نزار السامرائي يَو ِميَّاتُ ُمسَا ِفرٍعَلَى َطر ِيقٍأَحْمَر
هل تتوقع أننا ذهبنا إلى الع ارق من أجل تعريض حياة أبنائه للخطر؟ أسئلة غبية موجهة لع ارقيين لم
تنقصهم معرفة نوايا المحتلين لأ ارضي الغير على مر العصور ،ولكنها لم تحرفنا عن المسار الذي
رسمناه لأنفسنا خلال الجلسة التي انتهت بعد العاشرة ليلًا بتوقيت بغداد.
السيرجنت سينترون كانت في ظاهر القول تتظاهر بأنها ستبذل قصارى جهدها لإظهار
الحقيقة ،وكانت تقول بأن هذه الجريمة لن تمر من دون عقاب ،وأنها لن تشعر بال ارحة أبدًا ما لم
ينل الجناة عقابهم العادل ،ولكن في نهاية الطريق ظهرت عارية تماماً عن ثياب الحرير الناعمة
التي ظهرت فيها علينا ،فقد تأكد لنا فيما بعد أنها رفعت تقري اًر بحكم مهمتها كمحققة إلى م ارجعها
شككت فيه بوقاحة بأن يكون الجثمان الذي دفناه يعود لزيدون ،ولكن وقت الأحكام الإنسانية لا محل
له في لغة التخاطب بين غاٍز محتل وبين شعب يدافع عن وطنه ،إذ تبقى سينترون جندية أمريكية
مخلصة لبلدها سواء كان على حق أم كان على باطل.
بعد أن انتهينا ط أر تساؤل كيف سنعود إلى المنزل عبر طريق المطار؟ ماذا سيرسم في ذهنه
من صور من يحمل بندقية أو قاذفة يترصد رتلاً أمريكيًا عن هذه السيارة التي مرت بهدوء في طريق
طالما أَّرق الجنود الأمريكان عند عبوره؟ كانت الأسئلة تتدافع داخل أرسي دون أن أوفق في جواب
واحد على أي منها ،وخاصة ماذا سيقول الناس لو استهدفنا بقذيفة دمرت سيارتنا وقُتلنا بها؟ هل
يصدق أحٌد طبيعة المهمة الجهادية التي كنا فيها؟
عندما خرجنا من البوابة الرئيسية لقصر الفاو والذي كان يشع بأنوار الثريا العملاقة ،غصنا
في ظلام دامس وليل أسود وكأن الخطوات المعدودة الفاصلة بين البوابة والممر الخارجي مسيرة
دهر قطعناها بين عالمين.
أخذتنا سينترون بسيارة الدفع الرباعي التي جئنا بها من البوابة الخارجية للمطار ،وترجلنا في
نفس المكان ومضينا إلى سيارتي الخاصة التي كنت قد تركتها في الموقف المخصص لسيا ارت
الداخلين إلى المطار ،أدرت المحرك وتوكلت على الله وبأعصاب مشدودة قطعت الطريق بأقل من
نصف ساعة وكأنها نصف يوم ،وجدت بيتي في حي العدل واقف على ساَقْيه قلقًا.
50
نزار السامرائي يَو ِميَّا ُت ُمسَافِ ٍرعَلَى َطر ِيقٍأَ ْحمَر
الخطوة السادسة
متابعة القضية في قاعدة فورت هود الأمريكية في تكساس
كان علينا أن ندخل في انتظار جديد ليس لدينا وسيلة لنتابع القضية إلا بما يصل إلينا من
تبليغات من الجانب الأمريكي ،ففي منتصف تشرين الأول/أكتوبر 2004تم إبلاغنا من قبل
السيرجنت سينترون هاتفيًا بالاستعداد للسفر إلى الولايات المتحدة لحضور جلسة محاكمة في المحكمة
العسكرية في قاعدة فورت هود في ولاية تكساس ،قالت لي بأن مروان وأخي مأمون والد الشهيد
زيدون وأنا سنغادر في غضون أيام معدودة ،وقالت بأن علينا جميعاً التواجد في بغداد من أجل
الذهاب إلى سفارة الولايات المتحدة (الدائرة القنصلية) داخل المنطقة الإسمنتية المسماة بالخض ارء،
اتصلت بمأمون ومروان وطلبت منهما المجيء إلى بغداد استعداداً للسفر إلى البلد الذي احتل بلدنا
ودمر بنية الدولة الع ارقية وقتل مئات الآلاف من أبنائه ،ومن بينهم زيدون ،خلال أربع وعشرين
ساعة كانا في بغداد انتظا اًر لمكالمة هاتفية من سينترون ،واذا بها تبلغني بالذهاب إلى منطقة المطار
مع جلب جوا ازت السفر ،تساءلت مع نفسي هل يتم هناك ختم الجوا ازت أم أن سينترون ستأخذ
جوا ازتنا إلى القنصلية الأمريكية لختمها؟ استبعدت الاحتمال الأول ورجحت الثاني إذ يبدو أنهم لا
يحبذون ذهابنا إلى داخل المنطقة التي تتواجد فيها السفارة والقنصلية لأسباب أمنية ،لكنني سرعان
ما أسقطت هذا التفسير لأننا دخلنا في مواقع تابعة لأعلى القيادات العسكرية الأمريكية في منطقة
المطار وفي السايلو في سام ارء ،على العموم يوم 10/ 18كان موعدنا أنا ومأمون ومروان مع
السيرجنت سينترون في مطار بغداد لنذهب إلى جهة مجهولة لتأشير جوا ازت السفر تمهيداً للسفر
إلى الولايات المتحدة لحضور إحدى جلسات المحكمة العسكرية ،حينما وصلنا السيطرة الخارجية
للمطار لم تواجهنا الصعوبات التي واجهتنا في الم ارت السابقة ،فقد عرفنا مداخل المنطقة التي نتوجه
إليها وكذلك طرق الاتصال بمن نريد اللقاء به ،كانت سينترون تمتلك خطًا هاتفياً أمريكياً ،أو هكذا
قالت لنا ،نحن نشك في كل ما يقولون وهذا من حقنا وواجبنا ولكننا عندما نكون معاً ن ارها تتكلم
بهاتفها النقال دون انقطاع مما أثار عندي تساؤلًا لم أجد غضاضة في طرحه عليها وقلت لها (لماذا
لا تعطينا رقم هاتفك لتسهيل اتصالنا بك وقت الضرورة وعندما تريدين تبليغنا شيئا؟) قالت إن هذا
51
نزار السامرائي يَومِ ّيَاتُمُسَافِ ٍرعَلَى َطريِ ٍقأَحْمَر
الخط مرتبط بشبكة داخل الولايات المتحدة وتنظم اتصالاتها عبر الأقمار الصناعية ،وأضافت إنها
قررت اقتناء خط ع ارقي لتسهيل الاتصالات مع أصحاب القضايا التي تتولى دائرتها متابعة التحقيقات
فيها.
بعد أن اكتمل العدد وهممت بالذهاب إلى سيارتي قالت لي اترك سيارتك في موقف سيا ارت
المطار لأننا سنذهب سوية بعجلة أمريكية إلى المنطقة الخض ارء حيث السفارة الأمريكية! كان هذا
كفيلًا بإثارة الكثير من التساؤلات المنطقية ،قلت لها (كان يمكن أن تبلغيني بأن ننتظركم في مكان
محدد في الباب القريب من جسر الجمهورية في ك اردة مريم ،فلماذا هذا الجهد الذي لا أفهم له سبباً
منطقياً) ،اكتفت بابتسامة عابرة وكأنها كانت تتوقع هذا السؤال ولهذا أعّدت هذا الجواب ،لم يكن
أمامنا من خيار إلا الذهاب في التحقيق إلى نهايته مع يقيننا أن أمريكا التي منحت جنودها من
الحصانات ما يغطي على ج ارئمهم مهما كانت طبيعتها ،ولذلك لا نريد منحهم سببًا في الت ارجع،
أشارت إلينا أن نتحرك باتجاه عربات همر كانت أطقمها في حالة انتظار ،هل من المنطقي أن
نستقل عربات همر تابعة لقوات الاحتلال الأمريكي ،ونذهب بها إلى سفارة دولة الاحتلال ونجتاز
خلال هذه الرحلة القصيرة الطويلة طريق المطار؟ وهل من المعقول أن من كان يتحسس من المرور
على طريق المطار بسيارته الخاصة أن يجتازه من بدايته إلى نهايته وبمدرعة همر من جيش عدوه،
هذه العربة التي تحولت إلى رمز أمريكي لقتل أطفال الع ارق ونسائه وشيوخه وهدف لني ارن رجال
المقاومة الشجعان ،هل سنركب في عربة ما ت ازل ارئحة الدم الع ارقي تفوح من نوافذها وعلى مقاعدها؟
أ ّما الرشاشة الثقيلة التي تنتصب فوقها فربما حصدت أرواح المئات من الع ارقيين استناداً إلى ما
يسميه الأمريكيون برد الفعل الغريزي للدفاع عن النفس بوجه الهجمات التي كانت المقاومة الع ارقية
المسلحة تشنها بلا هوادة على قوات الاحتلال حتى أن الأرقام التي كانت تتسرب عبر الصحافة
الأمريكية نفسها كانت تشير إلى أن المعدل اليومي للعمليات الحربية كانت بحدود 100عملية ،ربما
فكر ْت سينترون مرة أخرى بأننا على صلة بحركة المقاومة وظنت أننا زودنا المقاومة توقيتات حركتنا
من المطار حتى السفارة ،نعم ربما فكرت سينترون بهذا والا فما معنى أن نأتي بسيارتنا من بغداد
إلى المطار ونترك سيارتنا الخاصة في إحدى ساحاته الخارجية ونذهب بعربة همر إلى بغداد وبعد
عودتنا بها إلى المطار نأخذ سيارتنا ونعود لوحدنا إلى بغداد؟
52
نزار السامرائي يَومِ َّياتُ ُمسَا ِفرٍعَلَى َطريِقٍأَحْمَر
يمكن أن يكون ذلك مرتبة عالية من الغباء المركب الناتج عن الرعب والهلع الذي سيطر على
الجنود الأمريكيين بعد سنة ونصف من احتلال باهظ الثمن للع ارق ،الذي فاجأ الأمريكيين ومن
خدعهم من العملاء رخيصي الثمن وزينوا لهم الذهاب لخيار الحرب الذي لن يكلف أمريكا أكثر مما
تخسره في مناو ارت لقواتها بالذخيرة الحية ،وربما كان عملًا مقصوداً لهدف ما ،ركب ْت سينترون معنا
في عربة واحدة ،أريت قلقاً في عينيها وعيون بقية الجنود يكاد يخرجها من محاجرها ،وربما كنت
اسمع نبضات قلوبهم وكأنها دفوف تقرع بين الضلوع بقوة توشك أن تمزق الصدور من فرط الخوف،
قالت لي المترجمة الفلسطينية الأمريكية سهام الجعبري إنه أصعب امتحان يجتازه الجندي الأمريكي
عندما يمر في شارع المطار وهو مشروع قتل شبه مؤكد ،فمنذ انتهاء عمليات الفلوجة تحولت
المواجهة إلى هذه المنطقة وكأن أبواب جهنم قد فتحت على مصاريعها لاستقبال من تخونه الفرصة
ويسقط قتيلاً بني ارن المقاومة أو بني ارن الفوضى التي تسيطر على الموقف عندما يطلق مقاوم ع ارقي
قذيفته الأولى باتجاه رتل أمريكي يبحر ،وسط جو من الك ارهية التي تتفنن في جره إلى منطقة اليأس.
سألتها ولماذا اتخذتم هذه الإج ارءات المعقدة والتي تبدو مقصودة أن نكون فيها ضمن عربات
الجيش الأمريكي الممقوتة على مستوى الشارع الع ارقي؟ قالت يجب أن تعرف أننا لن نتحرك على
طريق المطار إلا في الحالات النادرة جدًا ،والدوريات القتالية التي تتحرك على هذا الطريق تعيش
أزمات قلبية وعصبية ،ومعظم من خدم على هذا الطريق أصيبوا بأم ارض نفسية كلفت الدولة
الأمريكية أموالًا طائلة للإنفاق عليهم.
وصف بعض المحللين الحربيين طريق المطار بأنه يستحق اسم "طريق الموت" كما استحقته
طرق أخرى تقع على الطرق ال اربطة بين بغداد والمدن التي تقع غربها وشمالها وشرقها وجنوبها،
حتى أن كثي اًر من جنود القوات الأمريكية خرجوا من الخدمة نتيجة ما لحق بهم من إصابات مباشرة
ونفسية وعقلية.
أريت أن أسألها سؤالًا قد يحرجها وهي أنها فلسطينية تخدم بلدًا عادى الع ارق وكانت القضية
الفلسطينية أبرز الدوافع المعلنة لغزوه؟ ولكن هل يجد سؤالي صدى في نفسها التي اختارت طريقاً
محفوفاً بمخاطر شتى؟ ثم حاولت ق ارءة المشهد من الداخل فقلت لها كيف تتعامل القيادة الميدانية
الأمريكية مع هذه المستجدات؟ ألا تعتبر أن تكبدها هذا القدر من الخسائر يجب أن يدفع أمريكا
لإعادة النظر بسياساتها الشرق أوسطية؟ أجابت بحرج شديد إنها لا تفهم في القضايا السياسية ولا
53
نزار السامرائي يَومِيَّا ُت ُمسَافِرٍعَلَىطَريِ ٍقأَحْمَر
علاقة لها بها ،بل وجدت لنفسها فرصة عمل ب ارتب مجٍز وجاءت إليها ولم تتصور أن سوء حظها
سيقودها للخدمة في الع ارق ،والآن تنتظر الفرصة لتعود إلى موطنها الجديد ،وقد تكدست من وظيفتها
أموالًا كافية تعينها لبناء مستقبلها ،وهي لا تريد أن تموت هنا وخاصة على طريق المطار الذي قد
يحلق بأرواح الجميع عالياً ،كانت تتحدث وتترجم بعض أجوبتها لسينترون دفعًا للحرج مع مسؤولة
في استخبا ارت القوات الأمريكية.
ثم قالت "إننا سنتحرك في طريقنا إلى السفارة بحماية ست مدرعات قتالية لتأمين وصولنا إلى
المنطقة الخض ارء التي لا نمر عليها إلا في الحالات المماثلة التي نذهب فيها اليوم" ،عندما ذكرت
رقم المدرعات التي تحمي ركبنا أخذتني مشاعر متباينة ،فإن حجم الدورية يجعل منها هدفًا مطلوباً
أكثر من الدوريات الصغيرة من قبل رجال المقاومة المسلحة ،فمثل هذه الدوريات وفقًا لحسابات
المقاومة ،لا بد أن فيها قائداً عسكريًا كبي اًر لتأمين تنقلاته ،كانت أفكاري تذهب بعيداً ،فإذا كنت
أخشى من التفسي ارت السياسية والأمنية لمروي بسيارتي الخاصة على طريق المطار ،فماذا يحصل
لو أن المدرعة التي كنا فيها تعرضت لضربة مباشرة ،وكنت أنا وأخي وابن أخي من بين خسائرها؟
لا أنكر أن الموت بلا ثمن أمر محزن إلى حدود بعيدة ولكن أن تكون جثثنا مع جثث جنود الاحتلال
لهو أبغض ما يرد على الخاطر.
عربات الهمر من الداخل فسيحة جدًا ومريحة لأطقمها ،وتحتوي على منظومة تكييف
واتصالات مع مركز القيادة ،وشاهدت الإضافات التي وضعت على تدريعها بعد أن انفجرت عليها
عبوات ناسفة صممها متخصصون في الأسلحة والصناعات الحربية الذين درسوا خصائصها واكتشفوا
النقاط الواهنة فيها ،فجاءت زيادة سمك التدريع فيها على حساب المرونة التي كانت تتميز بها ،فقوة
المحرك تم تصميمها ليتناسب مع وزنها أما وأن وزنها قد ازداد كثي ًار فإن إعادة نظر بقوة المحرك
يجب أن تتم ،ولكن وقتاً كافياً لم يعد متاحًا أمام القوات الأمريكية لإدخال تلك التعديلات ،فجاءت
التحسينات الأمريكية لمواجهة الخسائر التي لحقت بها وبمن يركبها بعد تطوير الع ارقيين لعبواتهم
الناسفة ولقذائفهم الصاروخية.
كان لوجود عدد كبير من ضباط الحرس الجمهوري ورجال التصنيع العسكري بين قيادة المقاومة
أكبر الأثر في تطبيق خب ارتهم القديمة في تحديث الأسلحة والخطط العسكرية ،كان زجاج عربة
54
نزار السامرائي يَو ِم َّيا ُتمُسَا ِف ٍرعَلَى َطريِ ٍقأَحْمَر
الهمر سميكاً وكذلك الأبواب التي تغلق وتفتح بصعوبة بالغة ،ومع كل ذلك فإنها لم توفر الملاذ
الآمن للهاربين من الموت.
سار الرتل بنا بسرعة كبيرة ومّر قرب جامع أم الطبول ،ومن هناك اخترق الطرق الموصلة
إلى المنطقة الخض ارء والتي دخلناها عن طريق بوابة القصر الجمهوري قرب جسر الجمهورية ،مررنا
بشوارع القصر الفسيحة والتي أعرفها عن ظهر قلب فأنا من سكنة ك اردة مريم التي أحببتها فهي
موطن طفولتي وفيها تكونت أولى ب ارعم وعيي ،وبيتنا كان قريبًا من القصر الجمهوري ،وكنت في
بعض الأحيان وقبل أن يتحول الشارع ال اربط بين جسر الجمهورية والجسر المعلق من أمام المجلس
الوطني والقصر الجمهوري إلى طريق خاص ،كنت أمر في ذلك الشارع يوميًا وربما مررت فيه أكثر
من مرة في اليوم ،ولهذا وجدت منظر الجنود الأمريكان وهم يروحون ويجيئون وكأنهم أهل دار،
وجدت ذلك منظ ًار يجرح العيون ويدمي القلب ويضغط على الصدر والأعصاب ،تذكرت قول الله
تعالى "وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وانا إليه ارجعون" وأي صبر يكافئ
صبر مواطن يحب بلده على احتلال جائر وغاشم ودموي ينتهك الحرمات.
دخلنا مبنى القنصلية الأمريكية التي استعادت موقعها السابق الذي كانت تشغله السفارة
الأمريكية على نهر دجلة قرب القصر الجمهوري ،قبل أن تُخرجها حكومتنا الوطنية هي وسفا ارت
الاتحاد السوفيتي والصين الشعبية من أماكنها إلى أماكن أخرى ،وجلسنا في غرفة الانتظار ،وبدأ
موظفو القنصلية بتوجيه سيل من الأسئلة التي يجب تثبيتها لكل ارغب بدخول الولايات المتحدة ،بدأ
الموظف يوجه لي أسئلة مختلفة عن تاريخي السياسي والوظيفي وآخر وظيفة كنت أشغلها قبل
الاحتلال ،عندما قلت له كنت مدي ًار عامًا في ديوان رئاسة الجمهورية بدأ أكثر تدقيقاً في أسئلته ،ثم
سألني عما إذا كنت قد زرت الولايات المتحدة سابقًا ،عندما قلت نعم ،انهالت من لسان الموظف
سلسلة عديدة الحلقات عن تاريخ الزيارة وأسبابها والوظيفة التي كنت أشغلها عند زيارتي السابقة،
قلت له زرت الولايات المتحدة نهاية حزي ارن 1976وكنت حينها مدي اًر في و ازرة الثقافة والإعلام،
والهدف من الزيارة هو الإش ارف على الجناح الع ارقي في معرض الكتاب الدولي الذي أقيم في مدينة
كيوبيك الكندية ،ثم جئت إلى نيويورك لد ارسة توزيع المطبوعات الع ارقية في أمريكا الشمالية ،وأقمت
في فندق هيلتون ،بعد أخذ وقت للم ارجعة مع أجهزة كومبيوتر السفارة والعودة إلى سجلات شرطة
جوا ازت مطار جون كندي في نيويورك ،قال لي لماذا دخلت في ذلك التاريخ باسم "ن ازر فاضل
55
نزار السامرائي يَومِ َّيا ُتمُسَافِرٍعَلَى َطر ِي ٍقأَ ْحمَر
حسون" وجواز سفرك الآن يق أر ن ازر فاضل السام ارئي؟ قلت له اسأل و ازرة الداخلية هنا عن سبب
هذا التغيير ،قال وأنت ماذا تقول ،قلت له كان ق ارر الحكومة في ذلك الوقت الاكتفاء بالاسم الثلاثي
أي الاسم واسم الأب واسم الجد ،والآن تغيرت التعليمات فأصبح إد ارج اللقب حتمياً ،هز أرسه بلا
مبالاة وباشر بإنجاز المعاملة.
ثم جاء المصور لالتقاط صور جديدة لنا وأخذ بصمة قرنية العين ،فشروط السفر إلى الولايات
المتحدة تقتضي أن تتوثق القنصلية من تطابق المواصفات المثبتة على التأشيرة مع الشخص المعني
وهذا لا يتم إلا في حال أن تكون الصورة هي آخر صورة وأن تكون من دون نظا ارت طبية ،قبل أن
يبدأ المصور بالتقاط الصور ،هز المنطقة الخض ارء صوت انفجار هائل ترددت أصداؤه داخل صدور
الجنود المرتعبين ،إذ سقطت قذيفة قريبًا من مبنى السفارة ،وبعد ثوان فقط دوى انفجار ثا ٍن وثالث،
مع أول انفجار كان الجنود الأمريكيون يركضون برعب في كل الاتجاهات بعد أن أفقدهم القصف
صوابهم والقدرة على التفكير السوي ،كانوا يبحثون أي شيء يكون سات اًر لهم من الموت ،عن كرسي
يلقون أنفسهم تحته قد يوفر لهم الحماية اللازمة من موت يحصد الأرواح بوتائر متصاعدة ،كنت
ومأمون ومروان نتبادل الابتسامات ولا أدري أهي ابتسامات الشماتة بعدٍو ظن أن الع ارقيين لن
يقاوموا ،أم هي ابتسامات السخرية من جيش أرعب العالم بقوة ماكنته الحربية ولكنه وقف صاغ اًر
أمام بأس الع ارقيين ،كانت نظ ارت الرضا مع كل قذيفة تسقط نتبادلها أنا ومأمون ومروان تجسد
مشاعرنا الحقيقية ،بل ونعيش احتفالًا داخلياً وكأننا نتلمس لأنفسنا ع از ًء لما حل ببلدنا وثأ ًار ممن
غ ازه وسلمه لحثالة من الأوغاد من خونة ليس لهم من الع ارق إلا جنسية تصّدق بها عليهم أهله،
ومن هؤلاء الذين عندما عايشناهم لبرهة قصيرة وجدنا أنهم يقاتلون بتفوق التكنولوجيا لا بشجاعتهم،
وحتى لو أن تلك القذائف لم تقتل أحدًا منهم فإنها قتلت فيهم ما يزعمون من إقدام وشجاعة وتركتهم
كفئ ارن فاجأها سيل جارف وقبل ذلك قتلت إنسانيتهم ،بقينا في المبنى حتى عصر ذلك اليوم وأُعيدت
لنا جوا ازت سفرنا ،فتحت جوازي لم أجد عليه أي تأشيرة ،قالت سينترون أن التأشي ارت في وثائق
ستبقى معها ولا تثبت على الجوا ازت ،وأخبرتنا سينترون بأنها لا تعرف توقيتات سفرنا إلى الولايات
المتحدة ولكن علينا أن نتواجد في بغداد لاحتمال السفر في أي يوم وسوف أتصل بكم قبل يوم واحد
وأبلغكم بالموعد.
56
نزار السامرائي يَو ِميَّا ُت ُمسَا ِف ٍرعَلَىطَر ِي ٍقأَ ْحمَر
عرفنا أن القذائف التي سقطت على مبنى السفارة المجاور للقنصلية والتي هزت مبنى القنصلية
أيضاً قد أدت إلى مقتل أمريكي واصابة عدد آخر من ح ارس السفارة والقنصلية ،كانت السفارة من
بين الأهداف الثمينة التي يتصيدها رجال المقاومة المسلحة ،وما أكثر الحالات التي استهدفت فيها،
قلت لمأمون بلغة من تعّرض لظلم كبير ها هم الأمريكيون يسددون من جنودهم بعضًا من ثمن
أبنائنا الع ارقيين الذين سقطوا دفاعًا عن وطنهم وأرضهم.
بعد أن انتهينا من هذه المهمة توجهنا مرة أخرى نحو عربات الهمر لنعود إلى المطار ومن
هناك آخذ سيارتي وأعود ومأمون ومروان إلى المنزل ،واكبتنا في طريق العودة نفس هواجس الذهاب
من المطار إلى السفارة الأمريكية ليس خوفاً من الموت بقدر ما هو خوف من أن يكون موتنا في
عربة همر أمريكية ،مع ملاحظة أن أعصاب الجنود الأمريكان كادت تخرج من مواطنها بسبب أن
وقت العودة كان يقترب مع نزول قرص الشمس و ارء الأفق وحينها يبدأ نشاط الم اربطين ليلًا لملاحقة
الجنود الأمريكان المذعورين.
يوم الجمعة 2004/ 10/ 22والموافق للتاسع من رمضان المبارك 1425هـ ،اتصلت سينترون
وأبلغتني بأن يوم غد السبت هو موعد سفرنا إلى الولايات المتحدة ،وقالت إن موعد مغادرة الطائرة
سيكون عند منتصف النهار على أفضل التقدي ارت ،من الطبيعي ألا تبلغنا بموعد إقلاع الطائرة،
وربما هي نفسها لا تعرف الموعد المحدد لذلك ،بسبب الاحت ار ازت القوية التي تتبعها القوات الأمريكية
حرصاً على حياة جنودها الذين تدنت معنوياتهم إلى أدنى مستوى ومن المؤكد أنهم يصبون لعناتهم
على قيادة بلادهم التي صورت غزو الع ارق نزهة ربيعية أو رحلة صيد سيعود الصياد محملًا بما لذ
وطاب مما اصطاده في البحر أو في الغابة ،ولهذا طلبت منا الوصول إلى المطار حوالي العاشرة
صباحاً من يوم السبت ،10/ 23كنت على يقين أنها تكذب علينا بشأن وقت إقلاع الطائرة ،فهم
يريدون حضورنا في وقت مبكر ليأخذوا وقتاً أطول لعزل حقائبنا في الع ارء وفي مكان بعيد عن تواجد
الجنود الأمريكيين خشية من وجود عبوة فيها أو قنبلة موقوتة أو أية متفجرة ،ومن ثم التدقيق فيها
واخضاعها للفحص في أجهزة السونار ،ومن أجل أن يمر الوقت من دون عناء ،دعتنا سينترون
لتناول وجبة الغداء في المطعم العسكري الأمريكي في تلك القاعدة الذي سبق لي ولمروان أن تناولنا
طعام الغداء أثناء مرحلة التحقيق الأولى ،هذا المطعم مخصص للضباط والجنود على حد سواء،
ولأننا على سفر فقد أفطرت ذلك اليوم ولكن مأمون أصّر على البقاء صائماً ،وحوالي الساعة الثالثة
57
نزار السامرائي يَومِ ّيَا ُت ُمسَا ِف ٍرعَلَى َطر ِيقٍأَحْمَر
عص اًر جاء النداء باللغة الإنكليزية حول الرحلة التي كنا سنغادر عليها ،ظلت الجهة التي كنا سنذهب
إليها مجهولة حتى طرق سمعنا اسم الكويت ،آه من هذا الاسم المشؤوم الذي تجّرعنا بسببه كل هذه
الآلام وتعرض بلدنا لأكبر الحروب منذ الحرب العالمية الثانية ،ولولا حكام الكويت ومن اصطف
من حكام العرب مع التحالف الدولي المضاد للع ارق منذ ،1990وخونة الداخل الذين باعوا شرفهم
وعرضهم لإي ارن وأجهزة مخاب ارت دولية ،ما كان بلدنا سُيحت ُل وما كنا خسرنا وطننا وعش ارت الآلاف
من الضحايا ،وخرج بلدنا من معادلة الأمن القومي والأمن الإقليمي ،ولما أصبحت منطقتا الخليج
العربي وجزيرة العرب ساحة مفتوحة لنوايا التوسع الإي ارنية ،حتى صار بعض العرب يتسولون الأمن
لأنفسهم ونظمهم من السقوط فتحولا إلى بقرة حلوب ما عليها إلا أن تدفع لتأمين أمن قلق غير ثابت
وغير مضمون ،بل خسرنا سيادتنا الوطنية وأصبحنا مواطنين من الدرجة السابعة وخسرنا مع كل
ذلك ابننا ،فبقدر اللعنات التي نصّبها على أمريكا وبريطانيا وجورج بوش وتوني بلير ورئيس وز ارء
إسبانيا أثنار ،ومن قبلهم بوش الأب ومارغريت تاتشر كنا نصّبها على أمير مشيخة الكويت ومن
خلَفه ومن سبقوه وعلى كل من قدم لأمريكا أرضًا أو قاعدة جوية أو بحرية لشن العدوان.
توجهنا إلى قاعة كبيرة اصطف الجنود الأمريكيون أمام بوابتها في طابور طويل وكانوا
يخضعون لتفتيش دقيق أيضاً ،تساءلت مع نفسي إذا كان الجنود الأمريكيون يخضعون لهذه الدقة
في التفتيش فماذا سيكون نصيبنا؟ ثم أنني عجبت من أسباب تفتيش جنودهم هل يعود ذلك لعوامل
أمنية أم خشية من أن يصطحب هؤلاء الجنود معهم بعض الممنوعات؟ في ظني أن الجنود يهّربون
معهم كثي ًار من المقتنيات التي يسطون عليها من مختلف المدن الع ارقية ،والجهات الأمريكية تتغاضى
عن ذلك ولكن سلطة الأمن في القاعدة تبحث عن مخد ارت أو ممنوعات أخرى ،وربما عن أسلحة
وأعتدة تشكل خط ًار على الرحلة ،بعد إنجاز التفتيش اليدوي يكون على الجميع المرور من بوابة
السونار لمزيد من التدقيق في ما يحملون ،فالأمريكيون مقتنعون بأن الضجر الم ارفق لإج ارءات ما
قبل السفر أهون بكثير من ندم تجلبه كارثة تعرض سمعة أمريكا لزل ازل كبير ،بعد انتظار طويل
كان جنود الاحتلال المرهقون يلقون بأنفسهم على أي شيء في صالة الانتظار ويغطون في سبات
عميق ،وبعد تأكيد نبأ اقلاع الطائرة توجهنا تباعاً إليها وهي طائرة عسكرية أمريكية من ط ارز هير
كلوس ،C130هي ليست كالطائ ارت المدنية لا في طريقة الدخول إلى جوفها ولا في طريقة جلوس
الركاب فيها ،بعد أن دخلنا الطائرة من بابها الخلفي الذي يفتح بقوة الهيدروليك ،وجدناها من الداخل
58
نزار السامرائي يَومِ َّياتُمُسَا ِفرٍعَلَىطَر ِيقٍأَ ْحمَر
وقد تم شطرها إلى نصفين على طول هيكلها بشبه جدار معدني مشبك ،وفي كل نصف منهما
رصفت الك ارسي كل جزء منها أعطى ظهره لنوافذ الطائرة والجزء الآخر مقابله ،ولكنها ك ارسي متعبة
جداً وغير معدة لسفر طويل أو على وجه الدقة هي جزء من ترتيبات تنقل العسكريين الذين يجب
أن تبقى ظروفهم أثناء وجودهم في الواجب قاسية وصعبة ،استذكرت وحشية الأمريكيين الذين قاموا
بنقل المئات من المجاهدين العرب والمسلمين أو من اعتقلتهم القوات الأمريكية وش ّكت أنهم كانوا
على صلة بمن كان يقاتلها فتم أسرهم في عدوان الولايات المتحدة على أفغانستان ،بهذه الطائ ارت
ولرحلات استغرقت أكثر من عشرين ساعة وكانوا معصوبي الأعين وموثوقي الأيدي إلى الخلف
والأرجل في أسوأ عمليات نقل وحشية عرفها تاريخ الدول والأمم المتحضرة وتلك تجربة مرة وقاسية
عانيت منها أثناء تنقلات الأسرى الع ارقيين بين مختلف المعسك ارت الإي ارنية ،أو ما كان ُيتبع في
تجارة العبيد ونقلهم من أفريقيا إلى أمريكا وسط معاملة أصعب من معاملة نقل الحيوانات من بلد
إلى آخر.
بمجرد دخولنا في الطائرة أعطانا بعض جنود الخدمة على متنها علبة صغيرة لم نتبين محتوياتها
لأول وهلة واستنادًا إلى خبرتي في التعامل مع المستجدات فإن علي م ارقبة الآخرين ومعرفة تصرفهم
والعمل على أساسه ،كانت غربتنا موحشة من دون حدود على متن هذه الطائرة المخصصة للنقل
العسكري ترى أنسافر مع قتلة شعبنا هؤلاء المتوحشين؟ وما أد ارنا أن واحدًا من قتلة زيدون ليس معنا
على متن هذه الطائرة؟
بدأ الجميع بفتح العلبة واذا بها تحتوي على قطعتين من الإسفنج المخصص كسدادة للآذان
لمنع هدير الطائرة من الوصول إليها ،فالطائرة ليس فيها عزل للصوت الخارجي أو للضغط والح اررة
أو أي من مستلزمات ال ارحة المعهودة في الطائ ارت المدنية ،بعد أن أغلقت الطائرة أبوابها تحركت
نحو المدرج العسكري المخصص لسلاح الجو الأمريكي من مطار صدام حسين الدولي في تمام
الساعة ال اربعة عص ًار ،ثم انطلقت إلى أعلى ،غير أنها بدأت بحركة دو ارن لولبي فوق منطقة المطار
ولم نلحظ أنها توجهت باتجاه مستقيم ،قالت لنا سينترون إن الطائرة ستبقى تدور في محور واحد
لسبع دو ارت كاملة حتى تتجنب الني ارن الأرضية التي يمكن أن تستهدفها من مناطق معادية في أبو
غريب والفلوجة حيث تنشط حركة المقاومة التي تتحين الفرصة لصيد ثمين بوزن طائرة نقل عسكرية
أمريكية تحمل مئات الجنود الحالمين باست ارحة محارب قصيرة قد يهرب خلالها من الخدمة العسكرية
59
نزار السامرائي يَو ِميَّاتُمُسَا ِفرٍعَلَى َطريِقٍأَحْمَر
كما كان يحصل أثناء العدوان الأمريكي على فيتنام ،ولكن من أين نجد بلداً يوفر الملاذ الآمن لجنود
الاحتلال كما فعلت السويد في ذلك الوقت؟ هي التي كانت قد كتبت آخر سطر في سجل الاحتلال
البغيض في نهاية المطاف ،وبعد أن ارتفعت الطائرة إلى علو شاهق وبعيد عن متناول الصواريخ،
انطلقت جنوباً.
بعد رحلة استغرقت ساعة ونصف من المطبات الجوية والضجيج العالي ،ومع موعد الإفطار
وصلنا قاعدة علي السالم الجوية ،وهي قاعدة أمريكية بامتياز على الرغم من أنها تحمل اسمًا كويتياً،
فهي من حيث الإدارة والسيطرة والتوجيه والإش ارف تدار من قبل كوادر أمريكية ولم نلحظ وجود
كويتي واحد فيها ،تحمل القاعدة من الكويت اسم أحد أف ارد الأسرة الحاكمة في المشيخة ،وتم وضع
القاعدة تحت خدمة الجهد الحربي الأمريكي بمجرد انسحاب القوات الع ارقية من الكويت عام 1991
تحولت إلى قاعدة أمريكية بصورة كاملة ،واستمرت القوات الجوية الأمريكية تحتلها وتعّد هي وقاعدة
السيلية والعديد في قطر وأنجرليك في تركيا جزًء حيوياً من الح ازم العسكري الأمريكي المضروب
حول منطقة الخليج العربي.
بعد الوصول إلى القاعدة الجوية مباشرة توجهنا إلى مطعم القاعدة لتناول طعام الإفطار وبعد
است ارحة قصيرة أعقبت الإفطار اصطحبنا مترجم كويتي من أصل سوري اسمه مصطفى قداح،
يعمل في أحد المكاتب الأمريكية الملحقة بالسفارة ويبدو أنه يمتلك نفوذاً في الوسط الذي يعمل فيه،
كان مكلفاً بم ارفقتنا خلال وجودنا في الكويت من أجل ضبط حركتنا ،وأخذنا حقائبنا ومضينا مع
مصطفى في سيارة خاصة وأخبرتنا سينترون بأننا سنغادر من مطار الكويت الدولي في طريقنا إلى
مطار أطلنطا في أمريكا عبر مدينة أمستردام الهولندية في الواحدة والنصف بعد منتصف الليل،
ولهذا سنتوجه إلى المطار من فورنا لأننا لا نريد البقاء داخل مدينة الكويت.
ذهبنا إلى المطار وفي الطريق لاحظت شاحنات كبيرة تحمل أشجار نخيل كاملة تم قلعها من
الع ارق ،في نطاق مسا ٍع تنفذها جهات حكومية كويتية للإجهاز على رمز الع ارق (النخلة) ،والا فما
معنى أن يتم جلب نخلة لا يقل طولها عن ثلاثة أمتار إلا إذا كان القصد هو تشجيع اقتلاع النخيل
وبخاصة من مدينة البصرة وبثمن بخس تدفعه إلى ضعاف النفوس وجهلة أغبياء يقطعون أثداء
أمهاتهم ويتاجرون بها مع أسوأ سماسرة الأرض ،ويجردون أرضهم من عمتهم النخلة ويبيعونها لطرف
يتمنى أن يرى أرضهم صح ارء قاحلة جرداء لا ينبت فيها زرع ولا يدر فيها ضرع ،خلال ساعة مرت
60
نزار السامرائي يَو ِم َّياتُ ُمسَا ِفرٍعَلَى َطريِ ٍقأَ ْحمَر
في الطريق ثلاثون شاحنة على الأقل ،تحمل الكثير من نخيل الع ارق الذي يأبى الاستيطان في إلا
في أرضه ،حمدت الله أن غباء من قرر جلب النخيل من الع ارق جلب نخلات لم يعد بإمكانها إنتاج
الفسائل فلا يمكن تكثيرها في الكويت ،وبالتالي فإن النخلة التي تموت إنما تنتحر احتجاجاً على
صفقٍة غبية بين نخا ٍس جش ٍع بليد وفلا ٍح أحمق ،أغمضت عيني لأنني لم أطق رؤية المزيد من
باسقات الع ارق تُنحر على يد ج ازر يستنسخ تجربة اليهودي شايلوك في مسرحية شكسبير المشهورة
(تاجر البندقية) ،ثم أنني لم أرغب برؤية شوارع المدينة التي كانت تتسع كبالوٍن يوشك على الانفجار
إلا من جهة البحر من دون حاجة حقيقية لمثل هذا التوسع إلا لوجاهة استع ارضية فارغة ،وا ُستخدمت
جس اًر للعدوان على الع ارق وتدمير بنية الدولة فيه وح ارثة شوارعه وكأنها حقول تنتظر من يزرعها.
كانت شوارع الكويت تع ُج بالحركة البلهاء ،وقد ارتفعت فيها أعمدة الكهرباء ببلادة ومن دون
انتظام لتحمل مصابيح تحْول ليلها إلى نهار من دون حاجة حقيقية إلى تلك الإنارة المسرفة إلا
لتنفيس عقدة الدولة التي تؤرقها وتؤرق حكامها ،بعد جولة غير مقصودة في شوارع الكويت ،وصلنا
مطارها بانتظار موعد إقلاع الطائرة ،بمجرد وصولنا إلى مكتب الخطوط الجوية الملكية الهولندية
KLMفاجأنا موظ ُف المكتب وهو سريلانكي بأنه يتعذر عليه إتمام الحجز لأننا لم نحصل على
تأشيرة لدخول هولندا وحينما أكدوا لهم بأننا لا نسعى للنزول في أمستردام أصّر على شرط حصولنا
على تأشيرة هولندية فكان هولنديًا أكثر من رئيس وز ارئها وربما أكثر من الملكة بياتريس ،وأظهر
عنادًا آسيوياً لم تنفع معه الكلمات الطيبة ،حتى دخل ممثلو السفارة الأمريكية في الكويت بحواٍر
استخدمت فيه لغة يبدو أن بعض مواطني البلدان الضئيلة الوزن والحجم لا يفهمون سواها وتم حل
المشكلة ،وبعد أن أنجزنا وزن الحقائب وأشرنا تذاكر السفر دخلنا قاعة المغادرين باتجاه كابينة شرطة
الجوا ازت الكويتية فوجئنا بها تتحجج بهبوطنا في قاعدة علي السالم وعدم حصولنا على تأشيرة لدخول
الكويت ،معتبرة ذلك مخالفة منا لا يمكن لحكومتها التغاضي عنها ،ولذلك منعت سفرنا على متن
الطائرة التي كانت سينترون قد حجزت لنا عليها ،وكانت حجة الكويتيين بأن الاتفاقية مع الولايات
المتحدة تسمح للرعايا الأمريكان فقط بالعبور عبر المنافذ الحدودية من دون تأشير جوا ازت سفرهم
اعتمادًا على بطاقة الهوية ،وهذا ما تدحضه الوقائع التي شاهدناها بأعيننا عندما عبر المئات من
الآسيويين أو من دول أمريكا اللاتينية الذين جاؤوا بالطائرة التي وصلنا عليها ،أو بطائ ارت قبلنا
وبعدنا والذين لم يعترض طريقهم أحد ،ولكن مشيخة الكويت أ اردت أن تُوصل لنا رسالة بأنها تستطيع
61
نزار السامرائي يَو ِميَّاتُ ُمسَافِرٍعَلَى َطريِقٍأَ ْحمَر
التمرد على الأوامر والإملاءات الأمريكية ،ولكن ليس مع أمريكي أو من يتعاون معهم ،وانما مع
من يناهضهم وهذا أسوأ أنواع النفاق ،نعم إن الآلاف من أف ارد القوات الأمريكية والعاملين معها وفي
خدمتها من عمال خدمات من مختلف الجنسيات يدخلون ويخرجون من أجواء الكويت ومنافذها
البرية من دون ع ارقيل ،كان هدف الكويت تدمير الع ارق بواسطة قوى دولية بعد أن عجزت أن تصل
إلى أي من أهدافها عبر دبلوماسيتها النشطة ،كانت تفعل ذلك علّها تشعر بشيء من الطمأنينة
وقليل من الاسترخاء المؤقت.
ولكن الكويت التي ضاق صدرها بثلاثة ع ارقيين تنفسوا جزء من هوائها أو شربوا قليلاً من
مائها وهي لا تدري بذلك ،وهما على كل حال-لا ماؤها ولا هواؤها -أ اردت أن تنتفخ أمامهم لتبدو
أكبر من حجمها ،وربما لو لم تكن معنا م ارفقة أمريكية مسؤولة عن سلامتنا حتى تأمين عودتنا إلى
الع ارق ،لكان يمكن أن نستهدف من القوات التي تنتمي إليها أي القوات الأمريكية أو من قبل الشرطة
الكويتية ،فقد كنا سنتعرض لتغييب من قبل سلطة تحمل عقدة الدولة وموروثاً ثأرياً لازمها كمرض
البرص لا تستطيع الشفاء منه حتى عند أمهر الج ارحين ولا في كل مياه الأرض.
لم يكن من شأننا أن نتدخل في الأمر فهناك السفارة الأمريكية وهناك معنا على الطائرة م ارفقتنا
السيرجنت سينترون والتي أجرت اتصالات مكثفة وواسعة النطاق حتى وصلت القضية إلى مكتب
قائد القيادة الأمريكية الوسطى ،الذي اعتبر التصرف الأمريكي في بغداد خطأ يجب تح ّمل تبعاته،
ولكنه وعد بالتحرك من أجل حل هذه القضية.
على أمل أن تستكمل الإج ارءات الأصولية في اليوم التالي تم سحب حقائبنا من الطائرة التي
انتظرتنا بعض الوقت وحصل اتصال مع وزير داخلية الكويت من أجل حل الإشكال الذي لم نكن
طرفاً فيه ولا نرغب بوقوعه ،ولأن الأمر لا يرتبط بالسيرجنت سينترون فقد كان متاحًا لها المغادرة
على الطائرة ،ولكنها آثرت إرجاء سفرها أيضًا لحين التأكد من أننا سنغادر إلى الولايات المتحدة من
دون متاعب جديدة.
غادرنا المطار باتجاه المدينة للمبيت فيها ليلة واحدة ،وأخي اًر استقر بنا المقام في فندق النخيل
وهو اسم لا ينطبق على هذه البقعة الصح اروية على كل حال ،ولكنه من الفنادق المشّيدة حديثًا على
ما يبدو ،ولم نبارح الفندق من ليلة دخولنا إليه إلى وقت مغادرته مع اقت ارب موعد السفر في اليوم
التالي لآن جوا ازت سفرنا محجوزة عن سينترون ،ونحن في أرض تتصيد لنا الأخطاء وتنتظر ارتكابنا
62
نزار السامرائي يَو ِم ّيَا ُت ُمسَافِ ٍرعَلَى َطريِ ٍقأَحْمَر
أي فعل تعتبره خطأ لكي تتخذ ضدنا إج ارءاتها البوليسية ،وتوجهنا مرة أخرى إلى المطار عبر شوارع
مدينة الكويت ولا نعرف فيما إذا كانت رحلتنا ستتم بيسر أو تبرز مشكلة جديدة.
في العاشرة ليلًا كنا في المطار وأخضعنا حقائبنا للوزن والتفتيش الالكتروني مرة أخرى ،ومررنا
هذه المرة عبر حواجز شرطة الجوا ازت من دون أية ع ارقيل ،ودخلنا في جوف طائرة البوينغ 767
التابعة للخطوط الجوية الهولندية والتي أقلعت في موعدها المحدد ،الطائرة من نوع حديث وسمعة
الخطوط الجوية الملكية الهولندية طيبة جداً في عالم الطي ارن المدني ،وكانت الشركة على حد
معلوماتي القديمة التي تعود لعقد السبعينيات ،تمتلك أفضل مطبخ بين الخطوط الجوية العالمية
وكان الكثير من شركات النقل الجوي تستفيد من خدماته لتجهيز طائ ارتها بالوجبات الغذائية للمسافرين
على متن طائ ارتها ،ولكن يبدو أن الزمن أكل من خبرتها وجودة خدماتها ،بل يبدو أن شركات
الطي ارن في مختلف دول العالم قد خفضت من سقف خدماتها لركابها بحثاً عن الربح والإث ارء السريع،
وعلى كل حال نحن في سفر ولا نبحث عن رفاهية عابرة ،وخاصة بعد طائرة النقل العسكرية من
بغداد إلى الكويت ،استمر طي ارننا المباشر بين الكويت وأمستردام ست ساعات كاملة.
وجدنا مطار العاصمة الاقتصادية لهولندا مدينة قائمة بذاتها ،يتم التنقل بن محطاته الرئيسة
بواسطة قطار مجاني خاص بالمطار ،ولما كان أمامنا ست ساعات أخرى حتى يحين موعد إقلاع
الطائرة التي تذهب بنا إلى مدينة أطلنطا الأمريكية ،فقد تجولنا في أنحاء المطار من دون قلق من
اقت ارب موعد إقلاع الطائرة ،وفي حوالي الحادية عشرة من صباح اليوم التالي أقلعت بنا الطائرة
الهولندية وهي من نوع بوينغ 767أيضاً باتجاه العالم الجديد ،بعد أن غادرت البر الأوربي أخذت
تتجه شمالًا نحو جزيرة غرينلاند والتي كانت تظهر من نوافذ الجزء الأيمن من بدن الطائرة ،فرق
التوقيت بين بغداد وأمستردام ساعتان وبين أمستردام والشاطئ الشرقي للولايات المتحدة خمس
ساعات ،وبعد رحلة كنا معلقين خلالها بين السماء والأرض ولا نرى أيًا منهما بدأت الطائرة تستعد
للهبوط في مطار أطلنطا ،وكان مطا اًر شديد الازدحام هبوطاً واقلاعًا ،وأخي اًر وعند الثانية عشرة
بالتوقيت المحلي استقرت الطائرة على أرض المطار عند أحد الخ ارطيم ،وبعد انتظار قصير في
مطار أطلنطا الذي لم نر منه شيئًا ،أخذنا طائرة أخرى متجهين إلى مدينة هيوستن في ولاية تكساس،
ومن مطار هيوستن أخذنا طائرة أخرى إلى مدينة أوستن في الولاية نفسها وبعد رحلة استمرت حوالي
24ساعة وجدنا أنفسنا يوم الاثنين 25تشرين الأول/أكتوبر 2004والمصادف للثاني عشر من
63
نزار السامرائي يَو ِم ّيَاتُمُسَا ِف ٍرعَلَىطَر ِي ٍقأَحْمَر
رمضان المبارك 1425هـ في أخر مطار نهبط فيه ،ولنواصل رحلتنا ب اًر إلى قاعدة فورت هود
العسكرية الكبرى حيث المحكمة العسكرية المكلفة بالنظر في قضية قتل الشهيد زيدون ،وفي المطار
وجدنا مترجمًا أمريكيًا يعمل في الجيش الأمريكي ،وهو من أصل لبناني اسمه إب ارهيم حسين ،وسبق
له أن خدم في الع ارق مع الفرقة الأمريكية في محافظة صلاح الدين ،وقد رحب بنا وتحركت فيه
التقاليد العربية في إك ارم الضيف وبذل جهداً كبي ًار من أجل إثبات أنه يعاني من انفصام في الشخصية
كونه عربي الأصل ويخدم في جيش كل حروبه الحالية ضد أبناء جلدته ،وقال إنه يتمنى أن يسير
الزمان أسرع مما يفعل كي يحصل على مستحقاته التقاعدية ويستريح من حرب الأعصاب التي
يعيشها ،هذا ما كرره أكثر من مرة ،هو يسكن في القاعدة ويبدو أن ظروفه المادية كانت جيدة جدًا
فقد ساق لنا أحاديث عن هوايته لامتلاك الخيول العربية وامتلاكه بعضاً منها ،وربما تبادر إلى ذهني
أنه استولى على بعض مما وجده في (ع ارق الفرهود) وضياع مؤسسات الدولة وتعرض الممتلكات
العامة للنهب على أيدي الرعاع واللصوص ،كما أعلمنا بأنه جلب عبر طائ ارت النقل العسكرية عند
عودته من إجا ازته الدورية أعداداً كبيرة من فسائل نخيل البرحي وهو النوع الممتاز من أجود أنواع
التمور الع ارقية ،وذكر لنا أنه باع الفسيلة الواحدة بألف دولار ،هل يمكن أن يكون الرقم صحيحاً؟
واذا كان كذلك فهل تحولت مهمة الجيش الأمريكي في الع ارق إلى تجارة ارئجة من تهريب كل ما
يمكن تهريبه ،يا لها من تجارة ارئجة ربما وجدت فيها الجهات الز ارعية في الولاية مكسبًا لنقل المزيد
من نخيل الع ارق وز ارعته في ولاية تكساس التي يشبه مناخها مناخ الع ارق.
بعد أن استكملنا سحب الحقائب وتوجهنا إلى السيارة العسكرية ،أبلغنا إب ارهيم حسين أن موعد
جلسة المحكمة كان يوم أمس وبسبب عدم حضوركم في الوقت المحدد تم تأجيل الجلسة إلى موعد
يتم تبليغكم بوقته لاحقاً ،وقال إنه يعرف تفاصيل ما جرى في الكويت وأدى إلى تأخركم أربعًا وعشرين
ساعة وتم إبلاغ هيئة المحكمة بذلك.
أقمنا في أحد فنادق قاعدة فورت هود والمخصص للضباط من غير المقيمين فيها عادة والذين
يضطرون للمكوث لمدة محدودة إما لزيا ارت التفتيش أو الاستدعاء أو الإجازة أو العبور بين محطتين،
كان الإعياء قد أخذ منا كل رصيدنا من المطاولة لذلك أمضينا بقية اليوم حتى المساء في غرفنا
وقد أقام لنا السيد إب ارهيم حسين مأدبة عشاء كريمة في مطعم لبناني قريب من القاعدة ،وحضر معنا
السيد مروان عبد الرحمن وهو مترجم مصري مقيم في نيويورك ويمتلك مكتبًا للاستشا ارت والترجمة
64
نزار السامرائي يَو ِميَّاتُمُسَافِ ٍرعَلَى َطر ِيقٍأَ ْحمَر
القانونية ،وقد انتدبته المحكمة للمشاركة في الترجمة القانونية أثناء سير الم ارفعة ،وقد أخبرنا السيد
إب ارهيم حسين أن مروان عبد الرحمن تقاضى مقابل العقد مع المحكمة عشرة آلاف دولار مع تذكرة
السفر على الدرجة الأولى من نيويورك إلى أوستن ذهابًا وايابًا والإقامة في فندق خمس نجوم مع
سيارة تحت تصرفه طيلة المدة التي تستغرقها مهمته ،وفي اليوم التالي جاءنا السيد إب ارهيم حسين
وذهبنا إلى أحد مطاعم القاعدة واشترينا منه ما نحتاج إليه من أطعمة لبقية اليوم.
في يوم الأربعاء 27تشرين الأول 2004عقدت جلسة استماع في المحكمة وقد استدعي
مروان ومأمون تباعًا ووجه لهما القاضي أسئلة حول الجريمة ،وحاول أن يذهب بهما بعيداً إلى
القناعات السياسية والفكرية ،و أريهما في مواجهة قوات الاحتلال الأمريكي من جانب الع ارقيين.
حاول القاضي أن يتسلل بين العبا ارت التي تحدث بها مروان عن تفاصيل الجريمة ووجد أن
أقواله هي هي لم تتغير منذ أول استدعاء له أمام لجنة التحقيق العسكرية في كولو اردو خلال الجلسة
التحقيقية التي عقدت في مطار صدام حسين ،أو اللجان التحقيقية التي سبقت ذلك ،فالواقعة حصلت
بالصورة التي تحدث عنها مروان منذ اليوم الأول ،لأنها حصلت له ونجا من الموت بأعجوبة ،قال
له القاضي لم نجوت ومات ابن عمك؟ أجابه مروان بكلمات بسيطة ،أنا مسلم ومؤمن بما جاء في
الق ارن الكريم "قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا" ،وسأله عن تفاصيل أخرى حصلت معه ومع زيدون
منذ أول لحظة لوصولهما إلى سيطرة سد الثرثار ،فأعاد عليه سرد القصة كما حصلت ،حاول أن
يستدرجه إلى قول كلمة قد تشكل دليلًا للإدانة عن علاقته وعلاقة زيدون مع المقاومة المسلحة،
أجابه" :أنا أؤيد المقاومة لأنه حق مشروع لشعب كل بلد تم احتلاله".
أما مأمون فقد عرض تفاصيل المحنة التي سببتها القوات الأمريكية له شخصيًا ولكل أف ارد
الأسرة وأقارب زيدون ،سأله القاضي كم تتوقع أن نعوضك عن خسارة ابنك؟ أجابه بشكل قاطع" :ما
جئنا لنطلب تعويضًا لأن أموال أمريكا كلها لن تعوض خسارتنا ،ولكنني كنت أرى مسار المحاكمات
في أمريكا عبر الأفلام التي تنتجها هوليود ،فأردت أن أعرف حقيقة العدالة في بلادكم على الأرض
وليس بالأفلام ،أريد أن ينزل القصاص العادل بالقتلة جميعًا أريد أن أرى قتلة ابني يدفعون الثمن،
لأنهم على ما يبدو ارتكبوا ج ارئم غير الجريمة التي لحقت بابني ،من أمر بالقتل ومن نفذ الجريمة"،
لم يجد القاضي ثغرة يتسلل منها ويعثر على خطأ بسيط في سرد الحكاية من قبل مروان ولا في
حديث مأمون عن فجيعته في ولده البكر.
65
نزار السامرائي يَو ِم َيّا ُت ُمسَافِ ٍرعَلَى َطر ِيقٍأَحْمَر
في المساء جاء إلى الفندق المحامي النقيب شيفرز ومعه النقيب المحامية التي لم أعد أذكر
اسمها ،وطلبا من مروان الاستعداد لمقابلة معهما ،حين سألنا عن سبب اللقاء في الفندق قال إب ارهيم
إنهما يريدان التوثق عن بعض المعلومات التي وردت بإفادة مروان ومأمون ،وقد أبلغني المحامون
الأربعة نقلاً عن هيئة المحكمة أنها لا تسمح لمحاٍم غير عسكري أمريكي أن يت ارفع أمامها ضد متهم
عسكري أمريكي ،بل أنها لا تقبل محامياً مدنياً حتى ولو كان أمريكياً ليفعل ذلك ،هذا هو القانون
العسكري الأمريكي والقانون هو الذي يأخذ طريقه للتنفيذ بصرف النظر عن أرينا فيه ،مسا ًء دعانا
إب ارهيم حسين على طعام العشاء في مطعم إيطالي قريب وبعد تناول طعام العشاء وحينما كان مقر
قيادة المعسكر خاليًا من ضباطه أخذنا إب ارهيم إلى مقر قيادة القوات التي عملت في الع ارق خلال
وجوده مع القائد في محافظة صلاح الدين وأطلعنا على صوره مع القائد الأمريكي وبعض من
أسماهم بوجهاء المحافظة ،ويبدو أن ذلك من بين الأسباب التي دفعت الجهات العسكرية الأمريكي
إلى منعه من م ارفقتنا في زيارتنا الثانية للمنطقة.
لم يطل بنا المقام في فورت هود ففي يوم الجمعة 29تشرين الأول أ ارد إب ارهيم حسين أن
يودعنا فأقام لنا دعوة عشاء في مطعم لبناني في مدينة كلين المجاورة لانتهاء مهمتنا هناك ،ويبدو
أن تكاليف إقامتنا كانت على نفقة الجانب الأمريكي ،وأبلغنا إب ارهيم بأننا سنغادر إلى الع ارق يوم
غد 10/ 30وتمنى علينا أن نجلب له تم اًر ع ارقيًا خلال زيارتنا المقبلة ووعدناه بذلك بود وشعور
بالامتنان لجهوده معنا ،وفي تمام الساعة الثانية ظه اًر بالتوقيت المحلي غادرنا مطار أوستن متوجهين
إلى مطار "مينا بولس" في ولاية ميسوري ،ومما لاحظته على حركة النقل داخل المدن الأمريكية
القريبة على بعضها ،أن جميع الطائ ارت المستخدمة كانت طائرة متوسطة الحجم وليست نفاثة،
وانتقلنا إلى طائرة الخطوط الجوية الهولندية الملكية KLMالمتجهة إلى أمستردام ،وأقلعت بنا الطائرة
في الوقت المحدد ،وبعد طي ارن استمر ست ساعات هبطت بنا الطائرة في مطار أمستردام ومنه
غادرنا إلى الكويت على متن طائرة أخرى ووصلناها يوم 10/ 31وانتقلنا إلى قاعدة علي السالم
الجوية حيث بتنا فيها ليلةً واحدة ،وهذه القاعدة كنا قد حللنا فيها في طريق المغادرة إلى الولايات
المتحدة.
عصر اليوم التالي أي يوم الاثنين 2004/ 11 /1غادرنا القاعدة الجوية الأمريكية في الكويت
على طائرة C 130إلى بغداد وعند اقت اربها من المطار لم تكن الطائرة قد بدأت بالهبوط التدريجي
66
نزار السامرائي يَومِيَّاتُ ُمسَافِ ٍرعَلَى َطريِ ٍقأَ ْحمَر
كما هو معتاد حتى وصلنا محيط بغداد حيث بدأت بالهبوط اللولبي كما أقلعت قبل أسبوع ،ولم
تتمكن القوات الأمريكية البرية "والحمد لله" من تأمين إقلاع وهبوط آمنين لطائ ارتها المغادرة والعائدة
إلى بغداد من استهداف المقاومة الباسلة ،ويبدو هذا النوع من الإقلاع والهبوط مثير للقلق وتوتر
أعصاب الطيارين والركاب ،فالهواجس تتكرر وبدرجة أكبر من حوادث العجلات الأمريكية في شوارع
بغداد فيما لو وقعت وخاصة على طريق المطار ،فالبحث عن الجثث في حوادث سقوط الطائ ارت
ومن ثم تشخيص الجثث بواسطة الحمض النووي ،يعد في مثل ظروف الع ارق الأمنية غاية في
التعقيد والصعوبة أو الاستحالة ،على العموم هبطت الطائرة وهي ذات أربعة محركات مروحية على
مدرج المطار وحمدنا الله على السلامة والعودة إلى أرض الوطن ،أوصلتنا سيارة رباعية الدفع إلى
السيطرة الخارجية للمطار وكنت قد اتصلت بمن يأتي إلينا لأخذنا إلى المنزل.
67
نزار السامرائي يَومِ َيّا ُتمُسَافِرٍعَلَىطَريِقٍأَحْمَر
الخطوة السابعة
بانتظار قرار الحكم
بعد رحلة طويلة ومتعبة جدًا ،رجعنا إلى بغداد عبر قاعدة علي السالم ،من دون أن نحصل
على وعٍد واضح من الجانب الأمريكي في قاعدة فورت هود ،عن الحكم الذي سيصدر عن المحكمة
العسكرية في القاعدة المذكورة على العريف الأمريكي بيركنز الذي نفذ فصول الجريمة ،على الرغم
من أن المحامي شيفرز وزميلته أكدا بصورة قاطعة ،بأن بيركنز سيَُدان بارتكاب الجريمة ،وأن العقوبة
تعني طرده من الجيش وحرمانه من حقوقه التقاعدية ،وتعميم اسمه على جهات كثيرة لمنع توظيفه،
وقالا إن هذه العقوبة تعتبر قاسية جداً بكل المقاييس.
في اليوم التالي غادر مأمون ومروان إلى سام ارء على هذا الطريق الذي يحمل ذكرى المأساة،
بعد أن است ارحا من عناء سفر متصل ،وكنت أتلقى مكالمات هاتفية من داخل الع ارق ومن خارجه
عن نتيجة المعركة القانونية التي دخلناها ،وكالعادة في مثل هذه الظروف كنا ُنواجه كثي اًر من الأسئلة
عما حصل خلال سفرتنا للولايات المتحدة ،حينما كنا نجيب بأن الجلسة كانت للتحقيق وليس لمحاكمة
المتهمين ،كانت تعليقات المتصلين تُجمع على إبداء الأسى والأسف والدهشة في وقت واحد ،ذلك
أن التحقيقات قد أخذت وقتاً طويلًا جدًا في قضية واضحة ولا ألغاز فيها أبداً ،وكنت أقول لهم هذه
تقاليد القضاء في الدول الغربية ،كانوا ُيجرون مقارنات بين القضاء الع ارقي والقضاء الأمريكي في
سرعة الحسم ،وبعد أن كنت أوضح ذلك تنتقل الأسئلة للقادم عن التدابير والإج ارءات ،وفي هذه
النقطة بالذات نجد أنفسنا أكثر رغبة من غيرنا في معرفة ما ستؤول إليه الأمور لأننا أصحاب
القضية.
اتفقت مع مروان أن يُبلغني بأي اتصال يتم من جانب الأمريكان معه قبل أن يُقدم على أية
خطوة غير مدروسة ،كنت أظن أن الأمريكان ربما يسعون للتخلص منه لأنه الشاهد الوحيد على
جريمة لم يكونوا ليتصوروا أنه سيفلت من الموت ،فإن لم يبتلعه ناظم الثرثار ويقذفه مع زيدون إلى
الطرف الآخر ،فإن الماء البارد في بداية شهر كانون الثاني /يناير كا ٍف لقتل من ينزل إليه ،ولهذا
68
نزار السامرائي يَو ِم َّيا ُت ُمسَافِ ٍرعَلَى َطريِقٍأَ ْحمَر
فقد تع ّمدت المجموعة التي نفذت الجريمة على البقاء لمدة ساعة تقريبًا في حالة م ارقبة لموقع الجريمة
وان عن ُبعْد لرصد المشهد وقتل من يتمكن من الخروج منهما.
واصلت حركتي ونشاطي على مستوى الصحف المطبوعة والفضائيات وحيثما أتيحت لي
فرصة الحديث عن الجريمة ،فقد كنت أطرح المعلومات القديمة وما يستجد من معلوما ٍت ،وكنت في
حالة انتظار الخطوة التالية.
بعد نحو شهر من عودتنا من فورت هود ،اتصل بي السيرجنت واتسون وهو مساعد لسينترون
وأبلغني بالحضور إلى منطقة المطار لم ارجعة السفارة الأمريكية مرة أخرى بهدف الحصول على
تأشيرة جديدة لدخول الولايات المتحدة ،ولكنني أوضحت أن هذا الطلب لا مبرر له أبداً وأننا نستطيع
الذهاب إلى بوابة المنطقة الخض ارء قرب جسر الجمهورية ،وننتظر هناك لحين مجيئكم وتسلمون
أسماءنا لشعبة الاستعلامات ،وعندها سنتمكن من إج ارء المطلوب بشكل اعتيادي ،وأضفت لا معنى
أبدًا لمجيئنا إلى منطقة المطار ثم العودة مرة أخرى إلى بغداد فهذه رحلة شاقة ولا مبرر لها ،وبعد
نقاش لم يخل من تباين حاد في وجهات النظر ،اقتنع بوجهة نظري ،ومن المحتمل أنه لم يبت من
تلقاء نفسه بذلك وهذا هو المرجح ،وحدد يوم الخميس الثاني من كانون الأول /ديسمبر 2004
موعداً للذهاب إلى السفارة ،اتصلت بمأمون ومروان وطلبت منهما المجيء من سام ارء ،وكان السفر
على الطرق الخارجية ال اربطة بين بغداد والمدن الأخرى يحمل من المغامرة والمجازفة الشيء الكثير،
بسبب انعدام الأمن على طول تلك الطرق وخاصة طريق بغداد سام ارء ،بسبب النشاط الذي تُمارسه
المقاومة الوطنية المسلحة ضد قوات الاحتلال الأمريكي ،كانت فصائل المقاومة تتحرك بمرونة
عالية وتنقل نشاطها من مكان إلى آخر ،لإرباك الخطط العسكرية الأمريكية المحتلة ،وكانت ردود
الفعل الانتقامية التي ترد فيها تلك القوات على المواطنين الآمنين المسافرين على الطرق الخارجية،
عشوائية وكأنها تريد أن توصل رسالة للمقاومة بأنها ستؤلب المواطنين على المقاومة.
في اليوم المحدد ذهبنا إلى بوابة القصر الجمهوري في ك اردة مريم عند جسر الجمهورية ،وبعد
انتظار طويل نودي بأسمائنا للدخول ،وجدنا واتسون بانتظارنا في عربة عسكرية مدرعة ،ومضينا
معاً إلى مبنى السفارة الذي كنا قد جئناه قبل عدة أسابيع للغرض نفسه ،كانت المهمة هذه المرة
أسهل من السابقة حيث أن السفارة "القنصلية" سبق لها أن ثبتت المعلومات الخاصة بنا في حواسيبها
ولم تفعل أكثر من استخ ارج تلك المعلومات مع تغيير تواريخها.
69
نزار السامرائي يَو ِم َّيا ُتمُسَا ِف ٍرعَلَى َطر ِي ٍقأَحْمَر
بعد الانتهاء من هذه المهمة المزعجة حقًا والتي لم نرغب يوماً في م ارجعة سفارة بلد جاء بقواته
عبر آلاف الكيلو مت ارت تحت لافتة نقل الديمق ارطية واقامة اقتصاد متطور في الع ارق بحيث أن
بوش قال مرة" :سأجعل من الحصول على تأشيرة دخول الع ارق أمنية" هذه الوعود التي اتضح زيفها
وأن هذه الدعوة مجرد مسوغ للسيطرة على المنطقة ،سألت واتسون عن سينترون فقال إنها أنهت
خدمتها وعادت إلى الولايات المتحدة ،وأنه شخصياً حل محلها في مهمتها القانونية ،وسألته عن
موعد السفر فقال إنه لا يعرف وعند توفر أية معلومة عنده سوف يخبرنا قبل وقت كاف من أجل
الاستعداد للسفر.
بعد عشرة أيام اتصل بي واتسون وأبلغني بالحضور إلى المطار يوم السبت 2004/ 12/ 4
لغرض السفر ،وعند الساعة الثالثة عص اًر كنا عند بوابة القاعدة الجوية العسكرية الأمريكية في
المطار ،وبعد تك ارر الإج ارءات الأمنية عند البوابات المتعددة للمطار ،وسلمنا حقائبنا لواتسون وجلسنا
في صالة الانتظار مع ملاحظتنا بعدم وجود استعدادات حقيقية للسفر ،وبعد انتظار طويل قالوا لنا
إن السفرة تأجلت حتى الغد ،وخيرونا بين المبيت في صالة الانتظار أو العودة إلى المنزل ،من
الطبيعي أننا اخترنا العودة للمبيت في البيت ،وأكد علينا أن نكون في المطار عند الساعة الحادية
عشرة من صباح اليوم التالي أي يوم الأحد 12/ 5وهذا ما حصل ،غير أن طائرتنا لم تقلع إلا في
التاسعة والربع مساء في حفلات تعذيب كان الأمريكيون يمارسونها معنا بهدف إدخالنا في منطقة
الجزع ،ولكننا كنا نلقي عليهم دروساً عملية في القدرة على المطاولة والصبر.
بعد أن أقلعت الطائرة وأخذت حركتها اللولبية بالارتفاع فوق منطقة المطار عادت بي الذكرى
إلى أيام الشباب عندما كنا نرتقي درجات أجمل مئذنة إسلامية في العالم أي ملوية سام ارء ،من
حيث طبيعة الحركة اللولبية ،على كل حال وصلنا الكويت مرة أخرى حوالي العاشرة والنصف مساء،
ومن هناك انتقلنا إلى مطار الكويت الدولي ،ولكن المشهد السابق تكرر هذه المرة أيضا بكل فصوله
وتفاصيله ،وعجبت أن بلدًا مثل الولايات المتحدة يقع في الخطأ نفسه مرتين وفي غضون خمسة
أسابيع ،فأية دولة متقدمة في كل شيء وعالية التطور هذه؟ قلت لواتسون لو أن بلداً مثل الع ارق
ارتكب هذا الخطأ الذي وقعتم فيه ماذا كنتم ستقولون عنه وماذا ستطلقون عليه من الأوصاف؟ لم
يع ِط جوابًا عن السؤال لأنه كان مقتنعا بأن المشكلة سيتم حلها في غضون ساعات ،وسنغادر على
متن طائرة لاحقة كما حصل في المرة السابقة ،ولذا فقد تم نقلنا إلى دار الضيافة في قاعدة الدوحة
70
نزار السامرائي يَو ِميَّاتُمُسَافِرٍعَلَىطَريِقٍأَ ْحمَر
العسكرية الأمريكية في الكويت ،وهذه القاعدة كانت بالأصل مينا ًء بحرياً تجاريًا كويتيا ،وتم تحويله
إلى قاعدة بحرية أمريكية.
استمرت الاتصالات خلال الليل مع السلطات الكويتية والتي كررت حجتها السابقة بأننا دخلنا
الأ ارضي الكويتية بصورة غير مشروعة ،وكأننا كنا نرغب بدخولها بأية صورة من الصور ،أو كأن
هذه السلطات تمسك بحدود الكويت من أط ارفها ،ولما وصلت الاتصالات إلى طريق مسدود ،أبلغنا
واتسون بأن السلطات الكويتية أبلغته بضرورة مغادرتنا الكويت فو اًر ،من أجل ذلك تم نقلنا من القاعدة
البحرية في الدوحة إلى قاعدة علي السالم الجوية وتم وضعنا تحت ح ارسة على وفق ما زعموا،
وقابلنا آمر القاعدة وهو ضابط برتبة عقيد وطمأننا على سلامتنا ،قال لنا بأنهم حريصون على
التحفظ علينا لحمايتنا من الكويتيين لأنهم يعرفون نواياهم تجاه كل ع ارقي ،فأبدينا استغ اربنا من هذا
الطرح من ضابط جاء إلى المنطقة للدفاع عن الكويت نفسها ،ليس لأننا نعجب من ُعَقِد الكويتيين
تجاه كل من هو اكبر منهم حتى في أسوأ ظروفه ،وانما لأننا سنكون في حماية أمريكية على حد
زعمهم من عرب لم نشعر بخوف منهم في أي ظرف من الظروف ،ومهما لوثت السياسة المشاعر
والعقول ،فهل يكون َم ْن قتل الع ارقيين ودمر كيان دولتهم بل وقتل ابنهم بتلك الطريقة التي لا ترد
على بال إنسان سوي ،أن يحرص على حياة أبيه وعمه بل وعلى من ألقي معه في اليم؟
أمر العقيد بترتيب غرفة نوم فجلبوا لنا ثلاثة أسرة على عجل ،وكان سؤالنا الملّح ،هل يصح
لبلٍد مثل الولايات المتحدة والذي يطرح نفسه أعلى قمة في التطور والتقدم الإنساني والعلمي والسياسي
والقانوني ،أن يكرر هذا الخطأ الكبير في قضية صغيرة بهذا المستوى ،ولماذا لم تستفد السلطة
المختصة من تجربة منعنا في المرة السابقة ولم تم ِض عليه إلا خمسة أسابيع؟ الكويت أ اردت أن
تستعرض معنا أهميتها وتمنع دخولنا إلى أ ارضيها في المرة السابقة وبعد تدخل قائد القيادة المركزية
الأمريكية تم السماح لنا بالمغادرة إلى أمريكا ،فما بال السلطة نفسها ترتكب نفس الخطأ مع نفس
الجهة في غضون خمسة أسابيع؟ ترى ماذا كان سيقول الأمريكيون؟ بلٌد فيه أهم م اركز الد ارسات
الاست ارتيجية وبلٌد يمتلك أكثر جامعات العالم تطو اًر وبلُد أجهزة الكومبيوتر الأكثر تعقيدًا وتطو اًر ،لو
أن بلدًا عربياً كرر هذا الخطأ؟ ألا يعتبرونه فضيحة تنم عن غباء مستحكم ومركب؟ وينم عن بداوة
وتخلف؟ أم أنهم سيعتبرونه سهواً يمكن أن يقع فيه الجميع؟ نعم هذه أمريكا عارية بالتجربة الميدانية
الصغيرة ،تم إشعارنا بأننا سنعود إلى بغداد بانتظار فرصة أخرى للسفر.
71
نزار السامرائي يَومِ َيّا ُتمُسَافِ ٍرعَلَى َطريِ ٍقأَ ْحمَر
على العموم في الثانية والنصف من يوم الاثنين 12 /6أقلعت بنا الطائرة عائدة إلى بغداد
ووصلناها في ال اربعة وخمس دقائق ،وكان طبيعيًا أن تؤجل الجلسة مرة أخرى لحين جلب شهود حق
الادعاء الشخصي.
رجعنا إلى بغداد ولم يبلغنا الأمريكيون عن موعد سفرنا البديل وان قالوا لنا سنتصل بكم في
وقت لاحق لإبلاغكم بالموعد ،وطلب ُت منهم أن يتم الاتصال بنا قبل ثلاثة أيام كي تتاح لنا الفرصة
للتهيؤ للسفر لاسيما وأن مأمون ومروان يسكنان في مدينة سام ارء التي تبعد عن بغداد بـ 125كيلو
مت اًر ،وفي ظل الظروف الأمنية المعقدة وتنقل الأرتال العسكرية الأمريكية على الطرق الخارجية في
الع ارق ،وقطعها لمدد طويلة ،فلا بد من إبلاغهما قبل وقت مناسب للانتقال إلى بغداد على الطريق
نفسه الذي سار عليه مروان وزيدون في اليوم الذي سبق ليلة الجريمة الأمريكية.
ويوم 24كانون الأول /ديسمبر 2004اتصل السيرجنت واتسون وطلب منا الحضور إلى نقطة
السيطرة الأولى التابعة للمطار ،ولم نعلم ما هو المقصود من هذه الخطوة الجديدة وِلَم الذهاب إلى
المطار مرة أخرى خاصة وأن واتسون لم يبلغنا بجلب حقائب السفر ،وطالما أننا أصبحنا جزًء من
هذا المشهد فعلينا أن نذهب به إلى نهايته مهما عانينا من أعباء التحرك وطريقة الأمريكيين في
التعامل معنا فلا بّد من صنعا وان طال السفر.
عدونا هو الذي يحدد المواعيد لنا على نحو مقرف ولا يخلو من محاولة الإيقاع بنا ،إن لم
يحصل ذلك بني ارن قواته فبني ارن المقاومة النشطة على طريق المطار ،وبناء على مواعيد يفرضها
عدونا نذهب إلى المطار ونعود منه فهو الخصم والحكم ،ليس في جريمة قتل زيدون فقط وانما في
جريمة قتل مشروع الع ارق النهضوي الكبير ،وكانت معاناتنا عند المرور على طريق الموت تتكرر
وبصورة مؤلمة كلما ت ارفقت مع مشاعر البغضاء لجنود يرتهنوننا كدروع بشرية لحمايتهم أو لقتلنا
معهم في حال لم نوفر لهم الأمن في طريق محفوف بكل الأخطار المحتملة وغير المتوقعة ،ومع
كل متر نجتازه ونشعر فيه بالطمأنينة تضغط علينا هواجس مئات الأمتار الأخرى بكل ثقلها.
وصلنا وانتظرنا مرة أخرى عند نقطة السيطرة الخارجية للمطار ،ثم جاءنا واتسون وأخذنا إلى
قصر الفاو الرئاسي الذي تحول إلى مقر القيادة العسكرية للقوات الأمريكية في الع ارق ،كانت السيطرة
على القصر بحد ذاتها ،كابوسًا مرعباً بسبب هذا السطو المركب في معناه المادي والاعتباري ،وكنت
72
نزار السامرائي يَو ِم ّيَا ُتمُسَا ِفرٍعَلَى َطر ِي ٍقأَحْمَر
أشعر بتوتر عصبي حاد كلما فكرت بأن هذا القصر الذي كان رم اًز لشموخ الع ارق وانتصاره في
الحرب مع إي ارن وحص اًر رمز انتصار في معركة الفاو الذي حطمت آمال إي ارن في كسبها.
مع ذلك كنت أفكر مع نفسي ماذا لو سبقت قطعان الغوغاء وزحفت على هذا القصر قبل
احتلال القوات الأمريكية له ،وفعلوا به ما فعلوه في القصر الجمهوري في ك اردة مريم وسائر الأبنية
الحكومية التي سرقوا منها كل ما يمكن سرقته وما لم يتمكنوا منه أتلفوه بوسائل اشتهر بها أعداء
التاريخ والحضارة الذين سكنوا بلاد ما بين النهرين "ميزوبيتاميا" ونقلوا إليه تقاليدهم وأخلاقهم وقيمهم
التي جاءوا بها من أوطانهم القديمة ،وبدلًا من العيش بسلام في أرض السواد نقموا عليها وعلى
شعبها ،لأنهم من مجتمعات همجية في غاية التخلف ،وعندما يعجز شعب من الشعوب أو قبيلة من
القبائل عن التعايش مع الانجا ازت الحديثة ،فلا مناص من التآمر عليها وا ازلتها من جذورها إن
أمكن.
هؤلاء الذين استوطنوا الع ارق بحثاً عن الخبز ،لم يحبوا ماءه وهواءه فعملوا فيه كل منكر وخ ارب
ودمار ،فهل تستحق القوات الأمريكية منّا قليلاً من الثناء لأنها احتلت القصر في أولى ساعات
دخولها إلى بغداد؟ ووفرت له الحماية كي تتخذه مق ًار لها على الرغم من أنها دمرت بلدًا بكامله؟ هذا
هو المحال.
هنا برزت أمام ذاكرتي التي أتعبها حب الع ارق وامتلكها بجدارة ،حكاية قديمة من أيام الحرب
العالمية الثانية ،فبعد أن احتل الألمان باريس في نزهة سريعة ،سارع المارشال فيليب بيتان بإعلان
حكومة فيشي تحت الاحتلال الألماني ،وحاول أن يبرر لنفسه اصطفافه الذليل مع قوات الاحتلال
النازية بزعمه أنه خاف على باريس الجميلة وموجوداتها الحضارية من التدمير ،فضحى بسمعته من
أجل عظمة فرنسا ،وتساءلت مع نفسي هل يمكن الفصل بين الشرف الشخصي والشرف الوطني؟
أي بمعنى أن خونة فرنسا لهم شرف وطني وحرص على بلادهم من عبث المحتلين في موجوداتها
الثقافية والحضارية ومتحف اللوفر ومقتنياته من المآثر الفنية وبقية المتاحف الفنية والتاريخية والتي
تزخر بها مدينة باريس ،وقصر فرساي ومتحف نابليون وغيرها من الآثار؟ أم أن هذه الادعاءات
التي طرحت لاحقاً ،كان الهدف منها تبييض سمعة من خان فرنسا وتعاون مع الألمان؟ بعد عدة
عقود من حصول تلك الواقعة ،وكأن من أ ارد الخروج بها على الملأ سعى للقول بأن فرنسا لم تنتج
خونة ونفوساً مريضة وعقولًا مستعدة لمد اليد للعدو؟
73
نزار السامرائي يَو ِم َّياتُ ُمسَا ِف ٍرعَلَىطَر ِي ٍقأَحْمَر
هل في الع ارق من بيتان واحد كان على استعداد للتضحية بسمعته من أجل الحفاظ على
مصانعه ومنشآته التي أنفق عليها أموالًا طائلة وجهداً استثنائيًا وعرق أبنائه عبر السنين؟ أو على
المتحف الع ارقي الذي يحكي قصة الحضا ارت التي تعاقبت على أرض ال ارفدين منذ سبعة آلاف
سنة؟ أو المتاحف الفنية الحديثة التي نشرها الحكم الوطني في عموم مدن الع ارق ،حتى تحولت
بغداد إلى أعظم مشروع حضاري نهضوي وفني كبير تحت الشمس؟
على العكس من ذلك فإن من غ از الع ارق ومن مهّد له الطرق للوصول إلى مدنه كان يحمل
موروثًا من الحقد التاريخي والاقتصادي والفني على كل شيء جميل في الع ارق ،فتحركت معاو ُل
خونِة الداخل لتحرق المكتبات العامة ومركز الوثائق الع ارقي الذي كان بمثابة ذاكرة ع ارقية حية،
ولتدمر المنشآت الصناعية والطبية والأسواق المركزية "السوبر ماركت" ولتسطو على كل مؤسسات
الدولة ومعسك ارتها ،وحتى الآثار القديمة في المتاحف تم العبث بها وتدمير كثير منها وسرقتها بهدف
تهريبها إلى الخارج ،وفُقدت الآلاف من اللوحات الفنية الثمينة من متاحفها ،ومن أجل التغطية على
ج ارئمها أحرقت الأبنية ،ثم انتقلت العقول المريضة والضمائر الميتة والنفوس الحاقدة إلى النصب
والتماثيل في مختلف المدن الع ارقية فأ ازلتها بالج ارفات تنفيساً عن عقد مزمنة لم تشفها كل عمليات
البناء الثقافي والتعليمي والعلمي الذي شهده الع ارق قبل الاحتلال.
ومع كل ذلك أُجزم بأن الفصل بين الشرف الشخصي والشرف الوطني في غاية الاستحالة ولا
يعدو عن كونه محاولة بائسة لتلقين الحمار النطق أو تعليم السمك المشي على الرمال ،فالخيانة
واحدة وقد أكدت تجربة غزو الع ارق واحتلاله أن خونة الداخل كانوا أكثر إيذاء للع ارق من كل جحافل
الأعداء الخارجيين ،فلا أحد منهم على الإطلاق بريء من جريمة تدمير الع ارق والإساءة إلى ك ارمته
وسمعته ،عندما اصطف الآلاف من الغوغاء والمخربين في شوارع بغداد وهم يحملون على ظهورهم
أي شيء قابل للسرقة من أي مكان عام.
كما أن كل من تسلم مسؤولية وظيفية بعد الاحتلال ،جاء من أجل استكمال تدمير الع ارق
ولتحقيق ما قاله جيمس بيكر للأستاذ طارق عزيز ،إن أمريكا ستعيد الع ارق إلى عصر ما قبل
الصناعة ،وهذا ما تحقق فعلاً.
المهم كان سبب تبليغنا بالحضور إلى قصر الفاو هو لمجرد إبلاغنا بأن موعد سفرنا الجديد
إلى الولايات المتحدة قد تقرر في يوم الثلاثاء ،2004/ 12/ 28ألهذا استدعيتمونا إلى المطار؟
74
نزار السامرائي يَو ِميَّا ُت ُمسَافِرٍعَلَىطَريِقٍأَ ْحمَر
ألم يكن ممكنا تبليغنا هاتفيًا؟ تساءلنا عن ذلك بسخط ظهرت علاماته على وجوهنا ،ولكن جوابًا لم
يصل أبداً ،و أريت أن سلوك الأمريكيين هذا يهدف إلى إصابتنا بالملل والسأم من الانتظار الطويل.
يوم الثلاثاء 12 /28لم يبق من عمر العام الميلادي 2004سوى ثلاثة أيام ،ثم نودع عاماً
ذاق فيه الع ارقيون م ار ارت متلاحقة لم يذوقوا أمّر منها من قبل ،ولكنهم قد يذوقون ما هو أمّر منها
في قابل الأيام والأشهر والسنين ،فبلُدنا مكتو ٌب عليه ألا يستقَر ولا يذوق طعم الطمأنينة والأمن،
وكأن هذه البقعة من الأرض اختير ْت لاختبار صبر من يسكن فيها وجلدهم ،ولهذا يسأل كثير من
الع ارقيين "هل هي إ اردة الله سبحانه أم إ اردة شر اجتمعت عليه قوى دولية التقت مصالحها مع دول
الجوار الشرقي والجنوبي على منع الع ارق من الاستق ارر وال ارحة"؟ ولأن هؤلاء الأغ ارب استطاعوا
ش ارء ذمم قوى محلية وضمائر أصحابها بثم ٍن بخس ،فتحولوا إلى أدوات بيد الشيطان ،وتنطق
بأصوات سادتها ،وأذرٍع يحركها أوليا ُء نعمتها كما يريدون لتدمير كل ما يُبنى في بلدهم.
وفي هذا العام كانت الفلوجة "جوهرة العمل الع ارقي المسلح المقاوم للاحتلال الأمريكي ،قد
شهدت في العام الثاني للاحتلال أي ،2004معركتين ضاريتين الأولى من 4نيسان إلى 1أيار/
مايو ،والثانية من 7تشرين الثاني /نوفمبر إلى 23كانون الأول /ديسمبر من ذلك العام" ،وسجل
الع ارقيون أثناءها ،أن الحزب الإسلامي الشريك الرقمي في العملية السياسية التي صممها الأمريكيون،
أ ارد أن يتاجر بدماء أبناء المدن السنية للحصول على دور أكبر ومغانم اضافية لأنه كان منبوذاً
من الوسط الذي يزعم أنه يمثله ،بل وحتى التحالف الشيعي يحتقره ويعتبر سلوكه نفاقًا سياسيًا
رخيصاً ،أما المحتلون فهم يتعاملون مع من يتعاون معهم لاحتلال بلدانهم كبائعات الهوى تكتفي
واحدتهن بثمن ليلة ماجنة.
ولتحقيق هذه الصفقة السيئة تم تكليف حاجم الحسني القيادي في الحزب المذكور ،كوسيط بين
أهالي مدينة الفلوجة وقوات الاحتلال ،بعد أن وصل قادة القوات الأمريكية إلى استنتاج بأنهم يواجهون
مدينة لا تنحني لأحد إلا أثناء الصلاة ،وفعلًا تحرك في المعركة الأولى وخذل الفلوجة وتسبب
بخسائر هائلة لحقت بالمدنيين فيها وألحق بها دما ًار مريعاً.
استخدمت الولايات المتحدة في المعركتين ،كل ما في ترسانتها من وسائل القتل ورسل الموت،
ولكن الفلوجة كعادة رجالها ،استبسلت ولقنت الأمريكيين دروساً مؤلمة وكبدت قواتها خسائر كبرى
75
نزار السامرائي يَومِ َّيا ُت ُمسَا ِف ٍرعَلَى َطر ِي ٍقأَحْمَر
بعد ه ازئم منكرة ومريرة ستبقى م اررتها تحت ألسنتهم إلى الأبد وتذكرهم بتجربة هزيمتهم في هانوي
قبيل رحيلهم الذليل من هناك.
لم يكن قادة جيش الاحتلال ليتصوروا يومًا أن تواجههم مدينة الفلوجة بهذه الشجاعة ،ومن
دون أن تلقى إسنادًا خارجيًا ،لا من شقيق عربي ولا من صديق أجنبي ،فما جرى في الفلوجة كان
معارك شوارع ،من حي إلى حي ،ومن بيت إلى بيت ،بل ومن غرفة إلى أخرى ،وما ازل الأمريكان
يتذكرون بم اررة وألم وحسرة ،حي نّازل والحي الصناعي وحي الشهداء والحي العسكري ،التي طال
أمد القتال أيامًا بلياليها حتى اصطبغت شوارعها بلون الدم وتناثرت جثامين الشهداء التي تم دفنها
في الحدائق المنزلية أو العامة ،وجثث قتلى الغ ازة من دون أن يجرؤ زملاؤهم على إخلائها.
قبل انطلاقة المعركة ظنت قيادة القوات الأمريكية أن الفلوجة لن تحتاج إلى أكثر من فوج من
قوات المارينز ،ولا إلى أكثر من ساعة لتلتهمها لقمة واحدة ،ولما استعصت عليها لم تترك سلاحًا
محرماً في القوانين الدولية إلا وجربته على رؤوس أبنائها ،وكانت صور المعارك تنقل لنا صور
قنابل الفوسفور الأبيض المحرم دوليًا ،الذي لم تتردد الولايات المحتدة عن استخدامه لقهر إ اردة رجال
المقاومة في الفلوجة في أبشع ما تكون وحشية المحتلين ،وسيبقى الع ارقيون يذكرون أن معركتي
الفلوجة الأولى والثانية قد تم تسجيلهما باسم إياد علاوي رئيس الوز ارء الذي عينته سلطة بول بريمر
بهذا المنصب ،والذي تحملت حكومته وزرهما ،على الرغم من أن تلك الحكومة ليست أكثر من
ساعي بريد صغير في مكتب بريمر.
لم يسأل أحد من الم ارقبين الدوليين نفسه ،عما كانت هذه الأسلحة المحرمة ،محرمة على
الولايات المتحدة والدول الكبرى الأخرى التي صاغت القوانين على مقاساتها وفرضتها على الغير؟
أم أنها محرمة على الدول الصغيرة فقط والتي لا تستطيع حتى إبداء أري في المحافل الدولية أثناء
التصويت على تشريع القوانين المحددة لسلوكها فقط؟ أم أن في القتل سلاحًا نظيفًا وآخر محرم؟
كما شهدت مدن ع ارقية أخرى معارك كثيرة وبدرجات متفاوتة من الض اروة ،فقد هاجم الأمريكيون
مدينة سام ارء في الأول من تشرين الأول/أكتوبر من عدة محاور وأطبقوا عليها وبعد معارك شرسة
مع رجال المقاومة الوطنية تمكنوا من الوصول إلى مركز المدينة أي في منطقة الم ازر ،وفي ذلك
العام شهدت مدينة النجف عام 2004أيضا معركة من نوع آخر بين أط ارف شيعية متنازعة فيما
بينها ،في حينها تضاربت أسباب اندلاع المعارك ،فقد ذكرت عناصر محسوبة على جماعة الحكيم
76
نزار السامرائي يَو ِميَّا ُتمُسَا ِف ٍرعَلَى َطر ِي ٍقأَ ْحمَر
"المجلس الأعلى للثورة الإسلامية الذي أسسه محمد باقر الحكيم في طه ارن في تشرين الثاني عام
،"1982أن ن ازعًا نشب من أجل السيطرة على خ ازئن مرقد الإمام علي بن أبي طالب كرم الله
وجهه ،ومفاتيح الم ازر للسيطرة على المداخيل اليومية التي تضخ في الضريح ،من أجل إ ازحة أي
طرف شيعي يسعى للاستحواذ على هذه الثروة الكبيرة ،وقد اتهََم المجلس الأعلى ،التيار الصدري
بإثارة الأزمة التي أدت إلى سفك دماء كثيرة ،ولأن عبد العزيز الحكيم كان عضواً في مجلس الحكم
الانتقالي ومقرباً من الأمريكان ،فقد انحاز الأمريكيون ومعهم حكومة إياد علاوي إلى جانب المجلس
الأعلى ،ودف َع أبنا ُء النجف ثمن ص ارع مفاتيح الم از ارت وخ ازئن الضريح المليئة بالمقتنيات الثمينة
بل لا تقدر بثمن ،ولعل معركة النجف هي الصفحة الوحيدة التي يتاجر بها شيعة السلطة ويحاولون
تصويرها على أنها مقاومة للاحتلال الأمريكي.
وفي عام 2004شهدت سجون الاحتلال الأمريكي وخاصة سجن أبو غريب ،انتهاكات مروعة
ومورس فيها أسوأ أساليب التعذيب الجسدي والنفسي بأوامر منهجية من الرئيس الأمريكي جورج
بوش ونائبه ديك تشيني ووزير دفاعه دونالد ارمسفيلد ،ولو لم تعرض في شبكة سي بي إس الأمريكية
يوم 28نيسان ،2004تفاصيل تلك الانتهاكات لبقيت تلك الوقائع طي النسيان ،ولبقَيت أط ارف
العملية السياسية تدافع عن إنسانية المحتلين ووحشية الع ارقيين الذين يتصدون لهم.
وألحقت هذه الفضيحة أذى كبي اًر بسمعة الولايات المتحدة ،دفعت وسائل الإعلام الأمريكية
لمتابعة ملف حقوق الإنسان في سجون القوات الأمريكية في بوكا وكذلك معتقل غوانتانامو في
القاعدة البحرية الأمريكية في كوبا.
كنت أ ارقب الأحداث عن كثب وأغطي بعضها من خلال عملي الصحفي وظهوري على بعض
الفضائيات العربية أو الناطقة بالعربية كمحلل سياسي ،مع أنني كنت أنتظر موعد السفر إلى الولايات
المتحدة لمتابعة ملف الشهيد زيدون.
وأخي ًار جاء يوم السفر إلى أمريكا في الثامن والعشرين من كانون الأول /ديسمبر ،2004
فأخذنا سيارة إلى المطار ،وكانت في كل مرة تتجدد مشاعر القلق عند جميع أف ارد عائلاتنا والأقارب
في بغداد وسام ارء ،وتتجدد مخاوفهم من احتمالات الغدر الأمريكي بنا ،لأن التجارب السابقة لا تدع
مجالاً للاطمئنان بين الغازي وابن البلد ،كنت أطمئن الجميع وأحكي لهم قصصاً عن حسن معاملتهم
77
نزار السامرائي يَو ِميَّاتُ ُمسَا ِفرٍعَلَىطَريِ ٍقأَ ْحمَر
لنا خلال م ارحل التحقيق والسفر بل وكنت أبالغ في ذلك لمجرد بث روح من الأمل بحسن الخاتمة،
طبعًا كنت أق أر في عيون الجميع شكًا بما أقول.
عند منتصف نهار يوم 28كانون الأول 2004كنا عند (جيك بوينت )1في المطار ،أنزلنا
حقائب السفر وبدأ الكلب الأمريكي المدرب يؤدي دوره ويدور حول السيارة من دون توقف ،وصلنا
المقطع الثاني وفيه تفتيش من قبل أف ارد (الحرس الوطني وهي قوة ع ارقية هزيلة ش ّكلها المحتلون
لتكون لهم قفا اًز يضربون به الع ارقيين متى أ اردوا) وتم التفتيش بآلية بليدة ،شعرنا عندها أن كل شيء
قد تم بسرعة حرصت على أن تبدو الإج ارءات الأمنية مستوفية لشروطها الشكلية.
عند اجتيازنا لآخر نقطة سيطرة وجدنا واتسون بانتظارنا ،تسلم حقائبنا وركبنا السيارة العسكرية
الأمريكية المدرعة والتي أصبحت هدفاً ثمينًا لرجال المقاومة الع ارقية الوطنية المسلحة ،وعندما وصلنا
قاعة الانتظار ،وجدنا المئات من الجنود الأمريكان وهم يغطون في سبات عميق ،منهم من استلقى
على ما متوفر من ك ار ٍس ومنهم من ألقى بنفسه فوق حقائبه ومنهم من افترش الأرض وقليل منهم
من وجد سري ًار ،يا لها من فرصة سانحة لحصاد عظيم لو أن قذيفة أو صاروخاً يسقط وسط هذه
الجموع من القتلة والذين يُمكن رؤية دم الع ارقيين يقطر من بين أصابعهم ،ولكن قليلاً منهم من يشعر
بتأنيب ضمير أو أسف لما ارتكب من ج ارئم ،ونحن في هذه الخواطر والأفكار واذا بالسيرجنت
واتسون يبلغنا بأن السفرة تأجلت إلى الغد ،وبدم بارد كما يقتل الأمريكيون ضحاياهم قال لنا عودوا
إلى بيتكم وتعالوا غدًا صباحًا ،هنا تصطك المشاعر مع بعضها بقوة وتبعث أنينًا مكبوتًا لهذه
الاستهانة بقيمة الإنسان والوقت ،لم يعتذر عن هذا التأخير ولو أنه غير مسؤول عنه ،لكننا افترضنا
أن الأمريكي يحمل قليلاً من الذوق وكثي اًر من الوقاحة كي يكلف نفسه عناء الاعتذار ،ولكن كيف
جاز لي أن أفكر بهذا الأمريكي وهو الذي حمل آخر ما في ماكنته الحربية من أسلحة دمار ليجربها
فوق رؤوس الع ارقيين ،من دون احتجاج أو اعت ارض أو حتى نقد من المنظمات المعنية ولو على
استحياء ،فأمريكا وضعت نفسها فوق القانون الدولي وفوق ميثاق الأمم المتحدة وفوق الإعلان
العالمي لحقوق الإنسان وفوق كل أجهزة الإعلام في العالم ،وتعايش الأمريكي مع هذه الفرضية
الساذجة واعتبرها حقًا مقدسًا له ليس من حق أحد أن ينازعه به.
كان علينا هذا اليوم أن نجتاز طريق المطار َمّرتين إضافيتين ،ولهذا غادرنا المطار واتصلنا
بالمنزل كي تحضر السيارة لأخذنا لعدم توفر وسائط نقل عامة تعمل بين المطار ومدينة بغداد ،ولم
78
نزار السامرائي يَومِيَّا ُتمُسَافِرٍعَلَى َطريِقٍأَ ْحمَر
يطل انتظارنا فقد حضرت زوجتي من دون تعب أو تذمر ،وأعادتنا إلى المنزل على أمل العودة إلى
المطار في الغد وهذا ما كان ،وفي اليوم التالي أي يوم الأربعاء 12/ 29تكرر الانتظار عند نقاط
التفتيش ولكن بصورة أسرع مما حصل بالأمس ولم نتأخر لتفتيشها من قبل الكلاب المدربة ،فالحقائب
بقيت في المطار ،وربما حصل الأمريكيون على اطمئنان أكبر عن محتوياتها ،وربما كان الهدف
التعرف على ما في الحقائب من محتويات من خلال مضي الوقت من غير أن يحصل فيها انفجار
مفاجئ ،ومضينا إلى نفس الأماكن التي كنا قد مررنا بها قبل أربع وعشرين ساعة.
لا أحد يعرف موعد إقلاع الطائرة ،والجنود الذين ألقوا بأنفسهم بهذه الطريقة فوق الأ ارئك وعلى
الأرض لو لم يكونوا قد وصلوا إلى الحد الأخير من طاقتهم في مواجهة الموت والخوف منه ،هو ما
منعهم من النوم أيامًا وليالي ،إذ كانت لحظة نوم واحدة تساوي العمر كله ،نحن أكثر الناس طمأنينة
وسط هذا الحشد المرتعب ،كنا نتلفت وندعو بض ارعة مع استعداد حقيقي لكل أسباب القوة لمواجهة
قوات الغزو ،ولم نكن نمتلك حقداً على واحد من هؤلاء الجنود كأشخاص ولكنهم كمشروع عدواني
يستحقون كل ما يلحق بهم ،هؤلاء الجنود الذين نعرف أنهم لم يأتوا من تلقاء أنفسهم وانما بموجب
أوامر قيادتهم العليا ،لم يكن دعاؤنا مجردًا من أدوات الفعل الميداني أن يزداد عدد قتلى َم ْن عبَر
المحيطات والبحار ،ليقتل الع ارقيين ويّدمر بلدهم استجابة لأكاذيب خونة من حملة جنسيته ولم
يحترمهم أحد لا الأمس ولا اليوم ولا غداً ،وسيرجمهم الناس كما يرجم الحجيج موضع أبي رغال.
الطائرة ستقلع في الواحدة والنصف ،هكذا قال واتسون ،وقف البعض وظل كثيرون نياماً،
فالطائ ارت العسكرية الأمريكية تقلع من مطار بغداد باتجاهات مختلفة ،ولكن الموعد تأجل إلى الثانية
والنصف بعد الظهر ،ولكنها لم تقلع إلا في الثالثة والنصف.
هزت أربعة انفجا ارت متوسطة منطقة المطار المت ارمية الأط ارف ،من دون أن نتبين المكان
الذي سقطت به القذائف أو ما هي طبيعتها وما تركته من آثار ولكن الأثر النفسي الذي يتركه أي
انفجار في منطقة عسكرية أمريكية يفوق كثي ًار حجم الخسائر المادية التي يُخلّفها ،بدأنا التوجه إلى
الطائرة المتوجهة إلى عمان هذه المرة بعد تجربتين ُمّرتين مع الكويت ،بدأت الطائرة تتحرك على
مدرج الإقلاع توقفت عن الحركة فجأة من دون سبب ،ثم دوى انفجار هائل أوشك أن يقتلع الطائرة
الضخمة وهي من ط ارز C130عن المدرج ،ثم سارعت للإقلاع بسرعة استثنائية خشية من تعرضها
لضربة مباشرة ،واذا بعمود دخان أسود يرتفع في السماء وكأنه ثمرة الفطر ،وبدأت طي ارنها اللولبي
79
نزار السامرائي يَو ِميَّا ُت ُمسَافِرٍعَلَىطَريِقٍأَحْمَر
فوق المطار ثم أفلتت من جاذبيته باتجاه الغرب ،أحسسنا أننا نقترب رويداً من الفلوجة لأن الطائرة
أخذت ترتفع بصورة غير متوقعة وغير معهودة ولأن الضغط داخل الطائرة يتأثر بالخارج ،فقد ظهر
تأثير الصعود والهبوط واضحاً على آذاننا ،كل الذي حصل للطائرة أن قائدها ربما وصله من مركز
السيطرة الأرضية إنذار بأن الخطر على الطائرة لا يقتصر على الأرض أو في منطقة المطار وانما
فوق سماء الفلوجة ،نعم الفلوجة التي مزقت أرتال الجيش الأمريكي وأوصلته إلى سن اليأس المبكر،
وأوشكت أن تّدمر حلمهم إلى الأبد لولا خيانة ما يسمى بـ"الصحوات" التي أسستها عقول عفنة رضيت
لنفسها الحصول على فتات موائد الخط الأول من العملاء ،ومع كل الحزن الذي يعتصرنا ونحن
نذهب لمتابعة قضية زيدون ،ومع كل ما ي ارفق العسكريين الأمريكيين من هلع نكاد نسمع وجيبه من
بين الصدور ،كنا نشعر بالفخر أن المقاومة الع ارقية المسلحة اليتيمة من كل دعم أو اسناد من قريب
أو بعيد ،كانت تُدخ ُل في قلوب جنود أقوى قوة عسكرية عرفها تاريخ البشرية ،كل هذا الفزع والهلع.
والطائرة تحلق عاليًا وفي خطوة قلقة جاء جندي يحمل مصباحًا يدويًا بعد أن نقل له الآخرون
أن ارئحة حريق قد شمها بعضهم في الأسلاك الكهربائية المخفية و ارء جد ارنها ،وبعد فحص دقيق
أعطى إشارة الاطمئنان للركاب.
متى تنتهي متاعبنا نحن الباحثون عن الحقيقة والعدالة في بلد الظلم؟
بعد رحلة استغرقت ساعتين بدأت الطائرة بالهبوط في مطار ماركا في ع ّمان عاصمة الأردن،
وبعد أن استقرت بنا الطائرة وانتقلنا إلى الصالة بدأت عمليات تفتيش الحقائب الم ارفقة ،شك أحد
رجال الجمارك الأردنية بأن أحد الجنود الأمريكيين يحمل في حقائبه ما يريب ،فأمره بفتحها واذا به
يحمل الكثير من القطع النحاسية أو المذهبة من قصر الفاو ،ولم يكن هذا الجندي وحده من يحمل
مثل هذه القطع ولكنه كان أكثرهم جشعًا وطمعاً ،وبعد مداولات واتصالات تمت تسوية الأمر ،ثم
وجدنا شخصاً أردنيًا يعمل مستخدمًا محلياً في السفارة الأمريكية في عمان بانتظارنا وهو يحمل لافتة
كتبت عليها أسماؤنا باللغة الإنكليزية ،وأخذنا إلى فندق قريب من مطار الملكة علياء الدولي والذي
يبعد عن مطار ماركا عدة كيلو مت ارت ،وربما تعود ملكية الفندق لشركة الخطوط الملكية الأردنية،
وتوزعنا على الغرف وبعد است ارحة قصيرة وأخذ حمام ساخن نزلنا إلى المطعم لتناول طعام العشاء،
كان علينا أن نبيت ليلتنا مبكرين كي ننهض مبكرين ،فالسيارة ستحضر في الثامنة صباحاً والطائرة
ستقلع في العاشرة والدقيقة الأربعين من يوم الخميس 12/ 30باتجاه الولايات المتحدة الأمريكية.
80
نزار السامرائي يَومِ َّياتُمُسَافِرٍعَلَى َطر ِي ٍقأَحْمَر
استيقظنا مبكرين ومضينا إلى المطعم لتناول طعام الفطور بعد أن حزمنا حقائبنا ،وجاءتنا
السيارة في الثامنة صباحًا ومضينا إلى مطار الملكة علياء الدولي على أمل أن تقلع بنا طائرة
الخطوط الجوية الملكية الأردنية في الساعة العاشرة والدقيقة الأربعين ،ولكننا علمنا بأن موعد إقلاع
الطائرة قد تأخر ساعة واحدة على الأقل على عادة كل خطوط العالم الثالث الجوية من دون إبداء
الأسباب.
في مواضع كثيرة من المطار شاهدت طائ ارت الخطوط الجوية الع ارقية ذات اللون الأخضر
جاثمة على أرض المطار وكان الع ارق قد أخرجها من أ ارضيه قبيل العدوان الأمريكي البريطاني
الثلاثيني عام 1991ولكنها بالنتيجة تعرضت للموت البطيء تمامًا كما لو أنها ضربت بقذيفة قتلتها
على الفور ،كانت الطائ ارت كلها من نوع بوينغ ومن حجوم مختلفة فهناك الجامبو وهي طائرة بوينغ
،747وهناك بوينغ 707وهناك من 737و 727وهي تحكي قصة مأساة أكثر الخطوط الجوية
في العالم أمانًا في طي ارنها لدقة الصيانة الدورية ومهارة الطيارين الع ارقيين ،ولكنها وقد تحولت
محركاتها إلى أعشاش للطيور لا بد أن تستدعي دمعة حزن وألم على ما آل إليه وضعها ووضع
الع ارق بسبب الحصار الاقتصادي الظالم والعدوان الثلاثيني ،ومحاولات إذلال الع ارقيين والنيل من
إبائهم وشموخهم ومنع طائرهم الأخضر من التحليق ،لم أطل النظر إلى تلك الطائ ارت الموزعة على
الم ازغل المفضية إلى مدارج المطار ،فلم أرغب برؤية شيء ع ارقي تعمد الغ ازة على إذلاله حتى ولو
كانت طائرة مصنوعة في البلد الذي جيّش جيوشه لتدمير اسم الع ارق وحضارته وتاريخه وحذف
اسمه من الخارطة ،تحت عنوان نقل الديمق ارطية وتطبيق حقوق الإنسان والفد ارليات ،ذلك المشروع
الانفصالي اللئيم الذي يريد تهديم أعلى سياج عربي للأمن القومي وتشتيت قوته ،دلفنا إلى صالة
المطار وبعد وزن الحقائب والإج ارءات الأمنية الدقيقة لفحص محتوياتها بأجهزة السونار ،وتأشير
تذاكر السفر مضينا إلى كابينة شرطة الجوا ازت والذين دققوا مطولاً في سلامة تأشي ارت الدخول إلى
الولايات المتحدة ،ولما مررنا عبر البوابة المؤدية إلى الطائرة خضعنا لتفتيش دقيق جداً ،فنحن
ذاهبون إلى زعيمة العالم الحر والتي كانت ما ت ازل تعيش أكبر كابوس مرعب في حياتها اسمه
الإرهاب الذي تصنفه على أنه عربي إسلامي سني منذ أحداث ،2001 /9/ 11والذي صنعته
سياساتها العدوانية على كل شعوب الأرض حتى بات الأمريكي رديفاً للون الدم وعنواناً للتعذيب
والقتل وكأنه حادلة تريد سحق كل ما يقف في طريقها ،مررنا سريعاً إلى الطائرة التي كانت من نوع
81
نزار السامرائي يَو ِميَّاتُمُسَا ِفرٍعَلَىطَر ِي ٍقأَ ْحمَر
أير باص 340بأربعة محركات وهي الطائرة المخصصة للرحلات الطويلة ،وفي الساعة الثانية
عشرة والدقيقة الأربعين بتوقيت مكة المكرمة وبغداد تحركت الطائرة نحو مدرج الإقلاع ،وبدأ قائدها
بق ارءة دعاء السفر والذي بعث في النفوس طمأنينة كبيرة والذي يقول( :سبحان الذي سخر لنا هذا
وما كنا له مقرنين وانا إلى ربنا لمنقلبون) ،وقال قائد الطائرة إن الرحلة ستستغرق من عمان إلى
شيكاغو حوالي أربع عشرة ساعة من دون توقف ،ولاحظنا أن الطائرة عبرت فوق فلسطين وفي
غضون دقائق شاهدنا الشواطئ الشرقية للبحر الأبيض المتوسط.
82
نزار السامرائي يَومِيَّا ُتمُسَا ِف ٍرعَلَى َطريِ ٍقأَ ْحمَر
الخطوة الثامنة
14ساعة في الجو للوصول إلى شيكاغو
السفر من الأردن إلى الولايات المتحدة زمنه طويل جداً ومرهق إلى أبعد الحدود ،ومما فاقم
من تعبه أن مقاعد الطائرة متقاربة على نحو يبعث على إزعاج وتعب وارهاق أكثر ،وهذا مما لا
ينسجم مع طبيعة الرحلات الطويلة من جهة ،ونوعية الطائرة من جهة ثانية لأن اتساع المساحة
المخصصة للمقاعد تضيف أعباء على عموم الركاب ونوعية الخدمات المقدمة لهم وحتى عدد
الم ارفق الصحية ،وهذا يعود لرغبة شركات النقل العالمية في مزيد من الإي اردات وتحقيق ربح أكبر،
ولو كان على حساب ارحة المسافرين ،والشركات المصنّعة غير مسؤولة عن تحديد عدد المقاعد،
الأمر منوط برغبة الشركات الناقلة حص ًار ،إلا أنها يفترض بها أن تفرض مقاييس على شركات
النقل عند تقديم طلبات الش ارء ،فهل يتحقق هذا في زمن التنافس غير المتكافئ بين الشركات
المصّنعة للطائ ارت وهي معدودة على مستوى العالم.
الطائ ارت الحديثة نثرت شاشات على عدد مقاعد الطائرة لتخفيف وطأة الوقت عن المسافرين
وخاصة في السف ارت الطويلة ،وبمجرد استق ارر الطائرة في الجو تم إن ازل الشاشات ليختار كل اركب
ما يشاء من أفلام روائية عربية وأجنبية على وفق ما يرغب أو أية فعاليات فنية أخرى ،أو يتم عرض
رصٍد الكتروني مستمر لسرعة الطائرة وارتفاعها عن مستوى سطح البحر ودرجة الح اررة خارج الطائرة،
وخط الرحلة ومواعيد الاقلاع والهبوط.
على الرغم من طول الرحلة فإن الشركة الناقلة لم توفر ما يكفي من وجبات طعام للركاب في
هذه الرحلة ،فالطعام الذي وزعته المضيفات كان قليلًا جدًا ،حتى أن الطائرة التي كان حوالي ثلث
ركابها من الأطفال الصغار ،كانوا ُيلحون على آبائهم أو أمهاتهم بطلب المزيد من الأكل ،ولكنهم
لم يحصلوا على شيء أبداً ،كما أن الأوامر لا تسمح للمسافرين بإدخال الطعام معهم إلى الطائرة.
لم يتوقع أحٌد من الركاب أ ّن طائرة تعمل بين الأردن والولايات المتحدة ستجّوع ركابها وخاصة
الأطفال ،لاسيما وأن سمعة الملكية الأردنية جيدة بين شركات الطي ارن الدولية ،ولهذا أثار الأطفال
ضجيجاً إضافيًا ومشروعًا إلى مستوى الضجيج داخل طائرة "الإيرباص" التي تأكد لي أنها لا تضاهي
83
نزار السامرائي يَو ِم َّياتُمُسَا ِف ٍرعَلَىطَريِ ٍقأَ ْحمَر
طائرة البوينغ الأمريكية وخاصة الجامبو ،فأصوات محركاتها عالية جدًا ولم تنجح تدابير العزل التي
قامت بها الشركة المصّنعة من منع وصوله إلى المسافرين بقوة ،ولهذا لم يتمكن معظم الركاب من
النوم طيلة السفرة على ك ارهة مع أن التعب والنعاس كانا رفيقين معنا في عبور المحيط الأطلسي.
كان أعلى ارتفاع حلّقت فيه الطائرة فوق الأطلسي اثني عشر كيلومت اًر ،وكانت درجة الح اررة
خارج الطائرة في ذلك الارتفاع عند أدنى مستوى لها وهو 71مئوية تحت الصفر ،ووصلت سرعتها
في بعض الأحيان 880كم ،وأخي اًر وبعد رحلة مضنية استغرقت أربع عشرة ساعة ،انتهى وقتها
وبدأت الطائرة بالهبوط التدريجي في مطار شيكاغو في الثانية وعشرين دقيقة فجر يوم الجمعة
2004/ 12/31بتوقيت بغداد ومكة المكرمة ،وبعد توقف الطائرة ونزولنا منها توجهنا لتأشير
جوا ازت سفرنا ،وهنا بدأت متاعبنا الجديدة مع شرطة المطار ،فقد ساورتها شكوك في صحة التأشي ارت
التي نحملها ،هذا أمر طبيعي فنحن ع ارقيون ،وأرضنا تشهد أسخن مواجهة مع القوات الأمريكية
التي كانت أرقام خسائرها في ت ازيد مستمر ،ويبدو أن لسان حال شرطة الجوا ازت يقول ماذا جاء بكم
إلى أرضنا وأنتم تقتلون جنودنا؟ يضاف إلى ذلك أننا عرب ونحن في دائرة الاتهام حتى يتأكد الجميع
من أننا لسنا ممنوعين من دخول أمريكا ،ربما كان الشرطي يبحث لنفسه عن درع يحميه من أية
مساءلة قانونية.
مع أن م ارفقنا الأمريكي السيرجنت واتسون تّدخل من أجل حل هذا الاشكال ،إلا أنه فشل في
تغيير قواعد العمل الصارمة في هذا المطار وكل المطا ارت الأمريكية ،تأخرنا أكثر من ساعتين في
انتظار لم نَر له مبر اًر ،ثم مضينا إلى صالة الأمتعة وكان الح ازم الناقل للحقائب قد توقف منذ ما
يقرب من ساعة ،بعد عثورنا على موقع أمتعة مسافري الملكية الأردنية ُصدمنا لأننا لم نجد حقيبة
مروان ،سألنا عنها ولكننا لم نجد جوابًا شافيًا واستذكرنا الساعة التي غادرنا فيها مطار الملكة علياء
في عمان ،كانت حقيبة مروان متوسطة الحجم ويمكن حملها باليد ،ولكن نقطة التفتيش قبيل الصعود
على متن الطائرة ،رفضت السماح له بحملها معه داخلها ،ولهذا أنزلوها ووعدوا بإرسالها مع بقية
الحقائب ،ولكنهم لم َيفوا بوعدهم ،لأنهم ارتابوا أصلًا بالأسباب التي دعت مروان إلى حملها معه
وعدم وضعها مع حقائبنا ،ولذا وجدنا أن علاج الأمر يتطلب توفير ملابس بديلة لمروان لحين معرفة
مصير حقيبته ،وهذا ما حصل في أقرب المدن الأمريكية إلى قاعدة فورت هود.
84
نزار السامرائي يَومِ ّيَاتُ ُمسَا ِف ٍرعَلَىطَريِ ٍقأَ ْحمَر
في مطار شيكاغو كان علينا الانتظار عدة ساعات لنغادر إلى أوستن عاصمة ولاية تكساس
بطائرة أمريكية ،اللافت أن معظم الطائ ارت العاملة على الخطوط المحلية في الولايات المتحدة هي
من الطائ ارت المروحية الخفيفة ذات المحركين ،والتي لم تحذف من الخدمة على الرغم من دخولنا
في الألفية الثالثة ،ويعكس طياروها طبيعة الكاوبوي الأمريكية المغامرة أثناء الإقلاع والطي ارن
والهبوط ،ربما كان إحساسنا هذا نابع من تعودنا عند سفرنا على متن الخطوط الجوية الع ارقية مع
طياريها الذين ننظر إليهم على أنهم خيرة الطيارين في العالم ،حتى عندما كانت مروحية من نوع
فايكونت بأربعة محركات ،أن الطائرة حين تهبط فإن الركاب لا يشعرون بذلك لولا مشاهدتهم لمدرج
المطار ومنشآته ،غير أن الطائ ارت ذات المروحتين التي تنّقلنا بها بين المدن الأمريكية ،كانت تسقط
ككرة من الهواء وتتقافز على المدرج عدة م ارت قبل أن تأخذ مسا ًار عادياً على المدرج حتى تتوقف،
وهذا يعكس استهانة الطيارين الأمريكان بحياة الركاب ،وربما هو تعبير عن طبيعة الشخصية
الأمريكية المغامرة أو الحنق على شركاتهم لأنهم ما ازلوا يعملون على طائ ارت قديمة ومتخلفة
بالمقاييس المعتمدة في عالم الطي ارن ،لاسيما وأنهم ينتمون لبلد هو الذي اخترع أول طائرة وما ي ازل
يصنع أفضل الطائ ارت في العالم.
حقاً لم أكن لأتصور أنني سأرى هذا النوع من الطائ ارت المروحية في الولايات المتحدة وهي
التي تنتج أحدث الطائ ارت النفاثة في العالم ،ولكنني حينما أريتها وجدت تفسي ًار لجشع الشركات
ال أرسمالية فهي تريد استن ازف هذه الطائ ارت حتى الساعة الأخيرة من عمرها الافت ارضي ،وهي على
العموم ذات كلف تشغيلية أقل من الطائ ارت النفاثة وهي طائ ارت لا تلقى منافسة في داخل البلاد
وهي تستخدم للخطوط القريبة وربما أسعار تذاكرها أرخص من أسعار تذاكر الطائ ارت النفاثة.
في الساعة الثامنة وعشر دقائق بتوقيت مكة المكرمة أيضًا من صباح السبت ،أخذنا طائرة
"أمريكان أير لاين" في سفرة إلى أوستن حيث وصلناها بعد ساعتين ونصف ،وكانت الساعة تشير
إلى الواحدة وأربعين دقيقة من فجر الجمعة بالتوقيت المحلي ،علما بأن فرق الوقت بين أوستن ومكة
المكرمة هو ثماني ساعات ،ووجدنا سيارة عسكرية بانتظارنا في المطار وكان هناك مترجم اسمه
ولسون بانتظارنا مع سيارة خاصة ،وبعد استكمال الإج ارءات تحركنا صوب قاعدة فورت هود
العسكرية ،واستغرقت الرحلة بالسيارة من مطار أوستن إلى القاعدة أكثر من ساعتين ،وبعد سفر بين
85
نزار السامرائي يَو ِم َّياتُمُسَافِرٍعَلَىطَريِ ٍقأَحْمَر
مطار وآخر استغرق أربعاً وعشرين ساعة تقريباً ،وجدنا أن التعب حد الإرهاق قد انتزع قدرتنا على
المطاولة ،وألقى كل منا نفسه على الف ارش كجثة لا تعي ما حولها بانتظار الخطوة التالية.
فجأة انطلقت صفا ارت الانذار من سيا ارت الإسعاف والإطفاء ،أفسدت علينا نوماً كنا بأمس
الحاجة إليه ،إذ كانت السيا ارت تزعق بلا توقف ليلة أرس السنة من دون أن نتبين سبباً محددًا لذلك،
خرجنا من شقتنا إلى واجهتها الأمامية ،واذا بألسنة اللهب ترتفع عاليًا في سماء مدينة كلين المجاورة
لقاعدة فورت هود ،وتحركت فينا الرغبة في معرفة ما يحصل في أقوى بلد في العالم في ليلة أرس
السنة الميلادية ،بلد بقدر ما نقّدر دوره في النهضة الحديثة في مجالات العلوم والتكنولوجيا ،فإننا
نضمر له مشاعر الك ارهية ،لأنه بلد شن حربين على بلدنا في غضون ثلاثة عشر سنة جاءت الثانية
بعد حصار ظالم فرضه على وطننا ودمر فيه أسباب الحياة ،بلد يسعى لتدمير القيم الإنسانية بسرعة
واعادتها إلى الو ارء بسرعة تفوق سرعته في التطور التكنولوجي ،وربما لم نشعر بأسى للخسائر التي
تتكبدها قواته في أي أرض تتعرض لغزوها ،ومن أي قوة تواجهها سواء اتفقنا معها أو اختلفنا،
صحيح قد يكون في هذا النمط من التفكير تعبي ًار عن عجز لأنه سلاح الضعفاء وفيه شماتة أكثر
مما فيه من عزم المقاومة ،ولكن الصحيح أيضًا أن الع ارقيين لم يدخروا جهدًا في تحجيم دور أمريكا
في العالم وتقزيمها ،ولولا وقوف الع ارقيين الباسل بوجه ماكنة الحرب الأمريكية ،لكانت جيوش
الولايات المتحدة تنتشر في كثير من بقاع الشرق الأوسط ،ويرتفع علمها على المقار السيادية في
أكثر من عاصمة في المنطقة.
كنا على يقين بأن الشعب الع ارقي قاتل ببسالة ورجولة نيابة عن شعوب المنطقة بل عن
الإنسانية ،وجعل الإدا ارت الأمريكية المتعاقبة تفكر ألف مرة قبل أن تُقدم على مغامرة عسكرية
جديدة ،ومع ذلك فأ ّكف الع ارقيين ترتفع بالض ارعة إلى الله سبحانه أن ينتقم من كل من كان سببًا في
ما لحق بهم من موت ودمار على يد الجيش الأمريكي ،الذي نقيم (في ضيافته على ك ارهة وحزن
ويعتصرنا الألم) الآن في أكبر قاعدة برية له في العالم على كثرة ما يمتلك من قواعد منتشرة على
طول الكرة الأرضية وعرضها ،سواء من كان هذا المشارك في ذبح الع ارق عربياً أو ع ارقيًا أو أجنبياً،
وهذه القاعدة هي التي دفعت إلى الع ارق الآلاف من الجنود القتلة لقتل الع ارقيين.
كما قلت كان هذا هو اليوم الأخير من عام 2004والذي بدا لنا نحن الغرباء الثلاثة وكأنه
يلفظ أنفاسه الأخيرة ببطء شديد ووقعُ خطواته فوق صدورنا كان ثقيلاً جداً ،الليلة ستسهر مدن العالم
86
نزار السامرائي يَومِ َّيا ُت ُمسَا ِفرٍعَلَىطَريِ ٍقأَ ْحمَر
وفي هذا الجزء من الكرة الأرضية ،على أنغام الموسيقى الصاخبة حد الجنون وعلى أنغام الرصاص
المنهمر من بنادق الغ ازة بجنون أعظم ولكن في بلدنا وعلى أبناء شعبنا بهدف تركيعهم ،لم نشعر
بأس ًى أننا فرضنا على أنفسنا إقامة إجبارية في الغرفة ،فهذا هو شأننا حتى عندما كانت الأيام أنيقة
ومترفة والليالي في الع ارق جميلة وجميلة أكثر من قدرة كثير من الع ارقيين على التح ّمل والتخّيل،
فالزمن الجميل لم يمكث إلا بعمر الربيع في الع ارق ،لم يكن أحدنا ليفكر فيما خلا من الأيام بالبحث
عن المكان الأفضل لقضاء الساعات الأخيرة من أعمار السنين التي مرت علينا ،ثم ليبق في حالة
انتظار حتى يتعانق عقربا الساعة ويعود الإنسان إلى بهيمته.
على العموم الآن بل ومنذ ساعات دخل الع ارق يوماً حزيناً جديداً في عام حزين من سنوات
الاحتلال ،وعجبنا لحالنا أننا جئنا إلى مركز العصابة التي قتلت ولدنا وسرقت أموالنا وما ت ازل تُف ّك ُك
كل ما بنيناه بتعب السنين وتضحيات الع ارقيين وأموالهم وتفعل في بلدنا كل منكر ،لنسترد جزًء من
حق ضاع كما ضاعت فلسطين ولم يكن أمامنا إلا أن نواصل خطانا التي بدأنها في الع ارق ونلاحق
عدواً يعرف أنه يرتكب من الج ارئم ما ُيلحق عا اًر بقواته ،ولكنه يستميت لنفيها عن نفسه مستعيناً بكل
ما هو متاح تحت يديه من إمكانات.
كان علينا انتظار انتهاء عطلة نهاية عام ولّى وعام أقبل ،والتي ت ازمنت مع عطلة نهاية
الأسبوع ،حيث ستصاب الحياة بالشلل التام في البلاد ،وسنبقى ننتظر حتى بداية الأسبوع الجديد
كي نشهد انعقاد جلسة المحكمة ،وحينها سنعرف أين وصلنا بعد كل هذا الجهد الشاق الذي بذلناه
خلال عام كامل من دون أن تلوح في الأفق حتى الآن بوادر تطبيق العدالة الأمريكية التي أريناها
كثي اًر في أفلام هوليود ،ولم نجد لها أث اًر على الأرض لا في الع ارق وقبله في فيتنام وبعد ذلك في
أفغانستان أو حيث وجدت قوات أمريكية تحتل أرض بلد آخر ،وما ارفق تطبيقات العدالة الأمريكية
المعصوبة الأعين في غوانتانامو وأبو غريب ،وما يجري في فلسطين ومع شعبها بدعم ومظلة
أمريكية بالمال والسلاح والإعلام ،أو صمت أمريكي حتى تجددت الأسئلة القديمة وصارت ترتفع
من جديد كلما أصابنا كدول وشعوب أو كأف ارد بعض رذاذها.
نحن هنا في معركة قضائية علينا أن نستخدم مها ارتنا وخب ارتنا الشخصية ،فنحن نواجه عدواً
مسلحا بالقوة وقدرة الغدر ويستند على خب ارت مت اركمة في مختلف المجالات وخاصة القانونية ،وما
87
نزار السامرائي يَو ِم َّياتُ ُمسَافِ ٍرعَلَى َطريِقٍأَحْمَر
يصلح في الع ارق وفي بلدان العالم الثالث لا يصلح في أمريكا ،ومن قال إنه نجح في بلد أو مجتمع
ما فلا يعني ذلك أنه سينجح في كل مكان؟
أمريكا جاءتنا غازية تحت شعا ارت ب ارقة عن تصدير الديمق ارطية الغربية إلى مجتمعنا الذي قد
يحتاج إلى عقود طويلة ليتعامل مع ما يسمى بالديمق ارطية فمجتمع ما ازلت فيه الأمية سائدة وبأي
قدر من المقادير لا يستطيع اختيار ممثليه إلى الهيئات التشريعية ،الديمق ارطية مثل شجرة ما يصلح
منها للمناطق المتجمدة لا يصلح للمناطق الحارة ،على العموم هذه بركات الديمق ارطية الأمريكية
خصوصاً والغربية عموماً ،التي وفرت أعلى م ارتب الحماية للقتلة ،متى كانت الديمق ارطية المصممة
على مقاسات الغرب قابلة للفرض على مجتمعاتنا بقوة السلاح؟ أم أن الديمق ارطية أغنية جميلة
للأمسيات الملونة من غير المتاح نقلها لبلداننا من الناحية العملية؟ وما قيمة الديمق ارطية من دون
احت ارم حقيقي لحقوق الإنسان وخاصة من أط ارف َنصّبت نفسها كجهة مكلفة بتطبيقها على مجتمعات
أخرى ونسيت ما يحصل داخل أرضها؟ ومن هو المخّول بم ارقبٍة دقيقٍة لتطبيقاتها على الجميع؟ هل
هي المنظمات الدولية والإنسانية والدول الضامنة لها؟ أم هي القوى المحلية المعبرة عن إ اردة
الشعوب؟ هي أسئلة لا يمكن أن نعثر لها على جواب بين ما خلّفته حروب الغرب العدوانية على
الدول النامية والعالم الثالث ،وخاصة الوطن العربي الذي دفع أعلى التكاليف السياسية ،ج ارء ركونه
إلى الوعود الغربية التي كان يتأكد زيفها وخداعها في كل مرة.
لم يحصل أيام العطلة التي أمضيناها في مقر إقامتنا بالقاعدة أي تطور يتعلق بقضية الشهيد
زيدون ،ما عدا زيا ارت من قبل المحاميين العسكريين اللذين عينتهما المحكمة عنا ،وكانا حريصين
على إقناعنا بأن العدالة ستأخذ مج ارها ولن تستطيع السلطة التنفيذية أو القيادات العسكرية التأثير
على مسار العدالة بأي شكل من الأشكال ،وكانا يرك ازن على أن فلسفة القانون في الولايات المتحدة
تستند على مبدأ إحقاق حقوق المتخاصمين وليس الانتقام من أحد طرفي التقاضي ،حاولا أن يسّوقا
لنا بضاعة أمريكية عرفناها عن كثب ،منذ أن فرض بلدهما على مجلس الأمن الدولي سلة الق ار ارت
الجائرة التي َشْرَعنت حصا ًار لم يسبق وأن فُرض مثله على أي بلد في العالم منذ أن فرض نابليون
بونابرت الحصار القاري على الجزر البريطانية.
أثناء مجيئنا في المرة السابقة إلى قاعدة فورت هود ،طلب منا المترجم اللبناني الأصل إب ارهيم
حسين تم اًر من الع ارق وقال إنه أكل منه عندما خدم ضمن القوات الأمريكية كمترجم خلال العام
88
نزار السامرائي يَومِ َّيا ُت ُمسَا ِفرٍعَلَى َطر ِيقٍأَحْمَر
الأول للحرب ،وقال إن طعمه ما ازل حاض اًر في فمه ،طبعنا نحن الع ارقيين كنا نحمل هدايانا من
التمر عند سفرنا خارج القطر ،وي ارها من نقّدمها له أنها أثمن هدية ،فكيف إذا طلبه منا أحٌد وكان
قد قّدم لنا مساعدة خلال وجودنا في ولاية تكساس لمتابعة قتلة الشهيد زيدون قضائيًا؟ صحيح أنها
جزٌء من واجبه الذي كلفته به م ارجعه العسكرية في القاعدة ،ولكنه أظهر لنا مشاعر التعاطف خارج
حدود الوظيفة مما جعلنا نشعر بالامتنان له ،فجلبنا له كمية منه وسألنا عنه لإيصال الهدية إليه،
ولكن أحدًا لم يعطنا جواباً عن مكان وجوده ،بل أن البعض أنكر معرفته به وكأن في الأمر س ًار
عسكريًا يجب إخفاؤه ،نحن لسنا بحاجة إليه طالما توفر لنا مترجم بديل ،ولكنه هو الذي طلب بلسانه
تم ًار ع ارقيًا ،ولما كان طبعنا نحن الع ارقيين عدم رّد سائل فقد وجدنا أن طلبه صار واجبًا.
كان رقم تلفونه مسجلًا عندي وطلبت من أحد المترجمين الاتصال به واتصل به بالفعل ،عندما
تحدثت معه حاول أن يتخلص من الحرج الذي وقع فيه ،لاسيما وأن عسكرياً أمريكياً هو الذي اتصل
به ثم حّول المكالمة لي ،قلت له من غير الممكن أنك نسيتنا ونحن كنا هنا منذ شهرين فقط.
هل يمكن أن يُنكر معرفته بنا وهو الذي كان مكلفًا بواجب رسمي لم ارفقتنا؟ هل ُيعقل أن يتعمّد
تجاهلنا بسبب الخوف في بلد الديمق ارطية الأمريكية؟ أخبرته بأننا جلبنا له التمر ،شكرني على ذلك
ووعد بأنه سوف يأتي لرؤيتنا وأخذ التمر ،ولكنه لم يفعل وقّدرت أنه محرٌج لأن أصله عربي ،ولا
يريد أن يضع نفسه في موضع الشبهة مع الاستخبا ارت الأمريكية ،خاصة وأنه يعمل في الجيش
الأمريكي ،هذه عقدة الغرب مع العرب والمسلمين بصرف النظر عن البلدان التي ينتمون إليها،
والذين ُيؤشر كل أمريكي نحوهم بأصبعه أنهم متهمون إلى أن تثبت ب ارءتهم.
يعتقد العرب المقيمون في أمريكا والمتجنسون بجنسيتها ،أن ما حصل لبرجي التجارة الدولية
في نيويورك يوم 11سبتمبر ،2001وما ارفقها من أحداث وردود فعل ،قد وضع العرب "الأمريكان"
جميعاً في دائرة الاتهام ،وحَولَهم إلى مشاريع تفخيخ افت ارضي حتى تتأكد سلامة مواقفهم.
ومن أجل التأكد من ذلك نشط مكتب التحقيقات الفد ارلي الأمريكي ،في جمع أكبر قدر من
المعلومات عن تاريخ كل عربي مقيم في الولايات المتحدة ،وفتح لكل واحد منهم ملفًا أمنيًا بصرف
النظر عن مكانته وما قدمه للمجتمع الأمريكي من خدمات علمية وانسانية ،ربما لهذه الأسباب
وغيرها من الحسابات الشخصية لم نَر المترجم اللبناني إب ارهيم حسين أبدًا ،والذي انتهت مهمته
89
نزار السامرائي يَومِيَّاتُمُسَا ِف ٍرعَلَى َطريِقٍأَ ْحمَر
كمترجم وم ارفق لنا بمجرد عودتنا إلى الع ارق ،وان كان لم يكلف بواجب جديد معنا ،فليس له الحق
بأي اتصال بنا.
ربما سحبنا تقاليدنا العربية في هذا المقطع من العلاقات الاجتماعية ولم نأخذ بنظر الاعتبار
أن لمجتمع المهاجرين الأمريكي وحتى في غيره من المجتمعات الغربية ،تقاليدها البعيدة عن تقاليدنا
بعد الأرض عن الشمس ،وفي نهاية وجودنا هناك أعطينا التمر لعاملة النظافة الأمريكية التي كانت
تتولى تنظيف مقر إقامتنا في قاعدة فورت هود ،والتي قالت إنها تحب التمر كثي اًر.
أواخر عام 2004ومع الانتقال من عام إلى آخر ،كانت إندونيسيا تعيش كارثة مرّوعة ،فقد
تعرضت لمد بحري هائل (تسونامي) أعقب زل ازلًا هائلاً في أعماق المحيط الهادي وقُتل نتيجته
مئا ُت الآلاف و ُشّرد الملايين ،وكان ذلك أسوأ كارثة طبيعية مسجلة حتى ذلك الوقت ،فقد كانت
بلاجات السواحل الاندونيسية التي تعيش عز الصيف ،وتعج بملايين الهاربين من شتاء أوربا وأمريكا
الشمالية ،ولهذا تنوعت جنسيات الضحايا من بلدان مختلفة ،ولم نمنع أنفسنا من التمني لو أن أمريكا
هي التي ُضربت بتسونامي انتقامًا لكل الضحايا الذين سقطوا نتيجة ج ارئمها في الع ارق وشتى أرجاء
العالم ،ولكن الأمنيات تدور في مكانها داخل الرؤوس الحالمة والنفوس التي أتعبها طول السفر وقلة
ال ازد ،والتي تريد أن تنوب عنها قوى الغيب في استرداد حقوقها ،أو تبقى تسبح في فضاء الكون
الرحيب ولا تنتقل إلى الأرض لأن الله سبحانه وتعالي يمد بالعون والمدد من يقف إلى جانب نفسه
ويتصدى لكل من يعتدي على حومته وحرماته.
كنت أتساءل مع نفسي لماذا تتكبد البلدان الفقيرة والمتخلفة أكبر الخسائر البشرية والمادية عند
تعرضها لأية كارثة طبيعية؟ الإجابة جاهزة وواضحة على الرغم من أن بعض البسطاء أو المغرضين
يحاولون تصوير الأمر وكأنه نقمة ربانية على المجتمعات الفقيرة ،لاسيما وأن معظمها بلاد إسلامية،
هذه فرضية ساذجة ،فالأمر إشارةً ربانية لتلك المجتمعات بالذهاب إلى الأسباب ،وأخذ الاحتياطات
اللازمة لمواجهة أي خطر محتمل ،سواء كان ذلك في تطوير أساليب التعاطي مع الظواهر الطبيعية
التي تحيط بها أو في حياتها كلها ،فالإسلام وهو دين "اق أر" لم يمنع المسلمين من ُصنع وسائل
الاستشعار المبكر أو في أساليب البناء العم ارني على أسس تواجه مثل هذه المخاطر ،أو استي اردها
من الخارج لمواجهة أخطر التحديات.
90
نزار السامرائي يَو ِم َيّاتُمُسَا ِف ٍرعَلَى َطريِقٍأَ ْحمَر
الله سبحانه وتعالى أمر المؤمنين أثناء الصلاة بأخذ الحيطة والحذر إذا خافوا من أعدائهم أن
يميلوا عليهم ميلة واحدة ،ومن باب أولى أن يتنبهوا إلى سائر الأخطار التي تهدد وجودهم في
تفاصيل حياتهم اليومية ،ولا يعد الاحت ارز للظروف الطبيعية وتقلباتها مغاي ًار لسّنة الله في خلقه.
ماذا لو وقع التسونامي على شواطئ الولايات المتحدة؟ هل كانت خسائره بنفس المستوى؟
نعم شهدت الولايات المتحدة وما ت ازل كثي ار من الأعاصير والكوارث مثل كاترينا وريتا وغيرها
كثير ،ولكن الخسائر التي تقع هناك لا تتناسب مع قوة تلك الأعاصير أو ال لزازل ،ولنا في مدينة
نيو أورليانز التي عاشت تجربة مرة مع كاترينا قبل بضع سنوات مما يمكن أن يدلنا على أساليب
مواجهة الكوارث الطبيعية مع أن خسائرها كانت قاسية على أمريكا كلها.
خلال أيام عطلة نهاية السنة في الولايات المتحدة ومن شقتنا في فندق قاعدة فورت هود ،كنا
نقضي وقتنا في متابعة التلفزيون والذي لم تكن لديه قضية إلا تسونامي كما هو شأن كل الفضائيات
ومحطات الإذاعة والتلفزيون والصحف في العالم ،ولأننا كنا نجلب احتياجاتنا الغذائية من أسواق
قريبة فقد كنا مضطرين لإعادة تسخينها في فرن كهربائي من نوع مايكروويف ،وفي اليوم التالي واذ
كنا قد وضعنا الخبز في الفرن وانشغلنا عنه قليلاً ،فإذا بالدخان يتصاعد من الفرن فبادرنا من فورنا
إلى قطع التيار الكهربائي عنه ،ولكن صافرة إنذار منصوبة داخل الشقة تحسست من الدخان وسبقتنا،
فبدأت تطلق صفي اًر في أنحاء المعسكر كله ،وما هي إلا دقائق حتى كانت سيا ارت الشرطة تصطف
على مقربة من شقتنا ،وكانت عاملة الخدمة قد وصلت قبل سيا ارت الشرطة (كما في معظم الأفلام
الأمريكية التي تصل الشرطة فيها بعد أن تنتفي أسباب قدومها) واطمأنت العاملة إلى أن الأمر
أصبح تحت السيطرة فاتصلت بالجهات المعنية وأبلغتهم بذلك فانسحبت الشرطة من المكان بعد
وقت عشنا فيه قلقًا مشروعًا مما وقع ،فنحن ع ارقيون وجئنا لمتابعة قضية شائكة ،وحادث كهذا يمكن
أن ُيفسر ضدنا من قبل أجهزة بلد تبحث عن الأدلة ضدنا بعد أن أصدرت حكمها.
على كل حال الحمد لله انتهت المشكلة وعدنا إلى مسار حياتنا اليومية انتظا اًر ليوم الاثنين،
غير أن مترجمة اسمها سي ار جاءتنا لتبلغنا أنها مكلفة بم ارفقتنا والترجمة لنا طيلة مكوثنا هناك وقالت
بأن المحكمة ستعقد جلساتها يوم الثلاثاء .2005 / 1 / 5
91
نزار السامرائي يَو ِم ّيَاتُمُسَافِ ٍرعَلَى َطر ِي ٍقأَ ْحمَر
هذا يوم تأخير آخر ولكن علينا أن نتعامل مع التقاليد السائدة في العالم المسيحي بل في العالم
كله في الاحتفال بأعياد الميلاد و أرس السنة ،فنحن الآن في بلادهم وليس أمامنا إلا انتظار جلسة
الثلاثاء ،ومعنى ذلك أننا لن نستطيع مبارحة المعسكر إلا بإذن رسمي ومع المترجم.
مرة كنا في أحد م اركز التسويق الكبيرة في مدينة كلين القريبة من القاعدة ،جاءنا أكثر من
مواطن أمريكي ليعبر عن تعاطفه مع قضيتنا المعروضة على المحكمة ،كان بعضهم ساخطاً على
ما ارتكبه الجنود وقالوا إنهم كانوا يتابعون مجريات المحاكمة عن طريق الصحافة والتلفزيون ويشعرون
بالأسى لما وقع ،تساءلت في نفسي لماذا يبدو الفرد الغربي إنسانيًا في مشاعره وسلوكه عندما لا
يكون مسؤولًا؟
أو هو ممثل بارع عندما يؤدي هذا الدور؟ أكاد أجزم أن مشاعرهم كانت صادقة من خلال
تلقائيتهم في أحاديثهم معنا ،فما يحرك المشاعر داخل النفوس هو عامل واحد عابر للأديان والقوميات
والمذاهب ،ولكن للدول مصالحها العابرة للقا ارت والتي تدوس على كل القيم الإنسانية ،وهي التي
تنتج بب ارعة الأزمات المستحكمة بين الشعوب والأمم ،ولهذا ينزع الأمريكي عنه مشاعر الانتماء لبلد
يريد الهيمنة على ثروات الدول وا اردتها ويتصرف بنوعية إنسانية ،هذه مشاعر لمسناها عند أناس
يحتلون مواقع غير مؤثرة في سلك الخدمة العامة؟ على الرغم من أن تلك الوظيفة تجرده من إنسانيته
وتتركه يتحرك بآلية عمياء يفقد فيها كل ما يمت إلى ما يميز البشر عن سائر المخلوقات إذا اقتضت
ضرو ارت الوظيفة ذلك.
انتهت عطلة الأعياد والتي لم نجد أنفسنا نرغب بنهايتها بأسرع وقت كما يحصل هذه المرة،
وفي الساعة الثامنة صباحاً من يوم الثلاثاء 2005 / 1 / 5انتقلنا إلى مبنى المحكمة الذي لم يكن
بعيدًا عن سكننا ،وأُجلسنا في إحدى غرف المحكمة بعيدًا عن قاعة التقاضي ،فقالت لنا المترجمة
إن المحكمة تستمع الآن لشهادات الجنود الأمريكيين أنفسهم الذين شهدوا الجريمة إما عن قرب أو
كانوا ضمن الدورية الأمريكية الآلية ،وعلمنا أنهم لم يتمكنوا من بلورة موقف موحد بشأن القصة التي
سيقدمونها أمام المحكمة ،ونتيجة استيقاظ ضمير أحد الجنود فقد اعترف بأن الجريمة وقعت حقًا
وبالتفاصيل التي سبق لنا وأن قدمناها للمحكمة ،ولأنهم وأثناء الخدمة وتحت القسم فإن من غير
الممكن أن يتواطأ جميع من شهد الواقعة على سرد قصة مغايرة لما جرى لمجرد أن آمرهم العسكري
92
نزار السامرائي يَومِ َيّاتُمُسَافِ ٍرعَلَى َطر ِيقٍأَحْمَر
يرغب في ذلك ،وقد علمنا أن الملازم الأول جاك سافيل قد حاول عرقلة سير المحاكمة بما يّؤمن
إبعاد المسؤولية الجنائية عن نفسه وعن الدورية التي نفذت جريمة القتل ،وُرفعت الجلسة إلى الغد.
في العاشرة صباحاً من يوم الأربعاء 2005/ 1 /6عقدت المحكمة جلستها الثانية برئاسة
قاضي المحكمة (الكولونيل) العقيد تيودور ديسكن ،عندما هممنا بالدخول إلى مبنى المحكمة ،صادفنا
في الممر الخارجي عدد كبير من الصحفيين المحليين من ولاية تكساس ،وهم يمثلون الصحف
المطبوعة والتلفزيون والإذاعة ،وقد سبقتنا القضية إلى الصحافة مما ساعد على أن تكون الصورة
متاحة أمام مواطني مدينة أوستن وولاية تكساس ،حتى بفرض أن ذلك لن يضيف لنا شيئًا ولن يغير
من نتائج المحاكمة ولن يعيد لنا زيدون إلى الحياة ،فإنه كان يبعث في نفوسنا قليلاً من الارتياح لأن
المحكمة م ارقبة من الشعب الأمريكي الذي كما أشرت كان قد تعاطف معنا ،كانت الجلسة منصبة
على دور العريف (تيريسي بيركنز) الذي قام بتنفيذ أمر الملازم الأول سافيل بإلقاء الشهيد زيدون
وابن عمه مروان في بوابة ناظم الثرثار ،تم استدعاء مروان للشهادة واستغرقت شهادته ساعتين وربع
وسرد القصة كاملة كما وقعت ليلة ارتكاب الجريمة ،وعندما سأله القاضي عن أسباب نجاته ومقتل
زيدون ،أجاب بأنه كمسلم يؤمن بأن إ اردة الله هي وحدها التي تتغلب على إ اردات خلقه ،ومع أن
القاضي اعتبر ما قاله مروان قضية غيبية لكنه لم يمتلك الج أرة الكافية للسخرية منه لأنه سيضع
نفسه في دائرة انتهاك حرية الاعتقاد.
حاولت هيئة المحكمة إيجاد ثغرة تتمكن من توظيفها لغلق القضية ولكنها لم تنجح في هذا
المسعى ،ليس بسبب قدرتنا في التفوق على رجال مدربين ومتمرسين في القضاء ،وانما لسبب واحد
وهو أننا تمسكنا بقول الحق وسرد القصة كما وقعت من دون رتوش ،على نحو سد نهائيًا كل الثغ ارت
في نقل تفاصيل الواقعة ،لقد كان مروان صادقاً مع نفسه وفي كل ما كان يُدلي به من أقوال عايشها
قبل عام بالضبط ،وتعايشت معه في عقله وقلبه وضميره ،والشهيد صديقه قبل أن يكون ابن عمه،
والحادثة هزته من الأعماق وبالتالي عندما ذهب إلى هناك أ ارد أن ينتصف لحق الأسرة التي فقدت
أحد أعمدة مستقبلها ،فالصدق أقوى الأدلة ولن تنفع معه مها ارت القضاة والمحامين وخب ارء القانون،
وقالت العرب قديمًا إما أن تكون صادقًا واما أن تكون قوي الذاكرة ،وناقش محاميا المتهمين مروان
بشأن ما جاء في إفادته وسألاه عن موقفه مما أسمياه بالوجود الأمريكي في الع ارق ،فكان موقفهما
مدعاة للتوقف ،فهل تخليا عن صفتهما كمحاميين عن المتهمين وتحولا إلى جزء من منظومة المحكمة
93
نزار السامرائي يَومِ َّياتُ ُمسَافِرٍعَلَى َطريِ ٍقأَحْمَر
انطلاقاً من كونهما أمريكيين؟ قال لهما مروان إن الاحتلال مرفوض من كل شعوب العالم ولا أظنكما
تقبلان أن يُحتل بلُدكم ،ولما سألاه عن موقفه من المقاومة والتي أطلقا عليها اسم الإرهاب ،قال :أنا
"أؤيد مقاومة الاحتلال باعتبارها اختيا ًار دينيًا ووطنيًا وأخلاقياً" ،ومن دون إبطاء سألاه هل تؤيدها أم
تدعمها؟ كنا قد تناقشنا في احتمال طرح مثل هذا السؤال أو أسئلة قريبة منه ،وأكدت على مروان
م ار اًر على أن يعلن عن تأييده للمقاومة ولا يتنصل من موقفه الوطني ،ولا يتحدث عن دعم أو إسناد
لأن ذلك يعني تقديم أحد أشكال الدعم المالي أو المساهمة بأنشطتها مما قد ينسحب على القضية
التي صممنا على متابعتها حتى النهاية.
كان المحاميان يبحثان عن ثغرة تساعد على تبرئة القتلة من خلال الزعم بأن مروان وزيدون
إرهابيان ،وأن رد فعل العسكريين الأمريكيين كان وقائياً أو دفاعاً عن النفس ،خاصة بعد أن انهارت
كل محاولات نفي وقوع الجريمة ،خرج مروان وهو ارض عن أدائه أمام المحكمة إذ ربما توقع البعض
من هيئة المحكمة المنحازة إلى الجنود الأمريكان باعتبارهم مواطنين يدافعون عن المصالح العليا
للولايات المتحدة ويعرضون أنفسهم لأخطار جدية بما فيها الموت ،أن يرتبك مروان أو يتلعثم ويقدم
ما ينفع المحكمة في بحثها عن فرصة لطي قيد هذه القضية ،أو البحث عن مسالك قانونية أو نفسية
تخفف عن أولئك الجنود تبعات فعلتهم ،فهذا الهدف يتقدم على البحث عن الحقيقة الواضحة أمام
الجميع ،ولكن المحكمة تحاول إلقاء أغطية فوقها لطمس معالمها دفاعا عن (أبناء الوطن) بوجه
إرهابيين لم يكتفوا بمقاتلتهم في الع ارق ،بل (تواقحوا) كثي ًار حينما جاءوا إلى الأ ارضي الأمريكية
باحثين عن إيقاع العقوبة بجنود الولايات المتحدة.
وعلى الرغم من أن الحرب هي وعاء مشروع للموت ،كنا نلاحظ أن القضاة وهيئة المحلفين
منقسمون على أنفسهم في معاقبة أمريكي بسبب قتله ع ارقيًا ،وبين إرسال رسالة تتناغم مع م ازعم
البيت الأبيض والخارجية الأمريكية في الحديث عن حقوق الإنسان والديمق ارطية المحلقة فوق أجنحة
الصواريخ العابرة للقا ارت ،وجد القضاة صعوبة في تبرئة القتلة.
بعد انتهاء مروان ابن أخي عبد الحكيم من شهادته استدعت هيئة المحكمة أخي مأمون والد
الشهيد زيدون للإدلاء بشهادته ولا شك أنه سيستذكر تلك الساعات التي وقعت فيها الكارثة وكيف
جاد ابنه بروحه التي صعدت إلى بارئها لتشكو ما وقع عليه وعلى أسرته وبلده من ظلم ،واستهداف
همجي قادته الولايات المتحدة لتركيع الع ارقيين ،مضى مأمون إلى قاعة المحكمة وهو يعيش مشاعر
94
نزار السامرائي يَومِ َّيا ُت ُمسَافِ ٍرعَلَى َطر ِي ٍقأَحْمَر
تتصارع داخله وهو يتساءل من أين جاءت الإنسانية لهؤلاء القتلة حتى ينصفوا أبناء بلد ما ذهبوا
إليه إلا من أجل أن يذلوه ويسلبوا حقوقه ويدمروا فيه معنى الحياة؟ ومع ذلك صمم على أن يسلب
الأمريكيين آخر فرصة لهم في الزعم بأنهم حملة العدل وحقوق الإنسان وقرر ضبط أعصابه كأب
مفجوع ،حتى اللحظة الأخيرة من الم ارفعة والتحكم بمشاعر الأب المكلوم وهو يرى قتلة ابنه أمامه
وهم يمثلون دورهم في مسرحية إنسانية بالية.
عندما حضر مأمون كشاهد وبعد أن أقسم أن يقول الحق ،بدأت هيئة المحكمة مناو ارتها
لاستد ارجه وايقاعه بتناقض قد يخدم المتهمين ،بدأت أسئلتها له على قضية افت ارضية اختلقها القضاة
هنا في ولاية تكساس ،ومن قبلهم لجان التحقيق العسكرية الأمريكية في الع ارق ،وكان الهدف منها
التشكيك بما ذكرناه مئات الم ارت عن دفن جثمان زيدون ،وسألوه "هل أنت متأكد أن الذي دفنتموه
هو ابنك زيدون؟ ألا يمكن أن يكون القبر لأي شخص آخر"؟ و ارحوا أبعد من ذلك فقالوا له "ربما لا
يوجد جثمان تم دفنه أصلاً".
كان القضاة يتساءلون ببلاهة بل بوقاحة مقصودة ومعهودة عند الأمريكي الذي يعيش عقدة
التفوق ،منذ الأيام الأولى التي حطت فيها أقدام القتلة الأوائل الذين نفتهم بريطانيا إلى مستعمرتها
فيما و ارء الأطلسي ،فخاضوا معاركهم الأولى ضد السكان الأصليين في تلك البلاد ،ثم ترسخت في
نفوسهم عقدة التفوق أكثر فأكثر عندما بدأت حربهم على عبيدهم من الزنوج التعساء الذين قادهم
سوء حظهم للإقامة القهرية في العالم الجديد ،كانت أسئلتهم التي يوجهها قضاة المحكمة العسكرية
جارحة لمشاعر أ ٍب فقد ابنه البكر لتوه ،أي عقلية هذه التي تختفي تحت رؤوس هؤلاء القوم الذين
وعلى كثرة ما يتحدثون عن قيمة الإنسان ،فإن الاستهانة بمشاعر الآخرين تعد ديناً جديداً ينمو في
العالم الجديد؟ هل يظنون أن كل ما في أمريكا يستأهل أن نختلق له قصة ونزعم فيها موت ولدنا
لمجرد أن نخوض هذا الجدل السقيم؟ يمكن أن يكونوا هم على استعداد ليفعلوا ذلك ،ولكن هل من
حق القاضي "أي قاض" أن يوجه أسئلة تعبر عن تقاليد بيئته ويسقطها على بيئة شاهد جاء من
آلاف الكيلومت ارت باحثًا عن العدالة والانتصاف لنفسه من قتلة ابنه ،حسنًا قال القاضي لكي نتأكد
أن زيدون هو الذي تم دفنه ،فهل تسمحون بفتح القبر وجلب الجثمان إلى الولايات المتحدة لتشريحه
في مختب ارت لا تتوفر لا في الع ارق ولا في المستشفيات التي أقامها الجيش الأمريكي في بلدكم كي
نتأكد من أنه مات غرقًا وربما نجد علامة تؤكد لنا أنه دفع بالقوة إلى الماء؟ يا ابن اللئيمة أيها
95
نزار السامرائي يَو ِم ّيَاتُمُسَا ِف ٍرعَلَى َطريِ ٍقأَحْمَر
الثعلب الماكر بل أيها الخنزير القذر ،ترى أي مشورة خبيثة وصلتك وتعرف أن المسلمين لا يسمحون
بفتح قبور موتاهم ،قال لهم مأمون نحن لا نستطيع ذلك إلا بعد العودة إلى علماء الدين عندنا
وأعدكم بأنني سأبذل جهدي للحصول على فتوى في هذا الشأن.
طلب محاميا المتهمين الحديث فسأل أحدهما وبطريقة استف اززية ،ماذا تتمنى أن تفعل بمن قتل
ولدك لو كان موجودًا هنا؟ أجاب مأمون أولًا أخبرني إن كان القاتل موجودًا هنا وقل لي من هو؟
وأنا على استعداد للإجابة ،أما إذا كان السؤال مجرد سؤال افت ارضي فلست على استعداد للإجابة
على الأسئلة الافت ارضية ،سأل محام آخر وبنبرة أكثر عدوانية ،كم مرة شارك ولدك في توجيه ضربات
للقوات الأمريكية في الع ارق؟ يا له من سؤال تحريضي علينا ،المهم وبهدوء طلب مأمون من القاضي
أن يأمر المحاميين بالكف عن مثل هذه الأسئلة التي لا صلة لها بالقضية ،فزيدون لم يسقط في
اشتباك مسلح وانما قتل بعد إلقاء القبض عليه بتهمة مخالفته لقانون حظر التجول ،وعلى الرغم من
أن هذه التهمة باطلة إلا أن مخالفة القانون لا تعالج بالقتل وانما بالتدرج بالعقوبات على وفق نصوص
القانون المعمول به ،استجاب القاضي للطلب ،وأردف مأمون فقال هذا ما تعلمناه من مشاهدة الأفلام
الأمريكية التي تعرض قضايا التحقيقات والمحاكم بأبهى الصور.
ولكن المحاميين لم ييأسا من إمكانية استد ارج مأمون لموقف منفعل قد ينفع في رسم صورة
تساعد على إعطاء تصور عن الموقف السياسي لعائلة زيدون ،وكأن المطلوب أن يتجرد الع ارقي
عن ع ارقيته ،ليرضي هيئة المحكمة والمحامين والشعب الأمريكي ،فأجاب مأمون بشكل قاطع أنه
كع ارقي لا يمكن أن يقبل باحتلال بلده من أي طرف كان ،وبالتالي فهو ضد الاحتلال ويؤيد مقاومته
من أي طرف جاءت هذه المقاومة.
انتهت جلسة المحكمة من دون اشعارنا بشيء وسرعان ما خرج المحاميان اللذان وكلتّهما
المحكمة عن أسرة الشهيد زيدون وهما على درجة عالية من الارتياح ،لأنهما على وفق ما ذك ار نجحا
في إقناع هيئة المحكمة بتطابق مسلسل الأحداث يوم ارتكاب الجريمة مع شهادة مروان ،وكي أعرف
مدى خبرتهما القانونية ،سألتهما عما إذا كانا محاميين فنفيا ذلك وقالا إنهما يتدربان على العمل
القانوني من أجل الحصول على منحة من الجيش لد ارسة القانون في إحدى الجامعات.
من المعروف أن الد ارسة الجامعية في الولايات المتحدة باهظة التكاليف ،ولا يستطيع كل ارغب
بالد ارسة الجامعية ،الحصول على مقعد د ارسي في الجامعة إلا إذا كان من عائلة ثرية أو كان أهله
96
نزار السامرائي يَو ِم َّياتُ ُمسَا ِفرٍعَلَى َطريِقٍأَحْمَر
على استعداد أن يتخلوا عن الكثير من الاحتياجات الأساسية في حياتهم من أجل أن يكمل ولدهم
د ارسته الجامعية ،ولهذا يبرر كثير من الأمريكيين انخ ارطهم في الخدمة العسكرية بالرغبة في
الحصول على منحة للد ارسة الجامعية.
كان المترجم القانوني المصري مروان عبد الرحمن حاض اًر في المحكمة ،ولكننا لم نره بعد ذلك
فقد طار إلى مقر عمله في نيويورك.
في اليوم التالي صدرت الصحف المحلية وهي تحمل صورنا أنا ومأمون ومروان ونحن نخرج
من قاعة المحكمة ،وكنا في غرفة المحامين التقينا بالمحاميين اللذين عينتهما لنا المحكمة وجرى
حديث طويل بشأن تفاصيل الحادث وقدم المحاميان لنا نفسيهما على أنهما يسعيان لإحقاق الحق
ومعاقبة الجاني أيا كان ،وكانا قد طلبا من مروان م ار ًار وتك ار اًر سرد تفاصيل القصة ،واستفس ار عن
جزئيات صغيرة ،لا ندري هل هما على استعداد لإدانة مواطن أمريكي وينتمي إلى المؤسسة العسكرية
التي ينتميان إليها؟ ساورتني شكوك كثيرة و أريت أنهما يؤديان دو اًر مرسوماً كجزء من المسرحية
الكاملة من أجل إسدال الستار على فصلها الأخير ،وبدا لي أنهما ومن خلال انتحال صفة المدافع
عن قضيتنا يحاولان العثور على ثغرة تمنح من ارتكب الجريمة حكما بالب ارءة ،وربما يكونان صادقين
ولكننا وبسبب م اررة الاحتلال وج ارئمه المروعة لم نعد نثق بوجود أمريكي واحد يتعاطف مع القضايا
الإنسانية ونتصور كل من يفعل ذلك إنما يؤدي دوره في مسرحية لن تستمر طويلاً.
97
نزار السامرائي يَو ِميَّاتُ ُمسَا ِف ٍرعَلَىطَريِ ٍقأَ ْحمَر
الخطوة التاسعة
صدور الحكم القضائي
َرفعت المحكمة جلستها الثانية بعد أن استمعت لإفادات جميع أط ارف الدعوى ،إلى موعد يحدد
لاحقًا لإصدار ق ارر الحكم ،عندما سألنا عن تاريخ انعقاد جلسة النطق بالحكم قالوا سنبلغكم في
حينه ،وسألنا هل سنبقى هنا لحين صدور الحكم؟ لم نحصل على جواب شاف فأمريكا سٌر كبير
ينطوي على كثير من التناقضات ،فبقدر ما هي بلد مفتوح فهي بلد محكم الانغلاق ،وبقينا ُنلّح على
عدم البقاء في القاعدة العسكرية معزولين عن العالم ،ولأننا لم نعد نرى مبر اًر لبقائنا هنا لزمن أكثر
مما تتطلبه جلسات المحكمة ،فنحن "ضيوف" غير مرغوب فيهم من جهة وأشبه ما نكون بمعتقلين
مشتبه بهم لتهمة غير محددة ،ولم نكن نرغب بأن نظل "فرجة" للباحثين عن ظاهرة غريبة ،ثم أنني
عانيت عشرين عامًا عندما تمسك الإي ارنيون "بضيوفهم" أسرى الحرب الع ارقية الإي ارنية فهل مكتوب
علي أن أعيش "ضيفاً" في الولايات المتحدة.
في قاعدة فورت هود على اتساعها وكونها مدينة مصغرة ،لا نستطيع الخروج من بواباتها
الرئيسية إلا بموافقات مسبقة يجب استحصالها من قيادتها ،ولا نستطيع الدخول إليها إلا بموافقات
أكثر صعوبة ،فمن الذي يؤّمن لنا تلك الموافقات؟
بعد ذلك اتصل بنا واتسون وقال إنه أجرى اتصالات مع م ارجعه ونقل لهم رغبتنا بالعودة إلى
الع ارق ووعدوه بد ارسة الأمر ولكنه لم يقل أكثر من هذا ،ول ّما ألححنا عليه قال حسنًا سنغادر قريباً
بعد أن نستكمل تدابير الحجز على الطائرة ففي الأمر نفقات يجب صرفها من قبل الجهات المعنية؟.
مررنا بحالة انتظار مفتوح الزمن وكان المسؤولون يتعمدون الغموض في هذا الملف ،ولكن
ماذا ت ارنا سنفعل في هذه القاعدة العسكرية المغلقة ،هل نمارس رياضة المشي في طرقاتها؟ أم نظل
على حالنا في غرفنا لمشاهدة التلفزيون الذي لا هم له إلا ملاحقة تسونامي إندونيسيا؟
من دون سابق إنذار ومن دون أن نعرف تفاصيل ما جرى ومن دون أن ُندعى لحضور جلسة
النطق بالحكم ،أصدرت محكمة فورت هود العسكرية ،حكمًا على السيرجنت ترسي بيركنز حكماً
بالحبس ستة شهور وحرمانه من حقوقه التي ضمنها له القانون العسكري الأمريكي ،مّر الحكم من
98
نزار السامرائي يَو ِميَّاتُمُسَا ِف ٍرعَلَى َطر ِيقٍأَحْمَر
دون أن نعلم به من أي مصدر ،ولكن ظل جرس التلفون "الموبايل" يضرب بلا توقف من لندن بعد
أن أذاعت الخبر شبكة CNNوبتفصيل عن ملابسات القضية وظروفها وتناقلته عنها وكالات
الأنباء العالمية ،ربما كانت هذه أول قضية جنائية كان ع ارقي ضحيتها ،تُوبعت بهذه الجدية حتى
صدر فيها ق ارر حكم قضائي ،على الرغم من أن الق ارر كان هزيلاً إلى أبعد الحدود.
في يوم صدور الحكم اتصل بي كل من الزملاء أسامة الصالحي وهارون محمد وسيف الدوري
وماجد السام ارئي ،وكانوا على اتصال مستمر معي منذ وصولنا إلى فورت هود ،لمتابعة الملف فهم
يرونه قضيتهم كما هي قضيتنا ،لم يألوا جهداً في إيصال المستجدات عبر قنواتهم إلى أي منبر
يصلون إليه.
كما اتصل بي المرحوم صباح البازي من بغداد وكان حينها م ارسلاً نشطًا لوكالة رويترز
البريطانية للأنباء ،والذي تابع القضية في مجموعة متصلة من الأخبار والتقارير ،بحكم معرفته
السابقة بتفاصيل ما وقع وجعل من تلك المعلومات خلفية (باك اروند) للقصة الإخبارية التي قدمها
للوكالة التي يعمل فيها.
وأطلعني الجميع على حيثيات الحكم وتفاصيله الكاملة ،لأننا كنا مقطوعين عن مصدر الخبر
على الرغم من أننا كنا على بعد خطوات معدودات عنه ،ومع ذلك كانت الاخبار تصلنا من أوروبا.
كما أن بعض الفضائيات اتصلت بي لأخذ تعقيبات على ما حصل في الأيام السابقة وق ارر
الحكم المفاجئ لناُ ،دهشنا من هذا التطور والحكم المثير للسخرية والحزن في وقت واحد ،وطلبت
من الأصدقاء الذين اتصلوا بنا بمتابعة الموضوع سواء بمعرفة التفاصيل أو الحديث عن هذا الق ارر
الجائر ،مجرم قتل مواطناً بدم بارد ويُعاقب بالحبس ستة أشهر ،يا لها من عدالة دولة صّدعت
رؤوسنا من كثرة ضجيجها عن حقوق الإنسان وحكم القانون ،وتحدثت لقناة ،ANNعن هذا الحكم
البائس وطالبت بممارسة أعلى درجات الضغط إعلاميًا على الإدارة الأمريكية من أجل أن تؤكد
مصداقيتها فيما تطرحه من شعا ارت ،نحن نعرف أن هذا غير ممكن أصلًا ولكننا كنا نريد أن نفضح
أمريكا أمام ال أري العام العالمي ونحاول أن نوجه رسالة إلى الشعب الأمريكي عن طبيعة الج ارئم
التي ترتكبها قواتها في الع ارق.
في اليوم التالي جاءنا أحد المحامين وكان مرتاحاً لق ارر الحكم واستغرب أننا كنا غاضبين جداً،
حاول التخفيف عّنا فقال (هل تعلمون ماذا يعني الحكم بالحبس ومهما كانت مدته على عسكري؟
99