نزار السامرائي يَو ِميَّاتُمُسَافِ ٍرعَلَىطَريِقٍأَحْمَر
وهل تعلمون أن الق ارر ح ّطم حياة بيركنز؟ وهل تعلمون أنه ُحرم تمامًا من كل حقوقه المالية وكل ما
كان يحصل عليه من ضمان صحي وفرص د ارسية على حساب الجيش؟ وهي الحقوق التي كفلها
له القانون العسكري طالما كان في الخدمة وبعد تقاعده منها؟ وهل تعلمون أن هذا العسكري بعد
خروجه من السجن سوف يجد صعوبة في الاندماج بالمجتمع؟) ،ما أكثر التساؤلات التي طرحها
المحامي "وهو كما قلت عسكري انتدبته المحكة للدفاع عن حق ذوي الضحية" عن المستقبل المظلم
لكل من يتعرض لحكم قضائي وخاصة من القضاء العسكري ،ولكن ذلك ليس هو ما كنا نريد ،نعم
لم نكن نتوقع حكمًا بالإعدام على القتلة ،ولم نكن نتوقع حكماً بالمؤبد ،ولكننا كنا نتطلع إلى حكم
آخر غير ما صدر ومهما كانت مدته ليؤكد مصداقية العدالة الأمريكية ،ولكن الحماقة الأمريكية
تأبى إلا أن تعزز من قناعتنا ال ارسخة بأن أمريكا كيان متجبر وغاشم في عدوانيته وأنه يستحق ما
يلقاه من ك ارهية من شعوب الأرض ،لم نقتنع بق ارر الحكم ،ولم نقتنع كذلك بمحاولات تسويقه من
قبل المحامي ،ولهذا أعددنا لائحة لاستئناف ق ارر الحكم ودفعناها إلى المترجم والذي رفعه بدوره بعد
ترجمته إلى هيئة المحكمة ،مع أننا كنا على يقين بأن ق ارر الحكم قطعي ولن يتغير واذا أريد له أن
يتغير فربما سيذهب للتخفيف وليس التشديد ،ولا نعرف فيما إذا كانت أحكام المحاكم العسكرية تقبل
الاستئناف أم لا؟.
يوم الأحد 2005 /1 /9أبل َغنا السيرجنت واتسون بأننا سنغادر أمريكا في طريق عودتنا إلى
الع ارق صباح اليوم التالي ،وفعلًا جاءنا واتسون صباح الاثنين ونقلنا من القاعدة إلى مطار مدينة
كلين القريبة من فورت هود ،ومن هناك أخذنا طائرة صغيرة من ذوات المحركين كالعادة لتأخذنا
من مطار كلين إلى مدينة مطار دالاس عاصمة ولاية تكساس ،والذي وصلناه بعد طي ارن استغرق
خمسًا وثلاثين دقيقة فقط ،وتنقلنا في أرجاء المطار بواسطة العربات الخاصة من مبنى إلى آخر
وكذلك بالمصاعد الكهربائية ،حتى وصلنا الصالة التي تفضي بنا إلى الطائرة التي تقلنا إلى ديترويت،
وبعد ثلاث ساعات من الانتظار في المطار أخذنا واحدة من طائ ارت شركة أمريكان أير لاينز،
وتوجهنا إلى ديترويت ،ومنها إلى أمستردام العاصمة الاقتصادية لهولندا والتي تعد محطة رئيسية
لحركة الطي ارن المدني بين الشرق الأوسط وأوروبا من جهة ،وصولاً إلى الولايات المتحدة وبالعكس
ثم العاصمة الأردنية عمان ،ومررنا فوق الأطلسي واستغرقت رحلتنا وقتاً طويلاً ولكن وقت العودة
من الولايات المتحدة إلى أوربا كان أقصر من وقت عبور الأطلسي من الشرق إلى الغرب بسبب
100
نزار السامرائي يَو ِميَّا ُت ُمسَا ِف ٍرعَلَى َطريِقٍأَحْمَر
حركة الرياح ،وخلال تنقلنا بين أوروبا والولايات المتحدة وبين المدن الأمريكية ،لاحظت أن الأسماء
اللامعة لأكبر شركات الطي ارن في العالم مثل بان أمريكان و TWAلم يعد لها وجود بين شركات
الطي ارن ،وربما يعكس ذلك جانبًا من أزمة النظام ال أرسمالي الدولي ،فقد تم تفكيكها بعد إفلاسها
وتأسست على أنقاضها شركات طي ارن جديدة لم تحتل المكانة التي كانت عليها "بان أمريكان" ويبدو
أن الولايات المتحدة أصبحت أكثر حرصاً على انتاج الطائ ارت وبيعها لشركات الطي ارن الكبيرة في
العالم ،من حرصها على تأسيس شركات طي ارن كبرى كما كانت تفعل في الماضي ،لأن المنافسة
قوية من مختلف الشركات ،أما الصناعة فقد أكدت تجربة "إير باص" أنها لم تنتج طائرة منافسة
للبوينغ على الرغم من كل أشكال الدعم الأوربي للإير باص.
بعد أن أنجز واتسون ختم جوا ازتنا في مطار الملكة علياء الدولي بسرعة ،توجهنا إلى صالة
الحقائب أخذناها ،ثم وجدنا في انتظارنا سيارة من السفارة الأمريكية في ع ّمان وفيها معتمد لإيصالنا
إلى الفندق ،ولكن مروان سأل عن حقيبته التي بقيت في المطار قبيل السفر إلى مدينة شيكاغو قبل
نهاية العام الماضي بثلاثة أيام ،وبالفعل لم يطل البحث عنها وعثر عليها في مخزن المفقودات،
وبعد أن استكملنا كل الإج ارءات وأخذنا حقائبنا ،توجهنا برفقة المعتمد إلى السيارة ،وبعد نحو ساعة
من مغادرتنا للمطار وصلنا إلى بناية عالية لا توحي بأنها فندق ،ومن باب خلفي دخلنا إلى البناية
واذا بعدد من الموظفين في الفندق يستقبلوننا بإج ارءات بوليسية تذكرنا بأفلام الرعب الأمريكية أو
مجموعة أفلام جيمس بوند ،حينما سألنا عن أسباب هذه التدابير اللافتة ،قال لنا موظف الاستقبال
في فندق " SASإن السفارة أبلغتنا أنها تسعى لتوفير أعلى درجات السرية لوجودنا والحماية لنا،
ولهذا أدخلتكم من الباب الخلفي وزودتنا بتعليمات صارمة لحمايتكم باعتباركم من الشخصيات المهمة
" "VIPسألته مم يخافون علينا؟ أجاب لا أدري ولكن طالما كانت هذه تعليمات السفارة الأمريكية
فنحن ملزمون بالتقيد بتلك التعليمات التي تخص ن لزاء في فندقنا ،فنحن لا نريد أن تسجل على هذا
الفندق الكبير حادثة يمكن أن تخل بسمعته أو تلحق أذى بضيوفنا ،ولما اقتربنا من الاستقبال كان
الموظف قد أحيط علمًا بمجيئنا ولم يدعنا إلى الجلوس في صالة الانتظار من أجل تسجيل المعلومات
المثبتة في جوا ازت سفرنا ،اقتادنا فو ًار إلى الغرف التي كانت قد حجزت لنا ،وعلى مقربة من غرفنا
تم حجز غرفة للسيرجنت واتسون الذي ارفقنا في سفرة الذهاب وغادرنا بمجرد وصولنا إلى قاعدة
فورت هود وبإجازة مع أهله في الولايات المتحدة ،ثم عاد والتحق بنا في القاعدة في يوم سفرنا
101
نزار السامرائي يَومِ ّيَاتُ ُمسَافِرٍعَلَى َطريِقٍأَ ْحمَر
صباحاً ،كان الفندق من فنادق الخمس نجوم وربما أكثر وهو فندق مبهر بتفاصيله الداخلية وغرف
نومه وحماماته ومطاعمه الكثيرة ،أخبرنا موظف الاستقبال بأن بإمكاننا طلب وجبة العشاء في غرفنا
وهو يفضل ذلك ،هنا شعرت بأننا شبه محجور علينا ،قلت له ،كلا بل سنتناول العشاء في المطعم،
وبعد ذلك خرجنا في جولة في الشوارع القريبة من الفندق ،ولكن برودة الجو وابتعاده عن المناطق
التجارية لم توفر لنا الإغ ارء للذهاب بعيداً ،وبعد أقل من ساعة عدنا أد ارجنا ورحنا في سبات عميق
بعد يوم سفر طويل ومرهق إلى حدود بعيدة.
ضحى اليوم التالي وحسب اتفاق سابق مع واتسون حزمنا حقائبنا ومضينا إلى مطار ماركة
الأردني وبقينا بانتظار طائرة الـ C130التابعة للقوات الأمريكية والتي كان مقر ًار وصولها من بغداد
وهي تحمل جنوداً أمريكيين مجازين في طريقهم إلى الولايات المتحدة ،ثم لتعود بنا إلى الع ارق وبدفعة
من الجنود العائدين إلى ساحة الحرب لقتل الع ارقيين ،فيا لها من مفارقة كبيرة أن يستقل القاتل
والضحية طائرة واحدة عائدة إلى الع ارق ،حيث يتفجر الص ارع على أشده بين شعب أبي ،وقوة محتلة
تريد تركيعه.
تأخرت الطائرة أكثر مما ينبغي ،هكذا إذن حتى الطائ ارت التابعة للجيش الأمريكي تتأخر وقد
يكون سبب ذلك مخاطر الهبوط والإقلاع من المطار ،وربما تمثل هذه رسالة ع ازء لنا عندما لا
نلمس وجع جروحنا من التخلف الذي نعيش ،وككل الطائ ارت المكلفة بواجب ،كان لا بد للطائرة أن
تصل وينزل ركابها ،تستعد مع ركاب جدد في رحلة محفوفة بالمخاطر إلى بغداد.
هناك صالة صغيرة ولكنها أنيقة لكبار الضيوف أو المسافرين في مطار ماركة ،كنا ننتظر
فيها وعن بعد ومع سقوط قرص الشمس و ارء الأفق لمحنا الطائرة وهي تقترب من المدرج ثم استقرت
غير بعيد عن القاعة ،ولما لم تكن هناك شعبة خاصة بشحن العفش كما يحصل مع الطائ ارت
المدنية ،فقد بات لزمًا علينا أن ننهض بهذه المهمة بأنفسنا ،ونحمل حقائبنا مهما كان وزنها ونسلمها
عند باب الطائرة بعد أن تخضع للفحص الالكتروني وتربط في مكان مخصص لها داخل الطائرة،
وعند هبوطها نكرر العملية نفسها مع فرق أساسي هو أننا أثناء وجودنا في مطار ماركا الأردني لا
نشعر بوطأة الاحتلال الأمريكي وأوامر جنوده المرتبكين بسبب حالة القلق المسيطرة على أولئك
الجنود في منطقة تتعرض لسقوط القذائف والصواريخ وتستهدف الطائ ارت التي تقلع والتي تهبط.
102
نزار السامرائي يَو ِميَّا ُتمُسَافِ ٍرعَلَى َطر ِيقٍأَ ْحمَر
وبعد أن استكمل جميع الركاب نقل العفش الم ارفق واستقر الجميع في مقاعدهم وهو ما استغرق
أكثر من ساعة أقلعت بنا الطائرة متجهة إلى بغداد ،وبعد طي ارن استغرق نحو ساعة ونصف بدأ
قائد الطائرة استعداداته للهبوط اللولبي والذي يتطلب منه ضبطًا لأعصابه ،فالني ارن الأرضية المنطلقة
من الفلوجة أو من ح ازم بغداد له وللطائرة بالمرصاد ،وهذا بدوره يجعل زمن الهبوط أطول بعدة
أضعاف الوقت المحدد للهبوط الاعتيادي الآمن ،وأخي اًر بدأت الطائرة تسير على مدرج المطار ومن
ثم توجهت نحو القطاع المخصص لخدمات القوات الأمريكية.
انتهت رحلتنا لأمريكا بعد أن صدر الحكم البائس على العريف القاتل ،ولكن الضابط المسؤول
الأول عن إصدار الأوامر لم يصدر عنه شيء ،فالأمر يتعلق بضابط وانعكاسات أي حكم قضائي
عليه واحتمال انعكاساته على المؤسسة العسكرية الأمريكية ،والآثار التي يتركها حكم قضائي يمكن
أن يلجم الضباط عن إصدار الأوامر لجنودهم أثناء الاشتباك خشية من حصول ما حصل في هذه
القضية.
بعد أن استقرت الطائرة وبدأ الجنود بالنزول منها ،نزلنا وتسلمنا حقائبنا من المكلفين بطرحها
على الأرض ،وأخذنا واتسون إلى إحدى قاعات الانتظار في المطار ،وقلنا يجب تأمين واسطة
تخرجنا من القاعدة العسكرية إلى البوابة الخارجية للمطار حيث السيطرة المسماة (جيك بوينت،)1
وهي بعيدة عن الجزء العسكري المخصص للقوات الأمريكية ،وهناك ستنتهي مسؤولية القوات
الأمريكية عنا عند تلك النقطة ،ولكن كيف سنصل إليها؟ لو كان مسموحاً لنا الحركة بالحرية التي
يتصرف بها ابن البلد في وطنه لاخترنا تأجير سيارة أو لما تُركنا هكذا من دون واسطة نقل ،بل
ربما كنا سنختار الانتقال إلى البوابة الخارجية للمطار سي ًار على الأقدام مهما كانت المسافة بعيدة،
فالحقائب التي نحملها حقائب ذات عجلات ،ولكن المطار محتل من قبل الجيش الأمريكي وهو
وحده الذي يمنح أذونات الحركة ويمنعها ،وهذه هي المرة الأولى التي ُيسلب الع ارقيون حق التنقل
في مرفق من الم ارفق الوطنية التي كانوا يعتزون بها.
نعم لا يستطيع الع ارقيون أو وسائط النقل التي يمتلكونها من عبور هذه النقطة نحو المطار
فمطار "صدام حسين الدولي" صار بعد الاحتلال أكبر قاعدة عسكرية للقوات الأمريكية الغازية ولم
يعد ممكنًا على أحد من الع ارقيين الدخول إليه أو الخروج منه إلا بإذن أمريكي ،فيا لها من محنة
103
نزار السامرائي يَومِ َّياتُمُسَا ِفرٍعَلَىطَريِقٍأَ ْحمَر
إضافية تقض المضاجع وتُوجع النفوس ،هنا تساءلت مع نفسي كيف يستطيع المتعاونون الع ارقيون
تقبل فكرة الخضوع للأوامر الأمريكية على كل من يتحرك في هذه البقعة المستقطعة من وطنهم؟
بعد تفكير قصير أيقنت أن العملة الخض ارء أسقطت كثي اًر ممن كان ينظر إليهم البعض على
أنهم كبار ،صحيح أن النفوس الكبيرة والأكثر فق ًار لا تبيع نفسها مقابل أي ثمن ،ولكن هل يمكن
المساواة بين أولاد عائلات ثرية لم يكونوا بحاجة إلى بيع أنفسهم للحصول على جاه مفقود أو وجاهة
فارغة أو مزيد من الأموال؟ ومع ذلك سقطوا في أول اختبار للك ارمة الوطنية وشرف الانتماء للع ارق،
هل يمكن المقارنة بينهم وبين شخص من عائلة معَدمة يسعى للبحث عن أية وظيفة من أجل إعالة
أسرته؟
قلت لواحد من المتعاملين في منشآت القاعدة الجوية الأمريكية ،هل أنت ار ٍض عن عملك مع
عدو احتل وطنك؟ قال وما الفرق بيني وبين من يعمل مستخدماً محليًا في سفارة أجنبية في بلده؟
ولماذا لا تسألون الذين باعوا الع ارق وكان بإمكانهم ألا يبيعوه ولكنهم انساقوا و ارء نوايا شريرة وبحثاً
عن مزيد من الث ارء الرخيص؟
تركته ولم أتمكن من إعطائه جواباً ،ولكنني كنت أردد مع نفسي "الحر لن يبيع نفسه مهما غلا
الثمن ومهما كانت الظروف".
ول ّما لم تكن هناك سيارة تتولى نقلنا من القاعة المخصصة للمسافرين من العسكريين الأمريكان
المغادرين منهم والعائدين ،إلى البوابة الخارجية للمطار ،فقد مضى الوقت علينا هناك طويلًا وثقيلاً
بانتظار من يأخذنا إلى تلك البوابة ،لم يكن مظهر تلك القاعة يُوحي أنها مخصصة لمثل هذه
الفعاليات التي تتطلب عادة مقاعد مريحة وم ارفق ملحقة بها للشحن والوزن وغيرها مما يحتاجه
المسافر من وسائل ارحة ،فهي خاصة بالعسكريين الذين يتحملون ظروف السفر مكّرهين على وفق
ما ترسمه لهم قياداتهم العليا.
واسطة النقل لم تتوفر لنقلنا ،على الرغم من أن القوات الأمريكية تحتفظ بعش ارت الآلاف من
العجلات المختلفة الاختصاصات وفي منشآت المطار تنتشر الآلاف منها ،وحاول العريف واتسون
أن يؤّمن لنا واسطة النقل ولكنه فشل في ذلك إلا بعد مضي عدة ساعات كنا خلالها نتقلب على
جمر الانتظار ،رغبة في تفريغ معاناة الانتظار ،قلت لمأمون ومروان "لو أن السيرجنت سينترون
104
نزار السامرائي يَومِيَّا ُت ُمسَا ِف ٍرعَلَىطَريِقٍأَحْمَر
هي التي اتصلت بقسم العجلات الأمريكية وليس العريف الزنجي واتسون ألم يكن طلبها قد لُبي فو اًر؟
هذه هي عنصرية أمريكا التي تختفي في هذه التفاصيل الصغيرة".
المهم كنت قد اتخذت احتياطاتي واتصلت بزوجتي من ع ّمان وأبلغتها بموعد وصولنا وطلبت
منها أن تحضر إلى نقطة السيطرة الأولى قرب المطار كي تأخذنا إلى المنزل ،معتقدًا أننا سنصل
قبل المغيب ،ولكن الطائرة العسكرية الأمريكية كررت سنن شركات النقل الجوي في عدم الالت ازم
بمواعيدها متذرعة بذ ارئع شتى ،وفعلًا كانت زوجتي قد جاءت برفقة شقيقتي وابنتها كفرقة حماية،
لأن تحرك النساء بالسيا ارت في شوارع بغداد أسهل وأضمن للسلامة من تحرك الرجال ،ولكن زوجتي
جاءت ثم عادت ثم جاءت وعادت مرة أخرى ،ولما تأخر الوقت كثي ًار لم يعد بوسعها أن تأتي إلينا
مع م ارفقين صغار السن بسيارة تتحرك على طريق الموت في بغداد فالقوات الأمريكية تطلق النار
على كل ساكن يتحرك أو متحرك يسكن.
بطارية الموبايل انتهى مفعولها تماماً ولم يعد بوسعي أن أبقى على اتصال بالمنزل واخبار
الأهل بعدم وجود واسطة نقل أمريكية تؤمن نقلنا لمسافة لا تزيد على كيلومترين على أكثر تقدير،
كنا قد طلبنا من الأمريكيين أن نذهب سي ًار على الأقدام ولكنهم رفضوا تلك الفكرة رفضًا قاطعاً
لأسباب تتعلق بأمن القوات الأمريكية ومنشآتها في منطقة المطار ،واقترحوا علينا المبيت في المطار
فرفضنا بدورنا ذلك المقترح من دون أن نمتلك إمكانية فرض أرينا على أحد ،وبعد أن اقتربت الساعة
من منتصف الليل ،جاءتنا البشارة بأن وسيلة النقل قد حضرت ،أهذا أمر يتطلب كل هذا الفرح بعد
أن تطلب كل ذلك الانتظار؟ كنت أتساءل مع نفسي ومع مأمون عما إذا كانت زوجتي باقية حتى
الآن في هذه المنطقة الخطرة حد الموت؟ ليس أمام الإجابة عن هذا التساؤل المرير غير بضع
دقائق ،وسنعرف كل شيء على الرغم من أننا كنا على يقين أنها لم تبق في المنطقة حتى قبل
ساعتين.
حركتنا داخل الجزء المخصص للجيش الأمريكي من مطار بغداد الدولي ،محكومة بموافقات
عليا وليس بمقدورنا الخروج من المنطقة والذهاب إلى أي جزء آخر من تلقاء أنفسنا ،لذلك اضطررنا
للبقاء في هذا الجزء لحين توفر سيارة توصلنا إلى البوابة الخارجية للمطار ،حاولت الاستنجاد
بالعريف واتسون لإج ارء اتصال بالمنزل ،ولكنه رفض بحجة أن هاتفه يعمل بخط أمريكي ولا يصلح
للعمل على شبكة الموبايل الع ارقية ،تظاهرت بتصديق الحجة مع أنني كنت قد تلقيت منه اتصالاً
105
نزار السامرائي يَومِيَّا ُت ُمسَافِ ٍرعَلَى َطريِقٍأَ ْحمَر
سابقًا قبل نحو أسبوعين بشأن سفرنا إلى أمريكا ،ولكن ضعف الذاكرة أوقع واتسون بهذه الكذبة
المفضوحة ،بعد طول انتظار وصبر على البقاء في الجزء العسكري الأمريكي من المطار الع ارقي،
جاءنا واتسون وقال تهيأوا لنقلكم إلى السيطرة الأمريكية ،كان الوقت قد تأخر كثي اًر وأيقنا أن نقلنا من
قبل القوات الأمريكية إلى حي العدل بات أم اًر مستحيلًا حتى لو طلبنا ذلك لتعذر الواسطة البديلة،
لأن الصيادين الع ارقيين بانتظار ط ارئدهم في هذا الوقت الذي يقيم فيه المؤمنون صلاة الليل والجهاد،
لم نكن نرغب بمثل هذا الاختيار السيء أصلاً لأن الموت حق على كل إنسان ،ولكن أن يموت
ع ارقي يكره الأمريكان كما نحمل نحن من مشاعر على المحتلين داخل عرباتهم المستهدفة من رجال
حملوا البندقية والقاذفة نيابة عن كل الع ارقيين ليقهروا جيش الغ ازة ،فذلك أسوأ ما يمكن أن يصادف
ع ارقي في خندق عدوه وهو في الوقت نفسه ينتمي إلى الخندق المضاد.
بعد أن وصلنا إلى السيطرة الخارجية لمطار صدام حسين ،الدولي وجدنا ساحتها التي كانت
تموج بالم ارجعين ،خاوية على عروشها وتضرب الريح بأبنيتها بقوة فتثير صوتًا كأنه عواء الذئاب،
وعشنا مشكلة عودتنا لبيتنا في هذه الساعة الموحشة وعبر طريق موضوع تحت دائرة الرصد على
مدار ساعات اليوم من قبل جميع فصائل المقاومة الوطنية المسلحة والمؤثرة على الأرض ،فالمقاومة
تترصد مرور قوات أمريكية عليه لتصطاد منها ما تستطيع ،وتُصّدر أف اردها إلى بلادهم بتوابيت
ملفوفة بالعلم الأمريكي ،قبل ذلك وصلتنا معلومات مؤكدة من مصادر ذات مصداقية أن قيادة القوات
الأمريكية عقدت اتفاقيات مع نجارين لصناعة توابيت بمواصفات خاصة ومن نوع محدد من الخشب
لغرض إعادة قتلاها بها ،المقاومة ت ارقب الطريق بكل ما لديها من تقنيات وأسلحة طورتها تبعاً
لطبيعة المواجهات التي حصلت في أوقات سابقة ،لأن هذه المنطقة خيبت آمال المحتلين في كل
مرة يعلنون فيها أن النصر قد تحقق وأن الاستق ارر سيكون متاحاً بعد بضعة أيام ،وتمر الأيام
والأسابيع والأشهر والأمن يبدو كس ارب يبتعد كثي ًار كلما تقدم المرء نحوه.
عندما وجد الأمريكيون الذين أتوا بنا من داخل المطار أن السيطرة خالية من السيا ارت ،دخلوا
في مشكلة جديدة فنحن في عهدتهم طالما نحن في منطقة المطار ،ومن واجبهم أن يؤمنوا لنا سيارة
توصلنا إلى البيت ،أو على الأقل تخرجنا من منطقة المطار كي تنتهي مسؤوليتهم القانونية ،بدأت
الحيرة تسيطر على وجوه جنود الدورية الذين جاءوا بنا إلى السيطرة.
106
نزار السامرائي يَو ِميَّاتُ ُمسَافِرٍعَلَى َطريِ ٍقأَحْمَر
بدأت محاولاتهم لتدبير سيارة لنا ولم تكن هناك غير دورية لشرطة النجدة ت اربط في المنطقة
بموافقة القوات الأمريكية وكأنها خط الصد الأول عن القوات الأمريكية في منطقة ساخنة كثي اًر ،بدأ
الحديث بين آمر الرتل الأمريكي وآمر دورية النجدة إذ أمرهم بتأمين إيصالنا إلى المنزل ،لم يكن
أمام ضابط دورية النجدة خيا ارت كثيرة مع الأمريكيين ،ولكن الضابط لم يتمكن من اتخاذ الق ارر
بنفسه ،كان عليه أن يأخذ موافقة م ارجعه عبر أجهزة الاتصال اللاسلكية ،لكن أمر الرتل العسكري
الأمريكي فاجأنا وألقى قنبلة خطيرة حينما أبلغنا (بأنكم إذا قررتم الموافقة على الذهاب معهم فأنتم
مسؤولون عن سلامتكم ،لأننا لا نعرف عما إذا كان هؤلاء من الشرطة حقًا أم لا ،وأكد أن المسلحين
الإرهابيين يمكن أن يكونوا قد نجحوا في اخت ارق هذا الجهاز وتسللوا إليه وبالتالي يمكن أن تكونوا
أنتم المستهدفين ،وربما نكون نحن المستهدفين ،نحن لا نثق أبدًا بكل ما يحيط بنا هنا) ،ذهلنا من
هذا الحديث الذي يعكس أقصى درجات التأزم والقلق عند أف ارد القوات الأمريكية ،فهذه شريحة تمثل
نموذجًا يعكس صورة صادقة لكل القوات الأمريكية العاملة في الع ارق ،وعلى الرغم من كل التحذي ارت
التي أطلقها أف ارد الدورية الأمريكية التي أوصلتنا من الجناح الأمريكي العسكري في مطار بغداد
الدولي ،إلى نقطة سيطرة الباب الخارجي للمطار ،فقد قررنا أن نستعين بسيا ارت شرطة النجدة
لإيصالنا إلى المنزل ،لاسيما وأننا لم نجد بديلاً آخر ،فالمنطقة خالية تمامًا من السيا ارت والبشر،
باستثناء الجنود الأمريكيين العاملين في السيطرة الخارجية وسيا ارت النجدة ،وبعض الموظفين الذين
يدخلون إلى المطار أو يخرجون منه ممن يعملون في مؤسسات الجيش الأمريكي ،طبعا كان من
المستحيل الاستعانة بأحد منهم مهما كانت الظروف ،فنحن نظن أن هؤلاء جزء من المجتمع ولكنه
باع نفسه لشيطان غواية المال السحت وبالتالي فهو أسوأ من جنود القوات الأمريكية ،عندما تحدث
ضابط صف الدورية الأمريكية بلهجة آمرة مع ضابط دورية النجدة الع ارقية ،ذهب هذا الضابط إلى
الاعتقاد بأننا شخصيات في غاية الأهمية من العاملين مع الأمريكيين ،أسفنا كثي ًار لهذه الصورة
البشعة التي كونها أف ارد شرطة النجدة ولكن لا حيلة لنا إلا أن نعود إلى المنزل ،لا ينفع الحديث
معهم وتقديم عرض بقضيتنا لهم ،من يدري فقد تثير واقعة من هذا القبيل ردود فعل عندهم ولهذا
أبلغت مأمون ومروان بعدم ذكر شيء عن مهمتنا في أمريكا ولسنا مضطرين لسرد هذه القصة لكل
من هب ودب ومن الذين لا يقدمون ولا يؤخرون في جوهر القضية.
107
نزار السامرائي يَومِ َيّا ُتمُسَافِرٍعَلَى َطر ِي ٍقأَ ْحمَر
الشرطة لم تر في مثل هذا الواجب خروجًا على مهماتها الأصلية لأن القوات الأمريكية هي
التي أمرت بذلك حتى وان كانت قد تحفظت على ذلك لأسباب عدم الثقة بدورية النجدة ،بدأت أجهزة
الاتصال تعمل بكل طاقتها بين سيارة قيادة الدورية والمركز الرئيس لشرطة النجدة ،ولما ركبت في
السيارة ظل جهاز الاتصال يعمل من اللحظة التي تحرك فيها من المطار وحتى وصولنا إلى المنزل،
كان ضابط الدورية يعطي المعلومات تباعًا لغرفة القيادة في شرطة النجدة ومع كل مثابة نصلها
كان يبلغ المركز باسمها ،كان المسير بطيئاً ومحفوفاً بمخاطر جمة لاسيما أننا كنا نمر في طريق
الموت أي طريق مطار بغداد الدولي الذي أرسلت فيه المقاومة الوطنية المسلحة آلاف الجنود
الأمريكيين إلى الآخرة ،كان أف ارد دورية النجدة يشهرون أسلحتهم الأتوماتيكية من خارج نوافذ السيا ارت
تحسبا لكل طارئ ،بعد رحلة لم تصادف أزمة مرورية بسبب خلو الشوارع من أية حركة باستثناء
بعض الدوريات الأمريكية ،وصلنا المنزل ووجدت أن ما قام به أف ارد الدورية يستحق المكافأة فدفعت
لهم 50ألف دينار ،حقًا كانت أكثر عمليات تنّقلنا بين المطار وبغداد إثارة للقلق والتأزم ،الشرطة
تحسب لنا حساباً غير ما هو فينا ،حسنًا ماذا لو أن أحد أف ارد هذه الدورية هو أحد رجال المقاومة،
هل بإمكاننا إقناعه بأننا أصحاب قضية عادلة كنا نتابعها في أمريكا؟ أسئلة كثيرة دارت برؤوسنا
ولم نعثر لها على إجابة.
استقبلنا الأهل بترحاب عال بعد أن امتص قلقُهم علينا كل رصيدهم من الصبر والجَلد ،وكنت
قد قطعت عهدًا على نفسي بعدم السفر مرة أخرى حتى لو استدعتنا القوات الأمريكية لمتابعة محاكمة
النقيب سافيل الذي أصدر الأمر برمي زيدون ومروان أمام فتحات ناظم الثرثار.
هذه هي الحلقة الأخيرة من قصة استشهاد زيدون مأمون السام ارئي ،حرصنا جهد إمكاننا أن
نسردها بالتفصيلات الكاملة ،أضعها أمام الع ارقيين وأصحاب الضمائر الحية في الع ارق والوطن
العربي والعالم ،من أجل أن نثّبت عدة حقائق من أهمها:
- 1لو أن كل مواطن ع ارقي لاحق ج ارئم الغ ازة القتلة ،لاستطعنا أن نكّون أريًا عاماً في
المجتمعات الغربية بما فيها مجتمعات الدول المعتدية ،ضد حكوماتها لاسيما وأن تظاه ارت حاشدة
قد خرجت قبيل العدوان في لندن ونيويورك وغيرها من الدول التي شاركت في العدوان ،ولكن شيئاً
108
نزار السامرائي يَومِ َّياتُ ُمسَا ِفرٍعَلَى َطريِقٍأَ ْحمَر
من هذا لم يحصل للأسف الشديد ،مما يؤكد أن الع ارقيين بحاجة إلى ثقافة المتابعة القانونية لحقوقهم،
فشريعة الغاب هي السائدة ،وهذا التقاعس هو الذي أدى إلى خسارتنا مرتين ،مرة عندما خسرنا
أبناءنا ومرة عندما خسرنا القضية في جانبيها الإنساني والقانوني.
-2إن هذا العرض يعد واحداً من أدوات تثبيت الحقائق لج ارئم الاحتلال الأمريكي وتفنن
الهمجية الأمريكية في وسائل القتل التي تعرض لها الشعب الع ارقي وهذه الشهادات لا بد أن يأتي
اليوم الذي ينتصف فيه الع ارقيون من كل الدول التي غزت بلدهم ودمرت منظومة الدولة عندهم
وأعادتهم إلى عصر ما قبل الصناعة ،وهذه دعوة لكل من عنده قصة سواء مع قوات الاحتلال
الأمريكي أو البريطاني أو الإي ارني أو من فعل المليشيات الطائفية أو قوات الحكومات التي تم
تنصيبها منذ الاحتلال وحتى اليوم أن يبادر لتدوينها قبل أن فوات الوقت.
بعد كل الذي جرى ،رب سائل يسأل "ماذا قدمت لكم حكومة الاحتلال من عون أثناء تنقلّكم
بين الع ارق والولايات المتحدة"؟
ربما أفهم أن التساؤل يشمل الجانبين المادي والمعنوي ،ولكنني كنت أبادر لأقطع الشك باليقين
كما أعلن ذلك أخي مأمون والد الشهيد زيدون أكثر من مرة ،فأقول "أولًا نحن لم نبحث عن تعويض
مادي من المجرم الحقيقي ،الأب الحقيقي للعملية السياسية الفاسدة التي أنشأها المحتلون بعد احتلالهم
للع ارق عام ،2003فهل نبحث عنه من عبده المطيع وخادمه الذليل والذي لا يمتلك لنفسه ض اًر ولا
نفعاً؟ أما في الجانب المعنوي فسلطة الاحتلال ،طرف ملحق بإحدى غرف السهر والمجون وتوفير
مستلزماتهما في مكتب بول بريمر الحاكم الأمريكي ،هي لم تفكر يوماً بإزعاج المحتل ولي نعمة
الضالعين فيها الذين انتشلهم من قيعان مستنقعات الرذيلة ،وجعل منهم حكامًا يمتلكون المال بعد
جوع ،والسلطة بعد ذل وخنوع ،ولن تجرح مشاعر المحتلين بمجرد المرور العابر على إحدى ج ارئمهم
اليومية ،بل كانت أسرع منه في مباركة ما يرتكب من فضائع بحق الع ارقيين الأبرياء ،بل إن تلك
العصبة كانت تُكلف أحياناً في تنفيذ بعض ج ارئم لا يريد الأمريكيون تنفيذها بأنفسهم كالخطف
والسطو على البيوت وغيرها من ج ارئم لا تريد ارتكابها من قبل قواتها النظامية ،بل تريد إيكال تنفيذها
إلى عصابات مأجورة تتحرك بأوامر سادتها ،أجزم بأن هذه السلطة لو كان لهم من الأمر شيء،
لوضعوا الع ارقيل في طريقنا ،بل لأصدروا ق ار ًار بمنعنا من السفر ،وربما سُيصدرون ق ار ًار باعتقالنا
109
نزار السامرائي يَو ِم َّياتُ ُمسَا ِفرٍعَلَى َطريِقٍأَ ْحمَر
لإسكاتنا عن متابعة الملف ،ولكنهم كانوا مجرد بوابين وح ارس جبناء لمكاتب أسيادهم الذين جاؤوا
بهم من الم ازبل ون ّصبوهم حكاماً على الع ارق.
في ع ارق الاحتلال ليس من حق أي إنسان سوي أن يتوقع من مجلس حكم بول بريمر أن
يتعامل مع ج ارئم الأمريكيين بغير غض البصر ووضع الوقر في الآذان؟ أما الحكومة التي خرجت
من رحم مجلس الحكم ،فهي النسخة السوداء من مجلس الحكم وكل ما تريده هو تمرير الوقت لجني
مزيد من السحت ،فهل يتوقع أحد أن سلطة بهذه المواصفات يمكن أن تتصرف بطريقة أكثر شرفاً
مما حصل ،والصمت تجاه جريمة اكتسبت مستويات عليا من الاهتمام الدولي سياسيًا واعلامياً.
لو أ اردوا لأنفسهم شرفاً هبطت إليهم فرصته ،لبادروا إلى تقليد الدولة التي جاءت بهم إلى
السلطة ،وقالوا "هو مواطن ع ارقي قُتل بطريقة وحشية وعلى الأقل علينا أن نقول كلمة حق واحدة،
حتى لو كان من باب ذر الرماد في العيون" ،ولكن كانوا مخلصين للجنسيات التي يحملونها والبلدان
التي ينتمون إليها بالأصل والولاء ،وهذا أمر له تبريره ولكن من أين تأتي المواقف الشريفة؟ ولو إنهم
قلدوا سادتهم وعادوا إلى القانون الأمريكي الذي لا يتساهل مع أي فعل يمس حياة مواطن أمريكي
لوجدوا لأنفسهم حجة".
سلطة رخيصة لا تحمل من الع ارق إلا خزينة تحلم بتفريغها ،وبلداً تريد تصفية مدخ ارته البشرية
والمالية والعلمية ومكامن قوته وك ارمته ومنج ازته العم ارنية بأسرع وقت ،لأنها منحدرة من أمم تحمل
موروثاً تاريخيًا من الحقد على الع ارق.
هؤلاء لا يشرفنا أن ُيقدموا لنا عوناً مادياً أو معنويًا أو حتى مجرد استنكار الجريمة ،ولهذا
وضعنا سلطة الاحتلالين خارج كل حساباتنا أثناء حركتنا باستثناء تبليغ رئيس مجلس "المحكومين"
بوقوع الجريمة ،هذا المجلس المشوه الوجه والذي ش ّكله بول بريمر كأول وعاء طائفي أقيم على
أساس المحاصصة الطائفية التي ستؤدي إلى خنق الع ارق بتولية كل تافه المناصب العليا في البلد،
ولتكون هذه هي بداية الانهيار الحقيقي لمكانة الع ارق الدولية ،ولثرواته الوطنية التي ستصبح نهباً
لمافيات السلاح والمال ،بعد أن أمسك تحالف التشيع السياسي بمقاليد السلطة ووقف شاه ًار سيفه
أمام كل من يظنه منافسًا له في الغنيمة ،ووزع ببخل شديد فتات مائدته على أك ارد السلطة السياسية،
وما تبقى من فتات الفتات ُمنح للسنة الملجومي الأفواه والمفتوحي الجيوب.
110
نزار السامرائي يَو ِم َيّا ُتمُسَا ِف ٍرعَلَى َطر ِي ٍقأَ ْحمَر
على العموم بعد أن حضرنا أنا وأخي مأمون والد الشهيد زيدون رحمه الله ،ومروان ابن أخي
عبد الحكيم "الذي تعرض لاعتداء مماثل ِل َما تعّر َض له زيدون ولكنه نجا من موت محقق بفضل
الله" ،جلسات المحاكمة العسكرية التي ُعقدت في قاعدة فورت هود الأمريكية ،لمحاكمة المسؤولين
عن تنفيذ جريمة قت ِل زيدون ،أصدرت المحكمة المذكورة حكمًا بائسًا وهزيلاُ على العريف المسؤول
المباشر عن تنفيذ الجريمة ،وتأخر حتى وقت لاحق صدور الحكم على النقيب سافيل الذي أصدر
الأمر لجنوده بارتكاب فصول الجريمة ،لم يكن ميسو اًر أن نفر َض على المحكمة تصورنا ولكننا لم
نهمل أية فرصة لإن ازل العقوبة بالجناة.
لهذا وجهت رسالة اعت ارض إلى قاضي محكمة فورت هود العسكرية وسلمته إلى المحامي
الأمريكي وهو ضابط يتدرب على هذه الوظيفة.
هنا انتهى سرد القصة الحزينة لاستشهاد زيدون وجريمة الشروع بقتل مروان وهي واحدة من
عش ارت بل مئات الآلاف من القصص المماثلة أو المتقاربة بطريقة ارتكابها وأكرر رجائي لكل من
عانى من محنة مماثلة أن يبادر إلى تدوينها ،كي تبقى كشهادات ثابتة للتاريخ حفاظًا على حق
سياسي وأخلاقي أصابنا بحزن عميق في وقته أو في أي وقت نتعامل معه ،ولكنه للأبناء والأحفاد
سيكون صفحات فخر ومجد لكل من سقط شهيداً أو تعرض لظلم من قوى الذين سلطتهم أمريكا
واي ارن طغاة بغاة على رقاب الع ارقيين الأح ارر.
ن ازر السام ارئي
24كانون الثاني /يناير 2021
111
نزار السامرائي يَو ِم َّيا ُتمُسَا ِفرٍعَلَىطَر ِيقٍأَحْمَر
الملاحق
112
نزار السامرائي يَومِيَّا ُتمُسَا ِف ٍرعَلَى َطر ِيقٍأَ ْحمَر
1
رسالة اعتراض على قرار الحكم
بسم الله الرحمن الرحيم
السيد قاضي محكمة الاستئناف العسكرية في فورت هود
تحية العدالة والحق
أصدرت المحكمة العسكرية في فورت هود ق ار ار بإدانة الرقيب ترسي بيركنز والحكم عليه
بالحبس ستة شهور بسبب عرقلته للعدالة وب أرته من تهمة القتل واستناداً إلى ذلك أتقدم بطلب
الاستئناف هذا من خلال الطعن بالق ارر المذكور من حيث الشكل والمضمون استناداً إلى الحقائق
التالية:
- 1إن عدم استدعاء الشهود من أف ارد قوات الحرس الوطني الع ارقية للإدلاء بشهاداتهم
أمام المحكمة قد ترك مساحة من الغموض وغياب المعلومات وقد سبق لهؤلاء أن أدلوا بشهاداتهم
أمام اللجنة التحقيقية C.I. Dفي مقر القوات الأمريكية في منطقة السايلو في سام ارء ،وقد سبق
وأن ضمنت طلب استدعائهم إلى محكمة فورت هود في المذك ارت السابقة.
- 2إن عدم إحضار المتهمين بالواقعة وعددهم خمسة في جلسات المحكمة قد أخل بسير
الم ارفعات وأكد أن المحكمة أ اردت طمس معالم الجريمة ،وقد سبق لموكلي الشاهد مروان عبد
الحكيم فاضل حسون أن أدلى بشهادته أمام اللجنة التحقيقية ( )C I Dفي كل م ارحل التحقيق
السابقة بخصوص الحادث ولهذا أرى أن مقتضيات العدالة توجب إحضار المتهمين جميعاً في
جلسات المحكمة.
- 3إن ادعاء الشهود من جنود الجيش الأمريكي والذين أدلوا بشهاداتهم أمام المحكمة،
بأن الشابين (مروان وزيدون) قطعا النهر سباحة ،أمر يقتضي التحقيق النزيه والمحايد في هذا
الادعاء ،وهذا يعني إعادة النظر في هذه القضية بكل م ارحلها من نقطة الصفر ،فهذه الشهادة
تؤكد وجود الشهود في مكان الحادث وفي وقت وقوعه مع المتهم مما يستدعي التساؤل المشروع
عن أسباب ذلك ،واذا كان الأمر كذلك فماذا كان رد فعل الجنود إ ازء هذه الواقعة؟ وعما إذا حاولوا
113
نزار السامرائي يَو ِميَّاتُمُسَافِرٍعَلَى َطريِ ٍقأَ ْحمَر
تقديم المساعدة لهما أم تركاهما يغرقان من دون أي رد فعل؟ فضلاً عن أن مضمون الشهادة
تدحضه الوقائع على الأرض ،إذ لا يوجد نهر مفتوح هناك ليسبح به أحد ،وهل يعقل أن يسبح
أحد في عز الشتاء وحينما تكون درجات الح اررة في مدينة سام ارء عند مستوى الصفر المئوي في
هذا الوقت من السنة.
هناك بحيرة مقدم السد من الشمال ،ويقع أسفله إلى الجنوب مسلكان للماء ،أحدهما هو
نهر دجلة الذي يتجه إلى جنوب الع ارق حتى يلتقي مع الف ارت قرب مدينة القرنة ليكونا شط العرب،
والثاني مجرى مائي صناعي يذهب إلى منخفض الثرثار ويتفرع عنه مجرى آخر يسمى قناة الكتم،
ويندفع الماء بقوة هائلة قادرة على توليد الطاقة الكهربائية ،وفي القناة التي يجري تصريف البوابة
التي ألقي فيها كل من زيدون مأمون فاضل حسون ومروان عبد الحكيم فاضل حسون ،كان
تصريف الماء بقوة 100متر مكعب في الثانية للبوابة الواحدة وكانت كل بوابة مفتوحة بمقدار
85سنتمتر فقط من أجل التحكم بكميات الماء المصّرفة إلى منخفض الثرثار ،وأرفق طياً نسخة
من تقرير مهندس الري لسد سام ارء.
- 4إن إلقاء الشابين في هذه البوابة يوفر ركن القصد الجنائي للقتل فمن النادر أن يفلت
أحد من الموت في حالة كهذه ،إلا إذا تيسرت له ظروف مساعدة إضافية كما حصل لمروان الذي
تشبث بجذع شجرة صادف وجوده قرب نقطة إلقائه في بحيرة مقدم السد.
- 5إن الادعاء بأن الجثة التي ظهرت في شريط الفيديو المقدم للجنة التحقيق من قبلنا لم
تظهر عليها تأثي ارت البقاء في الماء لمدة ثلاثة عشر يوماً ،أري مخالف لعلم الفسلجة إذ أن
انخفاض درجات الح اررة في الع ارق عموماً وفي سام ارء خصوصاً ،في شهر كانون الثاني /يناير
وقت وقوع الحادث وبرودة الماء يوفر مناخاً مناسباً من الناحيتين العملية والعلمية لمحافظة الجثة
على سلامتها لفترة أكثر من هذه المدة ،وعلى كل حال وجهة النظر هذه لم تقترن بتقرير علمي
من جانب المحكمة.
- 6إن الرعب الذي مر به مروان عبد الحكيم فاضل حسون أثناء اقتياده من قبل القوات
الأمريكية وأثناء الليل وداخل عربة مدرعة يجعل من العسير بل من المستحيل عليه أن يحتفظ
بكامل الصورة في ذهنه للجنود الذين اقتادوه هو وابن عمه فضلًا عن أن المتهم الذي أُحضر في
جلسة المحكمة قد ظهر بعد عام كامل من الحادث وهو بملابس غير ملابس ساحة الحرب ،مما
114
نزار السامرائي يَومِ َيّاتُمُسَافِ ٍرعَلَى َطر ِيقٍأَحْمَر
يترك تغيي ارت تلبس الأمر على الإنسان في الظروف الاعتيادية للاستدلال ،فكيف إذا كان الأمر
في مثل الظروف التي مر بها الشاهد ،وهذا ما جعل من مهمة تعرفه على المتهم شبه مستحيلة.
- 7لقد أبدينا استعدادنا الكامل لفتح القبر واج ارء التشريح على الجثة لمعرفة الأسباب
الحقيقية للوفاة ،وحين طلبت منا اللجنة التحقيقية إق ار ارً من رجل دين معتمد ،جئنا بموافقة من
السيد الشيخ حاتم أحمد عباس إمام وخطيب الجامع الكبير في سام ارء ،وقد سلمنا ذلك الإق ارر
للجنة التحقيقية في حينه ،وانتظرنا اتخاذ الإج ارء اللازم إلا أن الأمر لم يتم لحد الآن ولم نعرف
السبب و ارء ذلك ،علما بأن السيرجنت سينترون كانت قد أعربت عن مخاوف من الذهاب إلى
المقبرة التي دفن فيها الضحية خشية وجود كمين يستهدف القوات الأمريكية في حال قيامها بفتح
القبر.
- 8إن الحكم الذي أصدرته المحكمة العسكرية في فورت هود بحق الرقيب ترسي بيركنز
ومن خلال حيثياته يعد مساساً بمشاعرنا وخاصة مشاعر مأمون فاضل حسون والد الضحية
والذي فقد ابنه في حادث واضح لا لبس فيه ولا غموض ،ويعطي انطباعاً عن طبيعة القضاء
الأمريكي المتحيز على الدوام للمواطن الأمريكي حتى في حال وجود الأدلة القاطعة التي تدينه.
- 9إن إعادة الأمل لكل مظلوم من خلال تطبيق العدالة واحقاق الحق يستوجب إعادة النظر
بحكم المحكمة العسكرية المذكورة ورده ،كما أن الإج ارءات الشكلية للمحكمة توجب حضور محامي
موكل عن والد الضحية وكذلك عن الشاهد مروان عبد الحكيم فاضل حسون في كل جلسات
المحكمة.
لذلك أتقدم بطلبي هذا لاستئناف الحكم المذكور ورده ،ولكم شكري وتقديري.
ن ازر فاضل حسون السام ارئي
2004/11/9
115
نزار السامرائي يَومِ َيّا ُت ُمسَافِ ٍرعَلَى َطر ِيقٍأَ ْحمَر
2
إقرار من السيد الشيخ الدكتور حاتم أحمد عباس
إمام وخطيب الجامع الكبير في سام ارء
ورئيس لجنة التوعية الدينية في محافظة صلاح الدين
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه
أجمعين.
وبعد :فقد خلق الله سبحانه وتعالى الإنسان وكرمه وفضله على كثير من خلقه ،وأنه بنيان
الله في الأرض به تعمر الحياة ،ولا يحق لأحد أن يهدم هذا البنيان ويأخذ بهذه الحياة إلى موطن
الخ ارب أو الدمار ،وجعل حرمته مصونة في حياته وبعد مماته ،وحرم الاعتداء عليه وعّد ذلك
انتهاكاً وتجاو ازً على حياته وقدسيته بعد مماته ،فلا يجب لأحد أن يعتدي عليه بشيء من إح ارقه
أو كسر عظمه أو أن يطأ قبره برجله فيدوسه أو يجلس عليه ،كما أنه لا يجوز شرعاً أن ينبش
قبره وتخرج جثته إلا إذا دعت هناك ضرورة لحفر قبره واخ ارج جثته.
وسؤال السيد مأمون فاضل حسون حول موضوع فتح قبر ولده (زيدون) من أجل التحقيق
المتوقف على فتح القبر واخ ارج الجثة لمعرفة حال الجناية التي أصيب بها وأدت إلى وفاته لإ ازلة
الغموض الذي يعتريها ولا يعرف ذلك إلا بفتح القبر فأقول وبالله التوفيق:
يجوز شرعاً فتح القبر ما دامت هناك ضرورة ملحة لذلك ،وهذه ضرورة ،لأنها تترتب عليها
حقوق لمعرفة حال الجناية تتبين من خلال فتح القبر ،علماً بأن هذا لا يعد انتهاكاً لحرمة المجني
عليه وقد أصبح هذا من باب (الضرو ارت التي تبيح المحظو ارت) والتي أقرتها الشريعة وبنت
عليها كثي ارً من الأحكام ،فلا بأس في ذلك والله تعالى أعظم وأعز وأكرم ولا حول ولا قوة إلا بالله
العلي العظيم.
الدكتور حاتم أحمد عباس السام ارئي
رئيس لجنة التوعية الدينية في محافظة صلاح الدين
إمام وخطيب جامع سام ارء الكبير
116
نزار السامرائي يَومِ َيّاتُمُسَافِ ٍرعَلَى َطر ِي ٍقأَحْمَر
كنا نعلم علم اليقين أن الجهات الأمريكية التي تولت التحقيق كانت تضع الع ارقيل تلو الأخرى
من أجل أن يأتي الحكم مخففاً ،عندما شككوا قبل سفرنا إلى الولايات المتحدة بصدق معرفتنا
بجثمان ولدنا ،حاولوا تعجيزنا بمسألة فتح القبر ،ولهذا لما طلبوا فتحه غامرت بموافقة خاصة
من جانبي من دون التشاور مع أخي مأمون وقلت لهم إننا جاهزون ،في اليوم التالي كانت
سينتورن تعتذر عن القدوم إلى المقبرة وقالت إنكم تنصبون فخاً محكما للقوة التي ستتولى فتح
القبر ،لم أعلق على هذه الفكرة وكم تمنيت لو أن لي فصيلًا مقاوماً أستطيع تحريكه كما أشاء
وفي الوقت الذي أريد ،وعندما جئنا إلى الأمريكيين بإق ارر الشيخ الدكتور حاتم أحمد عباس
السام ارئي فإنما فعلنا ذلك لسد الذ ارئع عليهم.
117
نزار السامرائي يَومِيَّاتُ ُمسَافِرٍعَلَى َطر ِيقٍأَحْمَر
3
وثيقة دائرة مهندس الري لسد الثرثار
بسم الله الرحمن الرحيم
و ازرة الموارد المائية
المديرية العامة للسدود والخ ازنات
إدارة مشروع سدة الثرثار
العدد 26 /1/2/6
التاريخ 2004 / 1 / 17
م /البحث عن جثة
بتاريخ 3و 4و 2004 / 1 / 5تم غلق ناظم القناة الاروائية للبحث عن جثة الغريق
زيدون مأمون فاضل ولفت ارت غير مستمرة حيث كان تصريف القناة 100م /ثا وبفتحة بوابات
85سم وكان مستوى المياه بعمق 5م كما تم غلق القناة الاروائية بتاريخ 2004/1/15ولمدة
ست ساعات وتم العثور على الجثة.
مع التقدير
ر .مهندسين كريم حسن حمادي
مدير المشروع
118
نزار السامرائي يَومِيَّا ُتمُسَا ِفرٍعَلَى َطر ِي ٍقأَحْمَر
4
رسالة جوابية مني للناشطة الأمريكية السيدة سيندي شيهان
السيدة الفاضلة سيندي شيهان
مع عميق تقديري يسرني أن أحييك بح اررة ويسعدني كثي ارً أن أتحدث إلى سيدة عاشت فاجعة
فقدان ولدها في الحرب الأمريكية العدوانية على الع ارق ،ولم يؤِد ذلك إلى أن تحمل حقداً على
أبناء بلدنا كما يخطط صقور الإدارة الأمريكية لتصدير نتائج عدوانهم على الشعب الذي يقاوم من
أجل حريته ،بل فكرت بالحدث من ازوية أخرى وبطريقة سليمة تماماً عندما ألقت بالمسؤولية على
قادة بلدها لأنهم كانوا سبباً في سفك دماء الملايين من أبناء شعبنا ،لمجرد إرضاء جشع كارتلات
النفط التي تقايض النفط بالدم.
ويسعدني كثي ارً أن أشّد على يديك بح اررة للجهود النبيلة التي تبذلينها من أجل وضع حد
للقتل باسم القتال ،واحلال السلام والمحبة ،وكم كان يسعدني لو أنني أسهمت مع تلك الأصوات
المحبة للحرية التي خرجت في بلادكم وهي تنادي بالانسحاب الأجنبي وخاصة الأمريكي من
الع ارق ،وحينذاك سوف تتاح لكم الفرصة أكثر من الوقت الحاضر لكي تعرفوا أن أبناء شعبنا
يضمرون للشعب الأمريكي التقدير والاحت ارم بسبب الإضافات المبدعة التي قدمها علماء أمريكيون
إلى مسيرة التطور التكنولوجي التي قطعتها الإنسانية ،ولكن حكوماتكم وخطط الهيمنة التي تسيطر
على عقول صانعي ق ار ارتها الاست ارتيجية ،والتي تحولت إلى حروب شهدت ويلات لا حصر لها،
هي التي تحول دون قبول بلادكم في شتى أرجاء العالم وليس في الع ارق فقط.
فنحن في الوقت الذي نقاتل جنود الاحتلال بمن فيهم جنود بلادك فإننا لا نضمر لهم كأف ارد
ك ارهية أو عداوة ولكن ما هو ذنبنا عندما تتواجه البنادق في خنادق متقابلة؟ نحن نسعى لتحرير
بلدنا من كل أشكال السيطرة ونوازع الشر ،ونوجه رسالة إلى زعماء الولايات المتحدة بأننا شعب
نحب الحرية والسيادة والك ارمة ولدينا الاستعداد للتضحية في سبيلها بكل غال ونفيس ،كما أحب
الشعب الأمريكي حريته وقاتل من أجلها وقدم في ذلك تضحيات جسيمة حتى حصل على استقلاله،
ولم يمنعه ذلك بعد استقلاله من إقامة أوثق العلاقات مع البلد الذي كان يحتله ،نحن نتطلع إلى
119
نزار السامرائي يَومِيَّا ُتمُسَا ِف ٍرعَلَى َطريِ ٍقأَحْمَر
ذلك اليوم الذي نصبح أصدقاء على أساس الاحت ارم والتكافؤ مستندين إلى مبادئ الحرية والعدل
والسلام وعدم التدخل في الشؤون الداخلية . . .ويسرني سيدتي الفاضلة أن أنقل لك الرسالة
التالية من زوجة أخي السيدة وداد أم زيدون مأمون فاضل السام ارئي والذي ذهب ضحية الهمجية
البالغة للاحتلال الذي قامت به قوات بلادك لبلدنا ،وكم هي فرصة ذات مغزى أن تلتقي سيدتان
فقدتا ولديهما في ساحة واحدة ونتيجة لظرفين مختلفين اختلافاً جوهرياً ،تقبلي خالص تقديري.
ن ازر السام ارئي
120
نزار السامرائي يَو ِم ّيَاتُمُسَافِ ٍرعَلَى َطر ِي ٍقأَحْمَر
5
نص رسالة أم زيدون للسيدة شيهان
عزيزتي السيدة شيهان
مع امتناني لمتابعتك للفاجعة التي حلت بي وبأف ارد أسرة زيدون ،فإنني في واقع الحال أتفهم
مشاعر الأم حين تفقد وليدها ،وأتحسس مشاعرك أثناء اللحظة الحزينة التي وصلك فيها بلاغ
النعي الذي أرسلته لك قيادة القوات الأمريكية والذي أعلمك فيه برحيل ابنك ،وأنا إذ أشاطرك
الحزن أشعر بأسى لأن الشباب من أبناء بلدك يساقون إلى مصائر مجهولة تلبية لنزعات شريرة
لمصانع السلاح وبيوت المال والاحتكا ارت النفطية وللقوى السياسية التي تريد تحويل العالم إلى
حلبة للقتل باسم القتال ،وأن الكثير منهم يرحل قبل أوانه من دون أن يتمتع بحقه بالحياة التي
ضمنتها له الش ارئع السماوية والقوانين الأرضية ،ولكن نزعة الشر التي سيطرت على من بيده
ق ارر الحرب ساقت ولدك وعش ارت الآلاف غيره ليشاركوا في عدوان دمر بلدنا وأ ازل كل الإضافات
التي قدمها شعبنا لعش ارت السنين فكان أن ذهب ولدي ضحية لاحتلال الجيش الأمريكي لبلدنا،
ومضى ولدك في الحرب أيضاً ضحية لق ار ارت الزعامة الأمريكية المتعطشة للدماء والهيمنة التي
سيطرت على مدارك اليمين المتطرف الجديد ،قتل ابنك ولكن بكيفية مختلفة تماماً لينعم تجار
الحروب بالثروة والسلطة ،وليمنعوا عنا أن ننعم بوجود أولادنا بيننا ولم يكن بوسعنا أن نسأل لماذا
تأخروا في العودة إلى المنزل.
وأنا واثقة أن ولدك لو كان بيده الخيار لفضل عدم حمل السلاح ضد بلدنا بل ربما كان
سيأتي حاملًا معه مجموعة من قصص الأطفال أو لعبهم أو لربما كان سيحمل معه صندوقا مليئاً
بالأدوية لأطفال الع ارق الذين قضى الحصار الاقتصادي الظالم الذي فرضته بلادك على بلادنا على
مئات الآلاف منهم ثم جاءت طائ ارت سلاح الجو الأمريكي وقوات المارينز لتجهز على آخرين
مثلهم.
إننا يا رفيقتي في مسيرة الألم يمكن أن نعمل معاً وكل من موقعه ودوره من أجل وضع حد
لسفك الدماء واشاعة أجواء المحبة بدلاً من لغة الحرب ،وقد لا أكون مخطئة حينما أقول إن
121
نزار السامرائي يَومِ ّيَا ُت ُمسَافِ ٍرعَلَىطَريِ ٍقأَحْمَر
الرئيس جورج بوش الابن الذي كان قد تهرب من الخدمة العسكرية أثناء الحرب الفيتنامية قرر
خوض الحرب بأبناء الآخرين ولا يقدر معنى أن يذهب الأبناء إلى ساحات القتال وانفعالات أهلهم،
بوش لم يعرف أهوال الحروب ومآسيها وأنه لو كان له ولد لوجد له طريقة لكي يخلصه من ويلات
الحرب كما فعل أبوه معه ،إنه يا سيدتي يقاتل بأبناء الآباء والأمهات ولا يمكن أن يتصور مشاعر
أب أو أم لحظة معرفتهما بسقوط ولدهما في المعركة خاصة إذا كانت معركة عبثية من جانب
الولايات المتحدة ،أو إذا كان هذا الولد هو وحيدهما في طاحونة الموت في الع ارق ،ولهذا فأناشده
من خلالك هذه المرة أن يكف عن ترويع أطفال الع ارق وعن ترويع الأمهات والآباء ،ونحن شعب
لم نركب البحر أو نغادر بلدنا لشن العدوان على أحد ،ولم تكن لنا أي صلة بدوامة العنف والإرهاب
التي تعصف بالعالم اليوم فهي ردات فعل لسياسات الولايات المتحدة التي تريد قهر إ اردة شعوب
الأرض ،إننا نؤمن بما أمرنا الله به في القرآن الكريم حين أكد بأن من قتل نفساً من دون مبرر
فكأنما قتل الناس جميعاً ،لهذا فإننا نعمل على هدي هذا المعنى العظيم الذي حرم الاستهانة بحياة
الإنسان ،كما أننا نؤمن بوحدة مصادر الهداية النازلة من السماء ،ولهذا فإنني حينما أق أر قول
السيد يسوع المسيح عليه السلام (المجد لله في الأعالي وعلى الأرض السلام وفي الناس المسرة)
فإنني أشعر أن هذا الدرس العظيم لم يجد طريقه إلى التطبيق أبداً من جانب الولايات المتحدة
بسبب نزعات الشر التي حملها الطغاة عبر التاريخ ،فالسيد جورج بوش أ ارد تسخير كل الإنجا ازت
التي حققها الشعب الأمريكي للبشرية في مجالات العلوم والتكنولوجيا إلى عوامل شر وسوء،
وبذلك فقد تحولت الأرض إلى ساحة حرب وص ارع دموي ،وهكذا افتقد الناس المسرة وعاشوا حزناً
وبؤساً وقلقاً.
إننا يا سيدتي نستطيع أن نعمل معاً من أجل السلام ووقف سفك الدماء وأن نعطي للأمهات
بارقة أمل بفرحة جديدة لسبب بسيط وهو أننا عرفنا معنى الحزن الحقيقي حينما فقدنا ولدينا ،إذ
لا يعرف الفرح بمداه الواسع من لم يذرف دمعة حزن حقيقية أو لا يعايش الحزن عن قرب بقلب
مكلوم ،وكم سأكون سعيدة إذا ما وضعت الحرب في بلادي أو ازرها كي نحتفل في مدينتنا التي
شهدت ولادة ابني البكر زيدون والذي ظننت أنه سيبكيني يوم موتي ولكنني للأسف الشديد بكيته
قبل أن تثمر شجرته وقبل أن يكمل مشروع زواجه الذي بدأ به قبل حوالي شهر من رحيله،
122
نزار السامرائي يَو ِميَّاتُمُسَا ِف ٍرعَلَىطَريِقٍأَ ْحمَر
يسعدني أن أنقل لك تحيات زوجي وأف ارد الأسرة وشكر الجميع على رسالة التعاطف معنا والتي
أعطتنا أملاً بأن الخير يمكن أن يخرج من الموضع الذي حمل السوء ضدنا منذ زمن طويل.
ختاماً أرجو قبول صادق ع ازئي لك ولكل أم فقدت ولدها رغماً عنه وعنها ،والى اللقاء على
طريق المحبة والسلام.
أم زيدون
سام ارء
123