نزار السامرائي يَو ِم َّيا ُت ُمسَا ِف ٍرعَلَى َطريِ ٍقأَحْمَر
1
نزار السامرائي يَو ِم َّياتُمُسَا ِفرٍعَلَىطَريِ ٍقأَحْمَر
إهـــــــــداء
إلى روح زيدون ابن أخي ،الذي غادرنا قبل أوان موسم الرحيل ،والى روحه النقية
التي ما ت ازل ترفرف فوق رؤوسنا وتعيش معنا رغم بعد المسافات.
إلى أخي مأمون وأم زيدون اللذين تحملا الفجيعة بقلبين مؤمنين بأن ما حصل كان
سيحصل مهما اتخذا من احت ار ازت.
إلى شقيقاته وأشقائه الذين هالهم المصاب ولم يستعيدوا استق اررهم النفسي إلا بعد
أن َجرف الحزن عليه كثي ارً من ُجرف صبرهم.
إلى أعمامه ،وأنا منهم وعماته اللائي تعاملن مع الحدث كواحد من المصائب الكبرى.
إلى أصدقاء زيدون ومحبيه ،والى كل شهداء الع ارق الذين سقطوا بني ارن الاحتلالات
الغاشمة التي تعرض لها الع ارق وما ازل ،أًهدي هذا المؤلف ،آملًا أن يبقى شهادة
تستحث في كل واحد منهم حقداً مقدساً على كل من كان سبباً في احتلال الع ارق
وتدميره ،وتوقظ في كل مظلوم لتبقى جذوة الثأر متقدة في القلوب حتى ُيسترد الحق
ويعود إلى أهله ،وننتقم من قتلة زيدون بتلك الطريقة البشعة التي ستبقى وصمة
عار في جبين "زعيمة العالم الحر" أمريكا.
2
نزار السامرائي يَو ِميَّاتُمُسَا ِفرٍعَلَى َطر ِيقٍأَحْمَر
يوميات مسافر على طريق أحمر
قبل البداية
في 9نيسان /أبريل 2003استكملت قوات الغزو الأمريكي البريطاني مع قوات من دول أخرى
مثل إسبانيا وايطاليا وأست ارليا وكوريا الجنوبية وبولندا وغيرها ،استكملت احتلال مدينة بغداد عاصمة
الدولة الع ارقية ورمزها السياسي ،وباشرت الولايات المتحدة بشكل خاص ومن دون خبرة حقيقية
بطبيعة الشعب الع ارقي مع كثير من العنجهية والتصو ارت الخاطئة عن إمكانيتها لفرض نموذجها
الخاص على البلدان التي تحتلها ورفض المقترحات الأخرى التي قُدمت لها من دول شاركتها الغزو
كبريطانيا التي تعتبر نفسها صاحبة الخبرة الأكثر عمقًا وأكثر معرفة بالع ارق لترتيب أوضاعه ،لكن
الولايات المتحدة أغمضت عينيها وسدت أذنيها عن كل مشورة ومضت في تجاربها الخاصة ،وفق
المخطط الذي تظن أنه يخدم است ارتيجيتها الإقليمية والدولية ،فأطلقت القوات الأمريكية يد اللصوص
والغوغاء والدهماء وقطاع الطرق المحليين والإقليميين والدوليين لتدمير ما بقي من مؤسسات بناها
الع ارقيون بجهدهم وعرقهم وتضحياتهم عبر مسيرة امتدت لعش ارت السنين ،وفي الوقت ذاته أعطت
لجنودها الحصانة لممارسة القتل من دون قتال ،ووضعت لنفسها قواعد اشتباك أجازت فيها استهداف
الشيوخ والأطفال والنساء ،فقتلت على الظنة والشبهة ،وقتلت في عمليات انتقام ميدانية ،انتقمت من
العزل نتيجة عجزها عن مواجهة المقاومة الباسلة التي كانت قد انطلقت ُبعيد أقل من أربع وعشرين
ساعة على احتلال مدينة بغداد.
الع ارقيون لم يقاتلوا أمريكا وحدها بل قاتلوها ومعها جيوش أكثر من عشرين بلدًا ،وحتى لو
أنهم واجهوها منفردة فسيسجل لهم التاريخ فخ ًار أنهم قاتلوا أعتى قوة عسكرية عرفها تاريخ البشرية
منذ أن عرفت الدول منظومات الجيوش والقوة المسلحة والخطط الحربية ،ومنذ أن دارت على الأرض
أولى حروبها ،قاتلوا الولايات المتحدة التي كانت تمثل مركز الاستقطاب الوحيد في العالم ولم يتسولوا
من أحد العون على الرغم من أن تقديم العون لشعب يقاتل من أجل تحرير بلده يعد أم ًار مشروعاً
بل واجبًا على الشعوب الحرة كلها ،وعلى الرغم من أن الع ارقيين لم يبخلوا به يوماً على أحد حينما
كانوا يناصرون بلا مّنة كل المنافحين عن حقوقهم وحرية بلدانهم في كل بقعة في الأرض تعرضت
3
نزار السامرائي يَومِ َّيا ُت ُمسَا ِفرٍعَلَىطَر ِيقٍأَحْمَر
للاحتلال والقهر والظلم والحيف ،وألحق الع ارقيون بالمعتدين أكبر الخسائر في الأرواح والمعدات في
وقت قياسي من زمن المنازلة.
نعم الع ارقيون لم يواجهوا "إس ارئيل" ولم يواجهوا فرنسا ،بل واجهوا العالم كله وهم مطوقون
وممنوعون من الحصول على الدعم من أي طرف خارجي سواء كان عربياً أم غير عربي ،ومع ذلك
هزموا المشروع الكوني الأمريكي ،وربما كانوا قد قاتلوا نيابة عن الإنسانية جمعاء ،ولو أن غزو
الع ارق كان قد مّر من دون ثمن باهظ دفعته أمريكا لكانت القوات الأمريكية تستقر الآن في الكثير
من عواصم المنطقة ولكان العلم الأمريكي يرتفع فوق أبنية في كثير من عواصم العالم هي ليست
سفا ارت أمريكية على أية حال ،ولكانت واشنطن تستنسخ فيها تجربة الإدارة السياسية التي أقامتها
في الع ارق على يد بول بريمر ،وربما كان بول بريمر بما يملكه من حظوة عند الرئيس الأمريكي
السابق جورج بوش الابن ،قد أصبح حاكمًا عامًا للع ارق واي ارن ومنطقة الخليج العربي وبلاد الشام،
ولكن الع ارقيين الذين تصدوا للمشروع الأمريكي بعزم ورجولة وشجاعة نادرة أوقفوا خطط الولايات
عند بوابات الع ارق ولعق الأمريكيون ج ارحهم النازفة ،واعترفوا بحوالي خمسة آلاف قتيل فقط ،وهو
رقم يفوق خسائر "إس ارئيل" في كل حروبها على البلدان العربية ،على الرغم من أن الأرقام الحقيقية
للخسائر الأمريكية تق أر أكثر من ثلاثين ألف قتيل وأكثر من 226ألف جريح ،منهم آلاف المعاقين
ومن الذين يعانون من لوثة عقلية ،أو هم بحاجة إلى رعاية دائمة ،هؤلاء لم يأتوا بنزهة للع ارق وانما
ُصِّور الأمر لهم على ذلك الأساس ،بل قيل لهم بأن من طبع الع ارقيين أن ينحروا الذبائح لضيوفهم،
وأن الزهور والحلوى ستنثر فوق رؤوس جنود الغزو وتحت سرف الدبابات الأمريكية المتقدمة نحو
بغداد ،واذا بالذبائح تنحر ولكنها كانت من الجنود الأمريكان أنفسهم ،واذا بالدبابات تتطاير أشلاؤها
نتيجة القذائف التي تطلقها زنود الرجال الثابتة أيديهم على سلاحهم ،واذا بغيوم فيتنام تت اركم فوق
واشنطن ،واذا بالمقاومة الع ارقية تنجح في نقل المعركة من شوارع المدن الع ارقية إلى شوارع المدن
الأمريكية مع كل نعش لقتيل أمريكي ملفوف بالعلم الأمريكي ،ليترك له أصداء غاضبة على النزعة
العدوانية الأمريكية ،كان الع ارقيون يتحدثون عن خسائرهم بم اررة وهم شهداء عند ربهم ولكنهم يلحقون
ذلك بذكر أرقام الخسائر الأمريكية كناية عن النصر وتخفيفاً من غضبهم.
أمريكا هذه ارتكبت ج ارئم تفنن في ابتداعها الضباط والجنود المرعوبون ،ولكن هذه القصة التي
بين يديك أيها القارئ الكريم جريمة من نوع خاص ،وهي تعكس الطبيعة السادية الهمجية لكل من
4
نزار السامرائي يَو ِم َّيا ُتمُسَا ِفرٍعَلَى َطريِ ٍقأَحْمَر
ارتدى البزة العسكرية الأمريكية والتي تزعم قيادة الجيش الأمريكي أنها رمز للفروسية ،فأين هي
الفروسية في إلقاء شباب أعزل في بوابة سد على نهر دجلة رمز الحياة الع ارقية المتجددة؟ فأ ارد
الأمريكيون تحويله إلى قبر ترقد فيه كل النوايا الخيرة.
5
نزار السامرائي يَو ِم ّيَاتُمُسَا ِفرٍعَلَىطَر ِي ٍقأَحْمَر
الخطوة الأولى
في الطريق بين بغداد وسامراء
العابر عند مفترق أي طريق في بغداد يخوض مغامرة لا يمكن التكهن بنتائجها ،حيث تنتشر
القوات الأمريكية بدورياتها المتحركة والثابتة ،وحيث يكون كل شيء يتحرك هدفًا مشروعًا للقتل من
دون إنذار على وفق قواعد الاشتباك الأمريكية التي وضعها الجيش الأمريكي لنفسه وجعل منها كرة
مطاطية يمكن تكييفها على وفق الحالة التي تخدم الجندي الأمريكي المأزوم حينما يكون على حق
في أحوال نادرة جدًا ،أو من دون حق ،أو يكون على باطل في كل الأوقات ،نعم المرور عند
المنعطفات قد يثير في النفس مشاعر إنسانية متباينة ،فهو من جهة يصك الأبواب أمام العقل
للتحرك أو التفكير السليم ويغلق العين عن رؤية ما يمر أمامها ويسد الأذن عن سماع ما هو قريب
منها ،بل يغلق أي إد ارك عقلي ويطلق بالمقابل العاطفة الحبيسة من مكامنها ،أمام الموت ،الحقيقة
المطلقة الوحيدة في الكون ،والتي على الرغم من أنها لا مناص من الوصول إليها ،إلا أن الخوف
منها يرتقي إلى مديات يستحيل التحكم بها مهما بلغت شجاعة الرجال ،وهو من جهة أخرى طريق
6
نزار السامرائي يَومِيَّا ُتمُسَا ِف ٍرعَلَى َطر ِي ٍقأَحْمَر
لا بد من سلوكه للوصول إلى الغاية التي يقصدها من يسلكه ولا خيار له إلا المجازفة أو البقاء في
المنزل.
فانتظار الموت وترقب وصوله ،يطغى على الخوف من الموت نفسه ،لأن توقع حصوله يشل
المشاعر ويعطل المدارك والتفكير السليم ،وحين ينشر ملك الموت جناحيه فوق أرض يحاول كل
من هناك أن يغلق بابه دونه ،أو أن يفلت منه بجلده وينقذ نفسه بأية وسيلة ،قليلون هم الذين يفكرون
بغيرهم في تلك اللحظات ،وقد يجّند البعض قد ارتهم من أجل تقديم العون للآخرين ،ولكن اقت ارب
لحظة الوداع هي الامتحان الصعب الذي لا يجتازه إلا القلة النادرة برباطة جأش ،وقد تصدر عن
المرء حركات تنم عن الرغبة في المشاركة في المصير المشترك ،ولكن إذا وقع الاختبار النهائي فقد
يكون من ال ُم َسَلّم به بالنسبة للكثيرين أن يفكر الإنسان بنفسه أولاً مهما كانت درجة الصلة مع الغير
في مشهد الرعب الأخير ،في شوارع بغداد ومفترقات طرقها ،وكذلك الحال بالنسبة للمدن الع ارقية
التي رّوعها الاحتلال الأمريكي ،كان على الع ارقي أن يحسب خطوته بدقة حينما ينقل قدمه في
شوارعها ،لأن الخطأ الأول سيكون هو الأخير.
كان زيدون صامتاً وسارحًا ينظر إلى البعيد من الطريق ال اربط بين بغداد وسام ارء ويفكر بقادم
الأيام التي سيضمه مع خطيبته في بيت واحد حيث يعود لعالم الطفولة البريئة ،ولكن مع أولاده الذي
كان مصممًا على أن يجعل منهم فصيلاً كاملًا ،كانت هذه الأفكار تداعب مخيلته وتستنهض فيه
كل عوامل التحدي والتطلع لحياة جديدة بكل مفرداتها وتفاصيلها ،على الرغم من أنه ما ازل في
مقتبل العمر ،إلا أنه نجح في وضع أبيه وأمه أمام الأمر الواقع بقبول فكرة الزواج المبكر ،أما ابن
عمه مروان فكان وهو جالس و ارء مقود الشاحنة الصغيرة ،ي ارقب الطريق نفسه بحذر شديد واشفاق
من أن يبرز أمامه رتل أمريكي فيملأ الأرض رعبًا وهلعًا ويحتل الطريق عن آخره ويصادر حق أهله
من مجرد المسير فوقه ،ويفسر كل توقف على أنه دليل على عملية (إرهابية) فيفتح النار عشوائياً
ولا يكترث لمن يقتل ،فذلك هو ما يرمي إليه ،كان مروان يحمل من القلق الشيء الكثير لأن
الأمريكان يقتلون ثم يبحثون عن مبرر معلن لسلوكهم ،مدعومون بإدارة احترفت الجريمة ومنحتهم
كل ثقتها ودعمها ،ولذا كان ي ارقب الطريق وعلى جوانبه كل حالة قد تط أر فجأة فتغير وجهة الرحلة،
كانت الشاحنة جديدة ولم يتوقع أحد منهما أن تصاب بعطل مفاجئ يلزمهما التوقف أكثر من مرة
لمعالجته ،ومع ذلك فقد رفضت المضي في طريق العودة ،إذ تعرضت لعطل بعد مسافة غير بعيدة
7
نزار السامرائي يَو ِميَّا ُت ُمسَافِرٍعَلَىطَر ِي ٍقأَ ْحمَر
عن بوابة بغداد ،حتى اضط ار في نهاية المطاف الاستعانة بميكانيكي لإصلاح الخلل وأخذ هذا
التأخر من وقتهما أكثر من ضعف الوقت اللازم للوصول إلى سام ارء قبل بدء سريان حظر التجوال،
وبعد طول سفر وصلا بشاحنتهما التي أتعبتها الرحلة وأتعبتهما أكثر منها ،إلى مشارف سام ارء في
وقت يقل بنصف ساعة من الوقت الذي أعطت القوات الأمريكية لنفسها الحق في فتح النار على
كل كائن متحرك على الطريق بسبب حظر التجول الذي سيستخدم مسا اًر لإطلاقة جاهزة في بندقية
جندي أرهقه رعب الانتظار لمجهول يفوق الموت في إثارة كوامن النفس ،ويرى في كل متحرك عدواً
مؤكدًا وهدفاً مشروعًا للقتل ،لأن من لا يقتل أولًا سيكون هو الضحية ،هكذا أدخلت القيادة العسكرية
الأمريكية هذه القناعة في عقول جنود قادمين من أزقة خلفية لم تعلمهم سنوات التدريب إلا كيفية
حماية النفس ولكن بالقتل.
أقام (الحرس الوطني) الذي شكلّته القوات الأمريكية من بعض ضعاف النفوس الذين لم يثبتوا
أمام إغ ارء العملة الخض ارء ،أقاموا نقطتي تفتيش على جانبي سد سام ارء لم ارقبة الطريق الوحيدة
التي يربط سام ارء مع طريق بغداد الدولي مع الموصل ،كان الجنود المتعبون والذين تحولت حجرتهم
في بداية العام الميلادي ،إلى مدخنة مغلقة بسبب موقد النار الذي حاولوا فيه امتصاص غضب
الطبيعة بدرجات تدنت إلى مستوى الصفر المئوي ،يتمنون ألا يضطروا لمبارحتها على الرغم من
الدخان الكثيف الذي غطى جد ارنها الداكنة ،ومع ذلك فإنهم كانوا ي ارقبون المشهد عن بعد ،ليس
حرصاً على تنفيذ واجب ينظر إليه أبناء مدينتهم على أنه عاٌر لن تمحوه السنون وقفاز ع ارقي لحماية
أيدي لاعبين غرباء يحتلون البلد يريد قتل أبنائه برصاص أبناء آخرين ،وانما خشية من دورية
أمريكية لا تمنحهم الثقة ولا تنفك تجوب المنطقة جيئة وذهابًا ،فتمزق جد ارن الصمت الشتوي القارس
بحركة سرفات دباباتها وعجلاتها المجنزرة وتحيل الطريق إلى أرض محروثة بالأخاديد وكأنهم يسعون
إلى تقويض أسس سد الثرثار على دجلة في سام ارء ،ولهذا كان أف ارد الح ارسة في المناوبة الليلية
يتناوبون على م ارقبة قدوم الدوريات الأمريكية ،أكثر من الحرص على م ارقبة العابرين من سام ارء
واليها ،خاصة وأن بدء سريان منع التجول ،لم يتبق لموعده إلا أقل من ساعة واحدة ،وبعدها تنتهي
مرحلة القلق وهاجس الخوف من غضب الشارع الع ارقي واحتقار القوات الأمريكية لكل المتعاونين.
عندما كانت الشاحنة الصغيرة تقترب من نقطة الح ارسة ،بدأ مروان باستخدام الإنارة والإشا ارت
الرباعية ،من أجل تنبيه جنود السيطرة الثابتة لسيارة كانت تسير ببطء شديد ،فتلك أوامر قوات
8
نزار السامرائي يَومِ َّياتُ ُمسَا ِفرٍعَلَى َطريِ ٍقأَ ْحمَر
الاحتلال وتطبقها قوات الحرس الوطني بحذافيرها ومن يخالفها يعرض نفسه لإطلاق نار مؤكد،
خرج الجنود من حجرتهم المؤصدة فلفحتهم نسمة باردة مرت قبل قليل فوق بحيرة مقدم سد الثرثار
فحملت قليلاً من الرطوبة التي لطّفت قليلًا من برودتها فتيبست لها وجوههم الداكنة ،تصنع الجنود
الحزم في محاولة اخفاء التثاقل الكسول في هذه الليلة الباردة ،هو ما أظهره الجنود مع القادمين.
ماذا جاء بكما في هذا الوقت؟ ساد الصمت بضع ثوان مع نظ ارت حائرة بين مروان وزيدون،
....تعطلت السيارة في الطريق فأخرتنا ،قال مروان وكان يريد الانتقال إلى السؤال التالي.
بعد برهة عرف بعض جنود نقطة التفتيش القادمين في هذه الشاحنة الصغيرة فرحبا بهما وحاولا
أن يقدما لهما شيئاً ساخناً يدفع عنهما البرد والقلق ،لكن الأمريكيين إذا عرفوا بذلك فقد يخسر أف ارد
الحرس الوطني وظائفهم ومصدر رزقهم ،كان المشرف على نقطة السيطرة ضابطًا من غير أهل
المدينة ،لضمان عدم حصول تواطؤ بين أف ارد نقطة السيطرة وأهل المدينة قد يسبب خرقًا لأمن
الجنود الأمريكان ،فأمرهم ببدء التفتيش الدقيق لحمولة الشاحنة ،وكذلك محركها وقمرة القيادة ،وبعد
ذلك تفتيش سائقها ومن ي ارفقه ،كان الوقت يمضي بطيئاً جداً ويشد معه الأعصاب ،وبعد أن انتهت
حفلة التفتيش ،همس جندي من العاملين في السيطرة وهو من أهل سام ارء بأذن مروان ...لا تعبر
السد فلم يعد هناك متسع من الوقت وهؤلاء الكلاب يترصدون العابرين بحثًا لهم عن ضحية ولن
يفلت منهم أحد ،لقد تكبدوا اليوم خسارة كبيرة في جنودهم عندما انفجرت عبوة ناسفة بدورية آلية لهم
عند مفترق طريق المرور السريع المؤدي إلى بغداد جنوبًا والموصل شمالاً ودمرت لهم عربة همر
وقتلت من فيها ،إنهم اليوم كذئب جريح يحاول التنفيس عن احتقان يغلي في الصدور ويبحث عن
ضحية يتلهى بها ،سيفكرون بالانتقام لمجرد أنهم وجدوا فرصة لذلك كي يتظاهروا بالوفاء لمن قُتل
منهم ،حتى لو كان الضحية لا صلة له بمن قُتل من جنودهم ،المهم أنهم يبحثون عن ذريعة لممارسة
لعبتهم المفضلة أو هوايتهم المقدسة ،السباحة في دماء الأبرياء ،لقد اعتادوا منظر الدم ولا يطيقون
عدم رؤيته لزمن طويل.
تشاور مروان وزيدون في هذه النصيحة الثمينة والمجانية ،وتداعت التحليلات مت ازحمة
ومتناقضة ،وتوجها بالسؤال إلى الجندي الحائر :ماذا لو جاء الأمريكيون ووجدونا في هذه المنطقة
العسكرية المحظورة علينا ،وماذا لو وجدونا على قارعة الطريق؟ أنتم وحظكم! قال جندي من سيطرة
الحرس الوطني لم تمر علينا حالة كهذه ولا ندري ماذا ننصحكم ،واذن فالخطر واحد وبدرجة متساوية،
9
نزار السامرائي يَو ِميَّاتُ ُمسَافِ ٍرعَلَىطَر ِيقٍأَ ْحمَر
إذن لماذا المكوث هنا ،ولدينا بعض الوقت كي نصل إلى المنزل فنحن لا نحتاج أكثر من عشر
دقائق على أكثر تقدير حتى بفرض المسير البطيء ،ركبوا السيارة ولوح لهم بعض الجنود بأيديهم
بإشفاق وألم ،حتى توارت الشاحنة في ظلام الليل البارد ،في طريق السد الملتوي وال اربط بين سد
الثرثار ومدينة سام ارء في جوف الليل المظلم.
كانت الضرورة تقتضي السياقة الحذرة مع انتشار السيط ارت الأمريكية المتحركة على طول
السدة الت اربية القوسية الموصلة مما يلي منطقة القلعة على يمين الطريق العام ويربط بين بوابات
ناظم سد سام ارء الذي كان يستخدم جس ًار بين شمال سام ارء وجنوبها.
الأمريكيون يقيمون سيط ارت "طيارة" لفت ارت قصيرة لتنتقل إلى مكان آخر ،ولهذا فقد كان حتمياً
التعامل مع هذا الظرف بمنتهى الحيطة والحذر ،فلا مجال هنا للاعتذار عن خطأ ولا وقت لتصحيحه
إن وقع ،فبندقية الجندي الأمريكي تتصيد المخطئ للتخلص منه حينما يكون القتل م اردفاً لمعنى
حماية النفس والمهمة العسكرية المكلف بها ،ليس هناك وقت للبحث عن الخطأ من أجل تصحيحه.
حينما عب ار السدة الت اربية ودخلت الشاحنة على الطريق العام في مدينة سام ارء من جهة دار
الاست ارحة وأصبحوا على اليابسة ،شعر مروان وزيدون بارتياح شديد لأنها العقبة الكبرى في الطريق
بكامله ،إذن دخلا مدينتهما التي كانت في هذا الوقت تغط في سبات عميق إلا القلة من شبانها
الذين حملوا فوق أكتافهم قاذفات RPG7والقنابل اليدوية وحملوا أرواحهم على أكفهم في مواجهة
الاحتلال الغاشم بالإيمان وبالأسلحة الخفيفة ،قبل الاحتلال كانت سام ارء تفيض حيوية ونشاطات
تجارية لتسويق محاصيلها الز ارعية على مدار العام ،ولا يغلق آخر مقهى في المدينة أبوابه إلا قبل
الفجر بقليل استعدادًا للصلاة ،هذه المدينة التي ظلت حاضرة الإمب ارطورية العربية الإسلامية لعدة
عقود من أيام ازدهارها ،وأصبحت مئذنتها الملوية مقصدًا للسياح للتمتع برؤية أجمل مئذنة في
العالم ،تحولت إلى أرض محتلة يعبث بها الغ ازة ويروعون أهلها بحجج وذ ارئع متهافتة ،عادة ما
يختلقها القتلة المحترفون لتبرير ج ارئمهم.
ظلت سام ارء مدينة محافظة على وشائج نادرة من الألفة والمحبة والتعاضد والتضامن بين
أهلها ونموذجاً لإك ارم الضيف ،ها هي اليوم وتحت الاحتلال وبسبب الحزن على من فقدتهم من
أبنائها وخيرة شبابها ،وبسبب من عسف وعنت تعرضت لهما على أيدي جنود القوات الأمريكية
الباغية ،باتت اليوم طرقاً مهجورة وبيوتاً تترقب في كل ساعة صدمة جديدة من دهم أو وصول
10
نزار السامرائي يَو ِميَّا ُتمُسَا ِفرٍعَلَى َطريِقٍأَ ْحمَر
جثمان عزيز قضى وهو في بداية الطريق ،ولكن الع ازء في كل ذلك أن عدد جنود الاحتلال الذين
قتلوا فيها يصل عدة أضعاف لأبنائها الذين استشهدوا دفاعًا عن الع ارق ،الوطن والأرض والعرض
والشرف والحضارة ،ولذا كان حقد الجنود الأمريكان عليها بحجم ما فقدوه في طرقاتها من أرواح
ومعدات وك ارمة.
لم يبق إلا ثلاث دقائق ونكون في المنزل ،قال مروان لزيدون ،اليوم اقض ليلتك عندنا واتصل
بعمي وأخبره بأنك ستبيت عندنا ،تمتم زيدون بكلمات مبهمة لم تصل إلى أذني مروان بسبب صوت
محرك السيارة وانشغال البال بالظرف ال ارهن والمثير لكل أسباب القلق ،ولكن وعلى مقربة من معمل
الأدوية الذي احتفظ بكل مكوناته على الرغم من كل عمليات السلب والنهب التي تعرضت لها
الممتلكات العامة في كل أنحاء الع ارق بعد الاحتلال ،وبتحريض من المحتلين ومن مترجمين وأدلاّء
كويتيين في توجه انتقامي من الع ارق لم يكن متاحاً لهم التعبير عنه فجاء الاحتلال ليمنحهم هذه
الفرصة ،استمر معمل الأدوية في سام ارء بالعمل ولم تمتد إليه يد آثمة ليواصل عطاءه في مواجهة
كل أسباب الموت.
وفجأة ومن دون مقدمات قفز من المجهول عدة أشباح وانتصبت أمام مروان وزيدون ،ترّجل
عدد من الجنود الأمريكيين من آلياتهم الثلاث والتي كانت من نوع ب اردلي ويحملون أسلحتهم
الأوتوماتيكية والمشّرعة باتجاه الآخر أياً كان عمره أو جنسه ،من أين خرج هؤلاء؟ هل انشقت
الأرض عنهم على حين غرة ،استوقفوا شاحنة مروان وزيدون وأنزلوهما منها ،بدأت الرحلة الثانية من
العذاب والتفتيش وت ارفقت مع سيل من الأسئلة الغامضة والتي تشي بكثير من نوايا السوء التي
يستبطنها جنود الولايات المتحدة حيثما حطت م اركبهم ،إذ لا مترجم عندهم ولا أحد منهم من يجيد
العربية ولو بصورة مكسرة من هؤلاء الجنود ،ولا مروان وزيدون يجيدان الإنكليزية ولو بحدودها الدنيا،
هذه سلطة من يظن نفسه قويًا أو أن القوة ستبقى بيده إلى الأبد ،ولهذا كان سلوك الجنود مزيجًا من
الخوف من المجهول والوحشية والقسوة وتعمد إذلال الع ارقيين واهانتهم ،بعد أن انتهت عملية تفتيش
دقيقة جدًا للشاحنة من الداخل والخارج والمحرك ،أبلغ الجنود مروان وزيدون بالذهاب في حال
سبيلهما ،حمدًا لله انطلقت العبارة من تلقاء نفسها ومنهما معًا وفي وقت واحد ،فمن يمر عند نقطة
كهذه فهو مدان إلى أن تثبت ب ارءته ،ولم يكملا عبارتيهما إلا وكانت المدرعة تلحق بهما وتوقفهما
مرة أخرى ،نزل منها عدد من الجنود ،ثلاثة ....ثلاثمائة ،قد يمر بخاطر من في مثل هذه الحال
11
نزار السامرائي يَو ِم َّيا ُت ُمسَافِرٍعَلَىطَر ِي ٍقأَ ْحمَر
أن الأمور هي هكذا ،كان الجنود يشهرون بنادقهم نحو مروان وزيدون الأعزلين ،بنادق آلية سريعة
الطلقات ،ويعتمرون عدة القتال الكاملة ،خوذهم الفولاذية تترنح فوق رؤوسهم ،والست ارت الواقية من
الرصاص ملتصقة على صدورهم ،وفوق المدرعة بقي جندي يوجه رشاشته المتوسطة نحو كل شيء
يتحرك ،الحذر حينما يصبح فوق حّده يتحول إلى خوف ،يشل قد اًر كبي ًار من التفكير ،والخوف حينما
يتجاوز حّده يتحول إلى لباس جبن لا يرتديه الرجال( ،انزلوا فو اًر ،أو هكذا التقت الإشارة مع الكلمات
المتدفقة من فم الرقيب الأسود الوجه والقلب) ،ترجلا من الشاحنة وسرت نوبة جديدة من قلق أكبر،
إنه قلق مشروع في زمن رخصت فيه قيمة الإنسان الع ارقي وحياته ،فكل شيء يؤكد ذلك في سام ارء
وغيرها من مدن الع ارق ،أغلق الجندي الشاحنة وألقى بمفاتيحها لمروان وقال له ستبقى الشاحنة هنا،
وأمر الجنود اركبيها بالوقوف جانباً ،وأخرج جندي حبالًا وقطع قماش ،وتم ربط أيديهما وعصب
عيونهما بشكل محكم ،وتم دفعهما بقوة إلى داخل عربة عسكرية أخرى كانت متوقفة على مقربة من
مسرح الحادث ،ومضت في طريق مجهول.
هل هناك متسع من الوقت للوم النفس أو الغير حتى إذا كان من دون صوت أو بأثر رجعي؟
وهل أخطأنا حينما رفضنا عرض جندي الحرس الوطني في سيطرة السد بالمبيت الليلة عند نقطة
السيطرة؟ وماذا سينفع الندم بعد الآن؟ هل يعيد ندم الدنيا كله عجلة الزمن ربع ساعة فقط إلى الو ارء؟
وأهم من هذه الهواجس والأسئلة كلها ،إلى أين يذهب بنا هؤلاء القتلة وماذا ت ارهم فاعلون بنا؟
كانت الأسئلة تتسابق وتتساقط تباعًا حتى من دون الرغبة في الحصول على جواب صامت
من الداخل أو صاخب من الخارج ،فلا فرق بعد الآن فنحن بيد عدونا الذي احتل بلدنا وج ارئمه
ملأت بلادنا خ ارباً ودمًا وجثثًا ،ولسنا استثناء عن أبناء بلدنا.
12
نزار السامرائي يَو ِم َّيا ُتمُسَا ِفرٍعَلَىطَر ِيقٍأَ ْحمَر
13
نزار السامرائي يَو ِم َيّاتُمُسَافِرٍعَلَىطَر ِيقٍأَ ْحمَر
الخطوة الثانية
زيدون ...وداع ًا إلى الأبد
بعد رحلة كان صوت الآلية الأمريكية وهي تسير على طريق معبد كما يبدو من صوت التقاء
سرفاتها مع الأرض المبلطة بالإسفلت ،يقطع سكون الليل البارد والموحش بين أيدي أعداء لا يعرفون
لكل الشعا ارت التي يرفعونها معنى على الأرض ،وهواجس المجهول الذي يقّرب نهاية معلومة عند
من َخبِر أساليب جنود الاحتلال الأمريكي ،وأهل ينتظرون عودة الابنين البكرين لأهلهما ،كان خزين
الخيال ينضب مع الوقت ،ولم يبق إلا انتظار لحظة الوداع ،توقفت العجلة الأمريكية بعد أن استدارت
عدة م ارت ومع كل استدارة كانت المشاعر تدور معها في حلقة مفرغة ،فُتح البا ُب ونزل الجنود الذين
سحبوا مروان وزيدون من كتفيهما بقوة وخشونة متعمدة ،وأنزلوهما ورفعوا عن عيونهما عصاباتها،
هدير مياه دجلة وهي تجتاز سد الثرثار يحكي قصةَ ص ارع طويل على أرض ال ارفدين بين الفيضانات
وا اردة الإنسان ،وهو اليوم يصطدم بكتل إسمنتية جامدة ورمز الحياة التي جعلها الله من الماء ،ولكنه
هنا تحول إلى كائن خ ارفي لا يقف بوجهه شيء ،كان الماء وهو ينحدر بقوة وعنفوان يثير الرعب
الإنساني على مر العصور ،كانت الأمواج تكسر صمت الليل القارس البرد الموحش بظلمته،
والمخيف بانسحاب الحياة من بين الصدور ومن شوارع المدن والطرقات المؤدية إليها تدريجيًا ،ترى
ما هي خطوتهم التالية وهل سيلقون بنا في هذا اليم الهائج؟ آه من هذا النهر ،بل آه من هذا السد
الذي أقيم ليحمي بغداد والع ارق كله من الغرق فهل ت اره أقيم كي يبتلع أحفاد من ساهموا ببنائه؟ فهل
نحن قربان يقدم لفداء الآخرين؟ كان الشلال الذي صنعه السد يثير في ارئيه من علو رعشة خوف،
فكيف تكون مشاعر من يصطدم بجد ارنه الإسمنتية ،كانت أمواجه تتسابق مع بعضها وتصنع دوامات
متداخلة ومتعاقبة يفلت بعضها عن محيطه ليقفز عاليًا بتدافع وتلاحق ينزع القلب عن موضعه
وكأنها لا تطيق صدمة الكتل الخرسانية الصلبة ،ولكنها كانت كسمكة قرش فغرت فاها لتبتلع
فريستها ،حينما كان الجنود ينتظرون الأمر من الرقيب ،أي أمر ،خرج من وسط الظلام شعاع نور
فجائي من وهج مصباح كاشف كبير سلطه أحد أف ارد قوة الدفاع الوطني في الجانب الآخر من السد
ظنًا منه أن عبوة ناسفة على وشك أن تفجر السد وتدمره وتغرق حوض دجلة من جنوب سام ارء إلى
14
نزار السامرائي يَو ِم َّياتُ ُمسَافِرٍعَلَى َطر ِيقٍأَ ْحمَر
البصرة ،فجأة تغير كل شيء فبعد وقت قصير تخلله نقاش كان يعلو أحياناً تم إغلاق الباب الذي
فتح لهنيهة وانطلقت إلى مجهول جديد ،وعلى عجل صدرت الأوامر لمروان وزيدون بالصعود إلى
جوف المدرعة الأمريكية ،وانطلقت بهم جميعًا في ليل بهيم إلى مجهول جديد ،ربما كانت تلك أطول
ليلة على الإطلاق ،ومن حركة المدرعة قُِّدَر أنها تسير في اتجاه مماثل ،كان كل منهما يود معرفة
مشاعر الآخر وانفعالاته وتوقعاته علّه يستمد من رفيقه شيئاً من الاطمئنان و ارحة البال ،ولكن الظلام
كان يحول بينهما كموِج بحٍر في ليلة دامسة الظلام ،واضطربت النفوس وبلغت القلوب الحناجر،
الزمن يسير إلى الو ارء وربما يقفز إلى الأمام ،وربما يتوقف عند هذه اللحظة ،لا أحد يعرف ولا أحد
يستطيع التكهن ،كم استغرقت المدرعة في مسيرها من لحظة انطلاقتها الأولى حتى الآن؟ وتوقفت
ثانية وجاء الأمر لمروان وزيدون بالنزول منها ،واذا بها عند بحيرة مقدم ناظم الثرثار وهو الجسر
المؤدي إلى منطقة الحويش ومنها إلى تكريت ،إذن فالمصير أصبح واضحًا ولم يعد هناك شك في
أن الرمي في هذه الدوامة الفوارة هو ما ينتظرهما ،وفك الجنود وثاقهما هذه المرة ،استغرب الشابان
هذه اللفتة الإنسانية المفاجئة ،على الرغم من أن القلق عطل كل مواقع الإد ارك ،بعد لحظات من
التساؤل اتضحت الحقيقة وجاء الجواب :الأمريكيون أ اردوا قتل مروان وزيدون من دون أن يتركوا
دليلًا ،ولذلك لم يتركوا أيديهم مقيدة ،فالحبل سيكون بداية الخيط الذي يوصل إلى الفاعل ،تقدم
العريف الأسود نحوهما وبلهجة قاطعة أمرهما بأن يلقيا نفسيهما في مقدم ناظم الثرثار أي لتبتلعهما
بوابات لها فكوك أحّد من أنياب القرش ،هل هذا الرجل مجنون أم مصاب بعقدة ك ارهية عنصرية
مستحكمة ،كيف ُنلقي بأنفسنا في هذه الدوامة المميتة التي تقذف الماء من شاهق إلى منخفض
بسرعة كبيرة جدا؟ ويصطدم الماء خلالها بعدد من العوارض الإسمنتية لطالما فتكت بالأسماك فكيف
سيكون حالنا؟ بل كيف سيكون حال زيدون الذي حرص والده على إبقائه بعيداً عن مجاري الأنهار
وأحواض السباحة لأنه لا يريد تك ارر م اررة أح ازن قديمة بفقدان علي أصغر أعمام زيدون الذي جرفته
مياه مشروع الإسحاقي الذي أ ارده الع ارقيون رم اًز للخير والنماء ،واذا به في أول إطلالة له على أهل
مدينة سام ارء يطلب منهم قرباناً كما تَُقدُم الق اربين لكل مشروع جديد ولكن ليس مما يقدم الناس ،فكان
عل ّي هو ذلك القربان الذي فرضته مصادفة لعينة أبكت الأم والأب والأخوة والأخوات بم اررة لم
تعهدها الأح ازن الأخرى ،أو ما كاد أن يحصل لعمه الأكبر ن ازر قبل عدة عقود ،بل إن مأمون كره
دجلة وطويبة التي كادت أن تسجل أول حادثة غرق في العائلة من كثرة تأوهات والدته وكرهها لكل
15
نزار السامرائي يَومِ َّياتُ ُمسَا ِف ٍرعَلَىطَر ِي ٍقأَ ْحمَر
أنهار الأرض بسبب تجربتها مع ابنها الوحيد ن ازر الذي أوشك على الغرق مطلع خمسينيات القرن
الماضي ،ثم تحولت الهواجس إلى كارثة حقيقية مع آخر عناقيد العائلة عام .1980
عندما وجد السيرجنت الأمريكي رفضاً لأوامره القاتلة ،شهر سلاحه الأوتوماتيكي M16الجاهز
لانطلاق رصاصه الغزير وكذلك فعل بقية الجنود ،وبسرعة خاطفة كانت رفسة من جندي أمريكي
تندفع نحو صدر زيدون ولتقذف به في وسط ماء بداية كانون الثاني /يناير الذي يقترب من درجة
الانجماد ،وفي أقل من لمح البصر كانت رفسة أخرى تنطلق نحو مروان وتلقيه قرب زيدون ،وبدأت
محاولات مروان للبحث عن زيدون ،أين أنت قالها بصوت خافت مكبوت ،فالأمريكيون ما ازلوا هنا
ويريدون الاطمئنان إلى نجاح جريمتهم من دون أدلة ،تشبث مروان ببعض أغصان القصب الذي
شق طريقه نحو الأعلى من بين الجد ارن الاسمنتية لضفة السد ،وتجمعت حولها جذوع أشجار
اقتلعتها مياه الفيضان العاتية فتجمعت نتيجة إهمال عمليات الصيانة المعتادة للسدود بسبب الاحتلال
الأمريكي ،كانت بحيرة مقدم السد ممتلئة بأقصى درجات استيعابها مما يجعل الأمواج تتلاطم وتقذف
بنفسها على الجسر ،وفي ظروف كهذه يتم تخفيف منسوب الماء عن حوض دجلة ،ليصب في
منخفض الثرثار من أجل الاستفادة منه في شهور الصيف حيث تت ازيد الحاجة لمياه السقي مع أقل
مورد لدجلة والف ارت من خارج الحدود ،كان تدفق الماء في القناة سريعاً وشديداً ولم يكن بوسع أحد
حتى في الظرف الطبيعي وفي فصل الصيف مقاومته إلا لدقائق معدودة ثم تخور قواه فيجرفه التيار.
بعد نحو ربع ساعة من البحث اليائس ،وبعد أن أوشكت قواه على الانهيار ،وبعد أن تيقن أن
الأمريكيين قد غادروا مكان جريمتهم واطمأنوا إلى أن الشابين قد ابتلعتهما المياه المندفعة بقوة من
شاهق إلى أسفل وباردة حد الانجماد ،جاءهم أمر السيرجنت بالانسحاب السريع كي لا ينتبه إلى
وجودهم أحد في هذه الليلة المظلمة ،أخرج مروان أرسه من بين الأغصان المتشابكة ،وبدأ يحرك
يديه بصعوبة لأنها أوشكت أن تتجمد ،ولكنه تحامل على نفسه وجاءته قوة لم يعرف من أين تجمعت
لديه لأنه يعرف أن دون ذلك موت مؤكد فيفقد حياته وتضيع الجريمة الأمريكية النك ارء وسط مياه
الثرثار ،وفي حركة مستميتة وجد نفسه مستلقياً على الأرض ،تحسس جسمه ليتأكد أنه على قيد
الحياة فعلاً وليس في حلم مرعب ،استجمع قواه مرة أخرى ونهض واقفاً ،من بعيد ت ارءى له بصيص
نور خافت ،حاول استذكار الصور القديمة التي مرت أمامه قبل عدة ساعات والتي مرت وكأنها
دهر طويل ،تذكر أن مصدر النور هو سيطرة للحرس الوطني تقع على حافة السد عند مدخل
16
نزار السامرائي يَومِ َّيا ُتمُسَافِ ٍرعَلَىطَر ِيقٍأَحْمَر
سام ارء من جانب دجلة الغربي ،هل أذهب إليهم وماذا سيكون رد فعلهم لاسيما وأنهم كانوا قد
نصحوني ليلة أمس بعدم العبور؟ وماذا لو عاد الأمريكيون فجأة وشاهدوا الشاهد الوحيد على جريمتهم
التي أ اردوها كاملة دون نقص يفضح تفاصيلها؟ وماذا ت ارهم سيفعلون بي؟ ولكن هل هناك خيار
آخر؟
حث الخطى قبل أن تظهر دورية للقوات الأمريكية ،وبعد أن تلاشت الخيا ارت كلها اتخذ ق ارره
بالتوجه إلى سيطرة الحرس الوطني ،وصلها بعد جهد ومشقة ظن أن جسده لن يقدر على حمله كل
هذه المسافة الطويلة ،وألقى بنفسه أمام عنصر الحرس الوطني الذي كان في نوبة الح ارسة خارج
الخيمة ،والذي ذهل من هذا الشبح القادم من جوف الظلام ،وكان يرتجف من شدة البرد كأنه سعفة
تلعب بها الريح ،ربما اعتقده الحرس رجلًا يربط حول جسده ح ازماً ناسفًا لأن هذه هي نظرة القوات
الأمريكية "والحرس الوطني" الذي شكلّه بول بريمر إلى أبناء هذه المدينة التي أسفرت عن وجهها
المشرق في مقارعة الاحتلال منذ اليوم الأول لاحتلالهم للع ارق ،وربما ارودته فكرة أن القادم هو
جان يريد أن يلعب معهم لعبة الرعب التي طالما سمع عنها في الليالي الباردة عندما كانت أ ّمه
تقص عليه تنويمة البرد الذي يتسلل إلى العظام كبرد هذه الليلة الموحشة ،بمجرد أن استقرت قناعته
على أن القادم هو إنسان من لحم ودم وأنه في هذا الوقت لا يتحرك إلا من يريد بأجهزة الأمن ش اًر
مؤكداً ،أسرع إلى بندقية الكلاشنكوف مرتجفًا باحثًا عن نجدة من زملائه الذين كانوا يغطون في نوم
عميق ،بعد ليلٍة موحشة البرد ومن النشاط العسكري للقوات الأمريكية وحركة الدوريات الآلية على
سّد سام ارء ثم ناظم الثرثار وصولاً إلى منطقة الحويش والعودة منها ،مما حرمهم من لذة النوم المبكر
خشيةً من محاسبة القوات الأمريكية لهم على التقصير في واجب حماية ظهرها من (الإرهابيين)،
حاول الجندي المرعوب إيقاظ بعض زملائه ولكنه أخفق في ذلك ،كان يرتجف بردًا وخوفًا من هذا
الشبح القادم من و ارء الأفق ،عندما وصل مروان كانت ملابسه ما ت ازل شبه متجمدة على جسده
بحيث ضاعت فرصة التفريق بين ملابسه وجسده من شدة البرد ،كان عاج ًاز عن وصف ما وقع
ولكنه كان يردد اسم ابن عمه زيدون الذي يظن أنه غرق في دوامة الماء المتدفق من بحيرة مقدم
سد الثرثار لتندفع في قناة الكتم ،حكى لجنود الحرس الوطني الذين استيقظوا من نومهم العميق ،كان
يعرف بعضهم لأنهم أبناء مدينة واحدة وبعضهم يعرفونه أيضاً ،بعد أن قص عليهم ما مّر عليه
وعلى ابن عمه ،هبوا لتقديم النجدة لزيدون ابن مدينتهم ووطنهم في محاولة لإنقاذه فمضوا إلى موقع
17
نزار السامرائي يَومِ َّيا ُت ُمسَافِ ٍرعَلَى َطر ِيقٍأَحْمَر
الجريمة التي ارتكبتها قوات الاحتلال الأمريكي ،مع ما في هذه الحركة من مجازفة في حال ضبطتهم
القوات الأمريكية ،ولكن الوقت كان قد فات كثي ًار ،فقد مرت مياه كثيرة من بوابات الناظم باتجاه
منخفض الثرثار أو ذ ارع الثرثار الف ارت ،ثم إن الليل لا يصلح لإج ارء عمليات التحري فكيف الأمر
مع مياه وطقس بدرجة الصفر وربما أقل من ذلك ،ودوريات الأمريكيين تتمنى أن تجد في طريقها
صيداً حتى إذا كان من قوات ش َّكلها بول بريمر نفسه ،بعد عودتهم إلى مقرهم أعطى الجنود لمروان
ما يتوفر لديهم من ملابس تناسب مقاساته ،لحين تجفيف ملابسه على المدفأة ،وطلبوا منه المغادرة
مع صعود الشمس بالأفق من دون إبطاء خشية عليه وعلى أنفسهم.
كان أخي مأمون (أبو زيدون) في بغداد في منزلي في حي العدل منذ عدة أيام ،وكان مقر اًر
أن يمكث عدة أيام أُخر ،جاءت مكالمة هاتفية بعد منتصف الليل بقليل لتقض مضاجعنا وتلقي بنا
في دوامة من القلق ،كان على الخط من سام ارء أخي عبد الحكيم (أبو مروان) يسأل عن مروان
وزيدون لأنهم استبطاؤهما فهم علموا منا أنهما سيغاد ارن بغداد عص اًر ،حينما أخبرناه بأنهما تركا
بغداد قبيل المغرب بقليل وصل القلق ذروته حتى يكاد المرء يلمسه عبر أسلاك الهاتف ،أصبح
مأمون في أقصى درجات القلق المسدود النهايات ،كانت المكالمة قدحة نار أحرقت كل شيء،
وأثارت فيه كل الهواجس النائمة ،ولكنه كان يط ِمئن نفسه بقليل من الأمل ،ربما كانا متأخرين
واحتجزتهما القوات الأمريكية ،وظل مأمون ليلتها يقارع قلقًا لم تنقطع خيوطه أبدًا حتى أذن مؤذن
جامع مالك ابن أنس في حي العدل ببغداد لصلاة الفجر توضأ وغادر البيت إلى الجامع لأداء
الصلاة ،ارودته فكرة الاتصال بسام ارء للاستفسار عن ابنه وابن أخيه ،لكن نفسه لم تطاوعه أن يفعل
ذلك خشية من الأسوأ ،ولكنه أ ارد أن يخفف عن صدره أوجاعه ويبثها للآخرين ،استعجل الشمس أن
تشرق قبل موعدها ولكن انتظاره لم يطل كثي اًر ،فقد جاءته المكالمة من سام ارء ،أما نحن فقد بقينا
ننتظر أي خبر جديد ،فلا سبيل لغير ذلك ،فالقوات الأمريكية فرضت منع التجوال في بغداد وغيرها
من مدن الع ارق ابتداء من الساعة العاشرة مساء وحتى السادسة صباحًا ،وهناك تشديدات للحظر
حسب الظرف الأمني لكل مدينة ،مما يمنع أي مبادرة لتقصي الحقيقة ميدانياً ،بدأ الوقت يمضي
بطيئًا والليل في هذا الوقت من السنة هو الأطول وما علينا إلا الصبر وانتظار الفجر ،ولكن متى
تشرق الشمس لتحمل اليقين وما ت اره سيكون ،وهل هناك مكالمة جديدة تعطي بعض الأمل ،وكيف
18
نزار السامرائي يَو ِميَّاتُمُسَافِرٍعَلَى َطر ِي ٍقأَحْمَر
يستطيع أبو مروان أن يعرف أكثر وهو محاصر بمنع التجول أيضًا وينتظر سنوح الفرصة لمعرفة
مصير ولده البكر ومصير ابن أخيه البكر أيضًا.
استأذن مروان أف ارد الحرس الوطني بالمغادرة ،حذروه وقالوا له لقد رفضت نصيحتنا الليلة
الماضية ففقدت ابن عمك ،فهل تريد أن تفقد حياتك؟ كان مروان في أشد حالات الانفعال ،هو يشعر
بمسؤولية أخلاقية تجاه ابن عمه ،ولكن هؤلاء لا يفهمون أو لا يريدون أن يفهموا ،هو يريد الوصول
إلى البيت ليقص على أهله ما وقع ليلة المصيبة ،عندما وجدوا فيه إص ار ًار على المغادرة ،قالوا له
على مسؤوليتك ولكن خذ حذرك بأعلى ما تكون درجات الحذر ،أجاب ليحصل ما يحصل فإما
أعيش أنا وابن عمي معاً أو نموت معاً ،فانطلق ماشياً بأقصى سرعة منتبها للدوريات الأمريكية التي
تقلص تسييرها إلى النصف في هذا الوقت من اليوم ،هو يريد الوصول إلى أي أحد ليخبره الحقيقة
قبل أن تضيع وسط جحيم الأكاذيب الأمريكية الوقحة ،لا يدري كم استغرق من الوقت ،ولا يدري
من أين استمد كل تلك الحيوية المفاجئة حتى يصل إلى المنزل ،وجد البيت وقد قامت قيامته ،أبوه
وأمه والأعمام والأقارب ينتظرون في الشارع ،الأخوة والأخوات ينتحبون ،الأقارب عاشوا حالة إنذار
بكل ما تعنيه الكلمة ،لم يشأ أن يدخل المنزل حكى لهم القصة أو ما بقي عالقًا في ذاكرة أربكها
الجنود الأمريكيون بوحشيتهم التي يتلذذون بها مع المجتمعات التي يجردونها من أسلحتها تعويضاً
عن حالة الرعب التي تسيطر عليهم في مواجهة رجال المقاومة الوطنية المسلحة ،أو ما بقي عالقًا
في ذهنه المشوش من أحداث ليلة الحزن ،كان الجميع في حالة يأس عن مصير مروان وزيدون فقد
عرفا أن سيارة البيك أب تعرضت للسحق تحت سرف المدرعات الأمريكية ،وهي داخل مدينة سام ارء
مركونة على قارعة أحد الطرق الرئيسة.
أسرع أبو مروان (عبد الحكيم) وهو الأخ الذي يصغر مأمون أبي زيدون إلى الداخل والتقط
الهاتف واتصل ببغداد ،لم يتمكن من إخبار أخيه بفاجعة فقدان ولده زيدون ،ولكنه طلب منه العودة
الفورية إلى سام ارء ،أدرك مأمون أن شيئاً قد حصل لزيدون ولكن ما هو؟ وسط جو ضبابي كان
طريق بغداد سام ارء مغطى به وتنعدم فيه الرؤيا إلا لمسافة قريبة قاد مأمون سيارته بسرعة جنونية
في ذات الطريق الذي كان ابنه وابن أخيه يسلكانه بحذر قبل ليلة واحدة ،حاولت بكل ما أوتيت من
قوة منعه من الذهاب بانتظار أن أتهيأ للذهاب معه ،ولكنه لم يترك لي متسعًا من الوقت للإقناع،
فغادر المنزل مع خال زيدون الذي يقيم في دار مجاورة لمنزلي ،أخذت سيارتي ووسط طريق موحش
19
نزار السامرائي يَومِ ّيَاتُمُسَا ِف ٍرعَلَىطَريِ ٍقأَ ْحمَر
وضباب كثيف كنت أتلفت عن يمين وشمال وأمامي عساني أرى سيارة أخي ولكن عبثًا ،فيبدو أنه
كان منطلقًا بسرعة لم تبق في السيارة المزيد ،حقًا خشيت عليه من حادث آخر نفقد شخصًا آخر
يمكن أن يضاف لشخص ربما فقدناه قبل ساعات.
ليست هذه المرة الأولى التي تُنك ْب فيها عائلة فاضل حسون بغرق أحد أبنائها ،ففي 16أيلول
1980كانت قد فقدت (علي) عم زيدون وهو أصغر أبناء الحاج فاضل ،غرقًا أيضاً ،والذي كانت
له مكانة خاصة في قلوب والديه وأخوته وأخواته ،حينها كانت طبول الحرب تقرع في طه ارن بقوة
بعد وصول الخميني إلى الحكم تحت شعار تصدير الثورة ابتداء من الع ارق ،وكان العديد من مدن
الع ارق الحدودية هدفاً للقصف المدفعي الإي ارني مما أدى إلى تهجير الآلاف من العائلات الع ارقية
منها ،وطفقت الحكومة الع ارقية بتأمين الملاذ الآمن للسكان ،وفي سام ارء البعيدة عن حدود النار
كانت كبقية مدن الع ارق الآمنة ما ت ازل تلهو بب ارءة وطمأنينة ،كان علي ابن الثانية عشرة من عمره
يشاهد لعبة لكرة القدم في منطقة القلعة غربي نهر دجلة عند مدخل سام ارء ،وفجأة ظهرت على
الطريق كتلة هائلة من النار المتوهجة تسير بأقصى سرعة نحو قناة الإسحاقي الذي يأخذ ماءه من
بحيرة مقدم سد الثرثار ليسقي مئات الآلاف من الدونمات من أخصب الأ ارضي الز ارعية في المنطقة،
وليلغي نهائيًا استخدام مئات المضخات التي تشتغل بالنفط الأسود ،والتي كانت تؤمن مياه السقي
لهذه الأ ارضي الذهبية وتكلف مالكيها نفقات كبيرة لإدامتها ولوقودها الذي سيلوث البيئة أيضًا ،عندما
اقتربت كتلة النار اتضح أنها شاحنة كبيرة وتحمل كابلات كهربائية عملاقة لغرض استخدامها في
كهربة المدن والريف في الع ارق ،كان سائقها يحاول إيصالها إلى مصدر للماء من أجل المساعدة
على إطفائها ،نجح في الوصول إلى قناة الإسحاقي ولكنه لم ينجح في إطفائها ،تجمع الصبية حول
الشاحنة بفضول طفولي ،وجاءت سيا ارت الإطفاء وحاول العاملون عليها مباشرة عملهم ،ولكن
التجمهر كان يتضاعف مع مرور كل دقيقة وخاصة من متفرجي لعبة كرة القدم ،بادر أحد أف ارد
الإطفاء بتوجيه خرطوم الماء إلى المتجمهرين من أجل إبعادهم وتسهيل مهمة إخماد الحريق ،يبدو
أن القدر قد رسم كل هذا السيناريو من أجل أن يختطف حياة علي ابن الثانية عشرة من العمر،
ويبدو أن مشاريع الري التي أقيمت استكمالاً لسد الثرثار في مدينة سام ارء كانت تحتاج إلى ق اربين،
فكان علي قرباناً لقناة الإسحاقي وجاء من بعده ابن أخيه زيدون بعد 23عاماً ليكون قربانا لقناة
الكتم ،هل نحن أهل بيت متخصصون في تقديم الق اربين للمشاريع التي تخدم مدينة سام ارء؟ أم نحن
20
نزار السامرائي يَومِيَّاتُ ُمسَا ِف ٍرعَلَى َطر ِيقٍأَ ْحمَر
أهل بيت كتب علينا الموت غرقاً؟ وهل يكون الخير للناس بمأساتنا؟ وهل كان إطفاء شاحنة كانت
على وشك أن تكون رمادًا يستوجب قتل شاب في مقتبل العمر؟ أليست مفارقة دامية هي التي كونت
أسباب الرحيل عبر حادث عرضي على الطريق العام حتى يغلف الحزن جد ارن أحد بيوت سام ارء؟
هكذا حلّلنا ملابسات الحادث ،وربما كانت له تفاصيل وتفرعات أخرى ،ولكن مضي السنين من
الطويلة من دون أن يظهر دليل يدحض هذا السيناريو جعلتنا نعتبره التفسير الوحيد الذي علينا
التسليم به.
كان علي رحمه الله وهو آخر أولاد الحاج فاضل حسون رحمه الله ،عم زيدون من مواليد
،1969 /1/6وكان زيدون من مواليد ،1984/6/1وهذا التوافق الرقمي بين 1/6و 6/1كان
عامل تشاؤم عند مأمون أبي زيدون ،ولهذا صمم أن يبعد ابنه عن النهر الذي يبتلع كل عام الكثير
من الضحايا من أبناء سام ارء ،ورفض كل توسلات زيدون لتعلم السباحة والحاح أصدقاء زيدون
على الأب الذي أصم أذنيه عن نداء الأبناء ظناً منه أنه يستطيع الوقوف بوجه قضاء الله وقدره،
من دون أن يخبره بحقيقة هواجسه القديمة ،وشب زيدون وهو يتحسر حينما يرى أصدقاءه وهم
يمارسون هذه الرياضة الممتعة والمحببة إلى النفوس ،ولكن حبه لأبيه لم يكن يسمح له بعد فوات
الأوان أن يلح بالسؤال والطلب للحصول على امتياز يختص به دون إخوته.
21
نزار السامرائي يَومِيَّا ُتمُسَا ِفرٍعَلَى َطريِقٍأَحْمَر
الخطوة الثالثة
بداية حزينة ونهاية مأساوية
انتقل جميع الأهل والأقارب ممن يقيمون في بغداد إلى سام ارء في ع ازء مبكر حيث يقيم بقية
الأخوة والأقارب ،وانتظا اًر للكشف عن مصير زيدون بعد غياب قسري استمر عدة أيام ،في المقدمة
جاء الدكتور شامل السام ارئي عميد الأسرة وعم والد زيدون ،وهو وزير سابق أثناء حكم الرئيسين
عبد السلام عارف وعبد الرحمن عارف ،كما جاءت عمات زيدون وعمات أبيه من بغداد ليشاركن
من سبقهن قلقًا صاخباً ،هكذا الع ارقيون يجتمعون في الأح ازن أكثر من حرصهم على التجمع في
الأف ارح ،صام الجميع على أمل أن يغيب عنهم الشك باليقين ،وكانت العيون تنظر حائرة إلى بعضها
والقلوب في غفلة عما يحيط بها والضمائر كلها تلتصق بقضية البحث عن زيدون الذي تأكد لنا أنه
ذهب ضحية لجريمة مبتكرة في وحشيتها وبدم بارد ارتكبتها القوات الأمريكية برميه وابن عمه مروان
في إحدى فوهات ناظم الثرثار والتي تأخذ مياه دجلة من بحيرة مقدم سد الثرثار لتعيدها إلى نهر
دجلة بعد أن تختلط مع مياه ذ ارع الثرثار دجلة والف ارت عبر ذ ارعي الثرثار الف ارت والثرثار دجلة،
لأن المياه القادمة من خ ازن الثرثار الهائل إلى نهر دجلة تحمل معها الكثير من الأملاح بحيث باتت
غير صالحة للاستهلاك البشري أو استخدامات الز ارعة.
أصّر مروان أنه وابن عمه تم إلقاءهما في النقطة التي تقع في فوهة الناظم المؤدي إلى قناة
الكتم ،بدأت عمليات البحث عن زيدون بكثافة وجئنا بغواصين للبحث عنه واستحصلنا موافقة مدير
الري لمنطقة سام ارء لإغلاق البوابات التي تتدفق في القناة لثما ٍن وأربعين ساعة ،وبعد انتهاء المدة
ونتيجة لعدم عثورنا على جثمان زيدون فقد كررنا الطلب لإغلاق البوابات مرة أخرى ،كان ق ارر الغلق
يتطلب موافقة مركزية من و ازرة الموارد المائية في بغداد هكذا تم توصيف الحال ،مع علمنا بأن
الع ارق بعد الاحتلال تحول إلى دولة بلا أرس وكل ساق تذهب في الاتجاه الذي يحلو لها ،مع الأخذ
بنظر الاعتبار بأن بول بريمر سلم الحكم للشيعة لاسيما بعد أن غضت القوات الأمريكية النظر عن
تدفق عش ارت الآلاف من عناصر المليشيات من إي ارن والموالية لسلطة الولي الفقيه ،ثم واصلت
22
نزار السامرائي يَومِ َّياتُ ُمسَافِرٍعَلَى َطر ِيقٍأَحْمَر
تواطؤها معهم عندما شكلت مليشيات جديدة مثل جيش المهدي ،وبالتالي منحتهم قوة المال وقوة
السلاح لتدعيم سلطة الشيعة السياسية.
وبسبب تأثير إغلاق بوابات الناظم على نسبة الأملاح الذاهبة إلى نهر دجلة والتي تجري في
ثلاث محافظات تحت مدينة سام ارء وهي بغداد وواسط وميسان قبل أن يلتحم دجلة بالف ارت ويكّونا
شط العرب في محافظة البصرة ،ومعنى زيادة نسبة الملوحة فيها أن المزروعات ستتعرض إلى خطر
الهلاك المؤكد ،وكذلك السكان والحيوانات وانعدام مظاهر الحياة ،ومع ذلك وحينما وجد مدير ري
سام ارء أن الأجواء النفسية لأهل المفقود كانت في ذروة الاحتقان فقد استجاب ولم ُيعر أهمية لق ارٍر
من بغداد التي تعيش تحت الاحتلال الأمريكي من دون سلطة ،قال لنا بعض الصيادين إن الماء
البارد لا يسمح للغريق أن يظهر على سطح الماء إلا بعد عدة أيام ،واستمر البحث لعدة أيام مع
إش ارقة الضياء الأول ،ويتناوب الباحثون على مدار ساعات النهار ،البعض اربط على شاطئ القناة
متحديًا البرد القارس على أمل أن ُينقذ جثة الغريق من غربة عن أهل يتحرقون شوقًا لمعرفة الحقيقة،
كانت الآمال بالعثور عليه حياً تتلاشى تدريجياً ،على الرغم من أن الأم والأب يمكن أن يشاهدا
ولدهما مسجى أمامهما ،ولكنهما لا يغاد ارن الرجاء بأن يعود إلى الحياة ،فكيف إذا كان مفقودًا ولا
دليلًا قاطعاً على موته ،البعض كانت ت اروده آمال بأن زيدون يمكن أن يكون معتقلاً لدى القوات
الأمريكية ،مجرد أن تطرح فكرة كهذه سرعان ما تتلقفها القلوب القلقة في محاولة لتهدئة الخواطر
المشحونة بكل أسباب التأزم في أعلى درجاته والنقمة على القتلة ،وعلى من تعاون معهم وعلى
العملاء الأذلاء الذين ساروا خلف دباباتهم لإذلال الع ارقيين ،ومع الوقت تبدأ تلك الأفكار الوردية
بالت ارجع والتلاشي عندما يدخل العقل على خط التحليل ،إذن لماذا عثرنا على سترته (جاكيتته) في
القناة التي يدور البحث عنه فيها؟ وهل يعقل أن الأمريكان يمزحون في تجارة الموت؟
لم يتأخر أحد لحظة واحدة عندما تط أر لديه فكرة إلا وطرحها من دون تفكير بواقعيتها أو
وجاهتها ،تحولت جلستنا إلى منتدى لتداول الأفكار الساذجة والأوهام والآمال التي كانت تقطعها
بين الفينة والأخرى صرخة سيدة جديدة جاءت لتقديم التعزية ولترتفع معها أصوات العويل الذي
ينفلت من بين الصدور ،وبسبب ص ارع اليأس والأمل ،أصبحنا مسرحًا تلقى فيه قصائد الشع ارء من
كل الطبقات من دون تمحيص ،وكان هذا تعذيبًا مضافًا إلى معاناة الأهل ،نعم الجميع كان يشعر
بوجع المحنة وألمها ،ولكن لفجيعة الأب والأم لغة لا يفهما إلا هما ،أو من مر بمثل ما وقع لهما
23
نزار السامرائي يَو ِم َّيا ُت ُمسَا ِفرٍعَلَىطَر ِي ٍقأَ ْحمَر
وخاصة إذا كان موقع الألم ناتج عن فقدان الولد البكر الذي يحمل كل الصفات الحميدة التي يتطلع
الأبوان أن يكون ابنهما عليها ،لم ينقطع البكاء والعويل الذي كان يتخطى جد ارن الألم ليتنقل بطرقات
الحي وأزقته من دون استئذان من دوريات القتلة الأمريكان الذين يعرفون مصير زيدون ولكنهم
يتلذذون بتعذيب أهله مرة أخرى ،فبعد أن قتلوه ها هم ُينكرون قتله بل ُينكرون علمهم بأسباب فقدانه
ناهيك عن مصيره ،فهل هناك وحشية أكبر من هذه حينما يتعمد القتلة السخرية من آلام ذوي القتيل
بعد أن عاشوا مسرحية إلقائه في ناظم الثرثار ،الذي لو فكر المهندس الألماني الذي صممه وصمم
الكتل الخرسانية التي وضعها لتكسير قوة الأمواج الهادرة النازلة من علو ،بأن هذه المصدات ستتحول
إلى مصائد في ج ارئم قتل مارستها قوات البلد الذي دمر ألمانيا في نهاية الحرب العالمية الثانية في
ممارسة سادية نادرة الوقوع في الحروب ،لو كان هذا المهندس يفكر بما ستؤول إليه هذه المصدات
الصلبة ،ربما كان سيخفف من آلام بني البشر الذين يسقطون في لجتها أو ترميهم قوى تحتل بلدهم
إيغالًا في نزعة الانتقام من هذا البلد الذي استعصى عليهم ردحاً من الزمن ،القوة الأمريكية ذات
النزعة العنصرية الاستعلائية التي فتكت بزيدون وتتعمد إخفاء معالم جريمتها وتروح وتجيئ قرب
منزله لمعرفة ما توصل إليه الأهل من حقائق ،وفي دوامة القلق نسي الجميع مروان وما عاناه من
ليلة اقترب فيها من الموت من دون حواجز ،واختزن في بدنه بردًا كثي ًار لليلة ربما كانت أطول ليلة
في حياته ،كان التفكير ينصب على البحث عن عزيز آخر يجب العثور عليه في وسط مائي متحرك
التيار ومع أجواء أمنية معقدة وشد عصبي لا يجب أن تفلت فيه الأعصاب في وقت نحتاج فيه إلى
حكمة التصرف أكثر من شجاعة كل الرجال في التاريخ ،فخطأ واحد يمكن أن يمنعنا من مواصلة
البحث ،ويمكن أن يكلفنا مسؤولية تهديد الأمن وفقاً للتهم الأمريكية الجاهزة وليس فقدان أحد أبنائنا
فقط ،وهذا من أسوأ المعاناة التي يمر بها ذوو ضحية عندما تنعدم الحقوق ويضيع العدل ويسود
الظلم وشريعة الغاب.
طلبنا من مروان أكثر من مئة مرة أن يقص علينا تفاصيل ما وقع ،نحن نعرف أن الرواية
ستتكرر بمضامينها حتى وان تغيرت صياغاتها والكلمات التي تحكيها ،كان مروان يحس بإعياء
شديد يقعده عن الحركة ،كان من حقه أن يجزع ويشعر بالم اررة والألم فقد غادر بغداد مع ابن عمه
ولكنه عاد منفرداً إلى بيت يعج بالضجيج والعويل والأسئلة التي تتكرر عليه من كل ازئر ،كان علي
شخصياً أن أقف صلباً في هذه الظروف مستعيناً بالعم الدكتور شامل السام ارئي الذي هو عميد
24
نزار السامرائي يَومِ َّيا ُت ُمسَافِرٍعَلَىطَريِ ٍقأَحْمَر
الأسرة وكبير العائلة ،ذلك أن ظرفًا كالذي نمر به يتطلب تدخلاً مباش اًر لفض النقاشات ومنع الأسئلة
التي كنا نلمس منها فتيلًا يمكن أن يقترب من برميل بارود الأب الذي تقفز أمامه مئات الأسئلة
ومئات الصور السوداوية ،كنا نلتقط معاناة النساء القريبات من مكان جلوسنا ،كان اللقاء بين أم
زيدون مع أقارب زيدون الأكثر مأساوية حيث تطلق كل منهن لنفسها العنان بعويل يمزق الضلوع.
وأخي اًر جاء صوت النعي بأنه تم العثور على جثمان زيدون طافيًا في القناة المائية على بعد
نحو كيلو مترين من الناظم ،حمدنا الله على هذا المصاب ،وحمدناه أن المجهول بات معلوماً حتى
إذا كان ملفوفاً بكفن ،فمأساة المفقودين ومجهولي المصير ،ع ازء يتجدد في كل لحظة ودقيقة وتبقى
الأنظار تتجه إلى لا عنوان ،تبحث عن طمأنينة على مصير عزيز ،وهذا ما أعاد المأساة إلى نقطة
البداية ،فارتفع العويل من الجميع ،ونزلت الدموع مد ار اًر من الجميع ،ولكن بكاء الرجال كان بصمت
مرير.
25
نزار السامرائي يَومِ َّيا ُت ُمسَا ِفرٍعَلَى َطريِ ٍقأَ ْحمَر
ثم جاؤوا بجثمان زيدون بعد تردد وطول جدل إلى منزل جده المرحوم الحاج فاضل حسون
الذي تحّول إلى مثابة التقى فيها جميع الأهل والأقارب ،ومع تلك اللحظات العصيبة تعالى عويل
النساء ،إذ انفلتت المشاعر المكبوتة التي ظلت حبيسة بين الضلوع لتخرج من دون سيطرة ،ولم
يحاول أحدنا التدخل فيها بعد أن أصبح مصير زيدون معلومًا.
الموت حق على كل ابن آدم قهر الله به عباده ،ولكنه عندما يختطف حياة شاب في مقتبل
العمر ،يرى فيه أبواه مستقبلاً مشرقاً ويعلقان عليه آمالًا عريضة ،يكون للموت طعم آخر قطعاً،
نحن الشرقيون إذا ما فقدنا عزي ًاز حتى إذا دخل (في العمرين) وتقلبت حياته بين السعادة والمتاعب،
فلا مجال للتحكم بالمشاعر ،إذ تشيعه صرخات المحبين وخاصة من قبل النساء ،فكيف إذا كان
الرحيل لشاب في مقتبل العمر ،وكانت الخاتمة بغدر جبناء جاؤوا غ ازة عبر آلاف الكيلو مت ارت
لينشروا ثقافة الموت في كل ازوية حلّوا فيها ،بعد عقود مما بشروا به عن مجتمع الحرية والعدل في
أفلام بطولاتهم التي خّدروا شعوب العالم ،ارحت الناس في سبات لعش ارت السنين فتصورت الشعوب
أن تقاليد الجنتلمان الأمريكان وتعاملهم مع الآخرين وخاصة بعد انتصار الآلة الحربية على شجاعة
الفرسان ،سوف تجعل من اليانكي جندي الاحتلال ال ُمرحب به حيثما حل ،لأن الخير يحل معه في
كل الزوايا ،ولكن جنود الاحتلال في كل مكان هم على أعلى درجة من السفالة وانعدام الرجولة مع
أي شعب مقاوم ،لهذا يظنون أن كل واحد هو مشروع متفجرة أو ح ازم ناسف أو عملية انتحارية،
هكذا تحركت فيهم خلفياتهم المصابة بجنون التفوق الأمريكي الذي شبع حتى التخمة من البناء
النفسي بأنه الشعب الأكثر جسارة واقدامًا ،وأن أحدًا لن يصل إلى حافة قدمه ،ومما عزز هذه الأوهام
المريضة أن الأّدلاء الأذلاء مما سموا أنفسهم بالمعارضة ،صوروا للأمريكي بأن أكاليل الغار ستلقى
عليه وهو يتقدم نحو العمق الع ارقي وانه لن يدخل مدينة ع ارقية إلا وتنحر له الذبائح بقدر عدد
جنوده ،كان هذا ظنه السقيم وعززته بعض الممارسات الساقطة لمعممين أقاموا دعوات زقوم ماجنة
في الكاظمية للمجرم بول بريمر ،وأن غبيًا آخر أهدى لوزير الدفاع الأمريكي نموذجاً ذهبيًا لما يسمى
بسيف (ذو الفقار) ،ولكن الع ارقيين وبعد لحظة انعدام وزن ودهشة قاتلة من سلوك قطعان الغوغاء
التي نهبت كل الممتلكات الحكومية في مشاهد نقلتها شبكات الفضائيات على الهواء مباشرة ،بعد
هذه الفسحة من استرداد الوعي الوطني ،انطلقت أسرع مقاومة في التاريخ ،هي المقاومة الوطنية
المسلحة ،المقاومة اليتيمة الوحيدة في العالم التي قارعت المحتلين بما يغنمه المجاهدون من سلاح
26
نزار السامرائي يَومِ َّيا ُت ُمسَا ِف ٍرعَلَىطَر ِي ٍقأَحْمَر
الغ ازة ،أو بإعادة تأهيل أسلحة الجيش الع ارقي وزجه في مواجهة غير متكافئة ولكنها أفقدت جنود
الاحتلال أعصابهم حتى تحول عش ارت الآلاف منهم إلى مرضى نفسيين لن تنفع معهم كل جلسات
العلاج أو العقاقير المهدئة.
نعم كان نحيب النسوة تعبي ًار عن الشعور بالإحباط لفقدان شاب عزيز اختطفت حياته نوايا
الغدر الأمريكية قبل أن يتذوق أبواه طعم الحياة معه بعد أن يباشر مسيرة حياته الزوجية ويكّون
أسرته الصغيرة ،ولم تنفع مع النسوة النصائح بخفض الصوت ،ومن كان يدعو إلى ذلك سرعان ما
يتحول إلى خصم.
الإنسان على علو قدره وعظيم مكانته عند أهله ،فإن دفنه في أسرع وقت بعد الوفاة يكون أم اًر
ملحًا من أقرب أهله إليه ،فهذه سنة دينية لا تحتمل التغيير وهذه مفارقة حياة الإنسان وموته ،وهنا
برزت مشكلة كبيرة ،هل نسلم الجثمان للأمريكان من أجل تشريحه أم نبادر من فورنا لدفنه ونتحمل
تبعات هذا الق ارر؟ رفض الجميع فكرة التشريح بأي حال وخاصة من قبل قاتليه ،فهو شهيد ولن
تدنس جسده الطاهر أياد تقطر بالدم ،وبعد مشاو ارت مع علماء دين ووجهاء المدينة صدر الق ارر
بعدم تسليم الجثمان للأمريكان ،وبرزت قضية أخرى وهي هل نغسله ثم نكفنه أم نتركه بملابسه التي
قضى فيها؟ أفتى بعض العلماء بأن بالإمكان دفنه مع تغسيله لجواز ذلك من دون أن ينتقص ذلك
من مكانته عند الله والناس.
بدأ موكب التشييع من دار الحاج فاضل حسون (جد الشهيد) وخرج فيه المئات من أبناء مدينة
سام ارء وفي المقدمة منهم رجال المقاومة المسلحة الذين ألحقوا هزيمة كبيرة بالقوات الأمريكية
المحتلة ،وقد أطلقوا العيا ارت النارية بكثافة خلال التشييع الذي شق طريقه في شوارع سام ارء وسط
تكبير وتهليل المواطنين الواقفين على أرصفتها ،وبعد أن وصل الموكب إلى مقبرة سام ارء ،تمت
موا ارة جثمان زيدون الثرى إلى جانب جده وجدته ،وأهال عليه أقاربه والمشيعون الت ارب وسط مشاعر
حزن عميقة عليه وغضب جارف على الأمريكان الذين قتلوه بهمجية ودم بارد ،بجريمة مبتكرة
بوحشيتها ،وربما كانت أول جريمة إعدام تنفذ بالإغ ارق الحقيقي في بداية العام حيث تنخفض درجات
الح اررة إلى ما يقرب من الصفر المئوي ،وبعد انتهاء م ارسم الدفن عاد كثير من المشيعين إلى منزل
الحاج فاضل حسون حيث تقرر إقامة مجلس الفاتحة على الشهيد ،وخلال المجلس كانت مداولاتنا
تنصب على كيفية التعامل مع هذه الجريمة البشعة ،تداولت بشكل خاص مع عمي الدكتور شامل
27
نزار السامرائي يَو ِم َّيا ُتمُسَا ِف ٍرعَلَى َطر ِي ٍقأَ ْحمَر
السام ارئي عن أريه في كتابة رسالة مفصلة إلى عدد من قادة دول العالم والمنظمات الدولية ،فاستحسن
الفكرة وشجعني عليها وتعددت اتصالاتنا مع كل من له خبرة في م اركز الانترنيت لإيصال الرسالة
إلى العناوين المثبتة فيها ،وترجمة النص العربي إلى اللغات الحية الأخرى لتسهيل وصول الفكرة
وخاصة إلى أجهزة الإعلام العالمية ،خاصة وأن الجريمة متميزة بطريقة تنفيذها ووحشية تعبر عن
قسوة أف ارد الجيش الأمريكي الذي قيل أنه جاء لنقل الديمق ارطية وحقوق الإنسان إلى الع ارق.
المهم كتبت الرسالة ووجهناها باسم والدة الشهيد زيدون إلى الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن
وعدد من الرؤساء ورؤساء الحكومات في العالم والأمناء العامين للمنظمات الدولية عبر شبكة
الانترنيت شرحنا فيها القصة كاملة وطالبنا فيها بفتح تحقيق بالأمر ومعاقبة الجناة ،وهذا هو نص
الرسالة:
بسم الله الرحمن الرحيم
السيد جورج بوش رئيس الولايات المتحدة الأمريكية
السيد جاك شي ارك رئيس الجمهورية الفرنسية
السيد توني بلير رئيس وز ارء المملكة المتحدة
السيد الدكتور عدنان الباججي رئيس مجلس الحكم الانتقالي
السيد بول بريمر الحاكم المدني الأمريكي
السيد كوفي عنان أمين عام الأمم المتحدة
السيد عمرو موسى أمين الجامعة العربية
السيد رئيس اللجنة الدولية للصليب الأحمر
السيد رئيس منظمة حقوق الإنسان
أيها السادة المحترمون
إنني في ظرف نفسي صعب للغاية وقد يفجر ذلك مشاعري وانفعالاتي ،وذلك بسبب المصاب
الجلل الذي أصابني وزوجي عندما فقدنا ولدنا البكر والذي يبلغ من العمر تسعة عشر ربيعاً،
والذي كان يتطلع للحياة بنظرة ملؤها التفاؤل والأمل خاصة عندما تم عقد ق ارنه على إحدى قريباته،
فتوجه بكل طاقته لبناء حياته اللاحقة على أسس قوية و ارسخة ،إلا أن الأقدار كانت له ولأحلامه
28
نزار السامرائي يَو ِميَّا ُت ُمسَا ِف ٍرعَلَى َطريِقٍأَحْمَر
بالمرصاد إذ اختطفته على حين غفلة فترك جرحاً نازفاً في قلوب أبويه وخطيبته ومحبيه ،واسمحوا
أن أسرد لكم القصة بتفاصيلها:
يوم السبت المصادف 2004/1/3كان ولدي زيدون ومعه ابن عمه مروان قادمين من
بغداد إلى مدينة سام ارء حيث نقيم ،حيث يعملان في سيارة شحن صغيرة تعود ملكيتها لشخص
ثالث ،وذلك من أجل توفير سبل العيش في بلد هدته الحرب والحصار ،نعم كانا عائدين من بغداد
إلا أن سوء الطالع ارفق الرحلة من بدايتها فقد أصيبت السيارة بعطل لم يسمح لها أن تواصل
الرحلة مما أدى إلى تأخير في الوصول إلى سام ارء في وقت يقترب مع بدء سريان منع التجول
في المدينة ،وهنا يبدأ الفصل الأول من المأساة ،إذ اعترضت السيارة دورية عسكرية تابعة للجيش
الأمريكي ،وبعد أن استكملت كافة إج ارءاتها بتفتيش ولدي وابن عمه وتفتيش حمولة السيارة،
أنزلوهما من السيارة وشدوا وثاقهما واقتادوهما إلى منطقة تبعد حوالي ثلاثة كيلومت ارت ،وأمام
إحدى بوابات ناظم الثرثار حيث تتدفق المياه بقوة هائلة ،ووسط ذهولهما ،أمرهما الجنود بقذف
نفسيهما إلى الماء في البرد القارس عند منتصف الليل ،وتم دفعهما بقوة ،وللأسف الشديد لم
يكن ولدي يجيد السباحة ،على الرغم من أن السباحة في هذا الفصل ومع قوة التيار الجارف لا
تجدي نفعاً ،ومع ذلك فإن ابن عم ولدي الذي علق بإحدى الشجي ارت نجا من الموت بأعجوبة
ليحكي لنا هذه القصة المأساوية ،ولقد بذل جهوداً كبيرة لإنقاذ ولدي ولكن تيار الماء المتدفق
كان أقوى منه ومن محاولاته ،وبعد عدة أيام من البحث عنه عثرنا على سترته في مجرى الماء
وستبقى معي ذكرى وعنواناً للظلم الذي حل بولدي من جنود جيش الولايات المتحدة الأمريكية،
الذين جاؤوا إلى بلدنا وهم يرفعون شعا ارت حقوق الإنسان والديمق ارطية ،واذا بهؤلاء الجنود وبدم
بارد وبأعصاب جامدة يزفون ولدي إلى حتفه في أيام عرسه.
وكي أوثق الحدث فإن ابني اسمه (زيدون مأمون فاضل حسون السام ارئي) ،من مواليد /1
،1984/6نعم قتلوه وفجعوني به ،وتصوروا أيها السادة واسألوا زوجاتكم كم هو عسير على كل
أم أن ترى ثمرتها وقد نضجت ،ثم تهوي به يد أثيمة لتلقي به في هذا السيل الجارف دون رحمة
أو إنسانية ،لقد أحال الجنود كل ما قالته أمريكا عن حقوق الإنسان إلى كذبة كبيرة أو جثة هامدة
كنت واحدة من ضحاياها وهم كثيرون ،لذلك أتوجه لكم جميعاً والى السيدات الفاضلات عقيلاتكم
والى الرئيس جورج بوش خصوصاً لفتح تحقيق في ملابسات الحادث ،على الرغم من أن أي
29
نزار السامرائي يَومِ ّيَاتُمُسَا ِفرٍعَلَىطَر ِيقٍأَ ْحمَر
إج ارء سيتخذ من قبلكم لن يعيد ابني إلى الحياة ،ولكني بإحساس عارم بالفجيعة أتطلع إليكم
عسى أن يوضع حد لآلام الأمهات في بلدي فنحن نحصد البؤس والشقاء لما يفعله جنود جيش
الاحتلال الأمريكي دون م ارعاة لحياة الإنسان وك ارمته ولقيم المجتمع وتقاليده ،ولعل اتخاذ
الإج ارءات بشأن الحادث يعيد لي شيئاً من المصداقية حول الشعا ارت التي ترتفع عالياً في أمريكا
ولكننا لا نلمس منها شيئاً بل نحصد النقيض لها في بلدنا ،ولعل في هذا التحقيق ما سيدعم قوة
القانون حتى لا يأتي يوم يصحو فيه ضمير أحد القتلة ويعترف بتفاصيل فعلته وحينذاك ستكون
مسؤوليتها على عاتق بلدكم ،وأنا على يقين بأنكم تعرفون الإرهاب وما يندرج في قائمة الأعمال
الإرهابية ،فهل سمعتم أو اطلعتم على عملية إرهابية أبشع من هذه الجريمة التي ألحقها جنودكم
بسحق السيارة وتسويتها بالأرض بواسطة آلياتهم الحربية في رسالة موجهة إلى أسرتي الفقيد
وابن عمه مروان كي تتأجج مشاعر القلق لديهما على مصير ولديهما ،هذا سؤال أوجهه لكم
وللمجتمع الإنساني وقد أنتظر منكم جواباً شافياً..
المفجوعة بولدها
أم الضحية زيدون مأمون فاضل حسون السام ارئي
سام ارء
2004 /1 / 9
30
نزار السامرائي يَو ِميَّاتُ ُمسَا ِفرٍعَلَىطَر ِي ٍقأَحْمَر
الخطوة الرابعة
فتح ملف التحقيق
وقف أبناء مدينة سام ارء وقفة واحدة في التفاعل والتعاطف مع أسرة زيدون واستنكار الجريمة
الأمريكية التي هزت المشاعر والوجدان الإنساني لطبيعتها الوحشية ،وتساءل كثيرون أحقًا هذا هو
ديدن الغرب الذي يطرح نفسه حامياً للقيم الإنسانية حتى في التعامل مع الحيوان ،واذا به يفقد آخر
ما تبقى عنده من قيم في تعامله مع الإنسان وبهذا الأسلوب الذي تأباه حتى الوحوش في غاباتها.
تقاطر المئات منهم إلى مجلس الفاتحة من دون انقطاع وحتى بعد انتهاء مجلس الع ازء المعتاد
ظل بيت الحاج فاضل حسون مكاناً تأتي إليه ش ارئح المجتمع من كل الأعمار والطبقات ومن كل
التوجهات.
بعد انتهاء الأيام الثلاثة لمجلس الفاتحة ،بدأنا نتحرك لإيصال رسالة أم الشهيد إلى العناوين
المثبتة فيها ،ولم تكن الاتصالات متاحة لنا بنفس القدرة المتاحة حالياً أو على الأقل لم نتعود على
استخداماتها المختلفة ،كان مبنى قائم مقامية قضاء سام ارء محتلًا من قبل القوات الأمريكية ،وتُعّده
تلك القوات بمثابة "منطقة خض ارء مصغرة" ،ولكن المجلس البلدي لسام ارء كان بالإمكان الوصول
إليه ،وكان جميع أعضاء المجلس غاضبين على الجريمة وكانوا متعاطفين معنا ،وبقي المرحوم
"حازم عبد الكريم الياسين" على اتصال معنا طيلة الأيام السابقة ،كان أملنا محدوداً في وصول
الرسالة إلى الرئيس الأمريكي قائد الجمع الضال في العدوان على الع ارق ،وحتى في حال وصولها
فإنها لن تكون ذات نفع ذلك أن منطق الغطرسة والتعالي الذي جاء به الغ ازة كان يعني استهتارهم
بكل القيم العليا التي يعتز بها بنو البشر ،فقد تدنت بهم حيوانيتهم إلى مستوى مبتذل لا يمكن أن
يخطر على بال.
لم نطلب تعويضًا مالياً عن ابننا الشهيد ،واعتبرناه أكبر قيمة من أمريكا وما تملك ،ومن جهة
أخرى كنا على يقين بأن الإدارة الأمريكية لن تسمح بتجريم جنودها مهما كانت جريمتهم ومهما كانت
الأدلة قاطعة ،لكننا في الوقت نفسه عزمنا على المضي في إيصال صوتنا إلى ال أري العام العالمي
والى الصحافة الأمريكية والأوربية ،في تحرك على محور القيادة الميدانية الأمريكية في سام ارء والتي
31
نزار السامرائي يَو ِم َّياتُ ُمسَا ِفرٍعَلَى َطريِقٍأَ ْحمَر
كانت تتخذ من سايلو الحبوب الواقع على الطريق السريع المؤدي إلى تكريت وتحتل ببعض وحداتها
مقر قائم مقامية قضاء سام ارء الواقع عند مدخل المدينة ،وقد ارجعنا هذا المقر ثلاث م ارت بناء
على طلب الجانب الأمريكي من دون أن نخرج بنتيجة ،وكان الأمريكيون يتفننون في ممارسة
الضغوط علينا لوقف متابعتنا للقضية وارهابنا بما عرف عنهم من عنجهية وغطرسة ،ولكننا صممنا
على عدم التخلي عن حقنا مهما تعرضنا له من صعوبات ،وكان الضباط الأمريكيون ينفون أية
صلة لهم بالحادث ،ولكننا أكدنا إص اررنا على متابعة التحقيق ورفض ادعاءات الجانب الأمريكي.
في موقف مفاجئ تطوع أحد الضباط من أبناء سام ارء من الذين أعيدوا للخدمة بعد الاحتلال،
لتقديم المساعدة في الوصول إلى القائد هناك ،ربما كان مدفوعًا بروح المدينة والتعاطف مع أبنائها
إذا أصابتهم مصيبة ،وربما هي محاولة منه للتغطية على أدواره الأخرى في التعاون مع المحتلين
وفي إلحاق الأذى بأبناء سام ارء الذين هبوا للدفاع عن وطنهم ضد قوات الاحتلال.
كان اسم القائد الميداني الأمريكي "غون ازليس" وهو آسيوي مضرب بأصول أمريكية لاتينية،
وكان برتبة عقيد وكان سيء الأدب فضًا ومتعجرفاً إلى أبعد الحدود مستنسخًا الهمجية الأمريكية في
التعامل مع الهنود الحمر ،ذهبت مع أخي مأمون والد زيدون والضابط السام ارئي ،والتقينا القائد
الأمريكي بموعد مرتب مسبقًا ،سلمناه الرسالة وحينما ق أرها بمساعدة المترجم امتقع وجهه وفقد هدوءه
وأخذت عبا ارته تشتد مع الوقت وحاول تهديدنا بالاعتقال ،من بين ما قاله :كيف تسمحون لأنفسكم
أن تصفوا القوات الأمريكية بالصفات الواردة في رسالتكم؟ اتفقت مع الجميع أن أتحدث وحدي مع
الجانب الأمريكي ،وطلبت منهم عدم الدخول في أي حديث إلا في حال السؤال منهم وبعد أخذ
موافقتي ،أجبته بهدوء إن من كتب الرسالة أم فقدت ابنها وبالتالي لا يمتلك أحد الحق في يصوغ لها
مشاعرها وعبا ارتها عن الكارثة التي حلت بها ،ومن المستحيل أن تتمكنوا من مصادرة مشاعر الناس
لاسيما النساء وعلى الخصوص الأمهات المنكوبات ،لكن القائد لم يقتنع وواصل لهجته المتعالية،
حينها قلت لهم :هي في البيت فإذا أردتم اعتقالها فاذهبوا ولكن عليكم أن تعرفوا أن تقاليدنا الشرقية
لن تسمح لكم أن تمروا إليها إلا على أجساد الرجال من أف ارد الأسرة ،وعلى هذا عليكم تحمل التبعات
في أسرة غاضبة حد الاستعداد للموت ،ومدينة متعاطفة مع هذه الأسرة من دون حدود ،خاصة إذا
تعلق الأمر بانتهاك حرمات البيوت والاعتداء على النساء ،في مجتمع على استعداد أن يدفع آلاف
الضحايا دفاعاً عن شرف سيدة ،عندها لمس مني لغة تهديد مبطنة ،ولكنه مع ذلك لم يت ارجع عن
32
نزار السامرائي يَو ِم َّياتُمُسَافِ ٍرعَلَىطَريِقٍأَ ْحمَر
غطرسته فحاول إخافتنا بأن هذه الرسالة لن تقدم ولن تؤخر ،بل أنه يجزم أنها لن تصل ،وحتى في
حال وصولها فلن يَُتّخذ بشأنها أية إج ارءات ،دفعني ذلك إلى القول وبلغة واثقة ،أظن أنه من الأفضل
أن تفتح تحقيقاً بالحادث فالأمر بذلك سيصلك قريبًا وذلك أفضل لك لأنه سيظهرك بمظهر قائد
يرفض خروج قواته على قواعد الاشتباك التي وضعها الجيش الأمريكي نفسه ،فالرئيس الأمريكي
الذي سيجد نفسه محاص ًار أمام قضية أري عام ،ثم إننا أوصلنا رسالتنا إلى الصحافة العالمية بما
فيها الصحف الأمريكية ،ولما لم نصل إلى نتيجة غادرنا جميعًا مكتب قائد منطقة سام ارء على أمل
أن يتم استدعاؤنا في أية لحظة لفتح باب التحقيق.
بمساعدة السيد بشير عبد الرحمن الخضير وهو نسيب عمي الدكتور شامل السام ارئي ،استطعنا
إب ارق الرسالة عبر شبكة الانترنيت بعد ترجمة نصها إلى اللغتين الإنكليزية والفرنسية ،كما أرسلنا
الرسالة إلى الصحف المحلية والعربية وقد نشرتها كما هي ،وأوصلنا نسخة منها إلى قائد القوات
الأمريكية في الع ارق ،وتحركت من خلال علاقاتي الخاصة ومع الصحافة والفضائيات لفضح
الجريمة ،وفعلًا جاء فريق تلفزيوني من شبكة الـ BBCفي خدمتها التلفزيونية وأجرت لقاءات مع
أف ارد أسرة زيدون ،و َصَّوَر الفري ُق المنطقةَ التي تم إلقاؤه منها إلى بوابة ناظم الثرثار على الرغم من
الصعوبات الفنية التي وضعتها القوة الأمريكية الم اربطة على السد ،كما أن عدداً من الصحف
البريطانية أسهمت في توسيع نطاق التعرف على تفاصيل الحادث ،فقد أرسلت صحيفة ساندي تايمز
إحدى الصحفيات العاملات فيها لمتابعة هذا الملف الذي أرته مهماً والذي يساعد على شهرة من
يتصدى للكتابة عنه ،بسبب الطبيعة الهمجية لهذه الجريمة ،وأجرت الصحفية مقابلات مباشرة مع
أم زيدون وأخوته وأخواته ،وكانت لقاءات مؤثرة إلى حد بعيد ،هذا الاهتمام البريطاني له ما يبرره،
فبريطانيا شريك مهم في العدوان على الع ارق ويبدو أن الكثير من الصحفيين والسياسيين والمفكرين
البريطانيين كانوا معترضين على مشاركة بلادهم في غزو الع ارق واحتلاله ،أو على الأقل لإب ارز
الج ارئم الأمريكية وتبرئة بريطانيا من آثام الج ارئم التي تُرتكب في الع ارق ،ودفع الع ارقيين لإج ارء
مقارنات بين فعل القوات الأمريكية في ساحة عملياتها والقوات البريطانية في القاطع الجنوبي في
الاحتلال الحالي ،أو باستذكار ما فعلته سلطة الاحتلال البريطانية في الع ارق أثناء احتلاله بداية
القرن الماضي ،وهذه المقارنة الساذجة بين شرين أيهما أهون ،لا يمكن أن تمر بسهولة فكلاهما قوة
احتلال ثم إن القوات البريطانية لم تحافظ على صورتها التي أ اردت تسويقها إلى الأبد ،فقد كشفت
33
نزار السامرائي يَومِ َّياتُمُسَا ِفرٍعَلَىطَر ِيقٍأَ ْحمَر
وثائق مؤكدة عن انتهاكات لحقوق الإنسان ضد مدنيين في مدينة البصرة مما أرغم رئيس الأركان
البريطاني على الاعتذار لذوي الضحايا وأبناء محافظة البصرة ،ووصف ما حصل بأنها أعمال
مخزية ،كما أن قناة الجزيرة القطرية بادرت لمتابعة الحدث وكل حسب طاقته وما تسمح به الظروف
الأمنية للتحرك ،الجزيرة أعدت قصة كاملة عن الحادث ،وعلى الرغم من أن الحدث لم يأخذ حقه
ومداه من التغطية في أجهزة الإعلام ،فالصحف العربية لم تنظر إلى القضية على أنها صورة مصغرة
لما يجري في الع ارق ،بل نظر إليه البعض على أنه حادث منقطع.
كان من اللافت للنظر أن الصحافة الأوربية وبخاصة الصحافة الفرنسية والألمانية أغفلت ما
حصل على الرغم من أننا افترضنا أن إعلام هاتين الدولتين سيكون أكثر حماسة وج أرة من غيره
في متابعة حدث كهذا ،وعلى الرغم من ذلك كله فإنني رضيت بتلك التغطية من دون أن أفقد الأمل
بتغطية أوسع وأعمق مع الوقت.
بعد بضعة أيام عشنا خلالها أح ازنًا متواصلة ج ارء فقدان ولدنا وغطرسة القوات الأمريكية
الغازية ،واص اررها على تعذيبنا ،ازرنا الضابط الع ارقي في المنزل وقال استعدوا للذهاب لمقابلة القائد
الأمريكي الذي طلب حضوركم إلى مقر القيادة ،حينما وصلنا كانت تقاسيم وجهه تنم عن سلوك
آخر غير الذي عهدناه منه في الم ارت السابقة ،رحب بنا وقال إن أوامر فتح التحقيق بالقضية قد
وصلت من قيادة القوات الأمريكية ،وأن السيرجنت إرين سينترون ( )IRENE CINTRONوهي
مسؤولة في مكتب التحقيقات الجنائية العسكرية الأمريكية هي المكلفة بالتحقيق بالقضية وفتح ملف
لها ،بدأت سينترون بأحاديث إ ازلة التحسس منا تجاهها ،وطلبت منا مساعدتها على إنجاز التحقيق
بأسرع وقت لأن قيادتها أمرت بذلك ،وكبداية لفتح الملف قالت أنها تريد أن تذهب بنا إلى موقع
الجريمة واج ارء معاينة ميدانية للتعرف على كيفية وقوع الحادث ،وأجرت تحقيقًا في موقع الحادث
مع مروان وصورت الموضع من عش ارت الزوايا والنقاط بالفيديو.
استمرت حالات الاستدعاء إلى مقر قيادة القوات الأمريكية في السايلو لعدة م ارت ،وفي أحد
الاستدعاءات فوجئنا بالسيرجنت سينترون تبلغنا عن طريق المترجم مايكل رحباني وهو جندي أمريكي
من أصل لبناني كما يتضح من لقبه باعتذار رسمي باسم حكومة الولايات المتحدة الأمريكية عن
الحادث ،كان محتمًا علينا أن أسأل هل هو تعبير عن الأسف أم اعتذار رسمي ،سألها رحباني
فأجابت بثقة إنه اعتذار رسمي بكل تأكيد ،وهنا تدخلت فقلت إن ذلك يعني تحمل المسؤولية الجنائية
34
نزار السامرائي يَومِيَّاتُ ُمسَا ِف ٍرعَلَىطَر ِيقٍأَحْمَر
عن الحادث ،قالت نعم ،ولكنكم أصررتم على رفض التعويض عن الفقيد ،قلت نعم لأننا على يقين
أن أي تعويض لن يكافئ خسارته ،وقالت السيرجنت سينترون إن قيادة القوات الميدانية أبدت
استعدادها لتحمل جزء من تكاليف الدفن ومجلس الع ازء الذي أقيم على روح الفقيد وكناية عن باقة
زهور ،لكنني بادرت لرفض هذه الفكرة على الفور لأنها يمكن أن تُفسر على أنها قبول لمبدأ التعويض
المالي ،فنقل المترجم الرحباني ما قلته حرفياً إلى سينترون فردت بأن ذلك تفسير خاطئ ،وأقسم
مايكل الرحباني بأن المبلغ ليس تعويضاً وق أر النص الذي تم بموجبه صرف المبلغ وقمت بتثبيت
النص على وصل الاستلام.
مضت أشهر الشتاء والتحقت بها أشهر الربيع القصيرة ومرت كئيبة على العائلة وكان الجميع
يتساءلون بعيونهم إن لم تفعل أفواههم أين وصل التحقيق؟ وهل هناك فرصة حقيقية لتطبيق العدالة؟
تطوع الكثير من الأقارب والأصدقاء لإثارة المزيد من عوامل القلق في النفوس ،وبخاصة حينما
يتبرعون بتفسير غرض المبالغ التي تسلمناها عن الشاحنة وحمولتها ،وخاصة المبلغ الذي قيل بأنه
مساهمة في مجلس الع ازء وفسره أولئك على أنه تعويض عن الفقيد ،كانت هذه الأفكار كفيلة بإثارة
المواجع في النفوس فأصبحنا من فرط العطالة وانتظار الجديد نتلاوم بلا حدود وعلى كل شيء،
حين لا يجد واحدنا من يلومه فإنه يبدأ بجلد نفسه ويوجه لها لوماً جارحًا وكأنه يضع ملحًا على جرح
غائر ،وربما كان نصيبي من الحالة أكبر من غيري ،هل ورطت نفسي في قضية كبرى مع الأمريكان
الذين يمسكون بكل خيوطها؟ أم أن في الوقت متسعاً كي يعتقد الجميع بأن ملف القضية ما ي ازل
مفتوحًا وأن القلق المشروع يجب ألا يحجب كوة الأمل عن رؤية بصيص الضوء ،ولكن من فقد ولده
ليس كمن فقد نظارته ،فالولد خلاصة الوالدين إلى الحياة ،إذن لا مناص من الإص ارر على ملاحقة
القضية عبر ما متاح تحت يدي من وسائل وكنت أهيج نارها كلما خبت.
35
نزار السامرائي يَو ِم َّيا ُتمُسَا ِف ٍرعَلَى َطر ِي ٍقأَ ْحمَر
الخطوة الخامسة
التحقيق ينتقل إلى مطار صدام حسين الدولي
امتّد التحقيق لعدة شهور بين مكتب القائد الأمريكي في سام ارء ومقر القيادة في تكريت ،ولم
تتقدم آمالنا خطوة واحدة إلى الأمام حتى إذا انتهت شهور الصيف وجاء أيلول /سبتمبر 2004أمِلنا
أن القضية ستتحرك مرة أخرى ،ولكن الصيف ما ازل يضغط بوطأة ح اررته على الع ارقيين وجنود
الاحتلال على حد سواء.
يوم الثلاثاء 7أيلول /سبتمبر جاء مروان من سام ارء حاملًا معه تبليغاً رسميًا وخطياً وبتوقيع
"المقدم إحسان عزيز الساجي" من قيادة " ICDCقوات الحرس الوطني" وهي القوات التي شكلها بول
بريمر بالتنسيق مع من جاء مع الاحتلال ،يطلب حضوره إلى منطقة مطار صدام حسين الدولي
لحضور جلسة تحقيق مع الملازم الأول سافيل وهو آمر الفصيل أو السرية التي نفذت جريمة القتل
بأوامر مباشرة منه ،كان مروان وقبل أن يأت إلى بغداد قد اتصل بي وأبلغني بأن الشرطة أبلغته
بالذهاب إلى منطقة السايلو لأمر هام ،قلت له لا تذهب إلا في حال حصولك على تبليغ رسمي
خطي ،حرصاً على سلامتك خشية من تصفية محتملة من جانب القوات الأمريكية أو المتعاونة
معها ،لإ ازحة الشاهد الوحيد على وقوع الجريمة ،هذا ديدن المافيات التي تسعى لإخفاء الأدلة عن
ج ارئمها حتى لو اضطرت لقتل شخص قريب منها ،فكيف إذا كان الشاهد ع ارقيًا وابن عم الشهيد
زيدون ،وهي التي حاولت إضاعة أي دليل على ارتكابها للجريمة ،وكذلك حرصت على ضمان
قانونية أية خطوة نُقدم عليها أو نستجيب فيها للطرف الآخر ،ونشطت الإشاعات مجددًا بين الأقارب
والأصدقاء في تفسير كل خطوة جديدة تحصل ،وحتى حين يحصل تأخير في الإج ارءات الأمريكية
فإن ذلك كان يستدعي تفسي ارت تت اروح بين أقصى درجات التشاؤم وبين أعلى م ارتب التفاؤل ،السكون
له نفس القدر من تأثير الحركة بإثارة عوامل القلق ،البعض قال إن الأمريكان يريدون غلق القضية
بأي ثمن ،البعض الآخر مضى أبعد وقال بأن الأمريكان مستعدون لدفع عشرين ألف دولار من أجل
سحب القضية ،كنت واثقًا أن مأمون لن يقبل مبدأ التعويض حتى ولو وصل مليون دولار ،ولكنني
ما كنت لأنوب عنه من تلقاء نفسي في الإقدام على خطوة كهذه قد لا تأتي نتائجها كما أريد ،ومع
36
نزار السامرائي يَو ِميَّا ُت ُمسَا ِفرٍعَلَى َطريِ ٍقأَ ْحمَر
ذلك كان موقفنا فيه من الطبائع العشائرية الشرقية وفيه من تقاليد البداوة الكثير مما يرى الغربيون
فيها تخلفاً اجتماعياً تجاوزته الشعوب التي لا تتعامل مع قضاياها الكبيرة والصغيرة بقيم عشائرية أو
استناداً إلى مبادئ أخلاقية ،فالقوانين هي التي تنظم العلاقات بين الجماعات والأف ارد بصورة متوازنة
ولا تسمح الدولة لأية مجموعة من خارجها مهما كبر شأنها أن تنوب عنها في مباشرة واجباتها
وصلاحياتها ووظائفها في فض المنازعات واحقاق الحقوق ومن بين ذلك تثبيت مبدأ التعويض
المالي ،وحتى الإسلام لم يهمل هذا الجانب وأفرد له الكثير من المعالجات والحلول ،والديات المالية
جزء من تلك التعويضات ،غير أن التعويضات الأمريكية كانت من اله ازل مما لا يسمح لع ارقي يعتز
بك ارمته وقيمه ومكانة من فقد أن يقبل بها ،الكل يعرف كيف فرضت الولايات المتحدة تعويضات
بأرقام فلكية على الحكومة الليبية بسب حادث سقوط طائرة لوكربي إذ وصلت تعويضات الأمريكي
الواحد إلى ما يقرب العشرة ملايين دولار ،على حين أن ما تدفعه القوات الأمريكية عن ضحاياها
من الع ارقيين كانت لا تزيد على 2500دولار أمريكي ،فهل جاء الأمريكي من كوكب آخر؟ وهل
تم خلقه من غير الطين الذي خلق منه باقي البشر؟ وهل خرج من غير السبيلين الذي خرج منهما
بنو البشر؟ أم هو التعالي وشعور الغطرسة والتفوق العنصري المغروس في نفوس منخورة من الداخل
تريد التعويض عن هزيمة داخلية بالتعالي على بقية شعوب الأرض؟ أم أن منطق القوة المادية هو
الذي يفرض نفسه على التعامل بين الدول والأف ارد والجماعات على أساس ما تمتلك من أسباب القوة
وأسلحة فتاكة؟ غير أن الأمر لا يرتبط فقط في جعل صورة الأمريكي في الخارج بهذا الإطار الب ارق،
بل بسبب تقاعس حكومات الدول الصغيرة التي لا تجعل لمواطنيها قيمة إنسانية وتدافع عنهم في
كل المحافل الدولية ،حتى جعلت الدول الكبيرة تستخف بهم وتعاملهم معاملة تذكرنا بتجارة العبيد،
ولكن من يتبنى قضايا الع ارقيين؟ هل هي السلطة التي تواطأت مع أش ارر الأرض وساقطيه من أجل
إذلال الع ارقيين ،هل يمكن أن تدافع عنهم؟ محال فهي سلطة "ألعوبة" كما تسميها كل القوانين الدولية
في تعاملها مع السلطات التي تشكلّها قوات الاحتلال ،وبالتالي مرتهنة الإ اردة لأولياء النعمة عليها
ولمن جاء بهم من الأزقة المظلمة ومن المنافي ومن س ارديب العمالة والعمل كوكلاء للدول الكبيرة
والصغيرة التي تدفع لهم.
تحضرني هنا واقعة الاعتداء على طالب ع ارقي كان يتلقى علومه في بلغاريا وتم قتله هناك،
وكيف انتفضت الحكومة الع ارقية التي كانت تجسد شموخ الع ارقيين وكبريائهم وك ارمتهم عندما كانت
37
نزار السامرائي يَومِ ّيَا ُت ُمسَافِ ٍرعَلَىطَريِقٍأَحْمَر
السلطة الوطنية منبثقة من بين الشعب ،فأرغمت الرئيس البلغاري على القدوم إلى الع ارق وزيارة عائلة
الطالب الع ارقي القتيل وتقديم الاعتذار الرسمي عن تلك الجريمة ،أما السلطة التي نصبها المحتلون
الأمريكيون فهي ليست عاجزة عن التصدي للقمع الذي يتعرض له الع ارقيون على أيدي الجنود
الأوباش المحملين بكل موروثات الحقد والك ارهية للع ارقيين خاصة وللعرب عامة ،بل إن هذه السلطة
هي التي كانت تشجع المحتلين على قمع الع ارقيين وتقترح على الأمريكان أساليب التعذيب المستوردة
من فارس بحكم كون معظم رموز السلطة هم إي ارنيو الأصل أو الولاء.
لو أن جميع الع ارقيين الذين فقدوا عزي ًاز منهم ،رفضوا تسلم هذه التعويضات التافهة لاضطرت
أمريكا لإعادة النظر بما تدفعه للع ارقيين ،على العموم كان علينا بموجب التبليغ أن نكون في مطار
صدام حسين الدولي قبيل الظهر دون أن نعرف متى ستبدأ جلسة التحقيق فالفرق بالتوقيت بين بغداد
والساحل الشرقي للولايات المتحدة يبلغ سبع ساعات ،وهو أكثر مع توقيت المدن الواقعة في وسط
الولايات المتحدة أو الواقعة على المحيط الهادئ ،علماً بأن فرق التوقيت بين نيويورك على الأطلسي
وسان ف ارنسيسكو على الهادئ يبلغ ثلاث ساعات.
طريق المطار كان بمثابة خط مفتوح نحو الموت لكل العابرين عليه وبخاصة لأرتال القوات
الأمريكية ،وهذا ما يثير فينا شعو ًار عاليًا بالفخر والعز ،إذ كانت المقاومة تسيطر على الطريق
وتفرض على الحركة فيه رقابة صارمة فمن يذهب إلى المطار أو يأت منه إلى بغداد ،فله خصوصية
التعامل مع المحتلين إلى أن يثبت العكس ،كانت المقاومة تنصب الكمائن لعجلات القوات الأمريكية
بل وشنت في الطريق هجمات مؤثرة وشجاعة وبأعداد لا يتوقع الأمريكيون حجمها ،وما يمكن أن
تتركه من نتائج وخاصة في معنويات الجنود التي وصلت إلى الحضيض.
أعداد المقاتلين غير مألوفة لحرب الشوارع ،كان هذا الطريق مصيدة للمحتلين فقدوا على كل
كيلو متر فيه وعلى مدى عام ونصف مئات القتلى وآلاف الجرحى والكثير من المعدات ،وأهم من
كل هذا ت َصَفّرت معنويات جنودهم فيه ،ويكفي أن يعرف العسكري الأمريكي أنه مكلف بواجب في
هذا الطريق حتى يفقد ما بقي له من رصيد أعصاب ،ووصل الجنود حد الانهيار العصبي والمعنوي
ومن الممكن أن يؤدي ذلك إلى ارتكابهم لأي جريمة ضد زملائهم وهذا ما وقع منه الكثير ،وكانت
البيانات الحربية الأمريكية عندما تتحدث تصفه بحادث غير قتالي ،هؤلاء الجنود المدججون بالسلاح
والذين يقتلون بدم بارد وأعصاب جامدة ويثيرون الرعب والهلع في الشارع هؤلاء ما أجبنهم حينما
38
نزار السامرائي يَومِيَّا ُت ُمسَا ِفرٍعَلَىطَريِ ٍقأَ ْحمَر
تحصل مواجهة بينهم وبين رجال المقاومة الذاهبين إلى الموت بلا تردد ،ت ارهم يفرون من الموت
كجرذان غبية ،ويجهشون ببكاء مرير ،ويشترون الحياة الذليلة بالتوسل والخضوع حتى ليعجب المرء
من وضعهم ،في الحالين ،ما هو هامش الشجاعة المتوحشة لديهم حينما يتعاملون مع النساء وكبار
السن والأطفال؟ يتصرفون وكأنهم يؤدون أدوا ًار في أحد أفلام الأكشن الأمريكية التي تنتهي عادة
برفع الأمريكي علامة النصر بإصبعين مفتوحين إلى الأعلى ،فالأمريكي متفوق ولا يغلبه أحد وفق
ما تنتجه صناعة السينما في هوليوود ،وخاصة فيلم ارمبو.
المرور العابر عند أي مفترق طريق في بغداد يشّد الأعصاب ويثير في النفس مشاعر متباينة
ويغلق الأبواب أمام الإد ارك السليم ،ويطلق المخبوء من الانفعالات المكبوتة من مكامنها أمام الموت،
الحقيقة المطلقة الوحيدة ،والتي لا مناص منها ،ومع ذلك فإن الخوف منها يصل مديات تشل قدرة
الإنسان على التحكم بسلوكه إلا من رحم ربي ،فانتظار الموت وترقب وصوله يطغى على الخوف
من الموت نفسه ،وحين ينشر الموت جناحيه فوق أرض يحاول كل من هناك أن يغلق بابه دونه أو
يفلت منه بجلده ،قليلون هم الذين يفكرون بغيرهم في مثل هذه اللحظات ،منهم من يجند إمكاناته
وقد ارته من أجل تقديم العون للآخرين ،ولكن لحظة الوداع أصعب امتحان يواجه الإنسان ،نعم يمكن
أن تصدر عن المرء حركات تنم عن الرغبة في المشاركة في مصير واحد ولكن الاختبار إذا ما حل
بأثقاله فقد يكون من المسلم به لدى الكثيرين التفكير بالنفس أولًا مهما كانت درجة الق اربة والصلة مع
الغير في مشهد اللحظة الأخيرة.
شوارع بغداد الكئيبة والتي تشهد حركة بلهاء وفي مفترقات طرقها وأزقتها التي تنتهي عند
نهاياتها كل المسالك ،وحيث تحولت الأرصفة الموحشة إلى مقابر للحيوانات والأشجار وكتل الحديد
وبعض أشلاء آدمية ،واستحالت الطرق التي كانت إلى الأمس القريب مرصوفة بأحدث المعدات
ومواد التعبيد إلى حفر وكأنها أرض محروثة متهيئة لموسم الغ ارس ،نتيجة ما تركته سرف دبابات
المحتلين من جروح وأخاديد على صفحة وجهها الناعم ،كانت كلها تلتقي مع مدن الع ارق الأخرى
عند هذه النتيجة المحزنة والتي لا تسمح بذرف قطرة دمع لفرط ما فيها من مياه آسنة اختلطت ببقايا
دماء الع ارقيين وأعدائهم الأمريكيين مع شديد الأسف ،ومع ذلك لم يكن أمامنا أنا ومروان من خيار
إلا اجتياز طريق المطار وليرحمنا الله للوصول إلى مقر القيادة الأمريكية في قصر الفاو الرئاسي،
كان الطريق أطول بكثير مما كان على حقيقته ،لا ندري هل السرعة القصوى هي المطلوبة أم علينا
39
نزار السامرائي يَو ِم َّياتُ ُمسَافِرٍعَلَىطَر ِي ٍقأَحْمَر
أن نسير ببطء شديد لتجنب سوء التقدير من طرف المجاهدين الذين يستهدفون المارين على طريق
المطار ،وهل يا ترى سيتفهم من ي ارنا طبيعة المهمة التي نذهب من أجلها للمطار؟ عيون الناس
تنظر إلى المارين عبر طريق المطار بتساؤل أكبر من ترقب قذيفة أو إطلاقة تبحث لها عن هدف،
فالمطار قاعدة عسكرية أمريكية وليس محطة سفر ،هل يصدق من ي ارنا هناك أننا نتابع قضية
تحقيقية لولدنا الذي قتلته القوات الأمريكية؟ وهل على الجميع أن يعرفوا بالتفاصيل كي يتفهموا
موقفنا؟ ثم هل نحن وحدنا الذين فقدنا ابناً ،ولماذا لم يحقق الأمريكيون بكل ج ارئمهم ،فلماذا حصلنا
على هذا الامتياز؟ آه كم تمنيت ساعتها لو أن قصتنا قد انتشرت على طول الكرة الأرضية وعرضها
كي تتفهم الأعين التي تختزن أسئلة حائرة سبب مرورنا في طريق المطار ،ومع أننا لسنا متهمين
أمام أنفسنا على الأقل فليق أر من ي ارنا المشهد على هواه ،تساؤلات مرت سريعاً وما ي ازل من طريق
المطار أكثر من نصفه ،ولن تجدي هذه التساؤلات في عودة الساعة إلى الو ارء ولا في ق اررنا مواصلة
الرحلة حتى النهاية ،لنا حق نريد ملاحقته وان طال السفر.
كنت أقود السيارة بسرعة وسطى وبهدوء حذر فكل الاحتمالات واردة ،الأمريكيون الذين
استدعونا للتحقيق هل نتوقع أنهم أحاطوا دورياتهم القلقة على طريق المطار علماً بمجيئنا؟ استبعدت
هذا الاحتمال فو اًر فهم لم يسألوا عن نوعية سيارتي ولا لونها ولا رقمها ،في الطريق اعترضتنا أكثر
من سيطرة أمريكية وضعت فيها آخر ما توصلت إليه مصانع الإلكترونيات في الولايات المتحدة من
معدات وأجهزة ،ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد بل جلبوا الكلاب المدربة التي تفحص كل ما ي ارد
مروره ،بعد أن وصلناها وقفنا في دورنا بطابور طويل لم نكن نعتقد أن المطار يستقبل كل هذا العدد
من السيا ارت والم ارجعين ،كنا نتقدم ببطء شديد وبعد أن قطعنا حوالي 100متر بدأ الجنود الأمريكيون
بإصدار الأوامر ،هذا يأمر بفتح الصندوق الخلفي ،وهذا يأمر بإطفاء المحرك وفتح غطائه ،جاءنا
جندي يقتاد كلباً أو يقتاده كلب لا فرق فالأمر سيان ،أخذ الكلب يدور حول السيارة وهو يؤدي واجبه
الذي يتقاضى بسببه ارتبًا يفوق ارتب الجندي الذي يقوده ،أصدر الجندي لنا أم ًار نيابة عن الكلب
بالحركة بعد أن أصدر لنا شهادة التجرد عن المتفج ارت والسلاح والعطور ،بعد مسيرة قصيرة توقفنا
مرة أخرى ،أُمرنا بالترجل من السيارة وفتح غطاء المحرك مرة أخرى وفتح الصندوق ثانية وتسليم
الهاتف المحمول ،تذمر صامت يكاد يضيء من بين العيون أو يسمع صداه من بين الضلوع ،تركنا
السيارة لبضعة أمتار فهذه المرة يجب أن تفتش السيارة من الداخل بعيدًا عن أعين ركابها ،دخل ْت
40
نزار السامرائي يَومِيَّاتُمُسَافِرٍعَلَىطَر ِيقٍأَحْمَر
على الخط هذه المرة أجهزة أكثر تعقيداً من النقطة السابقة ،أجهزة التحسس الكهربائي والتفتيش
اليدوي المباشر لنا وللسيارة ،في باحة الانتظار تقدم نحونا شاب بدت هيئته ملتبسة ،بادرني السلام
عليكم أستاذ ن ازر ،أنا معجب بما تقوله في لقاءاتك على الفضائيات المختلفة وبخاصة قناة الجزيرة،
أجبته وعليكم السلام ،حاول أن يتسلل ولكنني عرفت أن سلامه كان رسالة تشكيك بطبيعة وجودي
هنا أ ارد أن يكافئ وجوده هو في باحة الانتظار أمام مطار بغداد ،هنا وجدت الظرف مناسباً أن
أبادره بسؤال قد يفاجئه ،قلت ماذا تفعل هنا؟ لم أسأله عن اسمه ولا عن منطقته ولكنني سألته السؤال
الذي أيقنت أنه حينما سلم عل ّي كان يريد أن يقول لي لقد ضبطتك متلبساً في جريمة الانتظار على
أبواب مطار كان اسمه مطار صدام حسين ،وبات اليوم مق ًار لقيادة القوات الأمريكية المحتلة ،تلعثم
قليلاً ولكنه لم يبال على كل حال ،فأجاب أنتظر دوري للدخول إلى مقر عملي في خدمات المتاجر
الأمريكية في القاعدة العسكرية بالمطار ،إذن هو لا يخجل من عمله فهو لم يأت لاهثاً و ارء الدبابة
الأمريكية ولم يرفع سلاحه ضد مواطنيه ،ولكنه ربما قاده ظنه أنني أشاركه أو أ ازحمه في البحث
عن وظيفة ،ولهذا حينما سألني واستناداً إلى مبدأ المعاملة بالمثل ،وأنت ماذا جاء بك؟ قلت أنا محام
عن ابن أخي الذي قتله الأمريكيون برميه في نهر دجلة ،واليوم نحن مطلوبون للتحقيق وربما
للمحاكمة ،لم يدع ِن أكمل عبارتي كان قد تلاشى وسط الزحام وبقينا بانتظار إشعارنا بأن تفتيش
السيارة قد تم إنجازه في ساحة مكشوفة ،بعد طول انتظار جاءتنا الإشارة باستكمال تفتيش السيارة،
فتوجهنا إليها من دون أن نعرف إلى أين نتوجه بعد ذلك.
بعد أن أنهينا كل الإج ارءات الأمنية في "جيك بوينت وان" ،تحدثت مع بعض الح ارس المتجهمي
الوجوه هلعًا ورعباً من قذيفة هاون أو سيارة يقودها "انتحاري" ،وسلمتهم نسخة من كتاب الاستدعاء
الرسمي الذي جئنا بموجبه ،بعد سلسلة اتصالات ليست عادية أج ارها المسؤول عن النقطة مع
م ارجعه ،أخبَرنا أحُد الح ارس بأن مأمو اًر سيأتي إلينا بهدف إيصالنا إلى الموقع الذي طلبنا ،كانت
الساعة تقترب من الثانية بعد الظهر عندها جاءت سيارة شيفروليه صندوقية رباعية الدفع تتقدمها
مدرعة من نوع هامر فيها إضافة إلى سائقها جندي يقف و ارء مدفع رشاش سريع الطلقات كان
منصوبًا فوق المدرعة ،وجندي يحمل بندقية من نوع M16كان يجلس بجانب السائق ،بعد توقف
الموكب ترجلت منه السيرجنت سينترون حيث كانت تحمل بندقية آلية ومعها جندي يحمل بندقية
آلية أيضًا وكان كل منهم يرتدي صدرية مقاومة للرصاص حتى المجندات الأمريكيات يحملن هذا
41
نزار السامرائي يَومِ َيّا ُتمُسَافِرٍعَلَى َطريِقٍأَ ْحمَر
النوع من البنادق ،ولكن ماذا فعل أكثر جنود المارينز ش ارسة مع رجال المقاومة كي تفعله سينترون؟
وجاءت مع السيرجنت وحمايتها مترجمة قدمت لنا نفسها ،قالت أنا سهام الجعبري سأكون المترجمة
الم ارفقة لكم طيلة تواجدكم في القاعدة ،أنا أمريكية الجنسية أقيم في كاليفورنيا ،من دون مقدمات قلت
لها أكيد أنت فلسطينية من الخليل؟ هزت أرسها موافقة على ما قلت ،وكادت أن تطلق عبارة دهشة
ولكنها أحجمت في اللحظة الأخيرة أمام سينترون ،بعد ذلك حينما سرنا سوية داخل القاعدة العسكرية
سألتني من أين عرفت أنني من الخليل هل وصلتكم المعلومات عني مسبقًا؟ تعمدت عدم إجابتها
من أجل أن أتركها قلقة حتى النهاية ،ربما ذهبت لتصو ارت بعيدة وربما كانت قد همست بأذن
مسؤولها الأمريكي عن ذلك ،وربما قالت له إن حياتها في خطر لأن ع ارقيًا على صلة بـ (الإرهاب)
يعرف عنها معلومات دقيقة جداً ،وقد تكون بالغت في تفسير ما سألتها عنه وأضافت من عندها
الكثير كي تطلب النقل إلى موطنها بالتجنس وتتخلص من كوابيس الموت التي لا تنتهي في الع ارق
المحتل.
بعد أن لاحظت القلق مرتسماً على وجهها والكلمات التي تخرج من فيها ،حرصت على الإيغال
في ممارسة اللعبة التي جاؤوا من أجل تنفيذها معنا ،ولأنها من جيل جديد ولأنها انسلخت عن بيئتها
الفلسطينية التي ما ازل الع ارقيون الأصلاء يعتبرونها صنو محنة احتلال بلدهم ،فقد طمس التغرب
عن ذاكرتها أن رجل دين فلسطيني هو الشيخ محمد علي الجعبري على ما كان قد ترسخ في ضميرنا
المشدود إلى القضية الفلسطينية التي تأكل معنا وتشرب أن الجعبري شغل وظيفة رئيس بلدية الخليل،
وكان جيلنا وخاصة في الع ارق ننظر إلى عمل كهذا على أنه تعاون مدان وطنيًا وقومياً وحتى دينياً
مع الاحتلال الإس ارئيلي ،وكان اسمه متداولاً على مستوى الإعلام العربي والإس ارئيلي على حد سواء،
وكان ذلك في وقته يعد كف ًار سياسيًا لا يمكن القبول به ،ولو أجرينا مقارنة بين ما فعله الجعبري في
ذلك الوقت وكان يعتبره تضحية لسكان مدينته المحتلة ودفعًا للأذى الأكبر بالأذى الواقع على
سمعته ،وبين ما يحصل اليوم في كثير من الدول العربية ،بل وما تفعله سلطة حماس التي تكاد
تؤله قاتل الشعب العربي في الع ارق وسوريا ولبنان واليمن بمن فيهم الفلسطينيين في هذه البلدان
المجرم قاسم سليماني ،وتعتبره قيادة حركة حماس "الإسلامية" ،شهيد القدس لوجدنا أن الشيخ الجعبري
قد اجتهد ولم يتجاوز حد الإساءة إلى نفسه ولم يعتبر بن غوريون أو جولدا مائير أو شارون أبطالاً
أو شهداء القدس أو الخليل.
42
نزار السامرائي يَومِ َيّا ُتمُسَا ِف ٍرعَلَىطَريِقٍأَ ْحمَر
بعد أن رحبت بنا سينترون وأ اردت أن تشعرنا بأنها حريصة على إنجاز قضيتنا ،طلبت منا
الصعود إلى سيارة الشيفروليه التي كانت تقودها بنفسها ،أشارت إل ّي أن أركب معها في المقعد
الأمامي وتركت سهام الجعبري ومروان في الخلف ،سألتني أين كنتم كل هذه المدة؟ وأردفت لقد
بحثنا عنكم في سام ارء وطلبنا من شرطة المدينة إحضار مروان ولكننا كنا نواجه بقولهم بعدم القدرة
على الوصول إليه ،تدخلت فو اًر لأقطع الطريق على مروان من الحديث ،قلت نعم لقد أبلغونا أكثر
من مرة ولكننا كنا نصّر على أن يكون طلب الاستقدام خطيًا ورسمياً من الجانب الأمريكي بالذات
لأننا لا نطمئن إلى التعاون مع أدوات صنعتها أمريكا ،ولهذا كنا نهمل م ارجعات الشرطة الع ارقية
وطلباتها ،نحن لا نتحرك من دون تدابير أصولية وعليها أختام رسمية ،وافقتني على هذا ال أري وقالت
يسعدني أن أعمل في قضية طرفها الآخر يعرف ماذا يريد.
على الطريق استأنفت سينترون الحديث مرة أخرى فقالت ،اليوم مهم بالنسبة لكم فسوف تُعقد
جلسة استماع عبر قناة تلفزيونية مغلقة مع هيئة التحقيق العسكرية المكلفة بالقضية في كولو اردو،
سيتم إحضار الملازم سافيل أمام قاضي التحقيق وسنكون نحن في إحدى قاعات قصر صدام حسين
والذي تتخذه قواتنا مق اًر لقيادتها ،سنجلس في هذه القاعة التي تجرى فيها مؤتم ارت عسكرية على
أعلى المستويات مع البنتاغون أو القيادات الأخرى في الولايات المتحدة مع قائد القوات الأمريكية
في الع ارق وهيئة أركانه ،سنجلس أمام شاشة نرى فيها هيئة المحكمة وستنقل صورنا لهم ضمن دائرة
تلفزيونية مغلقة عبر الأقمار الصناعية ،ولكن الجلسة لن تبدأ قبل الثامنة مساء بتوقيت بغداد،
تساءلت مع نفسي ما هي دوافع سينترون لتقديم العرض عن قاعة المؤتم ارت العسكرية بالوصف
الذي قدمته وخاصة عندما قالت "مؤتم ارت عسكرية على أعلى المستويات"؟ قلت مع نفسي هي
مجرد ثرثرة أ اردت أن تقول لنا إنها قريبة من مواقع التحكم بالق ارر وصنعه في هذا المقر ،وربما
أ اردت شيئًا آخر لم تصرح به في ذلك الوقت.
كان مروان هو الشاهد الوحيد على جريمة أ اردها الأمريكيون جريمةً كاملة ولكن إ اردة الله كانت
لهم بالمرصاد ،وكنت محاميًا عن العائلة بعد أن انتميت إلى نقابة المحامين بعد احتلال الع ارق عام
،2003عندما حل بول بريمر الحاكم الأمريكي المطلق للع ارق في الأيام الأولى لتعينه بمنصبه،
الكثير من المؤسسات والدوائر الرسمية وفي مقدمتها حزب البعث العربي الاشت اركي والجيش الع ارقي
وديوان رئاسة الجمهورية الذي كنت مدي اًر عامًا فيه وو ازرة الثقافة والإعلام ،أما الصحافة فهي مهنتي
43
نزار السامرائي يَومِ َيّا ُتمُسَا ِفرٍعَلَىطَريِقٍأَحْمَر
المحببة ،فقد مارستها منذ عام 1963وانتميت إلى نقابة الصحفيين نهاية 1970أو بداية عام
،1971ولكن الاحتلال قلص من حريتي في النشاط الصحفي إلى أدنى حد ،فقد كان هامش عملي
محدوداً في الظهور على الفضائيات العربية ،وبخاصة قناة الجزيرة والإخبارية وأبو ظبي وقنوات
أخرى ،لم أكن قد اتخذت المحاماة مهنة لي فأنا صحفي ولا يمكن أن أوفق بين اختصاصين ،فضلاً
عن أنني أفضل العمل الصحفي على أية مهنة أخرى ،صحيح أنهما يشتركان في الدفاع عن قضايا
المظلومين ،ولكن الصحافة تقارع الظلم العام بصوت عا ٍل وعلى الهواء الطلق ،على حين أن
المحاماة تقارع الظلم الخاص و ارء أبواب مغلقة ،ومع ذلك أريت نفسي مدفوعًا بكل طاقتي لهذه
القضية لاعتبا ارت كثيرة أولها أن الشهيد ابن أخي ،وثانياً أن الجاني الأمريكي فيها ارتكب جريمة
احتلال الع ارق التي أواجهها في حركتي الإعلامية والسياسية ،وثالثاً أنها تسلط الضوء على الج ارئم
النوعية لقوات الاحتلال وتفضح أساليبه الهمجية في قتل الع ارقيين أو تعذيبهم وكذلك عمليات الدهم
والسطو على الأموال الخاصة أثناء تفتيش المنازل بعد أن سطا على بلد كامل ونقل موجوداته كلها
إلى الولايات المتحدة ،وأستطيع إيصال ما أحصل عليه من معلومات إلى أجهزة الإعلام في لقاءات
تلفزيونية قابلة للانتشار على أوسع نطاق أو في ما أنشره من مقالات في الصحافة الع ارقية والعربية،
وهنا يحصل التقاء بين الصحافة والمحاماة ،ظننت أنني كنت أدافع عن كل ع ارقي مظلوم من قبل
قوات الاحتلال والسلطة المنصّبة من جانب الاحتلال.
اليوم إذن سنشهد جلسة تحقيق مع مجرم أمريكي يستحق وصف القاتل الوغد أو أي وصف
آخر يليق بفعلته الدنيئة ،لأنه ابتكر طريقة للقتل ربما لم تخطر ببال أحد من قبل مع أننا اكتشفنا
أن سجن أبي غريب كان وعا ًء لعمليات الإيهام بالإغ ارق ،لكن سافيل اختزل الطريق و ارح إلى
الإغ ارق الحقيقي ،إنه الملازم الأول سافيل ،كنت أحذف متعمداً من اسمه حرف الياء ،لأن ذلك ما
يتطابق مع طبعه وسلوكه ،كان سافيل قد أصدر أوامره لجنوده بإلقاء زيدون ومروان في نهر دجلة
عند بوابة ناظم الثرثار من دون أن يكون هناك سبب يدعوه لهذا الفعل الشنيع ،كان علينا أن ننتظر
بضع ساعات قبل أن يحين موعد الجلسة ،كانت السيرجنت سينترون حريصة على التحدث بود
لافت وفائض عن الحاجة وذلك لإ ازلة أي أثر للتحسس تجاه الجنود الأمريكان الذين احتلوا منطقة
المطار بكاملها والذي كان عند انتهاء تشييده مفخرة عم ارنية للع ارق ،واتخذت قيادة القوات الأمريكية
في الع ارق من القصر الرئاسي في الرضوانية مق ًار لها ،كان وقت الغداء قد حان وجهت لنا سينترون
44
نزار السامرائي يَو ِم َيّاتُ ُمسَا ِفرٍعَلَى َطريِقٍأَحْمَر
دعوة لتناول الطعام في المطعم المشترك للضباط والجنود ،وهو نفسه الذي كان الرئيس الأمريكي قد
تناول فيه الديك الرومي مع ضباط قواته وجنودها نهاية العام الأول للاحتلال ،وقد جاء إليهم خلسة
من أجل رفع معنوياتهم المنهارة جّارء الضربات المهلكة التي كانوا يتلقونها من قبل رجال المقاومة
المسلحة ،ثم كرر هذه الفعالية عندما جلب معه نوري المالكي الذي نصّبه بول بريمر في غفلة من
الزمن ،رئيساً لوز ارء الع ارق هذا البلد الكبير الذي أ ارد بريمر إذلاله بجلب رئيس وز ارء ما كان يطمح
يومًا بوظيفة تزيد على رئيس ملاحظين لو كانت السياقات السياسية والإدارية تسير على أقدام سليمة،
ولكنه صار هكذا فجلبه بوش الابن معه وتناولا الطعام بما فيه الديك الرومي وسط حشد من الجنود
الأمريكان ،ولم نسمع أنه سأل مضيفه الأجنبي فيما كان لحم هذا الديك مذبوحًا على الطريقة
الإسلامية أم لا؟ نعم هذا هو نوري المالكي الذي يطالب هذه الأيام برحيل القوات الأمريكية ،ونسي
فضلها عليه ،أن جاءت به من أزقة السيدة زينب في دمشق وجعلت منه متحكمًا بثروات أغنى بلد
في المنطقة ،ونسي أيضًا كيف وضع اكليلاً من الورد على قبور قتلى الجيش الأمريكي أثناء احتلال
الع ارق ووصفه لهم بأنهم شهداء ،حينما تذكرت ذلك أخذتني غصة ألم أن أرى أرض الع ارق تُدنس
من قبل قوات الاحتلال البغيض ،لاحظت سينترون ذلك علي وتساءلت عما أفكر فيه ،قلت إنني
أعجب لهذا الزمن الذي تدور دواليبه بسرعة لا توصف وبصورة لا تصدق ،وكيف تحول متسول
السيدة زينب إلى ما يسميه بعضهم من الضعفاء إلى (رجل الع ارق القوي).
استحثتنا السيرجنت سينترون على تناول وجبة الغداء قبل أن يتم استدعاؤنا إلى القاعة ،من ذا
الذي يرغب بتناول الطعام على مائدة عدوه قاتل ابنه؟ أردنا أن نجلب شيئاً نسد به الرمق لا غير،
كانت الأطعمة معروضة للجميع على موائد طويلة ،والخدمة في المطعم تتم بموجب قاعدة اخدم
نفسك بنفسك ،كانت ال ُخضار والفواكه لكل المواسم جلبوها لجنودهم كي ُيشعروهم بأن قيادتهم بقدر
ما تزج بهم في معارك قد تنقلهم إلى بلادهم ملفوفين بالعلم الأمريكي ،فإنها على استعداد أن توفر
لهم أعلى درجات الرفاهية وتجلب الخضار والفاكهة من القا ارت الخمس ،حينما توجهت إلى (البوفيه)
تقدم نحوي جندي تبدو على ملامحه سحنة شبه القارة الهندية ،وبادرني بعبارة السلام عليكم هل تريد
أكلاً حلالاً؟ قلت له نحن نتناول الأسماك فقط ،أشار إلى موضع الأسماك وخاصة الروبيان وبحجوم
وأصناف مختلفة ،عندما كنت أتنقل داخل قاعدة المطار التي حولها المحتلون إلى قاعدة جوية لهم
ومرك از للقيادة ،وجدت أن الأمريكان كانوا يتعمدون في تشغيل ع ارقيين في أعمال خدمية مثل التنظيف
45
نزار السامرائي يَومِ ّيَا ُت ُمسَافِرٍعَلَى َطريِ ٍقأَحْمَر
ورفع القمامة وربما هناك أعمال أخرى حقيرة لم تظهر على السطح ،كان هدف الأمريكان إذلال
الع ارقيين بأي شكل ،وحرق أو ارق سمعتهم أمام المجتمع والمقاومة المسلحة التي كانت تنظر إلى من
يعمل مع المحتلين كأنه جاسوس لهم.
مقر القيادة الأمريكية في قصر الفاو في الرضوانية من أط ارف بغداد الغربية وهو قريب من
مطار بغداد واستغرقت السيارة من المدخل الخارجي للمطار حتى الوصول إلى بوابة قصر الفاو
عدة دقائق ،وهو أحد القصور الرئاسية في عهد الرئيس ال ارحل صدام حسين وربما يكون هو الأكبر
والأفخم بين تلك القصور وقد أخذ اسمه من اسم مدينة الفاو التي احتلها الإي ارنيون في شباط 1986
وغيروا اسمها إلى الفاطمية وأقاموا فيها من التحصينات والمواقع والموانع ما ظنوا أنها مانعتهم من
الهزيمة ،وقال رفسنجاني حينها إذا استعاد الع ارقيون الفاو فسأذهب بنفسي إلى بغداد لتقديم التهنئة
للرئيس صدام حسين ،فاستعد الع ارق شعباً وجيشاً وقيادة بوضع خطط تحرير هذه المدينة التي دخل
منها الإنكليز بداية زحفهم نحو بغداد في العقد الثاني من القرن الماضي وجاء الإي ارنيون ليقتفوا
خطواتهم ،فالمحتلون يفكرون بطريقة واحدة ويسلكون الطرق نفسها ،وحتى عندما جاء الأمريكيون
عام 2003قاموا بالشيء نفسه ،وعمل الع ارقيون بكل جهدهم لتحرير مدينتهم من دنس الإي ارنيين،
فتم لهم النصر المؤزر في 1988 /4/ 17بعد أن سحقوا قوات العدو وكسروا عموده الفقري حتى
استلقى جاثيًا على الأرض بذ ٍل وتجرع كأس السم ارغماً واضطر لوقف إطلاق النار في 8/ 8
،1988/فأطلق الرئيس الر احل صدام حسين رحمه الله على هذا القصر اسم الفاو تيمناً بنصرها
المجيد ،وعلى الرغم من أنني لم أر هذا الصرح من قبل ولم يسبق لي أن أريت أيًا من القصور
الرئاسية الأخرى باستثناء القصر الجمهوري في ك اردة مريم الذي أريته لعدة م ارت فيما مضى ،وهو
البلاط الملكي تحت الإنشاء الذي كان منتظ ًار أن يقيم فيه الملك فيصل ويتخذه مق ًار رسميا له ،عندما
قامت ثورة 14تموز /يوليو 1958لم يكن القصر قد أُنجز بعد ،ولم يتم الانتقال إليه إلا بعد ثورة
14رمضان 8/شباط فب ارير 1963حينما تحول اسمه إلى (القصر الجمهوري) وهو المقر الرسمي
للدولة الع ارقية ،ووقعت في أسر القوات الإي ارنية في 24آذار /مارس 1982ولم يكن هناك قصر
رئاسي رسمي سواه ،وحينما عدت من الأسر في 22كانون الثاني /يناير 2002لم يكن ميسو ًار لي
أن أدخل إلى أي من القصور الرئاسية بسبب ظروف الع ارق الاستثنائية التي كان يعيشها قبيل الغزو
الأمريكي وعبث لجان التفتيش التابعة لأمريكا وترفع علم الأمم المتحدة ،ولذلك حينما أصف قصر
46
نزار السامرائي يَو ِم َيّاتُمُسَا ِف ٍرعَلَى َطر ِيقٍأَحْمَر
الفاو بأنه الأكبر والأفخم فإنما أقارن بينه وبين القصر الجمهوري في ك اردة مريم ،وربما بما سمعته
من مقارنات بين القصور الرئاسية ،على العموم لم يتعرض القصر لشيء من ظروف العمليات
الحربية الكبرى التي شهدتها بغداد ومنطقة المطار بشكل خاص ،ولكن الكثير من محتوياته كانت
قد اختفت نتيجة السرقات التي قام بها الجنود الأمريكيون ونقلوها إلى بيوتهم في الولايات المتحدة
تحت لافتة أخذ تذكا ارت من زمن الحرب وخاصة ما خف وزنه وكانت قيمته المالية أو الفنية عالية.
عندما دخلت إلى باحة القصر شعرت بجلال تصميم القصر وفخامته التي تليق بعظمة تاريخ
الع ارق وحضا ارته العريقة والذوق الرفيع للرئيس صدام حسين ،ولكنني تساءلت بم اررة هل ُبني القصر
كي يشغله أكثر أعداء من بناه ك ارهية له وحقدًا عليه وعلى وطنه وهم الأمريكيون ،وأ اردوا المبالغة
في التعبير عن هذا الحقد حينما حولوه إلى مقر لقيادة قوات غزو الع ارق واحتلاله ،تتدلى من قبة
القصر ثريا كبيرة من الكريستال النقي المشدودة مع بعضها بخيوط ذهبية اللون ،ولتشكل وهجاً
متلاحق التلألؤ كأنها كوكب دري ،حينما دخلت باحة القصر قلت مع نفسي هي مفارقة الزمن
الرديء الناتج عن الاحتلال أن أدخل القصر في وقت تُطبِق عليه قوات معادية للع ارق وعلى كل
مفاصل الدولة الع ارقية ،ولم يتحقق لي أن أريت هذا القصر في زمن سياسي كنت جزءًا منه وفيه،
كان الألم يعتصرني وأنا أمشي في أروقة القصر لأن شيئاً بنيناه وتح ّمل الحزب وقيادته بسبب بنائه
الكثير من النقد والتجريح من موتورين وباحثين عن أية ثغرة يتسللون منها لشتم النظام ،ثم تحول في
لمح البصر إلى سيطرة عدّونا وكأننا ما بنيناه إلا لكي ينتقل إلى سيطرة أولئك الأعداء المملوئين
ك ارهية وحقداً على الع ارق ،واذا مرر َت من تحت تلك الثريا فكأنما مرر َت تحت وهج الشمس واذا
ُسلب ُت القدرةَ على مقاومة إغ ارء النظر إليها فلا بد من المسير فوق أرض رخامية من ط ارز خاص
ترغم الجميع على استذكار الآية الكريمة) :قيل لها ادخلي الصرح فلما أرته حسبته لجة )....فهي
أرض تلمع بصفاء ارئق ،يجب الاحت ارز عند المشي عليها خشية السقوط.
من الخارج تحيط بالقصر حدائق ذات بهجة وبحي ارت متلاحقة تربط بينها جسور هي أقرب
إلى عيون المها بين الرصافة والجسر ،وعلى الرغم من أن قوات الاحتلال لم تدخر جهداً للعبث
بالقصر ومحتوياته وما يحيط به من م ارفق بل وبالع ارق كله فإن القصر بقي متألقاً بالح ازم الأخضر
الذي يحيط به بعد أن حولته أياد الع ارقيين من أ ار ٍض قاحلة إلى أجمل الجنان مما يصادف الإنسان،
صدام حسين لم يبن لنفسه قص اًر واحدًا وانما كان يبني صروحًا لبلده تعوضه عما فات من قبل،
47
نزار السامرائي يَو ِميَّاتُ ُمسَا ِفرٍعَلَىطَريِ ٍقأَحْمَر
فكل ما كان يمتلكه الع ارق من موروث عم ارني هو قصر الرحاب وقصر الزهور والقصر الملكي في
سرسنك وآخر في مصيف صلاح الدين.
كما أن صدام لم يفتح حسابًا في البنوك الأجنبية ولو أن أحداً من أعدائه الأمريكان أو الفرس
أو عملائهم ،قد ضبط وثيقة واحدة تشير إلى ذلك لكانت الصحافة المرتبطة بالمحتلين الأمريكان
والبريطانيين والإي ارنيين وعملائهم من عناصر العملية السياسية الفاسدة قد سخرت كل صفحاتها
للحديث عن ذلك ،إن بناء هذه القصور كان سدًا لنقص كبير في الم اركز الحكومية ،فالعالم ملئ
بعش ارت الألوف من الجسور وبتصاميم مختلفة ومبهرة وملايين الكيلومت ارت من طرق "الهاي وي"
الحديثة ،لكن أحدًا لم ينتبه إلى ارتباط الولايات المتحدة إلا بالبيت الأبيض في واشنطن وتمثال
الحرية في نيويورك ،وقصر الكرملين في موسكو ،والاليزيه وبرج إيفل في باريس ،وقصر باكنغهام
الملكي في لندن وعش ارت القصور التاريخية في ألمانيا ،أما في البلاد العربية فيبرز قصر القبة
وقصر الطاهرة في القاهرة ،ولأن الع ارق وعلى الرغم من أل ِق تاريخه لم يترك أث ًار كشاهد على عهوده
المتعاقبة ،فقد وجد صدام حسين أنه يجب أن يترك للع ارقيين شيئاً من المآثر العم ارنية الفخمة ،وهم
الذين لم يترك لهم الذين حكموهم قبلاً شيئًا منها.
كان الحصار الاقتصادي الدولي الذي فرضته الولايات المتحدة على الع ارق باسم مجلس الأمن
الدولي يضرب بقوة على كل ما يتعلق بحياة الع ارقي في مأكله ومشربه ودوائه ،وحتى حليب الأطفال
خضع لتقنين ظالم لم يعرف له شعب من الشعوب مثيلًا ،ولكن القيادة توصلت إلى أن تنشيط حركة
التشغيل في المجتمع من أجل ضخ موارد في الشارع الع ارقي ،فبُنيت عش ارت المشاريع العملاقة
بخبرة المهندسين وجهود العمال الع ارقيين ،ولعلنا لا ننسى الجسر ذي الطابقين والسد العظيم على
نهر الِعظيم ،وعش ارت الطرق والجسور والمجس ارت مما ساهم في تحريك عجلة الاقتصاد الوطني،
فضلاً عن تأهيل مئات المصانع الكبرى التي تم تدميرها في عدوان عام ،1991وتنشطت الحركة
الز ارعية على الرغم من أن الولايات المتحدة لاحقت نشاط قطاع ز ارعة الحبوب في محافظة نينوى
بكل حقد وخسة ،فكانت تضرب حقول القمح بالمشاعل الح اررية بهدف إح ارقها ومنع الاكتفاء الذاتي
وتقنين المستوردات التي لا تخرج عن هيمنة الإدارة الأمريكية.
وصلنا إلى القاعة التي أُعيد تنظيمها بحيث أصبحت القاعة الرئيسة لعقد المؤتم ارت وعلى
أعلى المستويات بين القيادة الميدانية للقوات الأمريكية في الع ارق ورئاسة الأركان الأمريكية في
48
نزار السامرائي يَومِيَّاتُمُسَافِرٍعَلَىطَريِ ٍقأَحْمَر
واشنطن وقيادة المنطقة الوسطى عبر قناة تلفزيونية مغلقة ،يتم خلال هذه المؤتم ارت بحث المستجدات
والخطط البديلة وذلك نتيجة التطو ارت الميدانية والخسائر المت ازيدة للقوات الأمريكية في الع ارق ،أخذ
كل منا مقعده المحدد له سلفاً ،أخذت است ارحة لأدور خلالها وأنا جالس في مكاني في أرجاء هذه
القاعة ،والتي يمكن أن تكون قد شهدت كثي اًر من المؤتم ارت العسكرية التي أدارها الرئيس ال ارحل
صدام حسين رحمه الله لوضع الخطط التفصيلية وبدائلها التي تقتضيها المستجدات الطارئة من أجل
مواجهة قوات الغزو الأمريكي التي تتخذ الآن من القصر مق ًار لقيادتها العليا ،نعم هذه القاعة تتخذها
قوات العدو مكانًا لعقد مؤتم ارتها العسكرية ،ولكن من أجل التصدي للمقاومة الوطنية المسلحة الباسلة
والتي تمكنت من إلحاق أكبر هزيمة عسكرية ونفسية بالولايات المتحدة منذ الحرب الفيتنامية ،مع
فرق حاسم وهو أن المقاومة الع ارقية تواجه أمريكا بكل ثقلها من دون أن يمد لها الاتحاد السوفيتي
يد الدعم أو الصين الشعبية كما كان يحصل مع كفاح الشعب الفيتنامي لطرد الأمريكان من جنوب
بلادهم ،وعانت المقاومة الع ارقية من حصار شامل من جميع جي ارن الع ارق.
بدأ الفنيون بتشغيل شبكة الاتصال مع قاعة المحكمة العسكرية في إحدى القواعد في ولاية
كولو اردو ،حينذاك فقط أيقنت أن الصيحات التي تعالت باللغة الإنكليزية والتي مهدت للربط الفني
بين هذه القاعة وقاعة المحكمة في كولو اردو أصبحت حقيقة مؤكدة ،فالأصل أننا كنا نشك كثي اًر
بجدية الأمريكيين وبكل ما يقطعوه لنا من وعود وفي كل ما ينطقوه من كلمات أو في كل ما يخطوه
من خطوات ،فهم أعداء بلدنا ودمروه وسلموه لأعدى أعدائنا الإي ارنيين ،وبدأت جلسة الاستماع ،ومن
طبيعة الأسئلة التي طرحها المحققون بدأت أتيقن بأن الجانب الأمريكي وفي سعيه للتنصل عن
مسؤولية جريمته فإنه يستميت من أجل البحث عن ضحية أو شماعة يعلق عليها أسباب ما ارتكب
جنوده من جريمة وحشية ،وكأنهم يسعون إلى تحويل مروان من شاهد إلى متهم ،ولذلك كانت الأسئلة
تركز على تحديد وقت وقوع الحادث ،متى وصلتما السيطرة العسكرية عند مدخل سد الثرثار؟ لماذا
تريدنا نعتقد بأن الجنود قد ألقوكما في الماء؟ وعش ارت الأسئلة تتدفق بلا انقطاع حتى تصورت أن
الهدف من طرح هذا السيل من الأسئلة ليس سماع شهادة مروان بقدر ما كان الهدف التشويش عليه
علهم يمسكون ب أرس خيط يجعلون منه سياجاً لحماية متهميهم ،ولذلك كنت أشير إلى مروان بعدم
التحدث معهم ما لم يتوقف المحقق عن طرح سيل الأسئلة التي لا علاقة بها بموضوعنا ،من قبيل،
هل تتوقع أن جنودنا على استعداد لرمي شباب أحياء في فوهة سد مائي متدفق المياه؟ أو من قبيل
49