المنهاج الصوفي في اإللصاح ومدى فاعليتو في مواجهة التحديات العصرية أعده السيد أبو ىاشم حامد بن علي المهدلي األىدؿ جامعة اإلماـ الغزالي مر ا كز لتحفيظ القرآف الكريم والدراسات اإلسامية والبحث العلمي ترنقانو- ماليسيا
المنها ج الصوفي في اإللصاح و مدى فاعليتو في مواجهة التحديات العصرية 1
المنها ج الصوفي في اإللصاح و مدى فاعليتو في مواجهة التحديات العصرية 2 المقدمة اٟتمد ﵁ رب العا١تُت كالصبلة كالسبلـ على أشرؼ األنبياء كا١ترسلُت سيدنا ٤تمد النيب الكرًن كعلى آلو كصحبو أٚتعُت؛ أما بعد، فإف ىذا البحث يهدؼ بالدرجة األكىل إىل رسم خطوات منهاجية مبدئية للبحث عن حقائق التصوؼ يف ا١تصدرين ا١تعصومُت يف اإلسبلـ؛ كحلوؿ شرعية يف مواجهة التحديات العصرية، اليت ال ٯتكن التغلب عليها إال بتفعيل ىذه اٟتقائق كالسَت على منوا٢تا بصدؽ كإخبلص. كىذه اٟتقائق ال ٯتكن تفعيلها إال بالتمسك التاـ باٟتقائق الشرعية الظاىرة كالباطنة من عقيدة صحيحة كشريعة رشيدة، مع االستعانة بالقوانُت الشرعية اليت استخرجها علماء أىل السنة كاٞتماعة، من خبلؿ ٕتارهبم اإلٯتانية القادر ة على إ٬تاد التو ازف التاـ بُت مطالب النقل الصحيح كالعقل السليم، مع إتقاف توظيف اختصاصاهتا؛ إذ األكؿ ىو مصدرنا ا١تعتمد يف الديانة اإلسبلمية بأركاهنا الثبلثة، من إسبلـ كإٯتاف كإحساف. كالثاين ىو مرشدنا إليها؛ إذ ٫تا ال يتعارضاف يف الواقع العملي ا١تشاىد، فاألكؿ كتاب ا﵁ تعاىل ا١تتلو، كالثاين كتاب ا﵁ تعاىل ا١تنظور، كباجتماعهما تكوف اٞتواىر ا١تستخرجة ٖتمل شعاء نورانيا مركبا، ْتيث ال يتأتى التعار ض بينهما ظاىرا كباطنا؛ إذ الظاىر صورة للباطن إذا استقاـ السَت ك أخلصت النيات. ي كالسَت ا١تستقيم ا١تطلوب يأيت من خبلؿ االلتزاـ ٔتقررات الديانة الصافية من عقيدة كشريعة كأخبلؽ، كالنيات ا١تخلصة ال تتحقق إال بإصبلح النفوس؛ إذ ﴿ قد أفلح من زكاىا وقد خاب من دساىا ﴾؛ كذلك بتفريغ القلوب كتصفيتها عن األىواء اٞتار فة، كتزكيتها بأر قى الوسائل الربانية، مع صدؽ التوجو إىل ا﵁ تعاىل يف بداية أم عمل مشركع، فإف البدايات إذا أشرقت يف أك ؿ توجو، كاف الوصوؿ إىل النهايات مضموف النتائج، فإذا ا٨ترؼ السَت، فبل بد من التفتيش عن ا٠تلل الواقع يف البدايات، كالعودة إليها للبدء من جديد؛ إذا حصل أم تقصَت أثناء التوجو. كمن ىنا كاف ضرك ريا االستعانة با١ترشد العامل الرباين ا٠تبَت لكي ي ي يػ ف عل لنا يف أكؿ منطلوق ى ى ٚتيع البيانات اليت ٨تتاج إليها أثناء السَت تلقينا كتعليما كتربية كإرشدا كتبليغا كدعوة، مع االستحساف بأخذ البيعة منو، إف لزـ األمر؛ استيثاقا ك تفاديا من مواجهة أم صعوبة أك مشكلة أك عدـ القدرة على سيطرهتا كالتغلب عليها، فإف كجود أم مشكل يف السَت إىل ا﵁ تعاىل أمر كارد ال ٤تالة، فإف االستعداد كأخذ األىبة ك العدة، يتحتم ي عليو من ا﵁ً على من أر اد أف يصل إىل القمة، فإف إبليس - اللعنة -، لن يفسح لك الطر يق مفركشة بالورك د كاألزىار، حىت تكوف تابعا يف النهاية ٍ للجدكؿ الذم رٝتو، فليكن ي كردؾ الدائم على طوؿ ا٠تط
المنها ج الصوفي في اإللصاح و مدى فاعليتو في مواجهة التحديات العصرية 3 ﴿ إياؾ نعبد وإياؾ نستعين ﴾ با١تنهاج الذم تلقيتو من مرشدؾ ا٠تبَت الرباين، كىو أضمن منهاج يف الوصوؿ إىل ا﵁ جل جبللو. كمن ىنا كانت ا٠تطو ات ا١تطلو بة يف إعداد العدة الركحية من أجل ٖتقيق ا١تقاصد النبيلة، تنطلق من سبع نقاط ىي : التلقي و التخلي و التحلي و التجلي و التبري والتوكل ى والتحقق؛ إذ ترؾ ا١تنكرات كالفسوؽ كالعصياف، ال بد من أف يسبقو التلقي عن مرشد خبَت ت ً ق ي يعلمك كيف تتجنب ا١تخالفات كتتخلى عنها هنائيا، فإف ٦تارسة الطاعات ال تتحقق إال بعد التوقف عن ا١تنهيات؛ إذ القلوب ا١تظلمة غَت مؤىلة غالبا لبللتزاـ باألكامر كالتفاين يف خدمة البارم. كالوصويؿ إىل مرضاتو ك٤تبتو ه أمر مستحيل بدكف ا و ستجابة ي ػ ٍ ٔتطالب التقول على أحسن صورة ٦تكنة، كلكن مهما كف ىت ق لعمل ا٠تَت ك الرب على كجهو ا١تطلوب، فأيقن بأف ذلك جاء من توفيق ا﵁ سبحانو كتعاىل كحده لك، ي كليس من عند نفسك، فعليك أف تتربأ دائما من حولك كقوتك؛ حىت تصفو يف قرارة نقسك عقيدة العا١تُت مدب األكواف كلها، فهي ا١تنطلق لكل سَت يف اإلسبلـ، إذا صحت صحت ًر التوحيد ﵁ رب ى ٚتيع األعماؿ، كإال فإىل ىباء منثور. كبإحكاـ ىذه ا٠تطوات ا٠تمس األي ها، كؿ كل ي تكتمل ي ركحانيتك ٍد للتغلب على ٚتيع مشكبلت اٟتياة؛ أيا كاف نوعها بإذف ا﵁ تعاىل ، كاستع بعد ذلك للدخوؿ إىل ى حضرة ا﵁ جل جبللو، مث تدخل - بكل ثقة با﵁ جل جبللو، متوكبل عليو ح ق ت ػ ى كول -، و ى على عامل اٟتضرة اإل٢تية، عامل الفناء ْتيث ال ترل يف نفسك كيف األغيار كلها شيئا بإمكانو أف يؤثر يف الوجود سلبا أك إ٬تابا إال ا﵁ اٟتي القيوـ ذك اٞتبلؿ كاإلكراـ؛ ٖتقيقا لقولو : ﴿ إياؾ نعبد وإياؾ نستعين ﴾ يف نفسك، إىل درجة الفناء الذكرم ﵁ تعاىل، عامل التحقق كا١تشاىدة، الذم أشار إليو سيد الذاكرين عندما سألو سيدنا جربيل – عليو السبلـ – عن حقيقة مقاـ اإلحساف، فأجاب على الفور : )) أف تعبد اهلل كأنك تر اه ((، كىو ا٢تدؼ األٝتى لعمليات الذكر كلها، كىو أكرب نعمة يف الوجود على اإلطبلؽ، كىو حقيقة مطلقة ال يذكؽ حبلكهتا إال من جرهبا بطريقتها ا١تشركعة ٍ ، كاس ى ٍ ح ًض ت ر معك دائما مقالة اإلماـ ابن عطاء ا﵁ السكندرم، ك ٍ اح ى فظٍها كالفاٖتة القرآنية، ٍ كافهمها على ضوء منهاج حجة اإلسبلـ أيب حامد الغزايل، كال تلتفت قيد أ٪تلة إىل كساكس خوارج ىذه األمة كدسائسها، حىت ال تتعب يف مشوار اٟتياة :
المنها ج الصوفي في اإللصاح و مدى فاعليتو في مواجهة التحديات العصرية 4 (( كيف يشرؽ قلب لصور األكواف منطبعة في مرآتو؟ أـ كيف يرحل إلى اهلل وىو مكبل بشهواتو ؟ أـ كيف يطمع أف يدخل حضرة اهلل وىو لم يتطهر من جنابة 1 غفاتو؟ أـ كيف يرجو أف يفهم دقائق األسرار و ىو لم يتب من ىفواتو ؟! (( . فموضوع التغيَت كاإلصبلح الداخلي يف الًتبية اإلسبلمية الراشدة : أـ ا١توضو عات الًتبوية كلها، ففبلحها بفبلحو، كفشلها بفشلو طردا كعكسا، كصدؽ ا١توىل جل جبللو إذ يقوؿ ﴿ إف اهلل ال يغير ما بقوـ حتى يغيروا ما بأنفسهم ﴾، ] سورة الرعد : 11] ؛ إذ تغيَت أحوا٢تم يف كل شؤكف اٟتياة ال يتم إال بعد إصبلح نفوسهم الداخلية أكال، مث أنفسهم ا٠تارجية ثانيا، بأنفسهم الراغبة ك ا١تبادرة إىل التغيَت كاإلصبلح، بالطريقة اليت يريدىا صانعها جل جبللو. كالنتيجة النهائية ١تن كصل إىل الغاية ا١تنشودة مع ا١تركر على ىذه ا٠تطوات ا١ترسومة خطوة ٓتطوة، ىي ٖتقيق معية ا﵁ تعاىل لعباده الصاٟتُت : ﴿ إف اهلل مع الذين اتقو ا والذين ىم محسنوف ﴾، ] سورة النحل : 828 ،] كىي البشرل يف الدنيا كاآلخرة اليت كعد ا﵁ هبا أكلياءه ا١تتقُت ﴿ أال إف أولياء اهلل ال خوؼ عليهم وال ىم يحزنوف. الذين آمنوا وكانوا يتقوف. لهم البشرى في الحياة الدنيا و في اآلخرة، ال تبديل لكلمات اهلل، كلك ىو الفوز العظيم ﴾، ] سورة يونس : 62 – 64 .] صدؽ ا﵁ موالنا العظيم، كصدؽ ر سولو الكرًن صلى ا﵁ عليو كعلى آلو كسلم، ك٨تن على ذلك من الشاىدين. كىذا من جواىر كبلـ ا﵁ تعاىل، ٭تمل يف طياتو كنوزا من أسرار اإلٯتاف كالتقول، هبما يتوصل اإلنساف الصادؽ إىل إرساء الوقاية الذاتية من ٚتيع اال٨ترافات، كتزكيده الوسائل الربانية ١تواجهة التحديات كا١تشكبلت ظاىرة كباطنة، ك تبو ئو يف النهاية مكانة الوالية للوصوؿ إىل مرضات ا﵁ تعاىل يف الدنيا كاآلخرة، كىو الفوز اٟتقيقي ١تن جاىد ٔتالو كنفسو كفكره، حىت ٭تقق ىدؼ األىداؼ، كىو غاية الغايات للصويف األمُت الصادؽ يف نفسو كعلمو كعملو كحالو كدعوتو. هت ىذا، ك فيما يلي ت عليما عن جدكؿ السَت إىل ا﵁ تعاىل، مرتبا على عدة مقاصد مرقمة، جاءت بعد مقدمة، ك ٥تتوما بالنتائج اليت انتهينا إليها من خبلؿ البحث، كلعلها ٘تثل حسن الخاتمة : كواال ترنقانو، قبيل فجر يوـ األحد، 3 من صفر 8445ق 1 . الحكم العطابٌة، ص604.
المنها ج الصوفي في اإللصاح و مدى فاعليتو في مواجهة التحديات العصرية 5 ا١توافق لػػ22 من أغسطس 2223ـ. أىم مقالصد البحث بعد المقدمة : ]1 ]مفهوـ التصوؼ وأىميتو في اإللصاح واإلرشاد والتوجيو ]2 ]ضر ورة العودة إلى الكتاب والسنة في اإللصاح ]3 ]خطور ة غياب المنهاج الصوفي عن ساحة العمل اإللصاحي ]4 ]التصوؼ حقيقتو و وظيفتو األساسية ]5 ]المحبة الصادقة عامل أساسي في إلصاح النفس ]6 ]أساس المنهاج الصوفي عند علماء الحقيقة ]7 ]المجاىدة و المحبة الصادقة طريق إلى مقاـ اإلحساف ]8 ]المنهاج الصوفي وإلصاح آليات التعامل مع كتاب اهلل تعالى ]9 ]التصوؼ مطلب ضروري لفقو كتاب اهلل تعالى و تفسيره ]11 ]التقوى حقيقتها و درجاتها وأجل ثمراتها ]11 ]مقاـ التقوى ىو األلصل األلصيل في البناء واإللصاح ]12 ]المنهاج الصو في ىو عين المنهاج القرآني والنبوي األلصيل ]13 ]التصوؼ العملي ىو عمدة اإللصاح كلو ]14 ]أىم وسائل التزكية لممارسة التصوؼ العملي
المنها ج الصوفي في اإللصاح و مدى فاعليتو في مواجهة التحديات العصرية 6 ]15 ]المرشد ىو المفتاح األساسي في السير الروحي للولصوؿ إلى الغاية المنهاج الصوفي في اإللصاح ومدى فاعليتو في مواجهة التحديات العصرية
المنها ج الصوفي في اإللصاح و مدى فاعليتو في مواجهة التحديات العصرية 7 المقصد األوؿ ]1 ]مفهوـ التصوؼ وأىميتو في اإللصاح واإلرشاد إف التصوؼ اإلسبلمي يف حقيقتو تر بية علمية كعملية على حد سواء للنفو س، كعبلج ألمراض القلوب، كغرس للفضائل، كاقتبلع للرذائل، كقمع للشهوات، كتدريب على الصرب كالطاعات، كالتغلب على التحديات ْتكمة ربانية نورانية. كىو ي ي علم يل ق نك أرقى ٣تاىدة للنفوس كمكابدة لنزعاهتا، ك ٤تاسبة دقيقة ٢تا على أعما٢تا كترككها، كحفظ للقلوب عن طوارؽ الغفبلت كىواجس ا٠تطرات، كانقطاع عما يعوؽ السالك يف سَته إىل ا﵁ تعاىل، كزىادة يف كل ما يلهي بالقلوب سواه. ي علىق ى عن ذكر ا﵁ كي كىو معرفة ﵁ كيقُت، كتوحيد ﵁ ك٘تجيد، كتوجو إىل ا﵁ كإقباؿ عليو كإعراض عما سواه، ك عكوؼ على عبادتو ر باتو ال هد بشريعتو، كتع ك طاعتو، ككقوؼ عند حدكده، كتعب ً هض يت ٮتص لنفحاتو كى هبا أكلياءه كأحبابو؛ فضبل منو ككرما. ك قد حاكؿ إماـ من أئمة العصر العبلمة ا﵀قق الكبَت ا١ت ى ع مر ٝتاحة شيخنا مفيت الديار ا١تصرية األسبق الشيخ حسنُت ٤تمد ٥تلو ؼ، عليو من ا﵁ تعاىل الرٛتة الواسعة أف يلخص ىذا الكبلـ، فقاؿ : إنو علم كحكمة، كتبصرة كىداية، كتر بية كهتذيب، كعبلج ككقاية، كتقو ل كاستقامة، كصرب كجهاد، كفرار من فتنة 2 الدنيا كزينتها كابتعاد . مث أتى بعد ذلك بأكجز كبلـ من ذم قبل، فقاؿ ىو : لب الشريعة ك ركحها، ِ كٙتر هتا كحكمتها. ك قد قاؿ سيد الطائفة الصوفية اإلماـ اٞتنيد : )) ع ل ُ ٌد بالكتاب و السنة، منا ىذا مقي ُ ومن لم يحفظ القرآف، ولم يكتب الحديث ال ي َ رُؽ كلها مسدودة قتدى بو في ى ذا األمر، والط 3 على الخلق إال من اقتفى أثر الرسوؿ لصلى اهلل عليو وسلم (( . ك من ىنا مل يًت دد ا١ترحوـ العبلمة الشيخ سابق األزىر م صاحب فقو السنة من أف ي يػ ٍ ًص ن ف التصوؼ، فقاؿ : التصوؼ علم من العلوـ اإلسبلمية، كىو يف حقيقة أمره رك ح اإلسبلـ، كجوىره، ألنو تصفية القلب كتطهَته من رجاساتو عن غَت 2 . تقرٌظه لكتاب رسالة المسترشدٌن للمحاسبً، بتحقٌق المرحوم الشٌخ عبد الفتاح أبً غدة، ص42. 3 . انظر : الرسالة القشٌرٌة فً علم التصوف، ج6 ،ص44.
المنها ج الصوفي في اإللصاح و مدى فاعليتو في مواجهة التحديات العصرية 8 ا﵁، كإخبلص العبودية لو، كالتحرر من عبودية اٞتسد ك نبذ الدنيا ك ىجر لذائذىا، ك ا٠تشوع كالصمت 4 كالتأمل . ك قد ٚتع اإلماـ الغزالي 5 أقواؿ العلماء يف التصوؼ، ك ٠تصها يف ثبلث كلمات، فقاؿ : )) التصوؼ : أولو علم، وأوسطو عمل، وآخره موىبة ((، مث قاـ بالكشف عن كظيفة كل من ىذه الكلمات ُغ اٞتامعة، فقاؿ : )) فالعلم يكشف عن المراد، والعمل يعين على الطلب غاية ِّ ل َ بػ ُ ، والموىبة تػ األمل ((. كللبلوغ إىل الغاية كسائل شرعية، كالوسائل ال بد من أصوؿ تستند عليها. كأصوؿ التصوؼ – كما قاؿ حجة اإلسبلـ – ىي )) أكل الحاؿ واالقتداء برسوؿ اهلل لصلى اهلل عليو وسلم في أخاقو وأفعالو وأوامره وسنتو. ومن لم يحفظ القرآف ويكتب الحديث ال يقتدى بو في ىذا األمر؛ ألف علمنا مضبوط بالكتاب والسنة. أخذ ىذا المذىب بالورع والتقوى، ال بالدعاوى ((. كا١تنهاج القوًن يف السلوؾ يقوـ على هتذيب األخبلؽ كاألعماؿ كا١تعارؼ؛ كذلك اشتغاؿ بعمارة الظاىر كالباطن. أخطر المفسدات في السير إلى اهلل تعالى : كلقد حذر اإلماـ الغزايل للسالك ٖتذير شديدا من ى خطىر ين يفسداف على ا١تريد سلوىكو : ُ ال ُد ِس م ف ُ َخ األوؿ : اتباع الر ص بالتأويات. َلَط من متبعي الشهوات. المفسد الثاني : االقتداء بأىل الغ فمن ضيع كقتو الغايل فهو جاىل، ك من ق صر فيو فهو غافل، كمن أ٫تلو فهو عاجز. كال تصح إرادة ا١تريد كتوجهو حىت يكوف ا﵁ سبحانو كرسولو صلى ا﵁ عليو كسلم ى ى كساكس قلبو ٍش ي اليت ت ل ى غ و، كيكوف هناره صائما كلسانو صامتا كظهره راكعا كجبهتو ساجدة كعينو دامعة كغامضة كقلبو حزينا كلسانو ذاكرا. أخطر المهلكات الثاثة للمريد في السير إلى اهلل تعالى : 4 . عناصر القوة فً اإلسالم للشٌخ سابق، ص76. 5 . انظر : روضة الطالبن وعمدة السالكٌن لحجة اإلسالم، ص61 ،فما بعدها.
المنها ج الصوفي في اإللصاح و مدى فاعليتو في مواجهة التحديات العصرية 9 مث حذرنا حجة اإلسبلـ ٚتيعا من ا١تهلكات الثبلثة ا١تبلزمة ٟتياتنا اليو مية اليت بطبيعة اٟتاؿ تقسي القلب، كىي : ُ الم ه ِ ُك األ ل و ؿ : كثرة الطعاـ. المهلك الثاني : كثرة الكاـ. المهلك الثالث : كثرة المناـ. فأما ُ الم ه ِ و ؿ : ) كثرة الطعاـ (؛ فذلك أف ال ش ُك األ ل ى ر ه ضار بالنفس كالفكر كالصحة، كقد ثبت ى 6 علميا أف كثرة األكل، - كيلزـ منها كثرة تناكؿ السوائل - تؤدم إىل ٫تود يف النفس كببلدة يف التفكَت، ك ميل إىل النوـ، قاؿ لقماف اٟتكيم : يا بٍت، إذا امتؤلت ا١تعدة، نامت الفكرة، ك خرست اٟتكمة، كقعدت األعضاء عن العبادة، كما أف الشر ه يزيد الشهوة اٞتنسية، ككنا نرل عموما أف ال ش ى ر ى ه يغَت من نفسية اإلنساف، فيجعلها أقر ب إىل نفسية اٟتيو اف رغما عنو؛ كلذلك ال بد من مراعاة اٞتدكؿ ا١تنتظم يف األكل؛ إف مل نقدر على االستجابة الكلية ١تطالب النظاـ الرباين ا١ترسوـ عند بعض الصحابة األجبلء يف التعامل مع تناكؿ الوجبات، فقالوا عند النيب صلى ا﵁ عليو كسلم : )) نحن قوـ ال نأكل حتى نجو ع، وإكا أكلنا ال نشبع ((، كاٟتديث إف كاف بو ضعف، إال أنو معموؿ بو يف باب فضائل األعماؿ، كفائدتو الصحية كالنفسية ك ا١تعنوية ظاىرة كاقعية ٣تربة. كىو ال يتعارض مع كصف النيب صلى ٍ ا﵁ عليو كسلم يف نظاـ األكل الصحي، فقد كرد يف حديث صحيح، عن الٍ داـ ق مً ى بن م ٍ ع ً د ى ىب ي ٍك ، قاؿ ًر : ٝتعت رسوؿ ا﵁ صلى ا﵁ عليو كسلم يقوؿ : )) ما مأل َ آد ِ را م َشًّ ً ي ِوعاء ٌّ ِ م َن ط ٍن ب َ ، ب ِب ِح ِن س اب َ َـ َكاَ ٌت آد أَ ُ ي ِ ق َ ن ُلص م ، ُ و َ لب فَ ف َك ِ إ ِ لُ ٌث ل ُ َحالَةَ، فَػثػ َف الَ م ا َ طَع ِ ام َ ، و ِ و َ َشر ِ ُلُ ٌث ل ثػ اب ، ِ ِ و ُلُ ٌث َ وثػ ِ ِس ل َ َف نػ (( ِ و 7 ، َ وفي رواية : )) ما مأل آد ِ را م َشًّ ً ي ِوعاء ٌّ ِ م ن ِب َس ِح َط ٍن، ب ب اآل َ ي د ِّ ِ م َ م ُ ٌت لَُق ا ي ي ِ َ ُلص ق ن ُ م و َ لب ف ِ ، فَإ غَلَ ُ و ت َ ب ُ و ُ َ فس نػ ، فَػ لُ ُ ثػ طَ ِ ٌث ل َ ، و ِ و ِ ام َ ُ ع ثػ َ َشر ِ لُ ٌث ل اب ، ِ ِ و ُلُ ٌث َ وثػ ِ ِس ل َ َف نػ ِ و (( 8 . كالثلث ا١تطلوب ال يتجاكز حد اإلسراؼ كما قاؿ تعاىل : ﴿ وكلو ا واشربو ا وال تسرفوا؛ إف اهلل ال يحب المسرفين ﴾ ] سورة األعراؼ : 38 6 . انظر : موسوعة اإلعجاز العلمً فً القرآن والسنة النبوٌة 7 . أورده اإلمام الحافظ ابن رجب فً جامع العلوم والحكم، ج4 ،ص245 ،رقم الحدٌث )25 ،)وعزاه إلى اإلمام أحمد، والترمذي، والنسابً، وقال الترمذي : حدٌث حسن. 8 . حدٌث صحٌح، أخرجه اإلمام أحمد والترمذي.
المنها ج الصوفي في اإللصاح و مدى فاعليتو في مواجهة التحديات العصرية 10 [. كإذا أضيف إىل اإلسراؼ مصدر األكل اٟتراـ، كانت اٟترمة مؤكدة، ك٫تا من العوامل ا١تفسدة للقلوب. كّتانب ذلك علينا أف نتحاشى ظهو ر ا ٍ سم ل ة على أبداننا ى ن ؛ كذلك أف الرسوؿ صلى ا﵁ عليو ِّس (( ك سلم كصف جيبل يف معرض اإلنكار، فقاؿ : )) ويظهر فيهم ال ُ َن م ، كعلينا أيضا أال نعود أنفسنا األطعمة الفاخرة الباحظة األٙتاف؛ مراعاة ١تقتضى اٟتياة ا١تعتدلة اليت أمرنا هبا شرعنا اٟتنيف. ال شك يف أنو ال ٬توز لنا أف نبتعد عن الطعاـ كليا حىت تضعف أجسامنا، فإنو قوامها، بل علينا أف نوظفو كما ينبغي، حىت يكوف كسيلة طاعة كعبادة؛ كمن ىنا كاف ال بد من كضع النظاـ الدقيق ك مر اعاة اآلداب 9 كالنصائح للتغذية الصحية اآلتية : 1 .عدـ تناكؿ الطعاـ إال عند كقت اٟتاجة. 2 .ضركرة االنتهاء منو قبل الشبع؛ تفاديا من التخمة كالبطنة. 3 .عدـ اإلسراؼ كالتبذير، فإنو صفة ٦تقوتة يف اإلسبلـ. 4 .أال يتناكؿ أكبل أك مشرك با مضر ا ك باألخص اٟتراـ كا١تشبوه. 5 .ضركرة مراعاة االعتدؿ، كىو مطلوب يف كل شيء. سمن. 6 .لزكـ ٕتنب األطعمة ا١تسببة لل 7 .عدـ التكلف يف شر اء ا١تأكو الت الفاخرة الغالية الثمن. 10 كراع اآلداب الر بانية السبعة اليت سجلها حجة اإلسبلـ يف اإلحياء قبل تناكؿ األكل؛ إ٘تاما للربكة : األوؿ : أف يكوف الطعاـ بعد كونو حبلال يف نفسو، طيبا يف جهة مكسبو موافقا للسنة كالورع. الل الثاني : غسل األيدم كتنظيفها ظاىرا كباطنا؛ بأف نكو ف على طهارة ككضوء، ﵀اربة الفقر ك٤تو ى مم، كما كرد يف اٟتديث النبوم. 9 . انظر: قوانٌن البٌت المسلم لموالنا المرحوم الشٌخ سعٌد حوى، ص40. . انظر : اإلحٌاء، ج1 ،ص61 فما بعدها. 10
المنها ج الصوفي في اإللصاح و مدى فاعليتو في مواجهة التحديات العصرية 11 الثالث : أف يوضع الطعاـ على السفرة ا١توضوعة على األرض، كىو أقرب إىل فعل رسوؿ ا﵁ صلى ا﵁ عليو كسلم من رفعو إىل ا١تائدة، مع اعتقادنا ّتو از استعما٢تا. س أف ٭تسن اٞتٍلسة على ً الرابع : ال فرة يف أكؿ جلوسو كيستدٯتها كذلك، فقد النيب صلى ا﵁ عليو كسلم ٬تثو أحيانا لؤلكل على ركبتيو ك٬تلس على ظهر قدميو، كأحيانا أخرل ينصب رجلو اليمٌت ك٬تلس على اليسرل، كال يأكل متكئا. الخامس : أف ينوم بأكلو أف يتقول بو على طاعة ا﵁ تعاىل، مع عدـ قصد التلذذ كالتنعم. السادس : أف يرضى با١توجود من الرزؽ، كاٟتاضر من الطعاـ، كال يتكلف بإتياف ما يلوف الطعاـ. السابع : أف ٬تتهد يف تكثَت األيدم على الطعاـ كلو من أىلو ككلده. كبعد اتباع كل ىذه ا٠تطوات، ال تنس ذكر ا﵁ قبل تناكؿ الوجبات ك بعده، كٓتاصة الدعاء الوارد عن النيب صلى ا﵁ عليو كسلم، فالبسملة عند كضع اللقمة األكىل على الفم، كلو أمكن قراءة البسملة يف كل لقمة كشربة ماء، -كما فعل عمليا اإلماـ الطربم-، فافعل، ففيها بركات ال ٖتصى، كبعد االنتهاء من األكل، ال تنس الدعاء مرة أخرل، للطعاـ كصاحبو. كبإ٫تاؿ ىذا النظاـ كىذه اآلداب ك خاصة ذكر ا﵁، ال يكوف األكل معينا على طاعة ا﵁ تعاىل، كيكوف القلب مظلما، كتسًت خي ي أعضاء اٞتسم كلها تبعا للقلب، فيتثاقل صاحبها على أداء الو اجبات كيأيت بألف مربر كمربر، حىت ال يؤديها، كإف أداىا أداىا كأف يف كاىلو أثقاال، يريد أف يتخلص منها بأم صورة، ال ٬تد يف أدائها راحة الباؿ كالطمأنينة. كلذلك عندما تقرأ بتدبر قولو تعاىل ﴿ يا أيها الناس كلوا مما في األرض حاال طيبا وال تتبعوا خطوات الشيطاف، إنو لكم عدو مبين • إنما يأمرؾ بالسوء والفحشاء وأف تقولوا على اهلل ماال تعلموف ﴾ ] سورة البقرة : 868 - 869 ،] كٖتاكؿ أف تبلحظ بُت الركابط كا١تناسبات بُت أجزاء اآليتُت، فستجد فيها كاضحا بُت األكل اٟتبلؿ الطيب يف ذاتو كمصدر ه، كبقدرو ال يتجاكز اٟتد ا١تطلوب من اٞتسم، ا١تفهوـ من قولو تعاىل : )) مما ((، - فػػ )من( ىنا البعضية النافعة -، اليت ٖتمل يف أعماقها ركحا فعالة لدفع النفس إىل ٦تارسة األعماؿ الصاٟتة بنشاط كأر٭تية، كبُت أكل اٟتر اـ الذم بطبيعتو يقلل من فاعلية اإلنساف لئلقباؿ على أعماؿ ا٠تَت كالرب،
المنها ج الصوفي في اإللصاح و مدى فاعليتو في مواجهة التحديات العصرية 12 ألف العنصر الشيطاين ا١توجود يف نفسو يقيد حركتو كيسيطر على قلبو كيوسوس لو أثناء عبادتو، فيكوف غافبل عن ا﵁ تعاىل، كالغفلة ٕتعل اإلنساف يفقد الًتكيز على عملو، فيكوف مردكدا عليو بطبيعة اٟتاؿ؛ هض ألف الذم ال يدرم كيف ي نجز عملو بصورة جيدة مرفو من قبل عامل ا١تلك، فما بالك يف عامل ا١تلكوت، كلذلك قاؿ النيب صلى ا﵁ عليو ك سلم )) إف اهلل يحب إكا عمل أحدكم عما أف يتقنو )) ، كاإلتقاف نتيجة الًتكيز التاـ. كعدـ اإلتقاف نتيجة اإل٫تاؿ ك الغفلة كاللهو؛ ك لذلك عندما أمر ا﵁ 11 تعاىل نبيو صلى ا﵁ عليو كسلم بتفعيل أكرب عمل يف اٟتياة الذم ىو )) ككر اهلل (( يف أك ؿ النهار كآخره؛ ٗتشعا كتواضعا ﵁ كخ ى ائفا ك جً ى ل القل ًب، على سبيل االعتداؿ بُت اٞتهر ك ا١تخافتة، ى ى ح ذ ره من صفة الغفلة اليت يتصف هبا البلىوف ا١تقصركف يف كاجباهتم يف سائر أكقاهتم، فقاؿ : ﴿ اككر ربك في يفةً ِ نفسك تضرعا وخ ودوف الجهر من القوؿ بالغدو واآللصاؿ، وال تكن من الغافلين ﴾، ] سو رة األعراؼ : 225 .] ك قبل ىذه اآلية بُت ا﵁ تعاىل مصَت ىؤالء الغافلُت الذين ال يعتربكف بآيات ا﵁ تعاىل، بسبب انغبلؽ قلوهبم، فبل يريدكف أف يفهموا هبا اٟتق، كال ٭تاكلوف على توظيف أعينهم، ليبصركا هبا أدلة قدرة ا﵁ ك كحدانيتو، كيعطلوف كظيفة آذاهنم، حىت ال يسمعو ا هبا اآليات كا١تواعظ ٝتاع تدبر كاتعاظ، فأصبحوا بتعطيلهم ىذه الطاقات ا١تدركة كاٟتو اس، ٭تتلوف أدىن مرتبة من البهائم؛ إذ اٟتيو انات بعد فنائهم لن تسأؿ يوـ القيامة عما صنعت يف الدنيا، كغَت مكلفة بالواجبات الدينية؛ ألهنا خلقت أصبل مسخرة ٠تدمة عباد ا﵁ تعاىل، كلن تساؽ إىل نار جهنم ا١تخلوقة ٢تؤالء ا١توصوفُت ٔتا ذكر، كأما ىؤالء الكفرة من اٞتن كاإلنس، فلهم القدرة على التمييز بُت النافع كالضار كما كلفهم ا﵁ تعاىل، كلكنهم غافلوف عن ا﵁ تعاىل، فقاؿ ا﵁ تعاىل : ﴿ ولقد كرأنا لجهنم كثيرا من الجن واإلنس، لهم قلوب ال يفقهوف بها، ولهم أعين ال يبصروف بها، ولهم آكاف ال يسمعوف بها، أولئك كاألنعاـ، بل ىم أضل، أولئك ىم الغافلوف ﴾، ] سورة األعراؼ : 879.] كالغفلة جاءت نتيجة التباع خطوات الشيطاف العدكاين لئلنساف خطوة ٓتطوة، فيستدر جو أكال باقًتاؼ ي معصية صغَتة تػ ٍ ن ىكت يف قلبو نكتة سوداء، فإذا ما رجع عن ذنبو، كاستغفر ربو تنمحي ىذه النكتة السوداء، ألهنا ما زالت كالذبابة الصغَت ة، تنقض على كجهو، ف ي يطى يػ ي رىا بيده بكل سهولة، فإذا تر كها على حا٢تا دكف ٤تاكلة على صقل قلبو منها، تزداد ىذه النكتة، شيئا فشيئا، ك تتفاقم، حىت يقبل على كبَتة . حدٌث صحٌح بشواهده، أخرجه أبوٌعلى والطبرانً، عن عابشة رضً هللا عنها به. 11
المنها ج الصوفي في اإللصاح و مدى فاعليتو في مواجهة التحديات العصرية 13 بدكف خوؼ، فتصبح ى ىك ل ت يصعب إزالتو، إال باجملاىدة الشاقة بطبيعة اٟتاؿ، فإف من انغمس يف أكحاؿ الكبائر، - كالربا كالزنا كالقمار كالقتل كالسرقة كالسحر ك عقوؽ الوالدين كغَتىا -، فمن الصعب أف يرتد عنها. كاألدىى كاألمر أف يتقوؿ على ا﵁ تعاىل ك يفًتم عليو، كيتهم ا﵁ تعاىل بالظلم بُت العباد، كيدعي أف شريعتو رجعية ال تتناسب مع العصر يف ظل الدٯتقراطية الغربية ا١تتطو رة الداعية إىل التحرر ا١تطلق بُت الرجل كا١ترأة، كأف الدين أفيوف الشعوب، فيختلق الديانة اٞتديدة اٝتها ) اإلساـ الليبرالي ( ٔتعٌت أف األدياف كلها سواسية، فهي ستؤدم بأصحاهبا إىل اٞتنة، فكل رب عندىم سينقذ مربوبيو من النار، فالناس حر يف اختيار األرباب أك يستقل بنفسو دكف أرباب، فيعُت نفسو ربا يعبده أتباعو، فيضع ٢تم قوانُت يلتزموف هبا، كليس للدكلة شأف التدخل يف أمور ٗتص أفراد الشعب. كىذا رأس الكبائر كلها، كمن ابتلي ٔتثل ىذا ا١تعتقد، فالغالب عليو يستحيل استئصالو من صميم قلبو، كاٞتباؿ الركاسي، ال تزكؿ قيد أ٪تلة. كىكذا أكل اٟتراـ إذا مل يتم ا١تر اقبة عليو من األك ؿ، كترؾ على حالو، تًتاكم آثاره على القلب شيئا شيئا، حىت تصبح كاٞتباؿ، كمصداؽ ذلك قولو تعاىل : ﴿ كا، بل راف على قلوبهم ما كانو ا يكسبوف ﴾، ] سورة ا١تطففُت : 84 ] كبل، ليس القرآف أساطَت األكلُت كما يدعوف، بل غطى على هب قلوهبم أسبا ا٢تداية، كىو ما كسبوه من الذنوب كالسيئات ىب حجا منع عنهم . كيقوؿ النيب صلى 12 َ ت ا﵁ عليو كسلم يف تفسَت ىذه اآلية في قلبو ت ُكِ )) إف العبد إكا أخطأ خطيئةً نكتةٌ سوداء، فإكا ن َ َع َز ُلص ىو نػ واستغفر وتاب و، وإف عاد ز ُ قلب َ ل ِ َ ق يد فيها، حتى تػ عل ، وىو الراف الذ ُ و َ قلب َ و ي ككر اهلل : ﴿ كا، بل ر اف على قلوبهم ما كانوا يكسبوف ﴾ ، كيف ركاية : )) إف المؤمن إكا أكنب كنبا، 13 ُ كا ُلص نت نكتةٌ سوداء في قلبو، فإف تاب، ونزع، واستغفر قل منها، وإف زاد زادت، حت ى ِ َل غ ُ َف يػ بها ، فذلك الراف الذ ُ قلبو ي ككر اهلل في كتابو : ﴿ كا، بل راف على قلوبهم 14 .﴾ فهنيئا ١تن جاىد يف ىذا العصر يف متابعة أطعمتو ك مشركباتو، كٓتاصة ا١تستوردة منها من الدكؿ األجنبية؛ إذ اٟتبلؿ الطيب من عبلمات القبوؿ، ٔتقتضى قولو صلى ا﵁ عليو كسلم : )) أيها الناس إف اهلل طيب ال يقبل إال طيبا، وإف اهلل أمر المؤمنين بما أمر بو المرسلين، فقاؿ : ﴿ يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا لصالحا إني بما تعملوف عليم ﴾، ] سورة ا١تؤمنوف : 58 ،] وقاؿ : ﴿ يا أيها 12 . انظر : التفسٌر الوجٌز لألستاذ الدكتور وهبة الزحٌلً، 367. . رواه أبو هرٌرة، مرفوعا به كما فً صحٌح الترمذي، وإسناده حسن، رقم الحدٌث : )1112 .)13 . رواه أبو هرٌرة مرفوعا به كما فً الترغٌب والترهٌب للمنذري، ج2 ،640 ،بإسناد صحٌح أو حسن. 14
المنها ج الصوفي في اإللصاح و مدى فاعليتو في مواجهة التحديات العصرية 14 الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم ﴾، ] سورة البقرة : 872 ،] ثم ككر الر يطيل َ جل السفر ، يمد َ ب ي أغبر ِّ أشع َث يديو إلى السماء، يا ر ُ ا رب، ومطعم ُ و حراـ، ومشربو حراـ، وملبسو حراـ، وغُ ذِ َ ي بالحراـ، فأنى يستجاب لذلك (( 15 . وأما المهلك الثاني ) كثرة الكاـ (؛ فالنهي عنها من أغلى ك صايا الرسوؿ الكرًن صلى ا﵁ عليو كسلم ٟتفظ سبلمة القلب كصفائو، كما جاء عن ابن عمر - رضي ا﵁ عنهما -، عن رسوؿ ا﵁ صلى ا﵁ عليو كسم قاؿ : )) ال تكثروا الكا ُ َ ـ بغير ككر اهلل، فإف كثرةَ ِهلل الكاـ بغيرِ كك ِر ِ ا قَ َ و س ةُ َد القلب، و ُب إف أبع الناس من اهلل تعالى القل القاسي (( . كالقلب القاسي ىو القلب الذم 16 ى ؽ ال يًر ١تو عظة كال يلُت لنصيحة كال يتأثر بشيء من اٟتوادث ، كال ٭تاكؿ أف يعترب هبا؛ عنادا ك كربا. كىذا ىو 17 ا٢تبلؾ الذايت، نسأؿ ا﵁ تعاىل منو العافية؛ كلذلك أمرنا بلزكـ الصمت، ك قرنو ْتقيقة اإلٯتاف، كىو أغلى رأٝتاؿ اإلنساف يف حياتو الدنيوية كاألخركية، كما نقل أبو ىر ير ة - رضي ا﵁ عنو - عن النيب صلى ا﵁ 18 عليو كسلم قاؿ : )) من كاف يؤمن باهلل واليو ـ اآلخر فليقل خير ا أو ليصمت (( . خالصية اللساف مخاطره ومنافعو : ك لئلماـ الغزايل كصف دقيق يف بياف خاصية اللساف ٥تاطره كمنافعو إف كفقنا يف رعايتو، فسيكوف مصدر خَت كبر، ك جنديا كفيا يدلنا ٚتيعا على األعماؿ الصاٟتة، كيكوف شفيعا لنا يوـ القيامة حيث قاؿ 19 : ٌ جِ )) اللساف من نعم اهلل العظيمة، ولطائف لصنعو الغريبة، فإ نو لصغير ، عظي ُ و ُ م ُ ر و ُ ٌ طاعت ُ م و ُ م ر ُ وج ؛ إك ُ ال يتبي ُف إ ن واإليما ُ الكفر ال بشهادة اللساف، وىما غاية الطاعة والعصياف، ثم إنو ما من موجو د أو ُف ويتعر ُ معدوـ، خالق أو مخلوؽ، متخي ٍل أو معلوـ، مظنوف أو موىوـ ... إال واللسا يتناولُو ض لو ُف بإثبات أو نفي؛ فإف ، ُب عتو اللسا ِر ع ُ يػ ُ ما يتناولو العلم إما بحق أو باطل، وال شيء إال والعلم متناوؿ لو. وىذه خالصية ال توجد في سائر األعضاء؛ فإف العين ال تصل إلى غير األلواف و الصور، واألك َف ال تصل إلى غير األلصوات، واليد ال تصل إلى غير األجساـ، وكذا س ُ ائر األعضاء. 15 . أخرجه مسلم فً صحٌحه، رقم الحدٌث )6063 ،)عن أبً هرٌرة مرفوعا به. . رواه الترمذي والبهقً، وقال الترمذي : حدٌث حسن غرٌب. 16 17 . انظر : من وصاٌا الرسول للشٌخ طه عبد هللا العفٌفً، ج1 ،ص344. . متفق علٌه. 18 . إحٌاء علوم الدٌن، ج3 ،ص170( .ربع المهلكات(. 19
المنها ج الصوفي في اإللصاح و مدى فاعليتو في مواجهة التحديات العصرية 15 ٌّ، وال لمجالو منت واللساف رحب الميداف، ليس لو مرد ً د ، و ٌّ ٌب هى وح ، لو في الخير مجا ٌؿ رح لو في َ ٌ س ح الشر كيل ٌب، فمن أطلق ةَ ال َ َ َذب ع ، وأىم َخ لسافِ ر ُ م ُ لَو نافِ ُف في كل ِ ى الع سلك بو الشيطا ميداف، وساقو إلى َشفا ر ُ ُ ٍؼ ج ىاٍر، إلى أف يضط ره ب في إلى البوار ، وال ي ُك َ الناس النار على َ ُد مناخرىم ألسنتهم، وال ينجو من شر اللساف إال إال حصائ من قي ده بلجاـ الشرع، فا يطلقو إال فيما ينفعو في الدنيا واآلخرة، وي ُك فو عن كل ُ ُ خ َش ما ي ُ في عاجلو وآجلو ((. و ُ ى غائلت وظائف اللساف : ي فالعاقل من كف ى ق يف ترشيد ىذه اآللة ا٠تطَت ة ١تصلحة دنياه ك أخراه، كلتحقيق عبوديتو ﵁ تعاىل، الذم ي خلقنا من أجلو كما صرح بو كتابو ﴿ وما خلقت الجن واإلنس إال ليعبدوف ﴾، ] سورة الذاريات : 56 ،] كعلى اإلنساف أف يعرؼ مسالك العبودية يف توظيف لسانو، حىت يأخذ حقوقو ا١تشركعة يف الدنيا كاملة، يزكد هبا صاحبو يف اآلخرة، فو ظائف ٣تاالت اللساف كحكم الشرع فيها ٜتس على اإلٚتاؿ 20 دكف التفصيل : األولى : من ناحية الوجوب؛ فإف عليو النطق بالشهادتُت، كتبلكة ما يلزمو تبلكتو من القرآف الكرًن، كىو ما تتوقف صحة صبلتو عليو، كتلفظو باألذكار الو اجبة يف الصبلة اليت أمر ا﵁ تعاىل كرسولو صلى ا﵁ عليو كسلم هبا، كما أمر بالتسبيح يف الركوع كالسجود، كأمر بقولو : )) ر بنا ولك الحمد (( بعد االعتداؿ، كأمر بالتشهد، كأمر بالتكبَت. ك أنو أيضا مأمور برد السبلـ، كيف ابتدائو خبلؼ بُت العلماء، كاألفضل يف نظر الشرع من يبدأ بالسبلـ. كأنو كذلك مأمور باألمر با١تعر كؼ كالنهي عن ا١تنكر، كتعلي ًم ًؽ اٞتاىل، كإرشاد الضاؿ، كأداء الشهادة ا١تتعي نة، كصد اٟتديث، إأل ما استثٍت منو، كما يف حالة اٟترب ا١تشر كعة، ك اإلصبلح بُت ا١تتخاصمُت، كغَت٫تا. الثانية : من ناحية االستحباب؛ فيندب لو بتبلكة القرآف، كدكاـ ذكر ا﵁ تعاىل، كا١تذاكر ة كالبحث يف العلم النافع. . تم النقل بتصرف من كتاب العبادة فً اإلسالم للشٌخ موالنا األستاذ الدكتور ٌوسف القرضاوي، ص57 ،فما بعدها. 20
المنها ج الصوفي في اإللصاح و مدى فاعليتو في مواجهة التحديات العصرية 16 يك الثالثة : من ناحية الكراىة؛ فمثل التكلم ٔتا تر ه و خَت من الكبلـ بو، مع عدـ اإلمث ك التهديد بالعقوبة عليو. الرابعة : من ناحية الحرمة؛ فهو النطق بكل ما يغضبو ا﵁ تعاىل كرسولو صلى ا﵁ عليو كسلم، كالنطق بالبدع ا١تخالفة ١تا بعثو ا﵁ بو رسولو. كالدعوة إليها، كٖتسينها كتأييدىا كتقويتها كموافقتها، ككالقذؼ كسب ا١تسلم كأذاه بكل قوؿ، كالكذب كشهادة الزكر، كالقوؿ على ا﵁ بغَت علم، كىو أشدىا ٖترٯتا. الخامسة : من ناحية اإلباحة؛ فكل ماال يدخل يف الدكائر األربعة السابقة، كالكبلـ يف اجملالس العامة، مع مراعاة أدب الكبلـ ك أخبلقية التخاطب ي ي حكم و ه مباح، ك لكن غالبا إذا كاف الكبلـ قد تطرؽ إىل ماال يعنيو، فيجره إىل الدخوؿ يف منطقة الكراىة أك اٟترمة، ك ه ل على ى ى حس ٍجم ا١تخالفة؛ كلذلك جاء ب ح التحذير الشديد من الشارع اٟتكيم ١تن أطلق لسانو فيما ال فائدة فيو، ك لو كاف فصيحا؛ سدا للذريعة من الكذب كالتطاكؿ على الناس، فرٔتا أحد ا١تستمعُت قد يظن أنو ا١تقصود عن طريق التورية ١تا بُت ا١تتكلم كا١تستمع خبلؼ قدًن، فيؤك ؿ كبلمو تأكيبل بعيدا، كإف مل يقصده، فيصبح الطُت بلة، كتتفاقم ا١تشكلة، كتًتاكم، كمن ىنا قاؿ اإلماـ علي – ر ضي ا﵁ عنو، ككرـ كجهو : فال ُ ج ر ُ ُ ح ِّ جرح الل ِ علَ ػ َ ُ ساف ت ُم و * َ و ُ ر ب قَػ ٍؿو َ ِس ي ي ُ ل ِ م ن ُ َ و د ُ ـ كقاؿ األديب يعقوب اٟتمدكين : ُ وقد يػ ر َ ج ِ ُ ى ل رِح السيف ج ُ بػ ر ٌ * ء َ لما ج ٌ وال برء َ ر َ ُف ح اللسا جراحات السناف لها التئاـ * وال يلتاـ ما جرح اللساف ُ ح ر ُ َج و السيف ت َ فَػي دملُو ى ُ َ ر بػ * ُ ُف َقى الدىر ويب اللسا َ َح ر َ ما ج فاٞتركح السنانية السيفية مهما كانت غائرة فهي سطحية، كيرجى برؤىا كلو طاؿ أمدىا، با١تقار نة إىل اٞتركح اللسانية، فإهنا نافذة إىل أعماؽ القلب، ْتيث لن ينسى اجملركح ذرابة لساف اٞتار ح، كلو انتقل
المنها ج الصوفي في اإللصاح و مدى فاعليتو في مواجهة التحديات العصرية 17 إىل أطباؽ الثرل بعد قركف متطاكلة، كستكوف القصة متداكلة بُت األجياؿ؛ كلذلك قاؿ النيب صلى ا﵁ 21 عليو كسلم : )) المسلم من سلم المسلموف من لسانو ويده (( . كأحسن ما ٯتثل قاعدة التفاضل بُت السكوت ك الكبلـ، من ناحية حكم اإلباحة، ما نقلو اإلماـ اٟتافظ 22 بسند متصل عن اإلماـ الر باين اٟتافظ الفقيو األديب اجملاىد عبد ا﵁ بن ا١تبارؾ أنو كاف يقوؿ : إ ف ِ ِ كاف م َت ٍ ػ فس فإف السكو َ ُك يا * ن ن فضة كام من كى ِب ِ ك اٟتافظ ابن أيب الدنيا قد رصد مركيات، رصدا موضوعيا حىت كصل بو إىل ) 754 ) مركيا، ما ينبئ عن خطورة اللساف، إف مل نوظفو توظيفا حكيما يف كتاب مستقل ٝتاه ) الصمت وحفظ اللساف(، فارجع إليو راشدا ٕتد فيو مبتغاؾ كزيادة. كالقاعدة العلمية يف ضبط الصمت ضبطا ربانيا، ىي أف نستحضر دائما قبل الكبلـ قولو تعاىل : ﴿ وال تقف ماليس لك بو علم، إف السمع والبصر والفؤاد، كل أولئك كاف عنو مسؤوال ﴾، ] سور ة اإلسراء : 36 .] كالقاعدة العملية الربانية يف تقليل الكبلـ ا١تباح، ىي الصياـ، مع مراعاة أركانو كشركطو كآدابو ظاىرة كباطنة، كىي طريق أىل ا﵁ تعاىل كأك ليائو. كالقاعدة النبوية يف ٤تو اآلثار السلبية من جراء الكبلـ ا١تباح، ىي الورد الذىيب الذم كاف يواظب عليو النيب صلى ا﵁ عليو قبل أف يقوـ من اجمللس، ىو : )) سبحانك اللهم وبحمدؾ، أشهد أف ال إلو إال أنت، أستغفرؾ، وأتوب إليك 23 أف يقوؿ بأخرة ((. كعن سيدنا علي - كرـ ا﵁ كجهو كرضي عنو - قاؿ : )) من أحب أف يكتاؿ بالمكياؿ األوفى، ب ِّ ِّك ر ٌ فليقل في آخر مجلسو أو حين يقوـ : )) سبحاف ر ب العزة عما يصفوف، وساـ على لين، والحمُد هلل رب العالمين (( المرس . كإذا أضيفت إليهما قراءة سورة العصر، فبها كنعمت، 24 كخاصة إذا قرئت عن تدبر كخشوع. . متفق علٌه، من حدٌث عبد هللا بن عمرو بن العاص به. 21 22 . الصمت وحفظ اللسان البن أبً الدنٌا، ص162. . قوله : )) بؤخرة ((، بفتح الهمزة والخاء المعجمة، أي : فً آخر أألمر. ) األذكار لإلمام النووي، ص141 .) 23 . ذكره اإلمام النووي فً األذكار، ص141 ،وعزاه إلى أبً نعٌم فً الحلٌة، عن علً موقوفا. 24
المنها ج الصوفي في اإللصاح و مدى فاعليتو في مواجهة التحديات العصرية 18 وأما المهلك الثالث : فهو ) كثرة المناـ (؛ كا١تناـ غريزة من غرائز اإلنساف ال غٌت لنا عنو يف اٟتياة الطبيعية، فهو من األمور ا١تبلزمة لنا، ال ننفك عنو أبدا. كا١تناـ ىو النوـ، ك رد ذكر٫تا يف القرآف الكرًن، قاؿ تعاىل حكاية عن إبراىيم عليو السبلـ يف قصة اٟتوار الذم دار بينو كبُت ابنو اٝتاعيل عليو السبلـ يف شأف أمر ا﵁ تعاىل لو بذبح ابنو؛ ٖتقيقا لرؤياه يف ا١تناـ، كرؤيا األنبياء كحي : )) يا بني إني أرى في المناـ أني أكبحك، فانظر ماكا ترى ((، ] سورة الصافات : 822 .] ك قد أخرب ا﵁ تعاىل عن أف من بُت النعم العظيمة اليت تفضل ا﵁ تعاىل هبا على عباده نعمة النوـ ؛ألخذ الراحة كاستعادة النشاط من َ جديد، قاؿ تعاىل : )) وجعلنا نوم ُ ٍ كم سباتا ((، ] سورة النبأ : 9 ،] أم : راحة، ي٭ت فإف ما دثو ال ي عمل ي يف ساعات اليقظة يف اٞتسم ، كي ى ي سب ىصب كالتعب، ىو يزكؿ يف ساعة النوـ. كلؤلطباء ب لو شعورا بالن ي دراسات موسعة حوؿ تأثَت النوـ يف إزالة ما يشعر بو اإلنساف باإلعياء من م ٍفرز أثناء العمل وا د تػ الٍ ي م ٍ جًهد كتزاؿ عند النوـ . كا١تطلوب ىنا : كيفية تفعيل ىذه النعمة لصاٟتنا الدنيوم كاألخرم على 25 حد سواء، كأف ٧تد طريقا مثاليا لتحقيق ىذه األمنية. النوـ النموكجي المثالي الفعاؿ : كىذه النوعية من النوـ ال ٕتده إال عند سيد األنبياء كا١ترسلُت، فقد كاف نومو نوما ربانيا، إرشاداتو كتوجيهاتو جاءت بوحي من رب العا١تُت، فمن استطاع أف يتبع خطواتو بدقة، استفاد من نورانيتو يف أف النيب صلى ا﵁ عليو 26 تربية جسمو كعقلو كقلبو؛ ٖتقيقا لعبوديتو ﵁ تعاىل يف ىذا الوجود. كيف اٟتقيقة ك سلم، كاف يناـ كما يناـ سائر الناس، إال أف لو ىديا خاصا يف طريقة نومو عليو الصبلة كالسبلـ، فكاف ي يػ ٍ ؤ وؽ ثر أف يف إراحة البدف ً ٍر غ ي ى ال يناـ على فراش كثَت م كما يفعلو ا١ت ًتفوف من أىل الدنيا؛ كذلك لئبل يش يستسلم للنوـ كالراحة، فيقعد بو ذلك عن سرعة النهوض ألداء الواجبات، كلذلك كاف ف را و أى ن م ى د ا ى ح ً ل ي ه ي ٍ ٍش هف و ي 27 ، ككانت كسادتو أيضا أدما حشوىا ليف، عليو ه ٍح ىس ككاف لو م ً ب ى ٌٍت ثػ ي يػ ثن ى يتُت ى ، كثيًٍت لو أربع ثنيات، فنهاىم عن ذلك، كقاؿ : ُ دوه إلى حالو األو ؿ، فإنو منعني لصاتي الليلة (( )) ر . ككاف إذا 28 ُت أكل إىل فراشو ناـ على شقو األٯتن، مث قاؿ : )) ُت اللهم أسلم نفسي إليك، ووجه وجهي إليك، 25 . انظر : معارج التفكر ودقابق التدبر، ج63 ،ص65. 26 . انظر : دراسة تحلٌلٌة لشخصٌة الرسول محمد صلى هللا علٌه وسلم، لألستاذ الدكتور محمد رواس قلعه جً، ص. 27 . اللٌف، بكسر الالم وسكون الٌاء : قِشر النخل الذي ٌجاور ال س ع ف. والسعف جرٌد النخل وورقه الٌابس. . رواه الترمذي فً كتاب الشمابل، رقم الحدٌث : ) 114 ) 28
المنها ج الصوفي في اإللصاح و مدى فاعليتو في مواجهة التحديات العصرية 19 ُت ُت وف و ض ُت رغبة ورىبةً إليك، ال ملجأَ أمري إليك، وألجأ ظهري إليك، وال منجا إال إليك، آمن َت ِّ َك َت بكتابك الذي أنزل ، ونبي الذي أرسل (( ، كيف ركاية : ككاف يوصي الصحايب اٞتليل الرباء بن 29 َت عزب – رضي ا﵁ عنو – بالوضو ء قبل النوـ، كقاؿ : )) إكا أتي مضجعك، فتوضأ َ وضوءؾ للصاة، ثم اضط ِج ع ِ قك األيمن (( كأمر بقراءة الدعاء بنحو ٦تا قالو النيب صلى ا﵁ عليو كسلم آنفا، ِّ على ش ِ كقاؿ : )) ا َ ُ جع ل ه ن َ آخر ما تقوؿ (( . كيف ركية : كاف النيب صلى ا﵁ عليو كسلم إذا أخذ مضجعو 30 من الليل كضع يده ٖتت خده، مث يقوؿ : )) اللهم باسمك أموت وأحيا ((، ككاف يقرأ كل ليلة قبل ً منامو ثبلث سور من القرآف، ىي : )) سورة اإلخاص، وسورة الفلق، وسور ة الناس ((، ٚتع ك ف ، و ٍ ي مث نفث فيهما، مث ٯتسح هبما ما استطاع من جسده، يبدأ هبما على رأسو، ككجهو، كما أقبل من . كإذا استيقظ قاؿ : )) الحمد هلل الذي أحيانا من بعد ما أماتنا، 31 جسده، يفعل ذلك ثبلث مرات 32 وإليو النشور (( . ككاف يوصي سيدتنا فاطمة ك بعلها عليا – رضي ا﵁ عنهما – قبل النوـ بقراءة )) سبحاف اهلل (( ثبلثا كثبلثُت، و)) الحمد هلل (( ثبلثا كثبلثُت، ك)) اهلل أكبر (( أربعا ك ثبلثُت؛ فذلك مائة. قاؿ سيدنا علي – رضي ا﵁ عنو – فما تركتهن منذ ٝتعتهن من رسوؿ ا﵁ صلى ا﵁ عليو كسلم. قيل : كال ليلة صفُت؟ قاؿ : كال ليلة صفُت. قاؿ الشيخ ابن تيمية : بلغنا أف من حافظ عليهن مل ٬تد . كاقرأ بقية أذكار النوـ للنيب 33 إعياء فيما يعانيو من شغل، كغَته، ك٬تد يف يومو قوة تغنيو عن خادـ صلى ا﵁ عليو كسلم يف ا١تصادر ا١تعتمدة؛ لتجد طهارتو ك ركحانيتو قبل النوـ كأثناءه كبعد االستيقاظ، كأنو يف ٚتيع حركاتو كسكناتو كأحو الو متصل با﵁ تعاىل، كأنو تناـ عيناه كمل ينم قلبو، بسر االتصاؿ بينو كبُت ر بو جل جبللو، من خبلؿ تفعيل األذكار اليت كاف يواظف عليها قبل النوـ كبعده. ك من ىنا نتعلم بأف صلى ا﵁ عليو كسلم، ما كاف ليجعل النوـ إال كسيلة الستعادة نشاطو من جديد، ليواصل أداء رسالة ربو جل جبللو كعبادتو بصفة حيوية، ككاف يناـ مبكرا كيستيقظ مبكرا إلحياء قياـ الليل كالتهجد طلبا ١ترضاة ربو. قالت أمنا عائشة – رضي ا﵁ عنها - : )) كاف رسوؿ اهلل لصلى اهلل عليو وسلم إكا . أورده اإلمام النووي فً رٌاض الصالحٌن، ج6 ،ص346 ،وعزاه إلى اإلمام البخاري بهذا اللفظ فً األدب من 29 صحٌحه، بسنده، عن البراء بن عازب – رضً هللا عنهما – مرفوعا به. . أورده اإلمام النووي فً كتاب رٌاض الصالحٌن، ج6 ،ص346 .وعزه إلى الشٌخٌن به. وقال : متفق علٌه. 30 . رواه البخاري فً صحٌحه، رقم الحدٌث ) 3065 .) 31 . ذكره اإلمام النووي، ونسبه إلى اإلمام البخاري، المرجع السابق. 32 . راجع : أذكار النوم من الوسابل الشافعة لإلمام المحدث الحبٌب محمد خرد الحسٌنً، ص664 .ففٌه ما ٌغنٌك. 33
المنها ج الصوفي في اإللصاح و مدى فاعليتو في مواجهة التحديات العصرية 20 34 عمل عما أثبتو، وكاف إكا ناـ من الليل أو مرض، لصلى من النهار ثنتي عشرة ركعة ... (( . كمن اتبع ىدم النيب صلى ا﵁ عليو كسلم يف ٚتيع أحوالو كخاصة قبل منامو ٬تد نشاطا فعاال يف جسمو، كر كحانية دافعة للعمل كاٞتهاد يف سبيل ا﵁ كما كاف عليو السلف الصاٌف، كيف مقدمتهم أصحابو – رضواف ا﵁ عليهم أٚتعُت – فػػػ )) كانوا قليا من الليل ما يهجعوف. وباألسحار ىم يستغفروف ((، ] سورة الذاريات :87-88.]كانوا قليبل ما يناموف، يصلوف لرهبم قانتُت لو، كأكاخر الليل قبيل الفجر يستغفركف ا﵁ من ذنوهبم. فكثرة النوـ تتناىف مع أحواؿ الربانية؛ فهؤالء الرجاؿ أصبحوا مضرب األمثاؿ يف العبادة كاٞتهاد يف سبيل ا﵁ )) رىباف بالليل وفرساف بالنهار ((، فسادكا مشارؽ األرض كمغارهبا، كرجاؿ األمة اآلف أصبح مضرب األمثل للخموؿ كالكسل؛ ألهنم غارقوف يف النوـ كالعسل. كمن ىنا اعترب اإلماـ الغزايل حجة اإلسبلـ كثرة النوـ عامبل من عوامل ا١تهلكات يف السَت إىل ا﵁ جل جبللو. فإذا اجتمعت كثرة النوـ مع كثرة األكل يف شخص، كاف غالبا يكوف رجبل ثرثارا يتكلم كثَتا يف ماال يعنيو، كيكوف بطاال، ال يقبل إال على إشباع رغباتو كشهواتو، فيكوف قلبو مظلما ال يرل نورا إىل مغفرة ا﵁ تعاىل كرضوانو. كىذه حقيقة ال يتنبو ٢تا إال من أخذ األمر مأخذ اٞتد كالعزـ؛ ألف مظهرىا يف غاية من البساطة إال أف ى يف كوامنها م ٍ بعثا إلثار ة الشهوات، كقل من يقدر على سيطرهتا كقمعها عند اشتعاؿ شرارهتا؛ كمن ىنا كانت األطباء الركحانيو ف كخاصة يف الديانة اإلسبلمية، ال يتخلف أحدىم من التواصي بضركر ة التعامل معها ْتذر شديد إال بقدر اٟتاجة إليها كبطريقة مشركعة، ك١تا يف اإلفراط يف مباشرهتا أضرارا جسيمة تؤثر يف صحة اإلنساف جسديا كعقليا ك ركحيا، ك ىذا ليس موضع التفصيل، إال أف ا٠تبلصة اليت نريدىا ي ىنا أهنا ت ى ل فاعليتها؛ كلذلك أكصى الكتاب كالسنة باٟتفاظ عليها جيدا؛ ألهنا يعط ب قسوة القلوب ك ت سب موضع اىتماـ رب العا١تُت ككعبة ا﵁ جل جبللو، كمن ىنا قاؿ النيب صلى ا﵁ عليو كسلم : )) إف اهلل ، اليت تنبعث عن ىذه 35 ال ينطر إلى لصوركم وأمو الكم، ولكن ينظر إلى قلو بكم وأعمالكم (( األكعية ا٠تطَت ة اليت تعلو ىا دائما األدراف، فبل بد من صقلها كتنقيتها با١تمارسة ا١تضاعفة الدائمة على الطاعات كاألذكار كالصلوات على اٟتبيب ا١تصطفى صلى ا﵁ عليو كعلى آلو كسلم، حىت ال تقسو . رواه مسلم فً صحٌحه، رقم الحدٌث ) 542 .) 34 . حدٌث صحٌح، رواه مسلم. 35
المنها ج الصوفي في اإللصاح و مدى فاعليتو في مواجهة التحديات العصرية 21 با١تعاصي كالشهو ات، فتبعد عن ا﵁ عز ك جل، فالتحديات الشيطانية كما نشاىدىا يوميا تتفاقم كتتزايد بأشكاؿ كصور مرب٣تة غر يبة ٥تصصة إلفساد عقل ا١تسلم ا١تلتزـ حىت يًتؾ دينو كعقيدتو، فاٟتل الو حيد ىو العودة إىل ا﵁ تعاىل بنية ٥تلصة كأعماؿ صاٟتة مكثفة حسب تداعيات آخر الزمن الفاتنة ا١تفتو حة السافر ة اليت نعيش فيها اآلف ؛ كلذلك قاؿ اإلماـ أٛتد بن رسبلف يف منظو متو الز بد 36 : فَ ُك َ ا ِإليم َ ن ِ م ن اف فَي ِز ِ َ م ِ يد * فَ َ َلص و َق ل ِب كَا ي ال ِ َفاء َ جدِ ت يدِ ب َك ِ ثػ َ َ رة ا اع والط ِ صاة ا ِت ل * َشه ن ِ ػ ف ِس م لن ِ ا ل َ م ؾِ َر تػ َ و َ ِت وا فَ َ و ػف ِس َشه ةُ الن َ م َ ُو ِب * ذن َ ع ال ت َ جب وِ ُ م ِ ُق اف قَ لُ ةَ ال َ و س و ِب ف ع ِ و إ أَب َ َد ػ قُػػػلُػػ و ِب الن ػػػا ِس * َ ر ن ِ َ م ِّػنا ال قَػ ِم ب ي رحِ ٌب ل قَا ي سِ ا َ َس و األَ ُ ر ِ ئ َ ِؿ عم الَ ُ َخ ا ت ِّ ُص ل ِ * إ َ َع ال م ِّػ ُص الن ِ ُ خل ُث ت ي َ ح ِ ة ي كالقلوب القاسية ىي القلوب الغافلة البعيدة عن ا﵁ تعاىل، كالعلم الذم يقو ـ بتنبيهها من غفلتها كتقر يبها إىل مو الىا الغفو ر الرحيم، ىو ىذا العلم الفريد الذم يريب ا١تريد ك ي ي سلكو على الوجو الصحيح، بو الطرؽ ا١تهلكة ك يأخذه بكل حناف كلطف، ليسَت بو يف ا١تسالك ا١تنجية، ليصل بو يف النهاية إىل كي٬تن آخر ا﵀طة سا١تا آمنا مطمئنا. ك نفهم من ىذا بأف علم التصوؼ يف حد ذاتو ىو علم التنبيو أك علم اٟتقيقة أك علم التزكية أك علم التصفية أك علم التنوير، كىو علم يتوصل بو إىل التحقق من صفاء القلوب كخشو عها يف خدمة موالىا، كتنويرىا بأنواع من الطاعات ك العبادات؛ كذلك بعد ز تكيتها من ٚتيع أنواع الكدكرات ك الرعو نات اليت ٖتو ؿ دكف الو صوؿ إىل الحقيقة الكبر ى و المقاـ األعلى كىو النظر إىل كجو ا﵁ الكرًن سبحانو كتعاىل. كىو هبذا ا١تفهو ـ ىو العلم الوحيد الذم ٯتثل مقاـ اإلحساف الذم عرفو لنا النيب - صلى ا﵁ عليو كعلى آلو كسلم – عندما سألو عنو سيدنا جرب يل عليو السبلـ، فقاؿ يف حديث صحيح : )) أف تعبد اهلل كأنك تر اه فإف لم تكن تراه فإنو يراؾ ((. كىو هبذا يعد جوىر الدين كأساس كل إصبلح مع التأكيد 36 . انظر : كتاب الزبد مع شرحه فتح الرحمن فً شرح زبد ابن رسالن، ج6 ،ص27.
المنها ج الصوفي في اإللصاح و مدى فاعليتو في مواجهة التحديات العصرية 22 على أف ا١تنطلق الرئيسي ١توضوعنا ىذا، ال يكوف إال من القرآف الكرًن الذم قاـ النيب صلى ا﵁ عليو كسلم بتنزيل ا١تقتضى من آياتو البينات على أرض الواقع؛ كذلك من خبلؿ سلو كياتو الربانية كأخبلقياتو العظيمة اليت تعرب بدقة عن مدل فهمو الثاقب ١تراد ا﵁ تعاىل كتطبيقو خطوة ٓتطو ة، حىت استطاع أصحابو األجبلء أف يتابعوا خطواتو العزيزة عن كثب، ك٬تعلو ىا منهاجا علميا يف ضبط فقو الكتاب ك السنة، كسلما يف ترشيد من حو٢تم من الر جاؿ الذين أعطوا ٠تالقهم - بكل إخبلص كنية صادقة - : كالءىم اٟتق ، فأفنوا حياهتم من أجل رفعة ىذا الدين العظيم، كأيقنو ا أف العزة ال تكوف إال ﵁ تعاىل كلرسولو صلى ا﵁ عليو كعلى آلو ك سلم كللمؤمنُت الذين صدقو ا ما عاىدكا ا﵁ عليو، فسادكا يف ا٠تافقُت، كتقدموا يف األمور الدنيوية كاألخر ك ية على قدـ كساؽ. كما ذلك إال بربكة ىذه الًتبية الربانية اليت تركز يف ٣تاؿ اإلصبلح - بالدرجة األكىل - على تغيَت األنفس كإصبلح النفوس اليت ال يتأتى أم إصبلح يف اٟتياة البشر ية كلها إال بعد عبلجها عبلجا شافيا؛ مصداقا لقولو تعاىل: ﴿ ﴾ ] سورة الرعد : 88 ،] كىو ا١تشار إليو بقو لو صلى ا﵁ عليو كعلى آلو كسلم : )) إف في الجسد مضغة إكا لصلحت لصلح الجسد كلو، وإكا فسدت فسد الجسد كلو، أال و ىي القلب (( 37 . ك كل ا١تآسي كالويبلت ك ا١تصائب اليت مرت باجملتمعات اإلسبلمية على مر العصور كالدىور حىت يومنا ىذا، مآ٢تا فساد القلوب، ا١تانع من فهم األسر ار اإل٢تية اليت معرب لكل تقدـ كحضارة يف الدنيا كاآلخر ة؛ ك لذلك تفطن العلماء ا١تصلحو ف على آثار السلف الصاٌف ا١تصلح إىل ك ضع منها ج علمي متكامل يف تصفية القلو ب كتنو ير ىا، فكاف ا١تنها ج الصويف ا١تقتبس من النصوص الشرعية بقواعدىا كضوابطها الربانية، ىو الوحيد الذم يقدر على تلبية مطالبها، كالذم يعترب ْتق : أـ ا١تناىج اإلصبلحية بعد استيعاب كإتقاف الو سائل العلمية كا١تعر فية ك الثقافية ا١تتنوعة اليت تعُت الباحث عن اٟتقيقة على التعامل مع كتاب ا﵁ تعاىل ؛ فهما كعمبل كتفسَت ا كتوجيها كإرشادا. . متفق علٌه. 37
المنها ج الصوفي في اإللصاح و مدى فاعليتو في مواجهة التحديات العصرية 23 ك عملية اإلصبلح يف اإلسبلـ تتسم بطابع االستمرارية عرب الزماف كا١تكاف ؛ إذ أف مهمة الرسل كاألنبياء 38 - عليهم السبلـ – ك ك رثتهم : ىي اإلصبلح ، فقد قاؿ ا﵁ تعاىل على لساف سيدنا شعيب عليو السبلـ [ ﴾ سور ة ىود : 88 عندما أصر قومو على ٥تالفتو : ﴿ [. كىو منها ج قرآين مفر كض على األمة اتباعو إىل يوـ القيامة، كالتهاكف عنو يؤدم إىل ا٢تبلؾ – كما أشار إليو قو لو تعاىل - : ﴿ ﴾ ] سورة ىو د : 887 .] ك قد أناط ا﵁ تعاىل مغفرتو كرٛتتو ٔتن يقوـ باإلصبلح ﴿ [ ﴾ سورة النساء : 829 .] كعطف التقول على اإلصبلح ىنا مؤشر قوم على ضركر ة بناء اإلصبلح يف ٚتيع ٣تاالت اٟتياة على أساس ))التقوى(( ، فبدك نو لن يقو ـ أم بناء، كلن يستقيم أم توجو. كمن ىذا ا١تنطلق ب شر النيب صلى ا﵁ عليو كسلم بالفبلح ١تن أخذ ىذه ا١تهمة السماكية على عاتقو ك قاـ هبا خَت قياـ، كخاصة يف زمن يشيع فيو اٞتهل بالدين كيسود فيو الظلم ك تطغى فيو ا٢تيمنة ا١تادية على حياة الناس ك٘تردكا على منها ج ا﵁ تعاىل، فقاؿ : ))بدأ اإلساـ غريبا ، ثم يعود غريبا كما بدأ ، فطوبى للغرباء، قيل : يا ر سو ؿ اهلل ، ومن الغرباء ؟ قاؿ : الذين ُ ص ي ِ ل ُ حو ف إكا فسد الناس (( 39 . كقد أصبح الفساد يف ىذا العصر ضاربا ّتذكر ه يف أغلب اجملتمعات اإلسبلمية كالعربية، كتسلل إىل ٚتيع اجملاالت ا١تختلفة تظهر آثار ذلك ك اضحا على حياتنا االجتماعية، كالسياسية، كالًتبوية كالتعليمية، كاالقتصادية، كاإلعبلمية، ك غَت ىا من ٣تاالت اٟتياة. ك ىذا الفساد يف حد ذاتو ليس عارضا، كإ٪تا ىو نتيجة ألسباب ك مقدمات تسربت إىل جسد األمة اإلسبلمية فأهنكتو، كأثرت فيو تأثَت ا بالغا. . اقرأ : رجال الفكر والدعوة فً اإلسالم للشٌخ أبً الحسن الندوي، ج6 ،ص44 .واإلصالح اإلداري للدكتور عبد 38 الرحمن الضحٌان، ص3. 39 . أخرجه اإلمام أحمد فً مسنده، ج45 ،ص415 ،رقم الحدٌث: 64470 .واإلمام اآلجري فً كتاب الغرباء، ص 41 ، رقم الحدٌث: 6.
المنها ج الصوفي في اإللصاح و مدى فاعليتو في مواجهة التحديات العصرية 24 فعلى ا١تصلحُت يف ىذه األمة أف يقفوا على أساب ىذا الفساد؛ ليتمكنوا من مواجهتو كحربو كاستئصالو من مكمنو، ك أف ير صدك ا خطوات ا١تفسدين؛ حىت ٬تنبوا اجملمتع خطر ىم كشر ىم بكل كسيلة شرعية تكنة٦ 40 . أخطر أسباب االنحر اؼ والفساد التي تو اجو المصلحين : كأسباب ىذا الفساد كثَتة منها 41 : 1.ا٨تراؼ كثَت من ا١تسلمُت عن الفهم الصحيح لدين اإلسبلـ. 2 .سوء فقو كثَت من ا١تسلمُت للخبلفة ك ضعف كفاءة ا٠تلفاء. 3 .ا٠ترك ج عن منها ج اإلسبلـ يف نظاـ اٟتياة. 4 .انقساـ ا١تسلمُت ك تفرقهم إىل فر ؽ متناحرة. 5 .موت ركح اٞتهاد كضعف أدك اتو. 6 .اٞتمود كالتخلي عن االجتهاد. 7 .اإلقباؿ على متع الدنيا ك نسياف اآلخرة. 8 .انتشار البدع كالتبديع كالضبلؿ ك التضليل. 9 .عجز أك لياء األمور عن تربية أك الدىم. 11 .التخلي عن التقدـ العلمي كتر ؾ األعداء يسيطركف فيو. كيف اٟتقيقة أف ىذه األمور كغَتىا من األسباب، ما ىي إال أسباب ظاىرة للفساد، ك كلها راجعة يف النهاية إىل سبب رئيسي، ك ىو )) الفراغ الر و حي (( الذم ٭ترؾ من الو راء بقوة : ىذه ال ى ظواىر السلبية ا١تنتشرة يف اجملتمع، كال يعاًف ىذه ا١تعضلة كال يصلحها إال االلتزاـ ٔتنها ج ا﵁ تعاىل؛ التزاما صحيحا مبنيا 40 . انظر : منهج القرآن الكرٌم فً إصالح المجتمع للدكتور السٌد محمد ٌوسف، ص 43. 41 . انظر : التراجع الحضاري فً العالم اإلسالمً للدكتورعلً عبد الحلٌم محمود، ص230.
المنها ج الصوفي في اإللصاح و مدى فاعليتو في مواجهة التحديات العصرية 25 على العلم الصحيح كالعمل الصاٌف كالتفاين بإخبلص يف خدمة ىذا الدين العظيم. كىذا الفراغ ىو أـ 42 الكو ارث كلها . ك٢تذا ترل ديننا اٟتنيف يوجو اىتمامو - بالدر جة األكىل - إلصبلح القلوب كتزكيتها، كيبُت لئلنساف أف صبلحهم متوقف على صبلح قلوهبم كإصبلحهم الدائم ٢تا، كشفائهم من األمراض . ك)) اإللصاح (( يف العر ؼ الًتبو م الصويف الر باين ىو )) التزكية (( أك يف 43 ا٠تفية كالعلل الكامنة علم اإلحساف، أك فقو الباطن الذم يعد ركنار كينا، كشعبة عظيمة من شعب اإلسبلـ، كىو من أكرب ا١تهاـ ا٠تطَت ة اليت أنيطت هبا رسالة النيب سيدنا ٤تمد - صلى ا﵁ عليو كسلم -، فقد جاء ذلك يف غَت موضع من القر آف الكر ًن ، قاؿ ا﵁ سبحانو كتعاىل : ﴿ [ ﴾ سورة اٞتمعة : 2 ،] كقد جعل مناط الفبلح يف العناية هبا، كمناط ا٠تيبة كا٠تسراف يف 44 إ٫تا٢تا، فقاؿ - بعد أطوؿ قسم يف القرآف كلو • ﴿ : - [ ﴾ سورة الشمس : 9 - 82 .]كا﵁ سبحانو كتعاىل يف كتابو العزيز عندما يقسم بشيء، فإ٪تا ير يد من ك ر اء ذلك أف ينبهنا إىل موقف بالغ ا٠تطور ة، حىت ال نشقى بو على طوؿ اٟتياة كعرضها، فلقد أعذر من أنذر، ك الت ساعة مندـ، ك ال تلوموا إال أنفسكم. المقصد الثاني ]2 ]ضرورة العو دة إلى المصدرين على منهاج أىل السنة والجماعة فليس أمامنا خيار – إف أر دنا السبلمة يف الدين كالدنيا ك اآلخرة - إال بالعودة إىل ر حاب كتاب ا﵁ - تعاىل - الذم يهدم لليت ىي أقوـ، كالتمسك بسنة نبينا كحبيبنا سيدنا ٤تمد - صلى ا﵁ عليو ك على آلو كسلم -، الذم جاء ليبُت أسرار كتاب ربو عز ك جل ، مع ضرورة األخذ بعين االعتبار: أف األلصل 42 . انظر : منهج القرآن فً إصالح المجتمع للدكتور محمد السٌد ٌوسف، ص45. 43 . انظر : حقابق عن التصوف لسٌدي الحبٌب عبد القادر عٌسى، ص46. 44 . انظر : التزكٌة لألستذ المعاز، 61.
المنها ج الصوفي في اإللصاح و مدى فاعليتو في مواجهة التحديات العصرية 26 في التعامل مع الدستو ر القرآني فقها وتفسيرا، علما وعما : ىو السير على منها ج سلفنا الصالح - رضواف اهلل عليهم -، المشهود لهم بالخيرية كما ثبت يف الصحا ح من غَت كجو أف النيب صلى ا﵁ عليو ك على آلو كسلم قاؿ : )) خير الناس قرني، ثم الذين يلو نهم، ثم الذين يلونهم، ثم يجيء أقو اـ ُق تسب شهادةُ أحدىم ي َ ُ مينو، و يمينو شهاد َ تو (( . ككذلك يدخل يف ىذه القر كف ا٠تَت ة كل 45 ى من تبعهم - عن علم ك عمل ك حاؿ - بإحساف إىل يوـ الدين؛ كىم ا١تعركفو ف بػػ )) أىل السنة و الجماعة ((. ك٦تا ال يعًتينا أم شك يف أف السر يف إثبات )) الخيرية (( ألىل تلك القر ك ف الثبلثة من ا١تسلمُت أهنم ٯتثلوف اٟتلقات القريبة األكىل من السلسلة ا١توصولة بينبوع النبوة كتعاليم الرسالة، فالحلقة األولى منها مظهر لذلك الرعيل األك ؿ الذم تلقى أفراده عقائد اإلسبلـ كمبادئو من سيدنا رسوؿ ا﵁ صلى ا﵁ عليو كعلى آلو كسلم مباشر ة، ك استقر ت أحكامو كآدابو الربانية يف عقو٢تم كأفئدهتم صافية عن شوائب االبتداع ك كدك ر ات الوساكس ك األك ىاـ؛ كمن ىنا كانت العقيدة بصفائها يف ز ماهنم مصدر ٚتع للكلمة. والحلقة الثانية منها ٘تثل التابعُت الذين غمرىم ضياء النبوة باتباعهم ألصحاب ر سو ؿ ا﵁ صلى ا﵁ عليو كعلى آلو ك سلم، كاالتبا ع هبديهم ، ك النيل من إشراقاهتم اليت ا كتسبوىا من رؤ ية ىذا النيب العظيم - عليو أفضل الصبلة ك أمت التسليم -، ك٣تالستو ك التأثر بوصاياه كنصائحو. أما الحلقة الثالثة ك ىي ٘تثل تابعى التابعُت، فقد كاف إيذانا بنهاية مرحلة الصفاء الفكرم ك خلوص الفطر ة اإلسبلمية من الشوائب الدخيلة حيث بدأ يف ىذا الوقت ظهور البد ع ظهورا فاشيا -كما أشار ت إليو تتمة حديث ا٠تَت ية -. كتتابعت الفرؽ الضالة تشذ عن صراط تلك العصو ر الثبلثة، كل قرقة تشق لنفسها عن ذلك الصر اط العريض سبيبل متعرجا تقف على فمو ك تدعو إليو؛ ٥تالفة بذلك قو ؿ ا﵁ عز ك جل : ﴿ [ ﴾ األنعاـ : 853 .] كظلت رياح األىواء كالبدع كالضبلالت، تتكاثر كتتسع بعد ذلك ، من عصر إىل آخر، إىل يو منا ىذا. مصداقو قو ؿ رسوؿ . أخرجه اإلمام البخاري فً صحٌحه، ص446 ،رقم الحدٌث: 4434 ،كتاب الشهادات، باب ال ٌشهد على شهادة جور 45 إذا د ِ شه ُ أ ، واإلمام مسلم فً صحٌحه، ج2 ،ص6741 ، رقم الحدٌث : 4311 ،كتاب فضابل الصحابة، من حدٌث سٌدنا عبد هللا بن مسعود مرفوعا.
المنها ج الصوفي في اإللصاح و مدى فاعليتو في مواجهة التحديات العصرية 27 ا﵁ صلى ا﵁ عليو ك على آلو ك سلم فيما ركاه اإلماـ البخارم، عن سيدنا أنس بن مالك - رضي ا﵁ عنو - : )) ال يأتي عليكم زماف إال والذي بعده أشر منو حتى تلقوا ربكم (( 46 . كىذه اٟتقيقة اليت ال ريب فيها تدعونا إىل أف نر بط عقولنا ك سلوكنا بر ابطة الوالء للسلف الصاٌف، 47 كاالقتداء هبم يف سلوكهم، كاالستفادة من منهجهم اٞتامع بُت الشريعة ك اٟتقيقة ، الظاىر كالباطن، الدنيا كاآلخر ة، القادر على نفي ٖتريف الغالُت، كانتحاؿ ا١تبطلُت، كتأكيل اٞتاىلُت عن ساحة كتاب ا﵁ تعاىل كسنة نبيو - صلى ا﵁ عليو كسلم -. كمل ٧تد - بعد انقضاء العصور ا١تشهود ٢تا با٠تَت ية - منهاجا تتحقق فيو الكفاءة ا١تنشو دة إلصبلح آليات التعامل مع كتاب ا﵁ تعاىل يف البحث العلمي، إال ذلك المنها ج الصوفي الرباني الذم ترنو إليو – على الدك اـ - جباه العلماء الربانيُت الذين ٚتعو ا بُت العلم كالعمل كاإلخبلص، كاستمدك ا من نوره يف إصبلح األمة، كسار عليو ا١تصلحوف يف اإلرشاد ك التوجيو عرب العصور؛ فانتشر يف أرجاء ا ي ١تعمورة نور اإلسبلـ ك اإلٯتاف ك اإلحساف بفضل ىذا المنهج العملي الواقعي الرباني، ال بفضل قوة السيف كاإلكراه، كما يدعيو أعداء اإلسبلـ كاإلنسانية عن جهل كحسد كطغياف. المقصد الثالث ]3 ]خطورة غياب المنها ج الصو في عن ساحة العمل اإللصاحي إف غياب ىذا ا١تنها ج عن ساحة العمل اإلسبلمي عموما، كيف التعامل مع كتاب ا﵁ تعاىل خصوصا، جعل األمة اإلسبلمية ٦تزقة من الداخل إىل فر ؽ متناحر ة متقاتلة متخاصمة، كل يرل نفسو على صواب، كاآلخر على ضبلؿ مبُت بدك ف حجة ك بر ىاف؛ بل إف كل كاحد من ىؤالء ا١تنحر فُت، يسوغ لنفسو ما ينصر ا٨ترافو كضبللو بتأك يبلت باطلة من القرآف الكر ًن ؛ فنتج عن ذلك: ظهو ر اآلراء كاالٕتاىات اجملانبة للحق يف فهم كتاب ا﵁ تعاىل؛ ك كل ذلك سببو الر ئيس : ا٠تر اب الداخلي النفسي؛ . انظر : فتح البارئ ، ج61 ، ص44 ، رقم الحدٌث : 5046 ، كتاب الفتن ، باب ال ٌؤتً زمان إال الذي بعده شر منه. 46 47 . انظر : السلفٌة للدكتور محمد سعٌد رمضان البوطً ، ص60.
المنها ج الصوفي في اإللصاح و مدى فاعليتو في مواجهة التحديات العصرية 28 فكاف ا١تنها ج الصويف السٍت – بعد إتقاف ا١تنها ج العلمي النظر م يف التعامل مع القرآف الكرًن كسنة نبيو صلى ا﵁ عليو ك سلم - ىو الضماف الو حيد – بشهادة التار يخ كالو اقع ا١تعاش – إلنقاذ أمتنا من ا١توقف ا١تتأر جح ك التشقق الداخلي، كإرجاعها إىل الرشد كاإلنصاؼ التاـ القادر على نصر ة اٟتق؛ ألف اىتمامو منصب على اإلصبلح الداخلي قبل ا٠تار جي بفضل تو جيو من القرآف الكرًن : ﴿ ﴾ ] سورة الرعد : 88]؛ إذ التغيَت كاإلصبلح الداخلي ا١تفهوـ من ىذه اآلية الكر ٯتة، ٭تتل األكلو ية كالصدار ة قبل كل شيئ، كقد أكده ذلك سيدنا ر سوؿ ا﵁ صلى ا﵁ عليو كسلم عندما يقوؿ يف حديثو الصحيح : )) إف في الجسد مضغة إكا لصلحت لصلح الجسد 48 كلو، وإكا فسدت فسد الجسد كلو، أال وىي القلب (( ، ك من ىنا تظهر جليا أ٫تية ا١تنها ج الصو يف يف اإلصبلح كالتغيَت. المقصد الرابع ]4 ]التصوؼ حقيقتو و وظيفتو األساسية لقد ضاعت اٞتهو د العلمية يف ٤تاك لتها للتعرؼ على األصالة االشتقاقية لكلمة التصوؼ كفشلت يف ٖتديد انتمائها اللغوم، إال أهنا قد توصلت يف النهاية إىل كضع تعريفات لعلم التصو ؼ؛ بناء على شيو ع ىذه الكلمة يف األكساط اإلسبلمية العامة كػ )) رمز للعزو ؼ عن الدنيا واإلقباؿ على اآلخر ة ((. كمعر فة ىذا ا١تقصد يتوقف على معرفة عناصره. أىم العنالصر لمعرفة التصوؼ وأيسر الطرؽ للولصوؿ إلى المشاىدة : كعلى الرغم من تعدد العبارات اليت تتجو الو جهة الصحيحة للتعبَت عن حقيقة التصوؼ غَت أهنا ال ٗتر ج من دائرة ا١تعٌت الرمزم كاإلشارم الذم ال ٮتضع - ْتاؿ من األحواؿ - للموازين اللغو ية؛ كأٚتع 48 . متفق علٌه.
المنها ج الصوفي في اإللصاح و مدى فاعليتو في مواجهة التحديات العصرية 29 التعريفات ٢تذا ا١تصطلح ما قالو اإلماـ أبو بكر الكتاين ا١تتوىف سنة 322ىػ، من أف التصوؼ صفاء كمشاىدة. ك ىذه العبارة على ك جازهتا - كما قاؿ اإلماـ األكرب الشيخ عبد اٟتليم ٤تمو د - نت يف 49 ٌ قد كو ك حدة متكاملة : عنصرين لتعر يف التصو ؼ. أحدىما : الوسيلة، وىي الصفاء. و الثاني : الغاية، وىي المشاىدة. ك التصوؼ من ىذا التعريف طريق كغاية. كطريقو يتضمن نواحي كثَتة تشَت إليها تسميتها نفسها ، كلعل ذلك من األسر ار اليت كانت السبب يف ىذه التسمية، ك اٗتاذىا عنوانا على ىذه الطائفة. لقد قاؿ ٚتاعة : إ٪تا ٝتيت )) صوفية (( ؛ لصفاء أسرارىا، كنقاء آثارىا. كقاؿ الشيخ بشر بن اٟتارث : الصويف من صفا قلبو ﵁. كقاؿ بعضهم : الصويف من صفت ﵁ معاملتو، ك صفت من ا﵁ عز ك جل كرامتو. ك ىؤ الء يهدفوف إىل أف كلمة : )) الصو فية (( إ٪تا تشَت إىل الصفاء. كىذه اإلشار ة ال ٗتضع ١تقاييس اللغة، كما دامت )) إشارة ((، فإنو من التعسف أف ٬تادؿ إنساف يف أمر انسجامها مع اللغة، كعدـ انسجامها. كيقوؿ قو ـ : إهنم إ٪تا ٝتوا : )) صوفية ((؛ ألهنم يف الصف األكؿ بُت يدم ا﵁ عز كجل، بارتفاع ٫تمهم إليو، ك إقبا٢تم بقلوهبم عليو، ككقو فهم بسرائر ىم بُت يديو. ك ىؤالء إ٪تا يعرب كف عن إشارة الصوفية إىل الصف؛ لكوهنم يف الصف األكؿ يف العمل على الوصوؿ إىل ا﵁ تعاىل كاٞتهاد يف سبيلو. 49 . راجع : قضٌة التصوف : المنقذ من الضالل ، ص 16 – 25.
المنها ج الصوفي في اإللصاح و مدى فاعليتو في مواجهة التحديات العصرية 30 أما إشارة الكلمة إىل )) أىل الصفة ((، الذين كانوا على عهد ر سو ؿ ا﵁ صلى ا﵁ عليو ك سلم ، فإ٪تا تشَت إىل أكصافهم من العبادة، كالتهجد، كعدـ الطمع يف الدنيا، كاستعدادىم الدائم للجهاد يف سبيل ا﵁. كتشَت الكلمة للصفة : أم الصفة الكرٯتة، اليت ال يتعلق فيها القلب با١تادة، كإ٪تا يتعلق با﵁ تعاىل. ك كل ذلك إ٪تا ىو حديث عن الوسائل، على أف ىذه الو سائل اليت تشَت إليها الكلمة ٢تا كسائل أخر. ىذه الوسائل منها ما يعربكف عنو بقو٢تم : ى يك )) ال ٯت ً ل ي يك كال ٯت لى ((. ك يعنوف بذلك أنو )) ال يسًتقو الطمع .)) ك ىذه الكلمة ٢تا مدلوؿ كاسع، ىو أف يتحر ر اإلنساف من الدنيا، حىت كلو ملكها عريضة، يتحرر من اٞتاه، من االنغماس يف ا١تلذات، من اٞترم ك ر اء ا١تاؿ، من حب السلطاف كالسلطة، من حب الًت ؼ، من الصفات اليت تتناىف مع الفضيلة . وخاتمة المطاؼ في ىذه الوسائل : أهنا تؤدم إىل الصفاء، فإذا ما حل الصفاء كاف عند اإلنساف استعداد كامل للمشاىدة، فيجود ا﵁ عليو هبا، إف شاء . ىذه المشاىدة ىي أٝتى درجات ا١تعرفة، كىي الغاية النهاية أك غاية الغايات أك الغاية الكرب ل الىت يسعى كر اءىا ذكك الشعو ر ا١تر ىف، كالفطر ا١تبلئكية، كالشخصيات الربانية. فالتصوؼ إذف يف حد ذاتو معرفة، كىي أٝتى درجات ا١تعر فة بعد النبوة، إنو مقاـ ا١تشاىدة، كىو طر يق 50 إىل ا١تشاىدة . والطريق إلى المشاىدة – كما نقل حجة اإلسبلـ اإلماـ أبو حامد الغز ايل يف كتابو ا٠تالد )) إحياء علو ـ الدين (( عن أىل التصوؼ – : ىو )) تقديم المجاىدة، و محو الصفات المذمومة، وقطع العائق كلها، واإلقباؿ بكنو الهمة على اهلل تعالى. ومهما حصل كلك كاف اهلل المتو لي لقلب عبده، و المتكفل لو بتنو يره بأنوار العلم. وإكا تولى اهلل أمر القلب فاضت عليو الر حمة، و أشرؽ 50 . قضٌة التصوف : المنقذ من الضالل ، ص 23.
المنها ج الصوفي في اإللصاح و مدى فاعليتو في مواجهة التحديات العصرية 31 النو ر في القلب وانشرح الصدر، وانكشف لو سر الملكوت، وانقشع عن وجو القلب حجاب 51 الغرة بلطف الرحمة، وتألألت فيو حقائق األمور اإللهية (( . و إكا حصل ىذا بالفعل - بعد التحقق ْتقائق العلوـ الشرعية - كانت ا١تشاىدة. كا١تشاىدة ىي الوصو ؿ إىل اٟتقيقة الكربل، ك ىي الغاية اليت ينشدىا الصوفية، ك ىي أيضا ٖتقيق ك اقعي للتعبَت الذم ننطق بو يف كل آكنة حيثما نقوؿ : )) أشهد أف ال إلو إال اهلل ((. فالشهادة ىي غاية الصويف ا١تتحقق، ك ىو إ٪تا يسعى جاىدا إليها بشىت الو سائل؛ ليحقق بالفعل مضمو ف ما يلفظ بو قو ال، أك يقولو حركفا. كإذا ظهرت )) آثار ىذه المشاىدة (( على حياة اإلنساف ٖتقق عنده صدؽ عبوديتو كتوجهو إىل ا﵁ تعاىل. كإذا ٖتقق ىذا الصدؽ كاقعيا ٖتققت ٤تبتو يف ربو عز كجل. كا﵀بة )) لصر اط األولياء (( على حد تعبَت العارؼ با﵁ الشبلي، ك٢تا عبلمات كشركط عند الصوفية لن تتحقق بدك هنا. وشاىدىا : ىو اٟتديث القدسي الذم ر كاه اإلماـ البخارم يف صحيحو 52 ، عن أيب ىريرة، قاؿ : قاؿ رسوؿ ا﵁ - صلى ا﵁ عليو ك سلم - : )) إف اهلل قاؿ : من عادى لي وليا فقد آكنتو بالحرب ، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افتر ضت عليو، وما يزاؿ عبدي يتقر ب إلي بالنو افل حتى أحبو، فإكا أحببتو : كنت سمعو الذي يسمع بو، وبصره الذي يبصر بو، ويده التي يبطش بها، ورجلو التي يمشي بها، وإف سألني ألعطينو، ولئن استعاكني ألعيذنو، وما ترددت عن شيء أنا فاعلو ترددي عن نفس المؤمن، يكر ه الموت و أنا أكر ه مساءتو ((. ففي ىذا اٟتديث الشريف يبدأ ا﵁ سبحانو ك تعاىل بالتوجيو يف قوة إىل صفاء القلب كطهارة النية بالنسبة ألكليائو. كأكلياؤه ىم ﴿ الذين آمنو ا و كانو ا يتقو ف ﴾. كمن عاداىم فإ٪تا يعادم ا١تؤمن التقي. كنتيجة ىذه العداكة إعبلف اٟتر ب اليت ال ىوادة فيها على كل من ٭تاكؿ إيذاء كيل من أكليائو. مث يرسم ا﵁ تعاىل الطريق إىل حبو. كأوؿ خطوة في ىذا الطريق : أداء ما افًتضو علينا. كلن يتأتى حب ا﵁ سبحانو ك تعاىل دك ف الشر ط األوؿ : شر ط القرب منو كىو أداء الفرائض؛ إذ اٟتب دكف أداء الفرائض زيف ك كذب، بل إف أداء الفرائض شرط الز ـ ك تعبَت كاقعي عن حسن الظن با﵁ تعاىل؛ فلقد 51 . إحٌاء علوم الدٌن، ج 1 ،ص 66 ،فً بٌان الفرق بٌن اإللهام والتعلم . 52 . صحٌح البخاري - كتاب الرقاق باب التواضع - حدٌث:4625.
المنها ج الصوفي في اإللصاح و مدى فاعليتو في مواجهة التحديات العصرية 32 ترؾ قو ـ العمل ك قالوا : ٨تن ٨تسن الظن با﵁. ككذبوا كما يقوؿ رسو ؿ ا﵁ - صلى ا﵁ عليو كسلم - : )) لو أحسنو ا الظن ألحسنو ا العمل ((. كال بد من أداء الفرائض ؛ كإال ١تا كاف ١تهملها إىل القر ب من ا﵁ تعاىل من سباقية . كمع أداء الفرائض – يف ك جوب القرب – اإل كثار من النو افل، فإذا أكثر من النوافل أحبو ا﵁ تعاىل: )) وما يزاؿ عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبو ((. ك يًت تب على حب ا﵁ تعاىل للعبد: ي ىذا ا٠تَت الكثَت الذم ذ كر ه ا﵁ تعاىل يف اٟتديث القدسي 53 . المقصد الخامس ]5 ]المحبة الصادقة عامل أساسي في إلصاح النفس 54 كلقد كفق العبلمة ا﵀قق أٛتد بن ٤تي الدين اٟتسٍت اٞتزائرم يف التعبَت عن مدل )) تأثير المنها ج الصو في في إلصاح النفس (( الذم كاف سببا يف ٤تبة ا﵁ تعاىل لعبده، كىي بدك ر ىا تكوف عامبل فعاال لتنز ؿ الر ٛتات كالفيو ضات اإل٢تية كاألسر ار الربانية على ىذا ا﵀بوب، فقاؿ : )) كإذا أحب ويف كا١تلواف ا و جوده الك يف اٟتق تعاىل عبده ص َته إكسَتا تنقلب بنظرة من نظراتو األعي كيزىو ب 55 ؛ ى فالشخص إذا ا٧تلى قلبو بالر ياضات ك كثرة الذكر كإدماف الفكر ساد السياد ة ا١تطلقة العامة كبدت عليو لو ائ ي ح القبوؿ بُت الناس عامتهم ك خاصتهم كأيلب ى ىب اٞتماؿ كالبهاء ك الكماؿ؛ كذلك لصقالة قلبو س ثو كتعلقو يف ٚتيع أكقاتو بربو كعبل شأنو كتنور كو نو كبزغت مشسو ك٪تا غر سو ك ذىب ٨تسو، فهنيئا لو ٔتا ناؿ و من منح الكبَت ا١تتعاؿ؛ إذ قد انطبعت يف قل ًره األ بو لتن ي مور الغيبية كاألشياء ا١تلكوتية كالعلوـ الوىبية، كظهر ت عليو آثار األلوىية ((. كمن ىنا كانت )) المحبة ىي الغاية القصوى من المقامات ((، كالذركة العليا من الدر جات 56 اليت يتسابق إليها الصو فية الربانيو ف الصادقو ف السائركف دكما على منها ج قولو تعاىل : ﴿ 53 . انظر : لطابف المنن للعارف باهلل ابن عطاء هللا السكندري مع تعلٌقات اإلمام عبد الحلٌم محمود، ص44. 54 . فً كتابه : نثر الدر وبسطه فً بٌان كون العلم نقطة، ص34. 55 . الملوان : اللٌل والنهار. . قال حجة اإلسالم أبو حامد الغزالً فً إحٌاء علوم الدٌن ] 2 /435 (( : ] ان المحبة هلل هً الغاٌة القصوى من 56 المقامات والذروة العلٌا من الدرجات فما بعد إدراك المحبة مقام إال وهو ثمرة من ثمارها وتابع من توابعها كالشوق واألنس والرضا وأخواتها وال قبل المحبة مقام إال وهو مقدمة من مقدماتها كالتوبة والصبر والزهد وغٌرها ((.
المنها ج الصوفي في اإللصاح و مدى فاعليتو في مواجهة التحديات العصرية 33 [ ﴾ سور ة آؿ عمراف : 79.] 57 أم بالعلم كالدراسة كالتطبيق . كيربط أسبلفنا – ر ضو اف ا﵁ عليهم – ربطا ٤تكما بُت ٤تبة ا﵁ سبحانو كاتبا ع رسوؿ ا﵁ صلى ا﵁ عليو كسم؛ متناسقُت يف ذلك مع تو جيو ا﵁ سبحانو ﴿ [ ﴾ سور ة آؿ عمرف : 31 .] كىذا الربط معناه : )) الربط بين محبة اهلل تعالى والعمل يت ((. ك مقدما ٤تبة ا﵁ تعاىل – يف تو فيقو لعبده – ابتداء، ىى العمل، كىو من نتائج ٤تبة ا﵁ – تعاىل - انتهاء ؛ كالعمل ا١تطلوب يف اإلسبلـ ىو العمل الصاٌف، كىو ا١توافق ١تا يف كتاب ا﵁ كسنة 58 رسو لو صلى ا﵁ عليو كعلى آلو كسلم؛ نصا أك استنباطا، على مرسوـ ا١تنهاج الصحيح. قاؿ اإلماـ اٟتسن البصرم : قاؿ أقواـ على عهد نبيهم : كا﵁ يا ٤تمد ] صلى ا﵁ عليو كسلم [ إنا لنحب ربنا، فأنزؿ ا﵁ عز كجل يف ذلك قر آنا، فقاؿ : ﴿ قل إف كنتم تحبو ف اهلل فاتبعوني يحببكم اهلل ، مث جعل على كل 59 ويغفر لكم﴾، فجعل اتباع نبيو صلى ا﵁ عليو ك سلم علىما ٟتبو، كك ذب من خالفو ذبو، فإذا قاؿ العبد قوال حسنا كعمل عمبل حسنا رفع ا﵁ قولو قو ؿ دليبل من عمل يصد قو، أك يك بعملو، كإذا قاؿ العبد قوال حسنا كعمل عمبل سيئا رد ا﵁ القوؿ على العمل؛ كذلك يف كتابو : ﴿ ﴾ 60 ] سو ر ة فاطر : 82.] فمن )) لصدؽ المحبة (( اتب ي اع رسوؿ ا﵁ صلى ا﵁ عليو كسلم يف ىديو كز ىده ك أخبلقو ك التأسي بو يف األمور كلها، كاإلعراض عن الدنيا كزىرهتا كهبجتها؛ فإف ا﵁ عز كجل جعل سيدنا ٤تمدا - عليو 57 . انظر : أصول الوصول لشٌخنا اإلمام سٌدي الحبٌب محمد زكً إبراهٌم، ص444. 58 . انظر : لطابف المنن للعارف باهلل ابن عطاء هللا السكندري مع تعلٌقات اإلمام عبد الحلٌم محمود، ص44. 59 . وفً األصل المطبوع ] من خالفها [ بضمٌر المإنث؛ وما أثبتناه هو الصواب. . أخرجه اإلمام ابن المنذر بهذا اللفظ فً كتاب تفسٌر القرآن، ج 6 ،ص647 .وأخرج نحوه اإلمام الطبري فً جامع 60 البٌان، ج1 ،ص454 .وأورده اإلمام السٌوطً مختصرا فً لباب النقول، ص26 ،وعزاه إلى ابن المنذر به.
المنها ج الصوفي في اإللصاح و مدى فاعليتو في مواجهة التحديات العصرية 34 الصبلة كالسبلـ - علما كدليبل ك حجة على أمتو. ك من صدؽ ا﵀بة ﵁ تعاىل إيث ي ار ٤تبة ا﵁ عز كجل يف ٚتيع األمور على نفسك كىواؾ، كأف تبدأ يف األمور كلها بأمر ه قبل أمر نفسك 61 . كأحسن ما قيل يف التعبَت عن )) المحبة عند السادة الصو فية (( ما قالو اإلماـ الشبلي الصويف : (( المحبة اتبا ع أو امر المحبوب، وتجنب نو اىيو، و مع كلك فيجب الصدؽ واإلخاص، وكتماف الحاؿ مع بذؿ الجهد في المجاىدة، ثم بعد كلك ال تولصل للمحبوب إال بفضلو ((، لقولو تعاىل ﴿ : قُل ف ِ َف إ ال الل َدِ ي ِ ب َ ضل ِ و ي ِ ُ ؤت يػ َ م ِ و َن ي َ و ُ َشاء َ ُ و و الل ي ِ ل َ ٌ ع ع اسِ ٌ م ﴾ ] سورة آؿ عمر اف : 73.] المقصد السادس ]6 ]أساس المنهاج الصوفي عند علماء الحقيقة ك ىذا يعٍت أف )) أساس المنها ج عند الصوفية (( ىو االلتزاـ التاـ بالشريعة اإلسبلمية ك االقتداء بر سوؿ ا﵁ صلى ا﵁ عليو كعلى آلو كسلم على أحسن كجو، مع تفويض األمر كلو إليو؛ ظاىر ا كباطنا، : إف 62 كلذلك قاؿ العبلمة ا﵀قق اٟتبيب السيد أٛتد بن ٤تي الدين بن مصطفى اٟتسٍت اٞتزائرم - رضي اهلل عنهم – مانالوا الذي نالو ه إال بالمحافظة على الحدود 63 السادة الصوفية ال ُك مل ، ولصدؽ النية، ولصفاء 64 اإللهية المحافظة التامة مع لصفاء القلب وتعلقو بالرب، وجمع الهمة الطوية، والمثابرة على الخدمة، ودواـ الحضور مع الحق تعالى، ومراقبتو و نهاية المجاىدة؛ طلبا للتقر ب إليو والتولصل لرضاه، وجميل مشاىدتو، و مواددتو، و مو الصلتو. يقوؿ قائلهم : من فاتو ال ُ ُ ولصل منك حظ و الندـ • مو تسمو بو ال ِه ومن تكن ى َ م ُ م 61 . انظر : لطابف المنن للعارف باهلل ابن عطاء هللا السكندري مع تعلٌقات اإلمام عبد الحلٌم محمود، ص44. 62 . فً كتابه: نثر الدر وبسطته، ص35. . ٌعنً السادة الصوفٌة. 63 64 . والهمة عند الصوفٌة – كما فال اإلمام عبد الحلٌم محمود – هى التشمٌر والجد فً العبادة.
المنها ج الصوفي في اإللصاح و مدى فاعليتو في مواجهة التحديات العصرية 35 كىذا دائما ما ٬توؿ ٓتواطر ىؤالء الكمل؛ لتماـ تيقظهم، كذىاب نو مهم، ك زك اؿ غفلتهم، ك٘تاـ خدمتهم لسيدىم ؛ بغية الوصوؿ إىل رضاه ك٤تبتو، قاؿ اٟتبيب ا١تصطفى - صلى ا﵁ عليو كعلى آلو كسلم - : ، كقاؿ ا﵁ تعاىل: ﴿ 65 (( احفظ اهلل يحفظك، احفظ اهلل تجده تجاىك (( َ ين ذِ ال َ و َ َج ُد اى ِ َ وا ف ينا لَ دِ َه نػ ُم ن ػه َ يػ ُ بػ ُ ا َ َ س لَن لَ ِ ف الل َ وإ و َ م َ ع َ ين ِ ُ ح ِسن ال م ﴾ ] سو رة العنكبوت: 69.] المقصد السابع ]7 ]المجاىدة والمحبة الصادقة طريق إلى مقاـ اإلحساف كىذا يعٍت أف المجاىدة بوسائلها ا١تشر ك عة سبيل ٤تقق للوصوؿ إىل )) مقاـ اإلحساف ((، كىو ا١تقاـ الذم ٭تقق للعبد ا﵀سن ا١تقبل على ر بو بكليتو: كماىؿ اٟتضو ر مع ا﵁ عز كجل، كمراقبتو اٞتامعة ٠تشيتو، ك٤تبتو ك معر فتو، ك اإلنابة إليو، كاإلخبلص لو، كٚتيع مقامات اإلٯتاف 66 . كإذا كصل العبد إىل ىذا ا١تقاـ أقبل ا﵁ عليو بعطفو كرٛتتو – كما أشار إليو العبلمة ابن قيم اٞتوزية يف 67 كتابو طر يق ا٢تجرتُت -، ك يكوف ٤تبو با عنده عز ك جل، فإذا أحبو استنار ت جهاتو، كأشرقت ساحاتو، كتنو رت ظلماتو، ك ظهر عليو آثار إقبالو من هبجة اٞتبلؿ ك آثار اٞتماؿ، كتوجو إليو أىل ا١تؤل األعلى با﵀بة كا١تواالة؛ ألهنم تبع ١توالىم، فإذا أحب عبدا أحبوه، كإذا كاىل ك اليا كالوه، فقد كرد عن النيب صلى ا﵁ عليو كعلى آلو ك سلم أنو كاف يقو ؿ: )) إكا أحب اهلل العبد نادى: يا جبريل، إني أحب فانا، فأحبو، فيحبو جبر يل، فينادي جبر يل في أىل السماء: إف اهلل يحب فانا فأحبوه، فيحبو أىل 68 السماء، ثم يحبو أىل األرض، فيوضع لو القبوؿ بينهم (( ، ك ٬تعل ا﵁ قلوب أكليائو تفد إليو بالود كا﵀بة ك الر ٛتة، كناىيك ٔتن يتوجو إليو مالك ا١تلك ذك اٞتبلؿ ك اإل كراـ ٔتحبتو، كيقبل عليو بأنوا ع كرامتو، كيلحظ ا١تؤل األعلى كأىل األرض بالتبجيل ك التكرًن، كذلك فضل ا﵁ يؤتيو من يشاء، كا﵁ ذك الفضل العظيم؛ وىذا ىو اإلنساف المنتظر إلنقاكنا مما نحن فيو. . أخرجه اإلمام الترمذي وقال: هذا حدبث حسن صحٌح، وأقره اإلمام النووي فً كتاب األربعٌن، رقم الحدٌث )67 .)65 66 . انظر: مدارج السالكٌن البن القٌم، ج4 ص210. 67 . انظر : طرٌق الهجرتٌن وباب السعادتٌن، ص116. 68 . أخرجه البخاري ) 60/246 )ومسلم 4453.
المنها ج الصوفي في اإللصاح و مدى فاعليتو في مواجهة التحديات العصرية 36 المقصد الثامن ]8 ]المنها ج الصو في و إلصاح آليات التعامل مع كتاب اهلل تعالى ك يتضح ٦تا سبق أف )) التصوؼ ىو المنها ج الرباني الفر يد في اإللصاح ((؛ إذ أف سائر األعماؿ ال بد من أف توزف ٔتيزانو، كأف عدـ القدر ة على االنسجاـ مع متطلباتو - من حساسية يف الضمَت، كشفافية يف الشعور، ك خشية مستمرة، ك حذر دائم، كغَت ىا من الوسائل اليت ٘تكن السائرين إىل ا﵁ تعاىل من اقتبلع أشواؾ الر غائب كالشهوات، كأشو اؾ ا١تطامع ك ا١تطامح، ك أشواؾ ا١تخاك ؼ كا٢تواجس ، اليت 69 تكدر صفاء قلوهبم - يكوف الفشل ٤تققا. كالعكس بالعكس؛ كمن ىنا تعر ؼ سر قوؿ النيب صلى ا﵁ عليو كسلم بصفة أك ضح من ذم قبل : )) إف في الجسد مضغة : إكا لصلحت لصلح الجسد كلو ، 70 وإكا فسدت فسد الجسد كلو ، أال وىي القلب (( . كىذا يعٍت أف مجاؿ التخصص لعلم التصوؼ ىو القلوب وأف وظيفتو تصفية النفوس من الركائل وتزكيتها بالفضائل؛ كذلك حىت تكوف أكعية للعلو ـ الربانية كا١تعار ؼ اإل٢تية، كىو يف الوقت نفسو يعطينا انطباعا عاما على أف القلب إذا مل ينصلح بناؤ ه على الوجو الذم يريده فاطره - سبحانو كتعاىل -، فإف أم بناء بعد ذلك يكوف عرضة لبلهنيار كما نشاىده اليوـ يف العامل الغر يب ا١تادم، كمن حذا حذك ىم. المقصد التاسع ]9 ]التصو ؼ مطلب ضر وري لفقو كتاب اهلل تعالى و تفسير ه 69 . اقرأ : فً ظالل القرآن للمفكر اإلسالمً سٌد قطب، ج6 ،ص17. 70 . سبق تخرٌجه.
المنها ج الصوفي في اإللصاح و مدى فاعليتو في مواجهة التحديات العصرية 37 كعلى ىذا األساس جعل العلماء الر بانيوف : التصو ؼ شرطا أساسيا على من أر اد أف يتصدى لتفسير كتاب اهلل تعالى والبحث عن مقالصده التي تولصلك إلى معرفة : حقيقة و جودؾ في العالم الواقع معرفة يقينية، مع التنبيو على أف ىذه األدك ات التفسَت ية كالتأكيلية مهما بلغت با١تتخصصُت يف الظاىر إىل القمة، فإهنا لن يتم تو ظيفها على الو جو ا١تطلوب إال بعد تصفية الضمائر من الر عو نات اليت ٘تنع نور ا﵁ تعاىل أف تنفذ إىل القلوب اليت ىي أك عية للعلوـ كا١تعارؼ، كصدؽ ا﵁ [ ﴾ تعاىل إذ يقوؿ : ﴿ سورة األعراؼ : 846 .]كالكربياء من أكرب األمر اض القلبية اليت تعادم اٟتق كٖتاربو. كمن أركع العبارات اليت تعرب عن كاقع اإلنساف ا﵀جوب عن نو ر ا﵁ تعاىل، ما قالو العامل الرباين قطب العارفُت ك مر شد السالكُت ابن عطاء ا﵁ السكندرم )ا١تتوىف سنة 729ىػ( يف كتابو )) الحكم (( الذم يعد من أبرز الدساتَت األخبلقية يف عامل الًت بية كالتعليم : (( كيف يشر ؽ قلب لصور األكواف منطبعة في مرآتو؟ أـ كيف يرحل إلى اهلل وىو مكبل بشهواتو ؟ أـ كيف يطمع أف يدخل حضرة اهلل وىو لم يتطهر من جنابة غفاتو؟ أـ كيف ير جو أف يفهم دقائق األسر ار و ىو لم يتب من ىفو اتو ؟! (( 71 . كىذا تصو ير بليغ عن مدل استحالة اٞتمع بُت الضدين، كاجتماع اٟتركة كالسكوف، كالنور كالظلمة، ك ا٢تدل ك الضبلؿ، كا٠تَت كالشر. كيف ىذا يقو ؿ اإلماـ أبو عبد ا﵁ النفرم الر ندم أحد شر اح اٟتكم 72 العطائية )ا١تتوىف سنة 792ىػ( يف سبيل ٕتلية ىذه اٟتقائق : )) ك ىذه األشياء اليت ذ كرىا ا١تؤلف - رٛتو ا﵁ تعاىل – أضداد ال ٕتتمع؛ فإف إشراؽ القلب بنور اإلٯتاف كاليقُت مضاد للظلمة اليت استو لت ه عليو من ركونو إىل األغيار كاألكو اف كاعتماده عليها. كا١تسَت إىل ا﵁ تعاىل بقطع عقبات النفس مضاد لبلعتقاؿ يف حبس ا٢تو ل ك الشهو ات. ك دخوؿ حضرة ا﵁ ا١تقتضية لطهار ة الداخل كنزاىتو م ١ت ه ضاد ا ىو 71 . الحكم العطابٌة، ص604. 72 . فً كتابه : غٌث المواهب العلٌة فً شرح الحكم العطابٌة، ج6 ،ص66.
المنها ج الصوفي في اإللصاح و مدى فاعليتو في مواجهة التحديات العصرية 38 عليو من جنابة غفبلتو اليت مقتضاىا اإلقصاء ك اإلبعاد. كفهم دقائق األسرار ا١تستفاد من التقول مضاد لئلصر ار على ا١تعاصي كا٢تفوات؛ كإليو اإلشارة بقولو – عز من قائل: ﴿ َ ُقوا الل َ وات ػ و َ و ُ يػ ِّ ل َ ع ُ م ُك ُ و ﴾ ُ م الل - : )) كعد من ا﵁ تعاىل بأف 73 [ سورة البقرة : 282 .]كمعٌت ىذه األية – كما قاؿ اإلماـ القر طيب ى من اتقاه عل مو، أم ٬تعل يف قلبو نور ا يفهم ب ى ٍلق ي و ما يػ إليو ؛ ك قد ٬تعل ا﵁ يف قلبو ابتداء فرقانا، أم : فيصبل يفصل بو بُت اٟتق ك الباطل، كمنو قو لو تعاىل : ﴿ [ .))﴾ سورة األنفاؿ : 29.] المقصد العاشر ]11 ]التقوى حقيقتها و درجاتها وأجل ثمر اتها و)) التقو ى (( – كما نقلو شيخ اإلسبلـ اإلماـ اٟتبيب عبد ا﵁ بن علوم اٟتداد اٟتسيٍت عن العلماء األجبلء ر ضي ا﵁ عنهم – عبارة عن امتثاؿ أكامر ا﵁ تعاىل، كاجتناب نواىيو؛ ظاىرا كباطنا، مع . فبل يراؾ إال كأنت يف حالة تر ضيو عنك. 74 استشعار التعظيم ﵁، كا٢تيبة ك ا٠تشية كالرىبة من ا﵁ كىي صفة جامعة ألسر ار الدين كلو، من إسبلـ كإٯتاف كإحساف، ك ىي أر كاف كأصو ؿ، من استوفاىا فقد اكتمل دينو؛ فقد جاء سيدنا جرب يل عليو السبلـ ذات يوـ إىل النيب صلى ا﵁ عليو كعلى آلو كسلم معلما للناس ىذه األصوؿ كاألر كاف على أسلو ب اٟتوار ؛ كذلك لًت سيخها يف العقوؿ على اختبلؼ 75 درجاهتا؛ بغية بناء األعماؿ الفرعية عليها بناء راسخا ال يتز عز ع. كقد ك رد عن سيدنا عمر بن ا٠تطاب رضي ا﵁ عنو أنو قاؿ : َ َم ن يػ َ َ )) بػ ا ن ُ ح ن َد ِ ن ع َ وِؿ ر ا ُ ِهلل - لص س لى ٍ اهلل عليو وسلم - ـ و َ َت يػ ك طَلَ ِ َ كَا ، إ ع َ ع لَ يػ َ نا َ ر ُ ج َشدِ ٌ ُد َ ل ي بػ ا َ ِب ي ِض الثػِّ ا َ ي ، ي َ َشدِ َ ُد س وا د ال ش ِ َ عِر، الَ َ ر ُ يػ ى 73 . فً الجامع ألحكام القرآن، ج1 ،ص204. 74 . انظر: النصابح الدٌنٌة والوصاٌا اإلٌمانٌة، ص12. 75 .وهو من أرقى الطرق التربوٌة الفعالة فً زرع المفاهٌم وتنمٌتها واإلقناع الذاتً لدى المخالفٌن، مما ٌدل على عظمة اإلسالم مادة وأسلوبا، شرعة ومنهاجا، علما ومعرفة، ظاهرا وباطنا، جسما وروحا.
المنها ج الصوفي في اإللصاح و مدى فاعليتو في مواجهة التحديات العصرية 39 َ علَ َ ي أَثػ ِ و ُ سَفِر، ر ال َ والَ َ يػ ُ ِرفُو ع ن ِ م ا أَ َ َ ح ٌد ، ح َ ت ى جلَ َ َ َد سن ي - لصلى اهلل عليو وسلم -، فَأَ ِّ ِ لَى الن ب ِ س إ ُ ر َ كب ِ إ ِ و ي َ تػ ِ و ي َ تػ َ كب ُ َض لَى ر ، و و َ ع َك ف ي ِ ع ى َ و لَ ِخ َذي فَ ِ و، َ وقَا َؿ َ : ي ُ ا م َ ِ خب ح مُد، أَ َ ر ي ع ِ ِإل ن ِن ا َقا َؿ و ـ، فَػ ِ ُ ساَ َس ر ُؿ ِهلل - لص ا ا ِإل لى اهلل عليو وسلم - : ُ ساَ َ َد ـ أَ ف ِال ت أَ ف َ شه إ َ لَو ِ ، أَ الَ إ ُ اهلل َ و ف م َ ُح ِهلل م وُؿ ا ُ َس ًد - ا ر َ لصلى اهلل عليو وسلم - ، و َ يم ِ اَةَ، ت ال ص ُق َ ي ِ ُ ؤت تػ َ و ال زَكاةَ َ ُص ، و َ ت َ َ َض وـ م َ َف، ر ا َ و ج ُ َح َت ت ال ي َ بػ ، ِ إ فِ اس َ َت ت طَع ِ إلَ ي ِ و َ َد ياً، قَا ِ َلص سب ق ، قَا َؿ َت َؿ : َ : فَػع َ ن ِجبػ ا لَ ُ و َ ي ُ ي َ ُ و أَلُو ي َعِن ا ِإل ِ خ ن ، قَا َؿ : فَأَ ُ دقُو ِّ س َص ر ِ ب افِ َ يم ، قَا َؿ : ِ ُ ؤم أَ ف تػ ا ِ ب َ ِهلل ن ، َ و َ و، ُك م ِِ َكت ِ ئ َ اَ ُو ت ِ ب ِ و، َ و ِ ل ُ ُس ر ِ و ا َ ، و ِ ـ َو ل يػ ِ ُ ؤ اآلخ ِر، تػ َ ِ و ب َ ن ِ م ال َق َد َخي ِر ِر ِ ه َ ر وَشِّ َت ه، قَا َؿ ِ َلصَدق ، : : فَأَ ي خ قَا َؿ ِ ن ر ِ ب عِن ا ِإل َ افِ َ س ح ، قَا َؿ : أَ ف َع ُ َد تػ ب َ اهلل ُ اه َ َر َك تػ َك ف أَن ِ َ ، فَإ ت لَم َ تػ ُكن ا َ إ ِ ُر فَ ه ُ ن و َ يػ َ را َؾ(( 76 . والسائل في ىذا الحديث ىو سيدنا جرب يل عليو السبلـ جاء ليلقن األمة أمور دينهم. و)) مجمو ع ىذه األركاف و لو ازمها، ىو التقو ى ((، إذ ما من مقاـ من ا١تقامات يف اإلسبلـ إال كالتقو ل مدخل إليو، كمن ىنا تظهر جامعيتها، كسر تكرارىا يف القرآف الكرًن بصيغ ٥تتلفة على طوؿ ا١تشوار يف اإلصبلح ك البناء. در جات التقوى متفاو تة : كتتفاكت - صعودا ك ىبو طا - )) در جات التقوى (( من ك احد إىل آخر ْتسب تفاكت استجابتو ١تطالب اٟتقائق الثبلث الواردة يف ىذا اٟتديث؛ إذ ا١تؤمن الذم يؤدم عبادتو ٔتا يقتضيو مقاـ اإلحساف ك ا١تشاىدة يكوف يف ا١ترتبة العليا من التقو ل، ك تنز ؿ عنها ْتسب ضعف ٫تتو يف خدمة البارم سبحانو كتعاىل. كبقدر تقواؾ تكو ف ٤تبتك يف ا﵁ عز كجل. كبقدر ٤تبتك تتو اىل عليك الفيوضات الر بانية كالفتوحات اإل٢تية ٟتل مشكبلتك يف اٟتياة الدنيوية كاألخركية؛ ك لذلك قاؿ أحد العارفُت با﵁ : ما احتجت إىل أحد منذ عرفت ريب، كالنفحات تتواىل عليو من كل جانب، كتأتيو األر زاؽ من حيث مل ٭تتسب. ك الكاتب شاىد بذلك، كنعم با﵁. كمن ىذا ا١تنطلق جعل العلماء الربانيوف – كيف مقدمتهم أىل اٟتق من علماء التصوؼ - قولو تعاىل ﴿ اتقوا اهلل ويعلمكم اهلل ﴾ شعارا ٢تم ك أساسا يف التعامل مع كتاب ا﵁ تعاىل كسنة نبيو صلى ا﵁ عليو 76 .أخرجه اإلمام مسلم فً صحٌحه،ج6 ،ص15 ،رقم الحدٌث:6.
المنها ج الصوفي في اإللصاح و مدى فاعليتو في مواجهة التحديات العصرية 40 كسلم كسائر معامبلهتم مع ا﵁ تعاىل؛ ألنو ىو الضماف األكيد كاٟتل الوحيد لعبلج أم مشكلة يف اٟتياة. العلم اللدني وحقيقتو : 77 كالعلم الذم كعد ا﵁ تعاىل أىل التقول بتعليمهم إياه يف ىذه اآلية ىو )) العلم اللدني (( ، كىو 78 العلم الو ىيب الذم ىو ٙتر ة التقول كاالستقامة . ك ىذا اإلنعاـ ليس إال تفضبل منو تعاىل كتكر ما، كليس مسببا عن التقول بصفة مرب ٣تة؛ إذ ىي ٣ترد طر يق موصل إىل الكرـ، ال سبب فيو، كلذلك قالوا : )) األزِؿ أف يضا ُ ج ل حكم َؼ إلى ِ العلَ ِل (( للداللة على أف ما ولصل إلى العبد الصادؽ مع ر بو من فيو ضات ر بانية و كشوفات إلهية ليست عن استحقاؽ. ك ىذا ىو السر يف إدخاؿ الو اك يف جو اب . حيث مل يقل تبارؾ كتعاىل : )) اتقوا ا﵁ 79 األمر ٍ يعلم ا﵁ ((، بل بدكف كاك ك جزـ ميم اٞتواب، الذم يفيد عدـ تأكيد اٞتواب كٖتقيقو آليا، فإف شاء قبض، فهو حر مطلق يف ذلك، ك إف شاء بسط رٛتاتو على من شاء من عباده؛ تكرما منو جل جبللو، مع العلم اليقيٍت بأف كعده مل يتخلف عن ا﵀سنُت أبدا، فاستبقو ا ا٠تَت ات، تنالو ي ا مناكم بإذف ا﵁ تعاىل. سبيل التحقق من العلم اللدني : ي كيف سبيل التحقق من كوف الوارد علما ل دنػ ٌ ي ن ػا من عند ا﵁ تعاىل، يتحتم عليو إشهاد عدلُت، ك٫تا : األو ؿ : القر آف الكريم الثاني : السنة النبوية فإف كاف موافقا ٢تما، قبل، كإال ر د. كيف ىذا الصدد يقوؿ اإلماـ أبو القاسم اٞتنيد سيد الطائفة الصوفية: إف النكتة لتقع يف قليب فبل أقبلها إال بشهادة عدلُت: الكتاب كالسنة 80 . 77 . انظر : البحر المدٌد، ج6 ،ص460. 78 . انظر : الفٌوضات الربانٌة، ص63. 79 . انظر: البحر المدٌد: ج6 ،ص460. 80 انظر : المرجع السابق : ج6 ،464.
المنها ج الصوفي في اإللصاح و مدى فاعليتو في مواجهة التحديات العصرية 41 كىذا يعٍت أف )) اإللهاـ في التصوؼ الحق (( ال يلتفت إليو إال إذا كاف مبنيا على الكتاب كالسنة، كأف ىذا ا١تنها ج ىو ا١تعتمد عليو منذ فجر اإلسبلـ إىل يو منا ىذا، كمل يشذ عنو إال أدعياء التصوؼ ك أعداؤه. باإلضافة إىل ذلك أف ىذا االحتياط البالغ يف التعامل مع ا٠تواطر كاإل٢تامات يعد من لو ازـ التقول، الذم تقلده الصو فية اٟتق، ك اٗتذك ه سبيبل إىل عامل اإلحساف كا١تشاىدة، كىو طريق األنبياء كا١ترسلُت كالصديقُت كالشهداء كالصاٟتُت أٚتعُت. المقصد الحادي عشر ]11 ]مقاـ التقوى ىو األلصل األلصيل في البناء واإللصاح كإذا كاف )) مقاـ التقو ى (( ىو األلصل األلصيل للبناء في القرآف الكريم والسنة النبو ية، فإف رجاؿ التصوؼ جعلوه قطب الر حى لسائر ا١تقامات يف الًت بية كالسلوؾ؛ كىو يف الوقت نفسو لن يتأتى على أرض الواقع إال بعد فهم كتاب ا﵁ تعاىل ك سنة نبيو صلى ا﵁ عليو كسلم، كالسَت على منهاجهما قلبا كقالبا. ك التقول كحقيقتو، ال ٗترج عن تعريفو اإلٚتايل بأف تلتزـ بأك امر الشارع اٟتكيم يف دائرة االستطاعة، كتبتعد هنائيا عن نواىيو، كٓتاصة الكبائر منها. ىذا إىل تفصيل كالعمل الدائب ٔتقتضى مطالب الشرع من خبلؿ فقو أركاف الدين من عقيدة ك شريعة كأخبلؽ. كعبلقة التقول هبذه العناصر الثبلثة كعبلقة الركح باٞتسد، ْتيث ال ينفك أحد٫تا عن اآلخر. كتفعيلهما على أحسن صورة ٦تكنة، يأيت دكر التصوؼ؛ كلذلك حرص حجة اإلسبلـ يف ٖتقيق ىذه األمنية ا١تباركة، بكل إخبلص كالعمل الدائب، كتفرغ ٢تذا العمل الشاؽ كاٞتهاد ا١تبارؾ بعد أف تبحر يف علوـ الدين، فخرج كتابو باسم على مسمى )) إحياء علوـ الدين ((. ك ىذا ما نفهمو أيضا من مقتضى قوؿ سيد الصوفية أيب القاسم اٞتنيد: )) من مل ٭تفظ القرآف، كمل يكتب اٟتديث، ال يقتدل بو يف ىذا األمر ؛ كذلك أف 82 ؛ ألف علمنا ىذا مقيد بالكتاب ك السنة (( 81 . أي فً التصوف. 81
المنها ج الصوفي في اإللصاح و مدى فاعليتو في مواجهة التحديات العصرية 42 االقتداء يف التصوؼ - بطبيعة اٟتاؿ عند السادة الصو فية -، ال يصلح ْتاؿ من األحواؿ إال إذا صدر من عامل رباين قد ٖتقق بكتاب ا﵁ على منهاج ا١تصطفى صلى ا﵁ عليو كعلى آلو ك سلم؛ علما ك عمبل كحاال، كما حققو حجة اإلسبلـ. ك التصوؼ يف حد ذاتو ىو ا١تنها ج العملي ا١تتقن النابع من اإلخبلص، ك ىو حرب على ٚتيع النظريات اجملردة اليت ينشدىا دك ما الفبلسفة كا١تعطلوف؛ ألف شعار السادة الصو فية قوؿ النبي لصلى اهلل عليو وعلى آلو وسلم: )) إف اهلل تبارؾ وتعالى يحب إكا عمل أحد كم ؛ إتقانا يتجلى فيو كماؿ اٟتضور مع ا﵁ تعاىل كمر اقبتو اٞتامعة؛ بناء على ا١تفهوـ 83 عما أف يتقنو (( النبوم الذم أشار إليو حديث اإلحساف الذم أمرنا من خبللو أف نعبد ا﵁ حق عبادتو، كال نلتفت إىل من سواه، فقاؿ صلى ا﵁ عليو ك سلم عندما عر ؼ اإلحساف : )) أف تعبد اهلل كأنك تراه، فإف لم تكن تراه فإنو ير اؾ ((. ى كعلى ىذا ا١تنها ج سار ىؤ الء القو ـ يف اآلفاؽ سَتا معظما ك مكرما، كسادكا العامل ردحا من الز ماف، كأسلم طوعا على أيديهم ملو ؾ كسبلطُت كما يف شرقي آسيا كغَتىا، كأصبحوا دعاة ٥تلصُت إىل اإلسبلـ؛ فانتشر الدين اٟتنيف يف مشارؽ األرض كمغارهبا بربكاهتم ك حكمتهم البالغة يف الدعوة ك التو عية، ك ال تزاؿ أنو ارىم - إىل يومنا ىذا – تنَت دركب السائرين كالتائهُت، كٕتذهبم إىل رحاب ا﵁ تعاىل. المقصد الثاني عشر ]12 ]المنهاج الصو في ىو عين المنهاج القرآني والنبوي األلصيل كنفهم ٦تا سبق بأف التصوؼ يف اإلسبلـ من العلوـ ا١تستنبطة من الكتاب كالسنة كسائر العلوـ اإلسبلمية األخرل، مع التسليم بأنو مل يرد يف القرآف الكرًن كالسنة النبو ية ا١تشر فة على كجو التصريح اسم )) التصو ؼ ((، إال أنو كرد فيهما ضمنا من خبلؿ مقاماتو كأحوالو كػ )) التو بة، و الصبر، و الشكر والرجاء، والخوؼ، والذكر، والتوحيد، والتو كل، والنية، و اإلخاص، والصدؽ، و المحبة 82 . انظر : الرسالة القشٌرٌة، ص60. . أخرجه اإلمام البٌهقً فً شعب اإلٌمان، ج2 ،ص112 ،رقم الجدٌث : ) 3164 .) 83
المنها ج الصوفي في اإللصاح و مدى فاعليتو في مواجهة التحديات العصرية 43 وغيرىا ؛ كىي أصوؿ للتصوؼ 84 والشو ؽ، و الرضا، والمراقبة، والمحاسبة، والتقوى(( ك كسائل ٣تربة قادرة - بإذف ا﵁ تعاىل - على تنوير القلوب كجعلها ٤تبل للفتوحات الربانية؛ كمن ىنا جعلو علماء التفسَت من أىل السنة كاٞتماعة البو ابة الر ئيسة لفهم كتاب اهلل تعالى بعد استيفاء الشركط ا١تطلوبة يف قانو ف التفسَت كالتأكيل، كإف اختلفت عباراهتم يف تسمية ىذا العلم إال أف ا١تسمى كاحد. قاؿ اإلماـ األكرب شيخ األزىر األسبق : إف الصو فية ٢تم طريق ركحي، يسَتكف فيو. كىذا الطريق يعتمد . كىذا يعٍت أف من يدعي االنتماء إىل 85 أساسا كمنهجا كغاية على القرآف الكرًن ك السنة النبوية الشريفة ا١تدرسة الصوفية، ككبلمو ليس مبنيا على ا١تصدرين، فهو من األدعياء، كإف كاف مرشدا يف الطريقة، كما نشاىد اليوـ نفرا ٭تتلوف ا١تناصب العالية يف إرشاد الطرؽ الصوفية يف العامل اإلسبلمي، كىم يف حاجة إىل تقو ًن لسانو يف قراءة الفاٖتة. المقصد الثالث عشر ]13 ]التصوؼ العملي بعد إتقاف النظر يات الصو فية ىو عمدة اإللصاح كلو كيف اٟتقيقة أف ا١تقامات اليت ذكر ىا القرآف كالسنة، ال تو صل إىل ا١تطلوب إال بتفعيلها على كجو الدقة، كلن يتأتى ىذا األمر إال ٔتمارسة التصوؼ العملي الذم يهدؼ - يف ا١تقاـ األكؿ – إىل تزكية النفس كتطهَتىا من الرعونات ك سائر الظلمات، كىذه التزكية ىي - يف حد ذاهتا - ا١تنهاج اٟتقيقي لئلصبلح الركحي كالفكرم، بل ىي أـ اإلصبلح كعمدة اإلرشاد كلو؛ كلذلك جعل القر آف الكرًن ىذا األمر العظيم من مقاصده، بل قدمو على مسألة التعلم كالتعليم كما يف قولو سبحانو كتعاىل : ﴿ . انظر : التسهٌل لعلوم التنزٌل البن جزي الكلبً، ص6 .واإلحٌاء لحجة اإلسالم، ج5 ،ص60 ،فما بعدها. ومختصر اإلحٌاء له. 84 85 . قضٌة التصوف المنقذ من الضالل، ص26.
المنها ج الصوفي في اإللصاح و مدى فاعليتو في مواجهة التحديات العصرية 44 [ ﴾ سو رة اٞتمعة : 2 ] ز . كتكية النفس ال تتحقق على أرض الواقع إال بعد اٗتاذ ك سائلها ا١تشرك عة ك بعد ٕتنب أخطر مو انعها ا١تتمثلة يف الكفر ك الشر ؾ كالنفاؽ ك الرياء ك الفسو ؽ كالبدعة ك حب اٞتاه كالرياسة ك اٟتسد ك العجب ك الكرب ك الشح ك الغركر ك الغضب ك الظلم ك حب الدنيا ك اتبا ع ا٢تول، ك غَت ىا من األخبلؽ ا١تذمو مة اليت ذكرىا حجة اإلسبلـ يف اإلحياء. المقصد الرابع عشر ]14 ]أىم و سائل التزكية لممارسة التصو ؼ العملي كال يعًت ينا أم شك يف أف ٚتيع األعماؿ يف اإلسبلـ، سواء أكانت عبادة ٤تضة أـ غَتىا، أك معقولة ا١تعٌت أـ غَتىا، يصلح أف تكوف كسائل للتزكية، ك ىي تعترب ْتق أـ ا١تناعة الرك حية اليت ٘تنع اإلنساف من الوقوع يف ٚتيع أنواع اال٨ترافات العقدية ك الفكرية كالسلو كية، كىي يف الوقت نفسو طريق فعاؿ ١تمار سة التصوؼ العملي الذم كاف عليو النيب صلى ا﵁ عليو كسلم ك أصحابو كٚتيع أفراد القركف ا١تشهود ٢تم با٠تَتية. ك تفعيل الو سائل ال بد من معرفة أصو٢تا كالتعامل معها بدقة، كإال تبقى الوسائل ٣ترد نظرية تفقد كاقعيتو التطبيقية، كصدؽ اٟتكيم عندما يقوؿ : العلم ببل عمل كشجر ببل ٙتر. كىو مثل أصولو من الكتاب كالسنة. كاإلماـ اٟتافظ الفقيو النوكم الدمشقي قد قاـ بتلخيص ىذه األصوؿ يف كلمات 86 جامعة، فقاؿ : وألصوؿ طريق التزكية خمسة : ُق األوؿ : تقوى اهلل في السر والعلن. وط ري تحقيقو ىو الورع واالستقامة. وحسن الخلق. 87 الثاني : اتباع السنة في األقواؿ واألفعاؿ. وطريق تحقيقو التحفظ . انظر : المقاصد النووٌة، ص643 ،فما بعدها. 86 . والمقصود بالتحفظ هو عدم االلتفات لغٌر هللا تعالى، مع تعلق القلب به سبحانه فً جمٌع األمور مع حسن الخلق. هامش المقاصد 87 النووٌة، لألستاذ محمد الحجار، ص643.
المنها ج الصوفي في اإللصاح و مدى فاعليتو في مواجهة التحديات العصرية 45 الثالث : اإلعراض عن الخلق في اإلقباؿ واإلدبار. وطريق تحقيقو الصبر والتوكل. الرابع : الرضا عن اهلل تعالى في القليل والكثير. وطريق تحقيقو القناعة والتفويض. الخامس : الرجوع إلى اهلل في السراء والضراء. وطريق تحقيقو الشكر لو وااللتجاء إليو في الضراء. وألصوؿ كلك كلو خمسة : علوـ ا٢تمة، كحفظ اٟترمة، كحسن ا٠تدمة، كنفوذ العزٯتة، كتعظيم النعمة؛ فمن علت ٫تتو ارتفعت رتبتو. كمن حفظ حرمة ا﵁ حفظ ا﵁ حرمتو. كمن حسنت خدمتو كجبت كرامتو. كمن نفذت ٫تتو دامت ىدايتو. كمن عظم النعمة شكرىا، كمن شكرىا استوجب ا١تزيد. وألصوؿ العامات على لصدؽ كلك كلو خمسة : طلب العلم للقياـ باألمر. ك صحبة ا١تشايخ كاإلخواف للتبصر. كترؾ الرخص كالتأكيبلت للتحفظ. كضبط األكقات باألكراد للتحفظ. كاهتاـ النفس يف كل شيء للخركج من ا٢تول كالسبلمة من العطب. فطلب العلم، آفتو صحبة األحداث سنا كعقبل كدينا ٦تا ال يرجع إىل أصل كال قاعدة. كآفة الصحبة االغًتار كالفضوؿ. كآفة ترؾ الر خص كالتأك يبلت : الشفقة على النفس. كآفة اهتاـ النفس : األنس ْتسن أحوا٢تا كاستقامتها. ي كأص وؿ ما ت ى يف داكل النفس ٜتسة : ٗتفي ي بو علل ا١تعدة بقلة الطعاـ كالشراب. كااللتجا ي ء إىل ا﵁ تعاىل ٦تا يعرض عند عركضو ي . كالفرار من مواقف ما ي ٮتشى الوقوع فيو. كدكاـ االستغفار مع الصبلة على النيب ى صلى ا ي من يدلك على ىؼ النهار باجتماع ا٠تاطر ] مع الًت كيز [. كصحبة ﵁ عليو كسلم آناء الليل كأطرا ا﵁ . ي تعاىل حاليو كأىم بعد ذلك كلو )) إخبلص النية ﵁ تعاىل يف العمل كالتفاين يف خدمتو ((، كذلك ٔتقتضى قولو تعاىل : ﴿ وما أمروا إال ليعبدوا اهلل مخلصين لو الدين ﴾. وأما وسائل التزكية، فسنكتفي ببعض أىم األعماؿ الواردة يف القر آف الكرًن كالسنة النبو ية ا١تشرفة، اليت ىي أكضح من غَت ىا مشاىدة ك تأثَت ا يف النفس ك الواقع ا١تعاش، كىي تعترب أمهات يف عبلج النفس البشرية كتطهَتىا من األدراف ك الرعونات النفسية؛ مع االعًت اؼ بأف األعماؿ الصاٟتة ككجوه الرب كلها كسائل للتزكية كحلوؿ للمشكبلت؛ كذلك بعد استيفاء شركطها الظاىرة كالباطنة، ك يأيت يف مقدمة ىذه الشركط :
المنها ج الصوفي في اإللصاح و مدى فاعليتو في مواجهة التحديات العصرية 46 الوسيلة األو لى : الصاة كالصبلة ركن من أركاف اإلسبلـ ككسيلة عظمى لتزكية النفس؛ فبسجودىا كركو عها كأذ كارىا تطهر النفس من التكرب على ا﵁ تعاىل، كتذكر النفس باالستقامة على أمر ه : ﴿ ﴾ ]سور ة العنكبو ت : 45.] كال تكوف الصبلة كذلك إال إذا أقيمت بأركاهنا كسننها كٖتقق صاحبها بآداب الظاىر ك الباطن؛ كمن آداب الظاىر أداؤىا كاملة باٞتوارح، ك أكرب آداب الباطن ا٠تشوع فيها، كىو الر كن الركُت عند علماء اآلخرة خبلفا للفقهاء الذين جعلوا الطمأنينة بدال منو؛ لكوف ٤تل نظرىم يف اٟتكم مبنيا على الظاىر، كا٠تشوع ىو الذم ٬تعل للصبلة الدك ر األكرب يف التطهَت، ك الدكر األكؿ يف التحقق كالتخلق؛ كتزكية النفس تدكر حوؿ ىذا. وقد عد القرآف الكر ًن الخشوع في الصاة أوؿ عامات المفلحين : ﴿ [ ﴾ سو رةا١تؤمنو ف: 8-2.] . . كجعل ىؤالء ا٠تاشعُت أىل البشار ة من ا﵁ : ﴿ .] 35 – 34 :اٟتج سورة ﴾ ]
المنها ج الصوفي في اإللصاح و مدى فاعليتو في مواجهة التحديات العصرية 47 إذا كاف ا٠تشو ع ىذا شأنو، ففقدانو يعٍت فساد القلب كفساد اٟتاؿ؛ كصبلح القلب كفساده عليهما مدار الصبلح كالفساد؛ لقو ؿ النيب صلى ا﵁ عليو كعلى آلو ك سلم : )) إف في الجسد مضغة إكا 88 لصلحت لصلح الجسد كلو، وإكا فسدت فسد الجسد كلو، أال وىي القلب(( . ، فهذا يعٍت أف قلب ا١تسلم قد 89 إف الخشوع ىو المظهر األر قى لصحة القلب، فإذا ارتفع ا٠تشوع خر ب، فما ذىب ا٠تشوع إال كقد غلب القلب بأمراض خطَت ة كأحواؿ شر يرة كحب الدنيا ك التنافس عليها، كمىت غلب القلب باألمراض فقد التطلع إىل اآلخرة، كمىت كصل إىل ذلك فبل صبلح للمسلمُت، فحب الدنيا يعقبو التنافس عليها، ك التنافس عليها ال يقوـ بو أمر دنيا كدين. والخشوع ىو التواضع والذؿ و السكوف والطمأنينة أماـ المولى عز وجل، كىو مستلزـ للُت القلب 90 ا١تنايف للقسو ة ؛ كمن ىنا اعترب ه علماء اآلخرة من أىل التصو ؼ كأرباب السلوؾ علما قل العارفوف بو، فإذا ظفرت با٠تاشع الذم يستطيع أف يو صلك إىل ا٠تشوع فتمسك بو؛ فإنو العامل حقا، إذ ىذه عبلمة علماء اآلخرة؛ مصداقا لقولو تعاىل : ﴿ ... . . .] 829 - 827 : اء سورةاإلسر ﴾ ] ك ا٠تشو ع يف حد ذاتو علم، ك ىو مرتبط بعلم تصفية القلوب من أمراضها كٖتققها بصحتها؛ كلذلك كاف علماء اآلخرة يبدؤك ف بتلقُت السالك إىل ا﵁ تعاىل : الذكر كاٟتكمة، حىت ٭تيا قلبو، فإذا حيي قلبو نقوه من األكصاؼ الذميمة، كدلوه على األكصاؼ اٟتميدة، ك ىاىنا يأيت تعو يد قلبو على ا٠تشو ع من خبلؿ 91 اٟتضور مع ا﵁ تعاىل، كالتأمل يف ا١تعاين، كلكل ذلك طر يقو ا١تشركع عندىم . . أخرج اإلمام البخاري فً صحٌحه ) 6 /40 ،)كتاب اإلٌمان، باب فضل من استبرأ لدٌنه،. ومسلم فً صحٌحه، ) 1 /88 6440 ،رقم الحدٌث : 6377 ،) كتاب المساقاة، باب أخذ الحال وترك الشبهات؛ كالهما عن النعمان بن بشٌر مرفوعا به. 89 . قال النبً صلى هللا علٌه وعلى آله وسلم : )) أول شا ٌرفع من هذه األمة الخشوع حتى ال ترى فٌها خاشعا ((، أورده اإلمام السٌوطً فً الجامع الصغٌر، ج6 ،ص662 ،وعزاه للطبرانً فً الكبٌر، عن أبً الدرداء، ورمز له بالحسن. . انظر : مجموع الفتاوى، ج5 ،ص40 ،من كتاب اإلٌمان. 90 91 . انظر : المستخلص فً تزكٌة األنفس للشٌخ سعٌد حوى، ص13.
المنها ج الصوفي في اإللصاح و مدى فاعليتو في مواجهة التحديات العصرية 48 كإذا كاف ا٠تشوع من األسباب الرئيسية يف سعادة ا١تصلُت ك فوزىم باٞتنة كما صرحت مقدمة سورة ﴾ على سبيل الًت غيب كالبشارة، فإف مقابلو كىو السهو يؤدم ﴿ : تؤمنوف١ا [ ﴾ . إىل ا٢تبلؾ كالشقاء يف اآلخرة : ﴿ سو رة ا١تاعوف : 4 – 5 ،]كالساىوف عن الصبلة ىم الذين يصلوف، كلكنهم ال يقيموف الصبلة ْتيث يؤدكف حر كاهتا، كينطقو ف بأدعيتها كأك رادىا كأذكار ىا، ك لكن قلوهبم ال تعيش معها، كال تعيش هبا، كأركاحهم ال تستحضر حقيقة الصبلة كحقيقة ما فيها من قراءات كدعوات كتسبيحات. إهنم يرآؤكف 92 الناس، ال ٮتلصوف ﵁ تعاىل؛ ك من مث ال تنشئ الصبلة آثارىا يف نفوس ىؤ الء ا١تصلُت ﴿ ، [ ﴾ سورة ا١تاعوف : 6.]فنسأؿ ا﵁ تعاىل أف يعيذنا من ىؤالء ا٢تالكُت، كأف ٬تعلنا مع ا١تقربُت ا١تفلحُت ا٠تاشعُت دك ما يف صبلهتم كسائر أعما٢تم. المناعة الر و حية لتثبيت الخشو ع : كأىم الضو ابط اإلٯتانية يف تفعيل ا٠تشوع كمناعة ركحية لطرد الوساكس كا٢تمزات الشيطانية، كدفع ٚتيع ا٠تواطر الشاغلة أثناء أداء الصبلة ما يأيت : الضابط األوؿ : إحضار القلب؛ ك ذلك بتفريغ القلب عن غَت ىو ما مبلبس لو ك متكلم بو؛ فيكوف العلم بالفعل مقركنا بو، كال يكوف الفكر جائبل يف غَت ه، كمهما انصرؼ يف الفكر عن غَت ما ىو فيو، ككاف يف قلبو ذ كر ١تا ىو فيو، كمل يكن فيو غفلة، فقد حصل حضور القلب. والطريق إلى إحضار القلب إيجاد الهمة؛ فإف القلب تابع للهمة، كىي ال تنصرؼ إىل الصبلة مامل يتبُت أف الغرض ا١تطلوب منو ط هبا؛ ك ذلك ىو اإلٯتاف كالتصديق بأف اآلخرة خَت كأبقى، ك أف الصبلة كسيلة إليها،فإذا أضيف ىذا إىل حقيقة العلم ْتقارة الدنيا كمهانتها حصل من ٣تموعها حضو ر القلب يف الصبلة. 92 . انظر : فً ظالل القرآن للشهٌد سٌد قطب، ج4 ،ص1763.
المنها ج الصوفي في اإللصاح و مدى فاعليتو في مواجهة التحديات العصرية 49 الضابط الثاني : تفهم المقروء والكاـ ؛ ك ذلك أف لتفهم معٌت الكبلـ سرا ك راء حضور القلب، فر ٔتا يكوف القلب حاضرا مع اللفظ، كال يكوف حاضر ا مع معٌت اللفظ؛ فاشتماؿ القلب على العلم ٔتعٌت اللفظ كفهمو ىو ا١تراد بالتفهم. كال شك أف ىذا مقاـ يتفاكت الناس فيو، إذ ليس يشًتؾ الناس يف تفهم ا١تعاين للقرآف الكرًن كأذكار الصبلة كأكر ادىا، فكم من معاف لطيفة يفهمها ا١تصلي أثناء الصبلة، كمل يكن قد خطر بقلبو ذلك من قبل، فأثرت يف نفسو أٯتا تأثَت، فتقلبو إنسانا آخر ال يرضى عن ا﵁ تعاىل بديبل؛ كمن ىذا الوجو كانت الصبلة ناىية عن الفحشاء كا١تنكر. و الطريق إلى تفهم الكاـ - بعد حضور القلب - إدماف الفكر ك صرؼ الذىن إىل إدراؾ ا١تعٌت. كىذا ال يتأتى إال بإحضار القلب مع اإلقباؿ على الفكر ك التشمر لدفع ا٠تواطر. كعبلج دفع ا٠تواطر الشاغلة، ىو قطع موادىا؛ كذلك بالنزكع عن تلك األسباب اليت تنجذب ا٠تواطر إليها. كمامل تنقطع تلك ا١تو اد ال تنصرؼ عنها ا٠تواطر ْتاؿ من األحو اؿ، فمن أحب شيئا أكثر من ذكره؛ فذكر ا﵀بو ب يهجم على القلب بالضركرة، كلذلك ترل أف من أحب غَت ا﵁ ال تصفو لو صبلة عن ا٠تو اطر، كبقدر إقبالك على أمور الدنيا يقل خشوعك، كبقدر إدبارؾ عنها يزداد خشو عك طردا ك عكسا. كا٠تشوع ىو ا١تقياس اٟتقيقي على مدل انتفاعك بصبلتك كحصولك على األجر. الضابط الثالث : تعظيم اهلل تعالى؛ ففيو سر كراء حضور القلب كالفهم، إذ الراعي ا١تسؤ ك ؿ ٮتاطب أحدا من رعيتو بكبلـ ىو حاضر القلب فيو، كمتفهم ١تعناه، كال يكوف معظما لو؛ إذ التعظيم أمر زائد عليهما. و التعظيم حالة للقلب تتولد من معرفتين : األولى : معرفة جاؿ اهلل عز وجل و عظمتو، كىو من أصو ؿ اإلٯتاف؛ فإف من مل تعتقد عظمتو ال تذعن النفس لتعظيمو.