The words you are searching are inside this book. To get more targeted content, please make full-text search by clicking here.

يوميات مسافر على طريق أحمر-نزار السامرائي-براق

Discover the best professional documents and content resources in AnyFlip Document Base.
Search
Published by nasserhariri6, 2021-02-18 13:26:56

يوميات مسافر على طريق أحمر-نزار السامرائي-براق

يوميات مسافر على طريق أحمر-نزار السامرائي-براق

‫نزار السامرائي‬ ‫يَو ِم َّيا ُت ُمسَا ِف ٍرعَلَى َطريِ ٍقأَحْمَر‬

‫‪1‬‬

‫نزار السامرائي‬ ‫يَو ِم َّياتُمُسَا ِفرٍعَلَىطَريِ ٍقأَحْمَر‬

‫إهـــــــــداء‬

‫‪ ‬إلى روح زيدون ابن أخي‪ ،‬الذي غادرنا قبل أوان موسم الرحيل‪ ،‬والى روحه النقية‬
‫التي ما ت ازل ترفرف فوق رؤوسنا وتعيش معنا رغم بعد المسافات‪.‬‬

‫‪ ‬إلى أخي مأمون وأم زيدون اللذين تحملا الفجيعة بقلبين مؤمنين بأن ما حصل كان‬
‫سيحصل مهما اتخذا من احت ار ازت‪.‬‬

‫‪ ‬إلى شقيقاته وأشقائه الذين هالهم المصاب ولم يستعيدوا استق اررهم النفسي إلا بعد‬
‫أن َجرف الحزن عليه كثي ارً من ُجرف صبرهم‪.‬‬

‫‪ ‬إلى أعمامه‪ ،‬وأنا منهم وعماته اللائي تعاملن مع الحدث كواحد من المصائب الكبرى‪.‬‬

‫‪ ‬إلى أصدقاء زيدون ومحبيه‪ ،‬والى كل شهداء الع ارق الذين سقطوا بني ارن الاحتلالات‬
‫الغاشمة التي تعرض لها الع ارق وما ازل‪ ،‬أًهدي هذا المؤلف‪ ،‬آملًا أن يبقى شهادة‬
‫تستحث في كل واحد منهم حقداً مقدساً على كل من كان سبباً في احتلال الع ارق‬
‫وتدميره‪ ،‬وتوقظ في كل مظلوم لتبقى جذوة الثأر متقدة في القلوب حتى ُيسترد الحق‬
‫ويعود إلى أهله‪ ،‬وننتقم من قتلة زيدون بتلك الطريقة البشعة التي ستبقى وصمة‬

‫عار في جبين "زعيمة العالم الحر" أمريكا‪.‬‬

‫‪2‬‬

‫نزار السامرائي‬ ‫يَو ِميَّاتُمُسَا ِفرٍعَلَى َطر ِيقٍأَحْمَر‬

‫يوميات مسافر على طريق أحمر‬

‫قبل البداية‬

‫في ‪ 9‬نيسان‪ /‬أبريل ‪ 2003‬استكملت قوات الغزو الأمريكي البريطاني مع قوات من دول أخرى‬
‫مثل إسبانيا وايطاليا وأست ارليا وكوريا الجنوبية وبولندا وغيرها‪ ،‬استكملت احتلال مدينة بغداد عاصمة‬
‫الدولة الع ارقية ورمزها السياسي‪ ،‬وباشرت الولايات المتحدة بشكل خاص ومن دون خبرة حقيقية‬
‫بطبيعة الشعب الع ارقي مع كثير من العنجهية والتصو ارت الخاطئة عن إمكانيتها لفرض نموذجها‬
‫الخاص على البلدان التي تحتلها ورفض المقترحات الأخرى التي قُدمت لها من دول شاركتها الغزو‬
‫كبريطانيا التي تعتبر نفسها صاحبة الخبرة الأكثر عمقًا وأكثر معرفة بالع ارق لترتيب أوضاعه‪ ،‬لكن‬
‫الولايات المتحدة أغمضت عينيها وسدت أذنيها عن كل مشورة ومضت في تجاربها الخاصة‪ ،‬وفق‬
‫المخطط الذي تظن أنه يخدم است ارتيجيتها الإقليمية والدولية‪ ،‬فأطلقت القوات الأمريكية يد اللصوص‬
‫والغوغاء والدهماء وقطاع الطرق المحليين والإقليميين والدوليين لتدمير ما بقي من مؤسسات بناها‬
‫الع ارقيون بجهدهم وعرقهم وتضحياتهم عبر مسيرة امتدت لعش ارت السنين‪ ،‬وفي الوقت ذاته أعطت‬
‫لجنودها الحصانة لممارسة القتل من دون قتال‪ ،‬ووضعت لنفسها قواعد اشتباك أجازت فيها استهداف‬
‫الشيوخ والأطفال والنساء‪ ،‬فقتلت على الظنة والشبهة‪ ،‬وقتلت في عمليات انتقام ميدانية‪ ،‬انتقمت من‬
‫العزل نتيجة عجزها عن مواجهة المقاومة الباسلة التي كانت قد انطلقت ُبعيد أقل من أربع وعشرين‬

‫ساعة على احتلال مدينة بغداد‪.‬‬
‫الع ارقيون لم يقاتلوا أمريكا وحدها بل قاتلوها ومعها جيوش أكثر من عشرين بلدًا‪ ،‬وحتى لو‬
‫أنهم واجهوها منفردة فسيسجل لهم التاريخ فخ ًار أنهم قاتلوا أعتى قوة عسكرية عرفها تاريخ البشرية‬
‫منذ أن عرفت الدول منظومات الجيوش والقوة المسلحة والخطط الحربية‪ ،‬ومنذ أن دارت على الأرض‬
‫أولى حروبها‪ ،‬قاتلوا الولايات المتحدة التي كانت تمثل مركز الاستقطاب الوحيد في العالم ولم يتسولوا‬
‫من أحد العون على الرغم من أن تقديم العون لشعب يقاتل من أجل تحرير بلده يعد أم ًار مشروعاً‬
‫بل واجبًا على الشعوب الحرة كلها‪ ،‬وعلى الرغم من أن الع ارقيين لم يبخلوا به يوماً على أحد حينما‬
‫كانوا يناصرون بلا مّنة كل المنافحين عن حقوقهم وحرية بلدانهم في كل بقعة في الأرض تعرضت‬

‫‪3‬‬

‫نزار السامرائي‬ ‫يَومِ َّيا ُت ُمسَا ِفرٍعَلَىطَر ِيقٍأَحْمَر‬

‫للاحتلال والقهر والظلم والحيف‪ ،‬وألحق الع ارقيون بالمعتدين أكبر الخسائر في الأرواح والمعدات في‬
‫وقت قياسي من زمن المنازلة‪.‬‬

‫نعم الع ارقيون لم يواجهوا "إس ارئيل" ولم يواجهوا فرنسا‪ ،‬بل واجهوا العالم كله وهم مطوقون‬
‫وممنوعون من الحصول على الدعم من أي طرف خارجي سواء كان عربياً أم غير عربي‪ ،‬ومع ذلك‬
‫هزموا المشروع الكوني الأمريكي‪ ،‬وربما كانوا قد قاتلوا نيابة عن الإنسانية جمعاء‪ ،‬ولو أن غزو‬
‫الع ارق كان قد مّر من دون ثمن باهظ دفعته أمريكا لكانت القوات الأمريكية تستقر الآن في الكثير‬
‫من عواصم المنطقة ولكان العلم الأمريكي يرتفع فوق أبنية في كثير من عواصم العالم هي ليست‬
‫سفا ارت أمريكية على أية حال‪ ،‬ولكانت واشنطن تستنسخ فيها تجربة الإدارة السياسية التي أقامتها‬
‫في الع ارق على يد بول بريمر‪ ،‬وربما كان بول بريمر بما يملكه من حظوة عند الرئيس الأمريكي‬
‫السابق جورج بوش الابن‪ ،‬قد أصبح حاكمًا عامًا للع ارق واي ارن ومنطقة الخليج العربي وبلاد الشام‪،‬‬
‫ولكن الع ارقيين الذين تصدوا للمشروع الأمريكي بعزم ورجولة وشجاعة نادرة أوقفوا خطط الولايات‬
‫عند بوابات الع ارق ولعق الأمريكيون ج ارحهم النازفة‪ ،‬واعترفوا بحوالي خمسة آلاف قتيل فقط‪ ،‬وهو‬
‫رقم يفوق خسائر "إس ارئيل" في كل حروبها على البلدان العربية‪ ،‬على الرغم من أن الأرقام الحقيقية‬
‫للخسائر الأمريكية تق أر أكثر من ثلاثين ألف قتيل وأكثر من ‪ 226‬ألف جريح‪ ،‬منهم آلاف المعاقين‬
‫ومن الذين يعانون من لوثة عقلية‪ ،‬أو هم بحاجة إلى رعاية دائمة‪ ،‬هؤلاء لم يأتوا بنزهة للع ارق وانما‬
‫ُصِّور الأمر لهم على ذلك الأساس‪ ،‬بل قيل لهم بأن من طبع الع ارقيين أن ينحروا الذبائح لضيوفهم‪،‬‬
‫وأن الزهور والحلوى ستنثر فوق رؤوس جنود الغزو وتحت سرف الدبابات الأمريكية المتقدمة نحو‬
‫بغداد‪ ،‬واذا بالذبائح تنحر ولكنها كانت من الجنود الأمريكان أنفسهم‪ ،‬واذا بالدبابات تتطاير أشلاؤها‬
‫نتيجة القذائف التي تطلقها زنود الرجال الثابتة أيديهم على سلاحهم‪ ،‬واذا بغيوم فيتنام تت اركم فوق‬
‫واشنطن‪ ،‬واذا بالمقاومة الع ارقية تنجح في نقل المعركة من شوارع المدن الع ارقية إلى شوارع المدن‬
‫الأمريكية مع كل نعش لقتيل أمريكي ملفوف بالعلم الأمريكي‪ ،‬ليترك له أصداء غاضبة على النزعة‬
‫العدوانية الأمريكية‪ ،‬كان الع ارقيون يتحدثون عن خسائرهم بم اررة وهم شهداء عند ربهم ولكنهم يلحقون‬

‫ذلك بذكر أرقام الخسائر الأمريكية كناية عن النصر وتخفيفاً من غضبهم‪.‬‬
‫أمريكا هذه ارتكبت ج ارئم تفنن في ابتداعها الضباط والجنود المرعوبون‪ ،‬ولكن هذه القصة التي‬
‫بين يديك أيها القارئ الكريم جريمة من نوع خاص‪ ،‬وهي تعكس الطبيعة السادية الهمجية لكل من‬

‫‪4‬‬

‫نزار السامرائي‬ ‫يَو ِم َّيا ُتمُسَا ِفرٍعَلَى َطريِ ٍقأَحْمَر‬

‫ارتدى البزة العسكرية الأمريكية والتي تزعم قيادة الجيش الأمريكي أنها رمز للفروسية‪ ،‬فأين هي‬
‫الفروسية في إلقاء شباب أعزل في بوابة سد على نهر دجلة رمز الحياة الع ارقية المتجددة؟ فأ ارد‬

‫الأمريكيون تحويله إلى قبر ترقد فيه كل النوايا الخيرة‪.‬‬

‫‪5‬‬

‫نزار السامرائي‬ ‫يَو ِم ّيَاتُمُسَا ِفرٍعَلَىطَر ِي ٍقأَحْمَر‬

‫الخطوة الأولى‬
‫في الطريق بين بغداد وسامراء‬

‫العابر عند مفترق أي طريق في بغداد يخوض مغامرة لا يمكن التكهن بنتائجها‪ ،‬حيث تنتشر‬
‫القوات الأمريكية بدورياتها المتحركة والثابتة‪ ،‬وحيث يكون كل شيء يتحرك هدفًا مشروعًا للقتل من‬
‫دون إنذار على وفق قواعد الاشتباك الأمريكية التي وضعها الجيش الأمريكي لنفسه وجعل منها كرة‬
‫مطاطية يمكن تكييفها على وفق الحالة التي تخدم الجندي الأمريكي المأزوم حينما يكون على حق‬
‫في أحوال نادرة جدًا‪ ،‬أو من دون حق‪ ،‬أو يكون على باطل في كل الأوقات‪ ،‬نعم المرور عند‬
‫المنعطفات قد يثير في النفس مشاعر إنسانية متباينة‪ ،‬فهو من جهة يصك الأبواب أمام العقل‬
‫للتحرك أو التفكير السليم ويغلق العين عن رؤية ما يمر أمامها ويسد الأذن عن سماع ما هو قريب‬
‫منها‪ ،‬بل يغلق أي إد ارك عقلي ويطلق بالمقابل العاطفة الحبيسة من مكامنها‪ ،‬أمام الموت‪ ،‬الحقيقة‬
‫المطلقة الوحيدة في الكون‪ ،‬والتي على الرغم من أنها لا مناص من الوصول إليها‪ ،‬إلا أن الخوف‬
‫منها يرتقي إلى مديات يستحيل التحكم بها مهما بلغت شجاعة الرجال‪ ،‬وهو من جهة أخرى طريق‬

‫‪6‬‬

‫نزار السامرائي‬ ‫يَومِيَّا ُتمُسَا ِف ٍرعَلَى َطر ِي ٍقأَحْمَر‬

‫لا بد من سلوكه للوصول إلى الغاية التي يقصدها من يسلكه ولا خيار له إلا المجازفة أو البقاء في‬
‫المنزل‪.‬‬

‫فانتظار الموت وترقب وصوله‪ ،‬يطغى على الخوف من الموت نفسه‪ ،‬لأن توقع حصوله يشل‬
‫المشاعر ويعطل المدارك والتفكير السليم‪ ،‬وحين ينشر ملك الموت جناحيه فوق أرض يحاول كل‬
‫من هناك أن يغلق بابه دونه‪ ،‬أو أن يفلت منه بجلده وينقذ نفسه بأية وسيلة‪ ،‬قليلون هم الذين يفكرون‬
‫بغيرهم في تلك اللحظات‪ ،‬وقد يجّند البعض قد ارتهم من أجل تقديم العون للآخرين‪ ،‬ولكن اقت ارب‬
‫لحظة الوداع هي الامتحان الصعب الذي لا يجتازه إلا القلة النادرة برباطة جأش‪ ،‬وقد تصدر عن‬
‫المرء حركات تنم عن الرغبة في المشاركة في المصير المشترك‪ ،‬ولكن إذا وقع الاختبار النهائي فقد‬
‫يكون من ال ُم َسَلّم به بالنسبة للكثيرين أن يفكر الإنسان بنفسه أولاً مهما كانت درجة الصلة مع الغير‬
‫في مشهد الرعب الأخير‪ ،‬في شوارع بغداد ومفترقات طرقها‪ ،‬وكذلك الحال بالنسبة للمدن الع ارقية‬
‫التي رّوعها الاحتلال الأمريكي‪ ،‬كان على الع ارقي أن يحسب خطوته بدقة حينما ينقل قدمه في‬

‫شوارعها‪ ،‬لأن الخطأ الأول سيكون هو الأخير‪.‬‬
‫كان زيدون صامتاً وسارحًا ينظر إلى البعيد من الطريق ال اربط بين بغداد وسام ارء ويفكر بقادم‬
‫الأيام التي سيضمه مع خطيبته في بيت واحد حيث يعود لعالم الطفولة البريئة‪ ،‬ولكن مع أولاده الذي‬
‫كان مصممًا على أن يجعل منهم فصيلاً كاملًا‪ ،‬كانت هذه الأفكار تداعب مخيلته وتستنهض فيه‬
‫كل عوامل التحدي والتطلع لحياة جديدة بكل مفرداتها وتفاصيلها‪ ،‬على الرغم من أنه ما ازل في‬
‫مقتبل العمر‪ ،‬إلا أنه نجح في وضع أبيه وأمه أمام الأمر الواقع بقبول فكرة الزواج المبكر‪ ،‬أما ابن‬
‫عمه مروان فكان وهو جالس و ارء مقود الشاحنة الصغيرة‪ ،‬ي ارقب الطريق نفسه بحذر شديد واشفاق‬
‫من أن يبرز أمامه رتل أمريكي فيملأ الأرض رعبًا وهلعًا ويحتل الطريق عن آخره ويصادر حق أهله‬
‫من مجرد المسير فوقه‪ ،‬ويفسر كل توقف على أنه دليل على عملية (إرهابية) فيفتح النار عشوائياً‬
‫ولا يكترث لمن يقتل‪ ،‬فذلك هو ما يرمي إليه‪ ،‬كان مروان يحمل من القلق الشيء الكثير لأن‬
‫الأمريكان يقتلون ثم يبحثون عن مبرر معلن لسلوكهم‪ ،‬مدعومون بإدارة احترفت الجريمة ومنحتهم‬
‫كل ثقتها ودعمها‪ ،‬ولذا كان ي ارقب الطريق وعلى جوانبه كل حالة قد تط أر فجأة فتغير وجهة الرحلة‪،‬‬
‫كانت الشاحنة جديدة ولم يتوقع أحد منهما أن تصاب بعطل مفاجئ يلزمهما التوقف أكثر من مرة‬
‫لمعالجته‪ ،‬ومع ذلك فقد رفضت المضي في طريق العودة‪ ،‬إذ تعرضت لعطل بعد مسافة غير بعيدة‬

‫‪7‬‬

‫نزار السامرائي‬ ‫يَو ِميَّا ُت ُمسَافِرٍعَلَىطَر ِي ٍقأَ ْحمَر‬

‫عن بوابة بغداد‪ ،‬حتى اضط ار في نهاية المطاف الاستعانة بميكانيكي لإصلاح الخلل وأخذ هذا‬
‫التأخر من وقتهما أكثر من ضعف الوقت اللازم للوصول إلى سام ارء قبل بدء سريان حظر التجوال‪،‬‬
‫وبعد طول سفر وصلا بشاحنتهما التي أتعبتها الرحلة وأتعبتهما أكثر منها‪ ،‬إلى مشارف سام ارء في‬
‫وقت يقل بنصف ساعة من الوقت الذي أعطت القوات الأمريكية لنفسها الحق في فتح النار على‬
‫كل كائن متحرك على الطريق بسبب حظر التجول الذي سيستخدم مسا اًر لإطلاقة جاهزة في بندقية‬
‫جندي أرهقه رعب الانتظار لمجهول يفوق الموت في إثارة كوامن النفس‪ ،‬ويرى في كل متحرك عدواً‬
‫مؤكدًا وهدفاً مشروعًا للقتل‪ ،‬لأن من لا يقتل أولًا سيكون هو الضحية‪ ،‬هكذا أدخلت القيادة العسكرية‬
‫الأمريكية هذه القناعة في عقول جنود قادمين من أزقة خلفية لم تعلمهم سنوات التدريب إلا كيفية‬

‫حماية النفس ولكن بالقتل‪.‬‬
‫أقام (الحرس الوطني) الذي شكلّته القوات الأمريكية من بعض ضعاف النفوس الذين لم يثبتوا‬
‫أمام إغ ارء العملة الخض ارء‪ ،‬أقاموا نقطتي تفتيش على جانبي سد سام ارء لم ارقبة الطريق الوحيدة‬
‫التي يربط سام ارء مع طريق بغداد الدولي مع الموصل‪ ،‬كان الجنود المتعبون والذين تحولت حجرتهم‬
‫في بداية العام الميلادي‪ ،‬إلى مدخنة مغلقة بسبب موقد النار الذي حاولوا فيه امتصاص غضب‬
‫الطبيعة بدرجات تدنت إلى مستوى الصفر المئوي‪ ،‬يتمنون ألا يضطروا لمبارحتها على الرغم من‬
‫الدخان الكثيف الذي غطى جد ارنها الداكنة‪ ،‬ومع ذلك فإنهم كانوا ي ارقبون المشهد عن بعد‪ ،‬ليس‬
‫حرصاً على تنفيذ واجب ينظر إليه أبناء مدينتهم على أنه عاٌر لن تمحوه السنون وقفاز ع ارقي لحماية‬
‫أيدي لاعبين غرباء يحتلون البلد يريد قتل أبنائه برصاص أبناء آخرين‪ ،‬وانما خشية من دورية‬
‫أمريكية لا تمنحهم الثقة ولا تنفك تجوب المنطقة جيئة وذهابًا‪ ،‬فتمزق جد ارن الصمت الشتوي القارس‬
‫بحركة سرفات دباباتها وعجلاتها المجنزرة وتحيل الطريق إلى أرض محروثة بالأخاديد وكأنهم يسعون‬
‫إلى تقويض أسس سد الثرثار على دجلة في سام ارء‪ ،‬ولهذا كان أف ارد الح ارسة في المناوبة الليلية‬
‫يتناوبون على م ارقبة قدوم الدوريات الأمريكية‪ ،‬أكثر من الحرص على م ارقبة العابرين من سام ارء‬
‫واليها‪ ،‬خاصة وأن بدء سريان منع التجول‪ ،‬لم يتبق لموعده إلا أقل من ساعة واحدة‪ ،‬وبعدها تنتهي‬
‫مرحلة القلق وهاجس الخوف من غضب الشارع الع ارقي واحتقار القوات الأمريكية لكل المتعاونين‪.‬‬
‫عندما كانت الشاحنة الصغيرة تقترب من نقطة الح ارسة‪ ،‬بدأ مروان باستخدام الإنارة والإشا ارت‬
‫الرباعية‪ ،‬من أجل تنبيه جنود السيطرة الثابتة لسيارة كانت تسير ببطء شديد‪ ،‬فتلك أوامر قوات‬

‫‪8‬‬

‫نزار السامرائي‬ ‫يَومِ َّياتُ ُمسَا ِفرٍعَلَى َطريِ ٍقأَ ْحمَر‬

‫الاحتلال وتطبقها قوات الحرس الوطني بحذافيرها ومن يخالفها يعرض نفسه لإطلاق نار مؤكد‪،‬‬
‫خرج الجنود من حجرتهم المؤصدة فلفحتهم نسمة باردة مرت قبل قليل فوق بحيرة مقدم سد الثرثار‬
‫فحملت قليلاً من الرطوبة التي لطّفت قليلًا من برودتها فتيبست لها وجوههم الداكنة‪ ،‬تصنع الجنود‬

‫الحزم في محاولة اخفاء التثاقل الكسول في هذه الليلة الباردة‪ ،‬هو ما أظهره الجنود مع القادمين‪.‬‬
‫ماذا جاء بكما في هذا الوقت؟ ساد الصمت بضع ثوان مع نظ ارت حائرة بين مروان وزيدون‪،‬‬

‫‪ ....‬تعطلت السيارة في الطريق فأخرتنا‪ ،‬قال مروان وكان يريد الانتقال إلى السؤال التالي‪.‬‬
‫بعد برهة عرف بعض جنود نقطة التفتيش القادمين في هذه الشاحنة الصغيرة فرحبا بهما وحاولا‬
‫أن يقدما لهما شيئاً ساخناً يدفع عنهما البرد والقلق‪ ،‬لكن الأمريكيين إذا عرفوا بذلك فقد يخسر أف ارد‬
‫الحرس الوطني وظائفهم ومصدر رزقهم‪ ،‬كان المشرف على نقطة السيطرة ضابطًا من غير أهل‬
‫المدينة‪ ،‬لضمان عدم حصول تواطؤ بين أف ارد نقطة السيطرة وأهل المدينة قد يسبب خرقًا لأمن‬
‫الجنود الأمريكان‪ ،‬فأمرهم ببدء التفتيش الدقيق لحمولة الشاحنة‪ ،‬وكذلك محركها وقمرة القيادة‪ ،‬وبعد‬
‫ذلك تفتيش سائقها ومن ي ارفقه‪ ،‬كان الوقت يمضي بطيئاً جداً ويشد معه الأعصاب‪ ،‬وبعد أن انتهت‬
‫حفلة التفتيش‪ ،‬همس جندي من العاملين في السيطرة وهو من أهل سام ارء بأذن مروان ‪ ...‬لا تعبر‬
‫السد فلم يعد هناك متسع من الوقت وهؤلاء الكلاب يترصدون العابرين بحثًا لهم عن ضحية ولن‬
‫يفلت منهم أحد‪ ،‬لقد تكبدوا اليوم خسارة كبيرة في جنودهم عندما انفجرت عبوة ناسفة بدورية آلية لهم‬
‫عند مفترق طريق المرور السريع المؤدي إلى بغداد جنوبًا والموصل شمالاً ودمرت لهم عربة همر‬
‫وقتلت من فيها‪ ،‬إنهم اليوم كذئب جريح يحاول التنفيس عن احتقان يغلي في الصدور ويبحث عن‬
‫ضحية يتلهى بها‪ ،‬سيفكرون بالانتقام لمجرد أنهم وجدوا فرصة لذلك كي يتظاهروا بالوفاء لمن قُتل‬
‫منهم‪ ،‬حتى لو كان الضحية لا صلة له بمن قُتل من جنودهم‪ ،‬المهم أنهم يبحثون عن ذريعة لممارسة‬
‫لعبتهم المفضلة أو هوايتهم المقدسة‪ ،‬السباحة في دماء الأبرياء‪ ،‬لقد اعتادوا منظر الدم ولا يطيقون‬

‫عدم رؤيته لزمن طويل‪.‬‬
‫تشاور مروان وزيدون في هذه النصيحة الثمينة والمجانية‪ ،‬وتداعت التحليلات مت ازحمة‬
‫ومتناقضة‪ ،‬وتوجها بالسؤال إلى الجندي الحائر‪ :‬ماذا لو جاء الأمريكيون ووجدونا في هذه المنطقة‬
‫العسكرية المحظورة علينا‪ ،‬وماذا لو وجدونا على قارعة الطريق؟ أنتم وحظكم! قال جندي من سيطرة‬
‫الحرس الوطني لم تمر علينا حالة كهذه ولا ندري ماذا ننصحكم‪ ،‬واذن فالخطر واحد وبدرجة متساوية‪،‬‬

‫‪9‬‬

‫نزار السامرائي‬ ‫يَو ِميَّاتُ ُمسَافِ ٍرعَلَىطَر ِيقٍأَ ْحمَر‬

‫إذن لماذا المكوث هنا‪ ،‬ولدينا بعض الوقت كي نصل إلى المنزل فنحن لا نحتاج أكثر من عشر‬
‫دقائق على أكثر تقدير حتى بفرض المسير البطيء‪ ،‬ركبوا السيارة ولوح لهم بعض الجنود بأيديهم‬
‫بإشفاق وألم‪ ،‬حتى توارت الشاحنة في ظلام الليل البارد‪ ،‬في طريق السد الملتوي وال اربط بين سد‬

‫الثرثار ومدينة سام ارء في جوف الليل المظلم‪.‬‬
‫كانت الضرورة تقتضي السياقة الحذرة مع انتشار السيط ارت الأمريكية المتحركة على طول‬
‫السدة الت اربية القوسية الموصلة مما يلي منطقة القلعة على يمين الطريق العام ويربط بين بوابات‬

‫ناظم سد سام ارء الذي كان يستخدم جس ًار بين شمال سام ارء وجنوبها‪.‬‬
‫الأمريكيون يقيمون سيط ارت "طيارة" لفت ارت قصيرة لتنتقل إلى مكان آخر‪ ،‬ولهذا فقد كان حتمياً‬
‫التعامل مع هذا الظرف بمنتهى الحيطة والحذر‪ ،‬فلا مجال هنا للاعتذار عن خطأ ولا وقت لتصحيحه‬
‫إن وقع‪ ،‬فبندقية الجندي الأمريكي تتصيد المخطئ للتخلص منه حينما يكون القتل م اردفاً لمعنى‬
‫حماية النفس والمهمة العسكرية المكلف بها‪ ،‬ليس هناك وقت للبحث عن الخطأ من أجل تصحيحه‪.‬‬
‫حينما عب ار السدة الت اربية ودخلت الشاحنة على الطريق العام في مدينة سام ارء من جهة دار‬
‫الاست ارحة وأصبحوا على اليابسة‪ ،‬شعر مروان وزيدون بارتياح شديد لأنها العقبة الكبرى في الطريق‬
‫بكامله‪ ،‬إذن دخلا مدينتهما التي كانت في هذا الوقت تغط في سبات عميق إلا القلة من شبانها‬
‫الذين حملوا فوق أكتافهم قاذفات ‪ RPG7‬والقنابل اليدوية وحملوا أرواحهم على أكفهم في مواجهة‬
‫الاحتلال الغاشم بالإيمان وبالأسلحة الخفيفة‪ ،‬قبل الاحتلال كانت سام ارء تفيض حيوية ونشاطات‬
‫تجارية لتسويق محاصيلها الز ارعية على مدار العام‪ ،‬ولا يغلق آخر مقهى في المدينة أبوابه إلا قبل‬
‫الفجر بقليل استعدادًا للصلاة‪ ،‬هذه المدينة التي ظلت حاضرة الإمب ارطورية العربية الإسلامية لعدة‬
‫عقود من أيام ازدهارها‪ ،‬وأصبحت مئذنتها الملوية مقصدًا للسياح للتمتع برؤية أجمل مئذنة في‬
‫العالم‪ ،‬تحولت إلى أرض محتلة يعبث بها الغ ازة ويروعون أهلها بحجج وذ ارئع متهافتة‪ ،‬عادة ما‬

‫يختلقها القتلة المحترفون لتبرير ج ارئمهم‪.‬‬
‫ظلت سام ارء مدينة محافظة على وشائج نادرة من الألفة والمحبة والتعاضد والتضامن بين‬
‫أهلها ونموذجاً لإك ارم الضيف‪ ،‬ها هي اليوم وتحت الاحتلال وبسبب الحزن على من فقدتهم من‬
‫أبنائها وخيرة شبابها‪ ،‬وبسبب من عسف وعنت تعرضت لهما على أيدي جنود القوات الأمريكية‬
‫الباغية‪ ،‬باتت اليوم طرقاً مهجورة وبيوتاً تترقب في كل ساعة صدمة جديدة من دهم أو وصول‬

‫‪10‬‬

‫نزار السامرائي‬ ‫يَو ِميَّا ُتمُسَا ِفرٍعَلَى َطريِقٍأَ ْحمَر‬

‫جثمان عزيز قضى وهو في بداية الطريق‪ ،‬ولكن الع ازء في كل ذلك أن عدد جنود الاحتلال الذين‬
‫قتلوا فيها يصل عدة أضعاف لأبنائها الذين استشهدوا دفاعًا عن الع ارق‪ ،‬الوطن والأرض والعرض‬
‫والشرف والحضارة‪ ،‬ولذا كان حقد الجنود الأمريكان عليها بحجم ما فقدوه في طرقاتها من أرواح‬

‫ومعدات وك ارمة‪.‬‬
‫لم يبق إلا ثلاث دقائق ونكون في المنزل‪ ،‬قال مروان لزيدون‪ ،‬اليوم اقض ليلتك عندنا واتصل‬
‫بعمي وأخبره بأنك ستبيت عندنا‪ ،‬تمتم زيدون بكلمات مبهمة لم تصل إلى أذني مروان بسبب صوت‬
‫محرك السيارة وانشغال البال بالظرف ال ارهن والمثير لكل أسباب القلق‪ ،‬ولكن وعلى مقربة من معمل‬
‫الأدوية الذي احتفظ بكل مكوناته على الرغم من كل عمليات السلب والنهب التي تعرضت لها‬
‫الممتلكات العامة في كل أنحاء الع ارق بعد الاحتلال‪ ،‬وبتحريض من المحتلين ومن مترجمين وأدلاّء‬
‫كويتيين في توجه انتقامي من الع ارق لم يكن متاحاً لهم التعبير عنه فجاء الاحتلال ليمنحهم هذه‬
‫الفرصة‪ ،‬استمر معمل الأدوية في سام ارء بالعمل ولم تمتد إليه يد آثمة ليواصل عطاءه في مواجهة‬

‫كل أسباب الموت‪.‬‬
‫وفجأة ومن دون مقدمات قفز من المجهول عدة أشباح وانتصبت أمام مروان وزيدون‪ ،‬ترّجل‬
‫عدد من الجنود الأمريكيين من آلياتهم الثلاث والتي كانت من نوع ب اردلي ويحملون أسلحتهم‬
‫الأوتوماتيكية والمشّرعة باتجاه الآخر أياً كان عمره أو جنسه‪ ،‬من أين خرج هؤلاء؟ هل انشقت‬
‫الأرض عنهم على حين غرة‪ ،‬استوقفوا شاحنة مروان وزيدون وأنزلوهما منها‪ ،‬بدأت الرحلة الثانية من‬
‫العذاب والتفتيش وت ارفقت مع سيل من الأسئلة الغامضة والتي تشي بكثير من نوايا السوء التي‬
‫يستبطنها جنود الولايات المتحدة حيثما حطت م اركبهم‪ ،‬إذ لا مترجم عندهم ولا أحد منهم من يجيد‬
‫العربية ولو بصورة مكسرة من هؤلاء الجنود‪ ،‬ولا مروان وزيدون يجيدان الإنكليزية ولو بحدودها الدنيا‪،‬‬
‫هذه سلطة من يظن نفسه قويًا أو أن القوة ستبقى بيده إلى الأبد‪ ،‬ولهذا كان سلوك الجنود مزيجًا من‬
‫الخوف من المجهول والوحشية والقسوة وتعمد إذلال الع ارقيين واهانتهم‪ ،‬بعد أن انتهت عملية تفتيش‬
‫دقيقة جدًا للشاحنة من الداخل والخارج والمحرك‪ ،‬أبلغ الجنود مروان وزيدون بالذهاب في حال‬
‫سبيلهما‪ ،‬حمدًا لله انطلقت العبارة من تلقاء نفسها ومنهما معًا وفي وقت واحد‪ ،‬فمن يمر عند نقطة‬
‫كهذه فهو مدان إلى أن تثبت ب ارءته‪ ،‬ولم يكملا عبارتيهما إلا وكانت المدرعة تلحق بهما وتوقفهما‬
‫مرة أخرى‪ ،‬نزل منها عدد من الجنود‪ ،‬ثلاثة ‪ ....‬ثلاثمائة‪ ،‬قد يمر بخاطر من في مثل هذه الحال‬

‫‪11‬‬

‫نزار السامرائي‬ ‫يَو ِم َّيا ُت ُمسَافِرٍعَلَىطَر ِي ٍقأَ ْحمَر‬

‫أن الأمور هي هكذا‪ ،‬كان الجنود يشهرون بنادقهم نحو مروان وزيدون الأعزلين‪ ،‬بنادق آلية سريعة‬
‫الطلقات‪ ،‬ويعتمرون عدة القتال الكاملة‪ ،‬خوذهم الفولاذية تترنح فوق رؤوسهم‪ ،‬والست ارت الواقية من‬
‫الرصاص ملتصقة على صدورهم‪ ،‬وفوق المدرعة بقي جندي يوجه رشاشته المتوسطة نحو كل شيء‬
‫يتحرك‪ ،‬الحذر حينما يصبح فوق حّده يتحول إلى خوف‪ ،‬يشل قد اًر كبي ًار من التفكير‪ ،‬والخوف حينما‬
‫يتجاوز حّده يتحول إلى لباس جبن لا يرتديه الرجال‪( ،‬انزلوا فو اًر‪ ،‬أو هكذا التقت الإشارة مع الكلمات‬
‫المتدفقة من فم الرقيب الأسود الوجه والقلب)‪ ،‬ترجلا من الشاحنة وسرت نوبة جديدة من قلق أكبر‪،‬‬
‫إنه قلق مشروع في زمن رخصت فيه قيمة الإنسان الع ارقي وحياته‪ ،‬فكل شيء يؤكد ذلك في سام ارء‬
‫وغيرها من مدن الع ارق‪ ،‬أغلق الجندي الشاحنة وألقى بمفاتيحها لمروان وقال له ستبقى الشاحنة هنا‪،‬‬
‫وأمر الجنود اركبيها بالوقوف جانباً‪ ،‬وأخرج جندي حبالًا وقطع قماش‪ ،‬وتم ربط أيديهما وعصب‬
‫عيونهما بشكل محكم‪ ،‬وتم دفعهما بقوة إلى داخل عربة عسكرية أخرى كانت متوقفة على مقربة من‬

‫مسرح الحادث‪ ،‬ومضت في طريق مجهول‪.‬‬
‫هل هناك متسع من الوقت للوم النفس أو الغير حتى إذا كان من دون صوت أو بأثر رجعي؟‬
‫وهل أخطأنا حينما رفضنا عرض جندي الحرس الوطني في سيطرة السد بالمبيت الليلة عند نقطة‬
‫السيطرة؟ وماذا سينفع الندم بعد الآن؟ هل يعيد ندم الدنيا كله عجلة الزمن ربع ساعة فقط إلى الو ارء؟‬

‫وأهم من هذه الهواجس والأسئلة كلها‪ ،‬إلى أين يذهب بنا هؤلاء القتلة وماذا ت ارهم فاعلون بنا؟‬
‫كانت الأسئلة تتسابق وتتساقط تباعًا حتى من دون الرغبة في الحصول على جواب صامت‬
‫من الداخل أو صاخب من الخارج‪ ،‬فلا فرق بعد الآن فنحن بيد عدونا الذي احتل بلدنا وج ارئمه‬

‫ملأت بلادنا خ ارباً ودمًا وجثثًا‪ ،‬ولسنا استثناء عن أبناء بلدنا‪.‬‬

‫‪12‬‬

‫نزار السامرائي‬ ‫يَو ِم َّيا ُتمُسَا ِفرٍعَلَىطَر ِيقٍأَ ْحمَر‬

‫‪13‬‬

‫نزار السامرائي‬ ‫يَو ِم َيّاتُمُسَافِرٍعَلَىطَر ِيقٍأَ ْحمَر‬

‫الخطوة الثانية‬

‫زيدون ‪ ...‬وداع ًا إلى الأبد‬

‫بعد رحلة كان صوت الآلية الأمريكية وهي تسير على طريق معبد كما يبدو من صوت التقاء‬
‫سرفاتها مع الأرض المبلطة بالإسفلت‪ ،‬يقطع سكون الليل البارد والموحش بين أيدي أعداء لا يعرفون‬
‫لكل الشعا ارت التي يرفعونها معنى على الأرض‪ ،‬وهواجس المجهول الذي يقّرب نهاية معلومة عند‬
‫من َخبِر أساليب جنود الاحتلال الأمريكي‪ ،‬وأهل ينتظرون عودة الابنين البكرين لأهلهما‪ ،‬كان خزين‬
‫الخيال ينضب مع الوقت‪ ،‬ولم يبق إلا انتظار لحظة الوداع‪ ،‬توقفت العجلة الأمريكية بعد أن استدارت‬
‫عدة م ارت ومع كل استدارة كانت المشاعر تدور معها في حلقة مفرغة‪ ،‬فُتح البا ُب ونزل الجنود الذين‬
‫سحبوا مروان وزيدون من كتفيهما بقوة وخشونة متعمدة‪ ،‬وأنزلوهما ورفعوا عن عيونهما عصاباتها‪،‬‬
‫هدير مياه دجلة وهي تجتاز سد الثرثار يحكي قصةَ ص ارع طويل على أرض ال ارفدين بين الفيضانات‬
‫وا اردة الإنسان‪ ،‬وهو اليوم يصطدم بكتل إسمنتية جامدة ورمز الحياة التي جعلها الله من الماء‪ ،‬ولكنه‬
‫هنا تحول إلى كائن خ ارفي لا يقف بوجهه شيء‪ ،‬كان الماء وهو ينحدر بقوة وعنفوان يثير الرعب‬
‫الإنساني على مر العصور‪ ،‬كانت الأمواج تكسر صمت الليل القارس البرد الموحش بظلمته‪،‬‬
‫والمخيف بانسحاب الحياة من بين الصدور ومن شوارع المدن والطرقات المؤدية إليها تدريجيًا‪ ،‬ترى‬
‫ما هي خطوتهم التالية وهل سيلقون بنا في هذا اليم الهائج؟ آه من هذا النهر‪ ،‬بل آه من هذا السد‬
‫الذي أقيم ليحمي بغداد والع ارق كله من الغرق فهل ت اره أقيم كي يبتلع أحفاد من ساهموا ببنائه؟ فهل‬
‫نحن قربان يقدم لفداء الآخرين؟ كان الشلال الذي صنعه السد يثير في ارئيه من علو رعشة خوف‪،‬‬
‫فكيف تكون مشاعر من يصطدم بجد ارنه الإسمنتية‪ ،‬كانت أمواجه تتسابق مع بعضها وتصنع دوامات‬
‫متداخلة ومتعاقبة يفلت بعضها عن محيطه ليقفز عاليًا بتدافع وتلاحق ينزع القلب عن موضعه‬
‫وكأنها لا تطيق صدمة الكتل الخرسانية الصلبة‪ ،‬ولكنها كانت كسمكة قرش فغرت فاها لتبتلع‬
‫فريستها‪ ،‬حينما كان الجنود ينتظرون الأمر من الرقيب‪ ،‬أي أمر‪ ،‬خرج من وسط الظلام شعاع نور‬
‫فجائي من وهج مصباح كاشف كبير سلطه أحد أف ارد قوة الدفاع الوطني في الجانب الآخر من السد‬
‫ظنًا منه أن عبوة ناسفة على وشك أن تفجر السد وتدمره وتغرق حوض دجلة من جنوب سام ارء إلى‬

‫‪14‬‬

‫نزار السامرائي‬ ‫يَو ِم َّياتُ ُمسَافِرٍعَلَى َطر ِيقٍأَ ْحمَر‬

‫البصرة‪ ،‬فجأة تغير كل شيء فبعد وقت قصير تخلله نقاش كان يعلو أحياناً تم إغلاق الباب الذي‬
‫فتح لهنيهة وانطلقت إلى مجهول جديد‪ ،‬وعلى عجل صدرت الأوامر لمروان وزيدون بالصعود إلى‬
‫جوف المدرعة الأمريكية‪ ،‬وانطلقت بهم جميعًا في ليل بهيم إلى مجهول جديد‪ ،‬ربما كانت تلك أطول‬
‫ليلة على الإطلاق‪ ،‬ومن حركة المدرعة قُِّدَر أنها تسير في اتجاه مماثل‪ ،‬كان كل منهما يود معرفة‬
‫مشاعر الآخر وانفعالاته وتوقعاته علّه يستمد من رفيقه شيئاً من الاطمئنان و ارحة البال‪ ،‬ولكن الظلام‬
‫كان يحول بينهما كموِج بحٍر في ليلة دامسة الظلام‪ ،‬واضطربت النفوس وبلغت القلوب الحناجر‪،‬‬
‫الزمن يسير إلى الو ارء وربما يقفز إلى الأمام‪ ،‬وربما يتوقف عند هذه اللحظة‪ ،‬لا أحد يعرف ولا أحد‬
‫يستطيع التكهن‪ ،‬كم استغرقت المدرعة في مسيرها من لحظة انطلاقتها الأولى حتى الآن؟ وتوقفت‬
‫ثانية وجاء الأمر لمروان وزيدون بالنزول منها‪ ،‬واذا بها عند بحيرة مقدم ناظم الثرثار وهو الجسر‬
‫المؤدي إلى منطقة الحويش ومنها إلى تكريت‪ ،‬إذن فالمصير أصبح واضحًا ولم يعد هناك شك في‬
‫أن الرمي في هذه الدوامة الفوارة هو ما ينتظرهما‪ ،‬وفك الجنود وثاقهما هذه المرة‪ ،‬استغرب الشابان‬
‫هذه اللفتة الإنسانية المفاجئة‪ ،‬على الرغم من أن القلق عطل كل مواقع الإد ارك‪ ،‬بعد لحظات من‬
‫التساؤل اتضحت الحقيقة وجاء الجواب‪ :‬الأمريكيون أ اردوا قتل مروان وزيدون من دون أن يتركوا‬
‫دليلًا‪ ،‬ولذلك لم يتركوا أيديهم مقيدة‪ ،‬فالحبل سيكون بداية الخيط الذي يوصل إلى الفاعل‪ ،‬تقدم‬
‫العريف الأسود نحوهما وبلهجة قاطعة أمرهما بأن يلقيا نفسيهما في مقدم ناظم الثرثار أي لتبتلعهما‬
‫بوابات لها فكوك أحّد من أنياب القرش‪ ،‬هل هذا الرجل مجنون أم مصاب بعقدة ك ارهية عنصرية‬
‫مستحكمة‪ ،‬كيف ُنلقي بأنفسنا في هذه الدوامة المميتة التي تقذف الماء من شاهق إلى منخفض‬
‫بسرعة كبيرة جدا؟ ويصطدم الماء خلالها بعدد من العوارض الإسمنتية لطالما فتكت بالأسماك فكيف‬
‫سيكون حالنا؟ بل كيف سيكون حال زيدون الذي حرص والده على إبقائه بعيداً عن مجاري الأنهار‬
‫وأحواض السباحة لأنه لا يريد تك ارر م اررة أح ازن قديمة بفقدان علي أصغر أعمام زيدون الذي جرفته‬
‫مياه مشروع الإسحاقي الذي أ ارده الع ارقيون رم اًز للخير والنماء‪ ،‬واذا به في أول إطلالة له على أهل‬
‫مدينة سام ارء يطلب منهم قرباناً كما تَُقدُم الق اربين لكل مشروع جديد ولكن ليس مما يقدم الناس‪ ،‬فكان‬
‫عل ّي هو ذلك القربان الذي فرضته مصادفة لعينة أبكت الأم والأب والأخوة والأخوات بم اررة لم‬
‫تعهدها الأح ازن الأخرى‪ ،‬أو ما كاد أن يحصل لعمه الأكبر ن ازر قبل عدة عقود‪ ،‬بل إن مأمون كره‬
‫دجلة وطويبة التي كادت أن تسجل أول حادثة غرق في العائلة من كثرة تأوهات والدته وكرهها لكل‬

‫‪15‬‬

‫نزار السامرائي‬ ‫يَومِ َّياتُ ُمسَا ِف ٍرعَلَىطَر ِي ٍقأَ ْحمَر‬

‫أنهار الأرض بسبب تجربتها مع ابنها الوحيد ن ازر الذي أوشك على الغرق مطلع خمسينيات القرن‬
‫الماضي‪ ،‬ثم تحولت الهواجس إلى كارثة حقيقية مع آخر عناقيد العائلة عام ‪.1980‬‬

‫عندما وجد السيرجنت الأمريكي رفضاً لأوامره القاتلة‪ ،‬شهر سلاحه الأوتوماتيكي ‪ M16‬الجاهز‬
‫لانطلاق رصاصه الغزير وكذلك فعل بقية الجنود‪ ،‬وبسرعة خاطفة كانت رفسة من جندي أمريكي‬
‫تندفع نحو صدر زيدون ولتقذف به في وسط ماء بداية كانون الثاني‪ /‬يناير الذي يقترب من درجة‬
‫الانجماد‪ ،‬وفي أقل من لمح البصر كانت رفسة أخرى تنطلق نحو مروان وتلقيه قرب زيدون‪ ،‬وبدأت‬
‫محاولات مروان للبحث عن زيدون‪ ،‬أين أنت قالها بصوت خافت مكبوت‪ ،‬فالأمريكيون ما ازلوا هنا‬
‫ويريدون الاطمئنان إلى نجاح جريمتهم من دون أدلة‪ ،‬تشبث مروان ببعض أغصان القصب الذي‬
‫شق طريقه نحو الأعلى من بين الجد ارن الاسمنتية لضفة السد‪ ،‬وتجمعت حولها جذوع أشجار‬
‫اقتلعتها مياه الفيضان العاتية فتجمعت نتيجة إهمال عمليات الصيانة المعتادة للسدود بسبب الاحتلال‬
‫الأمريكي‪ ،‬كانت بحيرة مقدم السد ممتلئة بأقصى درجات استيعابها مما يجعل الأمواج تتلاطم وتقذف‬
‫بنفسها على الجسر‪ ،‬وفي ظروف كهذه يتم تخفيف منسوب الماء عن حوض دجلة‪ ،‬ليصب في‬
‫منخفض الثرثار من أجل الاستفادة منه في شهور الصيف حيث تت ازيد الحاجة لمياه السقي مع أقل‬
‫مورد لدجلة والف ارت من خارج الحدود‪ ،‬كان تدفق الماء في القناة سريعاً وشديداً ولم يكن بوسع أحد‬
‫حتى في الظرف الطبيعي وفي فصل الصيف مقاومته إلا لدقائق معدودة ثم تخور قواه فيجرفه التيار‪.‬‬
‫بعد نحو ربع ساعة من البحث اليائس‪ ،‬وبعد أن أوشكت قواه على الانهيار‪ ،‬وبعد أن تيقن أن‬
‫الأمريكيين قد غادروا مكان جريمتهم واطمأنوا إلى أن الشابين قد ابتلعتهما المياه المندفعة بقوة من‬
‫شاهق إلى أسفل وباردة حد الانجماد‪ ،‬جاءهم أمر السيرجنت بالانسحاب السريع كي لا ينتبه إلى‬
‫وجودهم أحد في هذه الليلة المظلمة‪ ،‬أخرج مروان أرسه من بين الأغصان المتشابكة‪ ،‬وبدأ يحرك‬
‫يديه بصعوبة لأنها أوشكت أن تتجمد‪ ،‬ولكنه تحامل على نفسه وجاءته قوة لم يعرف من أين تجمعت‬
‫لديه لأنه يعرف أن دون ذلك موت مؤكد فيفقد حياته وتضيع الجريمة الأمريكية النك ارء وسط مياه‬
‫الثرثار‪ ،‬وفي حركة مستميتة وجد نفسه مستلقياً على الأرض‪ ،‬تحسس جسمه ليتأكد أنه على قيد‬
‫الحياة فعلاً وليس في حلم مرعب‪ ،‬استجمع قواه مرة أخرى ونهض واقفاً‪ ،‬من بعيد ت ارءى له بصيص‬
‫نور خافت‪ ،‬حاول استذكار الصور القديمة التي مرت أمامه قبل عدة ساعات والتي مرت وكأنها‬
‫دهر طويل‪ ،‬تذكر أن مصدر النور هو سيطرة للحرس الوطني تقع على حافة السد عند مدخل‬

‫‪16‬‬

‫نزار السامرائي‬ ‫يَومِ َّيا ُتمُسَافِ ٍرعَلَىطَر ِيقٍأَحْمَر‬

‫سام ارء من جانب دجلة الغربي‪ ،‬هل أذهب إليهم وماذا سيكون رد فعلهم لاسيما وأنهم كانوا قد‬
‫نصحوني ليلة أمس بعدم العبور؟ وماذا لو عاد الأمريكيون فجأة وشاهدوا الشاهد الوحيد على جريمتهم‬
‫التي أ اردوها كاملة دون نقص يفضح تفاصيلها؟ وماذا ت ارهم سيفعلون بي؟ ولكن هل هناك خيار‬

‫آخر؟‬
‫حث الخطى قبل أن تظهر دورية للقوات الأمريكية‪ ،‬وبعد أن تلاشت الخيا ارت كلها اتخذ ق ارره‬
‫بالتوجه إلى سيطرة الحرس الوطني‪ ،‬وصلها بعد جهد ومشقة ظن أن جسده لن يقدر على حمله كل‬
‫هذه المسافة الطويلة‪ ،‬وألقى بنفسه أمام عنصر الحرس الوطني الذي كان في نوبة الح ارسة خارج‬
‫الخيمة‪ ،‬والذي ذهل من هذا الشبح القادم من جوف الظلام‪ ،‬وكان يرتجف من شدة البرد كأنه سعفة‬
‫تلعب بها الريح‪ ،‬ربما اعتقده الحرس رجلًا يربط حول جسده ح ازماً ناسفًا لأن هذه هي نظرة القوات‬
‫الأمريكية "والحرس الوطني" الذي شكلّه بول بريمر إلى أبناء هذه المدينة التي أسفرت عن وجهها‬
‫المشرق في مقارعة الاحتلال منذ اليوم الأول لاحتلالهم للع ارق‪ ،‬وربما ارودته فكرة أن القادم هو‬
‫جان يريد أن يلعب معهم لعبة الرعب التي طالما سمع عنها في الليالي الباردة عندما كانت أ ّمه‬
‫تقص عليه تنويمة البرد الذي يتسلل إلى العظام كبرد هذه الليلة الموحشة‪ ،‬بمجرد أن استقرت قناعته‬
‫على أن القادم هو إنسان من لحم ودم وأنه في هذا الوقت لا يتحرك إلا من يريد بأجهزة الأمن ش اًر‬
‫مؤكداً‪ ،‬أسرع إلى بندقية الكلاشنكوف مرتجفًا باحثًا عن نجدة من زملائه الذين كانوا يغطون في نوم‬
‫عميق‪ ،‬بعد ليلٍة موحشة البرد ومن النشاط العسكري للقوات الأمريكية وحركة الدوريات الآلية على‬
‫سّد سام ارء ثم ناظم الثرثار وصولاً إلى منطقة الحويش والعودة منها‪ ،‬مما حرمهم من لذة النوم المبكر‬
‫خشيةً من محاسبة القوات الأمريكية لهم على التقصير في واجب حماية ظهرها من (الإرهابيين)‪،‬‬
‫حاول الجندي المرعوب إيقاظ بعض زملائه ولكنه أخفق في ذلك‪ ،‬كان يرتجف بردًا وخوفًا من هذا‬
‫الشبح القادم من و ارء الأفق‪ ،‬عندما وصل مروان كانت ملابسه ما ت ازل شبه متجمدة على جسده‬
‫بحيث ضاعت فرصة التفريق بين ملابسه وجسده من شدة البرد‪ ،‬كان عاج ًاز عن وصف ما وقع‬
‫ولكنه كان يردد اسم ابن عمه زيدون الذي يظن أنه غرق في دوامة الماء المتدفق من بحيرة مقدم‬
‫سد الثرثار لتندفع في قناة الكتم‪ ،‬حكى لجنود الحرس الوطني الذين استيقظوا من نومهم العميق‪ ،‬كان‬
‫يعرف بعضهم لأنهم أبناء مدينة واحدة وبعضهم يعرفونه أيضاً‪ ،‬بعد أن قص عليهم ما مّر عليه‬
‫وعلى ابن عمه‪ ،‬هبوا لتقديم النجدة لزيدون ابن مدينتهم ووطنهم في محاولة لإنقاذه فمضوا إلى موقع‬

‫‪17‬‬

‫نزار السامرائي‬ ‫يَومِ َّيا ُت ُمسَافِ ٍرعَلَى َطر ِيقٍأَحْمَر‬

‫الجريمة التي ارتكبتها قوات الاحتلال الأمريكي‪ ،‬مع ما في هذه الحركة من مجازفة في حال ضبطتهم‬
‫القوات الأمريكية‪ ،‬ولكن الوقت كان قد فات كثي ًار‪ ،‬فقد مرت مياه كثيرة من بوابات الناظم باتجاه‬
‫منخفض الثرثار أو ذ ارع الثرثار الف ارت‪ ،‬ثم إن الليل لا يصلح لإج ارء عمليات التحري فكيف الأمر‬
‫مع مياه وطقس بدرجة الصفر وربما أقل من ذلك‪ ،‬ودوريات الأمريكيين تتمنى أن تجد في طريقها‬
‫صيداً حتى إذا كان من قوات ش َّكلها بول بريمر نفسه‪ ،‬بعد عودتهم إلى مقرهم أعطى الجنود لمروان‬
‫ما يتوفر لديهم من ملابس تناسب مقاساته‪ ،‬لحين تجفيف ملابسه على المدفأة‪ ،‬وطلبوا منه المغادرة‬

‫مع صعود الشمس بالأفق من دون إبطاء خشية عليه وعلى أنفسهم‪.‬‬
‫كان أخي مأمون (أبو زيدون) في بغداد في منزلي في حي العدل منذ عدة أيام‪ ،‬وكان مقر اًر‬
‫أن يمكث عدة أيام أُخر‪ ،‬جاءت مكالمة هاتفية بعد منتصف الليل بقليل لتقض مضاجعنا وتلقي بنا‬
‫في دوامة من القلق‪ ،‬كان على الخط من سام ارء أخي عبد الحكيم (أبو مروان) يسأل عن مروان‬
‫وزيدون لأنهم استبطاؤهما فهم علموا منا أنهما سيغاد ارن بغداد عص اًر‪ ،‬حينما أخبرناه بأنهما تركا‬
‫بغداد قبيل المغرب بقليل وصل القلق ذروته حتى يكاد المرء يلمسه عبر أسلاك الهاتف‪ ،‬أصبح‬
‫مأمون في أقصى درجات القلق المسدود النهايات‪ ،‬كانت المكالمة قدحة نار أحرقت كل شيء‪،‬‬
‫وأثارت فيه كل الهواجس النائمة‪ ،‬ولكنه كان يط ِمئن نفسه بقليل من الأمل‪ ،‬ربما كانا متأخرين‬
‫واحتجزتهما القوات الأمريكية‪ ،‬وظل مأمون ليلتها يقارع قلقًا لم تنقطع خيوطه أبدًا حتى أذن مؤذن‬
‫جامع مالك ابن أنس في حي العدل ببغداد لصلاة الفجر توضأ وغادر البيت إلى الجامع لأداء‬
‫الصلاة‪ ،‬ارودته فكرة الاتصال بسام ارء للاستفسار عن ابنه وابن أخيه‪ ،‬لكن نفسه لم تطاوعه أن يفعل‬
‫ذلك خشية من الأسوأ‪ ،‬ولكنه أ ارد أن يخفف عن صدره أوجاعه ويبثها للآخرين‪ ،‬استعجل الشمس أن‬
‫تشرق قبل موعدها ولكن انتظاره لم يطل كثي اًر‪ ،‬فقد جاءته المكالمة من سام ارء‪ ،‬أما نحن فقد بقينا‬
‫ننتظر أي خبر جديد‪ ،‬فلا سبيل لغير ذلك‪ ،‬فالقوات الأمريكية فرضت منع التجوال في بغداد وغيرها‬
‫من مدن الع ارق ابتداء من الساعة العاشرة مساء وحتى السادسة صباحًا‪ ،‬وهناك تشديدات للحظر‬
‫حسب الظرف الأمني لكل مدينة‪ ،‬مما يمنع أي مبادرة لتقصي الحقيقة ميدانياً‪ ،‬بدأ الوقت يمضي‬
‫بطيئًا والليل في هذا الوقت من السنة هو الأطول وما علينا إلا الصبر وانتظار الفجر‪ ،‬ولكن متى‬
‫تشرق الشمس لتحمل اليقين وما ت اره سيكون‪ ،‬وهل هناك مكالمة جديدة تعطي بعض الأمل‪ ،‬وكيف‬

‫‪18‬‬

‫نزار السامرائي‬ ‫يَو ِميَّاتُمُسَافِرٍعَلَى َطر ِي ٍقأَحْمَر‬

‫يستطيع أبو مروان أن يعرف أكثر وهو محاصر بمنع التجول أيضًا وينتظر سنوح الفرصة لمعرفة‬
‫مصير ولده البكر ومصير ابن أخيه البكر أيضًا‪.‬‬

‫استأذن مروان أف ارد الحرس الوطني بالمغادرة‪ ،‬حذروه وقالوا له لقد رفضت نصيحتنا الليلة‬
‫الماضية ففقدت ابن عمك‪ ،‬فهل تريد أن تفقد حياتك؟ كان مروان في أشد حالات الانفعال‪ ،‬هو يشعر‬
‫بمسؤولية أخلاقية تجاه ابن عمه‪ ،‬ولكن هؤلاء لا يفهمون أو لا يريدون أن يفهموا‪ ،‬هو يريد الوصول‬
‫إلى البيت ليقص على أهله ما وقع ليلة المصيبة‪ ،‬عندما وجدوا فيه إص ار ًار على المغادرة‪ ،‬قالوا له‬
‫على مسؤوليتك ولكن خذ حذرك بأعلى ما تكون درجات الحذر‪ ،‬أجاب ليحصل ما يحصل فإما‬
‫أعيش أنا وابن عمي معاً أو نموت معاً‪ ،‬فانطلق ماشياً بأقصى سرعة منتبها للدوريات الأمريكية التي‬
‫تقلص تسييرها إلى النصف في هذا الوقت من اليوم‪ ،‬هو يريد الوصول إلى أي أحد ليخبره الحقيقة‬
‫قبل أن تضيع وسط جحيم الأكاذيب الأمريكية الوقحة‪ ،‬لا يدري كم استغرق من الوقت‪ ،‬ولا يدري‬
‫من أين استمد كل تلك الحيوية المفاجئة حتى يصل إلى المنزل‪ ،‬وجد البيت وقد قامت قيامته‪ ،‬أبوه‬
‫وأمه والأعمام والأقارب ينتظرون في الشارع‪ ،‬الأخوة والأخوات ينتحبون‪ ،‬الأقارب عاشوا حالة إنذار‬
‫بكل ما تعنيه الكلمة‪ ،‬لم يشأ أن يدخل المنزل حكى لهم القصة أو ما بقي عالقًا في ذاكرة أربكها‬
‫الجنود الأمريكيون بوحشيتهم التي يتلذذون بها مع المجتمعات التي يجردونها من أسلحتها تعويضاً‬
‫عن حالة الرعب التي تسيطر عليهم في مواجهة رجال المقاومة الوطنية المسلحة‪ ،‬أو ما بقي عالقًا‬
‫في ذهنه المشوش من أحداث ليلة الحزن‪ ،‬كان الجميع في حالة يأس عن مصير مروان وزيدون فقد‬
‫عرفا أن سيارة البيك أب تعرضت للسحق تحت سرف المدرعات الأمريكية‪ ،‬وهي داخل مدينة سام ارء‬

‫مركونة على قارعة أحد الطرق الرئيسة‪.‬‬
‫أسرع أبو مروان (عبد الحكيم) وهو الأخ الذي يصغر مأمون أبي زيدون إلى الداخل والتقط‬
‫الهاتف واتصل ببغداد‪ ،‬لم يتمكن من إخبار أخيه بفاجعة فقدان ولده زيدون‪ ،‬ولكنه طلب منه العودة‬
‫الفورية إلى سام ارء‪ ،‬أدرك مأمون أن شيئاً قد حصل لزيدون ولكن ما هو؟ وسط جو ضبابي كان‬
‫طريق بغداد سام ارء مغطى به وتنعدم فيه الرؤيا إلا لمسافة قريبة قاد مأمون سيارته بسرعة جنونية‬
‫في ذات الطريق الذي كان ابنه وابن أخيه يسلكانه بحذر قبل ليلة واحدة‪ ،‬حاولت بكل ما أوتيت من‬
‫قوة منعه من الذهاب بانتظار أن أتهيأ للذهاب معه‪ ،‬ولكنه لم يترك لي متسعًا من الوقت للإقناع‪،‬‬
‫فغادر المنزل مع خال زيدون الذي يقيم في دار مجاورة لمنزلي‪ ،‬أخذت سيارتي ووسط طريق موحش‬

‫‪19‬‬

‫نزار السامرائي‬ ‫يَومِ ّيَاتُمُسَا ِف ٍرعَلَىطَريِ ٍقأَ ْحمَر‬

‫وضباب كثيف كنت أتلفت عن يمين وشمال وأمامي عساني أرى سيارة أخي ولكن عبثًا‪ ،‬فيبدو أنه‬
‫كان منطلقًا بسرعة لم تبق في السيارة المزيد‪ ،‬حقًا خشيت عليه من حادث آخر نفقد شخصًا آخر‬

‫يمكن أن يضاف لشخص ربما فقدناه قبل ساعات‪.‬‬
‫ليست هذه المرة الأولى التي تُنك ْب فيها عائلة فاضل حسون بغرق أحد أبنائها‪ ،‬ففي ‪ 16‬أيلول‬
‫‪ 1980‬كانت قد فقدت (علي) عم زيدون وهو أصغر أبناء الحاج فاضل‪ ،‬غرقًا أيضاً‪ ،‬والذي كانت‬
‫له مكانة خاصة في قلوب والديه وأخوته وأخواته‪ ،‬حينها كانت طبول الحرب تقرع في طه ارن بقوة‬
‫بعد وصول الخميني إلى الحكم تحت شعار تصدير الثورة ابتداء من الع ارق‪ ،‬وكان العديد من مدن‬
‫الع ارق الحدودية هدفاً للقصف المدفعي الإي ارني مما أدى إلى تهجير الآلاف من العائلات الع ارقية‬
‫منها‪ ،‬وطفقت الحكومة الع ارقية بتأمين الملاذ الآمن للسكان‪ ،‬وفي سام ارء البعيدة عن حدود النار‬
‫كانت كبقية مدن الع ارق الآمنة ما ت ازل تلهو بب ارءة وطمأنينة‪ ،‬كان علي ابن الثانية عشرة من عمره‬
‫يشاهد لعبة لكرة القدم في منطقة القلعة غربي نهر دجلة عند مدخل سام ارء‪ ،‬وفجأة ظهرت على‬
‫الطريق كتلة هائلة من النار المتوهجة تسير بأقصى سرعة نحو قناة الإسحاقي الذي يأخذ ماءه من‬
‫بحيرة مقدم سد الثرثار ليسقي مئات الآلاف من الدونمات من أخصب الأ ارضي الز ارعية في المنطقة‪،‬‬
‫وليلغي نهائيًا استخدام مئات المضخات التي تشتغل بالنفط الأسود‪ ،‬والتي كانت تؤمن مياه السقي‬
‫لهذه الأ ارضي الذهبية وتكلف مالكيها نفقات كبيرة لإدامتها ولوقودها الذي سيلوث البيئة أيضًا‪ ،‬عندما‬
‫اقتربت كتلة النار اتضح أنها شاحنة كبيرة وتحمل كابلات كهربائية عملاقة لغرض استخدامها في‬
‫كهربة المدن والريف في الع ارق‪ ،‬كان سائقها يحاول إيصالها إلى مصدر للماء من أجل المساعدة‬
‫على إطفائها‪ ،‬نجح في الوصول إلى قناة الإسحاقي ولكنه لم ينجح في إطفائها‪ ،‬تجمع الصبية حول‬
‫الشاحنة بفضول طفولي‪ ،‬وجاءت سيا ارت الإطفاء وحاول العاملون عليها مباشرة عملهم‪ ،‬ولكن‬
‫التجمهر كان يتضاعف مع مرور كل دقيقة وخاصة من متفرجي لعبة كرة القدم‪ ،‬بادر أحد أف ارد‬
‫الإطفاء بتوجيه خرطوم الماء إلى المتجمهرين من أجل إبعادهم وتسهيل مهمة إخماد الحريق‪ ،‬يبدو‬
‫أن القدر قد رسم كل هذا السيناريو من أجل أن يختطف حياة علي ابن الثانية عشرة من العمر‪،‬‬
‫ويبدو أن مشاريع الري التي أقيمت استكمالاً لسد الثرثار في مدينة سام ارء كانت تحتاج إلى ق اربين‪،‬‬
‫فكان علي قرباناً لقناة الإسحاقي وجاء من بعده ابن أخيه زيدون بعد ‪ 23‬عاماً ليكون قربانا لقناة‬
‫الكتم‪ ،‬هل نحن أهل بيت متخصصون في تقديم الق اربين للمشاريع التي تخدم مدينة سام ارء؟ أم نحن‬

‫‪20‬‬

‫نزار السامرائي‬ ‫يَومِيَّاتُ ُمسَا ِف ٍرعَلَى َطر ِيقٍأَ ْحمَر‬

‫أهل بيت كتب علينا الموت غرقاً؟ وهل يكون الخير للناس بمأساتنا؟ وهل كان إطفاء شاحنة كانت‬
‫على وشك أن تكون رمادًا يستوجب قتل شاب في مقتبل العمر؟ أليست مفارقة دامية هي التي كونت‬
‫أسباب الرحيل عبر حادث عرضي على الطريق العام حتى يغلف الحزن جد ارن أحد بيوت سام ارء؟‬
‫هكذا حلّلنا ملابسات الحادث‪ ،‬وربما كانت له تفاصيل وتفرعات أخرى‪ ،‬ولكن مضي السنين من‬
‫الطويلة من دون أن يظهر دليل يدحض هذا السيناريو جعلتنا نعتبره التفسير الوحيد الذي علينا‬

‫التسليم به‪.‬‬
‫كان علي رحمه الله وهو آخر أولاد الحاج فاضل حسون رحمه الله‪ ،‬عم زيدون من مواليد‬
‫‪ ،1969 /1/6‬وكان زيدون من مواليد ‪ ،1984/6/1‬وهذا التوافق الرقمي بين ‪ 1/6‬و‪ 6/1‬كان‬
‫عامل تشاؤم عند مأمون أبي زيدون‪ ،‬ولهذا صمم أن يبعد ابنه عن النهر الذي يبتلع كل عام الكثير‬
‫من الضحايا من أبناء سام ارء‪ ،‬ورفض كل توسلات زيدون لتعلم السباحة والحاح أصدقاء زيدون‬
‫على الأب الذي أصم أذنيه عن نداء الأبناء ظناً منه أنه يستطيع الوقوف بوجه قضاء الله وقدره‪،‬‬
‫من دون أن يخبره بحقيقة هواجسه القديمة‪ ،‬وشب زيدون وهو يتحسر حينما يرى أصدقاءه وهم‬
‫يمارسون هذه الرياضة الممتعة والمحببة إلى النفوس‪ ،‬ولكن حبه لأبيه لم يكن يسمح له بعد فوات‬

‫الأوان أن يلح بالسؤال والطلب للحصول على امتياز يختص به دون إخوته‪.‬‬

‫‪21‬‬

‫نزار السامرائي‬ ‫يَومِيَّا ُتمُسَا ِفرٍعَلَى َطريِقٍأَحْمَر‬

‫الخطوة الثالثة‬

‫بداية حزينة ونهاية مأساوية‬

‫انتقل جميع الأهل والأقارب ممن يقيمون في بغداد إلى سام ارء في ع ازء مبكر حيث يقيم بقية‬
‫الأخوة والأقارب‪ ،‬وانتظا اًر للكشف عن مصير زيدون بعد غياب قسري استمر عدة أيام‪ ،‬في المقدمة‬
‫جاء الدكتور شامل السام ارئي عميد الأسرة وعم والد زيدون‪ ،‬وهو وزير سابق أثناء حكم الرئيسين‬
‫عبد السلام عارف وعبد الرحمن عارف‪ ،‬كما جاءت عمات زيدون وعمات أبيه من بغداد ليشاركن‬
‫من سبقهن قلقًا صاخباً‪ ،‬هكذا الع ارقيون يجتمعون في الأح ازن أكثر من حرصهم على التجمع في‬
‫الأف ارح‪ ،‬صام الجميع على أمل أن يغيب عنهم الشك باليقين‪ ،‬وكانت العيون تنظر حائرة إلى بعضها‬
‫والقلوب في غفلة عما يحيط بها والضمائر كلها تلتصق بقضية البحث عن زيدون الذي تأكد لنا أنه‬
‫ذهب ضحية لجريمة مبتكرة في وحشيتها وبدم بارد ارتكبتها القوات الأمريكية برميه وابن عمه مروان‬
‫في إحدى فوهات ناظم الثرثار والتي تأخذ مياه دجلة من بحيرة مقدم سد الثرثار لتعيدها إلى نهر‬
‫دجلة بعد أن تختلط مع مياه ذ ارع الثرثار دجلة والف ارت عبر ذ ارعي الثرثار الف ارت والثرثار دجلة‪،‬‬
‫لأن المياه القادمة من خ ازن الثرثار الهائل إلى نهر دجلة تحمل معها الكثير من الأملاح بحيث باتت‬

‫غير صالحة للاستهلاك البشري أو استخدامات الز ارعة‪.‬‬
‫أصّر مروان أنه وابن عمه تم إلقاءهما في النقطة التي تقع في فوهة الناظم المؤدي إلى قناة‬
‫الكتم‪ ،‬بدأت عمليات البحث عن زيدون بكثافة وجئنا بغواصين للبحث عنه واستحصلنا موافقة مدير‬
‫الري لمنطقة سام ارء لإغلاق البوابات التي تتدفق في القناة لثما ٍن وأربعين ساعة‪ ،‬وبعد انتهاء المدة‬
‫ونتيجة لعدم عثورنا على جثمان زيدون فقد كررنا الطلب لإغلاق البوابات مرة أخرى‪ ،‬كان ق ارر الغلق‬
‫يتطلب موافقة مركزية من و ازرة الموارد المائية في بغداد هكذا تم توصيف الحال‪ ،‬مع علمنا بأن‬
‫الع ارق بعد الاحتلال تحول إلى دولة بلا أرس وكل ساق تذهب في الاتجاه الذي يحلو لها‪ ،‬مع الأخذ‬
‫بنظر الاعتبار بأن بول بريمر سلم الحكم للشيعة لاسيما بعد أن غضت القوات الأمريكية النظر عن‬
‫تدفق عش ارت الآلاف من عناصر المليشيات من إي ارن والموالية لسلطة الولي الفقيه‪ ،‬ثم واصلت‬

‫‪22‬‬

‫نزار السامرائي‬ ‫يَومِ َّياتُ ُمسَافِرٍعَلَى َطر ِيقٍأَحْمَر‬

‫تواطؤها معهم عندما شكلت مليشيات جديدة مثل جيش المهدي‪ ،‬وبالتالي منحتهم قوة المال وقوة‬
‫السلاح لتدعيم سلطة الشيعة السياسية‪.‬‬

‫وبسبب تأثير إغلاق بوابات الناظم على نسبة الأملاح الذاهبة إلى نهر دجلة والتي تجري في‬
‫ثلاث محافظات تحت مدينة سام ارء وهي بغداد وواسط وميسان قبل أن يلتحم دجلة بالف ارت ويكّونا‬
‫شط العرب في محافظة البصرة‪ ،‬ومعنى زيادة نسبة الملوحة فيها أن المزروعات ستتعرض إلى خطر‬
‫الهلاك المؤكد‪ ،‬وكذلك السكان والحيوانات وانعدام مظاهر الحياة‪ ،‬ومع ذلك وحينما وجد مدير ري‬
‫سام ارء أن الأجواء النفسية لأهل المفقود كانت في ذروة الاحتقان فقد استجاب ولم ُيعر أهمية لق ارٍر‬
‫من بغداد التي تعيش تحت الاحتلال الأمريكي من دون سلطة‪ ،‬قال لنا بعض الصيادين إن الماء‬
‫البارد لا يسمح للغريق أن يظهر على سطح الماء إلا بعد عدة أيام‪ ،‬واستمر البحث لعدة أيام مع‬
‫إش ارقة الضياء الأول‪ ،‬ويتناوب الباحثون على مدار ساعات النهار‪ ،‬البعض اربط على شاطئ القناة‬
‫متحديًا البرد القارس على أمل أن ُينقذ جثة الغريق من غربة عن أهل يتحرقون شوقًا لمعرفة الحقيقة‪،‬‬
‫كانت الآمال بالعثور عليه حياً تتلاشى تدريجياً‪ ،‬على الرغم من أن الأم والأب يمكن أن يشاهدا‬
‫ولدهما مسجى أمامهما‪ ،‬ولكنهما لا يغاد ارن الرجاء بأن يعود إلى الحياة‪ ،‬فكيف إذا كان مفقودًا ولا‬
‫دليلًا قاطعاً على موته‪ ،‬البعض كانت ت اروده آمال بأن زيدون يمكن أن يكون معتقلاً لدى القوات‬
‫الأمريكية‪ ،‬مجرد أن تطرح فكرة كهذه سرعان ما تتلقفها القلوب القلقة في محاولة لتهدئة الخواطر‬
‫المشحونة بكل أسباب التأزم في أعلى درجاته والنقمة على القتلة‪ ،‬وعلى من تعاون معهم وعلى‬
‫العملاء الأذلاء الذين ساروا خلف دباباتهم لإذلال الع ارقيين‪ ،‬ومع الوقت تبدأ تلك الأفكار الوردية‬
‫بالت ارجع والتلاشي عندما يدخل العقل على خط التحليل‪ ،‬إذن لماذا عثرنا على سترته (جاكيتته) في‬

‫القناة التي يدور البحث عنه فيها؟ وهل يعقل أن الأمريكان يمزحون في تجارة الموت؟‬
‫لم يتأخر أحد لحظة واحدة عندما تط أر لديه فكرة إلا وطرحها من دون تفكير بواقعيتها أو‬
‫وجاهتها‪ ،‬تحولت جلستنا إلى منتدى لتداول الأفكار الساذجة والأوهام والآمال التي كانت تقطعها‬
‫بين الفينة والأخرى صرخة سيدة جديدة جاءت لتقديم التعزية ولترتفع معها أصوات العويل الذي‬
‫ينفلت من بين الصدور‪ ،‬وبسبب ص ارع اليأس والأمل‪ ،‬أصبحنا مسرحًا تلقى فيه قصائد الشع ارء من‬
‫كل الطبقات من دون تمحيص‪ ،‬وكان هذا تعذيبًا مضافًا إلى معاناة الأهل‪ ،‬نعم الجميع كان يشعر‬
‫بوجع المحنة وألمها‪ ،‬ولكن لفجيعة الأب والأم لغة لا يفهما إلا هما‪ ،‬أو من مر بمثل ما وقع لهما‬

‫‪23‬‬

‫نزار السامرائي‬ ‫يَو ِم َّيا ُت ُمسَا ِفرٍعَلَىطَر ِي ٍقأَ ْحمَر‬

‫وخاصة إذا كان موقع الألم ناتج عن فقدان الولد البكر الذي يحمل كل الصفات الحميدة التي يتطلع‬
‫الأبوان أن يكون ابنهما عليها‪ ،‬لم ينقطع البكاء والعويل الذي كان يتخطى جد ارن الألم ليتنقل بطرقات‬
‫الحي وأزقته من دون استئذان من دوريات القتلة الأمريكان الذين يعرفون مصير زيدون ولكنهم‬
‫يتلذذون بتعذيب أهله مرة أخرى‪ ،‬فبعد أن قتلوه ها هم ُينكرون قتله بل ُينكرون علمهم بأسباب فقدانه‬
‫ناهيك عن مصيره‪ ،‬فهل هناك وحشية أكبر من هذه حينما يتعمد القتلة السخرية من آلام ذوي القتيل‬
‫بعد أن عاشوا مسرحية إلقائه في ناظم الثرثار‪ ،‬الذي لو فكر المهندس الألماني الذي صممه وصمم‬
‫الكتل الخرسانية التي وضعها لتكسير قوة الأمواج الهادرة النازلة من علو‪ ،‬بأن هذه المصدات ستتحول‬
‫إلى مصائد في ج ارئم قتل مارستها قوات البلد الذي دمر ألمانيا في نهاية الحرب العالمية الثانية في‬
‫ممارسة سادية نادرة الوقوع في الحروب‪ ،‬لو كان هذا المهندس يفكر بما ستؤول إليه هذه المصدات‬
‫الصلبة‪ ،‬ربما كان سيخفف من آلام بني البشر الذين يسقطون في لجتها أو ترميهم قوى تحتل بلدهم‬
‫إيغالًا في نزعة الانتقام من هذا البلد الذي استعصى عليهم ردحاً من الزمن‪ ،‬القوة الأمريكية ذات‬
‫النزعة العنصرية الاستعلائية التي فتكت بزيدون وتتعمد إخفاء معالم جريمتها وتروح وتجيئ قرب‬
‫منزله لمعرفة ما توصل إليه الأهل من حقائق‪ ،‬وفي دوامة القلق نسي الجميع مروان وما عاناه من‬
‫ليلة اقترب فيها من الموت من دون حواجز‪ ،‬واختزن في بدنه بردًا كثي ًار لليلة ربما كانت أطول ليلة‬
‫في حياته‪ ،‬كان التفكير ينصب على البحث عن عزيز آخر يجب العثور عليه في وسط مائي متحرك‬
‫التيار ومع أجواء أمنية معقدة وشد عصبي لا يجب أن تفلت فيه الأعصاب في وقت نحتاج فيه إلى‬
‫حكمة التصرف أكثر من شجاعة كل الرجال في التاريخ‪ ،‬فخطأ واحد يمكن أن يمنعنا من مواصلة‬
‫البحث‪ ،‬ويمكن أن يكلفنا مسؤولية تهديد الأمن وفقاً للتهم الأمريكية الجاهزة وليس فقدان أحد أبنائنا‬
‫فقط‪ ،‬وهذا من أسوأ المعاناة التي يمر بها ذوو ضحية عندما تنعدم الحقوق ويضيع العدل ويسود‬

‫الظلم وشريعة الغاب‪.‬‬
‫طلبنا من مروان أكثر من مئة مرة أن يقص علينا تفاصيل ما وقع‪ ،‬نحن نعرف أن الرواية‬
‫ستتكرر بمضامينها حتى وان تغيرت صياغاتها والكلمات التي تحكيها‪ ،‬كان مروان يحس بإعياء‬
‫شديد يقعده عن الحركة‪ ،‬كان من حقه أن يجزع ويشعر بالم اررة والألم فقد غادر بغداد مع ابن عمه‬
‫ولكنه عاد منفرداً إلى بيت يعج بالضجيج والعويل والأسئلة التي تتكرر عليه من كل ازئر‪ ،‬كان علي‬
‫شخصياً أن أقف صلباً في هذه الظروف مستعيناً بالعم الدكتور شامل السام ارئي الذي هو عميد‬

‫‪24‬‬

‫نزار السامرائي‬ ‫يَومِ َّيا ُت ُمسَافِرٍعَلَىطَريِ ٍقأَحْمَر‬

‫الأسرة وكبير العائلة‪ ،‬ذلك أن ظرفًا كالذي نمر به يتطلب تدخلاً مباش اًر لفض النقاشات ومنع الأسئلة‬
‫التي كنا نلمس منها فتيلًا يمكن أن يقترب من برميل بارود الأب الذي تقفز أمامه مئات الأسئلة‬
‫ومئات الصور السوداوية‪ ،‬كنا نلتقط معاناة النساء القريبات من مكان جلوسنا‪ ،‬كان اللقاء بين أم‬
‫زيدون مع أقارب زيدون الأكثر مأساوية حيث تطلق كل منهن لنفسها العنان بعويل يمزق الضلوع‪.‬‬

‫وأخي اًر جاء صوت النعي بأنه تم العثور على جثمان زيدون طافيًا في القناة المائية على بعد‬
‫نحو كيلو مترين من الناظم‪ ،‬حمدنا الله على هذا المصاب‪ ،‬وحمدناه أن المجهول بات معلوماً حتى‬
‫إذا كان ملفوفاً بكفن‪ ،‬فمأساة المفقودين ومجهولي المصير‪ ،‬ع ازء يتجدد في كل لحظة ودقيقة وتبقى‬
‫الأنظار تتجه إلى لا عنوان‪ ،‬تبحث عن طمأنينة على مصير عزيز‪ ،‬وهذا ما أعاد المأساة إلى نقطة‬
‫البداية‪ ،‬فارتفع العويل من الجميع‪ ،‬ونزلت الدموع مد ار اًر من الجميع‪ ،‬ولكن بكاء الرجال كان بصمت‬

‫مرير‪.‬‬

‫‪25‬‬

‫نزار السامرائي‬ ‫يَومِ َّيا ُت ُمسَا ِفرٍعَلَى َطريِ ٍقأَ ْحمَر‬

‫ثم جاؤوا بجثمان زيدون بعد تردد وطول جدل إلى منزل جده المرحوم الحاج فاضل حسون‬
‫الذي تحّول إلى مثابة التقى فيها جميع الأهل والأقارب‪ ،‬ومع تلك اللحظات العصيبة تعالى عويل‬
‫النساء‪ ،‬إذ انفلتت المشاعر المكبوتة التي ظلت حبيسة بين الضلوع لتخرج من دون سيطرة‪ ،‬ولم‬

‫يحاول أحدنا التدخل فيها بعد أن أصبح مصير زيدون معلومًا‪.‬‬
‫الموت حق على كل ابن آدم قهر الله به عباده‪ ،‬ولكنه عندما يختطف حياة شاب في مقتبل‬
‫العمر‪ ،‬يرى فيه أبواه مستقبلاً مشرقاً ويعلقان عليه آمالًا عريضة‪ ،‬يكون للموت طعم آخر قطعاً‪،‬‬
‫نحن الشرقيون إذا ما فقدنا عزي ًاز حتى إذا دخل (في العمرين) وتقلبت حياته بين السعادة والمتاعب‪،‬‬
‫فلا مجال للتحكم بالمشاعر‪ ،‬إذ تشيعه صرخات المحبين وخاصة من قبل النساء‪ ،‬فكيف إذا كان‬
‫الرحيل لشاب في مقتبل العمر‪ ،‬وكانت الخاتمة بغدر جبناء جاؤوا غ ازة عبر آلاف الكيلو مت ارت‬
‫لينشروا ثقافة الموت في كل ازوية حلّوا فيها‪ ،‬بعد عقود مما بشروا به عن مجتمع الحرية والعدل في‬
‫أفلام بطولاتهم التي خّدروا شعوب العالم‪ ،‬ارحت الناس في سبات لعش ارت السنين فتصورت الشعوب‬
‫أن تقاليد الجنتلمان الأمريكان وتعاملهم مع الآخرين وخاصة بعد انتصار الآلة الحربية على شجاعة‬
‫الفرسان‪ ،‬سوف تجعل من اليانكي جندي الاحتلال ال ُمرحب به حيثما حل‪ ،‬لأن الخير يحل معه في‬
‫كل الزوايا‪ ،‬ولكن جنود الاحتلال في كل مكان هم على أعلى درجة من السفالة وانعدام الرجولة مع‬
‫أي شعب مقاوم‪ ،‬لهذا يظنون أن كل واحد هو مشروع متفجرة أو ح ازم ناسف أو عملية انتحارية‪،‬‬
‫هكذا تحركت فيهم خلفياتهم المصابة بجنون التفوق الأمريكي الذي شبع حتى التخمة من البناء‬
‫النفسي بأنه الشعب الأكثر جسارة واقدامًا‪ ،‬وأن أحدًا لن يصل إلى حافة قدمه‪ ،‬ومما عزز هذه الأوهام‬
‫المريضة أن الأّدلاء الأذلاء مما سموا أنفسهم بالمعارضة‪ ،‬صوروا للأمريكي بأن أكاليل الغار ستلقى‬
‫عليه وهو يتقدم نحو العمق الع ارقي وانه لن يدخل مدينة ع ارقية إلا وتنحر له الذبائح بقدر عدد‬
‫جنوده‪ ،‬كان هذا ظنه السقيم وعززته بعض الممارسات الساقطة لمعممين أقاموا دعوات زقوم ماجنة‬
‫في الكاظمية للمجرم بول بريمر‪ ،‬وأن غبيًا آخر أهدى لوزير الدفاع الأمريكي نموذجاً ذهبيًا لما يسمى‬
‫بسيف (ذو الفقار)‪ ،‬ولكن الع ارقيين وبعد لحظة انعدام وزن ودهشة قاتلة من سلوك قطعان الغوغاء‬
‫التي نهبت كل الممتلكات الحكومية في مشاهد نقلتها شبكات الفضائيات على الهواء مباشرة‪ ،‬بعد‬
‫هذه الفسحة من استرداد الوعي الوطني‪ ،‬انطلقت أسرع مقاومة في التاريخ‪ ،‬هي المقاومة الوطنية‬
‫المسلحة‪ ،‬المقاومة اليتيمة الوحيدة في العالم التي قارعت المحتلين بما يغنمه المجاهدون من سلاح‬

‫‪26‬‬

‫نزار السامرائي‬ ‫يَومِ َّيا ُت ُمسَا ِف ٍرعَلَىطَر ِي ٍقأَحْمَر‬

‫الغ ازة‪ ،‬أو بإعادة تأهيل أسلحة الجيش الع ارقي وزجه في مواجهة غير متكافئة ولكنها أفقدت جنود‬
‫الاحتلال أعصابهم حتى تحول عش ارت الآلاف منهم إلى مرضى نفسيين لن تنفع معهم كل جلسات‬

‫العلاج أو العقاقير المهدئة‪.‬‬
‫نعم كان نحيب النسوة تعبي ًار عن الشعور بالإحباط لفقدان شاب عزيز اختطفت حياته نوايا‬
‫الغدر الأمريكية قبل أن يتذوق أبواه طعم الحياة معه بعد أن يباشر مسيرة حياته الزوجية ويكّون‬
‫أسرته الصغيرة‪ ،‬ولم تنفع مع النسوة النصائح بخفض الصوت‪ ،‬ومن كان يدعو إلى ذلك سرعان ما‬

‫يتحول إلى خصم‪.‬‬
‫الإنسان على علو قدره وعظيم مكانته عند أهله‪ ،‬فإن دفنه في أسرع وقت بعد الوفاة يكون أم اًر‬
‫ملحًا من أقرب أهله إليه‪ ،‬فهذه سنة دينية لا تحتمل التغيير وهذه مفارقة حياة الإنسان وموته‪ ،‬وهنا‬
‫برزت مشكلة كبيرة‪ ،‬هل نسلم الجثمان للأمريكان من أجل تشريحه أم نبادر من فورنا لدفنه ونتحمل‬
‫تبعات هذا الق ارر؟ رفض الجميع فكرة التشريح بأي حال وخاصة من قبل قاتليه‪ ،‬فهو شهيد ولن‬
‫تدنس جسده الطاهر أياد تقطر بالدم‪ ،‬وبعد مشاو ارت مع علماء دين ووجهاء المدينة صدر الق ارر‬
‫بعدم تسليم الجثمان للأمريكان‪ ،‬وبرزت قضية أخرى وهي هل نغسله ثم نكفنه أم نتركه بملابسه التي‬
‫قضى فيها؟ أفتى بعض العلماء بأن بالإمكان دفنه مع تغسيله لجواز ذلك من دون أن ينتقص ذلك‬

‫من مكانته عند الله والناس‪.‬‬
‫بدأ موكب التشييع من دار الحاج فاضل حسون (جد الشهيد) وخرج فيه المئات من أبناء مدينة‬
‫سام ارء وفي المقدمة منهم رجال المقاومة المسلحة الذين ألحقوا هزيمة كبيرة بالقوات الأمريكية‬
‫المحتلة‪ ،‬وقد أطلقوا العيا ارت النارية بكثافة خلال التشييع الذي شق طريقه في شوارع سام ارء وسط‬
‫تكبير وتهليل المواطنين الواقفين على أرصفتها‪ ،‬وبعد أن وصل الموكب إلى مقبرة سام ارء‪ ،‬تمت‬
‫موا ارة جثمان زيدون الثرى إلى جانب جده وجدته‪ ،‬وأهال عليه أقاربه والمشيعون الت ارب وسط مشاعر‬
‫حزن عميقة عليه وغضب جارف على الأمريكان الذين قتلوه بهمجية ودم بارد‪ ،‬بجريمة مبتكرة‬
‫بوحشيتها‪ ،‬وربما كانت أول جريمة إعدام تنفذ بالإغ ارق الحقيقي في بداية العام حيث تنخفض درجات‬
‫الح اررة إلى ما يقرب من الصفر المئوي‪ ،‬وبعد انتهاء م ارسم الدفن عاد كثير من المشيعين إلى منزل‬
‫الحاج فاضل حسون حيث تقرر إقامة مجلس الفاتحة على الشهيد‪ ،‬وخلال المجلس كانت مداولاتنا‬
‫تنصب على كيفية التعامل مع هذه الجريمة البشعة‪ ،‬تداولت بشكل خاص مع عمي الدكتور شامل‬

‫‪27‬‬

‫نزار السامرائي‬ ‫يَو ِم َّيا ُتمُسَا ِف ٍرعَلَى َطر ِي ٍقأَ ْحمَر‬

‫السام ارئي عن أريه في كتابة رسالة مفصلة إلى عدد من قادة دول العالم والمنظمات الدولية‪ ،‬فاستحسن‬
‫الفكرة وشجعني عليها وتعددت اتصالاتنا مع كل من له خبرة في م اركز الانترنيت لإيصال الرسالة‬
‫إلى العناوين المثبتة فيها‪ ،‬وترجمة النص العربي إلى اللغات الحية الأخرى لتسهيل وصول الفكرة‬
‫وخاصة إلى أجهزة الإعلام العالمية‪ ،‬خاصة وأن الجريمة متميزة بطريقة تنفيذها ووحشية تعبر عن‬

‫قسوة أف ارد الجيش الأمريكي الذي قيل أنه جاء لنقل الديمق ارطية وحقوق الإنسان إلى الع ارق‪.‬‬
‫المهم كتبت الرسالة ووجهناها باسم والدة الشهيد زيدون إلى الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن‬
‫وعدد من الرؤساء ورؤساء الحكومات في العالم والأمناء العامين للمنظمات الدولية عبر شبكة‬
‫الانترنيت شرحنا فيها القصة كاملة وطالبنا فيها بفتح تحقيق بالأمر ومعاقبة الجناة‪ ،‬وهذا هو نص‬

‫الرسالة‪:‬‬
‫بسم الله الرحمن الرحيم‬

‫السيد جورج بوش رئيس الولايات المتحدة الأمريكية‬
‫السيد جاك شي ارك رئيس الجمهورية الفرنسية‬
‫السيد توني بلير رئيس وز ارء المملكة المتحدة‬

‫السيد الدكتور عدنان الباججي رئيس مجلس الحكم الانتقالي‬
‫السيد بول بريمر الحاكم المدني الأمريكي‬
‫السيد كوفي عنان أمين عام الأمم المتحدة‬
‫السيد عمرو موسى أمين الجامعة العربية‬

‫السيد رئيس اللجنة الدولية للصليب الأحمر‬
‫السيد رئيس منظمة حقوق الإنسان‬
‫أيها السادة المحترمون‬

‫إنني في ظرف نفسي صعب للغاية وقد يفجر ذلك مشاعري وانفعالاتي‪ ،‬وذلك بسبب المصاب‬
‫الجلل الذي أصابني وزوجي عندما فقدنا ولدنا البكر والذي يبلغ من العمر تسعة عشر ربيعاً‪،‬‬
‫والذي كان يتطلع للحياة بنظرة ملؤها التفاؤل والأمل خاصة عندما تم عقد ق ارنه على إحدى قريباته‪،‬‬
‫فتوجه بكل طاقته لبناء حياته اللاحقة على أسس قوية و ارسخة‪ ،‬إلا أن الأقدار كانت له ولأحلامه‬

‫‪28‬‬

‫نزار السامرائي‬ ‫يَو ِميَّا ُت ُمسَا ِف ٍرعَلَى َطريِقٍأَحْمَر‬

‫بالمرصاد إذ اختطفته على حين غفلة فترك جرحاً نازفاً في قلوب أبويه وخطيبته ومحبيه‪ ،‬واسمحوا‬
‫أن أسرد لكم القصة بتفاصيلها‪:‬‬

‫يوم السبت المصادف ‪ 2004/1/3‬كان ولدي زيدون ومعه ابن عمه مروان قادمين من‬
‫بغداد إلى مدينة سام ارء حيث نقيم‪ ،‬حيث يعملان في سيارة شحن صغيرة تعود ملكيتها لشخص‬
‫ثالث‪ ،‬وذلك من أجل توفير سبل العيش في بلد هدته الحرب والحصار‪ ،‬نعم كانا عائدين من بغداد‬
‫إلا أن سوء الطالع ارفق الرحلة من بدايتها فقد أصيبت السيارة بعطل لم يسمح لها أن تواصل‬
‫الرحلة مما أدى إلى تأخير في الوصول إلى سام ارء في وقت يقترب مع بدء سريان منع التجول‬
‫في المدينة‪ ،‬وهنا يبدأ الفصل الأول من المأساة‪ ،‬إذ اعترضت السيارة دورية عسكرية تابعة للجيش‬
‫الأمريكي‪ ،‬وبعد أن استكملت كافة إج ارءاتها بتفتيش ولدي وابن عمه وتفتيش حمولة السيارة‪،‬‬
‫أنزلوهما من السيارة وشدوا وثاقهما واقتادوهما إلى منطقة تبعد حوالي ثلاثة كيلومت ارت‪ ،‬وأمام‬
‫إحدى بوابات ناظم الثرثار حيث تتدفق المياه بقوة هائلة‪ ،‬ووسط ذهولهما‪ ،‬أمرهما الجنود بقذف‬
‫نفسيهما إلى الماء في البرد القارس عند منتصف الليل‪ ،‬وتم دفعهما بقوة‪ ،‬وللأسف الشديد لم‬
‫يكن ولدي يجيد السباحة‪ ،‬على الرغم من أن السباحة في هذا الفصل ومع قوة التيار الجارف لا‬
‫تجدي نفعاً‪ ،‬ومع ذلك فإن ابن عم ولدي الذي علق بإحدى الشجي ارت نجا من الموت بأعجوبة‬
‫ليحكي لنا هذه القصة المأساوية‪ ،‬ولقد بذل جهوداً كبيرة لإنقاذ ولدي ولكن تيار الماء المتدفق‬
‫كان أقوى منه ومن محاولاته‪ ،‬وبعد عدة أيام من البحث عنه عثرنا على سترته في مجرى الماء‬
‫وستبقى معي ذكرى وعنواناً للظلم الذي حل بولدي من جنود جيش الولايات المتحدة الأمريكية‪،‬‬
‫الذين جاؤوا إلى بلدنا وهم يرفعون شعا ارت حقوق الإنسان والديمق ارطية‪ ،‬واذا بهؤلاء الجنود وبدم‬

‫بارد وبأعصاب جامدة يزفون ولدي إلى حتفه في أيام عرسه‪.‬‬
‫وكي أوثق الحدث فإن ابني اسمه (زيدون مأمون فاضل حسون السام ارئي)‪ ،‬من مواليد ‪/1‬‬
‫‪ ،1984/6‬نعم قتلوه وفجعوني به‪ ،‬وتصوروا أيها السادة واسألوا زوجاتكم كم هو عسير على كل‬
‫أم أن ترى ثمرتها وقد نضجت‪ ،‬ثم تهوي به يد أثيمة لتلقي به في هذا السيل الجارف دون رحمة‬
‫أو إنسانية‪ ،‬لقد أحال الجنود كل ما قالته أمريكا عن حقوق الإنسان إلى كذبة كبيرة أو جثة هامدة‬
‫كنت واحدة من ضحاياها وهم كثيرون‪ ،‬لذلك أتوجه لكم جميعاً والى السيدات الفاضلات عقيلاتكم‬
‫والى الرئيس جورج بوش خصوصاً لفتح تحقيق في ملابسات الحادث‪ ،‬على الرغم من أن أي‬

‫‪29‬‬

‫نزار السامرائي‬ ‫يَومِ ّيَاتُمُسَا ِفرٍعَلَىطَر ِيقٍأَ ْحمَر‬

‫إج ارء سيتخذ من قبلكم لن يعيد ابني إلى الحياة‪ ،‬ولكني بإحساس عارم بالفجيعة أتطلع إليكم‬
‫عسى أن يوضع حد لآلام الأمهات في بلدي فنحن نحصد البؤس والشقاء لما يفعله جنود جيش‬
‫الاحتلال الأمريكي دون م ارعاة لحياة الإنسان وك ارمته ولقيم المجتمع وتقاليده‪ ،‬ولعل اتخاذ‬
‫الإج ارءات بشأن الحادث يعيد لي شيئاً من المصداقية حول الشعا ارت التي ترتفع عالياً في أمريكا‬
‫ولكننا لا نلمس منها شيئاً بل نحصد النقيض لها في بلدنا‪ ،‬ولعل في هذا التحقيق ما سيدعم قوة‬
‫القانون حتى لا يأتي يوم يصحو فيه ضمير أحد القتلة ويعترف بتفاصيل فعلته وحينذاك ستكون‬
‫مسؤوليتها على عاتق بلدكم‪ ،‬وأنا على يقين بأنكم تعرفون الإرهاب وما يندرج في قائمة الأعمال‬
‫الإرهابية‪ ،‬فهل سمعتم أو اطلعتم على عملية إرهابية أبشع من هذه الجريمة التي ألحقها جنودكم‬
‫بسحق السيارة وتسويتها بالأرض بواسطة آلياتهم الحربية في رسالة موجهة إلى أسرتي الفقيد‬
‫وابن عمه مروان كي تتأجج مشاعر القلق لديهما على مصير ولديهما‪ ،‬هذا سؤال أوجهه لكم‬

‫وللمجتمع الإنساني وقد أنتظر منكم جواباً شافياً‪..‬‬
‫المفجوعة بولدها‬
‫أم الضحية زيدون مأمون فاضل حسون السام ارئي‬

‫سام ارء‬
‫‪2004 /1 / 9‬‬

‫‪30‬‬

‫نزار السامرائي‬ ‫يَو ِميَّاتُ ُمسَا ِفرٍعَلَىطَر ِي ٍقأَحْمَر‬

‫الخطوة الرابعة‬

‫فتح ملف التحقيق‬

‫وقف أبناء مدينة سام ارء وقفة واحدة في التفاعل والتعاطف مع أسرة زيدون واستنكار الجريمة‬
‫الأمريكية التي هزت المشاعر والوجدان الإنساني لطبيعتها الوحشية‪ ،‬وتساءل كثيرون أحقًا هذا هو‬
‫ديدن الغرب الذي يطرح نفسه حامياً للقيم الإنسانية حتى في التعامل مع الحيوان‪ ،‬واذا به يفقد آخر‬
‫ما تبقى عنده من قيم في تعامله مع الإنسان وبهذا الأسلوب الذي تأباه حتى الوحوش في غاباتها‪.‬‬
‫تقاطر المئات منهم إلى مجلس الفاتحة من دون انقطاع وحتى بعد انتهاء مجلس الع ازء المعتاد‬
‫ظل بيت الحاج فاضل حسون مكاناً تأتي إليه ش ارئح المجتمع من كل الأعمار والطبقات ومن كل‬

‫التوجهات‪.‬‬
‫بعد انتهاء الأيام الثلاثة لمجلس الفاتحة‪ ،‬بدأنا نتحرك لإيصال رسالة أم الشهيد إلى العناوين‬
‫المثبتة فيها‪ ،‬ولم تكن الاتصالات متاحة لنا بنفس القدرة المتاحة حالياً أو على الأقل لم نتعود على‬
‫استخداماتها المختلفة‪ ،‬كان مبنى قائم مقامية قضاء سام ارء محتلًا من قبل القوات الأمريكية‪ ،‬وتُعّده‬
‫تلك القوات بمثابة "منطقة خض ارء مصغرة"‪ ،‬ولكن المجلس البلدي لسام ارء كان بالإمكان الوصول‬
‫إليه‪ ،‬وكان جميع أعضاء المجلس غاضبين على الجريمة وكانوا متعاطفين معنا‪ ،‬وبقي المرحوم‬
‫"حازم عبد الكريم الياسين" على اتصال معنا طيلة الأيام السابقة‪ ،‬كان أملنا محدوداً في وصول‬
‫الرسالة إلى الرئيس الأمريكي قائد الجمع الضال في العدوان على الع ارق‪ ،‬وحتى في حال وصولها‬
‫فإنها لن تكون ذات نفع ذلك أن منطق الغطرسة والتعالي الذي جاء به الغ ازة كان يعني استهتارهم‬
‫بكل القيم العليا التي يعتز بها بنو البشر‪ ،‬فقد تدنت بهم حيوانيتهم إلى مستوى مبتذل لا يمكن أن‬

‫يخطر على بال‪.‬‬
‫لم نطلب تعويضًا مالياً عن ابننا الشهيد‪ ،‬واعتبرناه أكبر قيمة من أمريكا وما تملك‪ ،‬ومن جهة‬
‫أخرى كنا على يقين بأن الإدارة الأمريكية لن تسمح بتجريم جنودها مهما كانت جريمتهم ومهما كانت‬
‫الأدلة قاطعة‪ ،‬لكننا في الوقت نفسه عزمنا على المضي في إيصال صوتنا إلى ال أري العام العالمي‬
‫والى الصحافة الأمريكية والأوربية‪ ،‬في تحرك على محور القيادة الميدانية الأمريكية في سام ارء والتي‬

‫‪31‬‬

‫نزار السامرائي‬ ‫يَو ِم َّياتُ ُمسَا ِفرٍعَلَى َطريِقٍأَ ْحمَر‬

‫كانت تتخذ من سايلو الحبوب الواقع على الطريق السريع المؤدي إلى تكريت وتحتل ببعض وحداتها‬
‫مقر قائم مقامية قضاء سام ارء الواقع عند مدخل المدينة‪ ،‬وقد ارجعنا هذا المقر ثلاث م ارت بناء‬
‫على طلب الجانب الأمريكي من دون أن نخرج بنتيجة‪ ،‬وكان الأمريكيون يتفننون في ممارسة‬
‫الضغوط علينا لوقف متابعتنا للقضية وارهابنا بما عرف عنهم من عنجهية وغطرسة‪ ،‬ولكننا صممنا‬
‫على عدم التخلي عن حقنا مهما تعرضنا له من صعوبات‪ ،‬وكان الضباط الأمريكيون ينفون أية‬
‫صلة لهم بالحادث‪ ،‬ولكننا أكدنا إص اررنا على متابعة التحقيق ورفض ادعاءات الجانب الأمريكي‪.‬‬
‫في موقف مفاجئ تطوع أحد الضباط من أبناء سام ارء من الذين أعيدوا للخدمة بعد الاحتلال‪،‬‬
‫لتقديم المساعدة في الوصول إلى القائد هناك‪ ،‬ربما كان مدفوعًا بروح المدينة والتعاطف مع أبنائها‬
‫إذا أصابتهم مصيبة‪ ،‬وربما هي محاولة منه للتغطية على أدواره الأخرى في التعاون مع المحتلين‬

‫وفي إلحاق الأذى بأبناء سام ارء الذين هبوا للدفاع عن وطنهم ضد قوات الاحتلال‪.‬‬
‫كان اسم القائد الميداني الأمريكي "غون ازليس" وهو آسيوي مضرب بأصول أمريكية لاتينية‪،‬‬
‫وكان برتبة عقيد وكان سيء الأدب فضًا ومتعجرفاً إلى أبعد الحدود مستنسخًا الهمجية الأمريكية في‬
‫التعامل مع الهنود الحمر‪ ،‬ذهبت مع أخي مأمون والد زيدون والضابط السام ارئي‪ ،‬والتقينا القائد‬
‫الأمريكي بموعد مرتب مسبقًا‪ ،‬سلمناه الرسالة وحينما ق أرها بمساعدة المترجم امتقع وجهه وفقد هدوءه‬
‫وأخذت عبا ارته تشتد مع الوقت وحاول تهديدنا بالاعتقال‪ ،‬من بين ما قاله‪ :‬كيف تسمحون لأنفسكم‬
‫أن تصفوا القوات الأمريكية بالصفات الواردة في رسالتكم؟ اتفقت مع الجميع أن أتحدث وحدي مع‬
‫الجانب الأمريكي‪ ،‬وطلبت منهم عدم الدخول في أي حديث إلا في حال السؤال منهم وبعد أخذ‬
‫موافقتي‪ ،‬أجبته بهدوء إن من كتب الرسالة أم فقدت ابنها وبالتالي لا يمتلك أحد الحق في يصوغ لها‬
‫مشاعرها وعبا ارتها عن الكارثة التي حلت بها‪ ،‬ومن المستحيل أن تتمكنوا من مصادرة مشاعر الناس‬
‫لاسيما النساء وعلى الخصوص الأمهات المنكوبات‪ ،‬لكن القائد لم يقتنع وواصل لهجته المتعالية‪،‬‬
‫حينها قلت لهم‪ :‬هي في البيت فإذا أردتم اعتقالها فاذهبوا ولكن عليكم أن تعرفوا أن تقاليدنا الشرقية‬
‫لن تسمح لكم أن تمروا إليها إلا على أجساد الرجال من أف ارد الأسرة‪ ،‬وعلى هذا عليكم تحمل التبعات‬
‫في أسرة غاضبة حد الاستعداد للموت‪ ،‬ومدينة متعاطفة مع هذه الأسرة من دون حدود‪ ،‬خاصة إذا‬
‫تعلق الأمر بانتهاك حرمات البيوت والاعتداء على النساء‪ ،‬في مجتمع على استعداد أن يدفع آلاف‬
‫الضحايا دفاعاً عن شرف سيدة‪ ،‬عندها لمس مني لغة تهديد مبطنة‪ ،‬ولكنه مع ذلك لم يت ارجع عن‬

‫‪32‬‬

‫نزار السامرائي‬ ‫يَو ِم َّياتُمُسَافِ ٍرعَلَىطَريِقٍأَ ْحمَر‬

‫غطرسته فحاول إخافتنا بأن هذه الرسالة لن تقدم ولن تؤخر‪ ،‬بل أنه يجزم أنها لن تصل‪ ،‬وحتى في‬
‫حال وصولها فلن يَُتّخذ بشأنها أية إج ارءات‪ ،‬دفعني ذلك إلى القول وبلغة واثقة‪ ،‬أظن أنه من الأفضل‬
‫أن تفتح تحقيقاً بالحادث فالأمر بذلك سيصلك قريبًا وذلك أفضل لك لأنه سيظهرك بمظهر قائد‬
‫يرفض خروج قواته على قواعد الاشتباك التي وضعها الجيش الأمريكي نفسه‪ ،‬فالرئيس الأمريكي‬
‫الذي سيجد نفسه محاص ًار أمام قضية أري عام‪ ،‬ثم إننا أوصلنا رسالتنا إلى الصحافة العالمية بما‬
‫فيها الصحف الأمريكية‪ ،‬ولما لم نصل إلى نتيجة غادرنا جميعًا مكتب قائد منطقة سام ارء على أمل‬

‫أن يتم استدعاؤنا في أية لحظة لفتح باب التحقيق‪.‬‬
‫بمساعدة السيد بشير عبد الرحمن الخضير وهو نسيب عمي الدكتور شامل السام ارئي‪ ،‬استطعنا‬
‫إب ارق الرسالة عبر شبكة الانترنيت بعد ترجمة نصها إلى اللغتين الإنكليزية والفرنسية‪ ،‬كما أرسلنا‬
‫الرسالة إلى الصحف المحلية والعربية وقد نشرتها كما هي‪ ،‬وأوصلنا نسخة منها إلى قائد القوات‬
‫الأمريكية في الع ارق‪ ،‬وتحركت من خلال علاقاتي الخاصة ومع الصحافة والفضائيات لفضح‬
‫الجريمة‪ ،‬وفعلًا جاء فريق تلفزيوني من شبكة الـ ‪ BBC‬في خدمتها التلفزيونية وأجرت لقاءات مع‬
‫أف ارد أسرة زيدون‪ ،‬و َصَّوَر الفري ُق المنطقةَ التي تم إلقاؤه منها إلى بوابة ناظم الثرثار على الرغم من‬
‫الصعوبات الفنية التي وضعتها القوة الأمريكية الم اربطة على السد‪ ،‬كما أن عدداً من الصحف‬
‫البريطانية أسهمت في توسيع نطاق التعرف على تفاصيل الحادث‪ ،‬فقد أرسلت صحيفة ساندي تايمز‬
‫إحدى الصحفيات العاملات فيها لمتابعة هذا الملف الذي أرته مهماً والذي يساعد على شهرة من‬
‫يتصدى للكتابة عنه‪ ،‬بسبب الطبيعة الهمجية لهذه الجريمة‪ ،‬وأجرت الصحفية مقابلات مباشرة مع‬
‫أم زيدون وأخوته وأخواته‪ ،‬وكانت لقاءات مؤثرة إلى حد بعيد‪ ،‬هذا الاهتمام البريطاني له ما يبرره‪،‬‬
‫فبريطانيا شريك مهم في العدوان على الع ارق ويبدو أن الكثير من الصحفيين والسياسيين والمفكرين‬
‫البريطانيين كانوا معترضين على مشاركة بلادهم في غزو الع ارق واحتلاله‪ ،‬أو على الأقل لإب ارز‬
‫الج ارئم الأمريكية وتبرئة بريطانيا من آثام الج ارئم التي تُرتكب في الع ارق‪ ،‬ودفع الع ارقيين لإج ارء‬
‫مقارنات بين فعل القوات الأمريكية في ساحة عملياتها والقوات البريطانية في القاطع الجنوبي في‬
‫الاحتلال الحالي‪ ،‬أو باستذكار ما فعلته سلطة الاحتلال البريطانية في الع ارق أثناء احتلاله بداية‬
‫القرن الماضي‪ ،‬وهذه المقارنة الساذجة بين شرين أيهما أهون‪ ،‬لا يمكن أن تمر بسهولة فكلاهما قوة‬
‫احتلال ثم إن القوات البريطانية لم تحافظ على صورتها التي أ اردت تسويقها إلى الأبد‪ ،‬فقد كشفت‬

‫‪33‬‬

‫نزار السامرائي‬ ‫يَومِ َّياتُمُسَا ِفرٍعَلَىطَر ِيقٍأَ ْحمَر‬

‫وثائق مؤكدة عن انتهاكات لحقوق الإنسان ضد مدنيين في مدينة البصرة مما أرغم رئيس الأركان‬
‫البريطاني على الاعتذار لذوي الضحايا وأبناء محافظة البصرة‪ ،‬ووصف ما حصل بأنها أعمال‬
‫مخزية‪ ،‬كما أن قناة الجزيرة القطرية بادرت لمتابعة الحدث وكل حسب طاقته وما تسمح به الظروف‬
‫الأمنية للتحرك‪ ،‬الجزيرة أعدت قصة كاملة عن الحادث‪ ،‬وعلى الرغم من أن الحدث لم يأخذ حقه‬
‫ومداه من التغطية في أجهزة الإعلام‪ ،‬فالصحف العربية لم تنظر إلى القضية على أنها صورة مصغرة‬

‫لما يجري في الع ارق‪ ،‬بل نظر إليه البعض على أنه حادث منقطع‪.‬‬
‫كان من اللافت للنظر أن الصحافة الأوربية وبخاصة الصحافة الفرنسية والألمانية أغفلت ما‬
‫حصل على الرغم من أننا افترضنا أن إعلام هاتين الدولتين سيكون أكثر حماسة وج أرة من غيره‬
‫في متابعة حدث كهذا‪ ،‬وعلى الرغم من ذلك كله فإنني رضيت بتلك التغطية من دون أن أفقد الأمل‬

‫بتغطية أوسع وأعمق مع الوقت‪.‬‬
‫بعد بضعة أيام عشنا خلالها أح ازنًا متواصلة ج ارء فقدان ولدنا وغطرسة القوات الأمريكية‬
‫الغازية‪ ،‬واص اررها على تعذيبنا‪ ،‬ازرنا الضابط الع ارقي في المنزل وقال استعدوا للذهاب لمقابلة القائد‬
‫الأمريكي الذي طلب حضوركم إلى مقر القيادة‪ ،‬حينما وصلنا كانت تقاسيم وجهه تنم عن سلوك‬
‫آخر غير الذي عهدناه منه في الم ارت السابقة‪ ،‬رحب بنا وقال إن أوامر فتح التحقيق بالقضية قد‬
‫وصلت من قيادة القوات الأمريكية‪ ،‬وأن السيرجنت إرين سينترون (‪ )IRENE CINTRON‬وهي‬
‫مسؤولة في مكتب التحقيقات الجنائية العسكرية الأمريكية هي المكلفة بالتحقيق بالقضية وفتح ملف‬
‫لها‪ ،‬بدأت سينترون بأحاديث إ ازلة التحسس منا تجاهها‪ ،‬وطلبت منا مساعدتها على إنجاز التحقيق‬
‫بأسرع وقت لأن قيادتها أمرت بذلك‪ ،‬وكبداية لفتح الملف قالت أنها تريد أن تذهب بنا إلى موقع‬
‫الجريمة واج ارء معاينة ميدانية للتعرف على كيفية وقوع الحادث‪ ،‬وأجرت تحقيقًا في موقع الحادث‬

‫مع مروان وصورت الموضع من عش ارت الزوايا والنقاط بالفيديو‪.‬‬
‫استمرت حالات الاستدعاء إلى مقر قيادة القوات الأمريكية في السايلو لعدة م ارت‪ ،‬وفي أحد‬
‫الاستدعاءات فوجئنا بالسيرجنت سينترون تبلغنا عن طريق المترجم مايكل رحباني وهو جندي أمريكي‬
‫من أصل لبناني كما يتضح من لقبه باعتذار رسمي باسم حكومة الولايات المتحدة الأمريكية عن‬
‫الحادث‪ ،‬كان محتمًا علينا أن أسأل هل هو تعبير عن الأسف أم اعتذار رسمي‪ ،‬سألها رحباني‬
‫فأجابت بثقة إنه اعتذار رسمي بكل تأكيد‪ ،‬وهنا تدخلت فقلت إن ذلك يعني تحمل المسؤولية الجنائية‬

‫‪34‬‬

‫نزار السامرائي‬ ‫يَومِيَّاتُ ُمسَا ِف ٍرعَلَىطَر ِيقٍأَحْمَر‬

‫عن الحادث‪ ،‬قالت نعم‪ ،‬ولكنكم أصررتم على رفض التعويض عن الفقيد‪ ،‬قلت نعم لأننا على يقين‬
‫أن أي تعويض لن يكافئ خسارته‪ ،‬وقالت السيرجنت سينترون إن قيادة القوات الميدانية أبدت‬
‫استعدادها لتحمل جزء من تكاليف الدفن ومجلس الع ازء الذي أقيم على روح الفقيد وكناية عن باقة‬
‫زهور‪ ،‬لكنني بادرت لرفض هذه الفكرة على الفور لأنها يمكن أن تُفسر على أنها قبول لمبدأ التعويض‬
‫المالي‪ ،‬فنقل المترجم الرحباني ما قلته حرفياً إلى سينترون فردت بأن ذلك تفسير خاطئ‪ ،‬وأقسم‬
‫مايكل الرحباني بأن المبلغ ليس تعويضاً وق أر النص الذي تم بموجبه صرف المبلغ وقمت بتثبيت‬

‫النص على وصل الاستلام‪.‬‬
‫مضت أشهر الشتاء والتحقت بها أشهر الربيع القصيرة ومرت كئيبة على العائلة وكان الجميع‬
‫يتساءلون بعيونهم إن لم تفعل أفواههم أين وصل التحقيق؟ وهل هناك فرصة حقيقية لتطبيق العدالة؟‬
‫تطوع الكثير من الأقارب والأصدقاء لإثارة المزيد من عوامل القلق في النفوس‪ ،‬وبخاصة حينما‬
‫يتبرعون بتفسير غرض المبالغ التي تسلمناها عن الشاحنة وحمولتها‪ ،‬وخاصة المبلغ الذي قيل بأنه‬
‫مساهمة في مجلس الع ازء وفسره أولئك على أنه تعويض عن الفقيد‪ ،‬كانت هذه الأفكار كفيلة بإثارة‬
‫المواجع في النفوس فأصبحنا من فرط العطالة وانتظار الجديد نتلاوم بلا حدود وعلى كل شيء‪،‬‬
‫حين لا يجد واحدنا من يلومه فإنه يبدأ بجلد نفسه ويوجه لها لوماً جارحًا وكأنه يضع ملحًا على جرح‬
‫غائر‪ ،‬وربما كان نصيبي من الحالة أكبر من غيري‪ ،‬هل ورطت نفسي في قضية كبرى مع الأمريكان‬
‫الذين يمسكون بكل خيوطها؟ أم أن في الوقت متسعاً كي يعتقد الجميع بأن ملف القضية ما ي ازل‬
‫مفتوحًا وأن القلق المشروع يجب ألا يحجب كوة الأمل عن رؤية بصيص الضوء‪ ،‬ولكن من فقد ولده‬
‫ليس كمن فقد نظارته‪ ،‬فالولد خلاصة الوالدين إلى الحياة‪ ،‬إذن لا مناص من الإص ارر على ملاحقة‬

‫القضية عبر ما متاح تحت يدي من وسائل وكنت أهيج نارها كلما خبت‪.‬‬

‫‪35‬‬

‫نزار السامرائي‬ ‫يَو ِم َّيا ُتمُسَا ِف ٍرعَلَى َطر ِي ٍقأَ ْحمَر‬

‫الخطوة الخامسة‬

‫التحقيق ينتقل إلى مطار صدام حسين الدولي‬

‫امتّد التحقيق لعدة شهور بين مكتب القائد الأمريكي في سام ارء ومقر القيادة في تكريت‪ ،‬ولم‬
‫تتقدم آمالنا خطوة واحدة إلى الأمام حتى إذا انتهت شهور الصيف وجاء أيلول‪ /‬سبتمبر ‪ 2004‬أمِلنا‬
‫أن القضية ستتحرك مرة أخرى‪ ،‬ولكن الصيف ما ازل يضغط بوطأة ح اررته على الع ارقيين وجنود‬

‫الاحتلال على حد سواء‪.‬‬
‫يوم الثلاثاء ‪ 7‬أيلول‪ /‬سبتمبر جاء مروان من سام ارء حاملًا معه تبليغاً رسميًا وخطياً وبتوقيع‬
‫"المقدم إحسان عزيز الساجي" من قيادة ‪" ICDC‬قوات الحرس الوطني" وهي القوات التي شكلها بول‬
‫بريمر بالتنسيق مع من جاء مع الاحتلال‪ ،‬يطلب حضوره إلى منطقة مطار صدام حسين الدولي‬
‫لحضور جلسة تحقيق مع الملازم الأول سافيل وهو آمر الفصيل أو السرية التي نفذت جريمة القتل‬
‫بأوامر مباشرة منه‪ ،‬كان مروان وقبل أن يأت إلى بغداد قد اتصل بي وأبلغني بأن الشرطة أبلغته‬
‫بالذهاب إلى منطقة السايلو لأمر هام‪ ،‬قلت له لا تذهب إلا في حال حصولك على تبليغ رسمي‬
‫خطي‪ ،‬حرصاً على سلامتك خشية من تصفية محتملة من جانب القوات الأمريكية أو المتعاونة‬
‫معها‪ ،‬لإ ازحة الشاهد الوحيد على وقوع الجريمة‪ ،‬هذا ديدن المافيات التي تسعى لإخفاء الأدلة عن‬
‫ج ارئمها حتى لو اضطرت لقتل شخص قريب منها‪ ،‬فكيف إذا كان الشاهد ع ارقيًا وابن عم الشهيد‬
‫زيدون‪ ،‬وهي التي حاولت إضاعة أي دليل على ارتكابها للجريمة‪ ،‬وكذلك حرصت على ضمان‬
‫قانونية أية خطوة نُقدم عليها أو نستجيب فيها للطرف الآخر‪ ،‬ونشطت الإشاعات مجددًا بين الأقارب‬
‫والأصدقاء في تفسير كل خطوة جديدة تحصل‪ ،‬وحتى حين يحصل تأخير في الإج ارءات الأمريكية‬
‫فإن ذلك كان يستدعي تفسي ارت تت اروح بين أقصى درجات التشاؤم وبين أعلى م ارتب التفاؤل‪ ،‬السكون‬
‫له نفس القدر من تأثير الحركة بإثارة عوامل القلق‪ ،‬البعض قال إن الأمريكان يريدون غلق القضية‬
‫بأي ثمن‪ ،‬البعض الآخر مضى أبعد وقال بأن الأمريكان مستعدون لدفع عشرين ألف دولار من أجل‬
‫سحب القضية‪ ،‬كنت واثقًا أن مأمون لن يقبل مبدأ التعويض حتى ولو وصل مليون دولار‪ ،‬ولكنني‬
‫ما كنت لأنوب عنه من تلقاء نفسي في الإقدام على خطوة كهذه قد لا تأتي نتائجها كما أريد‪ ،‬ومع‬

‫‪36‬‬

‫نزار السامرائي‬ ‫يَو ِميَّا ُت ُمسَا ِفرٍعَلَى َطريِ ٍقأَ ْحمَر‬

‫ذلك كان موقفنا فيه من الطبائع العشائرية الشرقية وفيه من تقاليد البداوة الكثير مما يرى الغربيون‬
‫فيها تخلفاً اجتماعياً تجاوزته الشعوب التي لا تتعامل مع قضاياها الكبيرة والصغيرة بقيم عشائرية أو‬
‫استناداً إلى مبادئ أخلاقية‪ ،‬فالقوانين هي التي تنظم العلاقات بين الجماعات والأف ارد بصورة متوازنة‬
‫ولا تسمح الدولة لأية مجموعة من خارجها مهما كبر شأنها أن تنوب عنها في مباشرة واجباتها‬
‫وصلاحياتها ووظائفها في فض المنازعات واحقاق الحقوق ومن بين ذلك تثبيت مبدأ التعويض‬
‫المالي‪ ،‬وحتى الإسلام لم يهمل هذا الجانب وأفرد له الكثير من المعالجات والحلول‪ ،‬والديات المالية‬
‫جزء من تلك التعويضات‪ ،‬غير أن التعويضات الأمريكية كانت من اله ازل مما لا يسمح لع ارقي يعتز‬
‫بك ارمته وقيمه ومكانة من فقد أن يقبل بها‪ ،‬الكل يعرف كيف فرضت الولايات المتحدة تعويضات‬
‫بأرقام فلكية على الحكومة الليبية بسب حادث سقوط طائرة لوكربي إذ وصلت تعويضات الأمريكي‬
‫الواحد إلى ما يقرب العشرة ملايين دولار‪ ،‬على حين أن ما تدفعه القوات الأمريكية عن ضحاياها‬
‫من الع ارقيين كانت لا تزيد على ‪ 2500‬دولار أمريكي‪ ،‬فهل جاء الأمريكي من كوكب آخر؟ وهل‬
‫تم خلقه من غير الطين الذي خلق منه باقي البشر؟ وهل خرج من غير السبيلين الذي خرج منهما‬
‫بنو البشر؟ أم هو التعالي وشعور الغطرسة والتفوق العنصري المغروس في نفوس منخورة من الداخل‬
‫تريد التعويض عن هزيمة داخلية بالتعالي على بقية شعوب الأرض؟ أم أن منطق القوة المادية هو‬
‫الذي يفرض نفسه على التعامل بين الدول والأف ارد والجماعات على أساس ما تمتلك من أسباب القوة‬
‫وأسلحة فتاكة؟ غير أن الأمر لا يرتبط فقط في جعل صورة الأمريكي في الخارج بهذا الإطار الب ارق‪،‬‬
‫بل بسبب تقاعس حكومات الدول الصغيرة التي لا تجعل لمواطنيها قيمة إنسانية وتدافع عنهم في‬
‫كل المحافل الدولية‪ ،‬حتى جعلت الدول الكبيرة تستخف بهم وتعاملهم معاملة تذكرنا بتجارة العبيد‪،‬‬
‫ولكن من يتبنى قضايا الع ارقيين؟ هل هي السلطة التي تواطأت مع أش ارر الأرض وساقطيه من أجل‬
‫إذلال الع ارقيين‪ ،‬هل يمكن أن تدافع عنهم؟ محال فهي سلطة "ألعوبة" كما تسميها كل القوانين الدولية‬
‫في تعاملها مع السلطات التي تشكلّها قوات الاحتلال‪ ،‬وبالتالي مرتهنة الإ اردة لأولياء النعمة عليها‬
‫ولمن جاء بهم من الأزقة المظلمة ومن المنافي ومن س ارديب العمالة والعمل كوكلاء للدول الكبيرة‬

‫والصغيرة التي تدفع لهم‪.‬‬
‫تحضرني هنا واقعة الاعتداء على طالب ع ارقي كان يتلقى علومه في بلغاريا وتم قتله هناك‪،‬‬
‫وكيف انتفضت الحكومة الع ارقية التي كانت تجسد شموخ الع ارقيين وكبريائهم وك ارمتهم عندما كانت‬

‫‪37‬‬

‫نزار السامرائي‬ ‫يَومِ ّيَا ُت ُمسَافِ ٍرعَلَىطَريِقٍأَحْمَر‬

‫السلطة الوطنية منبثقة من بين الشعب‪ ،‬فأرغمت الرئيس البلغاري على القدوم إلى الع ارق وزيارة عائلة‬
‫الطالب الع ارقي القتيل وتقديم الاعتذار الرسمي عن تلك الجريمة‪ ،‬أما السلطة التي نصبها المحتلون‬
‫الأمريكيون فهي ليست عاجزة عن التصدي للقمع الذي يتعرض له الع ارقيون على أيدي الجنود‬
‫الأوباش المحملين بكل موروثات الحقد والك ارهية للع ارقيين خاصة وللعرب عامة‪ ،‬بل إن هذه السلطة‬
‫هي التي كانت تشجع المحتلين على قمع الع ارقيين وتقترح على الأمريكان أساليب التعذيب المستوردة‬

‫من فارس بحكم كون معظم رموز السلطة هم إي ارنيو الأصل أو الولاء‪.‬‬
‫لو أن جميع الع ارقيين الذين فقدوا عزي ًاز منهم‪ ،‬رفضوا تسلم هذه التعويضات التافهة لاضطرت‬
‫أمريكا لإعادة النظر بما تدفعه للع ارقيين‪ ،‬على العموم كان علينا بموجب التبليغ أن نكون في مطار‬
‫صدام حسين الدولي قبيل الظهر دون أن نعرف متى ستبدأ جلسة التحقيق فالفرق بالتوقيت بين بغداد‬
‫والساحل الشرقي للولايات المتحدة يبلغ سبع ساعات‪ ،‬وهو أكثر مع توقيت المدن الواقعة في وسط‬
‫الولايات المتحدة أو الواقعة على المحيط الهادئ‪ ،‬علماً بأن فرق التوقيت بين نيويورك على الأطلسي‬

‫وسان ف ارنسيسكو على الهادئ يبلغ ثلاث ساعات‪.‬‬
‫طريق المطار كان بمثابة خط مفتوح نحو الموت لكل العابرين عليه وبخاصة لأرتال القوات‬
‫الأمريكية‪ ،‬وهذا ما يثير فينا شعو ًار عاليًا بالفخر والعز‪ ،‬إذ كانت المقاومة تسيطر على الطريق‬
‫وتفرض على الحركة فيه رقابة صارمة فمن يذهب إلى المطار أو يأت منه إلى بغداد‪ ،‬فله خصوصية‬
‫التعامل مع المحتلين إلى أن يثبت العكس‪ ،‬كانت المقاومة تنصب الكمائن لعجلات القوات الأمريكية‬
‫بل وشنت في الطريق هجمات مؤثرة وشجاعة وبأعداد لا يتوقع الأمريكيون حجمها‪ ،‬وما يمكن أن‬

‫تتركه من نتائج وخاصة في معنويات الجنود التي وصلت إلى الحضيض‪.‬‬
‫أعداد المقاتلين غير مألوفة لحرب الشوارع‪ ،‬كان هذا الطريق مصيدة للمحتلين فقدوا على كل‬
‫كيلو متر فيه وعلى مدى عام ونصف مئات القتلى وآلاف الجرحى والكثير من المعدات‪ ،‬وأهم من‬
‫كل هذا ت َصَفّرت معنويات جنودهم فيه‪ ،‬ويكفي أن يعرف العسكري الأمريكي أنه مكلف بواجب في‬
‫هذا الطريق حتى يفقد ما بقي له من رصيد أعصاب‪ ،‬ووصل الجنود حد الانهيار العصبي والمعنوي‬
‫ومن الممكن أن يؤدي ذلك إلى ارتكابهم لأي جريمة ضد زملائهم وهذا ما وقع منه الكثير‪ ،‬وكانت‬
‫البيانات الحربية الأمريكية عندما تتحدث تصفه بحادث غير قتالي‪ ،‬هؤلاء الجنود المدججون بالسلاح‬
‫والذين يقتلون بدم بارد وأعصاب جامدة ويثيرون الرعب والهلع في الشارع هؤلاء ما أجبنهم حينما‬

‫‪38‬‬

‫نزار السامرائي‬ ‫يَومِيَّا ُت ُمسَا ِفرٍعَلَىطَريِ ٍقأَ ْحمَر‬

‫تحصل مواجهة بينهم وبين رجال المقاومة الذاهبين إلى الموت بلا تردد‪ ،‬ت ارهم يفرون من الموت‬
‫كجرذان غبية‪ ،‬ويجهشون ببكاء مرير‪ ،‬ويشترون الحياة الذليلة بالتوسل والخضوع حتى ليعجب المرء‬
‫من وضعهم‪ ،‬في الحالين‪ ،‬ما هو هامش الشجاعة المتوحشة لديهم حينما يتعاملون مع النساء وكبار‬
‫السن والأطفال؟ يتصرفون وكأنهم يؤدون أدوا ًار في أحد أفلام الأكشن الأمريكية التي تنتهي عادة‬
‫برفع الأمريكي علامة النصر بإصبعين مفتوحين إلى الأعلى‪ ،‬فالأمريكي متفوق ولا يغلبه أحد وفق‬

‫ما تنتجه صناعة السينما في هوليوود‪ ،‬وخاصة فيلم ارمبو‪.‬‬
‫المرور العابر عند أي مفترق طريق في بغداد يشّد الأعصاب ويثير في النفس مشاعر متباينة‬
‫ويغلق الأبواب أمام الإد ارك السليم‪ ،‬ويطلق المخبوء من الانفعالات المكبوتة من مكامنها أمام الموت‪،‬‬
‫الحقيقة المطلقة الوحيدة‪ ،‬والتي لا مناص منها‪ ،‬ومع ذلك فإن الخوف منها يصل مديات تشل قدرة‬
‫الإنسان على التحكم بسلوكه إلا من رحم ربي‪ ،‬فانتظار الموت وترقب وصوله يطغى على الخوف‬
‫من الموت نفسه‪ ،‬وحين ينشر الموت جناحيه فوق أرض يحاول كل من هناك أن يغلق بابه دونه أو‬
‫يفلت منه بجلده‪ ،‬قليلون هم الذين يفكرون بغيرهم في مثل هذه اللحظات‪ ،‬منهم من يجند إمكاناته‬
‫وقد ارته من أجل تقديم العون للآخرين‪ ،‬ولكن لحظة الوداع أصعب امتحان يواجه الإنسان‪ ،‬نعم يمكن‬
‫أن تصدر عن المرء حركات تنم عن الرغبة في المشاركة في مصير واحد ولكن الاختبار إذا ما حل‬
‫بأثقاله فقد يكون من المسلم به لدى الكثيرين التفكير بالنفس أولًا مهما كانت درجة الق اربة والصلة مع‬

‫الغير في مشهد اللحظة الأخيرة‪.‬‬
‫شوارع بغداد الكئيبة والتي تشهد حركة بلهاء وفي مفترقات طرقها وأزقتها التي تنتهي عند‬
‫نهاياتها كل المسالك‪ ،‬وحيث تحولت الأرصفة الموحشة إلى مقابر للحيوانات والأشجار وكتل الحديد‬
‫وبعض أشلاء آدمية‪ ،‬واستحالت الطرق التي كانت إلى الأمس القريب مرصوفة بأحدث المعدات‬
‫ومواد التعبيد إلى حفر وكأنها أرض محروثة متهيئة لموسم الغ ارس‪ ،‬نتيجة ما تركته سرف دبابات‬
‫المحتلين من جروح وأخاديد على صفحة وجهها الناعم‪ ،‬كانت كلها تلتقي مع مدن الع ارق الأخرى‬
‫عند هذه النتيجة المحزنة والتي لا تسمح بذرف قطرة دمع لفرط ما فيها من مياه آسنة اختلطت ببقايا‬
‫دماء الع ارقيين وأعدائهم الأمريكيين مع شديد الأسف‪ ،‬ومع ذلك لم يكن أمامنا أنا ومروان من خيار‬
‫إلا اجتياز طريق المطار وليرحمنا الله للوصول إلى مقر القيادة الأمريكية في قصر الفاو الرئاسي‪،‬‬
‫كان الطريق أطول بكثير مما كان على حقيقته‪ ،‬لا ندري هل السرعة القصوى هي المطلوبة أم علينا‬

‫‪39‬‬

‫نزار السامرائي‬ ‫يَو ِم َّياتُ ُمسَافِرٍعَلَىطَر ِي ٍقأَحْمَر‬

‫أن نسير ببطء شديد لتجنب سوء التقدير من طرف المجاهدين الذين يستهدفون المارين على طريق‬
‫المطار‪ ،‬وهل يا ترى سيتفهم من ي ارنا طبيعة المهمة التي نذهب من أجلها للمطار؟ عيون الناس‬
‫تنظر إلى المارين عبر طريق المطار بتساؤل أكبر من ترقب قذيفة أو إطلاقة تبحث لها عن هدف‪،‬‬
‫فالمطار قاعدة عسكرية أمريكية وليس محطة سفر‪ ،‬هل يصدق من ي ارنا هناك أننا نتابع قضية‬
‫تحقيقية لولدنا الذي قتلته القوات الأمريكية؟ وهل على الجميع أن يعرفوا بالتفاصيل كي يتفهموا‬
‫موقفنا؟ ثم هل نحن وحدنا الذين فقدنا ابناً‪ ،‬ولماذا لم يحقق الأمريكيون بكل ج ارئمهم‪ ،‬فلماذا حصلنا‬
‫على هذا الامتياز؟ آه كم تمنيت ساعتها لو أن قصتنا قد انتشرت على طول الكرة الأرضية وعرضها‬
‫كي تتفهم الأعين التي تختزن أسئلة حائرة سبب مرورنا في طريق المطار‪ ،‬ومع أننا لسنا متهمين‬
‫أمام أنفسنا على الأقل فليق أر من ي ارنا المشهد على هواه‪ ،‬تساؤلات مرت سريعاً وما ي ازل من طريق‬
‫المطار أكثر من نصفه‪ ،‬ولن تجدي هذه التساؤلات في عودة الساعة إلى الو ارء ولا في ق اررنا مواصلة‬

‫الرحلة حتى النهاية‪ ،‬لنا حق نريد ملاحقته وان طال السفر‪.‬‬
‫كنت أقود السيارة بسرعة وسطى وبهدوء حذر فكل الاحتمالات واردة‪ ،‬الأمريكيون الذين‬
‫استدعونا للتحقيق هل نتوقع أنهم أحاطوا دورياتهم القلقة على طريق المطار علماً بمجيئنا؟ استبعدت‬
‫هذا الاحتمال فو اًر فهم لم يسألوا عن نوعية سيارتي ولا لونها ولا رقمها‪ ،‬في الطريق اعترضتنا أكثر‬
‫من سيطرة أمريكية وضعت فيها آخر ما توصلت إليه مصانع الإلكترونيات في الولايات المتحدة من‬
‫معدات وأجهزة‪ ،‬ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد بل جلبوا الكلاب المدربة التي تفحص كل ما ي ارد‬
‫مروره‪ ،‬بعد أن وصلناها وقفنا في دورنا بطابور طويل لم نكن نعتقد أن المطار يستقبل كل هذا العدد‬
‫من السيا ارت والم ارجعين‪ ،‬كنا نتقدم ببطء شديد وبعد أن قطعنا حوالي ‪ 100‬متر بدأ الجنود الأمريكيون‬
‫بإصدار الأوامر‪ ،‬هذا يأمر بفتح الصندوق الخلفي‪ ،‬وهذا يأمر بإطفاء المحرك وفتح غطائه‪ ،‬جاءنا‬
‫جندي يقتاد كلباً أو يقتاده كلب لا فرق فالأمر سيان‪ ،‬أخذ الكلب يدور حول السيارة وهو يؤدي واجبه‬
‫الذي يتقاضى بسببه ارتبًا يفوق ارتب الجندي الذي يقوده‪ ،‬أصدر الجندي لنا أم ًار نيابة عن الكلب‬
‫بالحركة بعد أن أصدر لنا شهادة التجرد عن المتفج ارت والسلاح والعطور‪ ،‬بعد مسيرة قصيرة توقفنا‬
‫مرة أخرى‪ ،‬أُمرنا بالترجل من السيارة وفتح غطاء المحرك مرة أخرى وفتح الصندوق ثانية وتسليم‬
‫الهاتف المحمول‪ ،‬تذمر صامت يكاد يضيء من بين العيون أو يسمع صداه من بين الضلوع‪ ،‬تركنا‬
‫السيارة لبضعة أمتار فهذه المرة يجب أن تفتش السيارة من الداخل بعيدًا عن أعين ركابها‪ ،‬دخل ْت‬

‫‪40‬‬

‫نزار السامرائي‬ ‫يَومِيَّاتُمُسَافِرٍعَلَىطَر ِيقٍأَحْمَر‬

‫على الخط هذه المرة أجهزة أكثر تعقيداً من النقطة السابقة‪ ،‬أجهزة التحسس الكهربائي والتفتيش‬
‫اليدوي المباشر لنا وللسيارة‪ ،‬في باحة الانتظار تقدم نحونا شاب بدت هيئته ملتبسة‪ ،‬بادرني السلام‬
‫عليكم أستاذ ن ازر‪ ،‬أنا معجب بما تقوله في لقاءاتك على الفضائيات المختلفة وبخاصة قناة الجزيرة‪،‬‬
‫أجبته وعليكم السلام‪ ،‬حاول أن يتسلل ولكنني عرفت أن سلامه كان رسالة تشكيك بطبيعة وجودي‬
‫هنا أ ارد أن يكافئ وجوده هو في باحة الانتظار أمام مطار بغداد‪ ،‬هنا وجدت الظرف مناسباً أن‬
‫أبادره بسؤال قد يفاجئه‪ ،‬قلت ماذا تفعل هنا؟ لم أسأله عن اسمه ولا عن منطقته ولكنني سألته السؤال‬
‫الذي أيقنت أنه حينما سلم عل ّي كان يريد أن يقول لي لقد ضبطتك متلبساً في جريمة الانتظار على‬
‫أبواب مطار كان اسمه مطار صدام حسين‪ ،‬وبات اليوم مق ًار لقيادة القوات الأمريكية المحتلة‪ ،‬تلعثم‬
‫قليلاً ولكنه لم يبال على كل حال‪ ،‬فأجاب أنتظر دوري للدخول إلى مقر عملي في خدمات المتاجر‬
‫الأمريكية في القاعدة العسكرية بالمطار‪ ،‬إذن هو لا يخجل من عمله فهو لم يأت لاهثاً و ارء الدبابة‬
‫الأمريكية ولم يرفع سلاحه ضد مواطنيه‪ ،‬ولكنه ربما قاده ظنه أنني أشاركه أو أ ازحمه في البحث‬
‫عن وظيفة‪ ،‬ولهذا حينما سألني واستناداً إلى مبدأ المعاملة بالمثل‪ ،‬وأنت ماذا جاء بك؟ قلت أنا محام‬
‫عن ابن أخي الذي قتله الأمريكيون برميه في نهر دجلة‪ ،‬واليوم نحن مطلوبون للتحقيق وربما‬
‫للمحاكمة‪ ،‬لم يدع ِن أكمل عبارتي كان قد تلاشى وسط الزحام وبقينا بانتظار إشعارنا بأن تفتيش‬
‫السيارة قد تم إنجازه في ساحة مكشوفة‪ ،‬بعد طول انتظار جاءتنا الإشارة باستكمال تفتيش السيارة‪،‬‬

‫فتوجهنا إليها من دون أن نعرف إلى أين نتوجه بعد ذلك‪.‬‬
‫بعد أن أنهينا كل الإج ارءات الأمنية في "جيك بوينت وان"‪ ،‬تحدثت مع بعض الح ارس المتجهمي‬
‫الوجوه هلعًا ورعباً من قذيفة هاون أو سيارة يقودها "انتحاري"‪ ،‬وسلمتهم نسخة من كتاب الاستدعاء‬
‫الرسمي الذي جئنا بموجبه‪ ،‬بعد سلسلة اتصالات ليست عادية أج ارها المسؤول عن النقطة مع‬
‫م ارجعه‪ ،‬أخبَرنا أحُد الح ارس بأن مأمو اًر سيأتي إلينا بهدف إيصالنا إلى الموقع الذي طلبنا‪ ،‬كانت‬
‫الساعة تقترب من الثانية بعد الظهر عندها جاءت سيارة شيفروليه صندوقية رباعية الدفع تتقدمها‬
‫مدرعة من نوع هامر فيها إضافة إلى سائقها جندي يقف و ارء مدفع رشاش سريع الطلقات كان‬
‫منصوبًا فوق المدرعة‪ ،‬وجندي يحمل بندقية من نوع ‪ M16‬كان يجلس بجانب السائق‪ ،‬بعد توقف‬
‫الموكب ترجلت منه السيرجنت سينترون حيث كانت تحمل بندقية آلية ومعها جندي يحمل بندقية‬
‫آلية أيضًا وكان كل منهم يرتدي صدرية مقاومة للرصاص حتى المجندات الأمريكيات يحملن هذا‬

‫‪41‬‬

‫نزار السامرائي‬ ‫يَومِ َيّا ُتمُسَافِرٍعَلَى َطريِقٍأَ ْحمَر‬

‫النوع من البنادق‪ ،‬ولكن ماذا فعل أكثر جنود المارينز ش ارسة مع رجال المقاومة كي تفعله سينترون؟‬
‫وجاءت مع السيرجنت وحمايتها مترجمة قدمت لنا نفسها‪ ،‬قالت أنا سهام الجعبري سأكون المترجمة‬
‫الم ارفقة لكم طيلة تواجدكم في القاعدة‪ ،‬أنا أمريكية الجنسية أقيم في كاليفورنيا‪ ،‬من دون مقدمات قلت‬
‫لها أكيد أنت فلسطينية من الخليل؟ هزت أرسها موافقة على ما قلت‪ ،‬وكادت أن تطلق عبارة دهشة‬
‫ولكنها أحجمت في اللحظة الأخيرة أمام سينترون‪ ،‬بعد ذلك حينما سرنا سوية داخل القاعدة العسكرية‬
‫سألتني من أين عرفت أنني من الخليل هل وصلتكم المعلومات عني مسبقًا؟ تعمدت عدم إجابتها‬
‫من أجل أن أتركها قلقة حتى النهاية‪ ،‬ربما ذهبت لتصو ارت بعيدة وربما كانت قد همست بأذن‬
‫مسؤولها الأمريكي عن ذلك‪ ،‬وربما قالت له إن حياتها في خطر لأن ع ارقيًا على صلة بـ (الإرهاب)‬
‫يعرف عنها معلومات دقيقة جداً‪ ،‬وقد تكون بالغت في تفسير ما سألتها عنه وأضافت من عندها‬
‫الكثير كي تطلب النقل إلى موطنها بالتجنس وتتخلص من كوابيس الموت التي لا تنتهي في الع ارق‬

‫المحتل‪.‬‬
‫بعد أن لاحظت القلق مرتسماً على وجهها والكلمات التي تخرج من فيها‪ ،‬حرصت على الإيغال‬
‫في ممارسة اللعبة التي جاؤوا من أجل تنفيذها معنا‪ ،‬ولأنها من جيل جديد ولأنها انسلخت عن بيئتها‬
‫الفلسطينية التي ما ازل الع ارقيون الأصلاء يعتبرونها صنو محنة احتلال بلدهم‪ ،‬فقد طمس التغرب‬
‫عن ذاكرتها أن رجل دين فلسطيني هو الشيخ محمد علي الجعبري على ما كان قد ترسخ في ضميرنا‬
‫المشدود إلى القضية الفلسطينية التي تأكل معنا وتشرب أن الجعبري شغل وظيفة رئيس بلدية الخليل‪،‬‬
‫وكان جيلنا وخاصة في الع ارق ننظر إلى عمل كهذا على أنه تعاون مدان وطنيًا وقومياً وحتى دينياً‬
‫مع الاحتلال الإس ارئيلي‪ ،‬وكان اسمه متداولاً على مستوى الإعلام العربي والإس ارئيلي على حد سواء‪،‬‬
‫وكان ذلك في وقته يعد كف ًار سياسيًا لا يمكن القبول به‪ ،‬ولو أجرينا مقارنة بين ما فعله الجعبري في‬
‫ذلك الوقت وكان يعتبره تضحية لسكان مدينته المحتلة ودفعًا للأذى الأكبر بالأذى الواقع على‬
‫سمعته‪ ،‬وبين ما يحصل اليوم في كثير من الدول العربية‪ ،‬بل وما تفعله سلطة حماس التي تكاد‬
‫تؤله قاتل الشعب العربي في الع ارق وسوريا ولبنان واليمن بمن فيهم الفلسطينيين في هذه البلدان‬
‫المجرم قاسم سليماني‪ ،‬وتعتبره قيادة حركة حماس "الإسلامية"‪ ،‬شهيد القدس لوجدنا أن الشيخ الجعبري‬
‫قد اجتهد ولم يتجاوز حد الإساءة إلى نفسه ولم يعتبر بن غوريون أو جولدا مائير أو شارون أبطالاً‬

‫أو شهداء القدس أو الخليل‪.‬‬

‫‪42‬‬

‫نزار السامرائي‬ ‫يَومِ َيّا ُتمُسَا ِف ٍرعَلَىطَريِقٍأَ ْحمَر‬

‫بعد أن رحبت بنا سينترون وأ اردت أن تشعرنا بأنها حريصة على إنجاز قضيتنا‪ ،‬طلبت منا‬
‫الصعود إلى سيارة الشيفروليه التي كانت تقودها بنفسها‪ ،‬أشارت إل ّي أن أركب معها في المقعد‬
‫الأمامي وتركت سهام الجعبري ومروان في الخلف‪ ،‬سألتني أين كنتم كل هذه المدة؟ وأردفت لقد‬
‫بحثنا عنكم في سام ارء وطلبنا من شرطة المدينة إحضار مروان ولكننا كنا نواجه بقولهم بعدم القدرة‬
‫على الوصول إليه‪ ،‬تدخلت فو اًر لأقطع الطريق على مروان من الحديث‪ ،‬قلت نعم لقد أبلغونا أكثر‬
‫من مرة ولكننا كنا نصّر على أن يكون طلب الاستقدام خطيًا ورسمياً من الجانب الأمريكي بالذات‬
‫لأننا لا نطمئن إلى التعاون مع أدوات صنعتها أمريكا‪ ،‬ولهذا كنا نهمل م ارجعات الشرطة الع ارقية‬
‫وطلباتها‪ ،‬نحن لا نتحرك من دون تدابير أصولية وعليها أختام رسمية‪ ،‬وافقتني على هذا ال أري وقالت‬

‫يسعدني أن أعمل في قضية طرفها الآخر يعرف ماذا يريد‪.‬‬
‫على الطريق استأنفت سينترون الحديث مرة أخرى فقالت‪ ،‬اليوم مهم بالنسبة لكم فسوف تُعقد‬
‫جلسة استماع عبر قناة تلفزيونية مغلقة مع هيئة التحقيق العسكرية المكلفة بالقضية في كولو اردو‪،‬‬
‫سيتم إحضار الملازم سافيل أمام قاضي التحقيق وسنكون نحن في إحدى قاعات قصر صدام حسين‬
‫والذي تتخذه قواتنا مق اًر لقيادتها‪ ،‬سنجلس في هذه القاعة التي تجرى فيها مؤتم ارت عسكرية على‬
‫أعلى المستويات مع البنتاغون أو القيادات الأخرى في الولايات المتحدة مع قائد القوات الأمريكية‬
‫في الع ارق وهيئة أركانه‪ ،‬سنجلس أمام شاشة نرى فيها هيئة المحكمة وستنقل صورنا لهم ضمن دائرة‬
‫تلفزيونية مغلقة عبر الأقمار الصناعية‪ ،‬ولكن الجلسة لن تبدأ قبل الثامنة مساء بتوقيت بغداد‪،‬‬
‫تساءلت مع نفسي ما هي دوافع سينترون لتقديم العرض عن قاعة المؤتم ارت العسكرية بالوصف‬
‫الذي قدمته وخاصة عندما قالت "مؤتم ارت عسكرية على أعلى المستويات"؟ قلت مع نفسي هي‬
‫مجرد ثرثرة أ اردت أن تقول لنا إنها قريبة من مواقع التحكم بالق ارر وصنعه في هذا المقر‪ ،‬وربما‬

‫أ اردت شيئًا آخر لم تصرح به في ذلك الوقت‪.‬‬
‫كان مروان هو الشاهد الوحيد على جريمة أ اردها الأمريكيون جريمةً كاملة ولكن إ اردة الله كانت‬
‫لهم بالمرصاد‪ ،‬وكنت محاميًا عن العائلة بعد أن انتميت إلى نقابة المحامين بعد احتلال الع ارق عام‬
‫‪ ،2003‬عندما حل بول بريمر الحاكم الأمريكي المطلق للع ارق في الأيام الأولى لتعينه بمنصبه‪،‬‬
‫الكثير من المؤسسات والدوائر الرسمية وفي مقدمتها حزب البعث العربي الاشت اركي والجيش الع ارقي‬
‫وديوان رئاسة الجمهورية الذي كنت مدي اًر عامًا فيه وو ازرة الثقافة والإعلام‪ ،‬أما الصحافة فهي مهنتي‬

‫‪43‬‬

‫نزار السامرائي‬ ‫يَومِ َيّا ُتمُسَا ِفرٍعَلَىطَريِقٍأَحْمَر‬

‫المحببة‪ ،‬فقد مارستها منذ عام ‪ 1963‬وانتميت إلى نقابة الصحفيين نهاية ‪ 1970‬أو بداية عام‬
‫‪ ،1971‬ولكن الاحتلال قلص من حريتي في النشاط الصحفي إلى أدنى حد‪ ،‬فقد كان هامش عملي‬
‫محدوداً في الظهور على الفضائيات العربية‪ ،‬وبخاصة قناة الجزيرة والإخبارية وأبو ظبي وقنوات‬
‫أخرى‪ ،‬لم أكن قد اتخذت المحاماة مهنة لي فأنا صحفي ولا يمكن أن أوفق بين اختصاصين‪ ،‬فضلاً‬
‫عن أنني أفضل العمل الصحفي على أية مهنة أخرى‪ ،‬صحيح أنهما يشتركان في الدفاع عن قضايا‬
‫المظلومين‪ ،‬ولكن الصحافة تقارع الظلم العام بصوت عا ٍل وعلى الهواء الطلق‪ ،‬على حين أن‬
‫المحاماة تقارع الظلم الخاص و ارء أبواب مغلقة‪ ،‬ومع ذلك أريت نفسي مدفوعًا بكل طاقتي لهذه‬
‫القضية لاعتبا ارت كثيرة أولها أن الشهيد ابن أخي‪ ،‬وثانياً أن الجاني الأمريكي فيها ارتكب جريمة‬
‫احتلال الع ارق التي أواجهها في حركتي الإعلامية والسياسية‪ ،‬وثالثاً أنها تسلط الضوء على الج ارئم‬
‫النوعية لقوات الاحتلال وتفضح أساليبه الهمجية في قتل الع ارقيين أو تعذيبهم وكذلك عمليات الدهم‬
‫والسطو على الأموال الخاصة أثناء تفتيش المنازل بعد أن سطا على بلد كامل ونقل موجوداته كلها‬
‫إلى الولايات المتحدة‪ ،‬وأستطيع إيصال ما أحصل عليه من معلومات إلى أجهزة الإعلام في لقاءات‬
‫تلفزيونية قابلة للانتشار على أوسع نطاق أو في ما أنشره من مقالات في الصحافة الع ارقية والعربية‪،‬‬
‫وهنا يحصل التقاء بين الصحافة والمحاماة‪ ،‬ظننت أنني كنت أدافع عن كل ع ارقي مظلوم من قبل‬

‫قوات الاحتلال والسلطة المنصّبة من جانب الاحتلال‪.‬‬
‫اليوم إذن سنشهد جلسة تحقيق مع مجرم أمريكي يستحق وصف القاتل الوغد أو أي وصف‬
‫آخر يليق بفعلته الدنيئة‪ ،‬لأنه ابتكر طريقة للقتل ربما لم تخطر ببال أحد من قبل مع أننا اكتشفنا‬
‫أن سجن أبي غريب كان وعا ًء لعمليات الإيهام بالإغ ارق‪ ،‬لكن سافيل اختزل الطريق و ارح إلى‬
‫الإغ ارق الحقيقي‪ ،‬إنه الملازم الأول سافيل‪ ،‬كنت أحذف متعمداً من اسمه حرف الياء‪ ،‬لأن ذلك ما‬
‫يتطابق مع طبعه وسلوكه‪ ،‬كان سافيل قد أصدر أوامره لجنوده بإلقاء زيدون ومروان في نهر دجلة‬
‫عند بوابة ناظم الثرثار من دون أن يكون هناك سبب يدعوه لهذا الفعل الشنيع‪ ،‬كان علينا أن ننتظر‬
‫بضع ساعات قبل أن يحين موعد الجلسة‪ ،‬كانت السيرجنت سينترون حريصة على التحدث بود‬
‫لافت وفائض عن الحاجة وذلك لإ ازلة أي أثر للتحسس تجاه الجنود الأمريكان الذين احتلوا منطقة‬
‫المطار بكاملها والذي كان عند انتهاء تشييده مفخرة عم ارنية للع ارق‪ ،‬واتخذت قيادة القوات الأمريكية‬
‫في الع ارق من القصر الرئاسي في الرضوانية مق ًار لها‪ ،‬كان وقت الغداء قد حان وجهت لنا سينترون‬

‫‪44‬‬

‫نزار السامرائي‬ ‫يَو ِم َيّاتُ ُمسَا ِفرٍعَلَى َطريِقٍأَحْمَر‬

‫دعوة لتناول الطعام في المطعم المشترك للضباط والجنود‪ ،‬وهو نفسه الذي كان الرئيس الأمريكي قد‬
‫تناول فيه الديك الرومي مع ضباط قواته وجنودها نهاية العام الأول للاحتلال‪ ،‬وقد جاء إليهم خلسة‬
‫من أجل رفع معنوياتهم المنهارة جّارء الضربات المهلكة التي كانوا يتلقونها من قبل رجال المقاومة‬
‫المسلحة‪ ،‬ثم كرر هذه الفعالية عندما جلب معه نوري المالكي الذي نصّبه بول بريمر في غفلة من‬
‫الزمن‪ ،‬رئيساً لوز ارء الع ارق هذا البلد الكبير الذي أ ارد بريمر إذلاله بجلب رئيس وز ارء ما كان يطمح‬
‫يومًا بوظيفة تزيد على رئيس ملاحظين لو كانت السياقات السياسية والإدارية تسير على أقدام سليمة‪،‬‬
‫ولكنه صار هكذا فجلبه بوش الابن معه وتناولا الطعام بما فيه الديك الرومي وسط حشد من الجنود‬
‫الأمريكان‪ ،‬ولم نسمع أنه سأل مضيفه الأجنبي فيما كان لحم هذا الديك مذبوحًا على الطريقة‬
‫الإسلامية أم لا؟ نعم هذا هو نوري المالكي الذي يطالب هذه الأيام برحيل القوات الأمريكية‪ ،‬ونسي‬
‫فضلها عليه‪ ،‬أن جاءت به من أزقة السيدة زينب في دمشق وجعلت منه متحكمًا بثروات أغنى بلد‬
‫في المنطقة‪ ،‬ونسي أيضًا كيف وضع اكليلاً من الورد على قبور قتلى الجيش الأمريكي أثناء احتلال‬
‫الع ارق ووصفه لهم بأنهم شهداء‪ ،‬حينما تذكرت ذلك أخذتني غصة ألم أن أرى أرض الع ارق تُدنس‬
‫من قبل قوات الاحتلال البغيض‪ ،‬لاحظت سينترون ذلك علي وتساءلت عما أفكر فيه‪ ،‬قلت إنني‬
‫أعجب لهذا الزمن الذي تدور دواليبه بسرعة لا توصف وبصورة لا تصدق‪ ،‬وكيف تحول متسول‬

‫السيدة زينب إلى ما يسميه بعضهم من الضعفاء إلى (رجل الع ارق القوي)‪.‬‬
‫استحثتنا السيرجنت سينترون على تناول وجبة الغداء قبل أن يتم استدعاؤنا إلى القاعة‪ ،‬من ذا‬
‫الذي يرغب بتناول الطعام على مائدة عدوه قاتل ابنه؟ أردنا أن نجلب شيئاً نسد به الرمق لا غير‪،‬‬
‫كانت الأطعمة معروضة للجميع على موائد طويلة‪ ،‬والخدمة في المطعم تتم بموجب قاعدة اخدم‬
‫نفسك بنفسك‪ ،‬كانت ال ُخضار والفواكه لكل المواسم جلبوها لجنودهم كي ُيشعروهم بأن قيادتهم بقدر‬
‫ما تزج بهم في معارك قد تنقلهم إلى بلادهم ملفوفين بالعلم الأمريكي‪ ،‬فإنها على استعداد أن توفر‬
‫لهم أعلى درجات الرفاهية وتجلب الخضار والفاكهة من القا ارت الخمس‪ ،‬حينما توجهت إلى (البوفيه)‬
‫تقدم نحوي جندي تبدو على ملامحه سحنة شبه القارة الهندية‪ ،‬وبادرني بعبارة السلام عليكم هل تريد‬
‫أكلاً حلالاً؟ قلت له نحن نتناول الأسماك فقط‪ ،‬أشار إلى موضع الأسماك وخاصة الروبيان وبحجوم‬
‫وأصناف مختلفة‪ ،‬عندما كنت أتنقل داخل قاعدة المطار التي حولها المحتلون إلى قاعدة جوية لهم‬
‫ومرك از للقيادة‪ ،‬وجدت أن الأمريكان كانوا يتعمدون في تشغيل ع ارقيين في أعمال خدمية مثل التنظيف‬

‫‪45‬‬

‫نزار السامرائي‬ ‫يَومِ ّيَا ُت ُمسَافِرٍعَلَى َطريِ ٍقأَحْمَر‬

‫ورفع القمامة وربما هناك أعمال أخرى حقيرة لم تظهر على السطح‪ ،‬كان هدف الأمريكان إذلال‬
‫الع ارقيين بأي شكل‪ ،‬وحرق أو ارق سمعتهم أمام المجتمع والمقاومة المسلحة التي كانت تنظر إلى من‬

‫يعمل مع المحتلين كأنه جاسوس لهم‪.‬‬
‫مقر القيادة الأمريكية في قصر الفاو في الرضوانية من أط ارف بغداد الغربية وهو قريب من‬
‫مطار بغداد واستغرقت السيارة من المدخل الخارجي للمطار حتى الوصول إلى بوابة قصر الفاو‬
‫عدة دقائق‪ ،‬وهو أحد القصور الرئاسية في عهد الرئيس ال ارحل صدام حسين وربما يكون هو الأكبر‬
‫والأفخم بين تلك القصور وقد أخذ اسمه من اسم مدينة الفاو التي احتلها الإي ارنيون في شباط ‪1986‬‬
‫وغيروا اسمها إلى الفاطمية وأقاموا فيها من التحصينات والمواقع والموانع ما ظنوا أنها مانعتهم من‬
‫الهزيمة‪ ،‬وقال رفسنجاني حينها إذا استعاد الع ارقيون الفاو فسأذهب بنفسي إلى بغداد لتقديم التهنئة‬
‫للرئيس صدام حسين‪ ،‬فاستعد الع ارق شعباً وجيشاً وقيادة بوضع خطط تحرير هذه المدينة التي دخل‬
‫منها الإنكليز بداية زحفهم نحو بغداد في العقد الثاني من القرن الماضي وجاء الإي ارنيون ليقتفوا‬
‫خطواتهم‪ ،‬فالمحتلون يفكرون بطريقة واحدة ويسلكون الطرق نفسها‪ ،‬وحتى عندما جاء الأمريكيون‬
‫عام ‪ 2003‬قاموا بالشيء نفسه‪ ،‬وعمل الع ارقيون بكل جهدهم لتحرير مدينتهم من دنس الإي ارنيين‪،‬‬
‫فتم لهم النصر المؤزر في‪ 1988 /4/ 17‬بعد أن سحقوا قوات العدو وكسروا عموده الفقري حتى‬
‫استلقى جاثيًا على الأرض بذ ٍل وتجرع كأس السم ارغماً واضطر لوقف إطلاق النار في ‪8/ 8‬‬
‫‪ ،1988/‬فأطلق الرئيس الر احل صدام حسين رحمه الله على هذا القصر اسم الفاو تيمناً بنصرها‬
‫المجيد‪ ،‬وعلى الرغم من أنني لم أر هذا الصرح من قبل ولم يسبق لي أن أريت أيًا من القصور‬
‫الرئاسية الأخرى باستثناء القصر الجمهوري في ك اردة مريم الذي أريته لعدة م ارت فيما مضى‪ ،‬وهو‬
‫البلاط الملكي تحت الإنشاء الذي كان منتظ ًار أن يقيم فيه الملك فيصل ويتخذه مق ًار رسميا له‪ ،‬عندما‬
‫قامت ثورة ‪ 14‬تموز‪ /‬يوليو ‪ 1958‬لم يكن القصر قد أُنجز بعد‪ ،‬ولم يتم الانتقال إليه إلا بعد ثورة‬
‫‪ 14‬رمضان‪ 8/‬شباط فب ارير ‪ 1963‬حينما تحول اسمه إلى (القصر الجمهوري) وهو المقر الرسمي‬
‫للدولة الع ارقية‪ ،‬ووقعت في أسر القوات الإي ارنية في ‪ 24‬آذار‪ /‬مارس ‪ 1982‬ولم يكن هناك قصر‬
‫رئاسي رسمي سواه‪ ،‬وحينما عدت من الأسر في ‪ 22‬كانون الثاني‪ /‬يناير ‪ 2002‬لم يكن ميسو ًار لي‬
‫أن أدخل إلى أي من القصور الرئاسية بسبب ظروف الع ارق الاستثنائية التي كان يعيشها قبيل الغزو‬
‫الأمريكي وعبث لجان التفتيش التابعة لأمريكا وترفع علم الأمم المتحدة‪ ،‬ولذلك حينما أصف قصر‬

‫‪46‬‬

‫نزار السامرائي‬ ‫يَو ِم َيّاتُمُسَا ِف ٍرعَلَى َطر ِيقٍأَحْمَر‬

‫الفاو بأنه الأكبر والأفخم فإنما أقارن بينه وبين القصر الجمهوري في ك اردة مريم‪ ،‬وربما بما سمعته‬
‫من مقارنات بين القصور الرئاسية‪ ،‬على العموم لم يتعرض القصر لشيء من ظروف العمليات‬
‫الحربية الكبرى التي شهدتها بغداد ومنطقة المطار بشكل خاص‪ ،‬ولكن الكثير من محتوياته كانت‬
‫قد اختفت نتيجة السرقات التي قام بها الجنود الأمريكيون ونقلوها إلى بيوتهم في الولايات المتحدة‬
‫تحت لافتة أخذ تذكا ارت من زمن الحرب وخاصة ما خف وزنه وكانت قيمته المالية أو الفنية عالية‪.‬‬
‫عندما دخلت إلى باحة القصر شعرت بجلال تصميم القصر وفخامته التي تليق بعظمة تاريخ‬
‫الع ارق وحضا ارته العريقة والذوق الرفيع للرئيس صدام حسين‪ ،‬ولكنني تساءلت بم اررة هل ُبني القصر‬
‫كي يشغله أكثر أعداء من بناه ك ارهية له وحقدًا عليه وعلى وطنه وهم الأمريكيون‪ ،‬وأ اردوا المبالغة‬
‫في التعبير عن هذا الحقد حينما حولوه إلى مقر لقيادة قوات غزو الع ارق واحتلاله‪ ،‬تتدلى من قبة‬
‫القصر ثريا كبيرة من الكريستال النقي المشدودة مع بعضها بخيوط ذهبية اللون‪ ،‬ولتشكل وهجاً‬
‫متلاحق التلألؤ كأنها كوكب دري‪ ،‬حينما دخلت باحة القصر قلت مع نفسي هي مفارقة الزمن‬
‫الرديء الناتج عن الاحتلال أن أدخل القصر في وقت تُطبِق عليه قوات معادية للع ارق وعلى كل‬
‫مفاصل الدولة الع ارقية‪ ،‬ولم يتحقق لي أن أريت هذا القصر في زمن سياسي كنت جزءًا منه وفيه‪،‬‬
‫كان الألم يعتصرني وأنا أمشي في أروقة القصر لأن شيئاً بنيناه وتح ّمل الحزب وقيادته بسبب بنائه‬
‫الكثير من النقد والتجريح من موتورين وباحثين عن أية ثغرة يتسللون منها لشتم النظام‪ ،‬ثم تحول في‬
‫لمح البصر إلى سيطرة عدّونا وكأننا ما بنيناه إلا لكي ينتقل إلى سيطرة أولئك الأعداء المملوئين‬
‫ك ارهية وحقداً على الع ارق‪ ،‬واذا مرر َت من تحت تلك الثريا فكأنما مرر َت تحت وهج الشمس واذا‬
‫ُسلب ُت القدرةَ على مقاومة إغ ارء النظر إليها فلا بد من المسير فوق أرض رخامية من ط ارز خاص‬
‫ترغم الجميع على استذكار الآية الكريمة‪) :‬قيل لها ادخلي الصرح فلما أرته حسبته لجة‪ )....‬فهي‬

‫أرض تلمع بصفاء ارئق‪ ،‬يجب الاحت ارز عند المشي عليها خشية السقوط‪.‬‬
‫من الخارج تحيط بالقصر حدائق ذات بهجة وبحي ارت متلاحقة تربط بينها جسور هي أقرب‬
‫إلى عيون المها بين الرصافة والجسر‪ ،‬وعلى الرغم من أن قوات الاحتلال لم تدخر جهداً للعبث‬
‫بالقصر ومحتوياته وما يحيط به من م ارفق بل وبالع ارق كله فإن القصر بقي متألقاً بالح ازم الأخضر‬
‫الذي يحيط به بعد أن حولته أياد الع ارقيين من أ ار ٍض قاحلة إلى أجمل الجنان مما يصادف الإنسان‪،‬‬
‫صدام حسين لم يبن لنفسه قص اًر واحدًا وانما كان يبني صروحًا لبلده تعوضه عما فات من قبل‪،‬‬

‫‪47‬‬

‫نزار السامرائي‬ ‫يَو ِميَّاتُ ُمسَا ِفرٍعَلَىطَريِ ٍقأَحْمَر‬

‫فكل ما كان يمتلكه الع ارق من موروث عم ارني هو قصر الرحاب وقصر الزهور والقصر الملكي في‬
‫سرسنك وآخر في مصيف صلاح الدين‪.‬‬

‫كما أن صدام لم يفتح حسابًا في البنوك الأجنبية ولو أن أحداً من أعدائه الأمريكان أو الفرس‬
‫أو عملائهم‪ ،‬قد ضبط وثيقة واحدة تشير إلى ذلك لكانت الصحافة المرتبطة بالمحتلين الأمريكان‬
‫والبريطانيين والإي ارنيين وعملائهم من عناصر العملية السياسية الفاسدة قد سخرت كل صفحاتها‬
‫للحديث عن ذلك‪ ،‬إن بناء هذه القصور كان سدًا لنقص كبير في الم اركز الحكومية‪ ،‬فالعالم ملئ‬
‫بعش ارت الألوف من الجسور وبتصاميم مختلفة ومبهرة وملايين الكيلومت ارت من طرق "الهاي وي"‬
‫الحديثة‪ ،‬لكن أحدًا لم ينتبه إلى ارتباط الولايات المتحدة إلا بالبيت الأبيض في واشنطن وتمثال‬
‫الحرية في نيويورك‪ ،‬وقصر الكرملين في موسكو‪ ،‬والاليزيه وبرج إيفل في باريس‪ ،‬وقصر باكنغهام‬
‫الملكي في لندن وعش ارت القصور التاريخية في ألمانيا‪ ،‬أما في البلاد العربية فيبرز قصر القبة‬
‫وقصر الطاهرة في القاهرة‪ ،‬ولأن الع ارق وعلى الرغم من أل ِق تاريخه لم يترك أث ًار كشاهد على عهوده‬
‫المتعاقبة‪ ،‬فقد وجد صدام حسين أنه يجب أن يترك للع ارقيين شيئاً من المآثر العم ارنية الفخمة‪ ،‬وهم‬

‫الذين لم يترك لهم الذين حكموهم قبلاً شيئًا منها‪.‬‬
‫كان الحصار الاقتصادي الدولي الذي فرضته الولايات المتحدة على الع ارق باسم مجلس الأمن‬
‫الدولي يضرب بقوة على كل ما يتعلق بحياة الع ارقي في مأكله ومشربه ودوائه‪ ،‬وحتى حليب الأطفال‬
‫خضع لتقنين ظالم لم يعرف له شعب من الشعوب مثيلًا‪ ،‬ولكن القيادة توصلت إلى أن تنشيط حركة‬
‫التشغيل في المجتمع من أجل ضخ موارد في الشارع الع ارقي‪ ،‬فبُنيت عش ارت المشاريع العملاقة‬
‫بخبرة المهندسين وجهود العمال الع ارقيين‪ ،‬ولعلنا لا ننسى الجسر ذي الطابقين والسد العظيم على‬
‫نهر الِعظيم‪ ،‬وعش ارت الطرق والجسور والمجس ارت مما ساهم في تحريك عجلة الاقتصاد الوطني‪،‬‬
‫فضلاً عن تأهيل مئات المصانع الكبرى التي تم تدميرها في عدوان عام ‪ ،1991‬وتنشطت الحركة‬
‫الز ارعية على الرغم من أن الولايات المتحدة لاحقت نشاط قطاع ز ارعة الحبوب في محافظة نينوى‬
‫بكل حقد وخسة‪ ،‬فكانت تضرب حقول القمح بالمشاعل الح اررية بهدف إح ارقها ومنع الاكتفاء الذاتي‬

‫وتقنين المستوردات التي لا تخرج عن هيمنة الإدارة الأمريكية‪.‬‬
‫وصلنا إلى القاعة التي أُعيد تنظيمها بحيث أصبحت القاعة الرئيسة لعقد المؤتم ارت وعلى‬
‫أعلى المستويات بين القيادة الميدانية للقوات الأمريكية في الع ارق ورئاسة الأركان الأمريكية في‬

‫‪48‬‬

‫نزار السامرائي‬ ‫يَومِيَّاتُمُسَافِرٍعَلَىطَريِ ٍقأَحْمَر‬

‫واشنطن وقيادة المنطقة الوسطى عبر قناة تلفزيونية مغلقة‪ ،‬يتم خلال هذه المؤتم ارت بحث المستجدات‬
‫والخطط البديلة وذلك نتيجة التطو ارت الميدانية والخسائر المت ازيدة للقوات الأمريكية في الع ارق‪ ،‬أخذ‬
‫كل منا مقعده المحدد له سلفاً‪ ،‬أخذت است ارحة لأدور خلالها وأنا جالس في مكاني في أرجاء هذه‬
‫القاعة‪ ،‬والتي يمكن أن تكون قد شهدت كثي اًر من المؤتم ارت العسكرية التي أدارها الرئيس ال ارحل‬
‫صدام حسين رحمه الله لوضع الخطط التفصيلية وبدائلها التي تقتضيها المستجدات الطارئة من أجل‬
‫مواجهة قوات الغزو الأمريكي التي تتخذ الآن من القصر مق ًار لقيادتها العليا‪ ،‬نعم هذه القاعة تتخذها‬
‫قوات العدو مكانًا لعقد مؤتم ارتها العسكرية‪ ،‬ولكن من أجل التصدي للمقاومة الوطنية المسلحة الباسلة‬
‫والتي تمكنت من إلحاق أكبر هزيمة عسكرية ونفسية بالولايات المتحدة منذ الحرب الفيتنامية‪ ،‬مع‬
‫فرق حاسم وهو أن المقاومة الع ارقية تواجه أمريكا بكل ثقلها من دون أن يمد لها الاتحاد السوفيتي‬
‫يد الدعم أو الصين الشعبية كما كان يحصل مع كفاح الشعب الفيتنامي لطرد الأمريكان من جنوب‬

‫بلادهم‪ ،‬وعانت المقاومة الع ارقية من حصار شامل من جميع جي ارن الع ارق‪.‬‬
‫بدأ الفنيون بتشغيل شبكة الاتصال مع قاعة المحكمة العسكرية في إحدى القواعد في ولاية‬
‫كولو اردو‪ ،‬حينذاك فقط أيقنت أن الصيحات التي تعالت باللغة الإنكليزية والتي مهدت للربط الفني‬
‫بين هذه القاعة وقاعة المحكمة في كولو اردو أصبحت حقيقة مؤكدة‪ ،‬فالأصل أننا كنا نشك كثي اًر‬
‫بجدية الأمريكيين وبكل ما يقطعوه لنا من وعود وفي كل ما ينطقوه من كلمات أو في كل ما يخطوه‬
‫من خطوات‪ ،‬فهم أعداء بلدنا ودمروه وسلموه لأعدى أعدائنا الإي ارنيين‪ ،‬وبدأت جلسة الاستماع‪ ،‬ومن‬
‫طبيعة الأسئلة التي طرحها المحققون بدأت أتيقن بأن الجانب الأمريكي وفي سعيه للتنصل عن‬
‫مسؤولية جريمته فإنه يستميت من أجل البحث عن ضحية أو شماعة يعلق عليها أسباب ما ارتكب‬
‫جنوده من جريمة وحشية‪ ،‬وكأنهم يسعون إلى تحويل مروان من شاهد إلى متهم‪ ،‬ولذلك كانت الأسئلة‬
‫تركز على تحديد وقت وقوع الحادث‪ ،‬متى وصلتما السيطرة العسكرية عند مدخل سد الثرثار؟ لماذا‬
‫تريدنا نعتقد بأن الجنود قد ألقوكما في الماء؟ وعش ارت الأسئلة تتدفق بلا انقطاع حتى تصورت أن‬
‫الهدف من طرح هذا السيل من الأسئلة ليس سماع شهادة مروان بقدر ما كان الهدف التشويش عليه‬
‫علهم يمسكون ب أرس خيط يجعلون منه سياجاً لحماية متهميهم‪ ،‬ولذلك كنت أشير إلى مروان بعدم‬
‫التحدث معهم ما لم يتوقف المحقق عن طرح سيل الأسئلة التي لا علاقة بها بموضوعنا‪ ،‬من قبيل‪،‬‬
‫هل تتوقع أن جنودنا على استعداد لرمي شباب أحياء في فوهة سد مائي متدفق المياه؟ أو من قبيل‬

‫‪49‬‬


Click to View FlipBook Version