The words you are searching are inside this book. To get more targeted content, please make full-text search by clicking here.

مساهمة الإمام ابن عربي (تمام)

Discover the best professional documents and content resources in AnyFlip Document Base.
Search
Published by KOTA SUFI, 2023-08-25 02:27:47

مساهمة الإمام ابن عربي (تمام)

مساهمة الإمام ابن عربي (تمام)

أكبر مساھمة الإمام ابن عربي في الفكر الإسلامي رحیم الدین نووي البنتني مقدمة الحمد 2 رب العالمین، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله علیھ وسلم. وبعد: إ لكل علم من العلوم كالفقھ والحدیث والمنطق والنحو والھندسة والفلسفة ِف ن إ أصحاب ذلك العلم، ومن قرأ كتب علم من العلوم دون ِ اصطلاحات خاصة بھ، لا یعلمھا لا ِنھ یؤول الكلام تأویلات شتى ِ أن یعرف اصطلاحاتھ، أو یطلع على رموزه شاراتھ، وإ فإ مغایرة لما یقصده العلماء، ومناقضة لما یریده الكاتبون فیتیھ ویضل. وللصوفیة اصطلاحاتھم التي قامت بعض الشيء مقام العبارة في تصویر مدركاتھم ومواجیدھم، حین عجزت اللغة عن ذلك. فبسبب ذلك دعى الصوفیة من یرید الفھم عنھم إلى إشاراتھم ومصطلحاتھم. صحبتھم حتى تتضح لھم عباراتھم، ویتعرفوا على ِ قال الإمام ابن عربي رضوان الله علیھ: «نحن قوم یحرم النظر في كتبنا على من لم یكن من أھل طریقنا». وذلك أن الصوفیة تواطئوا على ألفاظ اصطلحوا علیھا، وأرادوا بھا معاني غیر المعاني المتعارفة منھا. فمن حمل ألفاظھم على معانیھا المتعارفة بین اھل العلم َر رھم. َّ الظاھر كف وكف إیاك أن تعتقد وقال الشیخ عبد الوھاب الشعرانى سمعت سیدي علیا الخواص یقول: «ِ ًا، نما ِ یا أخي ذا ِ إ طالعت كتب القوم، وعرفت مصطلحھم في ألفاظھم أنك صرت صوفی إ ْو التصوف التخلق بأخلاقھم، ومعرفة طرق استنباطھم لجمیع الآداب والأخلاق التي تح ا ل بھا َّ من الكتاب والسنة». وإ كلام الصوفیة في تحذیر من لا یفھم كلامھم ولا یعرف اصطلاحاتھم من قراءة ِن ً من أن یفھم الناس من كتبھم غیر ما یقصدون، كتبھم لیس من قبیل كتم العلم، ولكن خوفا وخشیة أن یؤولوا كلامھم على غیر حقیقتھ، فیقعوا في ا ِلإنكار والاعتراض، شأن من یجھل علما من العلوم. لأن المطلوب من المؤمن أن یخاطب الناس بما یناسبھم من الكلام وما یتفق ً مع مستواھم في العلم والفھم والاستعداد. كما قال سیدنا علي كرم الله وجھھ: (حدثوا الناس بما یعرفون، أ تحبون أن یكذب الله ورسولھ؟). مصادر الألفاظ الصوفیة تمثل اصطلاحات الصوفیة ثروة أدبیة كبیرة؛ إذ إن لھم معجمھم الخاص وتعابیرھم الخاصة، وطرقھم الخاصة. وھذه التعابیر تمثل مذھبھم في الأدب. واصطلاحاتھم لیست كغیرھا من الاصطلاحات؛ تخضع لمنطق العقل والنظر، ولكنھا تفھم عن طریق الذوق والكشف. ولا یتأتى ذلك إلا لسالك یداوم على مخالفة الأھواء وتجنب الآثام والبعد عن الشھوات، وإخلاص العبادات والسیر في طریق الله بالریاضات والمجاھدات في الطاعات، حتى تنكشف لھذا المرید الصادق غوامضھا وتتجلى لھ معانیھا، فیتحلى بھا كالجواھر الفریدة لا ینازعھ في فھمھا إلا من وصل إلى درجتھ أو تجاوزھا من أقرانھ وأساتذتھ في الطریق.


وھم یقصدون إلى الإغراب قصدا، ولذلك لجأوا إلى استخدام ألفاظ معقدة ومعان مغلقة، فھم لم یكونوا یكتبون للعامة، بل للخاصة العارفین، ولقد صدقوا في تجربتھم، فإن من ذاق عرف. یرى ابن عربي أن العلم الروحاني، أو العلوم الإلھیة الذوقیة، تختلف عن سائر العلوم، وذلك في أنھا لا تخضع لمعاییر، ولا تعترف بالعقل، فلا یقدر عاقل على أن یحدھا، ولا یقیم على معرفتھا دلیلا، كالعلم بحلاوة العسل ومرارة الصبر ولذة الجماع والعشق والوجد والشوق، وما شاكل ھذا النوع من العلوم، فھذه علوم من المحال أن یعلمھا أحد إلا بأن یتصف بھا ویذوقھا، وبالذوق تتمیز الأشیاء عند العارفین، والكلام على الأحوال لا یحتمل البسط، وتكفي فیھ الإشارة إلى المقصود، ومھما بسطت القول فیھ أفسدتھ، فعلوم الأحوال لا تنقال ُبلغھا من ذاقھا إلى من لم یذقھا، ولا تنحكي ولا یعرفھا إلا من ذاقھا، ولیس في الإمكان أن ی وبینھم من ذلك تفاضل لا یعرف. إذا فنحن بصدد معان لا تتحصل في النفس، وتعجز اللغة عن التعبیر عنھا؛ لأن اللغة إنما تستخدم في مجال التعبیر عن شيء مألوف عند كل من الملقي والمتلقي، أو عند أحدھما، فھذا یحاول بسطھ للآخر بألفاظ من لغتھما، أما ألفاظ المتصوفة فھي من ألفاظ اللغة من حیث ھي أصوات، ولكنھا من حیث المعنى تختلف عن سائر ألفاظ اللغة، لأن معانیھا لیست متداولة بین عامة الناس، لیس لجدتھا، فھي لم تستقر لھا بعد في معاجمھم وعقولھم، ولكن لطبیعتھا وللطریقة التي تدرك بھا، إذ ھي متفاونة من متصوف لآخر، ونادرا ما یستطیع غیر المتصوفة إدراكھا وإن اجتھدوا في ذلك، ولأنھا لا تخضع في تحصیلھا لمعاییر مصطلح علیھا ومعاییر متفق علیھا، بل تتحصل في النفس عن طریق الحلول دون كیف تحدده الألفاظ. ومصادر اصطلاحاتھم تنحصر على النتائج والحقائق التالیة ١ .اصطلاحاتھم مستمدة من المعجم اللغوي العام، ولكن لدلالات ومعان غیر التي یتداولھا أھل العلوم الأخرى وكافة الناس. ٢ .ومعظم تلك الاصطلاحات قرآني في أصلھ، سواء أكان بلفظھ أم بمشتق منھ، مثل الحزن، والخوف، والإشفاق، والخشوع، والإخبات، والزھد، والورع، والتبتل، والرجاء والرغبة.. ٣ .وقد عمل المتصوفون على تولید الألفاظ على مذھب الفلاسفة والمتكلمة والفقھاء، فھناك المصادر الاصطناعیة كالحریة، والعبودیة، والمصادر المطلقة، كالحلول والفناء والحزن، والإشراق والكشف، وھناك النسبة كالعلم اللدني، ونحو ذلك. ٤ .فھم اصطلاحات الصوفیة رھین بفھم نظریة المعرفة عندھم، وھو محال إدراكھ إلا لمن حلق في أجوائھم، وأخذ نفسھ بالریاضة والمجاھدة، وتجرد من طینھ وعقلھ وحسھ، وذاق بقلبھ، وھذا یعني أن معانیھم لا تدرك بالعقل ولا بالحس، ولكن بالقلب. ومن ھنا لجأ المتصوفة مضطرین، إلى الإشارة والتلمیح، فالسامع من غیرھم یحوم حول معانیھم دون أن یكون قادرا على الوقوع علیھا، ولذلك رأیناھم یفرقون بین معرفة العقل ومعرفة القلب، وتجعل استحالة التعبیر الحقیقي والمجازي عن ھذه المعاني المنكشفة أمام مفارقة تتمثل في كیف نوفق بین ھذا وبین ما یقال من تحقیق علم المكاشفة أو علم الباطن. فالفرق بین معرفة الصوفي ومعرفة العالم والمتكلم، أن ھذین یقفان عند الحدود والتعریفات والمنطق والقیاس، بینما یعیش الصوفي حقیقة ما یقاس وما یعّرف. "فحقیقة التصوف أن تغني حالك عن مقالك. والمتصوفة ھم الذین لا یشھد سوى الله أسرارھم، ولھم


ساٍم وإحساس مرھف، ولھم وراء الاستعداد والإحساس عقل راجح، ومن وراء العقل استعداد بصیرة نفاذة، وعزم قوي وھدایة موھوبة وإلھام لدني". ٥ .المعروف أن التطور الذي یطرأ على دلالات بعض الألفاظ والاصطلاحات إنما یكون لعلاقات تربط بین الدلالة السابقة والدلالة اللاحقة، مما یدرك بالعقل والحواس، ولكننا ـفیما یتعلق بألفاظ المتصوفةـ نقف إزاء علاقات مختلفة لا تدرك بالعقل وال بالحس، وقد نشبھ ذلك بخیط الجاذبیة، یربط بین الجاذب والمجذوب، وبحبل من لیف یربط بین جسمین: الأول مثال اللفظ ومعناه عند المتصوفة، والثاني مثال ذلك عند أھل العقل والحس. من ھنا نستطیع أن نقرر أن اصطلاحاتھم لیست كسائر الاصطلاحات، فھذه تفھم بالنظر العقلي والدرس، أما تلك فلا سبیل إلى فھمھا دون ممارسة التجربة الصوفیة. ٦ .وإن المعاني التي یصرف لھا المتصوفة ألفاظھم، تتضمن المعاني اللغویة الأصیلة، دون أن تكون مقصودة بتلك الألفاظ، ما لم یكن الحدیث موجھا لعامة الناس، وھذا یعني أن الصوفي یستخدم الألفاظ بمستویین مختلفین: مستوى الخاصة من المتصوفة، ومستوى العامة، عامة الناس. ٧ .إن الأبعاد الدلالیة الجدیدة التي بلغتھا اصطلاحات الصوفیة تذھب في عكس الجھة التي یجتھد اللغویون في توجیھ ألفاظھا العربیة صوبھا، فاللغویین، وأھل العلوم یمیلون إلى "ریضنة" اللغة ما كان ذلك ممكنا، وإلى أن تكون اللغة دقیقة في توصیل المعارف والعلوم على نحو متكافئ عند عامة الناس، أما الصوفیون، فإن مذھبھم في استخدام الألفاظ یعمل على إبھام معانیھا، لكن لیس عن قصد، وإنما ھي مقتضیات المعرفة الذوقیة وذلك شأو بعید، لا یتأتى إلا لعارف باà ،إنھ مستوى من المعرفة مختلف جدا، ولا یخضع لنوامیس العقل والحس، ومن ھنا كان النظر فیھ مستحیلا، والتقاء العامة علیھ أكثر استحالة، وھذا یعني أن على الباحث في اصطلاحاتھم وتطورھا الدلالي أن یكون متصوفا، یكتب للمتصوفین. موقف العلماء عن ابن عربي َ العلما ُء في ِف في أمره اختلاف كبیر، وانقسم ُ أمره إلى ثلاث طوائف: طائفة ل قد اخت َة، وفرقة تخالفھ ویرى ضلالھ، وفرقة تسكت عنھ ویصفھا بأنھا ُم ِص َھ ویرى أنھا ال یب تعتقد ولایت بكل َو ». وسنذكر ھنا أسماءھم على وجھ الخصر لا الحصر. ِر ٍع تلیق « یخشى على نفسھ المعتقدین ولایتھ ١ .ابن حجر الھیتمي الشافعي حیث قال: «الذي أثرناه عن أكابر مشایخنا العلماء الحكماء الذین یُستسقى بھم الغیث، وعلیھم المعّول وإلیھم المرجع في تحریر الأحكام وبیان الأحوال والمعارف والمقامات والإشارات، أن الشیخ محي الدین بن عربي من أولیاء الله العارفین ومن العلماء العاملین ... ». الفتاوى الحدیثة لابن حجر ا لھیتمي ص ٢١٥(. ِجماع ِن الشیخ من كّمل العارفین بإ ٢ .عبد الوھاب الشعراني، حیث قال عن ابن عربي: «إ أھل الطریق، وكان جلیس رسول الله صلى الله علیھ وسلم على الدوام». (الیواقیت والجواھر لعبد الوھاب الشعراني ج٢ ص ٢٠٥.( ٣ .علاء الدین محمد بن علي الحصكفي.


٤ .الفیروزآبادي، صاحب القاموس، حیث سئل عن الشیخ ابن عربي فقال: «اللھم نطقنا بما ً فیھ رضاك الذي أعتقده وأدین الله بھ إ ً وعل ًما وإمام الحقیقة حقیقة ً نھ كان شیخ الطریقة حالا ً واسما ورسما ... ». (الدر المختار لعلاء الدین الحصكفي ج٤ ً ومحیي رسوم المعارف فعلا .(٢٣٩-٢٣٧ ص ٥ .العز بن عبد السلام : «وحكي عن خادم الشیخ عز الدین قدس الله روحھ أنھ دخل مع الشیخ إلى الجامع بدمشق، فقال الخادم للشیخ عز الدین: أنت وعدتني أنك تریني القطب. فقال لھ: ذلك القطب، وأشار إلى ابن عربي وھو جالس والخلق حلقة حولھ. فقال لھ: یا سیدي فأنت تقول فیھ ما تقول؟ فقال لھ: ھو القطب، فكرر علیھ القول وھو یقول لھ ذلك». (تنبیھ الغبي بتبرئة ابن عربي للسیوطي ص ١٧( ٦ .شھاب الدین عمر السھروردي، حیث قال عنھ بعد ما جلس معھ وسئل: ما تقول في ابن عربي؟ فقال: بحر الحقائق». (تنبیھ الغبي بتبرئة ابن عربي للسیوطي ص ١٩ ٧ .السیوطي، حیث قال: «والقول الفصل عندي في ابن عربي طریقة لا یرضاھا فرقة أھل العصر ممن یعتقده ولا ممن ینكر علیھ، وھي اعتقاد ولایتھ، ویحرم النظر في كتبھ، فقد نقل عنھ أنھ قال: «نحن قوم یحرم النظر في كتبنا». (تنبیھ الغبي بتبرئة ابن عربي للسیوطي ص٤ ٨ .أحمد المقري التلمساني، حیث قال: «والذي عند كثیر من الأخیار في أھل ھذه الطریقة َمة... والذي أعتقده ولا یصح غیره، أنھ الإمام ابن عربي ولي صالح، وعالم التسلیم، ففیھ ال َّسلا ناصح.. ». (أزھار الریاض في أخبار لقاضي عیاض لأحمد المقري التلمساني ص ٢٥٤( ٩ .ابن كمال باشا، مفتي الدولة العثمانیة، حیث قال: أیھا الناس، اعلموا أن الشیخ الأعظم المقتدى الأكرم قطب العارفین وإمام الموحدین، محمد بن علي بن العربي الطائي الأندلسي، مجتھد كامل ومرشد فاضل، لھ مناقب عجیبة وخوارق غریبة وتلامذة كثیرة مقبولة عند العلماء والفضلاء، فمن أنكره فقد أخطأ، وإن أص َّر في إنكاره فقد ض َّل، یجب على السلطان تأدیبھ، وعن ھذا الاعتقاد تحویلھ، إذ السلطان مأمور بالأمر بالمعروف والنھي عن المنكر.. ». (طبقات المجتھدین، وھو مخطوط لم یطبع بعد كما ذكر الزركلي في ترجمتھ من كتابھ (.١٣٣/١ الإعلام ١٠ .ابن عابدین الحنفي، حیث قال في حاشیتھ على الدر المختار: «فیجب الاحتیاط»: «لأنھ ِلا فلا یفھم كل أحد مراده فیھا، فیُخشى على الناظر فیھا من ِن ثبت افتراؤھا فالأمر ظاھر، وإ إ ا .. ». (حاشیة ابن عابدین على الدر المختار ج٣ ص ٣٠٣ِ (لإنكار علیھ، أو فھم خلاف المراد ً كتب ابن عربي: ١١ .عبد الغني النابلسي، حیث قال مادحا كتبھ النور لمن یبصرھا وھي تروي كل صادي القلب ري من كتاب الله والسنة قـد خـرجـت تخـتال في أبـھى حـلي الساكتون عنھ ١ .شرف الدین المناوي، حیث سئل عن الشیخ ابن عربي فأجاب: «أن السكوت عنھ أسلم، وھذا ھو اللائق بكل ورع یخشى على نفسھ». ٢ .الشوكاني، وقد كان من المنتقدین للشیخ ابن عربي بل والمكفرین لھ فرجع عن قولھ في آخر حیاتھ، فقال: «وأنا الآن أتوقف في حال ھؤلاء وأتبرأ من كل ما كان من أقوالھم وأفعالھم


ً لھذه الشریعة البیضاء الواضحة التي لیلھا كنھارھا ولم یتعبدني الله بتكفیر من صار في مخالفا ظاھر أمره من أھل الإسلام». المخالفون لھ ١ .الحافظ الذھبي، حیث یقول عن ابن عربي: « وقولي أنا فیھ: أنھ یجوز أن یكون من أولیاء الله الذین اجتذبھم الحق إلى جنابھ عند الموت وختم لھ بالحسنى، فأما كلامھ فمن فھمھ وعرفھ على قواعد الاتحادیة وعلم محط القوم، وجمع بین أطراف عباراتھمتبین لھ الحق في خلاف قولھم» ٢ .ابن تیمیة حیث قال: «ابن عربي صاحب فصوص الحكم وھي مع كونھا كفرا فھو أقربھم إلى الإسلام لما یوجد في كلامھ من الكلام الجید كثیرا ولأنھ لا یثبت على الاتحاد ثبات غیره بل ھو كثیر الاضطراب فیھ وانما ھو قائم مع خیالھ الواسع الذي یتخیل فیھ الحق تارة والباطل أخرى والله أعلم بما مات علیھ». ٣ .ابن خلدون، حیث قال: «ھؤلاء المتأخرین من المتصوفیة المتكلمین في الكشف وفیما وراء الحس توغلوا في ذلك فذھب الكثیر منھم إلى الحلول والوحدة كما أشرنا إلیھ وملأوا الصحف منھ؛ مثل الھروي في كتاب المقامات لھ وغیره وتبعھم ابن العربي وابن سبعین وتلمیذھا أبن العفیف وابن الفارض». ٤ .أبو زرعة العراقي، حیث قال: «لا شك في اشتمال«الفصوص» المشھورة على الكفر الصریح الذي لا شك فیھ، وكذلك «فتوحاتھ المكیة»، فإن ص ّح صدور ذلك عنھ، واستمر علیھ إلى وفاتھ: فھو كافر مخلد في النار بلا شك». ٥ .تقي الدین السبكي ومن كان من ھؤلاء الصوفیة كابن عربي وابن سبعین وغیرھما فھؤلاء « [62 [ضلال جھال خارجون عن طریقة الإسلام فضلا عن العلماء ٦ .أبو حیان الأندلسي في تفسیره قال: ومن بعض اعتقاد النصارى استنبط من أقر بالإسلام ظاھرا، وانتمى إلى الصوفیة حلول الله في الصور الجمیلة، ومن ذھب من ملاحدتھم إلى القول بالاتحاد والوحدة: كالحلاج والشعوذي وابن أحلى وابن عربي المقیم بدمشق، وابن الفارض، وأتباع ھؤلاء كابن سبعین -وعد جماعة. » مساھمتان عظیمتان ھناك مساھمتان كبیران للإمام الأكبر ابن عربي في الفكر الإسلامي، بل ھما حجر الزاویة في مذھب ھذا الشیخ الأكبر، ومحور منھجھ التفكیري العام: فكرة التجلیات، وفكرة التوحید. الأول: التجلیات الإلھیة التجلیات ھي من أھم الفكر الصوفي بل أساسھ في البحث عن الوجود والمعرفة والاختبار الروحي، أو في فكرة التنزل والترقي والسلوك. فلیس الوجود ولا المعرفة ولا التجربة الروحیة إلا أثرا من آثار التجلیات، ومظھرا من مظاھر الكلیة.


ھذه الفكرة "التجلیات" ولو كانت راجعة إلى نظریة الإمام ابن عربي، ولكن مضمونھا یرد من الله إلھاما لكل ولي من أولیائھ وفتوحا لكل عارف من العارفین با2 عن طریق الذوق والكشف لا العقل ولا التأمل حتى صارت اصطلاحا خاصا لأفكارھم وعلومھم. والتجلیات الإلھیة عند ابن عربي تظھر في ثلاثة: التجلي الوجودي من خلال الظھور في أعیان الممكنات أو الموجودات أو الخلائق وعلى رأسھا الإنسان، والتجلي العرفاني من خلال الولوج في قلوب العباد، والتجلي الإختباري الروحي، شریطة نھوض العبد في طاعة الله وترقیھ في عبادتھ تمثل الأعیان نوع من الحجب تمنع الحقیقة عن قلب المؤمن، بحیث مشروطا بتخطي مراتب الوجود. لھذا، یكیل ً یصبح معراج الصعود نحو حضرة الحق المتصوفة التبجیل للحدیث القدسي: ((ما وسعني سمائي ولا أرضي، ولكن وسعني قل ُب عبدي المؤمن)). أولا. التجلیات الوجودیة وھي عبارة عن مظاھر لكل ما ینطوي علیھ الحق من كمال لا نھائي ومجد سرمدي، والحق في ذاتھ ینبوع فیاض لا ینفد سرا ًء وبھا ًء. إنھ كنز دفین یحب الظھور والتعرف، وھو كالجمال من طبعھ أن ینفتح، وكالحب من شأنھ أن یمنح، وتجلیات الحق تعالى ھي بالضبط مظاھر جمالھ وكمالھ على مسرح الكون. وھي تنحصر على وجھ كلي في حضرات ثلاث: ١ .التجلیات الوجودیة الذاتیة: وھي تعینات للحق بنفسھ لنفسھ من نفسھ مجردة عن كل مظھر أو صورة، وھو عالم الأحدیة، أي عالم ذات الحق من حیث ھو سر الأسرار وغیب الغیوب. ٢ .والتجلیات الوجودیة الصفاتیة: وھي تعینات الحق بنفسھ لنفسھ في مظاھر كمالاتھ الأسمائیة ومجالي نعوتھ الأزلیة، وھو عالم الوحدة، كما أن فیھا تبدو الموجودات في صور الأعیان الثابتة. ٣ .والتجلیات الفعلیة ھي تعینات الحق بنفسھ لنفسھ في مظاھر الأعیان الخارجیة والحقائق الموضوعیة، وھو عالم الوحدانیة، من حیث أن الحق یتجلى في صور الأعیان الخارجیة؛ نوعیة كانت أو شخصیة، حسیة أو معنویة. ثانیا. التجلیات العرفانیة أو النورانیة وھي عند الصوفیة مبدأ المعارف حسیة كانت أو فكریة أو روحیة، كما ھي في الوقت نفسھ محور نموھا وازدھارھا، وھي بمثابة الصور الخالدة أو الحقائق الأزلیة التي تشع على مرآة القلب والعقل ظلال أنوارھا، فتولد فیھما المعرفة الحیة الیقینیة والذوقیة. والتجلي من حیث ھو أصل المعرفة ھو ما ینكشف للقلب من أنوار الغیب، وھذا التعریف یبین لنا حقیقة المعرفة وأداتھا وموضوعھا. فالمعرفة ھي انكشاف حقیقة الشیئ أو ماھیتھ أمام نظر العارف. وھذا الانكشاف یتحقق رمزیا برفع حجاب أو حجب القلب، ویكون ذلك بفضل التجلیات الإلھیة، أي بقذفھا أنوار الغیوب في أعماق القلوب. وأما صلة الوصل بین الوجود والمعرفة فھي النور، بل ھو مركز الاتصال فیھما. فعنده تستحیل طبیعة المعرفة في قلب العارف إلى وجود، وطبیعة الوجود إلى معرفة، ومن ثم


تنكشف لطائف الغیوب في أعماق القلوب، فتتبدئ حقائق الأشیاء أمام العارف في صورھاالخالدة. ویتوزع ھذا النور لدى اشراقھ على مرآة القلب إلى حصص متمیزة؛ كالتجلیات الوجودیة تماما. كل حصة من ھذه الأنوار تنتج لونا معینا من المعارف الروحیة: ١ .نور الأنوار، ھذا صادر عن التجلیات الذاتیة للحقیقة المطلقة، ویطلق بعضھم على ھذا النمط اسم (السبحات المحرقة) التي یصعق لھولھا كل كون حادث. ولا یتلقى مساقط ھذا من الكائن البشري إلا السر، وھو عنصر سماوي مودع في القلب غیر مخلوق، ینفذ بوساطتھ العبد إلى عالمي الملكوت والجبروت. وتجلیات نور الأنوار ھي التي تكشف عن الحقیقة المطلقة في أسمى مظاھرھا، ٍة كما أنھا ھي التي تولد في القلب المعرفة الیقینیة في أرفع درجاتھا وھي المعرفة المسما بحق الیقین، أي الیقین الناتج عن ذوق الحاصل بخبرة ذاتیة. ٢ .أنوار المعاني، وھي ما تحدثھ التجلیات الوجودیة الصفاتیة من أثار خاصة (أنوار الغیوب) عند تساقط شعائھا على صفحات القلوب، وھذه الأنوار ھي التي تمیط اللثام عن وجھ الحقیقة المطلقة في صورھا العقلیة الأزلیة، التي یسمیھا بعضھم بالأعیان الثابتة. والقلب من الكائن الإنساني ھو الذي یتلقى مساقط أنوار المعاني، وبفضلھا یتأمل العبد بعین قلبھ حقیقة الوجود في عالم الوحدة، ویرى صلة كل شيء بربھ. وھذه التجلیات في القلب تنشئ المعرفة الیقینیة المسماة بعین الیقین، أي الیقین الناتج عن المشاھدة والعیان. ٣ .أنوار الطبیعة. وھي ما یحصل في الفكر البشري من معرفة آثار التجلیات الوجودیة الفعلیة. وفي ھذا المقام یلتقي أو یجتمع العارف والفیلسوف في اكتساب المعرفة، غیر أن العارف یتلقى أنوار ھذه المعارف كأنوار سماویة لا كظواھر أرضیة. فھو من أجل ذلك یتأمل العبد في صفحات عالم الكثرة الوحدانیة، وبتجلیات أنوار الطبیعة تحدث المعرفة الیقینیة المسمى بعلم الیقین. ثالثا. التجلیات التجربیة الروحیة كما قدمنا سالفا أن تجلیات الأنوار ھي ینابیع العرفان، وبألوانھا الكثیرة تتولد المعارف ًوضاتھا الجمة تبدو الأشیاء نابضة في قوى الإنسان، والأنوار كذلك ھي مبادئ الوجود، وبفی بالحیاة على مسرح الكون والشھود. والمعرفة والوجود یتحدان في الضمیر البشري بالقیاس إلى كیانھ المعنوي ومصیره النھائي. من أجل ھذا كان النور للإنسان مبدأ ووسیلة وغایة، Ø أما أن النور مبدأ الإنسان فلأنھ في أصل تركیبھ، بل ھو في أصل كل كون، مركبا كان أو بسیطا. Ø وأما أنھ وسیلتھ فلأنھ أداة بقائھ المادي والمعنوي (مادة الأغذیة والأشربة وروح المعارف الحسیة والعقلیة والغیبة). Ø وأما أنھ غایتھ في الحیاة، فلأن لدیھ یتحقق وجوده في الأبد . فإذا صح ما نحن الآن في سبیلھ، فمن السھل علینا أن ندرك مدى الصلات الوثیقة بین فكرة التجلیات وفكرة الاختبار الروحي أو التجربة التحریریة للإنسان؛ وذلك لأنھ بفضل


التجلیات الإلھیة یتیسر للسالك أن یمضي قدما في طریقھ، متخطیا أسلاك الأحوال، ومتمكنا في منازل الأبطال، مترقیا في مقامات الصدیقین. والمعارف الروحیة التي تفیض على قلبھ ھي حقائق أبدیة منبثقة عن ینابیع الحق المطلق. انھا تغمر قلبھ بالبھجة والغبطة، وتبعث فیھ روح الكمال والقداسة: وتنفذ في أقطار كیانھ كلھ: في فكره، وإرادتھ، وحسھ، ووجدانھ، وعواطفھ، ومیولھ، فتحیلھا جمیعا إلى طاقة من نور، وشعلة من نار... وكذلك یصبح الإنسان أنموذجا حیا وأسوة طیبة من الطھر والصفاء والفداء. والأحوال والمنازل والمقامات ھي أركان الولایة في الإسلام، وھي من نتائج التجلیات الإلھیة سواء في دائرة الوجودیة أو العرفانیة أو النورانیة، والفناء ھو رأس الأحوال، والبقاء رأس المنازل، والیقین ھو رأس المقامات. وكل واحد من ھذه الأمور لھ مظاھر أو صور ثلاث؛ كما أنھا جمیعا على صلات محكمة بالتجلیات الإلھیة في مراتبھا الوجودیة والنورانیة في أن معا. الثاني: نظریة التوحید التوحید ھو عقیدة الإسلام الكبرى وشعاره الممیز لھ، وقد اشتھرت الرسالة المحمدیة في التاریخ الدیني بكونھا دعوة التوحید، كما أن علوم العقائد والتصوف في الإسلام قد عرفت بذلك أیضا. ولكن بینما كان التوحید في علوم العقائد -عند الأشاعرة والماتریدیة خاصة- مسألة نظریة بحنة، أي دراسة الوحدة الإلھیة وإقامة البراھین علیھا من الوجھة النقلیة والعقبیة. كانت ھذه القضیة نفسھا –أعنى قضیة التوحید- في حقول المعارف الصوفیة بمثابة اختبار تام الوحدة ووعي عمیق بھا. إن الموقف الصوفي في التوحید ھو بدیا ذوق وتجربة مباشرة للوحدة الإلھیة من حیث اطلاقھا عن كل شيء، وسریانھا في كل شيء. حین یستعرض الباحث نظریة التوحید وتطورھا في التفكیر الإسلامین وخاصة في بیئة أھل السنة والجماعة یجد إنھا شغلت دورا ھاما عند ثلاث فرق من الإسلامیین: وھم المعتزلة والسلفیة وأھل التصوف. فكل واحدة من ھذه الفرق كان التوحید میدانا فسیحا لنشاطھا العقلي، وحقلا خصیبا لانتاجھا الفكري. وقد تركت ھذه الفرق الثلاث للأجیال من بعدھا تراثا علمیا حول مسألة التوحید یتصف حقا بالأصالة والعمق والشمول. أولا: التوحید عند المعتزلة كان رجال الاعتزال على ما یبدو أول من أثار مشكلة التوحید في أجواء العالم السني. كما كانوا من طلائع المفكرین المسلمین الذین أرسوا دعائم ھذه القضیة الھامة على أسس نظریة محكمة. وقد جاھدوا باخلاص في سبیل تحقیق مبدأھم التوحیدي في میادین الفكر وفي السیاسة على السواء. فكلنا نعلم ان مقالة المعتزلة في التوحید ھي أولى مقالاتھ الخمسة الشھیرة التي لا یتم وصف الاعتزال إلا بھا وبالدفاع عنھا، وھي : القول بالتوحید، والعدل، والوعد والوعید، والمنزلة بین المنزلتین، والأمر بالمعروف والنھي عن المنكر. ومما ھو جدیر بالملاحظة في ھذا الموطن، أن مقالة التوحید عند المعتزلة كانت الأصل لآرائھم الدینیة في مسألة الصفات والذات، وخلق القرآن، ونفي الرؤیة الإلھیة. كما أن ھذه


المقالة نفسھا ھي على صلة وثیقة بأبحاثھم في العدل الإلھي، وحریة اختیار الإنسان، ولزوم الأمر بالمعروف والنھي عن المنكر. وھذا مصداق قولنا من قبل: ان مبدأ التوحید الذي ھو في صمیمة فكرة لاھوتیة، كان الأساس لحلول عملیة في مستوى أخلاقي واجتماعي عند المفكرین الإسلامیین. ثانیا: التوحید عند السلفیة قّدر لفكرة التوحید في البیئة السلفیة أن تقوم بنفس الدور الذي قامت بھ في بیئة المعتزلة، ولكن على نمط آخر. كما أتیح لھا أن تلقى لدیھم ذات العنایة التي لقیتھا في أوساط المعتزلة. بل زیادة على ھذا، لقد ظھرت ھذه الفكرة عند المتأخرین من كبار السلفیة (عند شیخ الإسلام ابن تیمیة وتلمیذه ابن قیم الجوزیة) في صورة جدیدة تمثل الألوھیة في مجالي عظمتھا، وتحیط بالنشاط الإنساني من سائر جوانبھ. إن الحركة السلفیة قائمة على مبدأ التوحید. والتوحید في نظر علماء السلفیة ھو عقیدة ً نفس الوقت، سلوك فردي ومعاملة وعبادة: وھذا ھو الجانب الإلھي فیھ. كما ھو ایضا اجتماعیة. وھذا ھو الجانب الإنساني فیھ. فالتوحید مبدأ إلاھي وبشري، فكرة دینیة وزمنیة في آن معا. إن مبدأ التوحید في الإسلام عند السلفیة ینتظم ثلاث مظاھر، وكل مظھر منھا یمثل الذات الآلھیة في جانب من جوانب كمالھا المطلق یحدد موقف الإنسان من ربھ في العقائد والعبادات والمعاملات. ١ .توحید الألوھیة. وھذا اعتراف من جانب العبد بوجود الآلھ ونفي الآلوھیة عمن سواه. ومفھوم الألوھیة عندھم یشمل الماھیة والوجود المطلقین. ٢ .توحید الربوبیة. وھذا إقرار من طرف العبد بوجود رب واحد، واحساس عمیق بشمول فعلھ لكل شيء، وتقدیره كل شيء، وھدایتھ لكل شيء. ولكن لیس ھناك فرق حقیقي بینھما ٣ .توحید العبودیة. وھذا یتناول أمرین: - وحدة العبودیة 2 ،أي تقتضي من المرء أن یكون خضوعھ لخالقھ وحده، وتیسر للضمیر البشري وسائل تحریره من سائر القیود والاغلال التي تحیط بھ. - وحدة العبادة، ھي المفھوم الثاني لتوحید العبودیة ومظھره الخارجي وثمرتھ العملیة الدالة علیھ. فانھ إذا كانت عبودیة المرء 2 وحده، فلأجل ذلك على المرء أن یقدم ما من خیرات ومبرات وقربات 2 وحده. ومعنى العبادة یستغرق جمیع النشاط الإنساني فردیا كان أو جماعیا. ثالثا: التوحید في حقول المعارف الصوفیة إذا كان التوحید عند المعتزلة مشكلة فكریة وأخلاقیة؛ وكان عند السلفیة مشكلة دینیة واجتماعیة؛ فھو في نظر رجال التصوف، قبل كل شيء، مشكلة روحیة تتعلق بتحریر الضمیر الإنساني من سائر القیود المادیة أو النفسیة. فالتوحید على ضوء الاختبار الصوفي، ھو امتحان شاق عسیر، من خلال الدموع وخارجیا في كل ما یحیط بالإنسان. ً داخلیا في أعماق الكیان، ً والأحزان والآلام، لفكرة الوحدانیة. أنھ إدراك ذوقي لمفھوم ھذه الوحدانیة، ووعي تام بھا:


أن غرض الصوفي في حیاتھ -وغرضھ الوحید- ھو اكتشاف "طریق النجاة" والسیر ً. و طریق النجاة: ھو طریق الوحدة أو الوحدانیة: وحدة الخالق ووحدة المخلوق. ألیس علیھ دأبا عن الوحدة صدر كل شيء ؟ فالوحدة ھي كل شيء، أو ھي كل الشيء في شيء شيء. وسئل ذو النون المصري عن التوحید فقال: ھو أن تعلم أن قدرة الله في الأشیاء بلا مزاج، وصنعھ للأشیاء بلا علاج، وعلة كل شيء صنعھ، ولا علة لصنعھ. ولیس في السماوات العلى، ولا في الأراضین السفلى مدبر غیر الله. ومھما تصور في وھمك شيء فا2 تعالى بخلاف ذلك. وسئل الجنیدي عن التوحید، فقال: أن یكون العبد شبحا بین الله، تجري علیھ تصاریف تدبیره في مجاري أحكام قدرتھ في لجج بحار توحیده... وقال رجل للشبلي: اخبرني عن توحید مجرد بلسان حق مفرد. - فقال: ویحك! من أجاب عن التوحید بالعبارة فھو ملحد، ومن أشار إلیھ فھو ثنوي. ومن أومأ إلیھ فھو عابد وثن. ومن نطق فیھ فھو جاھل. ومن سكت عنھ فھو غافل. ومن أوھم أنھ إلیھ واصل فلیس لھ حاصل. ومن أومى أنھ قریب فھو منھ بعید. ومن تواجد فیھ فھو فاقد. وكل ما میزتموه بأوھامكم وأدركتموه بعقولكم في أتم معانیكم فھو مصروف مردود إلیكم، محدث مصنوع مثلكم. وھذه نغمة جدیدة في باب التوحید، ما سمعناھا من قبل. لا عند المعتزلة المتقدمین، ولا عند رجال السلفیة المتأخرین. ففكرة التوحید في حقول المعارف الصوفیة مرت بأدوار ثلاثة. وكانت في كل دور على صلة وثیقة بروح العصر الذى ظھرت في أجوائھ. وبشخصیة التصوف ذاتھ الذي بدأ رجالھ یشعرون بوجودھم ورسالتھم في ضمیر العالم الإسلامي. أولا: التوحید الإرادي وھو أن تذوب إرادة العبد في إرادة الرب فلا یرید إلا ما یریده الله، ولا یحب إلا ما یحبھ الحق. وفي ھذا الفناء الإرادي بل في ھذا التسامي الإرادي یتحقق الإسلام في أكمل صوره العملیة، وفي أسمى معانیھ الإیجابیة. وھذا اختبار الوحدة الإلھیھ وتذوقھا في مستوى الإرادة وعلى صعید السلوكي والحیاة العملیة. وفي ھذا الموطن أن الحقیقة الإلھیة تظھر بصورة أمر ونھي (شریعة)، یخضع لھا العبد طوعا وتتلاشى ارادتھ فیھا. وفناء إرادة العبد في إرادة الرب في ھذا التوحید ھو تسامى الإرادة البشریة إلى سماء الإرادة الإلھیة. أما الموضوع الأسمى للتوحید الإرادي فھو وحي السماء، وھدى الأنبیاء، وسیرة الأولیاء. كما أن وسائلھ ھو الإیمان والإیقان والإحسان؛ فحقیقتھ ھي شھادة الله لنفسھ بنفسھ في مظاھر وحیھ وشرعھ على لسان عبده وجنانھ وسائر كیانھ. ثانیا: التوحید الشھودي وھو شعور تام وإحساس عمیق بالوحدة المطلقة في ذوي التأمل والمشاھدة. وھذا یعني إتحاد العبد بالكلیة مع الله في العیان لا في الأعیان بعد فنائھ عن الكون والأكوان. وفي ھذا الموطن أن الحقیقة الإلھیة لا تظھر بصورة شریعة، بل یھیم صاحب ھذا التوحید في جمالھا، ویتعشق كمالھا ویفنى بوجودھا. وفناء وجود العبد في وجود الرب في ھذا


التوحید ھو تسامي الوجود البشري المقید إلى قمة الوجود الإلھي المطلق، فصار الآن إنسانا ربانیا، وقد كان إنسانا فقط. أما المجلى الأكمل لھذا التوحید الذي یفنى فیھ وجود العبد بل یتسامى إلى وجود الرب فھو الحقیقة المحمدیة الأزلیة في ظھورھا المطرد عبر الزمان والمكان في أشخاص الأنبیاء والأولیاء. كما أن وسائلھ ھو الحب والھیمان النابعان من أعماق الجنان الصادران عن فرط العیان. فحقیقتھ ھي شھادة الله لنفسھ بنفسھ في مجالى ذاتھ المقدسة على لسان عبده وجانھ وسائر كیانھ. ثالثا: التوحید الوجودي. ظھر ھذا التوحید عند الإمام الأكبر ابن عربي وأتباعھ، واشتھر في تاریخ الفكر الإسلامي باسم التوحید الوجودي. في الحقیقة إذا أمعنا الفكر في ھذا اللون من التوحید ولو كان غریبا عن طبیعة الاختبارات لبصوفیة، ولكن نرى أن اھتمام رجالھ بھ لم یكن نظریا فقط، بل دینیا وروحیا أیضا، فغرضھم من ھذه النظریة ھو: ١ .ابراز فكرة الالوھیة ووضعھا في نطاقھا الخاص من حیث وحدتھا المطلقة وكمالھا اللانھائي، ٢ .الدفاع عن ھذه الالوھیة من حیث الموضوع الأسمى للإیمان والمعرفة والعبادة والمحبة. واذذ، فان مبدأ وحدة الالوھیة في دائرة: الاثولوجیا Theology ،ھو الذي دعا أصحاب ھذا المذھب إلى الأخذ بنظریة وحدة الوجود في دائرة الانتولوجیا Ontologi .ومن ھنا، استطاع ھؤلاء الصوفیة المفكرون أن یمیزوا بین نمطین من التوحید: التوحید الألوھي: وھو القول بالوحدة الإلھیة، والتوحید الوجودي، وھو القول بالوحدة الوجودیة. ویقرر دعاة وحدة الوجود أن التوحید الألوھي: لا یصح إلا على أساس التوحید الوجودي، إذ كل ثنائیة أو كثرة في مستوى الوجود ھي في الحقیقة ثنائیة أو كثرة في مستوى ً قطعا ثولوجیا، فیجب ان نسلم أی ً اللاھوت. وإذا كنا نسلم بالوحدة الالھیة في صعید الا ضا بالوحدة الوجودیة، في صعید الأنتولوجیاء: وذلك للسبب عینھ. الاختتام بعد أن شرحنا الفكرتین العظیمتین أعلاھأ أود أن أخلص إلى الاستنتاجات التالیة: أولا. أن الفارق الأساسي بین فكرة التجلیات الأكبریة وفكرة الفیوضات الفلسفیة ھو كون الأولى واحدیة في نظرتھا إلى طبیعة الوجود أو في تفسیرھا لھ، في حین أن الثانیة تقول بعدد الوجود وكثرتھ. فالإمام ابن عربي یعتبر الوجود من مقولة المطلق لا بشرط، وبالتالي لا یمكن أن تكون فیھ ثانیة أو كثرة البتة، وإذا كنا نلحظ الكثرة فما حولنا من ظواھر الوجود المحسة وفي ظواھره المعنویة، فھي في نظر الشیخ الأكبر لا تتصل بطبیعة الوجود من حیث ھو، أي من حیث الاطلاق، بل بأطواره ودرجاتھ. فالتجلیات الوجودیة ھي تعینات للحق المطلق الذي ھو واحد في وجوده، كثیر في ثبوتھ أي في مظاھره ومراتبھ.


أما نظریة الفیوضات الفلسفیة فھي على عكس نظریة التجلیات الاكبریة، تعتبر الوجود من مقولة الكلى، أو من مقولة المطلق بشرط لا، وبالتالي نرى امكان كثرتھ عبر الوجودات، ذھنیة كانت أو حسیة، نوعیة أو شخصیة. ثانیا. والخلاف الجوھري بین فكرة التجلیات وفكرة الخلق عند المتكلمین، ھو أن علماء الكلام یفسرون ظواھر الخلق بمثابة فعل إلھي خارج عن محیط الألوھیة ذاتھا، بدون أن یمیزوا -في دائرة الألوھیة- بین ما ھو مرتبة الذات أو الصفات أو الافعال، بینما یقرر الإمام ابن عربي أن الظواھر الخلقیة ھي من آثار التجلیات الوجودیة الفعلیة. وبتعبیر أكثر دقة: أن الخلق عند الشیخ الاكبر ھو التجلیات الفعلیة ذاتھا في مظاھر الكون والوجود. وتجلیات فعال، كتجلیات الصفات والذات تدور جمیعا ، في مدار كالھا المطلق. فلا ً الا في فلك الالوھیة شيء خارج عن دائرة الألوھیة، في صعید الوجود، إذ لا شيء خارج عن دائرة المطلق. ونكتفي بھذا القدر، ونعتذر عن كل القصور والضعف في ھذه الرسالة المتواضعة، لذلك نتوقع من الجمیع النقد والتصحیح من أجل الكمال. وصلى الله على سیدنا محمد وعلى آلھ وبارك وسلم والحمد 2 رب العالمین. المصادر والمراجع § القران الكریم § صحیح البخاري دار الفكر بیروت § سنن ابن ماجھ، م عیسى البابي الحلبي بالقھرة 1373. § إیقظ الھمم في شرح الحكم لابن عجیبة. § الفتوحات المكیة لمحي الدین بن عربى § التجلیات الإلھیة تعلیقات ابن سودكین، مركز نشره انشكاھي، طھران § الرسالة القشیریة لعبد الكریم القشیري، دار الكتب المصریة، دار الكتب المصریة، بالقاھرة § إحیاء علوم الدین، للإمام أبو حامد الغزالي. دار إحیاء الكتب العربیة. § لطائف المنن ولأخلاق المعروفة بالمنن الكبرى للشعراني، م المیمنیة بمصر § الیواقیت والجواھر للشعرني § التعرف على مذھب أھل التصوف، للكلاباذي.


Click to View FlipBook Version