The words you are searching are inside this book. To get more targeted content, please make full-text search by clicking here.

يوميات مسافر على طريق أحمر-نزار السامرائي-براق

Discover the best professional documents and content resources in AnyFlip Document Base.
Search
Published by nasserhariri6, 2021-02-18 13:26:56

يوميات مسافر على طريق أحمر-نزار السامرائي-براق

يوميات مسافر على طريق أحمر-نزار السامرائي-براق

‫نزار السامرائي‬ ‫يَو ِميَّاتُ ُمسَا ِفرٍعَلَى َطر ِيقٍأَحْمَر‬

‫هل تتوقع أننا ذهبنا إلى الع ارق من أجل تعريض حياة أبنائه للخطر؟ أسئلة غبية موجهة لع ارقيين لم‬
‫تنقصهم معرفة نوايا المحتلين لأ ارضي الغير على مر العصور‪ ،‬ولكنها لم تحرفنا عن المسار الذي‬

‫رسمناه لأنفسنا خلال الجلسة التي انتهت بعد العاشرة ليلًا بتوقيت بغداد‪.‬‬
‫السيرجنت سينترون كانت في ظاهر القول تتظاهر بأنها ستبذل قصارى جهدها لإظهار‬
‫الحقيقة‪ ،‬وكانت تقول بأن هذه الجريمة لن تمر من دون عقاب‪ ،‬وأنها لن تشعر بال ارحة أبدًا ما لم‬
‫ينل الجناة عقابهم العادل‪ ،‬ولكن في نهاية الطريق ظهرت عارية تماماً عن ثياب الحرير الناعمة‬
‫التي ظهرت فيها علينا‪ ،‬فقد تأكد لنا فيما بعد أنها رفعت تقري اًر بحكم مهمتها كمحققة إلى م ارجعها‬
‫شككت فيه بوقاحة بأن يكون الجثمان الذي دفناه يعود لزيدون‪ ،‬ولكن وقت الأحكام الإنسانية لا محل‬
‫له في لغة التخاطب بين غاٍز محتل وبين شعب يدافع عن وطنه‪ ،‬إذ تبقى سينترون جندية أمريكية‬

‫مخلصة لبلدها سواء كان على حق أم كان على باطل‪.‬‬
‫بعد أن انتهينا ط أر تساؤل كيف سنعود إلى المنزل عبر طريق المطار؟ ماذا سيرسم في ذهنه‬
‫من صور من يحمل بندقية أو قاذفة يترصد رتلاً أمريكيًا عن هذه السيارة التي مرت بهدوء في طريق‬
‫طالما أَّرق الجنود الأمريكان عند عبوره؟ كانت الأسئلة تتدافع داخل أرسي دون أن أوفق في جواب‬
‫واحد على أي منها‪ ،‬وخاصة ماذا سيقول الناس لو استهدفنا بقذيفة دمرت سيارتنا وقُتلنا بها؟ هل‬

‫يصدق أحٌد طبيعة المهمة الجهادية التي كنا فيها؟‬
‫عندما خرجنا من البوابة الرئيسية لقصر الفاو والذي كان يشع بأنوار الثريا العملاقة‪ ،‬غصنا‬
‫في ظلام دامس وليل أسود وكأن الخطوات المعدودة الفاصلة بين البوابة والممر الخارجي مسيرة‬

‫دهر قطعناها بين عالمين‪.‬‬
‫أخذتنا سينترون بسيارة الدفع الرباعي التي جئنا بها من البوابة الخارجية للمطار‪ ،‬وترجلنا في‬
‫نفس المكان ومضينا إلى سيارتي الخاصة التي كنت قد تركتها في الموقف المخصص لسيا ارت‬
‫الداخلين إلى المطار‪ ،‬أدرت المحرك وتوكلت على الله وبأعصاب مشدودة قطعت الطريق بأقل من‬

‫نصف ساعة وكأنها نصف يوم‪ ،‬وجدت بيتي في حي العدل واقف على ساَقْيه قلقًا‪.‬‬

‫‪50‬‬

‫نزار السامرائي‬ ‫يَو ِميَّا ُت ُمسَافِ ٍرعَلَى َطر ِيقٍأَ ْحمَر‬

‫الخطوة السادسة‬

‫متابعة القضية في قاعدة فورت هود الأمريكية في تكساس‬

‫كان علينا أن ندخل في انتظار جديد ليس لدينا وسيلة لنتابع القضية إلا بما يصل إلينا من‬
‫تبليغات من الجانب الأمريكي‪ ،‬ففي منتصف تشرين الأول‪/‬أكتوبر ‪ 2004‬تم إبلاغنا من قبل‬
‫السيرجنت سينترون هاتفيًا بالاستعداد للسفر إلى الولايات المتحدة لحضور جلسة محاكمة في المحكمة‬
‫العسكرية في قاعدة فورت هود في ولاية تكساس‪ ،‬قالت لي بأن مروان وأخي مأمون والد الشهيد‬
‫زيدون وأنا سنغادر في غضون أيام معدودة‪ ،‬وقالت بأن علينا جميعاً التواجد في بغداد من أجل‬
‫الذهاب إلى سفارة الولايات المتحدة (الدائرة القنصلية) داخل المنطقة الإسمنتية المسماة بالخض ارء‪،‬‬
‫اتصلت بمأمون ومروان وطلبت منهما المجيء إلى بغداد استعداداً للسفر إلى البلد الذي احتل بلدنا‬
‫ودمر بنية الدولة الع ارقية وقتل مئات الآلاف من أبنائه‪ ،‬ومن بينهم زيدون‪ ،‬خلال أربع وعشرين‬
‫ساعة كانا في بغداد انتظا اًر لمكالمة هاتفية من سينترون‪ ،‬واذا بها تبلغني بالذهاب إلى منطقة المطار‬
‫مع جلب جوا ازت السفر‪ ،‬تساءلت مع نفسي هل يتم هناك ختم الجوا ازت أم أن سينترون ستأخذ‬
‫جوا ازتنا إلى القنصلية الأمريكية لختمها؟ استبعدت الاحتمال الأول ورجحت الثاني إذ يبدو أنهم لا‬
‫يحبذون ذهابنا إلى داخل المنطقة التي تتواجد فيها السفارة والقنصلية لأسباب أمنية‪ ،‬لكنني سرعان‬
‫ما أسقطت هذا التفسير لأننا دخلنا في مواقع تابعة لأعلى القيادات العسكرية الأمريكية في منطقة‬
‫المطار وفي السايلو في سام ارء‪ ،‬على العموم يوم ‪ 10/ 18‬كان موعدنا أنا ومأمون ومروان مع‬
‫السيرجنت سينترون في مطار بغداد لنذهب إلى جهة مجهولة لتأشير جوا ازت السفر تمهيداً للسفر‬
‫إلى الولايات المتحدة لحضور إحدى جلسات المحكمة العسكرية‪ ،‬حينما وصلنا السيطرة الخارجية‬
‫للمطار لم تواجهنا الصعوبات التي واجهتنا في الم ارت السابقة‪ ،‬فقد عرفنا مداخل المنطقة التي نتوجه‬
‫إليها وكذلك طرق الاتصال بمن نريد اللقاء به‪ ،‬كانت سينترون تمتلك خطًا هاتفياً أمريكياً‪ ،‬أو هكذا‬
‫قالت لنا‪ ،‬نحن نشك في كل ما يقولون وهذا من حقنا وواجبنا ولكننا عندما نكون معاً ن ارها تتكلم‬
‫بهاتفها النقال دون انقطاع مما أثار عندي تساؤلًا لم أجد غضاضة في طرحه عليها وقلت لها (لماذا‬
‫لا تعطينا رقم هاتفك لتسهيل اتصالنا بك وقت الضرورة وعندما تريدين تبليغنا شيئا؟) قالت إن هذا‬

‫‪51‬‬

‫نزار السامرائي‬ ‫يَومِ ّيَاتُمُسَافِ ٍرعَلَى َطريِ ٍقأَحْمَر‬

‫الخط مرتبط بشبكة داخل الولايات المتحدة وتنظم اتصالاتها عبر الأقمار الصناعية‪ ،‬وأضافت إنها‬
‫قررت اقتناء خط ع ارقي لتسهيل الاتصالات مع أصحاب القضايا التي تتولى دائرتها متابعة التحقيقات‬

‫فيها‪.‬‬
‫بعد أن اكتمل العدد وهممت بالذهاب إلى سيارتي قالت لي اترك سيارتك في موقف سيا ارت‬
‫المطار لأننا سنذهب سوية بعجلة أمريكية إلى المنطقة الخض ارء حيث السفارة الأمريكية! كان هذا‬
‫كفيلًا بإثارة الكثير من التساؤلات المنطقية‪ ،‬قلت لها (كان يمكن أن تبلغيني بأن ننتظركم في مكان‬
‫محدد في الباب القريب من جسر الجمهورية في ك اردة مريم‪ ،‬فلماذا هذا الجهد الذي لا أفهم له سبباً‬
‫منطقياً)‪ ،‬اكتفت بابتسامة عابرة وكأنها كانت تتوقع هذا السؤال ولهذا أعّدت هذا الجواب‪ ،‬لم يكن‬
‫أمامنا من خيار إلا الذهاب في التحقيق إلى نهايته مع يقيننا أن أمريكا التي منحت جنودها من‬
‫الحصانات ما يغطي على ج ارئمهم مهما كانت طبيعتها‪ ،‬ولذلك لا نريد منحهم سببًا في الت ارجع‪،‬‬
‫أشارت إلينا أن نتحرك باتجاه عربات همر كانت أطقمها في حالة انتظار‪ ،‬هل من المنطقي أن‬
‫نستقل عربات همر تابعة لقوات الاحتلال الأمريكي‪ ،‬ونذهب بها إلى سفارة دولة الاحتلال ونجتاز‬
‫خلال هذه الرحلة القصيرة الطويلة طريق المطار؟ وهل من المعقول أن من كان يتحسس من المرور‬
‫على طريق المطار بسيارته الخاصة أن يجتازه من بدايته إلى نهايته وبمدرعة همر من جيش عدوه‪،‬‬
‫هذه العربة التي تحولت إلى رمز أمريكي لقتل أطفال الع ارق ونسائه وشيوخه وهدف لني ارن رجال‬
‫المقاومة الشجعان‪ ،‬هل سنركب في عربة ما ت ازل ارئحة الدم الع ارقي تفوح من نوافذها وعلى مقاعدها؟‬
‫أ ّما الرشاشة الثقيلة التي تنتصب فوقها فربما حصدت أرواح المئات من الع ارقيين استناداً إلى ما‬
‫يسميه الأمريكيون برد الفعل الغريزي للدفاع عن النفس بوجه الهجمات التي كانت المقاومة الع ارقية‬
‫المسلحة تشنها بلا هوادة على قوات الاحتلال حتى أن الأرقام التي كانت تتسرب عبر الصحافة‬
‫الأمريكية نفسها كانت تشير إلى أن المعدل اليومي للعمليات الحربية كانت بحدود ‪ 100‬عملية‪ ،‬ربما‬
‫فكر ْت سينترون مرة أخرى بأننا على صلة بحركة المقاومة وظنت أننا زودنا المقاومة توقيتات حركتنا‬
‫من المطار حتى السفارة‪ ،‬نعم ربما فكرت سينترون بهذا والا فما معنى أن نأتي بسيارتنا من بغداد‬
‫إلى المطار ونترك سيارتنا الخاصة في إحدى ساحاته الخارجية ونذهب بعربة همر إلى بغداد وبعد‬

‫عودتنا بها إلى المطار نأخذ سيارتنا ونعود لوحدنا إلى بغداد؟‬

‫‪52‬‬

‫نزار السامرائي‬ ‫يَومِ َّياتُ ُمسَا ِفرٍعَلَى َطريِقٍأَحْمَر‬

‫يمكن أن يكون ذلك مرتبة عالية من الغباء المركب الناتج عن الرعب والهلع الذي سيطر على‬
‫الجنود الأمريكيين بعد سنة ونصف من احتلال باهظ الثمن للع ارق‪ ،‬الذي فاجأ الأمريكيين ومن‬
‫خدعهم من العملاء رخيصي الثمن وزينوا لهم الذهاب لخيار الحرب الذي لن يكلف أمريكا أكثر مما‬
‫تخسره في مناو ارت لقواتها بالذخيرة الحية‪ ،‬وربما كان عملًا مقصوداً لهدف ما‪ ،‬ركب ْت سينترون معنا‬
‫في عربة واحدة‪ ،‬أريت قلقاً في عينيها وعيون بقية الجنود يكاد يخرجها من محاجرها‪ ،‬وربما كنت‬
‫اسمع نبضات قلوبهم وكأنها دفوف تقرع بين الضلوع بقوة توشك أن تمزق الصدور من فرط الخوف‪،‬‬
‫قالت لي المترجمة الفلسطينية الأمريكية سهام الجعبري إنه أصعب امتحان يجتازه الجندي الأمريكي‬
‫عندما يمر في شارع المطار وهو مشروع قتل شبه مؤكد‪ ،‬فمنذ انتهاء عمليات الفلوجة تحولت‬
‫المواجهة إلى هذه المنطقة وكأن أبواب جهنم قد فتحت على مصاريعها لاستقبال من تخونه الفرصة‬
‫ويسقط قتيلاً بني ارن المقاومة أو بني ارن الفوضى التي تسيطر على الموقف عندما يطلق مقاوم ع ارقي‬
‫قذيفته الأولى باتجاه رتل أمريكي يبحر‪ ،‬وسط جو من الك ارهية التي تتفنن في جره إلى منطقة اليأس‪.‬‬
‫سألتها ولماذا اتخذتم هذه الإج ارءات المعقدة والتي تبدو مقصودة أن نكون فيها ضمن عربات‬
‫الجيش الأمريكي الممقوتة على مستوى الشارع الع ارقي؟ قالت يجب أن تعرف أننا لن نتحرك على‬
‫طريق المطار إلا في الحالات النادرة جدًا‪ ،‬والدوريات القتالية التي تتحرك على هذا الطريق تعيش‬
‫أزمات قلبية وعصبية‪ ،‬ومعظم من خدم على هذا الطريق أصيبوا بأم ارض نفسية كلفت الدولة‬

‫الأمريكية أموالًا طائلة للإنفاق عليهم‪.‬‬
‫وصف بعض المحللين الحربيين طريق المطار بأنه يستحق اسم "طريق الموت" كما استحقته‬
‫طرق أخرى تقع على الطرق ال اربطة بين بغداد والمدن التي تقع غربها وشمالها وشرقها وجنوبها‪،‬‬
‫حتى أن كثي اًر من جنود القوات الأمريكية خرجوا من الخدمة نتيجة ما لحق بهم من إصابات مباشرة‬

‫ونفسية وعقلية‪.‬‬
‫أريت أن أسألها سؤالًا قد يحرجها وهي أنها فلسطينية تخدم بلدًا عادى الع ارق وكانت القضية‬
‫الفلسطينية أبرز الدوافع المعلنة لغزوه؟ ولكن هل يجد سؤالي صدى في نفسها التي اختارت طريقاً‬
‫محفوفاً بمخاطر شتى؟ ثم حاولت ق ارءة المشهد من الداخل فقلت لها كيف تتعامل القيادة الميدانية‬
‫الأمريكية مع هذه المستجدات؟ ألا تعتبر أن تكبدها هذا القدر من الخسائر يجب أن يدفع أمريكا‬
‫لإعادة النظر بسياساتها الشرق أوسطية؟ أجابت بحرج شديد إنها لا تفهم في القضايا السياسية ولا‬

‫‪53‬‬

‫نزار السامرائي‬ ‫يَومِيَّا ُت ُمسَافِرٍعَلَىطَريِ ٍقأَحْمَر‬

‫علاقة لها بها‪ ،‬بل وجدت لنفسها فرصة عمل ب ارتب مجٍز وجاءت إليها ولم تتصور أن سوء حظها‬
‫سيقودها للخدمة في الع ارق‪ ،‬والآن تنتظر الفرصة لتعود إلى موطنها الجديد‪ ،‬وقد تكدست من وظيفتها‬
‫أموالًا كافية تعينها لبناء مستقبلها‪ ،‬وهي لا تريد أن تموت هنا وخاصة على طريق المطار الذي قد‬
‫يحلق بأرواح الجميع عالياً‪ ،‬كانت تتحدث وتترجم بعض أجوبتها لسينترون دفعًا للحرج مع مسؤولة‬

‫في استخبا ارت القوات الأمريكية‪.‬‬
‫ثم قالت "إننا سنتحرك في طريقنا إلى السفارة بحماية ست مدرعات قتالية لتأمين وصولنا إلى‬
‫المنطقة الخض ارء التي لا نمر عليها إلا في الحالات المماثلة التي نذهب فيها اليوم"‪ ،‬عندما ذكرت‬
‫رقم المدرعات التي تحمي ركبنا أخذتني مشاعر متباينة‪ ،‬فإن حجم الدورية يجعل منها هدفًا مطلوباً‬
‫أكثر من الدوريات الصغيرة من قبل رجال المقاومة المسلحة‪ ،‬فمثل هذه الدوريات وفقًا لحسابات‬
‫المقاومة‪ ،‬لا بد أن فيها قائداً عسكريًا كبي اًر لتأمين تنقلاته‪ ،‬كانت أفكاري تذهب بعيداً‪ ،‬فإذا كنت‬
‫أخشى من التفسي ارت السياسية والأمنية لمروي بسيارتي الخاصة على طريق المطار‪ ،‬فماذا يحصل‬
‫لو أن المدرعة التي كنا فيها تعرضت لضربة مباشرة‪ ،‬وكنت أنا وأخي وابن أخي من بين خسائرها؟‬
‫لا أنكر أن الموت بلا ثمن أمر محزن إلى حدود بعيدة ولكن أن تكون جثثنا مع جثث جنود الاحتلال‬

‫لهو أبغض ما يرد على الخاطر‪.‬‬
‫عربات الهمر من الداخل فسيحة جدًا ومريحة لأطقمها‪ ،‬وتحتوي على منظومة تكييف‬
‫واتصالات مع مركز القيادة‪ ،‬وشاهدت الإضافات التي وضعت على تدريعها بعد أن انفجرت عليها‬
‫عبوات ناسفة صممها متخصصون في الأسلحة والصناعات الحربية الذين درسوا خصائصها واكتشفوا‬
‫النقاط الواهنة فيها‪ ،‬فجاءت زيادة سمك التدريع فيها على حساب المرونة التي كانت تتميز بها‪ ،‬فقوة‬
‫المحرك تم تصميمها ليتناسب مع وزنها أما وأن وزنها قد ازداد كثي ًار فإن إعادة نظر بقوة المحرك‬
‫يجب أن تتم‪ ،‬ولكن وقتاً كافياً لم يعد متاحًا أمام القوات الأمريكية لإدخال تلك التعديلات‪ ،‬فجاءت‬
‫التحسينات الأمريكية لمواجهة الخسائر التي لحقت بها وبمن يركبها بعد تطوير الع ارقيين لعبواتهم‬

‫الناسفة ولقذائفهم الصاروخية‪.‬‬
‫كان لوجود عدد كبير من ضباط الحرس الجمهوري ورجال التصنيع العسكري بين قيادة المقاومة‬
‫أكبر الأثر في تطبيق خب ارتهم القديمة في تحديث الأسلحة والخطط العسكرية‪ ،‬كان زجاج عربة‬

‫‪54‬‬

‫نزار السامرائي‬ ‫يَو ِم َّيا ُتمُسَا ِف ٍرعَلَى َطريِ ٍقأَحْمَر‬

‫الهمر سميكاً وكذلك الأبواب التي تغلق وتفتح بصعوبة بالغة‪ ،‬ومع كل ذلك فإنها لم توفر الملاذ‬
‫الآمن للهاربين من الموت‪.‬‬

‫سار الرتل بنا بسرعة كبيرة ومّر قرب جامع أم الطبول‪ ،‬ومن هناك اخترق الطرق الموصلة‬
‫إلى المنطقة الخض ارء والتي دخلناها عن طريق بوابة القصر الجمهوري قرب جسر الجمهورية‪ ،‬مررنا‬
‫بشوارع القصر الفسيحة والتي أعرفها عن ظهر قلب فأنا من سكنة ك اردة مريم التي أحببتها فهي‬
‫موطن طفولتي وفيها تكونت أولى ب ارعم وعيي‪ ،‬وبيتنا كان قريبًا من القصر الجمهوري‪ ،‬وكنت في‬
‫بعض الأحيان وقبل أن يتحول الشارع ال اربط بين جسر الجمهورية والجسر المعلق من أمام المجلس‬
‫الوطني والقصر الجمهوري إلى طريق خاص‪ ،‬كنت أمر في ذلك الشارع يوميًا وربما مررت فيه أكثر‬
‫من مرة في اليوم‪ ،‬ولهذا وجدت منظر الجنود الأمريكان وهم يروحون ويجيئون وكأنهم أهل دار‪،‬‬
‫وجدت ذلك منظ ًار يجرح العيون ويدمي القلب ويضغط على الصدر والأعصاب‪ ،‬تذكرت قول الله‬
‫تعالى "وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وانا إليه ارجعون" وأي صبر يكافئ‬

‫صبر مواطن يحب بلده على احتلال جائر وغاشم ودموي ينتهك الحرمات‪.‬‬
‫دخلنا مبنى القنصلية الأمريكية التي استعادت موقعها السابق الذي كانت تشغله السفارة‬
‫الأمريكية على نهر دجلة قرب القصر الجمهوري‪ ،‬قبل أن تُخرجها حكومتنا الوطنية هي وسفا ارت‬
‫الاتحاد السوفيتي والصين الشعبية من أماكنها إلى أماكن أخرى‪ ،‬وجلسنا في غرفة الانتظار‪ ،‬وبدأ‬
‫موظفو القنصلية بتوجيه سيل من الأسئلة التي يجب تثبيتها لكل ارغب بدخول الولايات المتحدة‪ ،‬بدأ‬
‫الموظف يوجه لي أسئلة مختلفة عن تاريخي السياسي والوظيفي وآخر وظيفة كنت أشغلها قبل‬
‫الاحتلال‪ ،‬عندما قلت له كنت مدي ًار عامًا في ديوان رئاسة الجمهورية بدأ أكثر تدقيقاً في أسئلته‪ ،‬ثم‬
‫سألني عما إذا كنت قد زرت الولايات المتحدة سابقًا‪ ،‬عندما قلت نعم‪ ،‬انهالت من لسان الموظف‬
‫سلسلة عديدة الحلقات عن تاريخ الزيارة وأسبابها والوظيفة التي كنت أشغلها عند زيارتي السابقة‪،‬‬
‫قلت له زرت الولايات المتحدة نهاية حزي ارن ‪ 1976‬وكنت حينها مدي اًر في و ازرة الثقافة والإعلام‪،‬‬
‫والهدف من الزيارة هو الإش ارف على الجناح الع ارقي في معرض الكتاب الدولي الذي أقيم في مدينة‬
‫كيوبيك الكندية‪ ،‬ثم جئت إلى نيويورك لد ارسة توزيع المطبوعات الع ارقية في أمريكا الشمالية‪ ،‬وأقمت‬
‫في فندق هيلتون‪ ،‬بعد أخذ وقت للم ارجعة مع أجهزة كومبيوتر السفارة والعودة إلى سجلات شرطة‬
‫جوا ازت مطار جون كندي في نيويورك‪ ،‬قال لي لماذا دخلت في ذلك التاريخ باسم "ن ازر فاضل‬

‫‪55‬‬

‫نزار السامرائي‬ ‫يَومِ َّيا ُتمُسَافِرٍعَلَى َطر ِي ٍقأَ ْحمَر‬

‫حسون" وجواز سفرك الآن يق أر ن ازر فاضل السام ارئي؟ قلت له اسأل و ازرة الداخلية هنا عن سبب‬
‫هذا التغيير‪ ،‬قال وأنت ماذا تقول‪ ،‬قلت له كان ق ارر الحكومة في ذلك الوقت الاكتفاء بالاسم الثلاثي‬
‫أي الاسم واسم الأب واسم الجد‪ ،‬والآن تغيرت التعليمات فأصبح إد ارج اللقب حتمياً‪ ،‬هز أرسه بلا‬

‫مبالاة وباشر بإنجاز المعاملة‪.‬‬
‫ثم جاء المصور لالتقاط صور جديدة لنا وأخذ بصمة قرنية العين‪ ،‬فشروط السفر إلى الولايات‬
‫المتحدة تقتضي أن تتوثق القنصلية من تطابق المواصفات المثبتة على التأشيرة مع الشخص المعني‬
‫وهذا لا يتم إلا في حال أن تكون الصورة هي آخر صورة وأن تكون من دون نظا ارت طبية‪ ،‬قبل أن‬
‫يبدأ المصور بالتقاط الصور‪ ،‬هز المنطقة الخض ارء صوت انفجار هائل ترددت أصداؤه داخل صدور‬
‫الجنود المرتعبين‪ ،‬إذ سقطت قذيفة قريبًا من مبنى السفارة‪ ،‬وبعد ثوان فقط دوى انفجار ثا ٍن وثالث‪،‬‬
‫مع أول انفجار كان الجنود الأمريكيون يركضون برعب في كل الاتجاهات بعد أن أفقدهم القصف‬
‫صوابهم والقدرة على التفكير السوي‪ ،‬كانوا يبحثون أي شيء يكون سات اًر لهم من الموت‪ ،‬عن كرسي‬
‫يلقون أنفسهم تحته قد يوفر لهم الحماية اللازمة من موت يحصد الأرواح بوتائر متصاعدة‪ ،‬كنت‬
‫ومأمون ومروان نتبادل الابتسامات ولا أدري أهي ابتسامات الشماتة بعدٍو ظن أن الع ارقيين لن‬
‫يقاوموا‪ ،‬أم هي ابتسامات السخرية من جيش أرعب العالم بقوة ماكنته الحربية ولكنه وقف صاغ اًر‬
‫أمام بأس الع ارقيين‪ ،‬كانت نظ ارت الرضا مع كل قذيفة تسقط نتبادلها أنا ومأمون ومروان تجسد‬
‫مشاعرنا الحقيقية‪ ،‬بل ونعيش احتفالًا داخلياً وكأننا نتلمس لأنفسنا ع از ًء لما حل ببلدنا وثأ ًار ممن‬
‫غ ازه وسلمه لحثالة من الأوغاد من خونة ليس لهم من الع ارق إلا جنسية تصّدق بها عليهم أهله‪،‬‬
‫ومن هؤلاء الذين عندما عايشناهم لبرهة قصيرة وجدنا أنهم يقاتلون بتفوق التكنولوجيا لا بشجاعتهم‪،‬‬
‫وحتى لو أن تلك القذائف لم تقتل أحدًا منهم فإنها قتلت فيهم ما يزعمون من إقدام وشجاعة وتركتهم‬
‫كفئ ارن فاجأها سيل جارف وقبل ذلك قتلت إنسانيتهم‪ ،‬بقينا في المبنى حتى عصر ذلك اليوم وأُعيدت‬
‫لنا جوا ازت سفرنا‪ ،‬فتحت جوازي لم أجد عليه أي تأشيرة‪ ،‬قالت سينترون أن التأشي ارت في وثائق‬
‫ستبقى معها ولا تثبت على الجوا ازت‪ ،‬وأخبرتنا سينترون بأنها لا تعرف توقيتات سفرنا إلى الولايات‬
‫المتحدة ولكن علينا أن نتواجد في بغداد لاحتمال السفر في أي يوم وسوف أتصل بكم قبل يوم واحد‬

‫وأبلغكم بالموعد‪.‬‬

‫‪56‬‬

‫نزار السامرائي‬ ‫يَو ِميَّا ُت ُمسَا ِف ٍرعَلَىطَر ِي ٍقأَ ْحمَر‬

‫عرفنا أن القذائف التي سقطت على مبنى السفارة المجاور للقنصلية والتي هزت مبنى القنصلية‬
‫أيضاً قد أدت إلى مقتل أمريكي واصابة عدد آخر من ح ارس السفارة والقنصلية‪ ،‬كانت السفارة من‬
‫بين الأهداف الثمينة التي يتصيدها رجال المقاومة المسلحة‪ ،‬وما أكثر الحالات التي استهدفت فيها‪،‬‬
‫قلت لمأمون بلغة من تعّرض لظلم كبير ها هم الأمريكيون يسددون من جنودهم بعضًا من ثمن‬

‫أبنائنا الع ارقيين الذين سقطوا دفاعًا عن وطنهم وأرضهم‪.‬‬
‫بعد أن انتهينا من هذه المهمة توجهنا مرة أخرى نحو عربات الهمر لنعود إلى المطار ومن‬
‫هناك آخذ سيارتي وأعود ومأمون ومروان إلى المنزل‪ ،‬واكبتنا في طريق العودة نفس هواجس الذهاب‬
‫من المطار إلى السفارة الأمريكية ليس خوفاً من الموت بقدر ما هو خوف من أن يكون موتنا في‬
‫عربة همر أمريكية‪ ،‬مع ملاحظة أن أعصاب الجنود الأمريكان كادت تخرج من مواطنها بسبب أن‬
‫وقت العودة كان يقترب مع نزول قرص الشمس و ارء الأفق وحينها يبدأ نشاط الم اربطين ليلًا لملاحقة‬

‫الجنود الأمريكان المذعورين‪.‬‬
‫يوم الجمعة ‪ 2004/ 10/ 22‬والموافق للتاسع من رمضان المبارك ‪1425‬هـ‪ ،‬اتصلت سينترون‬
‫وأبلغتني بأن يوم غد السبت هو موعد سفرنا إلى الولايات المتحدة‪ ،‬وقالت إن موعد مغادرة الطائرة‬
‫سيكون عند منتصف النهار على أفضل التقدي ارت‪ ،‬من الطبيعي ألا تبلغنا بموعد إقلاع الطائرة‪،‬‬
‫وربما هي نفسها لا تعرف الموعد المحدد لذلك‪ ،‬بسبب الاحت ار ازت القوية التي تتبعها القوات الأمريكية‬
‫حرصاً على حياة جنودها الذين تدنت معنوياتهم إلى أدنى مستوى ومن المؤكد أنهم يصبون لعناتهم‬
‫على قيادة بلادهم التي صورت غزو الع ارق نزهة ربيعية أو رحلة صيد سيعود الصياد محملًا بما لذ‬
‫وطاب مما اصطاده في البحر أو في الغابة‪ ،‬ولهذا طلبت منا الوصول إلى المطار حوالي العاشرة‬
‫صباحاً من يوم السبت ‪ ،10/ 23‬كنت على يقين أنها تكذب علينا بشأن وقت إقلاع الطائرة‪ ،‬فهم‬
‫يريدون حضورنا في وقت مبكر ليأخذوا وقتاً أطول لعزل حقائبنا في الع ارء وفي مكان بعيد عن تواجد‬
‫الجنود الأمريكيين خشية من وجود عبوة فيها أو قنبلة موقوتة أو أية متفجرة‪ ،‬ومن ثم التدقيق فيها‬
‫واخضاعها للفحص في أجهزة السونار‪ ،‬ومن أجل أن يمر الوقت من دون عناء‪ ،‬دعتنا سينترون‬
‫لتناول وجبة الغداء في المطعم العسكري الأمريكي في تلك القاعدة الذي سبق لي ولمروان أن تناولنا‬
‫طعام الغداء أثناء مرحلة التحقيق الأولى‪ ،‬هذا المطعم مخصص للضباط والجنود على حد سواء‪،‬‬
‫ولأننا على سفر فقد أفطرت ذلك اليوم ولكن مأمون أصّر على البقاء صائماً‪ ،‬وحوالي الساعة الثالثة‬

‫‪57‬‬

‫نزار السامرائي‬ ‫يَومِ ّيَا ُت ُمسَا ِف ٍرعَلَى َطر ِيقٍأَحْمَر‬

‫عص اًر جاء النداء باللغة الإنكليزية حول الرحلة التي كنا سنغادر عليها‪ ،‬ظلت الجهة التي كنا سنذهب‬
‫إليها مجهولة حتى طرق سمعنا اسم الكويت‪ ،‬آه من هذا الاسم المشؤوم الذي تجّرعنا بسببه كل هذه‬
‫الآلام وتعرض بلدنا لأكبر الحروب منذ الحرب العالمية الثانية‪ ،‬ولولا حكام الكويت ومن اصطف‬
‫من حكام العرب مع التحالف الدولي المضاد للع ارق منذ ‪ ،1990‬وخونة الداخل الذين باعوا شرفهم‬
‫وعرضهم لإي ارن وأجهزة مخاب ارت دولية‪ ،‬ما كان بلدنا سُيحت ُل وما كنا خسرنا وطننا وعش ارت الآلاف‬
‫من الضحايا‪ ،‬وخرج بلدنا من معادلة الأمن القومي والأمن الإقليمي‪ ،‬ولما أصبحت منطقتا الخليج‬
‫العربي وجزيرة العرب ساحة مفتوحة لنوايا التوسع الإي ارنية‪ ،‬حتى صار بعض العرب يتسولون الأمن‬
‫لأنفسهم ونظمهم من السقوط فتحولا إلى بقرة حلوب ما عليها إلا أن تدفع لتأمين أمن قلق غير ثابت‬
‫وغير مضمون‪ ،‬بل خسرنا سيادتنا الوطنية وأصبحنا مواطنين من الدرجة السابعة وخسرنا مع كل‬
‫ذلك ابننا‪ ،‬فبقدر اللعنات التي نصّبها على أمريكا وبريطانيا وجورج بوش وتوني بلير ورئيس وز ارء‬
‫إسبانيا أثنار‪ ،‬ومن قبلهم بوش الأب ومارغريت تاتشر كنا نصّبها على أمير مشيخة الكويت ومن‬

‫خلَفه ومن سبقوه وعلى كل من قدم لأمريكا أرضًا أو قاعدة جوية أو بحرية لشن العدوان‪.‬‬
‫توجهنا إلى قاعة كبيرة اصطف الجنود الأمريكيون أمام بوابتها في طابور طويل وكانوا‬
‫يخضعون لتفتيش دقيق أيضاً‪ ،‬تساءلت مع نفسي إذا كان الجنود الأمريكيون يخضعون لهذه الدقة‬
‫في التفتيش فماذا سيكون نصيبنا؟ ثم أنني عجبت من أسباب تفتيش جنودهم هل يعود ذلك لعوامل‬
‫أمنية أم خشية من أن يصطحب هؤلاء الجنود معهم بعض الممنوعات؟ في ظني أن الجنود يهّربون‬
‫معهم كثي ًار من المقتنيات التي يسطون عليها من مختلف المدن الع ارقية‪ ،‬والجهات الأمريكية تتغاضى‬
‫عن ذلك ولكن سلطة الأمن في القاعدة تبحث عن مخد ارت أو ممنوعات أخرى‪ ،‬وربما عن أسلحة‬
‫وأعتدة تشكل خط ًار على الرحلة‪ ،‬بعد إنجاز التفتيش اليدوي يكون على الجميع المرور من بوابة‬
‫السونار لمزيد من التدقيق في ما يحملون‪ ،‬فالأمريكيون مقتنعون بأن الضجر الم ارفق لإج ارءات ما‬
‫قبل السفر أهون بكثير من ندم تجلبه كارثة تعرض سمعة أمريكا لزل ازل كبير‪ ،‬بعد انتظار طويل‬
‫كان جنود الاحتلال المرهقون يلقون بأنفسهم على أي شيء في صالة الانتظار ويغطون في سبات‬
‫عميق‪ ،‬وبعد تأكيد نبأ اقلاع الطائرة توجهنا تباعاً إليها وهي طائرة عسكرية أمريكية من ط ارز هير‬
‫كلوس ‪ ،C130‬هي ليست كالطائ ارت المدنية لا في طريقة الدخول إلى جوفها ولا في طريقة جلوس‬
‫الركاب فيها‪ ،‬بعد أن دخلنا الطائرة من بابها الخلفي الذي يفتح بقوة الهيدروليك‪ ،‬وجدناها من الداخل‬

‫‪58‬‬

‫نزار السامرائي‬ ‫يَومِ َّياتُمُسَا ِفرٍعَلَىطَر ِيقٍأَ ْحمَر‬

‫وقد تم شطرها إلى نصفين على طول هيكلها بشبه جدار معدني مشبك‪ ،‬وفي كل نصف منهما‬
‫رصفت الك ارسي كل جزء منها أعطى ظهره لنوافذ الطائرة والجزء الآخر مقابله‪ ،‬ولكنها ك ارسي متعبة‬
‫جداً وغير معدة لسفر طويل أو على وجه الدقة هي جزء من ترتيبات تنقل العسكريين الذين يجب‬
‫أن تبقى ظروفهم أثناء وجودهم في الواجب قاسية وصعبة‪ ،‬استذكرت وحشية الأمريكيين الذين قاموا‬
‫بنقل المئات من المجاهدين العرب والمسلمين أو من اعتقلتهم القوات الأمريكية وش ّكت أنهم كانوا‬
‫على صلة بمن كان يقاتلها فتم أسرهم في عدوان الولايات المتحدة على أفغانستان‪ ،‬بهذه الطائ ارت‬
‫ولرحلات استغرقت أكثر من عشرين ساعة وكانوا معصوبي الأعين وموثوقي الأيدي إلى الخلف‬
‫والأرجل في أسوأ عمليات نقل وحشية عرفها تاريخ الدول والأمم المتحضرة وتلك تجربة مرة وقاسية‬
‫عانيت منها أثناء تنقلات الأسرى الع ارقيين بين مختلف المعسك ارت الإي ارنية‪ ،‬أو ما كان ُيتبع في‬
‫تجارة العبيد ونقلهم من أفريقيا إلى أمريكا وسط معاملة أصعب من معاملة نقل الحيوانات من بلد‬

‫إلى آخر‪.‬‬
‫بمجرد دخولنا في الطائرة أعطانا بعض جنود الخدمة على متنها علبة صغيرة لم نتبين محتوياتها‬
‫لأول وهلة واستنادًا إلى خبرتي في التعامل مع المستجدات فإن علي م ارقبة الآخرين ومعرفة تصرفهم‬
‫والعمل على أساسه‪ ،‬كانت غربتنا موحشة من دون حدود على متن هذه الطائرة المخصصة للنقل‬
‫العسكري ترى أنسافر مع قتلة شعبنا هؤلاء المتوحشين؟ وما أد ارنا أن واحدًا من قتلة زيدون ليس معنا‬

‫على متن هذه الطائرة؟‬
‫بدأ الجميع بفتح العلبة واذا بها تحتوي على قطعتين من الإسفنج المخصص كسدادة للآذان‬
‫لمنع هدير الطائرة من الوصول إليها‪ ،‬فالطائرة ليس فيها عزل للصوت الخارجي أو للضغط والح اررة‬
‫أو أي من مستلزمات ال ارحة المعهودة في الطائ ارت المدنية‪ ،‬بعد أن أغلقت الطائرة أبوابها تحركت‬
‫نحو المدرج العسكري المخصص لسلاح الجو الأمريكي من مطار صدام حسين الدولي في تمام‬
‫الساعة ال اربعة عص ًار‪ ،‬ثم انطلقت إلى أعلى‪ ،‬غير أنها بدأت بحركة دو ارن لولبي فوق منطقة المطار‬
‫ولم نلحظ أنها توجهت باتجاه مستقيم‪ ،‬قالت لنا سينترون إن الطائرة ستبقى تدور في محور واحد‬
‫لسبع دو ارت كاملة حتى تتجنب الني ارن الأرضية التي يمكن أن تستهدفها من مناطق معادية في أبو‬
‫غريب والفلوجة حيث تنشط حركة المقاومة التي تتحين الفرصة لصيد ثمين بوزن طائرة نقل عسكرية‬
‫أمريكية تحمل مئات الجنود الحالمين باست ارحة محارب قصيرة قد يهرب خلالها من الخدمة العسكرية‬

‫‪59‬‬

‫نزار السامرائي‬ ‫يَو ِميَّاتُمُسَا ِفرٍعَلَى َطريِقٍأَحْمَر‬

‫كما كان يحصل أثناء العدوان الأمريكي على فيتنام‪ ،‬ولكن من أين نجد بلداً يوفر الملاذ الآمن لجنود‬
‫الاحتلال كما فعلت السويد في ذلك الوقت؟ هي التي كانت قد كتبت آخر سطر في سجل الاحتلال‬
‫البغيض في نهاية المطاف‪ ،‬وبعد أن ارتفعت الطائرة إلى علو شاهق وبعيد عن متناول الصواريخ‪،‬‬

‫انطلقت جنوباً‪.‬‬
‫بعد رحلة استغرقت ساعة ونصف من المطبات الجوية والضجيج العالي‪ ،‬ومع موعد الإفطار‬
‫وصلنا قاعدة علي السالم الجوية‪ ،‬وهي قاعدة أمريكية بامتياز على الرغم من أنها تحمل اسمًا كويتياً‪،‬‬
‫فهي من حيث الإدارة والسيطرة والتوجيه والإش ارف تدار من قبل كوادر أمريكية ولم نلحظ وجود‬
‫كويتي واحد فيها‪ ،‬تحمل القاعدة من الكويت اسم أحد أف ارد الأسرة الحاكمة في المشيخة‪ ،‬وتم وضع‬
‫القاعدة تحت خدمة الجهد الحربي الأمريكي بمجرد انسحاب القوات الع ارقية من الكويت عام ‪1991‬‬
‫تحولت إلى قاعدة أمريكية بصورة كاملة‪ ،‬واستمرت القوات الجوية الأمريكية تحتلها وتعّد هي وقاعدة‬
‫السيلية والعديد في قطر وأنجرليك في تركيا جزًء حيوياً من الح ازم العسكري الأمريكي المضروب‬

‫حول منطقة الخليج العربي‪.‬‬
‫بعد الوصول إلى القاعدة الجوية مباشرة توجهنا إلى مطعم القاعدة لتناول طعام الإفطار وبعد‬
‫است ارحة قصيرة أعقبت الإفطار اصطحبنا مترجم كويتي من أصل سوري اسمه مصطفى قداح‪،‬‬
‫يعمل في أحد المكاتب الأمريكية الملحقة بالسفارة ويبدو أنه يمتلك نفوذاً في الوسط الذي يعمل فيه‪،‬‬
‫كان مكلفاً بم ارفقتنا خلال وجودنا في الكويت من أجل ضبط حركتنا‪ ،‬وأخذنا حقائبنا ومضينا مع‬
‫مصطفى في سيارة خاصة وأخبرتنا سينترون بأننا سنغادر من مطار الكويت الدولي في طريقنا إلى‬
‫مطار أطلنطا في أمريكا عبر مدينة أمستردام الهولندية في الواحدة والنصف بعد منتصف الليل‪،‬‬

‫ولهذا سنتوجه إلى المطار من فورنا لأننا لا نريد البقاء داخل مدينة الكويت‪.‬‬
‫ذهبنا إلى المطار وفي الطريق لاحظت شاحنات كبيرة تحمل أشجار نخيل كاملة تم قلعها من‬
‫الع ارق‪ ،‬في نطاق مسا ٍع تنفذها جهات حكومية كويتية للإجهاز على رمز الع ارق (النخلة)‪ ،‬والا فما‬
‫معنى أن يتم جلب نخلة لا يقل طولها عن ثلاثة أمتار إلا إذا كان القصد هو تشجيع اقتلاع النخيل‬
‫وبخاصة من مدينة البصرة وبثمن بخس تدفعه إلى ضعاف النفوس وجهلة أغبياء يقطعون أثداء‬
‫أمهاتهم ويتاجرون بها مع أسوأ سماسرة الأرض‪ ،‬ويجردون أرضهم من عمتهم النخلة ويبيعونها لطرف‬
‫يتمنى أن يرى أرضهم صح ارء قاحلة جرداء لا ينبت فيها زرع ولا يدر فيها ضرع‪ ،‬خلال ساعة مرت‬

‫‪60‬‬

‫نزار السامرائي‬ ‫يَو ِم َّياتُ ُمسَا ِفرٍعَلَى َطريِ ٍقأَ ْحمَر‬

‫في الطريق ثلاثون شاحنة على الأقل‪ ،‬تحمل الكثير من نخيل الع ارق الذي يأبى الاستيطان في إلا‬
‫في أرضه‪ ،‬حمدت الله أن غباء من قرر جلب النخيل من الع ارق جلب نخلات لم يعد بإمكانها إنتاج‬
‫الفسائل فلا يمكن تكثيرها في الكويت‪ ،‬وبالتالي فإن النخلة التي تموت إنما تنتحر احتجاجاً على‬
‫صفقٍة غبية بين نخا ٍس جش ٍع بليد وفلا ٍح أحمق‪ ،‬أغمضت عيني لأنني لم أطق رؤية المزيد من‬
‫باسقات الع ارق تُنحر على يد ج ازر يستنسخ تجربة اليهودي شايلوك في مسرحية شكسبير المشهورة‬
‫(تاجر البندقية)‪ ،‬ثم أنني لم أرغب برؤية شوارع المدينة التي كانت تتسع كبالوٍن يوشك على الانفجار‬
‫إلا من جهة البحر من دون حاجة حقيقية لمثل هذا التوسع إلا لوجاهة استع ارضية فارغة‪ ،‬وا ُستخدمت‬
‫جس اًر للعدوان على الع ارق وتدمير بنية الدولة فيه وح ارثة شوارعه وكأنها حقول تنتظر من يزرعها‪.‬‬
‫كانت شوارع الكويت تع ُج بالحركة البلهاء‪ ،‬وقد ارتفعت فيها أعمدة الكهرباء ببلادة ومن دون‬
‫انتظام لتحمل مصابيح تحْول ليلها إلى نهار من دون حاجة حقيقية إلى تلك الإنارة المسرفة إلا‬
‫لتنفيس عقدة الدولة التي تؤرقها وتؤرق حكامها‪ ،‬بعد جولة غير مقصودة في شوارع الكويت‪ ،‬وصلنا‬
‫مطارها بانتظار موعد إقلاع الطائرة‪ ،‬بمجرد وصولنا إلى مكتب الخطوط الجوية الملكية الهولندية‬
‫‪ KLM‬فاجأنا موظ ُف المكتب وهو سريلانكي بأنه يتعذر عليه إتمام الحجز لأننا لم نحصل على‬
‫تأشيرة لدخول هولندا وحينما أكدوا لهم بأننا لا نسعى للنزول في أمستردام أصّر على شرط حصولنا‬
‫على تأشيرة هولندية فكان هولنديًا أكثر من رئيس وز ارئها وربما أكثر من الملكة بياتريس‪ ،‬وأظهر‬
‫عنادًا آسيوياً لم تنفع معه الكلمات الطيبة‪ ،‬حتى دخل ممثلو السفارة الأمريكية في الكويت بحواٍر‬
‫استخدمت فيه لغة يبدو أن بعض مواطني البلدان الضئيلة الوزن والحجم لا يفهمون سواها وتم حل‬
‫المشكلة‪ ،‬وبعد أن أنجزنا وزن الحقائب وأشرنا تذاكر السفر دخلنا قاعة المغادرين باتجاه كابينة شرطة‬
‫الجوا ازت الكويتية فوجئنا بها تتحجج بهبوطنا في قاعدة علي السالم وعدم حصولنا على تأشيرة لدخول‬
‫الكويت‪ ،‬معتبرة ذلك مخالفة منا لا يمكن لحكومتها التغاضي عنها‪ ،‬ولذلك منعت سفرنا على متن‬
‫الطائرة التي كانت سينترون قد حجزت لنا عليها‪ ،‬وكانت حجة الكويتيين بأن الاتفاقية مع الولايات‬
‫المتحدة تسمح للرعايا الأمريكان فقط بالعبور عبر المنافذ الحدودية من دون تأشير جوا ازت سفرهم‬
‫اعتمادًا على بطاقة الهوية‪ ،‬وهذا ما تدحضه الوقائع التي شاهدناها بأعيننا عندما عبر المئات من‬
‫الآسيويين أو من دول أمريكا اللاتينية الذين جاؤوا بالطائرة التي وصلنا عليها‪ ،‬أو بطائ ارت قبلنا‬
‫وبعدنا والذين لم يعترض طريقهم أحد‪ ،‬ولكن مشيخة الكويت أ اردت أن تُوصل لنا رسالة بأنها تستطيع‬

‫‪61‬‬

‫نزار السامرائي‬ ‫يَو ِميَّاتُ ُمسَافِرٍعَلَى َطريِقٍأَ ْحمَر‬

‫التمرد على الأوامر والإملاءات الأمريكية‪ ،‬ولكن ليس مع أمريكي أو من يتعاون معهم‪ ،‬وانما مع‬
‫من يناهضهم وهذا أسوأ أنواع النفاق‪ ،‬نعم إن الآلاف من أف ارد القوات الأمريكية والعاملين معها وفي‬
‫خدمتها من عمال خدمات من مختلف الجنسيات يدخلون ويخرجون من أجواء الكويت ومنافذها‬
‫البرية من دون ع ارقيل‪ ،‬كان هدف الكويت تدمير الع ارق بواسطة قوى دولية بعد أن عجزت أن تصل‬
‫إلى أي من أهدافها عبر دبلوماسيتها النشطة‪ ،‬كانت تفعل ذلك علّها تشعر بشيء من الطمأنينة‬

‫وقليل من الاسترخاء المؤقت‪.‬‬
‫ولكن الكويت التي ضاق صدرها بثلاثة ع ارقيين تنفسوا جزء من هوائها أو شربوا قليلاً من‬
‫مائها وهي لا تدري بذلك‪ ،‬وهما على كل حال‪-‬لا ماؤها ولا هواؤها‪ -‬أ اردت أن تنتفخ أمامهم لتبدو‬
‫أكبر من حجمها‪ ،‬وربما لو لم تكن معنا م ارفقة أمريكية مسؤولة عن سلامتنا حتى تأمين عودتنا إلى‬
‫الع ارق‪ ،‬لكان يمكن أن نستهدف من القوات التي تنتمي إليها أي القوات الأمريكية أو من قبل الشرطة‬
‫الكويتية‪ ،‬فقد كنا سنتعرض لتغييب من قبل سلطة تحمل عقدة الدولة وموروثاً ثأرياً لازمها كمرض‬

‫البرص لا تستطيع الشفاء منه حتى عند أمهر الج ارحين ولا في كل مياه الأرض‪.‬‬
‫لم يكن من شأننا أن نتدخل في الأمر فهناك السفارة الأمريكية وهناك معنا على الطائرة م ارفقتنا‬
‫السيرجنت سينترون والتي أجرت اتصالات مكثفة وواسعة النطاق حتى وصلت القضية إلى مكتب‬
‫قائد القيادة الأمريكية الوسطى‪ ،‬الذي اعتبر التصرف الأمريكي في بغداد خطأ يجب تح ّمل تبعاته‪،‬‬

‫ولكنه وعد بالتحرك من أجل حل هذه القضية‪.‬‬
‫على أمل أن تستكمل الإج ارءات الأصولية في اليوم التالي تم سحب حقائبنا من الطائرة التي‬
‫انتظرتنا بعض الوقت وحصل اتصال مع وزير داخلية الكويت من أجل حل الإشكال الذي لم نكن‬
‫طرفاً فيه ولا نرغب بوقوعه‪ ،‬ولأن الأمر لا يرتبط بالسيرجنت سينترون فقد كان متاحًا لها المغادرة‬
‫على الطائرة‪ ،‬ولكنها آثرت إرجاء سفرها أيضًا لحين التأكد من أننا سنغادر إلى الولايات المتحدة من‬

‫دون متاعب جديدة‪.‬‬
‫غادرنا المطار باتجاه المدينة للمبيت فيها ليلة واحدة‪ ،‬وأخي اًر استقر بنا المقام في فندق النخيل‬
‫وهو اسم لا ينطبق على هذه البقعة الصح اروية على كل حال‪ ،‬ولكنه من الفنادق المشّيدة حديثًا على‬
‫ما يبدو‪ ،‬ولم نبارح الفندق من ليلة دخولنا إليه إلى وقت مغادرته مع اقت ارب موعد السفر في اليوم‬
‫التالي لآن جوا ازت سفرنا محجوزة عن سينترون‪ ،‬ونحن في أرض تتصيد لنا الأخطاء وتنتظر ارتكابنا‬

‫‪62‬‬

‫نزار السامرائي‬ ‫يَو ِم ّيَا ُت ُمسَافِ ٍرعَلَى َطريِ ٍقأَحْمَر‬

‫أي فعل تعتبره خطأ لكي تتخذ ضدنا إج ارءاتها البوليسية‪ ،‬وتوجهنا مرة أخرى إلى المطار عبر شوارع‬
‫مدينة الكويت ولا نعرف فيما إذا كانت رحلتنا ستتم بيسر أو تبرز مشكلة جديدة‪.‬‬

‫في العاشرة ليلًا كنا في المطار وأخضعنا حقائبنا للوزن والتفتيش الالكتروني مرة أخرى‪ ،‬ومررنا‬
‫هذه المرة عبر حواجز شرطة الجوا ازت من دون أية ع ارقيل‪ ،‬ودخلنا في جوف طائرة البوينغ ‪767‬‬
‫التابعة للخطوط الجوية الهولندية والتي أقلعت في موعدها المحدد‪ ،‬الطائرة من نوع حديث وسمعة‬
‫الخطوط الجوية الملكية الهولندية طيبة جداً في عالم الطي ارن المدني‪ ،‬وكانت الشركة على حد‬
‫معلوماتي القديمة التي تعود لعقد السبعينيات‪ ،‬تمتلك أفضل مطبخ بين الخطوط الجوية العالمية‬
‫وكان الكثير من شركات النقل الجوي تستفيد من خدماته لتجهيز طائ ارتها بالوجبات الغذائية للمسافرين‬
‫على متن طائ ارتها‪ ،‬ولكن يبدو أن الزمن أكل من خبرتها وجودة خدماتها‪ ،‬بل يبدو أن شركات‬
‫الطي ارن في مختلف دول العالم قد خفضت من سقف خدماتها لركابها بحثاً عن الربح والإث ارء السريع‪،‬‬
‫وعلى كل حال نحن في سفر ولا نبحث عن رفاهية عابرة‪ ،‬وخاصة بعد طائرة النقل العسكرية من‬

‫بغداد إلى الكويت‪ ،‬استمر طي ارننا المباشر بين الكويت وأمستردام ست ساعات كاملة‪.‬‬
‫وجدنا مطار العاصمة الاقتصادية لهولندا مدينة قائمة بذاتها‪ ،‬يتم التنقل بن محطاته الرئيسة‬
‫بواسطة قطار مجاني خاص بالمطار‪ ،‬ولما كان أمامنا ست ساعات أخرى حتى يحين موعد إقلاع‬
‫الطائرة التي تذهب بنا إلى مدينة أطلنطا الأمريكية‪ ،‬فقد تجولنا في أنحاء المطار من دون قلق من‬
‫اقت ارب موعد إقلاع الطائرة‪ ،‬وفي حوالي الحادية عشرة من صباح اليوم التالي أقلعت بنا الطائرة‬
‫الهولندية وهي من نوع بوينغ ‪ 767‬أيضاً باتجاه العالم الجديد‪ ،‬بعد أن غادرت البر الأوربي أخذت‬
‫تتجه شمالًا نحو جزيرة غرينلاند والتي كانت تظهر من نوافذ الجزء الأيمن من بدن الطائرة‪ ،‬فرق‬
‫التوقيت بين بغداد وأمستردام ساعتان وبين أمستردام والشاطئ الشرقي للولايات المتحدة خمس‬
‫ساعات‪ ،‬وبعد رحلة كنا معلقين خلالها بين السماء والأرض ولا نرى أيًا منهما بدأت الطائرة تستعد‬
‫للهبوط في مطار أطلنطا‪ ،‬وكان مطا اًر شديد الازدحام هبوطاً واقلاعًا‪ ،‬وأخي اًر وعند الثانية عشرة‬
‫بالتوقيت المحلي استقرت الطائرة على أرض المطار عند أحد الخ ارطيم‪ ،‬وبعد انتظار قصير في‬
‫مطار أطلنطا الذي لم نر منه شيئًا‪ ،‬أخذنا طائرة أخرى متجهين إلى مدينة هيوستن في ولاية تكساس‪،‬‬
‫ومن مطار هيوستن أخذنا طائرة أخرى إلى مدينة أوستن في الولاية نفسها وبعد رحلة استمرت حوالي‬
‫‪ 24‬ساعة وجدنا أنفسنا يوم الاثنين ‪ 25‬تشرين الأول‪/‬أكتوبر ‪ 2004‬والمصادف للثاني عشر من‬

‫‪63‬‬

‫نزار السامرائي‬ ‫يَو ِم ّيَاتُمُسَا ِف ٍرعَلَىطَر ِي ٍقأَحْمَر‬

‫رمضان المبارك ‪1425‬هـ في أخر مطار نهبط فيه‪ ،‬ولنواصل رحلتنا ب اًر إلى قاعدة فورت هود‬
‫العسكرية الكبرى حيث المحكمة العسكرية المكلفة بالنظر في قضية قتل الشهيد زيدون‪ ،‬وفي المطار‬
‫وجدنا مترجمًا أمريكيًا يعمل في الجيش الأمريكي‪ ،‬وهو من أصل لبناني اسمه إب ارهيم حسين‪ ،‬وسبق‬
‫له أن خدم في الع ارق مع الفرقة الأمريكية في محافظة صلاح الدين‪ ،‬وقد رحب بنا وتحركت فيه‬
‫التقاليد العربية في إك ارم الضيف وبذل جهداً كبي ًار من أجل إثبات أنه يعاني من انفصام في الشخصية‬
‫كونه عربي الأصل ويخدم في جيش كل حروبه الحالية ضد أبناء جلدته‪ ،‬وقال إنه يتمنى أن يسير‬
‫الزمان أسرع مما يفعل كي يحصل على مستحقاته التقاعدية ويستريح من حرب الأعصاب التي‬
‫يعيشها‪ ،‬هذا ما كرره أكثر من مرة‪ ،‬هو يسكن في القاعدة ويبدو أن ظروفه المادية كانت جيدة جدًا‬
‫فقد ساق لنا أحاديث عن هوايته لامتلاك الخيول العربية وامتلاكه بعضاً منها‪ ،‬وربما تبادر إلى ذهني‬
‫أنه استولى على بعض مما وجده في (ع ارق الفرهود) وضياع مؤسسات الدولة وتعرض الممتلكات‬
‫العامة للنهب على أيدي الرعاع واللصوص‪ ،‬كما أعلمنا بأنه جلب عبر طائ ارت النقل العسكرية عند‬
‫عودته من إجا ازته الدورية أعداداً كبيرة من فسائل نخيل البرحي وهو النوع الممتاز من أجود أنواع‬
‫التمور الع ارقية‪ ،‬وذكر لنا أنه باع الفسيلة الواحدة بألف دولار‪ ،‬هل يمكن أن يكون الرقم صحيحاً؟‬
‫واذا كان كذلك فهل تحولت مهمة الجيش الأمريكي في الع ارق إلى تجارة ارئجة من تهريب كل ما‬
‫يمكن تهريبه‪ ،‬يا لها من تجارة ارئجة ربما وجدت فيها الجهات الز ارعية في الولاية مكسبًا لنقل المزيد‬

‫من نخيل الع ارق وز ارعته في ولاية تكساس التي يشبه مناخها مناخ الع ارق‪.‬‬
‫بعد أن استكملنا سحب الحقائب وتوجهنا إلى السيارة العسكرية‪ ،‬أبلغنا إب ارهيم حسين أن موعد‬
‫جلسة المحكمة كان يوم أمس وبسبب عدم حضوركم في الوقت المحدد تم تأجيل الجلسة إلى موعد‬
‫يتم تبليغكم بوقته لاحقاً‪ ،‬وقال إنه يعرف تفاصيل ما جرى في الكويت وأدى إلى تأخركم أربعًا وعشرين‬

‫ساعة وتم إبلاغ هيئة المحكمة بذلك‪.‬‬
‫أقمنا في أحد فنادق قاعدة فورت هود والمخصص للضباط من غير المقيمين فيها عادة والذين‬
‫يضطرون للمكوث لمدة محدودة إما لزيا ارت التفتيش أو الاستدعاء أو الإجازة أو العبور بين محطتين‪،‬‬
‫كان الإعياء قد أخذ منا كل رصيدنا من المطاولة لذلك أمضينا بقية اليوم حتى المساء في غرفنا‬
‫وقد أقام لنا السيد إب ارهيم حسين مأدبة عشاء كريمة في مطعم لبناني قريب من القاعدة‪ ،‬وحضر معنا‬
‫السيد مروان عبد الرحمن وهو مترجم مصري مقيم في نيويورك ويمتلك مكتبًا للاستشا ارت والترجمة‬

‫‪64‬‬

‫نزار السامرائي‬ ‫يَو ِميَّاتُمُسَافِ ٍرعَلَى َطر ِيقٍأَ ْحمَر‬

‫القانونية‪ ،‬وقد انتدبته المحكمة للمشاركة في الترجمة القانونية أثناء سير الم ارفعة‪ ،‬وقد أخبرنا السيد‬
‫إب ارهيم حسين أن مروان عبد الرحمن تقاضى مقابل العقد مع المحكمة عشرة آلاف دولار مع تذكرة‬
‫السفر على الدرجة الأولى من نيويورك إلى أوستن ذهابًا وايابًا والإقامة في فندق خمس نجوم مع‬
‫سيارة تحت تصرفه طيلة المدة التي تستغرقها مهمته‪ ،‬وفي اليوم التالي جاءنا السيد إب ارهيم حسين‬

‫وذهبنا إلى أحد مطاعم القاعدة واشترينا منه ما نحتاج إليه من أطعمة لبقية اليوم‪.‬‬
‫في يوم الأربعاء ‪ 27‬تشرين الأول ‪ 2004‬عقدت جلسة استماع في المحكمة وقد استدعي‬
‫مروان ومأمون تباعًا ووجه لهما القاضي أسئلة حول الجريمة‪ ،‬وحاول أن يذهب بهما بعيداً إلى‬

‫القناعات السياسية والفكرية‪ ،‬و أريهما في مواجهة قوات الاحتلال الأمريكي من جانب الع ارقيين‪.‬‬
‫حاول القاضي أن يتسلل بين العبا ارت التي تحدث بها مروان عن تفاصيل الجريمة ووجد أن‬
‫أقواله هي هي لم تتغير منذ أول استدعاء له أمام لجنة التحقيق العسكرية في كولو اردو خلال الجلسة‬
‫التحقيقية التي عقدت في مطار صدام حسين‪ ،‬أو اللجان التحقيقية التي سبقت ذلك‪ ،‬فالواقعة حصلت‬
‫بالصورة التي تحدث عنها مروان منذ اليوم الأول‪ ،‬لأنها حصلت له ونجا من الموت بأعجوبة‪ ،‬قال‬
‫له القاضي لم نجوت ومات ابن عمك؟ أجابه مروان بكلمات بسيطة‪ ،‬أنا مسلم ومؤمن بما جاء في‬
‫الق ارن الكريم "قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا"‪ ،‬وسأله عن تفاصيل أخرى حصلت معه ومع زيدون‬
‫منذ أول لحظة لوصولهما إلى سيطرة سد الثرثار‪ ،‬فأعاد عليه سرد القصة كما حصلت‪ ،‬حاول أن‬
‫يستدرجه إلى قول كلمة قد تشكل دليلًا للإدانة عن علاقته وعلاقة زيدون مع المقاومة المسلحة‪،‬‬

‫أجابه‪" :‬أنا أؤيد المقاومة لأنه حق مشروع لشعب كل بلد تم احتلاله"‪.‬‬
‫أما مأمون فقد عرض تفاصيل المحنة التي سببتها القوات الأمريكية له شخصيًا ولكل أف ارد‬
‫الأسرة وأقارب زيدون‪ ،‬سأله القاضي كم تتوقع أن نعوضك عن خسارة ابنك؟ أجابه بشكل قاطع‪" :‬ما‬
‫جئنا لنطلب تعويضًا لأن أموال أمريكا كلها لن تعوض خسارتنا‪ ،‬ولكنني كنت أرى مسار المحاكمات‬
‫في أمريكا عبر الأفلام التي تنتجها هوليود‪ ،‬فأردت أن أعرف حقيقة العدالة في بلادكم على الأرض‬
‫وليس بالأفلام‪ ،‬أريد أن ينزل القصاص العادل بالقتلة جميعًا أريد أن أرى قتلة ابني يدفعون الثمن‪،‬‬
‫لأنهم على ما يبدو ارتكبوا ج ارئم غير الجريمة التي لحقت بابني‪ ،‬من أمر بالقتل ومن نفذ الجريمة"‪،‬‬
‫لم يجد القاضي ثغرة يتسلل منها ويعثر على خطأ بسيط في سرد الحكاية من قبل مروان ولا في‬

‫حديث مأمون عن فجيعته في ولده البكر‪.‬‬

‫‪65‬‬

‫نزار السامرائي‬ ‫يَو ِم َيّا ُت ُمسَافِ ٍرعَلَى َطر ِيقٍأَحْمَر‬

‫في المساء جاء إلى الفندق المحامي النقيب شيفرز ومعه النقيب المحامية التي لم أعد أذكر‬
‫اسمها‪ ،‬وطلبا من مروان الاستعداد لمقابلة معهما‪ ،‬حين سألنا عن سبب اللقاء في الفندق قال إب ارهيم‬
‫إنهما يريدان التوثق عن بعض المعلومات التي وردت بإفادة مروان ومأمون‪ ،‬وقد أبلغني المحامون‬
‫الأربعة نقلاً عن هيئة المحكمة أنها لا تسمح لمحاٍم غير عسكري أمريكي أن يت ارفع أمامها ضد متهم‬
‫عسكري أمريكي‪ ،‬بل أنها لا تقبل محامياً مدنياً حتى ولو كان أمريكياً ليفعل ذلك‪ ،‬هذا هو القانون‬
‫العسكري الأمريكي والقانون هو الذي يأخذ طريقه للتنفيذ بصرف النظر عن أرينا فيه‪ ،‬مسا ًء دعانا‬
‫إب ارهيم حسين على طعام العشاء في مطعم إيطالي قريب وبعد تناول طعام العشاء وحينما كان مقر‬
‫قيادة المعسكر خاليًا من ضباطه أخذنا إب ارهيم إلى مقر قيادة القوات التي عملت في الع ارق خلال‬
‫وجوده مع القائد في محافظة صلاح الدين وأطلعنا على صوره مع القائد الأمريكي وبعض من‬
‫أسماهم بوجهاء المحافظة‪ ،‬ويبدو أن ذلك من بين الأسباب التي دفعت الجهات العسكرية الأمريكي‬

‫إلى منعه من م ارفقتنا في زيارتنا الثانية للمنطقة‪.‬‬
‫لم يطل بنا المقام في فورت هود ففي يوم الجمعة ‪ 29‬تشرين الأول أ ارد إب ارهيم حسين أن‬
‫يودعنا فأقام لنا دعوة عشاء في مطعم لبناني في مدينة كلين المجاورة لانتهاء مهمتنا هناك‪ ،‬ويبدو‬
‫أن تكاليف إقامتنا كانت على نفقة الجانب الأمريكي‪ ،‬وأبلغنا إب ارهيم بأننا سنغادر إلى الع ارق يوم‬
‫غد ‪ 10/ 30‬وتمنى علينا أن نجلب له تم اًر ع ارقيًا خلال زيارتنا المقبلة ووعدناه بذلك بود وشعور‬
‫بالامتنان لجهوده معنا‪ ،‬وفي تمام الساعة الثانية ظه اًر بالتوقيت المحلي غادرنا مطار أوستن متوجهين‬
‫إلى مطار "مينا بولس" في ولاية ميسوري‪ ،‬ومما لاحظته على حركة النقل داخل المدن الأمريكية‬
‫القريبة على بعضها‪ ،‬أن جميع الطائ ارت المستخدمة كانت طائرة متوسطة الحجم وليست نفاثة‪،‬‬
‫وانتقلنا إلى طائرة الخطوط الجوية الهولندية الملكية ‪ KLM‬المتجهة إلى أمستردام‪ ،‬وأقلعت بنا الطائرة‬
‫في الوقت المحدد‪ ،‬وبعد طي ارن استمر ست ساعات هبطت بنا الطائرة في مطار أمستردام ومنه‬
‫غادرنا إلى الكويت على متن طائرة أخرى ووصلناها يوم ‪ 10/ 31‬وانتقلنا إلى قاعدة علي السالم‬
‫الجوية حيث بتنا فيها ليلةً واحدة‪ ،‬وهذه القاعدة كنا قد حللنا فيها في طريق المغادرة إلى الولايات‬

‫المتحدة‪.‬‬
‫عصر اليوم التالي أي يوم الاثنين ‪ 2004/ 11 /1‬غادرنا القاعدة الجوية الأمريكية في الكويت‬
‫على طائرة ‪ C 130‬إلى بغداد وعند اقت اربها من المطار لم تكن الطائرة قد بدأت بالهبوط التدريجي‬

‫‪66‬‬

‫نزار السامرائي‬ ‫يَومِيَّاتُ ُمسَافِ ٍرعَلَى َطريِ ٍقأَ ْحمَر‬

‫كما هو معتاد حتى وصلنا محيط بغداد حيث بدأت بالهبوط اللولبي كما أقلعت قبل أسبوع‪ ،‬ولم‬
‫تتمكن القوات الأمريكية البرية "والحمد لله" من تأمين إقلاع وهبوط آمنين لطائ ارتها المغادرة والعائدة‬
‫إلى بغداد من استهداف المقاومة الباسلة‪ ،‬ويبدو هذا النوع من الإقلاع والهبوط مثير للقلق وتوتر‬
‫أعصاب الطيارين والركاب‪ ،‬فالهواجس تتكرر وبدرجة أكبر من حوادث العجلات الأمريكية في شوارع‬
‫بغداد فيما لو وقعت وخاصة على طريق المطار‪ ،‬فالبحث عن الجثث في حوادث سقوط الطائ ارت‬
‫ومن ثم تشخيص الجثث بواسطة الحمض النووي‪ ،‬يعد في مثل ظروف الع ارق الأمنية غاية في‬
‫التعقيد والصعوبة أو الاستحالة‪ ،‬على العموم هبطت الطائرة وهي ذات أربعة محركات مروحية على‬
‫مدرج المطار وحمدنا الله على السلامة والعودة إلى أرض الوطن‪ ،‬أوصلتنا سيارة رباعية الدفع إلى‬

‫السيطرة الخارجية للمطار وكنت قد اتصلت بمن يأتي إلينا لأخذنا إلى المنزل‪.‬‬

‫‪67‬‬

‫نزار السامرائي‬ ‫يَومِ َيّا ُتمُسَافِرٍعَلَىطَريِقٍأَحْمَر‬

‫الخطوة السابعة‬

‫بانتظار قرار الحكم‬

‫بعد رحلة طويلة ومتعبة جدًا‪ ،‬رجعنا إلى بغداد عبر قاعدة علي السالم‪ ،‬من دون أن نحصل‬
‫على وعٍد واضح من الجانب الأمريكي في قاعدة فورت هود‪ ،‬عن الحكم الذي سيصدر عن المحكمة‬
‫العسكرية في القاعدة المذكورة على العريف الأمريكي بيركنز الذي نفذ فصول الجريمة‪ ،‬على الرغم‬
‫من أن المحامي شيفرز وزميلته أكدا بصورة قاطعة‪ ،‬بأن بيركنز سيَُدان بارتكاب الجريمة‪ ،‬وأن العقوبة‬
‫تعني طرده من الجيش وحرمانه من حقوقه التقاعدية‪ ،‬وتعميم اسمه على جهات كثيرة لمنع توظيفه‪،‬‬

‫وقالا إن هذه العقوبة تعتبر قاسية جداً بكل المقاييس‪.‬‬
‫في اليوم التالي غادر مأمون ومروان إلى سام ارء على هذا الطريق الذي يحمل ذكرى المأساة‪،‬‬
‫بعد أن است ارحا من عناء سفر متصل‪ ،‬وكنت أتلقى مكالمات هاتفية من داخل الع ارق ومن خارجه‬
‫عن نتيجة المعركة القانونية التي دخلناها‪ ،‬وكالعادة في مثل هذه الظروف كنا ُنواجه كثي اًر من الأسئلة‬
‫عما حصل خلال سفرتنا للولايات المتحدة‪ ،‬حينما كنا نجيب بأن الجلسة كانت للتحقيق وليس لمحاكمة‬
‫المتهمين‪ ،‬كانت تعليقات المتصلين تُجمع على إبداء الأسى والأسف والدهشة في وقت واحد‪ ،‬ذلك‬
‫أن التحقيقات قد أخذت وقتاً طويلًا جدًا في قضية واضحة ولا ألغاز فيها أبداً‪ ،‬وكنت أقول لهم هذه‬
‫تقاليد القضاء في الدول الغربية‪ ،‬كانوا ُيجرون مقارنات بين القضاء الع ارقي والقضاء الأمريكي في‬
‫سرعة الحسم‪ ،‬وبعد أن كنت أوضح ذلك تنتقل الأسئلة للقادم عن التدابير والإج ارءات‪ ،‬وفي هذه‬
‫النقطة بالذات نجد أنفسنا أكثر رغبة من غيرنا في معرفة ما ستؤول إليه الأمور لأننا أصحاب‬

‫القضية‪.‬‬
‫اتفقت مع مروان أن يُبلغني بأي اتصال يتم من جانب الأمريكان معه قبل أن يُقدم على أية‬
‫خطوة غير مدروسة‪ ،‬كنت أظن أن الأمريكان ربما يسعون للتخلص منه لأنه الشاهد الوحيد على‬
‫جريمة لم يكونوا ليتصوروا أنه سيفلت من الموت‪ ،‬فإن لم يبتلعه ناظم الثرثار ويقذفه مع زيدون إلى‬
‫الطرف الآخر‪ ،‬فإن الماء البارد في بداية شهر كانون الثاني‪ /‬يناير كا ٍف لقتل من ينزل إليه‪ ،‬ولهذا‬

‫‪68‬‬

‫نزار السامرائي‬ ‫يَو ِم َّيا ُت ُمسَافِ ٍرعَلَى َطريِقٍأَ ْحمَر‬

‫فقد تع ّمدت المجموعة التي نفذت الجريمة على البقاء لمدة ساعة تقريبًا في حالة م ارقبة لموقع الجريمة‬
‫وان عن ُبعْد لرصد المشهد وقتل من يتمكن من الخروج منهما‪.‬‬

‫واصلت حركتي ونشاطي على مستوى الصحف المطبوعة والفضائيات وحيثما أتيحت لي‬
‫فرصة الحديث عن الجريمة‪ ،‬فقد كنت أطرح المعلومات القديمة وما يستجد من معلوما ٍت‪ ،‬وكنت في‬

‫حالة انتظار الخطوة التالية‪.‬‬
‫بعد نحو شهر من عودتنا من فورت هود‪ ،‬اتصل بي السيرجنت واتسون وهو مساعد لسينترون‬
‫وأبلغني بالحضور إلى منطقة المطار لم ارجعة السفارة الأمريكية مرة أخرى بهدف الحصول على‬
‫تأشيرة جديدة لدخول الولايات المتحدة‪ ،‬ولكنني أوضحت أن هذا الطلب لا مبرر له أبداً وأننا نستطيع‬
‫الذهاب إلى بوابة المنطقة الخض ارء قرب جسر الجمهورية‪ ،‬وننتظر هناك لحين مجيئكم وتسلمون‬
‫أسماءنا لشعبة الاستعلامات‪ ،‬وعندها سنتمكن من إج ارء المطلوب بشكل اعتيادي‪ ،‬وأضفت لا معنى‬
‫أبدًا لمجيئنا إلى منطقة المطار ثم العودة مرة أخرى إلى بغداد فهذه رحلة شاقة ولا مبرر لها‪ ،‬وبعد‬
‫نقاش لم يخل من تباين حاد في وجهات النظر‪ ،‬اقتنع بوجهة نظري‪ ،‬ومن المحتمل أنه لم يبت من‬
‫تلقاء نفسه بذلك وهذا هو المرجح‪ ،‬وحدد يوم الخميس الثاني من كانون الأول‪ /‬ديسمبر ‪2004‬‬
‫موعداً للذهاب إلى السفارة‪ ،‬اتصلت بمأمون ومروان وطلبت منهما المجيء من سام ارء‪ ،‬وكان السفر‬
‫على الطرق الخارجية ال اربطة بين بغداد والمدن الأخرى يحمل من المغامرة والمجازفة الشيء الكثير‪،‬‬
‫بسبب انعدام الأمن على طول تلك الطرق وخاصة طريق بغداد سام ارء‪ ،‬بسبب النشاط الذي تُمارسه‬
‫المقاومة الوطنية المسلحة ضد قوات الاحتلال الأمريكي‪ ،‬كانت فصائل المقاومة تتحرك بمرونة‬
‫عالية وتنقل نشاطها من مكان إلى آخر‪ ،‬لإرباك الخطط العسكرية الأمريكية المحتلة‪ ،‬وكانت ردود‬
‫الفعل الانتقامية التي ترد فيها تلك القوات على المواطنين الآمنين المسافرين على الطرق الخارجية‪،‬‬

‫عشوائية وكأنها تريد أن توصل رسالة للمقاومة بأنها ستؤلب المواطنين على المقاومة‪.‬‬
‫في اليوم المحدد ذهبنا إلى بوابة القصر الجمهوري في ك اردة مريم عند جسر الجمهورية‪ ،‬وبعد‬
‫انتظار طويل نودي بأسمائنا للدخول‪ ،‬وجدنا واتسون بانتظارنا في عربة عسكرية مدرعة‪ ،‬ومضينا‬
‫معاً إلى مبنى السفارة الذي كنا قد جئناه قبل عدة أسابيع للغرض نفسه‪ ،‬كانت المهمة هذه المرة‬
‫أسهل من السابقة حيث أن السفارة "القنصلية" سبق لها أن ثبتت المعلومات الخاصة بنا في حواسيبها‬

‫ولم تفعل أكثر من استخ ارج تلك المعلومات مع تغيير تواريخها‪.‬‬

‫‪69‬‬

‫نزار السامرائي‬ ‫يَو ِم َّيا ُتمُسَا ِف ٍرعَلَى َطر ِي ٍقأَحْمَر‬

‫بعد الانتهاء من هذه المهمة المزعجة حقًا والتي لم نرغب يوماً في م ارجعة سفارة بلد جاء بقواته‬
‫عبر آلاف الكيلو مت ارت تحت لافتة نقل الديمق ارطية واقامة اقتصاد متطور في الع ارق بحيث أن‬
‫بوش قال مرة‪" :‬سأجعل من الحصول على تأشيرة دخول الع ارق أمنية" هذه الوعود التي اتضح زيفها‬
‫وأن هذه الدعوة مجرد مسوغ للسيطرة على المنطقة‪ ،‬سألت واتسون عن سينترون فقال إنها أنهت‬
‫خدمتها وعادت إلى الولايات المتحدة‪ ،‬وأنه شخصياً حل محلها في مهمتها القانونية‪ ،‬وسألته عن‬
‫موعد السفر فقال إنه لا يعرف وعند توفر أية معلومة عنده سوف يخبرنا قبل وقت كاف من أجل‬

‫الاستعداد للسفر‪.‬‬
‫بعد عشرة أيام اتصل بي واتسون وأبلغني بالحضور إلى المطار يوم السبت ‪2004/ 12/ 4‬‬
‫لغرض السفر‪ ،‬وعند الساعة الثالثة عص اًر كنا عند بوابة القاعدة الجوية العسكرية الأمريكية في‬
‫المطار‪ ،‬وبعد تك ارر الإج ارءات الأمنية عند البوابات المتعددة للمطار‪ ،‬وسلمنا حقائبنا لواتسون وجلسنا‬
‫في صالة الانتظار مع ملاحظتنا بعدم وجود استعدادات حقيقية للسفر‪ ،‬وبعد انتظار طويل قالوا لنا‬
‫إن السفرة تأجلت حتى الغد‪ ،‬وخيرونا بين المبيت في صالة الانتظار أو العودة إلى المنزل‪ ،‬من‬
‫الطبيعي أننا اخترنا العودة للمبيت في البيت‪ ،‬وأكد علينا أن نكون في المطار عند الساعة الحادية‬
‫عشرة من صباح اليوم التالي أي يوم الأحد ‪ 12/ 5‬وهذا ما حصل‪ ،‬غير أن طائرتنا لم تقلع إلا في‬
‫التاسعة والربع مساء في حفلات تعذيب كان الأمريكيون يمارسونها معنا بهدف إدخالنا في منطقة‬

‫الجزع‪ ،‬ولكننا كنا نلقي عليهم دروساً عملية في القدرة على المطاولة والصبر‪.‬‬
‫بعد أن أقلعت الطائرة وأخذت حركتها اللولبية بالارتفاع فوق منطقة المطار عادت بي الذكرى‬
‫إلى أيام الشباب عندما كنا نرتقي درجات أجمل مئذنة إسلامية في العالم أي ملوية سام ارء‪ ،‬من‬
‫حيث طبيعة الحركة اللولبية‪ ،‬على كل حال وصلنا الكويت مرة أخرى حوالي العاشرة والنصف مساء‪،‬‬
‫ومن هناك انتقلنا إلى مطار الكويت الدولي‪ ،‬ولكن المشهد السابق تكرر هذه المرة أيضا بكل فصوله‬
‫وتفاصيله‪ ،‬وعجبت أن بلدًا مثل الولايات المتحدة يقع في الخطأ نفسه مرتين وفي غضون خمسة‬
‫أسابيع‪ ،‬فأية دولة متقدمة في كل شيء وعالية التطور هذه؟ قلت لواتسون لو أن بلداً مثل الع ارق‬
‫ارتكب هذا الخطأ الذي وقعتم فيه ماذا كنتم ستقولون عنه وماذا ستطلقون عليه من الأوصاف؟ لم‬
‫يع ِط جوابًا عن السؤال لأنه كان مقتنعا بأن المشكلة سيتم حلها في غضون ساعات‪ ،‬وسنغادر على‬
‫متن طائرة لاحقة كما حصل في المرة السابقة‪ ،‬ولذا فقد تم نقلنا إلى دار الضيافة في قاعدة الدوحة‬

‫‪70‬‬

‫نزار السامرائي‬ ‫يَو ِميَّاتُمُسَافِرٍعَلَىطَريِقٍأَ ْحمَر‬

‫العسكرية الأمريكية في الكويت‪ ،‬وهذه القاعدة كانت بالأصل مينا ًء بحرياً تجاريًا كويتيا‪ ،‬وتم تحويله‬
‫إلى قاعدة بحرية أمريكية‪.‬‬

‫استمرت الاتصالات خلال الليل مع السلطات الكويتية والتي كررت حجتها السابقة بأننا دخلنا‬
‫الأ ارضي الكويتية بصورة غير مشروعة‪ ،‬وكأننا كنا نرغب بدخولها بأية صورة من الصور‪ ،‬أو كأن‬
‫هذه السلطات تمسك بحدود الكويت من أط ارفها‪ ،‬ولما وصلت الاتصالات إلى طريق مسدود‪ ،‬أبلغنا‬
‫واتسون بأن السلطات الكويتية أبلغته بضرورة مغادرتنا الكويت فو اًر‪ ،‬من أجل ذلك تم نقلنا من القاعدة‬
‫البحرية في الدوحة إلى قاعدة علي السالم الجوية وتم وضعنا تحت ح ارسة على وفق ما زعموا‪،‬‬
‫وقابلنا آمر القاعدة وهو ضابط برتبة عقيد وطمأننا على سلامتنا‪ ،‬قال لنا بأنهم حريصون على‬
‫التحفظ علينا لحمايتنا من الكويتيين لأنهم يعرفون نواياهم تجاه كل ع ارقي‪ ،‬فأبدينا استغ اربنا من هذا‬
‫الطرح من ضابط جاء إلى المنطقة للدفاع عن الكويت نفسها‪ ،‬ليس لأننا نعجب من ُعَقِد الكويتيين‬
‫تجاه كل من هو اكبر منهم حتى في أسوأ ظروفه‪ ،‬وانما لأننا سنكون في حماية أمريكية على حد‬
‫زعمهم من عرب لم نشعر بخوف منهم في أي ظرف من الظروف‪ ،‬ومهما لوثت السياسة المشاعر‬
‫والعقول‪ ،‬فهل يكون َم ْن قتل الع ارقيين ودمر كيان دولتهم بل وقتل ابنهم بتلك الطريقة التي لا ترد‬

‫على بال إنسان سوي‪ ،‬أن يحرص على حياة أبيه وعمه بل وعلى من ألقي معه في اليم؟‬
‫أمر العقيد بترتيب غرفة نوم فجلبوا لنا ثلاثة أسرة على عجل‪ ،‬وكان سؤالنا الملّح‪ ،‬هل يصح‬
‫لبلٍد مثل الولايات المتحدة والذي يطرح نفسه أعلى قمة في التطور والتقدم الإنساني والعلمي والسياسي‬
‫والقانوني‪ ،‬أن يكرر هذا الخطأ الكبير في قضية صغيرة بهذا المستوى‪ ،‬ولماذا لم تستفد السلطة‬
‫المختصة من تجربة منعنا في المرة السابقة ولم تم ِض عليه إلا خمسة أسابيع؟ الكويت أ اردت أن‬
‫تستعرض معنا أهميتها وتمنع دخولنا إلى أ ارضيها في المرة السابقة وبعد تدخل قائد القيادة المركزية‬
‫الأمريكية تم السماح لنا بالمغادرة إلى أمريكا‪ ،‬فما بال السلطة نفسها ترتكب نفس الخطأ مع نفس‬
‫الجهة في غضون خمسة أسابيع؟ ترى ماذا كان سيقول الأمريكيون؟ بلٌد فيه أهم م اركز الد ارسات‬
‫الاست ارتيجية وبلٌد يمتلك أكثر جامعات العالم تطو اًر وبلُد أجهزة الكومبيوتر الأكثر تعقيدًا وتطو اًر‪ ،‬لو‬
‫أن بلدًا عربياً كرر هذا الخطأ؟ ألا يعتبرونه فضيحة تنم عن غباء مستحكم ومركب؟ وينم عن بداوة‬
‫وتخلف؟ أم أنهم سيعتبرونه سهواً يمكن أن يقع فيه الجميع؟ نعم هذه أمريكا عارية بالتجربة الميدانية‬

‫الصغيرة‪ ،‬تم إشعارنا بأننا سنعود إلى بغداد بانتظار فرصة أخرى للسفر‪.‬‬

‫‪71‬‬

‫نزار السامرائي‬ ‫يَومِ َيّا ُتمُسَافِ ٍرعَلَى َطريِ ٍقأَ ْحمَر‬

‫على العموم في الثانية والنصف من يوم الاثنين ‪ 12 /6‬أقلعت بنا الطائرة عائدة إلى بغداد‬

‫ووصلناها في ال اربعة وخمس دقائق‪ ،‬وكان طبيعيًا أن تؤجل الجلسة مرة أخرى لحين جلب شهود حق‬
‫الادعاء الشخصي‪.‬‬

‫رجعنا إلى بغداد ولم يبلغنا الأمريكيون عن موعد سفرنا البديل وان قالوا لنا سنتصل بكم في‬

‫وقت لاحق لإبلاغكم بالموعد‪ ،‬وطلب ُت منهم أن يتم الاتصال بنا قبل ثلاثة أيام كي تتاح لنا الفرصة‬
‫للتهيؤ للسفر لاسيما وأن مأمون ومروان يسكنان في مدينة سام ارء التي تبعد عن بغداد بـ‪ 125‬كيلو‬

‫مت اًر‪ ،‬وفي ظل الظروف الأمنية المعقدة وتنقل الأرتال العسكرية الأمريكية على الطرق الخارجية في‬
‫الع ارق‪ ،‬وقطعها لمدد طويلة‪ ،‬فلا بد من إبلاغهما قبل وقت مناسب للانتقال إلى بغداد على الطريق‬

‫نفسه الذي سار عليه مروان وزيدون في اليوم الذي سبق ليلة الجريمة الأمريكية‪.‬‬

‫ويوم ‪ 24‬كانون الأول‪ /‬ديسمبر‪ 2004‬اتصل السيرجنت واتسون وطلب منا الحضور إلى نقطة‬
‫السيطرة الأولى التابعة للمطار‪ ،‬ولم نعلم ما هو المقصود من هذه الخطوة الجديدة وِلَم الذهاب إلى‬
‫المطار مرة أخرى خاصة وأن واتسون لم يبلغنا بجلب حقائب السفر‪ ،‬وطالما أننا أصبحنا جزًء من‬
‫هذا المشهد فعلينا أن نذهب به إلى نهايته مهما عانينا من أعباء التحرك وطريقة الأمريكيين في‬

‫التعامل معنا فلا بّد من صنعا وان طال السفر‪.‬‬
‫عدونا هو الذي يحدد المواعيد لنا على نحو مقرف ولا يخلو من محاولة الإيقاع بنا‪ ،‬إن لم‬

‫يحصل ذلك بني ارن قواته فبني ارن المقاومة النشطة على طريق المطار‪ ،‬وبناء على مواعيد يفرضها‬
‫عدونا نذهب إلى المطار ونعود منه فهو الخصم والحكم‪ ،‬ليس في جريمة قتل زيدون فقط وانما في‬

‫جريمة قتل مشروع الع ارق النهضوي الكبير‪ ،‬وكانت معاناتنا عند المرور على طريق الموت تتكرر‬
‫وبصورة مؤلمة كلما ت ارفقت مع مشاعر البغضاء لجنود يرتهنوننا كدروع بشرية لحمايتهم أو لقتلنا‬

‫معهم في حال لم نوفر لهم الأمن في طريق محفوف بكل الأخطار المحتملة وغير المتوقعة‪ ،‬ومع‬

‫كل متر نجتازه ونشعر فيه بالطمأنينة تضغط علينا هواجس مئات الأمتار الأخرى بكل ثقلها‪.‬‬
‫وصلنا وانتظرنا مرة أخرى عند نقطة السيطرة الخارجية للمطار‪ ،‬ثم جاءنا واتسون وأخذنا إلى‬

‫قصر الفاو الرئاسي الذي تحول إلى مقر القيادة العسكرية للقوات الأمريكية في الع ارق‪ ،‬كانت السيطرة‬
‫على القصر بحد ذاتها‪ ،‬كابوسًا مرعباً بسبب هذا السطو المركب في معناه المادي والاعتباري‪ ،‬وكنت‬

‫‪72‬‬

‫نزار السامرائي‬ ‫يَو ِم ّيَا ُتمُسَا ِفرٍعَلَى َطر ِي ٍقأَحْمَر‬

‫أشعر بتوتر عصبي حاد كلما فكرت بأن هذا القصر الذي كان رم اًز لشموخ الع ارق وانتصاره في‬
‫الحرب مع إي ارن وحص اًر رمز انتصار في معركة الفاو الذي حطمت آمال إي ارن في كسبها‪.‬‬

‫مع ذلك كنت أفكر مع نفسي ماذا لو سبقت قطعان الغوغاء وزحفت على هذا القصر قبل‬
‫احتلال القوات الأمريكية له‪ ،‬وفعلوا به ما فعلوه في القصر الجمهوري في ك اردة مريم وسائر الأبنية‬
‫الحكومية التي سرقوا منها كل ما يمكن سرقته وما لم يتمكنوا منه أتلفوه بوسائل اشتهر بها أعداء‬
‫التاريخ والحضارة الذين سكنوا بلاد ما بين النهرين "ميزوبيتاميا" ونقلوا إليه تقاليدهم وأخلاقهم وقيمهم‬
‫التي جاءوا بها من أوطانهم القديمة‪ ،‬وبدلًا من العيش بسلام في أرض السواد نقموا عليها وعلى‬
‫شعبها‪ ،‬لأنهم من مجتمعات همجية في غاية التخلف‪ ،‬وعندما يعجز شعب من الشعوب أو قبيلة من‬
‫القبائل عن التعايش مع الانجا ازت الحديثة‪ ،‬فلا مناص من التآمر عليها وا ازلتها من جذورها إن‬

‫أمكن‪.‬‬
‫هؤلاء الذين استوطنوا الع ارق بحثاً عن الخبز‪ ،‬لم يحبوا ماءه وهواءه فعملوا فيه كل منكر وخ ارب‬
‫ودمار‪ ،‬فهل تستحق القوات الأمريكية منّا قليلاً من الثناء لأنها احتلت القصر في أولى ساعات‬
‫دخولها إلى بغداد؟ ووفرت له الحماية كي تتخذه مق ًار لها على الرغم من أنها دمرت بلدًا بكامله؟ هذا‬

‫هو المحال‪.‬‬
‫هنا برزت أمام ذاكرتي التي أتعبها حب الع ارق وامتلكها بجدارة‪ ،‬حكاية قديمة من أيام الحرب‬
‫العالمية الثانية‪ ،‬فبعد أن احتل الألمان باريس في نزهة سريعة‪ ،‬سارع المارشال فيليب بيتان بإعلان‬
‫حكومة فيشي تحت الاحتلال الألماني‪ ،‬وحاول أن يبرر لنفسه اصطفافه الذليل مع قوات الاحتلال‬
‫النازية بزعمه أنه خاف على باريس الجميلة وموجوداتها الحضارية من التدمير‪ ،‬فضحى بسمعته من‬
‫أجل عظمة فرنسا‪ ،‬وتساءلت مع نفسي هل يمكن الفصل بين الشرف الشخصي والشرف الوطني؟‬
‫أي بمعنى أن خونة فرنسا لهم شرف وطني وحرص على بلادهم من عبث المحتلين في موجوداتها‬
‫الثقافية والحضارية ومتحف اللوفر ومقتنياته من المآثر الفنية وبقية المتاحف الفنية والتاريخية والتي‬
‫تزخر بها مدينة باريس‪ ،‬وقصر فرساي ومتحف نابليون وغيرها من الآثار؟ أم أن هذه الادعاءات‬
‫التي طرحت لاحقاً‪ ،‬كان الهدف منها تبييض سمعة من خان فرنسا وتعاون مع الألمان؟ بعد عدة‬
‫عقود من حصول تلك الواقعة‪ ،‬وكأن من أ ارد الخروج بها على الملأ سعى للقول بأن فرنسا لم تنتج‬

‫خونة ونفوساً مريضة وعقولًا مستعدة لمد اليد للعدو؟‬

‫‪73‬‬

‫نزار السامرائي‬ ‫يَو ِم َّياتُ ُمسَا ِف ٍرعَلَىطَر ِي ٍقأَحْمَر‬

‫هل في الع ارق من بيتان واحد كان على استعداد للتضحية بسمعته من أجل الحفاظ على‬
‫مصانعه ومنشآته التي أنفق عليها أموالًا طائلة وجهداً استثنائيًا وعرق أبنائه عبر السنين؟ أو على‬
‫المتحف الع ارقي الذي يحكي قصة الحضا ارت التي تعاقبت على أرض ال ارفدين منذ سبعة آلاف‬
‫سنة؟ أو المتاحف الفنية الحديثة التي نشرها الحكم الوطني في عموم مدن الع ارق‪ ،‬حتى تحولت‬

‫بغداد إلى أعظم مشروع حضاري نهضوي وفني كبير تحت الشمس؟‬
‫على العكس من ذلك فإن من غ از الع ارق ومن مهّد له الطرق للوصول إلى مدنه كان يحمل‬
‫موروثًا من الحقد التاريخي والاقتصادي والفني على كل شيء جميل في الع ارق‪ ،‬فتحركت معاو ُل‬
‫خونِة الداخل لتحرق المكتبات العامة ومركز الوثائق الع ارقي الذي كان بمثابة ذاكرة ع ارقية حية‪،‬‬
‫ولتدمر المنشآت الصناعية والطبية والأسواق المركزية "السوبر ماركت" ولتسطو على كل مؤسسات‬
‫الدولة ومعسك ارتها‪ ،‬وحتى الآثار القديمة في المتاحف تم العبث بها وتدمير كثير منها وسرقتها بهدف‬
‫تهريبها إلى الخارج‪ ،‬وفُقدت الآلاف من اللوحات الفنية الثمينة من متاحفها‪ ،‬ومن أجل التغطية على‬
‫ج ارئمها أحرقت الأبنية‪ ،‬ثم انتقلت العقول المريضة والضمائر الميتة والنفوس الحاقدة إلى النصب‬
‫والتماثيل في مختلف المدن الع ارقية فأ ازلتها بالج ارفات تنفيساً عن عقد مزمنة لم تشفها كل عمليات‬

‫البناء الثقافي والتعليمي والعلمي الذي شهده الع ارق قبل الاحتلال‪.‬‬
‫ومع كل ذلك أُجزم بأن الفصل بين الشرف الشخصي والشرف الوطني في غاية الاستحالة ولا‬
‫يعدو عن كونه محاولة بائسة لتلقين الحمار النطق أو تعليم السمك المشي على الرمال‪ ،‬فالخيانة‬
‫واحدة وقد أكدت تجربة غزو الع ارق واحتلاله أن خونة الداخل كانوا أكثر إيذاء للع ارق من كل جحافل‬
‫الأعداء الخارجيين‪ ،‬فلا أحد منهم على الإطلاق بريء من جريمة تدمير الع ارق والإساءة إلى ك ارمته‬
‫وسمعته‪ ،‬عندما اصطف الآلاف من الغوغاء والمخربين في شوارع بغداد وهم يحملون على ظهورهم‬

‫أي شيء قابل للسرقة من أي مكان عام‪.‬‬
‫كما أن كل من تسلم مسؤولية وظيفية بعد الاحتلال‪ ،‬جاء من أجل استكمال تدمير الع ارق‬
‫ولتحقيق ما قاله جيمس بيكر للأستاذ طارق عزيز‪ ،‬إن أمريكا ستعيد الع ارق إلى عصر ما قبل‬

‫الصناعة‪ ،‬وهذا ما تحقق فعلاً‪.‬‬
‫المهم كان سبب تبليغنا بالحضور إلى قصر الفاو هو لمجرد إبلاغنا بأن موعد سفرنا الجديد‬
‫إلى الولايات المتحدة قد تقرر في يوم الثلاثاء ‪ ،2004/ 12/ 28‬ألهذا استدعيتمونا إلى المطار؟‬

‫‪74‬‬

‫نزار السامرائي‬ ‫يَو ِميَّا ُت ُمسَافِرٍعَلَىطَريِقٍأَ ْحمَر‬

‫ألم يكن ممكنا تبليغنا هاتفيًا؟ تساءلنا عن ذلك بسخط ظهرت علاماته على وجوهنا‪ ،‬ولكن جوابًا لم‬
‫يصل أبداً‪ ،‬و أريت أن سلوك الأمريكيين هذا يهدف إلى إصابتنا بالملل والسأم من الانتظار الطويل‪.‬‬
‫يوم الثلاثاء ‪ 12 /28‬لم يبق من عمر العام الميلادي ‪ 2004‬سوى ثلاثة أيام‪ ،‬ثم نودع عاماً‬
‫ذاق فيه الع ارقيون م ار ارت متلاحقة لم يذوقوا أمّر منها من قبل‪ ،‬ولكنهم قد يذوقون ما هو أمّر منها‬
‫في قابل الأيام والأشهر والسنين‪ ،‬فبلُدنا مكتو ٌب عليه ألا يستقَر ولا يذوق طعم الطمأنينة والأمن‪،‬‬
‫وكأن هذه البقعة من الأرض اختير ْت لاختبار صبر من يسكن فيها وجلدهم‪ ،‬ولهذا يسأل كثير من‬
‫الع ارقيين "هل هي إ اردة الله سبحانه أم إ اردة شر اجتمعت عليه قوى دولية التقت مصالحها مع دول‬

‫الجوار الشرقي والجنوبي على منع الع ارق من الاستق ارر وال ارحة"؟ ولأن هؤلاء الأغ ارب استطاعوا‬
‫ش ارء ذمم قوى محلية وضمائر أصحابها بثم ٍن بخس‪ ،‬فتحولوا إلى أدوات بيد الشيطان‪ ،‬وتنطق‬

‫بأصوات سادتها‪ ،‬وأذرٍع يحركها أوليا ُء نعمتها كما يريدون لتدمير كل ما يُبنى في بلدهم‪.‬‬
‫وفي هذا العام كانت الفلوجة "جوهرة العمل الع ارقي المسلح المقاوم للاحتلال الأمريكي‪ ،‬قد‬

‫شهدت في العام الثاني للاحتلال أي ‪ ،2004‬معركتين ضاريتين الأولى من ‪ 4‬نيسان إلى ‪ 1‬أيار‪/‬‬

‫مايو‪ ،‬والثانية من ‪ 7‬تشرين الثاني‪ /‬نوفمبر إلى ‪ 23‬كانون الأول‪ /‬ديسمبر من ذلك العام"‪ ،‬وسجل‬

‫الع ارقيون أثناءها‪ ،‬أن الحزب الإسلامي الشريك الرقمي في العملية السياسية التي صممها الأمريكيون‪،‬‬

‫أ ارد أن يتاجر بدماء أبناء المدن السنية للحصول على دور أكبر ومغانم اضافية لأنه كان منبوذاً‬
‫من الوسط الذي يزعم أنه يمثله‪ ،‬بل وحتى التحالف الشيعي يحتقره ويعتبر سلوكه نفاقًا سياسيًا‬
‫رخيصاً‪ ،‬أما المحتلون فهم يتعاملون مع من يتعاون معهم لاحتلال بلدانهم كبائعات الهوى تكتفي‬

‫واحدتهن بثمن ليلة ماجنة‪.‬‬

‫ولتحقيق هذه الصفقة السيئة تم تكليف حاجم الحسني القيادي في الحزب المذكور‪ ،‬كوسيط بين‬

‫أهالي مدينة الفلوجة وقوات الاحتلال‪ ،‬بعد أن وصل قادة القوات الأمريكية إلى استنتاج بأنهم يواجهون‬

‫مدينة لا تنحني لأحد إلا أثناء الصلاة‪ ،‬وفعلًا تحرك في المعركة الأولى وخذل الفلوجة وتسبب‬
‫بخسائر هائلة لحقت بالمدنيين فيها وألحق بها دما ًار مريعاً‪.‬‬

‫استخدمت الولايات المتحدة في المعركتين‪ ،‬كل ما في ترسانتها من وسائل القتل ورسل الموت‪،‬‬

‫ولكن الفلوجة كعادة رجالها‪ ،‬استبسلت ولقنت الأمريكيين دروساً مؤلمة وكبدت قواتها خسائر كبرى‬

‫‪75‬‬

‫نزار السامرائي‬ ‫يَومِ َّيا ُت ُمسَا ِف ٍرعَلَى َطر ِي ٍقأَحْمَر‬

‫بعد ه ازئم منكرة ومريرة ستبقى م اررتها تحت ألسنتهم إلى الأبد وتذكرهم بتجربة هزيمتهم في هانوي‬
‫قبيل رحيلهم الذليل من هناك‪.‬‬

‫لم يكن قادة جيش الاحتلال ليتصوروا يومًا أن تواجههم مدينة الفلوجة بهذه الشجاعة‪ ،‬ومن‬
‫دون أن تلقى إسنادًا خارجيًا‪ ،‬لا من شقيق عربي ولا من صديق أجنبي‪ ،‬فما جرى في الفلوجة كان‬
‫معارك شوارع‪ ،‬من حي إلى حي‪ ،‬ومن بيت إلى بيت‪ ،‬بل ومن غرفة إلى أخرى‪ ،‬وما ازل الأمريكان‬
‫يتذكرون بم اررة وألم وحسرة‪ ،‬حي نّازل والحي الصناعي وحي الشهداء والحي العسكري‪ ،‬التي طال‬
‫أمد القتال أيامًا بلياليها حتى اصطبغت شوارعها بلون الدم وتناثرت جثامين الشهداء التي تم دفنها‬

‫في الحدائق المنزلية أو العامة‪ ،‬وجثث قتلى الغ ازة من دون أن يجرؤ زملاؤهم على إخلائها‪.‬‬
‫قبل انطلاقة المعركة ظنت قيادة القوات الأمريكية أن الفلوجة لن تحتاج إلى أكثر من فوج من‬
‫قوات المارينز‪ ،‬ولا إلى أكثر من ساعة لتلتهمها لقمة واحدة‪ ،‬ولما استعصت عليها لم تترك سلاحًا‬
‫محرماً في القوانين الدولية إلا وجربته على رؤوس أبنائها‪ ،‬وكانت صور المعارك تنقل لنا صور‬
‫قنابل الفوسفور الأبيض المحرم دوليًا‪ ،‬الذي لم تتردد الولايات المحتدة عن استخدامه لقهر إ اردة رجال‬
‫المقاومة في الفلوجة في أبشع ما تكون وحشية المحتلين‪ ،‬وسيبقى الع ارقيون يذكرون أن معركتي‬
‫الفلوجة الأولى والثانية قد تم تسجيلهما باسم إياد علاوي رئيس الوز ارء الذي عينته سلطة بول بريمر‬
‫بهذا المنصب‪ ،‬والذي تحملت حكومته وزرهما‪ ،‬على الرغم من أن تلك الحكومة ليست أكثر من‬

‫ساعي بريد صغير في مكتب بريمر‪.‬‬
‫لم يسأل أحد من الم ارقبين الدوليين نفسه‪ ،‬عما كانت هذه الأسلحة المحرمة‪ ،‬محرمة على‬
‫الولايات المتحدة والدول الكبرى الأخرى التي صاغت القوانين على مقاساتها وفرضتها على الغير؟‬
‫أم أنها محرمة على الدول الصغيرة فقط والتي لا تستطيع حتى إبداء أري في المحافل الدولية أثناء‬

‫التصويت على تشريع القوانين المحددة لسلوكها فقط؟ أم أن في القتل سلاحًا نظيفًا وآخر محرم؟‬
‫كما شهدت مدن ع ارقية أخرى معارك كثيرة وبدرجات متفاوتة من الض اروة‪ ،‬فقد هاجم الأمريكيون‬
‫مدينة سام ارء في الأول من تشرين الأول‪/‬أكتوبر من عدة محاور وأطبقوا عليها وبعد معارك شرسة‬
‫مع رجال المقاومة الوطنية تمكنوا من الوصول إلى مركز المدينة أي في منطقة الم ازر‪ ،‬وفي ذلك‬
‫العام شهدت مدينة النجف عام ‪ 2004‬أيضا معركة من نوع آخر بين أط ارف شيعية متنازعة فيما‬
‫بينها‪ ،‬في حينها تضاربت أسباب اندلاع المعارك‪ ،‬فقد ذكرت عناصر محسوبة على جماعة الحكيم‬

‫‪76‬‬

‫نزار السامرائي‬ ‫يَو ِميَّا ُتمُسَا ِف ٍرعَلَى َطر ِي ٍقأَ ْحمَر‬

‫"المجلس الأعلى للثورة الإسلامية الذي أسسه محمد باقر الحكيم في طه ارن في تشرين الثاني عام‬

‫‪ ،"1982‬أن ن ازعًا نشب من أجل السيطرة على خ ازئن مرقد الإمام علي بن أبي طالب كرم الله‬
‫وجهه‪ ،‬ومفاتيح الم ازر للسيطرة على المداخيل اليومية التي تضخ في الضريح‪ ،‬من أجل إ ازحة أي‬

‫طرف شيعي يسعى للاستحواذ على هذه الثروة الكبيرة‪ ،‬وقد اتهََم المجلس الأعلى‪ ،‬التيار الصدري‬
‫بإثارة الأزمة التي أدت إلى سفك دماء كثيرة‪ ،‬ولأن عبد العزيز الحكيم كان عضواً في مجلس الحكم‬
‫الانتقالي ومقرباً من الأمريكان‪ ،‬فقد انحاز الأمريكيون ومعهم حكومة إياد علاوي إلى جانب المجلس‬
‫الأعلى‪ ،‬ودف َع أبنا ُء النجف ثمن ص ارع مفاتيح الم از ارت وخ ازئن الضريح المليئة بالمقتنيات الثمينة‬
‫بل لا تقدر بثمن‪ ،‬ولعل معركة النجف هي الصفحة الوحيدة التي يتاجر بها شيعة السلطة ويحاولون‬

‫تصويرها على أنها مقاومة للاحتلال الأمريكي‪.‬‬

‫وفي عام ‪ 2004‬شهدت سجون الاحتلال الأمريكي وخاصة سجن أبو غريب‪ ،‬انتهاكات مروعة‬
‫ومورس فيها أسوأ أساليب التعذيب الجسدي والنفسي بأوامر منهجية من الرئيس الأمريكي جورج‬

‫بوش ونائبه ديك تشيني ووزير دفاعه دونالد ارمسفيلد‪ ،‬ولو لم تعرض في شبكة سي بي إس الأمريكية‬

‫يوم ‪ 28‬نيسان ‪ ،2004‬تفاصيل تلك الانتهاكات لبقيت تلك الوقائع طي النسيان‪ ،‬ولبقَيت أط ارف‬
‫العملية السياسية تدافع عن إنسانية المحتلين ووحشية الع ارقيين الذين يتصدون لهم‪.‬‬

‫وألحقت هذه الفضيحة أذى كبي اًر بسمعة الولايات المتحدة‪ ،‬دفعت وسائل الإعلام الأمريكية‬
‫لمتابعة ملف حقوق الإنسان في سجون القوات الأمريكية في بوكا وكذلك معتقل غوانتانامو في‬

‫القاعدة البحرية الأمريكية في كوبا‪.‬‬

‫كنت أ ارقب الأحداث عن كثب وأغطي بعضها من خلال عملي الصحفي وظهوري على بعض‬
‫الفضائيات العربية أو الناطقة بالعربية كمحلل سياسي‪ ،‬مع أنني كنت أنتظر موعد السفر إلى الولايات‬

‫المتحدة لمتابعة ملف الشهيد زيدون‪.‬‬

‫وأخي ًار جاء يوم السفر إلى أمريكا في الثامن والعشرين من كانون الأول‪ /‬ديسمبر ‪،2004‬‬
‫فأخذنا سيارة إلى المطار‪ ،‬وكانت في كل مرة تتجدد مشاعر القلق عند جميع أف ارد عائلاتنا والأقارب‬

‫في بغداد وسام ارء‪ ،‬وتتجدد مخاوفهم من احتمالات الغدر الأمريكي بنا‪ ،‬لأن التجارب السابقة لا تدع‬
‫مجالاً للاطمئنان بين الغازي وابن البلد‪ ،‬كنت أطمئن الجميع وأحكي لهم قصصاً عن حسن معاملتهم‬

‫‪77‬‬

‫نزار السامرائي‬ ‫يَو ِميَّاتُ ُمسَا ِفرٍعَلَىطَريِ ٍقأَ ْحمَر‬

‫لنا خلال م ارحل التحقيق والسفر بل وكنت أبالغ في ذلك لمجرد بث روح من الأمل بحسن الخاتمة‪،‬‬
‫طبعًا كنت أق أر في عيون الجميع شكًا بما أقول‪.‬‬

‫عند منتصف نهار يوم ‪ 28‬كانون الأول ‪ 2004‬كنا عند (جيك بوينت ‪ )1‬في المطار‪ ،‬أنزلنا‬
‫حقائب السفر وبدأ الكلب الأمريكي المدرب يؤدي دوره ويدور حول السيارة من دون توقف‪ ،‬وصلنا‬
‫المقطع الثاني وفيه تفتيش من قبل أف ارد (الحرس الوطني وهي قوة ع ارقية هزيلة ش ّكلها المحتلون‬
‫لتكون لهم قفا اًز يضربون به الع ارقيين متى أ اردوا) وتم التفتيش بآلية بليدة‪ ،‬شعرنا عندها أن كل شيء‬

‫قد تم بسرعة حرصت على أن تبدو الإج ارءات الأمنية مستوفية لشروطها الشكلية‪.‬‬
‫عند اجتيازنا لآخر نقطة سيطرة وجدنا واتسون بانتظارنا‪ ،‬تسلم حقائبنا وركبنا السيارة العسكرية‬
‫الأمريكية المدرعة والتي أصبحت هدفاً ثمينًا لرجال المقاومة الع ارقية الوطنية المسلحة‪ ،‬وعندما وصلنا‬
‫قاعة الانتظار‪ ،‬وجدنا المئات من الجنود الأمريكان وهم يغطون في سبات عميق‪ ،‬منهم من استلقى‬
‫على ما متوفر من ك ار ٍس ومنهم من ألقى بنفسه فوق حقائبه ومنهم من افترش الأرض وقليل منهم‬
‫من وجد سري ًار‪ ،‬يا لها من فرصة سانحة لحصاد عظيم لو أن قذيفة أو صاروخاً يسقط وسط هذه‬
‫الجموع من القتلة والذين يُمكن رؤية دم الع ارقيين يقطر من بين أصابعهم‪ ،‬ولكن قليلاً منهم من يشعر‬
‫بتأنيب ضمير أو أسف لما ارتكب من ج ارئم‪ ،‬ونحن في هذه الخواطر والأفكار واذا بالسيرجنت‬
‫واتسون يبلغنا بأن السفرة تأجلت إلى الغد‪ ،‬وبدم بارد كما يقتل الأمريكيون ضحاياهم قال لنا عودوا‬
‫إلى بيتكم وتعالوا غدًا صباحًا‪ ،‬هنا تصطك المشاعر مع بعضها بقوة وتبعث أنينًا مكبوتًا لهذه‬
‫الاستهانة بقيمة الإنسان والوقت‪ ،‬لم يعتذر عن هذا التأخير ولو أنه غير مسؤول عنه‪ ،‬لكننا افترضنا‬
‫أن الأمريكي يحمل قليلاً من الذوق وكثي اًر من الوقاحة كي يكلف نفسه عناء الاعتذار‪ ،‬ولكن كيف‬
‫جاز لي أن أفكر بهذا الأمريكي وهو الذي حمل آخر ما في ماكنته الحربية من أسلحة دمار ليجربها‬
‫فوق رؤوس الع ارقيين‪ ،‬من دون احتجاج أو اعت ارض أو حتى نقد من المنظمات المعنية ولو على‬
‫استحياء‪ ،‬فأمريكا وضعت نفسها فوق القانون الدولي وفوق ميثاق الأمم المتحدة وفوق الإعلان‬
‫العالمي لحقوق الإنسان وفوق كل أجهزة الإعلام في العالم‪ ،‬وتعايش الأمريكي مع هذه الفرضية‬

‫الساذجة واعتبرها حقًا مقدسًا له ليس من حق أحد أن ينازعه به‪.‬‬
‫كان علينا هذا اليوم أن نجتاز طريق المطار َمّرتين إضافيتين‪ ،‬ولهذا غادرنا المطار واتصلنا‬
‫بالمنزل كي تحضر السيارة لأخذنا لعدم توفر وسائط نقل عامة تعمل بين المطار ومدينة بغداد‪ ،‬ولم‬

‫‪78‬‬

‫نزار السامرائي‬ ‫يَومِيَّا ُتمُسَافِرٍعَلَى َطريِقٍأَ ْحمَر‬

‫يطل انتظارنا فقد حضرت زوجتي من دون تعب أو تذمر‪ ،‬وأعادتنا إلى المنزل على أمل العودة إلى‬
‫المطار في الغد وهذا ما كان‪ ،‬وفي اليوم التالي أي يوم الأربعاء ‪ 12/ 29‬تكرر الانتظار عند نقاط‬
‫التفتيش ولكن بصورة أسرع مما حصل بالأمس ولم نتأخر لتفتيشها من قبل الكلاب المدربة‪ ،‬فالحقائب‬
‫بقيت في المطار‪ ،‬وربما حصل الأمريكيون على اطمئنان أكبر عن محتوياتها‪ ،‬وربما كان الهدف‬
‫التعرف على ما في الحقائب من محتويات من خلال مضي الوقت من غير أن يحصل فيها انفجار‬

‫مفاجئ‪ ،‬ومضينا إلى نفس الأماكن التي كنا قد مررنا بها قبل أربع وعشرين ساعة‪.‬‬
‫لا أحد يعرف موعد إقلاع الطائرة‪ ،‬والجنود الذين ألقوا بأنفسهم بهذه الطريقة فوق الأ ارئك وعلى‬
‫الأرض لو لم يكونوا قد وصلوا إلى الحد الأخير من طاقتهم في مواجهة الموت والخوف منه‪ ،‬هو ما‬
‫منعهم من النوم أيامًا وليالي‪ ،‬إذ كانت لحظة نوم واحدة تساوي العمر كله‪ ،‬نحن أكثر الناس طمأنينة‬
‫وسط هذا الحشد المرتعب‪ ،‬كنا نتلفت وندعو بض ارعة مع استعداد حقيقي لكل أسباب القوة لمواجهة‬
‫قوات الغزو‪ ،‬ولم نكن نمتلك حقداً على واحد من هؤلاء الجنود كأشخاص ولكنهم كمشروع عدواني‬
‫يستحقون كل ما يلحق بهم‪ ،‬هؤلاء الجنود الذين نعرف أنهم لم يأتوا من تلقاء أنفسهم وانما بموجب‬
‫أوامر قيادتهم العليا‪ ،‬لم يكن دعاؤنا مجردًا من أدوات الفعل الميداني أن يزداد عدد قتلى َم ْن عبَر‬
‫المحيطات والبحار‪ ،‬ليقتل الع ارقيين ويّدمر بلدهم استجابة لأكاذيب خونة من حملة جنسيته ولم‬

‫يحترمهم أحد لا الأمس ولا اليوم ولا غداً‪ ،‬وسيرجمهم الناس كما يرجم الحجيج موضع أبي رغال‪.‬‬
‫الطائرة ستقلع في الواحدة والنصف‪ ،‬هكذا قال واتسون‪ ،‬وقف البعض وظل كثيرون نياماً‪،‬‬
‫فالطائ ارت العسكرية الأمريكية تقلع من مطار بغداد باتجاهات مختلفة‪ ،‬ولكن الموعد تأجل إلى الثانية‬

‫والنصف بعد الظهر‪ ،‬ولكنها لم تقلع إلا في الثالثة والنصف‪.‬‬
‫هزت أربعة انفجا ارت متوسطة منطقة المطار المت ارمية الأط ارف‪ ،‬من دون أن نتبين المكان‬
‫الذي سقطت به القذائف أو ما هي طبيعتها وما تركته من آثار ولكن الأثر النفسي الذي يتركه أي‬
‫انفجار في منطقة عسكرية أمريكية يفوق كثي ًار حجم الخسائر المادية التي يُخلّفها‪ ،‬بدأنا التوجه إلى‬
‫الطائرة المتوجهة إلى عمان هذه المرة بعد تجربتين ُمّرتين مع الكويت‪ ،‬بدأت الطائرة تتحرك على‬
‫مدرج الإقلاع توقفت عن الحركة فجأة من دون سبب‪ ،‬ثم دوى انفجار هائل أوشك أن يقتلع الطائرة‬
‫الضخمة وهي من ط ارز ‪ C130‬عن المدرج‪ ،‬ثم سارعت للإقلاع بسرعة استثنائية خشية من تعرضها‬
‫لضربة مباشرة‪ ،‬واذا بعمود دخان أسود يرتفع في السماء وكأنه ثمرة الفطر‪ ،‬وبدأت طي ارنها اللولبي‬

‫‪79‬‬

‫نزار السامرائي‬ ‫يَو ِميَّا ُت ُمسَافِرٍعَلَىطَريِقٍأَحْمَر‬

‫فوق المطار ثم أفلتت من جاذبيته باتجاه الغرب‪ ،‬أحسسنا أننا نقترب رويداً من الفلوجة لأن الطائرة‬
‫أخذت ترتفع بصورة غير متوقعة وغير معهودة ولأن الضغط داخل الطائرة يتأثر بالخارج‪ ،‬فقد ظهر‬
‫تأثير الصعود والهبوط واضحاً على آذاننا‪ ،‬كل الذي حصل للطائرة أن قائدها ربما وصله من مركز‬
‫السيطرة الأرضية إنذار بأن الخطر على الطائرة لا يقتصر على الأرض أو في منطقة المطار وانما‬
‫فوق سماء الفلوجة‪ ،‬نعم الفلوجة التي مزقت أرتال الجيش الأمريكي وأوصلته إلى سن اليأس المبكر‪،‬‬
‫وأوشكت أن تّدمر حلمهم إلى الأبد لولا خيانة ما يسمى بـ"الصحوات" التي أسستها عقول عفنة رضيت‬
‫لنفسها الحصول على فتات موائد الخط الأول من العملاء‪ ،‬ومع كل الحزن الذي يعتصرنا ونحن‬
‫نذهب لمتابعة قضية زيدون‪ ،‬ومع كل ما ي ارفق العسكريين الأمريكيين من هلع نكاد نسمع وجيبه من‬
‫بين الصدور‪ ،‬كنا نشعر بالفخر أن المقاومة الع ارقية المسلحة اليتيمة من كل دعم أو اسناد من قريب‬
‫أو بعيد‪ ،‬كانت تُدخ ُل في قلوب جنود أقوى قوة عسكرية عرفها تاريخ البشرية‪ ،‬كل هذا الفزع والهلع‪.‬‬
‫والطائرة تحلق عاليًا وفي خطوة قلقة جاء جندي يحمل مصباحًا يدويًا بعد أن نقل له الآخرون‬
‫أن ارئحة حريق قد شمها بعضهم في الأسلاك الكهربائية المخفية و ارء جد ارنها‪ ،‬وبعد فحص دقيق‬

‫أعطى إشارة الاطمئنان للركاب‪.‬‬
‫متى تنتهي متاعبنا نحن الباحثون عن الحقيقة والعدالة في بلد الظلم؟‬
‫بعد رحلة استغرقت ساعتين بدأت الطائرة بالهبوط في مطار ماركا في ع ّمان عاصمة الأردن‪،‬‬
‫وبعد أن استقرت بنا الطائرة وانتقلنا إلى الصالة بدأت عمليات تفتيش الحقائب الم ارفقة‪ ،‬شك أحد‬
‫رجال الجمارك الأردنية بأن أحد الجنود الأمريكيين يحمل في حقائبه ما يريب‪ ،‬فأمره بفتحها واذا به‬
‫يحمل الكثير من القطع النحاسية أو المذهبة من قصر الفاو‪ ،‬ولم يكن هذا الجندي وحده من يحمل‬
‫مثل هذه القطع ولكنه كان أكثرهم جشعًا وطمعاً‪ ،‬وبعد مداولات واتصالات تمت تسوية الأمر‪ ،‬ثم‬
‫وجدنا شخصاً أردنيًا يعمل مستخدمًا محلياً في السفارة الأمريكية في عمان بانتظارنا وهو يحمل لافتة‬
‫كتبت عليها أسماؤنا باللغة الإنكليزية‪ ،‬وأخذنا إلى فندق قريب من مطار الملكة علياء الدولي والذي‬
‫يبعد عن مطار ماركا عدة كيلو مت ارت‪ ،‬وربما تعود ملكية الفندق لشركة الخطوط الملكية الأردنية‪،‬‬
‫وتوزعنا على الغرف وبعد است ارحة قصيرة وأخذ حمام ساخن نزلنا إلى المطعم لتناول طعام العشاء‪،‬‬
‫كان علينا أن نبيت ليلتنا مبكرين كي ننهض مبكرين‪ ،‬فالسيارة ستحضر في الثامنة صباحاً والطائرة‬
‫ستقلع في العاشرة والدقيقة الأربعين من يوم الخميس ‪ 12/ 30‬باتجاه الولايات المتحدة الأمريكية‪.‬‬

‫‪80‬‬

‫نزار السامرائي‬ ‫يَومِ َّياتُمُسَافِرٍعَلَى َطر ِي ٍقأَحْمَر‬

‫استيقظنا مبكرين ومضينا إلى المطعم لتناول طعام الفطور بعد أن حزمنا حقائبنا‪ ،‬وجاءتنا‬
‫السيارة في الثامنة صباحًا ومضينا إلى مطار الملكة علياء الدولي على أمل أن تقلع بنا طائرة‬
‫الخطوط الجوية الملكية الأردنية في الساعة العاشرة والدقيقة الأربعين‪ ،‬ولكننا علمنا بأن موعد إقلاع‬
‫الطائرة قد تأخر ساعة واحدة على الأقل على عادة كل خطوط العالم الثالث الجوية من دون إبداء‬

‫الأسباب‪.‬‬
‫في مواضع كثيرة من المطار شاهدت طائ ارت الخطوط الجوية الع ارقية ذات اللون الأخضر‬
‫جاثمة على أرض المطار وكان الع ارق قد أخرجها من أ ارضيه قبيل العدوان الأمريكي البريطاني‬
‫الثلاثيني عام ‪ 1991‬ولكنها بالنتيجة تعرضت للموت البطيء تمامًا كما لو أنها ضربت بقذيفة قتلتها‬
‫على الفور‪ ،‬كانت الطائ ارت كلها من نوع بوينغ ومن حجوم مختلفة فهناك الجامبو وهي طائرة بوينغ‬
‫‪ ،747‬وهناك بوينغ ‪ 707‬وهناك من ‪ 737‬و‪ 727‬وهي تحكي قصة مأساة أكثر الخطوط الجوية‬
‫في العالم أمانًا في طي ارنها لدقة الصيانة الدورية ومهارة الطيارين الع ارقيين‪ ،‬ولكنها وقد تحولت‬
‫محركاتها إلى أعشاش للطيور لا بد أن تستدعي دمعة حزن وألم على ما آل إليه وضعها ووضع‬
‫الع ارق بسبب الحصار الاقتصادي الظالم والعدوان الثلاثيني‪ ،‬ومحاولات إذلال الع ارقيين والنيل من‬
‫إبائهم وشموخهم ومنع طائرهم الأخضر من التحليق‪ ،‬لم أطل النظر إلى تلك الطائ ارت الموزعة على‬
‫الم ازغل المفضية إلى مدارج المطار‪ ،‬فلم أرغب برؤية شيء ع ارقي تعمد الغ ازة على إذلاله حتى ولو‬
‫كانت طائرة مصنوعة في البلد الذي جيّش جيوشه لتدمير اسم الع ارق وحضارته وتاريخه وحذف‬
‫اسمه من الخارطة‪ ،‬تحت عنوان نقل الديمق ارطية وتطبيق حقوق الإنسان والفد ارليات‪ ،‬ذلك المشروع‬
‫الانفصالي اللئيم الذي يريد تهديم أعلى سياج عربي للأمن القومي وتشتيت قوته‪ ،‬دلفنا إلى صالة‬
‫المطار وبعد وزن الحقائب والإج ارءات الأمنية الدقيقة لفحص محتوياتها بأجهزة السونار‪ ،‬وتأشير‬
‫تذاكر السفر مضينا إلى كابينة شرطة الجوا ازت والذين دققوا مطولاً في سلامة تأشي ارت الدخول إلى‬
‫الولايات المتحدة‪ ،‬ولما مررنا عبر البوابة المؤدية إلى الطائرة خضعنا لتفتيش دقيق جداً‪ ،‬فنحن‬
‫ذاهبون إلى زعيمة العالم الحر والتي كانت ما ت ازل تعيش أكبر كابوس مرعب في حياتها اسمه‬
‫الإرهاب الذي تصنفه على أنه عربي إسلامي سني منذ أحداث ‪ ،2001 /9/ 11‬والذي صنعته‬
‫سياساتها العدوانية على كل شعوب الأرض حتى بات الأمريكي رديفاً للون الدم وعنواناً للتعذيب‬
‫والقتل وكأنه حادلة تريد سحق كل ما يقف في طريقها‪ ،‬مررنا سريعاً إلى الطائرة التي كانت من نوع‬

‫‪81‬‬

‫نزار السامرائي‬ ‫يَو ِميَّاتُمُسَا ِفرٍعَلَىطَر ِي ٍقأَ ْحمَر‬

‫أير باص ‪ 340‬بأربعة محركات وهي الطائرة المخصصة للرحلات الطويلة‪ ،‬وفي الساعة الثانية‬
‫عشرة والدقيقة الأربعين بتوقيت مكة المكرمة وبغداد تحركت الطائرة نحو مدرج الإقلاع‪ ،‬وبدأ قائدها‬
‫بق ارءة دعاء السفر والذي بعث في النفوس طمأنينة كبيرة والذي يقول‪( :‬سبحان الذي سخر لنا هذا‬
‫وما كنا له مقرنين وانا إلى ربنا لمنقلبون)‪ ،‬وقال قائد الطائرة إن الرحلة ستستغرق من عمان إلى‬
‫شيكاغو حوالي أربع عشرة ساعة من دون توقف‪ ،‬ولاحظنا أن الطائرة عبرت فوق فلسطين وفي‬

‫غضون دقائق شاهدنا الشواطئ الشرقية للبحر الأبيض المتوسط‪.‬‬

‫‪82‬‬

‫نزار السامرائي‬ ‫يَومِيَّا ُتمُسَا ِف ٍرعَلَى َطريِ ٍقأَ ْحمَر‬

‫الخطوة الثامنة‬

‫‪ 14‬ساعة في الجو للوصول إلى شيكاغو‬

‫السفر من الأردن إلى الولايات المتحدة زمنه طويل جداً ومرهق إلى أبعد الحدود‪ ،‬ومما فاقم‬
‫من تعبه أن مقاعد الطائرة متقاربة على نحو يبعث على إزعاج وتعب وارهاق أكثر‪ ،‬وهذا مما لا‬
‫ينسجم مع طبيعة الرحلات الطويلة من جهة‪ ،‬ونوعية الطائرة من جهة ثانية لأن اتساع المساحة‬
‫المخصصة للمقاعد تضيف أعباء على عموم الركاب ونوعية الخدمات المقدمة لهم وحتى عدد‬
‫الم ارفق الصحية‪ ،‬وهذا يعود لرغبة شركات النقل العالمية في مزيد من الإي اردات وتحقيق ربح أكبر‪،‬‬
‫ولو كان على حساب ارحة المسافرين‪ ،‬والشركات المصنّعة غير مسؤولة عن تحديد عدد المقاعد‪،‬‬
‫الأمر منوط برغبة الشركات الناقلة حص ًار‪ ،‬إلا أنها يفترض بها أن تفرض مقاييس على شركات‬
‫النقل عند تقديم طلبات الش ارء‪ ،‬فهل يتحقق هذا في زمن التنافس غير المتكافئ بين الشركات‬

‫المصّنعة للطائ ارت وهي معدودة على مستوى العالم‪.‬‬
‫الطائ ارت الحديثة نثرت شاشات على عدد مقاعد الطائرة لتخفيف وطأة الوقت عن المسافرين‬
‫وخاصة في السف ارت الطويلة‪ ،‬وبمجرد استق ارر الطائرة في الجو تم إن ازل الشاشات ليختار كل اركب‬
‫ما يشاء من أفلام روائية عربية وأجنبية على وفق ما يرغب أو أية فعاليات فنية أخرى‪ ،‬أو يتم عرض‬
‫رصٍد الكتروني مستمر لسرعة الطائرة وارتفاعها عن مستوى سطح البحر ودرجة الح اررة خارج الطائرة‪،‬‬

‫وخط الرحلة ومواعيد الاقلاع والهبوط‪.‬‬
‫على الرغم من طول الرحلة فإن الشركة الناقلة لم توفر ما يكفي من وجبات طعام للركاب في‬
‫هذه الرحلة‪ ،‬فالطعام الذي وزعته المضيفات كان قليلًا جدًا‪ ،‬حتى أن الطائرة التي كان حوالي ثلث‬
‫ركابها من الأطفال الصغار‪ ،‬كانوا ُيلحون على آبائهم أو أمهاتهم بطلب المزيد من الأكل‪ ،‬ولكنهم‬
‫لم يحصلوا على شيء أبداً‪ ،‬كما أن الأوامر لا تسمح للمسافرين بإدخال الطعام معهم إلى الطائرة‪.‬‬
‫لم يتوقع أحٌد من الركاب أ ّن طائرة تعمل بين الأردن والولايات المتحدة ستجّوع ركابها وخاصة‬
‫الأطفال‪ ،‬لاسيما وأن سمعة الملكية الأردنية جيدة بين شركات الطي ارن الدولية‪ ،‬ولهذا أثار الأطفال‬
‫ضجيجاً إضافيًا ومشروعًا إلى مستوى الضجيج داخل طائرة "الإيرباص" التي تأكد لي أنها لا تضاهي‬

‫‪83‬‬

‫نزار السامرائي‬ ‫يَو ِم َّياتُمُسَا ِف ٍرعَلَىطَريِ ٍقأَ ْحمَر‬

‫طائرة البوينغ الأمريكية وخاصة الجامبو‪ ،‬فأصوات محركاتها عالية جدًا ولم تنجح تدابير العزل التي‬
‫قامت بها الشركة المصّنعة من منع وصوله إلى المسافرين بقوة‪ ،‬ولهذا لم يتمكن معظم الركاب من‬
‫النوم طيلة السفرة على ك ارهة مع أن التعب والنعاس كانا رفيقين معنا في عبور المحيط الأطلسي‪.‬‬

‫كان أعلى ارتفاع حلّقت فيه الطائرة فوق الأطلسي اثني عشر كيلومت اًر‪ ،‬وكانت درجة الح اررة‬
‫خارج الطائرة في ذلك الارتفاع عند أدنى مستوى لها وهو ‪ 71‬مئوية تحت الصفر‪ ،‬ووصلت سرعتها‬

‫في بعض الأحيان ‪ 880‬كم‪ ،‬وأخي اًر وبعد رحلة مضنية استغرقت أربع عشرة ساعة‪ ،‬انتهى وقتها‬
‫وبدأت الطائرة بالهبوط التدريجي في مطار شيكاغو في الثانية وعشرين دقيقة فجر يوم الجمعة‬

‫‪ 2004/ 12/31‬بتوقيت بغداد ومكة المكرمة‪ ،‬وبعد توقف الطائرة ونزولنا منها توجهنا لتأشير‬

‫جوا ازت سفرنا‪ ،‬وهنا بدأت متاعبنا الجديدة مع شرطة المطار‪ ،‬فقد ساورتها شكوك في صحة التأشي ارت‬

‫التي نحملها‪ ،‬هذا أمر طبيعي فنحن ع ارقيون‪ ،‬وأرضنا تشهد أسخن مواجهة مع القوات الأمريكية‬

‫التي كانت أرقام خسائرها في ت ازيد مستمر‪ ،‬ويبدو أن لسان حال شرطة الجوا ازت يقول ماذا جاء بكم‬

‫إلى أرضنا وأنتم تقتلون جنودنا؟ يضاف إلى ذلك أننا عرب ونحن في دائرة الاتهام حتى يتأكد الجميع‬

‫من أننا لسنا ممنوعين من دخول أمريكا‪ ،‬ربما كان الشرطي يبحث لنفسه عن درع يحميه من أية‬

‫مساءلة قانونية‪.‬‬

‫مع أن م ارفقنا الأمريكي السيرجنت واتسون تّدخل من أجل حل هذا الاشكال‪ ،‬إلا أنه فشل في‬
‫تغيير قواعد العمل الصارمة في هذا المطار وكل المطا ارت الأمريكية‪ ،‬تأخرنا أكثر من ساعتين في‬

‫انتظار لم نَر له مبر اًر‪ ،‬ثم مضينا إلى صالة الأمتعة وكان الح ازم الناقل للحقائب قد توقف منذ ما‬
‫يقرب من ساعة‪ ،‬بعد عثورنا على موقع أمتعة مسافري الملكية الأردنية ُصدمنا لأننا لم نجد حقيبة‬
‫مروان‪ ،‬سألنا عنها ولكننا لم نجد جوابًا شافيًا واستذكرنا الساعة التي غادرنا فيها مطار الملكة علياء‬
‫في عمان‪ ،‬كانت حقيبة مروان متوسطة الحجم ويمكن حملها باليد‪ ،‬ولكن نقطة التفتيش قبيل الصعود‬

‫على متن الطائرة‪ ،‬رفضت السماح له بحملها معه داخلها‪ ،‬ولهذا أنزلوها ووعدوا بإرسالها مع بقية‬

‫الحقائب‪ ،‬ولكنهم لم َيفوا بوعدهم‪ ،‬لأنهم ارتابوا أصلًا بالأسباب التي دعت مروان إلى حملها معه‬
‫وعدم وضعها مع حقائبنا‪ ،‬ولذا وجدنا أن علاج الأمر يتطلب توفير ملابس بديلة لمروان لحين معرفة‬

‫مصير حقيبته‪ ،‬وهذا ما حصل في أقرب المدن الأمريكية إلى قاعدة فورت هود‪.‬‬

‫‪84‬‬

‫نزار السامرائي‬ ‫يَومِ ّيَاتُ ُمسَا ِف ٍرعَلَىطَريِ ٍقأَ ْحمَر‬

‫في مطار شيكاغو كان علينا الانتظار عدة ساعات لنغادر إلى أوستن عاصمة ولاية تكساس‬
‫بطائرة أمريكية‪ ،‬اللافت أن معظم الطائ ارت العاملة على الخطوط المحلية في الولايات المتحدة هي‬
‫من الطائ ارت المروحية الخفيفة ذات المحركين‪ ،‬والتي لم تحذف من الخدمة على الرغم من دخولنا‬
‫في الألفية الثالثة‪ ،‬ويعكس طياروها طبيعة الكاوبوي الأمريكية المغامرة أثناء الإقلاع والطي ارن‬
‫والهبوط‪ ،‬ربما كان إحساسنا هذا نابع من تعودنا عند سفرنا على متن الخطوط الجوية الع ارقية مع‬
‫طياريها الذين ننظر إليهم على أنهم خيرة الطيارين في العالم‪ ،‬حتى عندما كانت مروحية من نوع‬
‫فايكونت بأربعة محركات‪ ،‬أن الطائرة حين تهبط فإن الركاب لا يشعرون بذلك لولا مشاهدتهم لمدرج‬
‫المطار ومنشآته‪ ،‬غير أن الطائ ارت ذات المروحتين التي تنّقلنا بها بين المدن الأمريكية‪ ،‬كانت تسقط‬
‫ككرة من الهواء وتتقافز على المدرج عدة م ارت قبل أن تأخذ مسا ًار عادياً على المدرج حتى تتوقف‪،‬‬
‫وهذا يعكس استهانة الطيارين الأمريكان بحياة الركاب‪ ،‬وربما هو تعبير عن طبيعة الشخصية‬
‫الأمريكية المغامرة أو الحنق على شركاتهم لأنهم ما ازلوا يعملون على طائ ارت قديمة ومتخلفة‬
‫بالمقاييس المعتمدة في عالم الطي ارن‪ ،‬لاسيما وأنهم ينتمون لبلد هو الذي اخترع أول طائرة وما ي ازل‬

‫يصنع أفضل الطائ ارت في العالم‪.‬‬
‫حقاً لم أكن لأتصور أنني سأرى هذا النوع من الطائ ارت المروحية في الولايات المتحدة وهي‬
‫التي تنتج أحدث الطائ ارت النفاثة في العالم‪ ،‬ولكنني حينما أريتها وجدت تفسي ًار لجشع الشركات‬
‫ال أرسمالية فهي تريد استن ازف هذه الطائ ارت حتى الساعة الأخيرة من عمرها الافت ارضي‪ ،‬وهي على‬
‫العموم ذات كلف تشغيلية أقل من الطائ ارت النفاثة وهي طائ ارت لا تلقى منافسة في داخل البلاد‬

‫وهي تستخدم للخطوط القريبة وربما أسعار تذاكرها أرخص من أسعار تذاكر الطائ ارت النفاثة‪.‬‬
‫في الساعة الثامنة وعشر دقائق بتوقيت مكة المكرمة أيضًا من صباح السبت‪ ،‬أخذنا طائرة‬
‫"أمريكان أير لاين" في سفرة إلى أوستن حيث وصلناها بعد ساعتين ونصف‪ ،‬وكانت الساعة تشير‬
‫إلى الواحدة وأربعين دقيقة من فجر الجمعة بالتوقيت المحلي‪ ،‬علما بأن فرق الوقت بين أوستن ومكة‬
‫المكرمة هو ثماني ساعات‪ ،‬ووجدنا سيارة عسكرية بانتظارنا في المطار وكان هناك مترجم اسمه‬
‫ولسون بانتظارنا مع سيارة خاصة‪ ،‬وبعد استكمال الإج ارءات تحركنا صوب قاعدة فورت هود‬
‫العسكرية‪ ،‬واستغرقت الرحلة بالسيارة من مطار أوستن إلى القاعدة أكثر من ساعتين‪ ،‬وبعد سفر بين‬

‫‪85‬‬

‫نزار السامرائي‬ ‫يَو ِم َّياتُمُسَافِرٍعَلَىطَريِ ٍقأَحْمَر‬

‫مطار وآخر استغرق أربعاً وعشرين ساعة تقريباً‪ ،‬وجدنا أن التعب حد الإرهاق قد انتزع قدرتنا على‬
‫المطاولة‪ ،‬وألقى كل منا نفسه على الف ارش كجثة لا تعي ما حولها بانتظار الخطوة التالية‪.‬‬

‫فجأة انطلقت صفا ارت الانذار من سيا ارت الإسعاف والإطفاء‪ ،‬أفسدت علينا نوماً كنا بأمس‬
‫الحاجة إليه‪ ،‬إذ كانت السيا ارت تزعق بلا توقف ليلة أرس السنة من دون أن نتبين سبباً محددًا لذلك‪،‬‬
‫خرجنا من شقتنا إلى واجهتها الأمامية‪ ،‬واذا بألسنة اللهب ترتفع عاليًا في سماء مدينة كلين المجاورة‬
‫لقاعدة فورت هود‪ ،‬وتحركت فينا الرغبة في معرفة ما يحصل في أقوى بلد في العالم في ليلة أرس‬
‫السنة الميلادية‪ ،‬بلد بقدر ما نقّدر دوره في النهضة الحديثة في مجالات العلوم والتكنولوجيا‪ ،‬فإننا‬
‫نضمر له مشاعر الك ارهية‪ ،‬لأنه بلد شن حربين على بلدنا في غضون ثلاثة عشر سنة جاءت الثانية‬
‫بعد حصار ظالم فرضه على وطننا ودمر فيه أسباب الحياة‪ ،‬بلد يسعى لتدمير القيم الإنسانية بسرعة‬
‫واعادتها إلى الو ارء بسرعة تفوق سرعته في التطور التكنولوجي‪ ،‬وربما لم نشعر بأسى للخسائر التي‬
‫تتكبدها قواته في أي أرض تتعرض لغزوها‪ ،‬ومن أي قوة تواجهها سواء اتفقنا معها أو اختلفنا‪،‬‬
‫صحيح قد يكون في هذا النمط من التفكير تعبي ًار عن عجز لأنه سلاح الضعفاء وفيه شماتة أكثر‬
‫مما فيه من عزم المقاومة‪ ،‬ولكن الصحيح أيضًا أن الع ارقيين لم يدخروا جهدًا في تحجيم دور أمريكا‬
‫في العالم وتقزيمها‪ ،‬ولولا وقوف الع ارقيين الباسل بوجه ماكنة الحرب الأمريكية‪ ،‬لكانت جيوش‬
‫الولايات المتحدة تنتشر في كثير من بقاع الشرق الأوسط‪ ،‬ويرتفع علمها على المقار السيادية في‬

‫أكثر من عاصمة في المنطقة‪.‬‬
‫كنا على يقين بأن الشعب الع ارقي قاتل ببسالة ورجولة نيابة عن شعوب المنطقة بل عن‬
‫الإنسانية‪ ،‬وجعل الإدا ارت الأمريكية المتعاقبة تفكر ألف مرة قبل أن تُقدم على مغامرة عسكرية‬
‫جديدة‪ ،‬ومع ذلك فأ ّكف الع ارقيين ترتفع بالض ارعة إلى الله سبحانه أن ينتقم من كل من كان سببًا في‬
‫ما لحق بهم من موت ودمار على يد الجيش الأمريكي‪ ،‬الذي نقيم (في ضيافته على ك ارهة وحزن‬
‫ويعتصرنا الألم) الآن في أكبر قاعدة برية له في العالم على كثرة ما يمتلك من قواعد منتشرة على‬
‫طول الكرة الأرضية وعرضها‪ ،‬سواء من كان هذا المشارك في ذبح الع ارق عربياً أو ع ارقيًا أو أجنبياً‪،‬‬

‫وهذه القاعدة هي التي دفعت إلى الع ارق الآلاف من الجنود القتلة لقتل الع ارقيين‪.‬‬
‫كما قلت كان هذا هو اليوم الأخير من عام ‪ 2004‬والذي بدا لنا نحن الغرباء الثلاثة وكأنه‬
‫يلفظ أنفاسه الأخيرة ببطء شديد ووقعُ خطواته فوق صدورنا كان ثقيلاً جداً‪ ،‬الليلة ستسهر مدن العالم‬

‫‪86‬‬

‫نزار السامرائي‬ ‫يَومِ َّيا ُت ُمسَا ِفرٍعَلَىطَريِ ٍقأَ ْحمَر‬

‫وفي هذا الجزء من الكرة الأرضية‪ ،‬على أنغام الموسيقى الصاخبة حد الجنون وعلى أنغام الرصاص‬

‫المنهمر من بنادق الغ ازة بجنون أعظم ولكن في بلدنا وعلى أبناء شعبنا بهدف تركيعهم‪ ،‬لم نشعر‬
‫بأس ًى أننا فرضنا على أنفسنا إقامة إجبارية في الغرفة‪ ،‬فهذا هو شأننا حتى عندما كانت الأيام أنيقة‬
‫ومترفة والليالي في الع ارق جميلة وجميلة أكثر من قدرة كثير من الع ارقيين على التح ّمل والتخّيل‪،‬‬
‫فالزمن الجميل لم يمكث إلا بعمر الربيع في الع ارق‪ ،‬لم يكن أحدنا ليفكر فيما خلا من الأيام بالبحث‬
‫عن المكان الأفضل لقضاء الساعات الأخيرة من أعمار السنين التي مرت علينا‪ ،‬ثم ليبق في حالة‬

‫انتظار حتى يتعانق عقربا الساعة ويعود الإنسان إلى بهيمته‪.‬‬

‫على العموم الآن بل ومنذ ساعات دخل الع ارق يوماً حزيناً جديداً في عام حزين من سنوات‬
‫الاحتلال‪ ،‬وعجبنا لحالنا أننا جئنا إلى مركز العصابة التي قتلت ولدنا وسرقت أموالنا وما ت ازل تُف ّك ُك‬
‫كل ما بنيناه بتعب السنين وتضحيات الع ارقيين وأموالهم وتفعل في بلدنا كل منكر‪ ،‬لنسترد جزًء من‬
‫حق ضاع كما ضاعت فلسطين ولم يكن أمامنا إلا أن نواصل خطانا التي بدأنها في الع ارق ونلاحق‬

‫عدواً يعرف أنه يرتكب من الج ارئم ما ُيلحق عا اًر بقواته‪ ،‬ولكنه يستميت لنفيها عن نفسه مستعيناً بكل‬
‫ما هو متاح تحت يديه من إمكانات‪.‬‬

‫كان علينا انتظار انتهاء عطلة نهاية عام ولّى وعام أقبل‪ ،‬والتي ت ازمنت مع عطلة نهاية‬
‫الأسبوع‪ ،‬حيث ستصاب الحياة بالشلل التام في البلاد‪ ،‬وسنبقى ننتظر حتى بداية الأسبوع الجديد‬

‫كي نشهد انعقاد جلسة المحكمة‪ ،‬وحينها سنعرف أين وصلنا بعد كل هذا الجهد الشاق الذي بذلناه‬
‫خلال عام كامل من دون أن تلوح في الأفق حتى الآن بوادر تطبيق العدالة الأمريكية التي أريناها‬

‫كثي اًر في أفلام هوليود‪ ،‬ولم نجد لها أث اًر على الأرض لا في الع ارق وقبله في فيتنام وبعد ذلك في‬
‫أفغانستان أو حيث وجدت قوات أمريكية تحتل أرض بلد آخر‪ ،‬وما ارفق تطبيقات العدالة الأمريكية‬

‫المعصوبة الأعين في غوانتانامو وأبو غريب‪ ،‬وما يجري في فلسطين ومع شعبها بدعم ومظلة‬

‫أمريكية بالمال والسلاح والإعلام‪ ،‬أو صمت أمريكي حتى تجددت الأسئلة القديمة وصارت ترتفع‬
‫من جديد كلما أصابنا كدول وشعوب أو كأف ارد بعض رذاذها‪.‬‬

‫نحن هنا في معركة قضائية علينا أن نستخدم مها ارتنا وخب ارتنا الشخصية‪ ،‬فنحن نواجه عدواً‬
‫مسلحا بالقوة وقدرة الغدر ويستند على خب ارت مت اركمة في مختلف المجالات وخاصة القانونية‪ ،‬وما‬

‫‪87‬‬

‫نزار السامرائي‬ ‫يَو ِم َّياتُ ُمسَافِ ٍرعَلَى َطريِقٍأَحْمَر‬

‫يصلح في الع ارق وفي بلدان العالم الثالث لا يصلح في أمريكا‪ ،‬ومن قال إنه نجح في بلد أو مجتمع‬
‫ما فلا يعني ذلك أنه سينجح في كل مكان؟‬

‫أمريكا جاءتنا غازية تحت شعا ارت ب ارقة عن تصدير الديمق ارطية الغربية إلى مجتمعنا الذي قد‬
‫يحتاج إلى عقود طويلة ليتعامل مع ما يسمى بالديمق ارطية فمجتمع ما ازلت فيه الأمية سائدة وبأي‬
‫قدر من المقادير لا يستطيع اختيار ممثليه إلى الهيئات التشريعية‪ ،‬الديمق ارطية مثل شجرة ما يصلح‬
‫منها للمناطق المتجمدة لا يصلح للمناطق الحارة‪ ،‬على العموم هذه بركات الديمق ارطية الأمريكية‬
‫خصوصاً والغربية عموماً‪ ،‬التي وفرت أعلى م ارتب الحماية للقتلة‪ ،‬متى كانت الديمق ارطية المصممة‬
‫على مقاسات الغرب قابلة للفرض على مجتمعاتنا بقوة السلاح؟ أم أن الديمق ارطية أغنية جميلة‬
‫للأمسيات الملونة من غير المتاح نقلها لبلداننا من الناحية العملية؟ وما قيمة الديمق ارطية من دون‬
‫احت ارم حقيقي لحقوق الإنسان وخاصة من أط ارف َنصّبت نفسها كجهة مكلفة بتطبيقها على مجتمعات‬
‫أخرى ونسيت ما يحصل داخل أرضها؟ ومن هو المخّول بم ارقبٍة دقيقٍة لتطبيقاتها على الجميع؟ هل‬
‫هي المنظمات الدولية والإنسانية والدول الضامنة لها؟ أم هي القوى المحلية المعبرة عن إ اردة‬
‫الشعوب؟ هي أسئلة لا يمكن أن نعثر لها على جواب بين ما خلّفته حروب الغرب العدوانية على‬
‫الدول النامية والعالم الثالث‪ ،‬وخاصة الوطن العربي الذي دفع أعلى التكاليف السياسية‪ ،‬ج ارء ركونه‬

‫إلى الوعود الغربية التي كان يتأكد زيفها وخداعها في كل مرة‪.‬‬
‫لم يحصل أيام العطلة التي أمضيناها في مقر إقامتنا بالقاعدة أي تطور يتعلق بقضية الشهيد‬
‫زيدون‪ ،‬ما عدا زيا ارت من قبل المحاميين العسكريين اللذين عينتهما المحكمة عنا‪ ،‬وكانا حريصين‬
‫على إقناعنا بأن العدالة ستأخذ مج ارها ولن تستطيع السلطة التنفيذية أو القيادات العسكرية التأثير‬
‫على مسار العدالة بأي شكل من الأشكال‪ ،‬وكانا يرك ازن على أن فلسفة القانون في الولايات المتحدة‬
‫تستند على مبدأ إحقاق حقوق المتخاصمين وليس الانتقام من أحد طرفي التقاضي‪ ،‬حاولا أن يسّوقا‬
‫لنا بضاعة أمريكية عرفناها عن كثب‪ ،‬منذ أن فرض بلدهما على مجلس الأمن الدولي سلة الق ار ارت‬
‫الجائرة التي َشْرَعنت حصا ًار لم يسبق وأن فُرض مثله على أي بلد في العالم منذ أن فرض نابليون‬

‫بونابرت الحصار القاري على الجزر البريطانية‪.‬‬
‫أثناء مجيئنا في المرة السابقة إلى قاعدة فورت هود‪ ،‬طلب منا المترجم اللبناني الأصل إب ارهيم‬
‫حسين تم اًر من الع ارق وقال إنه أكل منه عندما خدم ضمن القوات الأمريكية كمترجم خلال العام‬

‫‪88‬‬

‫نزار السامرائي‬ ‫يَومِ َّيا ُت ُمسَا ِفرٍعَلَى َطر ِيقٍأَحْمَر‬

‫الأول للحرب‪ ،‬وقال إن طعمه ما ازل حاض اًر في فمه‪ ،‬طبعنا نحن الع ارقيين كنا نحمل هدايانا من‬
‫التمر عند سفرنا خارج القطر‪ ،‬وي ارها من نقّدمها له أنها أثمن هدية‪ ،‬فكيف إذا طلبه منا أحٌد وكان‬
‫قد قّدم لنا مساعدة خلال وجودنا في ولاية تكساس لمتابعة قتلة الشهيد زيدون قضائيًا؟ صحيح أنها‬
‫جزٌء من واجبه الذي كلفته به م ارجعه العسكرية في القاعدة‪ ،‬ولكنه أظهر لنا مشاعر التعاطف خارج‬
‫حدود الوظيفة مما جعلنا نشعر بالامتنان له‪ ،‬فجلبنا له كمية منه وسألنا عنه لإيصال الهدية إليه‪،‬‬
‫ولكن أحدًا لم يعطنا جواباً عن مكان وجوده‪ ،‬بل أن البعض أنكر معرفته به وكأن في الأمر س ًار‬
‫عسكريًا يجب إخفاؤه‪ ،‬نحن لسنا بحاجة إليه طالما توفر لنا مترجم بديل‪ ،‬ولكنه هو الذي طلب بلسانه‬

‫تم ًار ع ارقيًا‪ ،‬ولما كان طبعنا نحن الع ارقيين عدم رّد سائل فقد وجدنا أن طلبه صار واجبًا‪.‬‬
‫كان رقم تلفونه مسجلًا عندي وطلبت من أحد المترجمين الاتصال به واتصل به بالفعل‪ ،‬عندما‬
‫تحدثت معه حاول أن يتخلص من الحرج الذي وقع فيه‪ ،‬لاسيما وأن عسكرياً أمريكياً هو الذي اتصل‬

‫به ثم حّول المكالمة لي‪ ،‬قلت له من غير الممكن أنك نسيتنا ونحن كنا هنا منذ شهرين فقط‪.‬‬
‫هل يمكن أن يُنكر معرفته بنا وهو الذي كان مكلفًا بواجب رسمي لم ارفقتنا؟ هل ُيعقل أن يتعمّد‬
‫تجاهلنا بسبب الخوف في بلد الديمق ارطية الأمريكية؟ أخبرته بأننا جلبنا له التمر‪ ،‬شكرني على ذلك‬
‫ووعد بأنه سوف يأتي لرؤيتنا وأخذ التمر‪ ،‬ولكنه لم يفعل وقّدرت أنه محرٌج لأن أصله عربي‪ ،‬ولا‬
‫يريد أن يضع نفسه في موضع الشبهة مع الاستخبا ارت الأمريكية‪ ،‬خاصة وأنه يعمل في الجيش‬
‫الأمريكي‪ ،‬هذه عقدة الغرب مع العرب والمسلمين بصرف النظر عن البلدان التي ينتمون إليها‪،‬‬

‫والذين ُيؤشر كل أمريكي نحوهم بأصبعه أنهم متهمون إلى أن تثبت ب ارءتهم‪.‬‬
‫يعتقد العرب المقيمون في أمريكا والمتجنسون بجنسيتها‪ ،‬أن ما حصل لبرجي التجارة الدولية‬
‫في نيويورك يوم ‪ 11‬سبتمبر‪ ،2001‬وما ارفقها من أحداث وردود فعل‪ ،‬قد وضع العرب "الأمريكان"‬

‫جميعاً في دائرة الاتهام‪ ،‬وحَولَهم إلى مشاريع تفخيخ افت ارضي حتى تتأكد سلامة مواقفهم‪.‬‬
‫ومن أجل التأكد من ذلك نشط مكتب التحقيقات الفد ارلي الأمريكي‪ ،‬في جمع أكبر قدر من‬
‫المعلومات عن تاريخ كل عربي مقيم في الولايات المتحدة‪ ،‬وفتح لكل واحد منهم ملفًا أمنيًا بصرف‬
‫النظر عن مكانته وما قدمه للمجتمع الأمريكي من خدمات علمية وانسانية‪ ،‬ربما لهذه الأسباب‬
‫وغيرها من الحسابات الشخصية لم نَر المترجم اللبناني إب ارهيم حسين أبدًا‪ ،‬والذي انتهت مهمته‬

‫‪89‬‬

‫نزار السامرائي‬ ‫يَومِيَّاتُمُسَا ِف ٍرعَلَى َطريِقٍأَ ْحمَر‬

‫كمترجم وم ارفق لنا بمجرد عودتنا إلى الع ارق‪ ،‬وان كان لم يكلف بواجب جديد معنا‪ ،‬فليس له الحق‬

‫بأي اتصال بنا‪.‬‬

‫ربما سحبنا تقاليدنا العربية في هذا المقطع من العلاقات الاجتماعية ولم نأخذ بنظر الاعتبار‬

‫أن لمجتمع المهاجرين الأمريكي وحتى في غيره من المجتمعات الغربية‪ ،‬تقاليدها البعيدة عن تقاليدنا‬

‫بعد الأرض عن الشمس‪ ،‬وفي نهاية وجودنا هناك أعطينا التمر لعاملة النظافة الأمريكية التي كانت‬

‫تتولى تنظيف مقر إقامتنا في قاعدة فورت هود‪ ،‬والتي قالت إنها تحب التمر كثي اًر‪.‬‬
‫أواخر عام ‪ 2004‬ومع الانتقال من عام إلى آخر‪ ،‬كانت إندونيسيا تعيش كارثة مرّوعة‪ ،‬فقد‬
‫تعرضت لمد بحري هائل (تسونامي) أعقب زل ازلًا هائلاً في أعماق المحيط الهادي وقُتل نتيجته‬
‫مئا ُت الآلاف و ُشّرد الملايين‪ ،‬وكان ذلك أسوأ كارثة طبيعية مسجلة حتى ذلك الوقت‪ ،‬فقد كانت‬
‫بلاجات السواحل الاندونيسية التي تعيش عز الصيف‪ ،‬وتعج بملايين الهاربين من شتاء أوربا وأمريكا‬

‫الشمالية‪ ،‬ولهذا تنوعت جنسيات الضحايا من بلدان مختلفة‪ ،‬ولم نمنع أنفسنا من التمني لو أن أمريكا‬

‫هي التي ُضربت بتسونامي انتقامًا لكل الضحايا الذين سقطوا نتيجة ج ارئمها في الع ارق وشتى أرجاء‬
‫العالم‪ ،‬ولكن الأمنيات تدور في مكانها داخل الرؤوس الحالمة والنفوس التي أتعبها طول السفر وقلة‬

‫ال ازد‪ ،‬والتي تريد أن تنوب عنها قوى الغيب في استرداد حقوقها‪ ،‬أو تبقى تسبح في فضاء الكون‬

‫الرحيب ولا تنتقل إلى الأرض لأن الله سبحانه وتعالي يمد بالعون والمدد من يقف إلى جانب نفسه‬

‫ويتصدى لكل من يعتدي على حومته وحرماته‪.‬‬

‫كنت أتساءل مع نفسي لماذا تتكبد البلدان الفقيرة والمتخلفة أكبر الخسائر البشرية والمادية عند‬

‫تعرضها لأية كارثة طبيعية؟ الإجابة جاهزة وواضحة على الرغم من أن بعض البسطاء أو المغرضين‬

‫يحاولون تصوير الأمر وكأنه نقمة ربانية على المجتمعات الفقيرة‪ ،‬لاسيما وأن معظمها بلاد إسلامية‪،‬‬

‫هذه فرضية ساذجة‪ ،‬فالأمر إشارةً ربانية لتلك المجتمعات بالذهاب إلى الأسباب‪ ،‬وأخذ الاحتياطات‬
‫اللازمة لمواجهة أي خطر محتمل‪ ،‬سواء كان ذلك في تطوير أساليب التعاطي مع الظواهر الطبيعية‬

‫التي تحيط بها أو في حياتها كلها‪ ،‬فالإسلام وهو دين "اق أر" لم يمنع المسلمين من ُصنع وسائل‬
‫الاستشعار المبكر أو في أساليب البناء العم ارني على أسس تواجه مثل هذه المخاطر‪ ،‬أو استي اردها‬

‫من الخارج لمواجهة أخطر التحديات‪.‬‬

‫‪90‬‬

‫نزار السامرائي‬ ‫يَو ِم َيّاتُمُسَا ِف ٍرعَلَى َطريِقٍأَ ْحمَر‬

‫الله سبحانه وتعالى أمر المؤمنين أثناء الصلاة بأخذ الحيطة والحذر إذا خافوا من أعدائهم أن‬
‫يميلوا عليهم ميلة واحدة‪ ،‬ومن باب أولى أن يتنبهوا إلى سائر الأخطار التي تهدد وجودهم في‬

‫تفاصيل حياتهم اليومية‪ ،‬ولا يعد الاحت ارز للظروف الطبيعية وتقلباتها مغاي ًار لسّنة الله في خلقه‪.‬‬
‫ماذا لو وقع التسونامي على شواطئ الولايات المتحدة؟ هل كانت خسائره بنفس المستوى؟‬
‫نعم شهدت الولايات المتحدة وما ت ازل كثي ار من الأعاصير والكوارث مثل كاترينا وريتا وغيرها‬
‫كثير‪ ،‬ولكن الخسائر التي تقع هناك لا تتناسب مع قوة تلك الأعاصير أو ال لزازل‪ ،‬ولنا في مدينة‬
‫نيو أورليانز التي عاشت تجربة مرة مع كاترينا قبل بضع سنوات مما يمكن أن يدلنا على أساليب‬

‫مواجهة الكوارث الطبيعية مع أن خسائرها كانت قاسية على أمريكا كلها‪.‬‬
‫خلال أيام عطلة نهاية السنة في الولايات المتحدة ومن شقتنا في فندق قاعدة فورت هود‪ ،‬كنا‬
‫نقضي وقتنا في متابعة التلفزيون والذي لم تكن لديه قضية إلا تسونامي كما هو شأن كل الفضائيات‬
‫ومحطات الإذاعة والتلفزيون والصحف في العالم‪ ،‬ولأننا كنا نجلب احتياجاتنا الغذائية من أسواق‬
‫قريبة فقد كنا مضطرين لإعادة تسخينها في فرن كهربائي من نوع مايكروويف‪ ،‬وفي اليوم التالي واذ‬
‫كنا قد وضعنا الخبز في الفرن وانشغلنا عنه قليلاً‪ ،‬فإذا بالدخان يتصاعد من الفرن فبادرنا من فورنا‬
‫إلى قطع التيار الكهربائي عنه‪ ،‬ولكن صافرة إنذار منصوبة داخل الشقة تحسست من الدخان وسبقتنا‪،‬‬
‫فبدأت تطلق صفي اًر في أنحاء المعسكر كله‪ ،‬وما هي إلا دقائق حتى كانت سيا ارت الشرطة تصطف‬
‫على مقربة من شقتنا‪ ،‬وكانت عاملة الخدمة قد وصلت قبل سيا ارت الشرطة (كما في معظم الأفلام‬
‫الأمريكية التي تصل الشرطة فيها بعد أن تنتفي أسباب قدومها) واطمأنت العاملة إلى أن الأمر‬
‫أصبح تحت السيطرة فاتصلت بالجهات المعنية وأبلغتهم بذلك فانسحبت الشرطة من المكان بعد‬
‫وقت عشنا فيه قلقًا مشروعًا مما وقع‪ ،‬فنحن ع ارقيون وجئنا لمتابعة قضية شائكة‪ ،‬وحادث كهذا يمكن‬

‫أن ُيفسر ضدنا من قبل أجهزة بلد تبحث عن الأدلة ضدنا بعد أن أصدرت حكمها‪.‬‬
‫على كل حال الحمد لله انتهت المشكلة وعدنا إلى مسار حياتنا اليومية انتظا اًر ليوم الاثنين‪،‬‬
‫غير أن مترجمة اسمها سي ار جاءتنا لتبلغنا أنها مكلفة بم ارفقتنا والترجمة لنا طيلة مكوثنا هناك وقالت‬

‫بأن المحكمة ستعقد جلساتها يوم الثلاثاء ‪.2005 / 1 / 5‬‬

‫‪91‬‬

‫نزار السامرائي‬ ‫يَو ِم ّيَاتُمُسَافِ ٍرعَلَى َطر ِي ٍقأَ ْحمَر‬

‫هذا يوم تأخير آخر ولكن علينا أن نتعامل مع التقاليد السائدة في العالم المسيحي بل في العالم‬
‫كله في الاحتفال بأعياد الميلاد و أرس السنة‪ ،‬فنحن الآن في بلادهم وليس أمامنا إلا انتظار جلسة‬

‫الثلاثاء‪ ،‬ومعنى ذلك أننا لن نستطيع مبارحة المعسكر إلا بإذن رسمي ومع المترجم‪.‬‬
‫مرة كنا في أحد م اركز التسويق الكبيرة في مدينة كلين القريبة من القاعدة‪ ،‬جاءنا أكثر من‬
‫مواطن أمريكي ليعبر عن تعاطفه مع قضيتنا المعروضة على المحكمة‪ ،‬كان بعضهم ساخطاً على‬
‫ما ارتكبه الجنود وقالوا إنهم كانوا يتابعون مجريات المحاكمة عن طريق الصحافة والتلفزيون ويشعرون‬
‫بالأسى لما وقع‪ ،‬تساءلت في نفسي لماذا يبدو الفرد الغربي إنسانيًا في مشاعره وسلوكه عندما لا‬

‫يكون مسؤولًا؟‬
‫أو هو ممثل بارع عندما يؤدي هذا الدور؟ أكاد أجزم أن مشاعرهم كانت صادقة من خلال‬
‫تلقائيتهم في أحاديثهم معنا‪ ،‬فما يحرك المشاعر داخل النفوس هو عامل واحد عابر للأديان والقوميات‬
‫والمذاهب‪ ،‬ولكن للدول مصالحها العابرة للقا ارت والتي تدوس على كل القيم الإنسانية‪ ،‬وهي التي‬
‫تنتج بب ارعة الأزمات المستحكمة بين الشعوب والأمم‪ ،‬ولهذا ينزع الأمريكي عنه مشاعر الانتماء لبلد‬
‫يريد الهيمنة على ثروات الدول وا اردتها ويتصرف بنوعية إنسانية‪ ،‬هذه مشاعر لمسناها عند أناس‬
‫يحتلون مواقع غير مؤثرة في سلك الخدمة العامة؟ على الرغم من أن تلك الوظيفة تجرده من إنسانيته‬
‫وتتركه يتحرك بآلية عمياء يفقد فيها كل ما يمت إلى ما يميز البشر عن سائر المخلوقات إذا اقتضت‬

‫ضرو ارت الوظيفة ذلك‪.‬‬
‫انتهت عطلة الأعياد والتي لم نجد أنفسنا نرغب بنهايتها بأسرع وقت كما يحصل هذه المرة‪،‬‬
‫وفي الساعة الثامنة صباحاً من يوم الثلاثاء ‪ 2005 / 1 / 5‬انتقلنا إلى مبنى المحكمة الذي لم يكن‬
‫بعيدًا عن سكننا‪ ،‬وأُجلسنا في إحدى غرف المحكمة بعيدًا عن قاعة التقاضي‪ ،‬فقالت لنا المترجمة‬
‫إن المحكمة تستمع الآن لشهادات الجنود الأمريكيين أنفسهم الذين شهدوا الجريمة إما عن قرب أو‬
‫كانوا ضمن الدورية الأمريكية الآلية‪ ،‬وعلمنا أنهم لم يتمكنوا من بلورة موقف موحد بشأن القصة التي‬
‫سيقدمونها أمام المحكمة‪ ،‬ونتيجة استيقاظ ضمير أحد الجنود فقد اعترف بأن الجريمة وقعت حقًا‬
‫وبالتفاصيل التي سبق لنا وأن قدمناها للمحكمة‪ ،‬ولأنهم وأثناء الخدمة وتحت القسم فإن من غير‬
‫الممكن أن يتواطأ جميع من شهد الواقعة على سرد قصة مغايرة لما جرى لمجرد أن آمرهم العسكري‬

‫‪92‬‬

‫نزار السامرائي‬ ‫يَومِ َيّاتُمُسَافِ ٍرعَلَى َطر ِيقٍأَحْمَر‬

‫يرغب في ذلك‪ ،‬وقد علمنا أن الملازم الأول جاك سافيل قد حاول عرقلة سير المحاكمة بما يّؤمن‬
‫إبعاد المسؤولية الجنائية عن نفسه وعن الدورية التي نفذت جريمة القتل‪ ،‬وُرفعت الجلسة إلى الغد‪.‬‬
‫في العاشرة صباحاً من يوم الأربعاء ‪ 2005/ 1 /6‬عقدت المحكمة جلستها الثانية برئاسة‬
‫قاضي المحكمة (الكولونيل) العقيد تيودور ديسكن‪ ،‬عندما هممنا بالدخول إلى مبنى المحكمة‪ ،‬صادفنا‬
‫في الممر الخارجي عدد كبير من الصحفيين المحليين من ولاية تكساس‪ ،‬وهم يمثلون الصحف‬
‫المطبوعة والتلفزيون والإذاعة‪ ،‬وقد سبقتنا القضية إلى الصحافة مما ساعد على أن تكون الصورة‬
‫متاحة أمام مواطني مدينة أوستن وولاية تكساس‪ ،‬حتى بفرض أن ذلك لن يضيف لنا شيئًا ولن يغير‬
‫من نتائج المحاكمة ولن يعيد لنا زيدون إلى الحياة‪ ،‬فإنه كان يبعث في نفوسنا قليلاً من الارتياح لأن‬
‫المحكمة م ارقبة من الشعب الأمريكي الذي كما أشرت كان قد تعاطف معنا‪ ،‬كانت الجلسة منصبة‬
‫على دور العريف (تيريسي بيركنز) الذي قام بتنفيذ أمر الملازم الأول سافيل بإلقاء الشهيد زيدون‬
‫وابن عمه مروان في بوابة ناظم الثرثار‪ ،‬تم استدعاء مروان للشهادة واستغرقت شهادته ساعتين وربع‬
‫وسرد القصة كاملة كما وقعت ليلة ارتكاب الجريمة‪ ،‬وعندما سأله القاضي عن أسباب نجاته ومقتل‬
‫زيدون‪ ،‬أجاب بأنه كمسلم يؤمن بأن إ اردة الله هي وحدها التي تتغلب على إ اردات خلقه‪ ،‬ومع أن‬
‫القاضي اعتبر ما قاله مروان قضية غيبية لكنه لم يمتلك الج أرة الكافية للسخرية منه لأنه سيضع‬

‫نفسه في دائرة انتهاك حرية الاعتقاد‪.‬‬
‫حاولت هيئة المحكمة إيجاد ثغرة تتمكن من توظيفها لغلق القضية ولكنها لم تنجح في هذا‬
‫المسعى‪ ،‬ليس بسبب قدرتنا في التفوق على رجال مدربين ومتمرسين في القضاء‪ ،‬وانما لسبب واحد‬
‫وهو أننا تمسكنا بقول الحق وسرد القصة كما وقعت من دون رتوش‪ ،‬على نحو سد نهائيًا كل الثغ ارت‬
‫في نقل تفاصيل الواقعة‪ ،‬لقد كان مروان صادقاً مع نفسه وفي كل ما كان يُدلي به من أقوال عايشها‬
‫قبل عام بالضبط‪ ،‬وتعايشت معه في عقله وقلبه وضميره‪ ،‬والشهيد صديقه قبل أن يكون ابن عمه‪،‬‬
‫والحادثة هزته من الأعماق وبالتالي عندما ذهب إلى هناك أ ارد أن ينتصف لحق الأسرة التي فقدت‬
‫أحد أعمدة مستقبلها‪ ،‬فالصدق أقوى الأدلة ولن تنفع معه مها ارت القضاة والمحامين وخب ارء القانون‪،‬‬
‫وقالت العرب قديمًا إما أن تكون صادقًا واما أن تكون قوي الذاكرة‪ ،‬وناقش محاميا المتهمين مروان‬
‫بشأن ما جاء في إفادته وسألاه عن موقفه مما أسمياه بالوجود الأمريكي في الع ارق‪ ،‬فكان موقفهما‬
‫مدعاة للتوقف‪ ،‬فهل تخليا عن صفتهما كمحاميين عن المتهمين وتحولا إلى جزء من منظومة المحكمة‬

‫‪93‬‬

‫نزار السامرائي‬ ‫يَومِ َّياتُ ُمسَافِرٍعَلَى َطريِ ٍقأَحْمَر‬

‫انطلاقاً من كونهما أمريكيين؟ قال لهما مروان إن الاحتلال مرفوض من كل شعوب العالم ولا أظنكما‬
‫تقبلان أن يُحتل بلُدكم‪ ،‬ولما سألاه عن موقفه من المقاومة والتي أطلقا عليها اسم الإرهاب‪ ،‬قال‪ :‬أنا‬
‫"أؤيد مقاومة الاحتلال باعتبارها اختيا ًار دينيًا ووطنيًا وأخلاقياً"‪ ،‬ومن دون إبطاء سألاه هل تؤيدها أم‬
‫تدعمها؟ كنا قد تناقشنا في احتمال طرح مثل هذا السؤال أو أسئلة قريبة منه‪ ،‬وأكدت على مروان‬
‫م ار اًر على أن يعلن عن تأييده للمقاومة ولا يتنصل من موقفه الوطني‪ ،‬ولا يتحدث عن دعم أو إسناد‬
‫لأن ذلك يعني تقديم أحد أشكال الدعم المالي أو المساهمة بأنشطتها مما قد ينسحب على القضية‬

‫التي صممنا على متابعتها حتى النهاية‪.‬‬
‫كان المحاميان يبحثان عن ثغرة تساعد على تبرئة القتلة من خلال الزعم بأن مروان وزيدون‬
‫إرهابيان‪ ،‬وأن رد فعل العسكريين الأمريكيين كان وقائياً أو دفاعاً عن النفس‪ ،‬خاصة بعد أن انهارت‬
‫كل محاولات نفي وقوع الجريمة‪ ،‬خرج مروان وهو ارض عن أدائه أمام المحكمة إذ ربما توقع البعض‬
‫من هيئة المحكمة المنحازة إلى الجنود الأمريكان باعتبارهم مواطنين يدافعون عن المصالح العليا‬
‫للولايات المتحدة ويعرضون أنفسهم لأخطار جدية بما فيها الموت‪ ،‬أن يرتبك مروان أو يتلعثم ويقدم‬
‫ما ينفع المحكمة في بحثها عن فرصة لطي قيد هذه القضية‪ ،‬أو البحث عن مسالك قانونية أو نفسية‬
‫تخفف عن أولئك الجنود تبعات فعلتهم‪ ،‬فهذا الهدف يتقدم على البحث عن الحقيقة الواضحة أمام‬
‫الجميع‪ ،‬ولكن المحكمة تحاول إلقاء أغطية فوقها لطمس معالمها دفاعا عن (أبناء الوطن) بوجه‬
‫إرهابيين لم يكتفوا بمقاتلتهم في الع ارق‪ ،‬بل (تواقحوا) كثي ًار حينما جاءوا إلى الأ ارضي الأمريكية‬

‫باحثين عن إيقاع العقوبة بجنود الولايات المتحدة‪.‬‬
‫وعلى الرغم من أن الحرب هي وعاء مشروع للموت‪ ،‬كنا نلاحظ أن القضاة وهيئة المحلفين‬
‫منقسمون على أنفسهم في معاقبة أمريكي بسبب قتله ع ارقيًا‪ ،‬وبين إرسال رسالة تتناغم مع م ازعم‬
‫البيت الأبيض والخارجية الأمريكية في الحديث عن حقوق الإنسان والديمق ارطية المحلقة فوق أجنحة‬

‫الصواريخ العابرة للقا ارت‪ ،‬وجد القضاة صعوبة في تبرئة القتلة‪.‬‬
‫بعد انتهاء مروان ابن أخي عبد الحكيم من شهادته استدعت هيئة المحكمة أخي مأمون والد‬
‫الشهيد زيدون للإدلاء بشهادته ولا شك أنه سيستذكر تلك الساعات التي وقعت فيها الكارثة وكيف‬
‫جاد ابنه بروحه التي صعدت إلى بارئها لتشكو ما وقع عليه وعلى أسرته وبلده من ظلم‪ ،‬واستهداف‬
‫همجي قادته الولايات المتحدة لتركيع الع ارقيين‪ ،‬مضى مأمون إلى قاعة المحكمة وهو يعيش مشاعر‬

‫‪94‬‬

‫نزار السامرائي‬ ‫يَومِ َّيا ُت ُمسَافِ ٍرعَلَى َطر ِي ٍقأَحْمَر‬

‫تتصارع داخله وهو يتساءل من أين جاءت الإنسانية لهؤلاء القتلة حتى ينصفوا أبناء بلد ما ذهبوا‬
‫إليه إلا من أجل أن يذلوه ويسلبوا حقوقه ويدمروا فيه معنى الحياة؟ ومع ذلك صمم على أن يسلب‬
‫الأمريكيين آخر فرصة لهم في الزعم بأنهم حملة العدل وحقوق الإنسان وقرر ضبط أعصابه كأب‬
‫مفجوع‪ ،‬حتى اللحظة الأخيرة من الم ارفعة والتحكم بمشاعر الأب المكلوم وهو يرى قتلة ابنه أمامه‬

‫وهم يمثلون دورهم في مسرحية إنسانية بالية‪.‬‬
‫عندما حضر مأمون كشاهد وبعد أن أقسم أن يقول الحق‪ ،‬بدأت هيئة المحكمة مناو ارتها‬
‫لاستد ارجه وايقاعه بتناقض قد يخدم المتهمين‪ ،‬بدأت أسئلتها له على قضية افت ارضية اختلقها القضاة‬
‫هنا في ولاية تكساس‪ ،‬ومن قبلهم لجان التحقيق العسكرية الأمريكية في الع ارق‪ ،‬وكان الهدف منها‬
‫التشكيك بما ذكرناه مئات الم ارت عن دفن جثمان زيدون‪ ،‬وسألوه "هل أنت متأكد أن الذي دفنتموه‬
‫هو ابنك زيدون؟ ألا يمكن أن يكون القبر لأي شخص آخر"؟ و ارحوا أبعد من ذلك فقالوا له "ربما لا‬

‫يوجد جثمان تم دفنه أصلاً"‪.‬‬
‫كان القضاة يتساءلون ببلاهة بل بوقاحة مقصودة ومعهودة عند الأمريكي الذي يعيش عقدة‬
‫التفوق‪ ،‬منذ الأيام الأولى التي حطت فيها أقدام القتلة الأوائل الذين نفتهم بريطانيا إلى مستعمرتها‬
‫فيما و ارء الأطلسي‪ ،‬فخاضوا معاركهم الأولى ضد السكان الأصليين في تلك البلاد‪ ،‬ثم ترسخت في‬
‫نفوسهم عقدة التفوق أكثر فأكثر عندما بدأت حربهم على عبيدهم من الزنوج التعساء الذين قادهم‬
‫سوء حظهم للإقامة القهرية في العالم الجديد‪ ،‬كانت أسئلتهم التي يوجهها قضاة المحكمة العسكرية‬
‫جارحة لمشاعر أ ٍب فقد ابنه البكر لتوه‪ ،‬أي عقلية هذه التي تختفي تحت رؤوس هؤلاء القوم الذين‬
‫وعلى كثرة ما يتحدثون عن قيمة الإنسان‪ ،‬فإن الاستهانة بمشاعر الآخرين تعد ديناً جديداً ينمو في‬
‫العالم الجديد؟ هل يظنون أن كل ما في أمريكا يستأهل أن نختلق له قصة ونزعم فيها موت ولدنا‬
‫لمجرد أن نخوض هذا الجدل السقيم؟ يمكن أن يكونوا هم على استعداد ليفعلوا ذلك‪ ،‬ولكن هل من‬
‫حق القاضي "أي قاض" أن يوجه أسئلة تعبر عن تقاليد بيئته ويسقطها على بيئة شاهد جاء من‬
‫آلاف الكيلومت ارت باحثًا عن العدالة والانتصاف لنفسه من قتلة ابنه‪ ،‬حسنًا قال القاضي لكي نتأكد‬
‫أن زيدون هو الذي تم دفنه‪ ،‬فهل تسمحون بفتح القبر وجلب الجثمان إلى الولايات المتحدة لتشريحه‬
‫في مختب ارت لا تتوفر لا في الع ارق ولا في المستشفيات التي أقامها الجيش الأمريكي في بلدكم كي‬
‫نتأكد من أنه مات غرقًا وربما نجد علامة تؤكد لنا أنه دفع بالقوة إلى الماء؟ يا ابن اللئيمة أيها‬

‫‪95‬‬

‫نزار السامرائي‬ ‫يَو ِم ّيَاتُمُسَا ِف ٍرعَلَى َطريِ ٍقأَحْمَر‬

‫الثعلب الماكر بل أيها الخنزير القذر‪ ،‬ترى أي مشورة خبيثة وصلتك وتعرف أن المسلمين لا يسمحون‬
‫بفتح قبور موتاهم‪ ،‬قال لهم مأمون نحن لا نستطيع ذلك إلا بعد العودة إلى علماء الدين عندنا‬

‫وأعدكم بأنني سأبذل جهدي للحصول على فتوى في هذا الشأن‪.‬‬
‫طلب محاميا المتهمين الحديث فسأل أحدهما وبطريقة استف اززية‪ ،‬ماذا تتمنى أن تفعل بمن قتل‬
‫ولدك لو كان موجودًا هنا؟ أجاب مأمون أولًا أخبرني إن كان القاتل موجودًا هنا وقل لي من هو؟‬
‫وأنا على استعداد للإجابة‪ ،‬أما إذا كان السؤال مجرد سؤال افت ارضي فلست على استعداد للإجابة‬
‫على الأسئلة الافت ارضية‪ ،‬سأل محام آخر وبنبرة أكثر عدوانية‪ ،‬كم مرة شارك ولدك في توجيه ضربات‬
‫للقوات الأمريكية في الع ارق؟ يا له من سؤال تحريضي علينا‪ ،‬المهم وبهدوء طلب مأمون من القاضي‬
‫أن يأمر المحاميين بالكف عن مثل هذه الأسئلة التي لا صلة لها بالقضية‪ ،‬فزيدون لم يسقط في‬
‫اشتباك مسلح وانما قتل بعد إلقاء القبض عليه بتهمة مخالفته لقانون حظر التجول‪ ،‬وعلى الرغم من‬
‫أن هذه التهمة باطلة إلا أن مخالفة القانون لا تعالج بالقتل وانما بالتدرج بالعقوبات على وفق نصوص‬
‫القانون المعمول به‪ ،‬استجاب القاضي للطلب‪ ،‬وأردف مأمون فقال هذا ما تعلمناه من مشاهدة الأفلام‬

‫الأمريكية التي تعرض قضايا التحقيقات والمحاكم بأبهى الصور‪.‬‬
‫ولكن المحاميين لم ييأسا من إمكانية استد ارج مأمون لموقف منفعل قد ينفع في رسم صورة‬
‫تساعد على إعطاء تصور عن الموقف السياسي لعائلة زيدون‪ ،‬وكأن المطلوب أن يتجرد الع ارقي‬
‫عن ع ارقيته‪ ،‬ليرضي هيئة المحكمة والمحامين والشعب الأمريكي‪ ،‬فأجاب مأمون بشكل قاطع أنه‬
‫كع ارقي لا يمكن أن يقبل باحتلال بلده من أي طرف كان‪ ،‬وبالتالي فهو ضد الاحتلال ويؤيد مقاومته‬

‫من أي طرف جاءت هذه المقاومة‪.‬‬
‫انتهت جلسة المحكمة من دون اشعارنا بشيء وسرعان ما خرج المحاميان اللذان وكلتّهما‬
‫المحكمة عن أسرة الشهيد زيدون وهما على درجة عالية من الارتياح‪ ،‬لأنهما على وفق ما ذك ار نجحا‬
‫في إقناع هيئة المحكمة بتطابق مسلسل الأحداث يوم ارتكاب الجريمة مع شهادة مروان‪ ،‬وكي أعرف‬
‫مدى خبرتهما القانونية‪ ،‬سألتهما عما إذا كانا محاميين فنفيا ذلك وقالا إنهما يتدربان على العمل‬

‫القانوني من أجل الحصول على منحة من الجيش لد ارسة القانون في إحدى الجامعات‪.‬‬
‫من المعروف أن الد ارسة الجامعية في الولايات المتحدة باهظة التكاليف‪ ،‬ولا يستطيع كل ارغب‬
‫بالد ارسة الجامعية‪ ،‬الحصول على مقعد د ارسي في الجامعة إلا إذا كان من عائلة ثرية أو كان أهله‬

‫‪96‬‬

‫نزار السامرائي‬ ‫يَو ِم َّياتُ ُمسَا ِفرٍعَلَى َطريِقٍأَحْمَر‬

‫على استعداد أن يتخلوا عن الكثير من الاحتياجات الأساسية في حياتهم من أجل أن يكمل ولدهم‬
‫د ارسته الجامعية‪ ،‬ولهذا يبرر كثير من الأمريكيين انخ ارطهم في الخدمة العسكرية بالرغبة في‬

‫الحصول على منحة للد ارسة الجامعية‪.‬‬
‫كان المترجم القانوني المصري مروان عبد الرحمن حاض اًر في المحكمة‪ ،‬ولكننا لم نره بعد ذلك‬

‫فقد طار إلى مقر عمله في نيويورك‪.‬‬
‫في اليوم التالي صدرت الصحف المحلية وهي تحمل صورنا أنا ومأمون ومروان ونحن نخرج‬
‫من قاعة المحكمة‪ ،‬وكنا في غرفة المحامين التقينا بالمحاميين اللذين عينتهما لنا المحكمة وجرى‬
‫حديث طويل بشأن تفاصيل الحادث وقدم المحاميان لنا نفسيهما على أنهما يسعيان لإحقاق الحق‬
‫ومعاقبة الجاني أيا كان‪ ،‬وكانا قد طلبا من مروان م ار ًار وتك ار اًر سرد تفاصيل القصة‪ ،‬واستفس ار عن‬
‫جزئيات صغيرة‪ ،‬لا ندري هل هما على استعداد لإدانة مواطن أمريكي وينتمي إلى المؤسسة العسكرية‬
‫التي ينتميان إليها؟ ساورتني شكوك كثيرة و أريت أنهما يؤديان دو اًر مرسوماً كجزء من المسرحية‬
‫الكاملة من أجل إسدال الستار على فصلها الأخير‪ ،‬وبدا لي أنهما ومن خلال انتحال صفة المدافع‬
‫عن قضيتنا يحاولان العثور على ثغرة تمنح من ارتكب الجريمة حكما بالب ارءة‪ ،‬وربما يكونان صادقين‬
‫ولكننا وبسبب م اررة الاحتلال وج ارئمه المروعة لم نعد نثق بوجود أمريكي واحد يتعاطف مع القضايا‬

‫الإنسانية ونتصور كل من يفعل ذلك إنما يؤدي دوره في مسرحية لن تستمر طويلاً‪.‬‬

‫‪97‬‬

‫نزار السامرائي‬ ‫يَو ِميَّاتُ ُمسَا ِف ٍرعَلَىطَريِ ٍقأَ ْحمَر‬

‫الخطوة التاسعة‬

‫صدور الحكم القضائي‬

‫َرفعت المحكمة جلستها الثانية بعد أن استمعت لإفادات جميع أط ارف الدعوى‪ ،‬إلى موعد يحدد‬
‫لاحقًا لإصدار ق ارر الحكم‪ ،‬عندما سألنا عن تاريخ انعقاد جلسة النطق بالحكم قالوا سنبلغكم في‬
‫حينه‪ ،‬وسألنا هل سنبقى هنا لحين صدور الحكم؟ لم نحصل على جواب شاف فأمريكا سٌر كبير‬
‫ينطوي على كثير من التناقضات‪ ،‬فبقدر ما هي بلد مفتوح فهي بلد محكم الانغلاق‪ ،‬وبقينا ُنلّح على‬
‫عدم البقاء في القاعدة العسكرية معزولين عن العالم‪ ،‬ولأننا لم نعد نرى مبر اًر لبقائنا هنا لزمن أكثر‬
‫مما تتطلبه جلسات المحكمة‪ ،‬فنحن "ضيوف" غير مرغوب فيهم من جهة وأشبه ما نكون بمعتقلين‬
‫مشتبه بهم لتهمة غير محددة‪ ،‬ولم نكن نرغب بأن نظل "فرجة" للباحثين عن ظاهرة غريبة‪ ،‬ثم أنني‬
‫عانيت عشرين عامًا عندما تمسك الإي ارنيون "بضيوفهم" أسرى الحرب الع ارقية الإي ارنية فهل مكتوب‬

‫علي أن أعيش "ضيفاً" في الولايات المتحدة‪.‬‬
‫في قاعدة فورت هود على اتساعها وكونها مدينة مصغرة‪ ،‬لا نستطيع الخروج من بواباتها‬
‫الرئيسية إلا بموافقات مسبقة يجب استحصالها من قيادتها‪ ،‬ولا نستطيع الدخول إليها إلا بموافقات‬

‫أكثر صعوبة‪ ،‬فمن الذي يؤّمن لنا تلك الموافقات؟‬
‫بعد ذلك اتصل بنا واتسون وقال إنه أجرى اتصالات مع م ارجعه ونقل لهم رغبتنا بالعودة إلى‬
‫الع ارق ووعدوه بد ارسة الأمر ولكنه لم يقل أكثر من هذا‪ ،‬ول ّما ألححنا عليه قال حسنًا سنغادر قريباً‬
‫بعد أن نستكمل تدابير الحجز على الطائرة ففي الأمر نفقات يجب صرفها من قبل الجهات المعنية؟‪.‬‬
‫مررنا بحالة انتظار مفتوح الزمن وكان المسؤولون يتعمدون الغموض في هذا الملف‪ ،‬ولكن‬
‫ماذا ت ارنا سنفعل في هذه القاعدة العسكرية المغلقة‪ ،‬هل نمارس رياضة المشي في طرقاتها؟ أم نظل‬

‫على حالنا في غرفنا لمشاهدة التلفزيون الذي لا هم له إلا ملاحقة تسونامي إندونيسيا؟‬
‫من دون سابق إنذار ومن دون أن نعرف تفاصيل ما جرى ومن دون أن ُندعى لحضور جلسة‬
‫النطق بالحكم‪ ،‬أصدرت محكمة فورت هود العسكرية‪ ،‬حكمًا على السيرجنت ترسي بيركنز حكماً‬
‫بالحبس ستة شهور وحرمانه من حقوقه التي ضمنها له القانون العسكري الأمريكي‪ ،‬مّر الحكم من‬

‫‪98‬‬

‫نزار السامرائي‬ ‫يَو ِميَّاتُمُسَا ِف ٍرعَلَى َطر ِيقٍأَحْمَر‬

‫دون أن نعلم به من أي مصدر‪ ،‬ولكن ظل جرس التلفون "الموبايل" يضرب بلا توقف من لندن بعد‬
‫أن أذاعت الخبر شبكة ‪ CNN‬وبتفصيل عن ملابسات القضية وظروفها وتناقلته عنها وكالات‬
‫الأنباء العالمية‪ ،‬ربما كانت هذه أول قضية جنائية كان ع ارقي ضحيتها‪ ،‬تُوبعت بهذه الجدية حتى‬

‫صدر فيها ق ارر حكم قضائي‪ ،‬على الرغم من أن الق ارر كان هزيلاً إلى أبعد الحدود‪.‬‬
‫في يوم صدور الحكم اتصل بي كل من الزملاء أسامة الصالحي وهارون محمد وسيف الدوري‬
‫وماجد السام ارئي‪ ،‬وكانوا على اتصال مستمر معي منذ وصولنا إلى فورت هود‪ ،‬لمتابعة الملف فهم‬
‫يرونه قضيتهم كما هي قضيتنا‪ ،‬لم يألوا جهداً في إيصال المستجدات عبر قنواتهم إلى أي منبر‬

‫يصلون إليه‪.‬‬
‫كما اتصل بي المرحوم صباح البازي من بغداد وكان حينها م ارسلاً نشطًا لوكالة رويترز‬
‫البريطانية للأنباء‪ ،‬والذي تابع القضية في مجموعة متصلة من الأخبار والتقارير‪ ،‬بحكم معرفته‬
‫السابقة بتفاصيل ما وقع وجعل من تلك المعلومات خلفية (باك اروند) للقصة الإخبارية التي قدمها‬

‫للوكالة التي يعمل فيها‪.‬‬
‫وأطلعني الجميع على حيثيات الحكم وتفاصيله الكاملة‪ ،‬لأننا كنا مقطوعين عن مصدر الخبر‬
‫على الرغم من أننا كنا على بعد خطوات معدودات عنه‪ ،‬ومع ذلك كانت الاخبار تصلنا من أوروبا‪.‬‬
‫كما أن بعض الفضائيات اتصلت بي لأخذ تعقيبات على ما حصل في الأيام السابقة وق ارر‬
‫الحكم المفاجئ لنا‪ُ ،‬دهشنا من هذا التطور والحكم المثير للسخرية والحزن في وقت واحد‪ ،‬وطلبت‬
‫من الأصدقاء الذين اتصلوا بنا بمتابعة الموضوع سواء بمعرفة التفاصيل أو الحديث عن هذا الق ارر‬
‫الجائر‪ ،‬مجرم قتل مواطناً بدم بارد ويُعاقب بالحبس ستة أشهر‪ ،‬يا لها من عدالة دولة صّدعت‬
‫رؤوسنا من كثرة ضجيجها عن حقوق الإنسان وحكم القانون‪ ،‬وتحدثت لقناة ‪ ،ANN‬عن هذا الحكم‬
‫البائس وطالبت بممارسة أعلى درجات الضغط إعلاميًا على الإدارة الأمريكية من أجل أن تؤكد‬
‫مصداقيتها فيما تطرحه من شعا ارت‪ ،‬نحن نعرف أن هذا غير ممكن أصلًا ولكننا كنا نريد أن نفضح‬
‫أمريكا أمام ال أري العام العالمي ونحاول أن نوجه رسالة إلى الشعب الأمريكي عن طبيعة الج ارئم‬

‫التي ترتكبها قواتها في الع ارق‪.‬‬
‫في اليوم التالي جاءنا أحد المحامين وكان مرتاحاً لق ارر الحكم واستغرب أننا كنا غاضبين جداً‪،‬‬
‫حاول التخفيف عّنا فقال (هل تعلمون ماذا يعني الحكم بالحبس ومهما كانت مدته على عسكري؟‬

‫‪99‬‬


Click to View FlipBook Version