظهـر مـر ًكا‪ ،‬ولا ندعـو إليـه أحـ ًدا‪ ،‬ولا نمنـع أحـ ًدا مـن ذوي‬
‫قرابتنـا الدخـول في الإسـام إن أراده‪ ،‬وأن نوقـر المسـلمين‪ ،‬ولا نبيـع‬

‫الخمــور (‪.)1‬‬

‫وقـد شـهد عـى تلـك الوثيقـة وو َّقـع عليهـا عـدد مـن أصحـاب رسـول‬
‫الله ‪ ،‬منهــم‪ :‬خالــد بــن الوليــد‪ ،‬ومعاويــة بــن أبي ســفيان‪ ،‬وعبــد الرحمــن‬
‫بـن عـوف‪ ،‬وخليفـة المسـلمين عمـر بـن الخطـاب رضي الله عنهـم جمي ًعـا(‪.)2‬‬

‫وبعـد توقيـع تلـك الوثيقـة بـن المسـلمين والنصـارى في القـدس‪ ،‬أقسـم‬
‫الطرفـان عـى احـرام شروط المعاهـدة‪ ،‬ثـم دخـل الخليفـة عمـر بـن الخطـاب‬
‫المدينـة المقدسـة‪ ،‬وكان في اسـتقباله لـدى دخولـه البطريرك صفرونيـوس‪ ،‬وكان‬
‫بصحبـة عمـر بـن الخطـاب الجنـود المسـلمون‪ ،‬وقـد دخلـوا المدينـة مكبريـن‬
‫ومهللــن‪( :‬الله أكــر‪ ،‬الله أكــر‪ ،‬لا إلــه إلا الله)‪ ،‬وكان عــدد المســلمين الذيــن‬

‫(((   محسن محمد صالح‪« :‬الطريق إلى القدس»‪ :‬ص‪.75 ،74‬‬
‫(((   محسن محمد صالح‪« :‬الطريق إلى القدس»‪ :‬ص‪.74‬‬

‫‪42‬‬

‫دخلـوا مدينـة القـدس بعـد عقـد الصلـح أربعـة آلاف(‪.)1‬‬

‫وهنـاك موقفـان بـارزان للخليفـة عمـر بـن الخطـاب ‪ ‬يظهـران سـاحة‬
‫الإسـام وعدلـه‪ ،‬ويتجـى فيهـا مظهـر مـن مظاهـر التعايـش السـلمي بـن‬

‫المسـلمين والنصـارى في القـدس‪:‬‬

‫الأول‪ :‬أن الخليفــة عمــر بــن الخطــاب ‪ ‬حــن ذهــب لزيــارة كنيســة‬
‫القيامــة‪ ،‬أدركــه وقــت الصــاة‪ ،‬فأشــار عليــه البطريــرك صفرونيــوس أن‬
‫يصـي داخـل الكنيسـة قائـ ًا لـه‪« :‬مكانـك صـ ِّل»‪ ،‬ولكـن عمـر بـن الخطـاب‬
‫رفـض ذلـك‪ ،‬وخـرج مـن الكنيسـة‪ ،‬وصـى في مـكان قريـب منهـا؛ خشـية‬
‫أن يتخــذ المســلمون صلاتــه في داخــل الكنيســة حجــة للســيطرة عليهــا‪،‬‬
‫فســعد نصــارى القــدس بذلــك شــاكرين هــذا الصنيــع الــذي يســهم في‬
‫نــر الســام‪ ،‬ويرســخ مبــدأ التعايــش الســلمي بــن جميــع الأديــان(‪.)2‬‬

‫الثانـي‪ :‬بينـا كان عمـر يتجـول في أنحـاء مدينـة القـدس وفي شـوارعها‪،‬‬
‫ويتفقــد أســواقها‪ ،‬ويبحــث شــؤونها؛ إذ أتــاه رجــل مــن المســيحيين يشــكي‬
‫لـه همـه ومـا أصـاب بسـتان العنـب الـذي يملكـه‪ ،‬فذهـب معـه عمـر بـن‬
‫الخطـاب؛ فوجـد مجموعـة مـن المسـلمين قـد أكلـوا منـه لشـدة الجـوع‪ ،‬فأعطـاه‬

‫عمـر ثمـن مـا أكلـوه‪ ،‬وأمـر بالعـدل بـن النـاس(‪.)3‬‬

‫وقـد أمر عمـر بن الخطـاب ببناء مسـجد لكي يصـي فيه المسـلمون‪ ،‬واختير‬

‫(((   يوسف جمعة سلامة‪« :‬إسلامية فلسطين»‪ :‬ص‪.65 ،64‬‬
‫(((   عارف باشا العارف‪« :‬تاريخ القدس»‪ :‬ص‪.48‬‬
‫(((   عارف باشا العارف‪« :‬تاريخ القدس»‪ :‬ص‪.49‬‬

‫‪43‬‬

‫مكانـه بالقـرب مـن الصخـرة التـي ُعـ ِرج منهـا برسـول الله ‪ ‬إلى السـموات‬
‫العـى في رحلـة الإسراء والمعـراج‪ ،‬و ُبني المسـجد في الحال‪ ،‬وكان من الخشـب(‪.)1‬‬

‫وقـام الخليفـة عمـر بـن الخطـاب بعـدة إصلاحـات حضاريـة في مدينـة‬
‫القـدس‪ ،‬مـن ذلـك‪:‬‬

‫أعطى الفاروق ‪ ‬المدينة اهتمامه الخاص‪ ،‬وأمر بتنظيم الجهاز الإداري‬ ‫ ‪ )1‬‬
‫بها‪ ،‬وكذا الجهاز القضائي‪.‬‬
‫ ‪) 2‬‬
‫أمر باتباع التاريخ الهجري في المدينة‪ ،‬ود َّون الدواوين‪.‬‬ ‫ ‪) 3‬‬
‫قسـم القـدس إلى مناطـق مختلفـة‪ ،‬وجعـل لـكل منطقـة أمـ ًرا يحكمهـا‬
‫ ‪ )4‬‬
‫ويكــون مســؤو ًل عنهــا‪ ،‬ور َّتــب كذلــك البريــد‪.‬‬
‫أقام العيون (الاستخبارات العامة)‪ ،‬وع َّي مفت ًشا يطوف على الموظفين‪،‬‬ ‫ ‪) 5‬‬

‫ويحقق في الشكاوى‪.‬‬
‫أسس ال ِحسبة (البلدية) لمتابعة الموازين والمكاييل‪ ،‬ومراقبتها‪ ،‬ومنع الغش‪،‬‬

‫وتنظيف الشوارع(‪.)2‬‬

‫وبعــد القيــام بهــذه الإصلاحــات في مدينــة القــدس‪ ،‬وقبــل أن يغــادر‬

‫الخليفــة عمــر بــن الخطــاب ‪ ‬مدينــة القــدس‪ ،‬قــام بزيــارة قائــد الجيــش؛‬
‫الصحـابي الجليـل أبي عبيـدة بـن الجـراح ‪ ،‬فلـم يجـد عنـده في مكانـه الـذي‬
‫يبيـت فيـه غـر فرسـه وفراشـه ووسـادة‪ ،‬و ِكـرة واحـدة مـن الخبـز؛ فقـدم‬

‫(((   محسن محمد صالح‪« :‬الطريق إلى القدس»‪ :‬ص‪.76‬‬
‫(((   عارف باشا العارف‪« :‬تاريخ القدس»‪ :‬ص‪.49‬‬

‫‪44‬‬

‫أبـو عبيـدة ِكـرة الخبـز لأمـر المؤمنـن‪ ،‬ووضعهـا بـن يديـه‪ ،‬وأتـاه بملـح‬
‫وكـوب بـه مـاء؛ فلـا نظـر عمـر إلى ذلـك بكـى(‪!)1‬‬

‫وقبـل مغـادرة القـدس جمـع عمر بـن الخطـاب ‪ ‬الجنـود‪ ،‬وأثنـى عليهم‪،‬‬
‫وشـكر الله تعـالى عـى هـذا النـر‪ ،‬وأوصى الجنـود بتقـوى الله‪ ،‬والابتعـاد عـن‬
‫المعـاصي‪ ،‬وأمرهـم بالتوبـة‪ ،‬والإنابـة إلى الله تعـالى‪ ،‬وإلا سـلب الله منهـم تلـك‬
‫النعـم‪ ،‬و َسـ َّلط عليهـم عدوهـم‪ ،‬ثـم عـاد عمـر بـن الخطـاب ‪ ‬بعـد ذلـك‬

‫إلى المدينـة المنـورة(‪.)2‬‬
‫***‬

‫(((   خالد محمد غزي‪« :‬القدس‪ :‬سيرة مدينة‪ ..‬عبقرية مكان»‪ :‬ص‪.62‬‬
‫(((   الحميري‪« :‬الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم والثلاثة الخلفاء»‪:‬‬

‫(‪.)306 /2‬‬

‫المبحث الثالث‬
‫القدس في العصرين الأموي والعباسي‬



‫المبحث الثالث‬
‫القدس في العصرين الأموي والعباسي‬

‫أوًل‪ :‬القدس في العصر الأموي‪:‬‬

‫العــر الأمــوي الــذي امتــد مــا بــن عامــي (‪132-41‬هــ‪-656 /‬‬
‫‪749‬م) مـن العصـور المهمـة في التاريـخ الإسـامي‪ ،‬وقـد عمـل خلفـاء هـذا‬
‫العــر جاهديــن عــى الاهتــام بمدينــة القــدس؛ وذلــك لتأكيــد هويتهــا‬
‫العربيـة والإسـامية مـن خـال الاهتـام بهـا؛ وكان ذلـك بإقامـة العــديد مـن‬
‫المنشــآت تــارة‪ ،‬وتــارة أخــرى بتجديــد مــا تهــدم منهــا أو تعــرض للتصــدع‬
‫بسـبب مـا مـر عـى المدينـة مـن كـوارث طبيعيـة وبعـض الأحـداث التاريخيـة‪.‬‬

‫ونظـ ًرا لمكانـة القـدس في نفـوس المسـلمين‪ ،‬وقربهـا مـن دمشـق عاصمـة‬
‫الأمويـن؛ فقـد احتلـت مكانـة عظيمـة لـدى الأمويـن؛ فـكان بعـض الخلفـاء‬
‫الأمويـن يحرصـون عـى أخـذ البيعـة لهـم في القـدس‪ ،‬ومنهـم معاويـة بـن أبي‬
‫ســفيان ‪60-41( ‬هــ‪679-661/‬م( الــذي اســتهل عهــده بالذهــاب إلى‬
‫بيــت المقــدس (إيليــاء)؛ حيــث أعلــن نفســه‪ ‬خليفة عــى المســلمين وبايعــه‬
‫النــاس فيهــا‪ ،‬فكانــت أول بيعــة لــه في القــدس(‪ ،)1‬ولعــل معاويــة ‪ ‬أراد‬
‫بأخــذ البيعــة لــه هنــاك أن يؤكــد شرعيــة هــذه البيعــة؛ إذ يأخذهــا في مــكان‬

‫طاهـر مبـارك(‪.)2‬‬

‫(((  الطــري‪« :‬تاريــخ الرســل والملــوك»‪ ،)161 /5( :‬وابــن الجــوزي‪« :‬المنتظــم في تاريــخ الملــوك‬
‫والأمــم»‪.)167 /5( :‬‬

‫(((  د‪ .‬علي جمعة‪« :‬القدس في الحضارة الإسلامية»‪ :‬مقال رقم (‪.)6‬‬

‫ملامح من تاريخ القدس ‪48‬‬

‫وممـن بويـع في القـدس مـن الخلفـاء الأمويـن‪ ،‬الوليـد بـن عبـد الملـك‬

‫بـن مـروان (‪96-86‬هــ‪714-705/‬م) الـذي أحـب بيـت المقـدس وشـغف‬

‫بـه‪ ،‬حتـى قيـل إنـه أخـذ البيعـة لـه مـرة أخـرى فـوق سـطح قبـة الصخـرة(‪،)1‬‬

‫وكذلـك شـقيقه سـليمان بـن عبـد الملـك (‪99-96‬هــ‪717-714/‬م) الـذي‬

‫بويـع بالخلافـة في بيـت المقـدس(‪ ،)2‬فـكان يميـل دائـ ًا للجلـوس في المدينـة‪،‬‬
‫وخاصـة فـوق قبـة الصخـرة‪ ،‬وحولـه الـولاة وجمـوع مـن أهلهـا؛ حيـث كانت‬

‫توضـع المفروشـات وعليهـا الكـراسي والوسـائد الفخمـة‪ ،‬فيجلـس الخليفـة‬

‫ويــأذن للنــاس بالجلــوس عــى الكــراسي والوســائد‪ ،‬وإلى جانبــه الأمــوال‬

‫والدواويـن‪ ،‬فيدخـل وفـد الجنـد ويتقـدم صاحبهـم فيتكلـم عنهـم‪ ،‬ويقـول‬

‫إنـا مـن جنـد كـذا‪ ،‬ومـن حاجتنـا كـذا وكـذا‪ ،‬وممـا يصلـح شـأننا كـذا وكـذا‪،‬‬

‫فيأمـر سـليمان بـن عبـد الملـك لهـم بـا يطلبـون(‪ .)3‬وعندمـا تـولى عمـر بـن‬

‫عبـد العزيـز الخلافـة (‪101-99‬هــ‪719-717/‬م) حظيـت مدينـة القـدس‬

‫بالرعايــة والاهتــام‪ ،‬وكان في عهــده بعــض اليهــود يتولــون إضــاءة المســجد‬

‫الأقـى‪ ،‬ولكـن بعـد أن أحـس منهـم الغـدر والخيانـة أمـر بإخراجهـم مـن‬

‫الق ـدس (‪.)4‬‬

‫(((  عارف باشا العارف‪« :‬تاريخ القدس»‪ :‬ص‪.52‬‬
‫(((  مجير الدين الحنبلي‪« :‬الأنس الجليل بتاريخ القدس والخليل»‪.)281 /1( :‬‬
‫(((  مجـر الديـن الحنبـي‪« :‬الأنـس الجليـل بتاريـخ القـدس والخليـل»‪ ،)281 /1( :‬ومحمـد ُكـرد عـي‪:‬‬

‫«خطـط الشـام»‪.)123 /1( :‬‬
‫(((  عـارف باشـا العـارف‪« :‬تاريـخ القـدس»‪ :‬ص‪ .52‬ويـرى البعـض أن مـن الأسـباب التـي دعـت‬
‫عمـر بـن عبـد العزيـز لإخـراج اليهـود مـن القـدس‪ ،‬تنفيـذ العهـد الـذي عقـده عمـر بـن الخطـاب‬
‫‪ ‬مـع أهـل القـدس بعـد فتحهـا بإخـراج اليهـود مـن المدينـة‪ ،‬يراجـع‪ :‬د‪ .‬عـي جمعـة‪« :‬القـدس في‬
‫الحضـارة الإسـامية»‪ :‬مقـال رقـم (‪ ،)6‬وعـن عهـد عمـر بـن الخطـاب مـع أهـل القـدس (العهـدة‬

‫العمريـة)‪ ،‬يراجـع‪ :‬الطـري‪« :‬تاريـخ الرسـل والملـوك»‪.)609 /3( :‬‬

‫‪49‬‬

‫منشآت القدس في عهد الأمويين‪:‬‬

‫كانـت مدينـة القـدس في بدايـة عهـد الدولـة الأمويـة يحيـط بهـا سـور‬
‫عليـه أبـراج يبلـغ عددهـا أربعـة وثمانـن بر ًجـا‪ ،‬تسـتخدم لغـرض المراقبـة‪.‬‬
‫كــا كان للمدينــة ســتة أبــواب يدخــل النــاس ويخرجــون مــن ثلاثــة منهــا‬
‫فقـط‪ ،‬أحدهـا غـرب المدينـة‪ ،‬والثـاني شرقهـا‪ ،‬أمـا الثالـث فيقـع في الشـال‪،‬‬
‫وكان يـأتي إليهـا الزائـرون مـن جميـع البلـدان والأديـان لزيارتهـا والإقامـة بهـا‬

‫دون أن ُي َم ـ َّس أح ـد منه ـم ب ـأذى (‪.)1‬‬
‫وقـد نالـت المنشـآت في القـدس العنايـة والاهتـام مـن جانـب خلفـاء‬

‫بنـي أميـة‪ ،‬ومـن أمثلـة هـذه المنشـآت التـي تـم بناؤهـا أو تجديدهـا‪:‬‬

‫(((  يحيى وزيري‪« :‬التطور العمراني والتراث المعماري لمدينة القدس الشريف»‪ :‬ص‪.49‬‬

‫ملامح من تاريخ القدس ‪50‬‬

‫إعادة بناء المسجد الأقصى‪:‬‬

‫المســجد الأقــى(‪ )1‬هــو ثــاني مســجد ُو ِضــع في الأرض بعــد المســجد‬
‫الحـرام‪ ،‬ودليـل ذلـك مـا روي عـن أبي ذر الغفـاري ‪ ‬قـال‪ :‬قلـت‪ :‬يا رسـول‬
‫الله‪ ،‬أي مسـجد وضـع أول؟ قـال‪ :‬المسـجد الحـرام‪ .‬قلـت‪ :‬ثـم أي؟ قـال‪ :‬ثـم‬

‫المسـجد الأقـى‪ .‬قلـت‪ :‬كـم كان بينهـا؟ قـال‪ :‬أربعـون سـنة‪ ،‬ثـم قـال‪ :‬حيثـا‬
‫أدركتـك الصـاة فصـ ِّل‪ ،‬والأرض لـك مسـجد(‪.)2‬‬

‫ويـرى كثـر مـن العلـاء أن آدم ‪ ‬هـو أول مـن بنـى المسـجد الأقـى‪،‬‬
‫وذلـك بعـد فراغـه مـن بنـاء بيـت الله الحـرام(‪ ،)3‬وقـد اسـتدل العلـاء مـن‬
‫الحديـث السـابق عـى أن َمـن بنـى المسـجدين واحـد؛ وذلـك بسـبب قلـة المـدة‬
‫بـن بنـاء المسـجد الأول والثـاني‪ ،‬وهـي أربعـون سـنة فقـط‪ ،‬وهـذه مـدة قليلـة‬

‫في عمـر الزمـن (‪.)4‬‬

‫وقـد اندثـر المسـجدان سـواء بالطوفـان أو بعوامـل مناخيـة أخـرى‪ ،‬إلى أن‬

‫أراد الله تعـالى إحياءهمـا‪ ،‬فـدل إبراهيـم ‪ ‬عـى مـكان المسـجد الحـرام‪ ،‬قـال‬
‫َّ‬ ‫َ‬ ‫ٱ ۡلَ ۡيـ ِت‬ ‫بَ َّو ۡأنَـا‬
‫بَ ۡيـ ِ َي‬ ‫ـ ۡر‬ ‫َو َط ِّه‬ ‫َش ۡي ٗـٔـا‬ ‫ِب‬ ‫ت ُـ ۡ ِر ۡك‬ ‫ل‬ ‫أن‬ ‫َمـ َا َن‬ ‫ِ ِلبۡ َرٰهِيـ َم‬ ‫ﭽِإَو ۡذ‬ ‫تعـالى‪:‬‬

‫لِل َّطآئِ ِفـ َن َوٱ ۡل َقآئِ ِمـ َن َوٱل ُّر َّكـ ِع ٱل ُّسـ ُجودﭼ [سـورة الحـج‪ ،]26 :‬فأقـام قواعـده‬

‫(((  وقــع اختــاف بــن العلــاء في ســبب تســميته بالمســجد الأقــى عــى أقــوال منهــا‪ُ :‬بعــده عــن‬
‫المسـجد الحـرام‪ ،‬وقيـل لأنـه أبعـد عـن الذنـوب‪ ،‬وقيـل لأنـه أبعـد المسـاجد التـي كانـت تـزار‪،‬‬
‫يراجـع‪ :‬الطـري‪« :‬جامـع البيـان في تأويـل القـرآن»‪ ،)333 /17( :‬والبغـوي‪« :‬معـالم التنزيـل في‬

‫تفســر القــرآن الكريــم»‪.)58 /5( :‬‬
‫(((  أخرجه البخاري في صحيحه‪ ،)162 /4( :‬حديث رقم (‪.)3425‬‬
‫(((  ابن هشام‪« :‬التيجان في ملوك حمير»‪ :‬ص‪ ،22‬وابن حجر‪« :‬فتح الباري»‪.)409 /6( :‬‬

‫(((  عبد الله معروف‪« :‬المدخل إلى دراسة المسجد الأقصى»‪ :‬ص‪.39‬‬


Click to View FlipBook Version