The words you are searching are inside this book. To get more targeted content, please make full-text search by clicking here.

باب الدراسات والبحوث المُستقبلية الحلقة الاولى الفكر والسياسة

Discover the best professional documents and content resources in AnyFlip Document Base.
Search
Published by babelccs, 2020-08-30 22:33:06

باب الدراسات والبحوث المُستقبلية الحلقة الاولى الفكر والسياسة

باب الدراسات والبحوث المُستقبلية الحلقة الاولى الفكر والسياسة

‫أمة عربية واحدة‬ ‫وحـــدة‬
‫ذات رسالة خالدة‬ ‫حـريـة اشـتراكـيـة‬

‫باب الدراسات والبحوث ال ُمستقبلية‬

‫الحلقة الاولى‬
‫{الفكر والسياسة في العالم العربي}‬

‫المقدمة‪:‬‬

‫تشكل الثقافة في الفكر القومي اهمية خاصة لاستيعاب المفاهيم‬
‫والنظريات في إطار السعي الى ترسيخ مفهوم الوحدة العربية وصولاا‬
‫الى افضل السبل على طريق تحقيقها وكذلك في اطار متابعة التطور‬
‫التاريخي للنظرية الاقتصادية الاشتراكية وللنظرية السياسية‬
‫الديمقراطية في محاولة لفهم وتحديد تقسيم العمل الاجتماعي والسياسي‬
‫والاقتصادي وصولا الى ترسيخ مبادئ الحرية والعدالة الاجتماعية‪.‬‬
‫وتؤكد التحولات التاريخية التي يمر بها عالم اليوم عموماا والوطن‬
‫العربي خصوصاا على أهمية استشراف المستقبل بوضوح دون انقطاع‬
‫عن ماضي الامة العربية وتراثها المجيد‪ ،‬وبما يضمن اثراء فكر الحزب‬
‫وبالتالي الفكر القومي ونظريته ويكفل مواجهة علمية ثورية ناجحة‬

‫لقضايا النضال العربي‪.‬‬
‫نحتاج اليوم‪ ،‬في اطار الدراسات والبحوث المستقبلية‪ ،‬التعامل مع‬
‫تطورات الواقع والنظريات السياسية والاقتصادية فيه ومتابعة التحولات‬
‫السريعة والعميقة في الحياة العربية والعالم اجمع ‪ ،‬والعمل نحو برامج‬

‫اقتصادية وسياسية واجتماعية وعلمية تتجاوز عوامل ضعف الدولة‬
‫القطرية والنظام العربي والتي افضت الى عدم القدرة على مواجهة‬
‫تحديات الصراع الاقليمية منها والعالمية‪ ،‬في ظل استهداف منقطع‬
‫النظير وغير مسبوق للامة العربية ولاي مشروع نهضوي فيها‪ ،‬مما‬
‫ادى الى اتساع ظواهر شتى منها الانهيارات الامنية و شيوع العنف‬
‫والتهجير والتغيير الديموغرافي وتفشي مشكلات الفقر والبطالة‬

‫والتخلف والأمية واستباحة الموارد وهدرها‪.‬‬

‫ولان مواجهة كل ذلك و تحقيق النهوض المنشود يتطلب تطوير الفكر‬
‫السياسي في الوطن العربي‪ ،‬وصياغة رؤى سياسية تستجيب وتتفاعل‬
‫مع التطورات العالمية المعاصرة انطلاقا من التحليلات العلمية للفكر‬
‫العربي القومي خلال القرنين الماضيين‪ .‬لذا فقد جرى استعراض‬
‫للملاحظات العلمية النقدية التي وردت في كتاب‪ :‬د‪ .‬جورج قرم‪" ،‬الفكر‬
‫والسياسة في العالم العربي"‪ ،‬منشورات دار الفارابي‪ ،‬بيروت‪7102 ،‬م‬
‫وغيرها من الاعمال‪ ،‬والتي من المؤمل ان تساهم في بناء مدخل علمي‬
‫شامل لتطوير الفكر السياسي الحديث في الوطن العربي‪ ،‬وصولا الى‬
‫تعزيز القدرات‪ ،‬و بناء دولة المؤسسات والفصل بين السلطات وضمان‬
‫الحقوق والكرامة والعدالة وتحقيق الازدهار والرفاه مما يعزز نضالنا‬
‫القومي في مواجهة تحديات العصر والقوى المعادية بمختلف صنوفها‬
‫ويم ِّكن الامة العربية في مسيرتها النهضوية الحضارية بما يليق بمكامن‬

‫قوتها وتاريخها المجيد ودورها الريادي في عالم الالفية الثالثة ‪.‬‬

‫‪2‬‬

‫الفكر والسياسة في العالم العربي‬

‫{السياقات السياسية والاشكاليات من القرن ‪ 09‬حتى القرن ‪}70‬‬

‫يعيد الباحث والمفكر اللبناني د‪ .‬جورج قرم في كتابه‪" :‬الفكر والسياسة‬
‫في العالم العربي"‪ ،‬النظر بالفكريات النمطية الطابع التي أصبحت‬
‫مسيطرة على الساحة الفكرية العربية‪ ،‬المتأثرة إلى أبعد الحدود‬
‫بالإشكاليات الغربية الفلسفية والاستشرافية والجيوسياسية‪ ،‬وعلى‬
‫النظريات السياسية حول صراع الحضارات‪ ،‬وغيرها من الظواهر‬

‫الفكرية السائدة الان‪.‬‬

‫ووفقا لشروحات قرم فان طرحاا من نمط آخر قلما تع ّمق المثقفون العرب‬
‫بدراسته وبحثه والكشف عن اتجاهاته الخاطئة التي تزعم ان المفكرين‬
‫المسيحيين العرب قد لعبوا دوراا مختلفاا عن دور المفكرين المسلمين‬
‫العرب منذ مطلع عصر النهضة وحتى اليوم‪ ،‬كما تظهر في كتابات‬
‫مفكرين هما ألبرت حوراني ( من لبنان) ‪ ،‬و هشام شرابي ( من‬

‫فلسطين)‪.‬‬

‫فقد أصدر حوراني وهو المستشرق البريطاني اللبناني الأصل كتاباا في‬
‫الستينيات من القرن الماضي بعنوان «الفكر العربي في عصر النهضة»‬
‫وقد ترجم إلى العربية‪ ،‬وكان هذا الكتاب دائماا محل استيحاء من قبل‬
‫العديد من المؤلفين والباحثين‪ .‬استهل حوراني الحديث عن عصر‬
‫النهضة بوصول نابليون إلى مصر عام ‪ ،0291‬والصدمة التي أحدثها‬
‫في الدوائر الفكرية العربية‪ ،‬واختتمها عام ‪ 0999‬عشية الحرب العالمية‬
‫الأولى‪ .‬ك ّرس حوراني الفصول الأولى من كتابه لتعريف سريع بالدولة‬
‫الإسلامية ولقضايا السلطنة العثمانية‪ ،‬أما الفصل الرابع فهو عبارة عن‬

‫لمحة موجزة عن الأفكار التي تبناها الطهطاوي في مصر‪ ،‬وخير الدين‬

‫‪3‬‬

‫التونسي في تونس‪ ،‬وبطرس البستاني في لبنان‪ ،‬ثم خ ّصص الفصلين‬
‫الخامس والسادس لشخصيّتين مهمتين في الإصلاح الإسلامي هما جمال‬
‫الدين الأفغاني ومحمد عبده‪ ،‬ويتناول في الفصل السابع الكتّاب الذين‬
‫عملوا على التوفيق بين الإسلام والحداثة‪ .‬ولكنه في الفصول الأخيرة‬
‫يبتعد عن سياق الفصول السابقة حيث كان يستذكر من دون تمييز‬
‫المفكرين العرب من مسيحيين ومسلمين‪ ،‬كي يضعهم فجأة في موقف‬
‫تناقضي عبّر عنه في الحديث عن الدور الطليعي الذي اضطلع به الرواد‬
‫المسيحيون في علمنة العالم العربي وبخاصة شبلي الشميل (‪-0181‬‬

‫‪ )0902‬وفرح أنطون (‪.)0977–0121‬‬

‫ومن هنا يرفض المفكر جورج قرم طروحات حوراني حول وجود‬
‫فروقات هامة بين المفكرين المسيحيين والمسلمين‪ ،‬تتمظهر في كون‬
‫المفكرين المسيحيين كانوا أكثر راديكالية من أقرانهم المسلمين في‬
‫الدعوة إلى فصل الزمني عن الروحي‪ .‬في الواقع أن القول إن هؤلاء‬
‫المفكرين كونهم مسيحيون بالولادة هم أكثر قرباا من الأفكار العلمانية‬
‫الأوروبية‪ ،‬وأكثر جذرية من المفكرين المسلمين‪ ،‬لا يتطابق مع الكتابات‬
‫التي طالب فيها المسيحيون والمسلمون على حد سواء بالفصل بين‬
‫الزمني والروحي‪ ،‬وإعطاء الفرد قيمته وحريته بما في ذلك حرية‬
‫المعتقد‪ .‬تجدر الملاحظة أن التقسيم الثنائي ذي الطبيعة الجوهرانية بين‬
‫المفكرين المسلمين والمفكرين المسيحيين الذي ابتدعه حوراني في‬
‫كتابه‪ ،‬مستوحى من المقاربة الأنثروبولوجية التي طبّقها الاستشراق‬

‫الأوروبي في دراساته للمجتمعات العربية‪.‬‬

‫وفي السياق نفسه أصدر المفكر هشام شرابي (‪ )7112–0972‬كتابه‬
‫«المثقفون العرب والغرب» في السبعينيات من القرن الماضي‪ ،‬واللافت‬

‫في هذا الكتاب الهوة التي يظهرها على انها صعبة التجاوز بين‬

‫‪4‬‬

‫المفكرين العرب المسيحيين والمفكرين المسلمين‪ .‬ومع أنه ق ّسم‬
‫المفكرين المسلمين إلى فئتين‪ ،‬أي السلفيين الإصلاحيين‪ ،‬أو المحافظين‬
‫من جهة‪ ،‬والعلمانيين من جهة أخرى‪ ،‬إلا أنه اعتبر أن المفكرين‬
‫المسيحيين هم وحدهم العلمانيون الحقيقيون‪ ،‬وأكثر ما يثير الدهشة هو‬
‫أنه يضعهم في فئة واحدة يتكلّم عنها بطريقة مج ّردة ومنزوعة من‬
‫سياقها التاريخي‪ ،‬كما لو كان يوجد ضمنياا بنى ذهنية مسيحية خاصة لم‬
‫يؤثر فيها الوسط الإسلامي الذي عاش فيه العرب المسيحيون منذ‬
‫مجيء الإسلام إلى بلاد الشام وبلاد ما بين النهرين ومصر‪ .‬ويطلق على‬
‫هذه الفئة تسمية «المسيحيون المستغربون» الذين يعتبرهم مقتلعين من‬
‫جذورهم‪ ،‬لا يستطيعون أن يجيدوا إلا التطلع إلى أوروبا ومنظومة‬
‫قيمها‪ .‬وما يثبت هذا الاقتلاع بالنسبة لشرابي هو الهجرة الكثيفة للعرب‬

‫المسيحيين نحو أوروبا والأميريكيتين‪.‬‬

‫وفي المقابل يرى شرابي أن المفكرين المسلمين الإصلاحيين حتى الذين‬
‫بقيت ميولهم العلمانية سطحية‪ ،‬لم يتر ّسخوا فقط في وسطهم الثقافي‬
‫الطبيعي‪ ،‬بل كان فكرهم خاضعاا للقيود التي فرضتها عليهم هذه البيئة‪،‬‬

‫والمنظومة الفكرية التي تتميّز بها‪ ،‬ولا يمكن إعادة النظر فيها بعمق‪.‬‬
‫إن فرضية شرابي حول التمييز بين المفكرين المسيحيين والمفكرين‬
‫المسلمين ك ّرست صورة نمطية على ما يراه قرم الذي يشير إلى بعض‬
‫الأشكال والمفاهيم الاستعمارية التي أفاد منها الاستشراق في قولته ‪،‬‬
‫{أنه ممنوع على العرب المسلمين إمكانية الخروج من عقلية جامدة‬
‫ومنغلقة }‪ ،‬بحيث يستحيل تغييرها مهما تغيّرت الظروف‪ ،‬وأنه محكوم‬
‫على المسيحيين العرب بالبقاء في الهامش‪ ،‬أي أقليات ذات وعي‬
‫جماعي بائس‪ .‬من دون الاعتبار الى أن المسيحيين العرب قد ساهموا‬

‫في خلق الوعي القومي‪ ،‬لا بل هم ق ّدموا أعمالاا مهمة حول الدين‬

‫‪5‬‬

‫الإسلامي وقيمه ودوره في حياة الامة العربية‪ ،‬فيما يعتبر الكثيرون‬
‫منهم أن كون المرء مسيحياا عربياا يعني أيضاا أنه مسلم على المستوى‬

‫الثقافي من دون أن يكون بالضرورة‪ ،‬مسلماا على الصعيد العقائدي‪.‬‬

‫ويعتبر قرم أن التقسيم الثنائي الذي أطلقه حوراني وتبنّاه شرابي بين‬
‫فكر عربي مسيحي يعتبر مقتلعاا من جذوره ومرتهناا بكليته للفكر‬
‫الأوروبي من جهة‪ ،‬ومن جهة أخرى فكر مسلم راسخ في هذا القدر من‬
‫العمق التاريخي لدرجة لا يمكنه معها أن يعيد النظر بعمق في أوضاعه‬
‫الذاتية بما يضمن له إصلاحها‪ .‬إن طرحاا من هذا النوع لا ب ّد أن يكون‬
‫ج ّذاباا ضمن إطار المقاربة الأوروبية الاستعمارية الطابع التي لا ترى في‬
‫المسيحيين سوى (أقليات) أي بقايا من تاريخ المسيحية النازحة من‬
‫«الشرق السامي» كما يقول أرنست رينان إلى «الغرب الآري»‪ .‬ومن‬

‫هنا فإن فرضية شرابي كما يرى المفكر قرم هي فرضية مصطنعة ولا‬

‫تتطابق مع الوقائع التاريخية الماضية‪ .‬فالمسيحيون العرب عاشوا مع‬

‫المسلمين في بلاد الشام وبلاد ما بين النهرين منذ مجيء الإسلام‬

‫وحافظوا على اللغة العربية وحموها من التتريك وغيره وما زالوا حتى‬

‫اليوم‪ .‬والمسيحيون العرب كانوا في طليعة النضال ضد فرنسا وإنكلترا‬

‫اللتين تعاقبتا على الانتداب على سورية ولبنان وفلسطين‪ ،‬وينسحب‬
‫الأمر نفسه على المسيحيين العراقيين‪ .‬أضف إلى ذلك أن قسماا كبيراا من‬
‫العرب المسيحيين يتك ّون من ريفيين لهم جذور محلية فائقة المتانة بما‬
‫في ذلك المصريين الذين يتديّنون بالعقيدة المسيحية القبطية‪ ،‬وبالتالي‬

‫فإن فرضية «اللاتجذر» عند شرابي منافية تماماا للواقع‪.‬‬

‫ويبدو أن شرابي على ما يرى قرم لم يتع ّرف إلى أعمال ثلاثة من كبار‬
‫الأدباء المسيحيين العرب هم جبران خليل جبران (‪)0990-0119‬‬

‫‪6‬‬

‫وميخائيل نعيمة (‪ )0919-0119‬وجرجي زيدان (‪ )0901–0180‬وقد‬
‫أعلن الأ ّولان جهاراا تعلّقهما بروحانية الشرق العربي‪ ،‬بالمقارنة مع‬
‫الحياة الحديثة في الغرب بحيث اداناها بش ّدة على غرار العديد من‬
‫المفكرين المسلمين‪ .‬أما الثالث فقد ع ّمم في شكل واضح تاريخ الإسلام‬
‫العربي وب ّسطه من خلال سلسلة من الروايات التاريخية‪ .‬هذا وقد تجاهل‬
‫شرابي ايضا الدور السياسي الكبير في ما بعد الفترة التاريخية التي‬

‫درسها للعديد من المسيحيين المعادين للإمبريالية‪ ،‬والمؤمنين بالقومية‬

‫العربية في كل من مصر وسورية ولبنان وفلسطين بمن فيهم المناضلون‬

‫القوميون و زعماء الحركات الفلسطينية‪.‬‬

‫ان كتاب جورج قرم يمكن النظر إليه كرحلة في الفكر العربي المعاصر‬
‫يمتزج فيها الفكر بالسياسة‪ ،‬والتاريخ بالاجتماع‪ ،‬وهذا النهج في تناول‬
‫الأمور لا يسلكه إلا القادرون من المفكرين الذين ينظرون إلى الوقائع‬
‫والأحداث من خلال ارتباطها بمراحل التاريخ‪ ،‬وبالسياق الاجتماعي‬
‫الاقتصادي الحي‪ .‬فكتاب قرم مرة أخيرة يكشف عن غنى الفكر العربي‬

‫وتن ّوعه بشيء من التفصيل الغنى الذي تفتح له القلوب والأذهان‪.‬‬

‫ولأهمية الطروحات التي تناولها د‪ .‬جورج قرم في كتابه‪" :‬الفكر‬
‫والسياسة في العالم العربي‪ :‬السياقات السياسية والإشكاليات من القرن‬
‫‪09‬حتى ‪ ،"70‬قام مجموعة من المفكرين والأكاديميين والإعلاميين‬
‫بعرض ومناقشة مضمون الكتاب حيث قدمت د‪ .‬فدوى نصيرات أستاذة‬
‫التاريخ الحديث في جامعة فيلادلفيا في القطر الأردني‪ ،‬عرضاا ل ّخصت‬

‫فيه محاور الكتاب وأضاءت جوانب لأبرز القضايا التي عالجها‪.‬‬
‫وأشارت للرؤية المنهجية العلمية النقدية للتطورات والتحولات في الفكر‬

‫السياسي العربي‪ ،‬منذ تفكك السلطنة العثمانية‪ ،‬مما يقدم مدخلاا منهجياا‬

‫‪7‬‬

‫لدراسات مستقبل الفكر السياسي العربي‪ .‬كما تناولت عرضاا للأوجه‬
‫المتعددة للفكر السياسي العربي منذ القرن التاسع عشر والتي تندرج‬
‫ضمن ثقافة غنية للغاية أصبحت منسية اليوم ج ّراء سيل الأدبيات‬
‫للإسلام السياسي التي ازدهرت خلال النصف الأخير من القرن العشرين‪.‬‬
‫ويستعرض الكتاب حيوية الفكر السياسي العربي والمجادلات الرئيسة‬

‫التي تميز بها عبر المحطات والتحديات التاريخية‪.‬‬

‫لقد برهن د‪ .‬جورج قرم‪ ،‬بأن العاملين في حقل الفكر السياسي العربي‬
‫ليسوا جميعاا من أنصار الإسلام السياسي الراديكالي أو المعتدل‪ ،‬بل‬
‫استمر العديد منهم في التعبير عن فكر نقدي عميق سواء على المستوى‬
‫الديني أو الفلسفي أو الأنثروبولوجي أو التاريخي‪ .‬وفي هذا السياق‪،‬‬
‫يقوم المؤلف بتحليل أعمال المفكرين العرب النقديين في إطار التغييرات‬
‫العملاقة الجيوسياسية والاجتماعية والاقتصادية التي حدثت في الوطن‬
‫العربي منذ قرنين‪ .‬وهو في ذلك يشرح كيف أن الدول الكبرى المسيطرة‬
‫على الصعد العسكرية والأكاديمية والعلمية‪ ،‬ساهمت‪ ،‬إلى أبعد الحدود‪،‬‬
‫في تهميش الفكر النقدي العربي‪ ،‬سواء فكر رواد النهضة العربية بمن‬
‫فيهم عمالقة الأزهر الإصلاحيون أو الفكر التقدمي الوحدوي الاشتراكي‬
‫العربي الذي ق ّدم مساهمات رئيسة في فهم القلاقل والاضطرابات التي‬
‫أصابت الوطن العربي‪ ،‬منذ حملة نابليون بونابرت في بداية القرن‬
‫التاسع عشر‪ .‬كما يشرح الكاتب كيف قامت تلك الجهات بتشجيع وتعميم‬
‫فكر الإسلام السياسي الذي يسعى الآن إلى تجميد الفكر العربي وحصره‬
‫في اطار الشخصية المتعصبة التي لها طابع الغيرية المطلقة بالنسبة إلى‬

‫الأديان والحضارات الأخرى‪.‬‬

‫‪8‬‬

‫ويقدم الكتاب بفصوله‪ ،‬دليلاا ومرشداا للاطلاع على الطابع التعددي‬
‫والنقدي للفكر السياسي العربي كما للفكر التاريخي والفكر الفلسفي‬
‫العربي‪ .‬ويذ ِّكر المؤلف‪ :‬بأن الثقافة العربية قبل الإسلام‪ ،‬وكذلك بعده‪،‬‬
‫تميّزت بالثراء والحيوية والتنوع ففيها ال ِّشعر بكل أنواعه إضافة إلى‬
‫الفن والموسيقى والغناء‪ ،‬كما يرى أيضاا في اللغة العربية وقدراتها‬

‫التعبيرية مخزوناا للوعي الجماعي الثقافي العربي‪ ،‬مهما كانت الجهود‬
‫المبذولة من قوى خارجية وداخلية لإذابة الشخصية العربية في قالب‬

‫مغلق‪.‬‬

‫ان الباحث والمفكر د‪ .‬جورج قرم‪ ،‬ينتمي إلى جيل المفكرين النقديين‬
‫الموسوعيين‪ ،‬الذين يناقشون المشكلات الثقافية والسياسية والاجتماعية‬
‫ضمن منظور منهجي متعدد المنابع‪ ،‬يستقي من المعرفة الحديثة ويقرأ‬
‫التراث بعمق ورصانة‪ ،‬ويسبر العلاقات المصيرية بين الكتلتين‬
‫الثقافيتين الكبيرتين‪ :‬الشرق والغرب‪ ،‬ضمن مسافة نقدية تتيح تأمل‬

‫الواقع والوقائع بروية وعمق‪.‬‬

‫ويتلخص هدف الكتاب‪:‬‬

‫‪ ‬في ضرورة إعطاء القارئ العربي وغير العربي نظرة شاملة عن‬
‫غنى الفكر العربي المعاصر وخصوبة أطروحاته‪،‬‬

‫‪ ‬كما يُطلِع الجمهور الواسع على الوقائع الفكرية للوطن العربي‬
‫في ارتباطها بالسياق الاجتماعي والاقتصادي الحي‪،‬‬

‫‪ ‬ويطرح القضايا الرئيسة في سياق حضاري معقد تواجه فيه‬
‫الامة تحديات مصيرية واستهداف فريد يسعى لاشاعة التمزق‪،‬‬

‫‪9‬‬

‫والعنف والإرهاب‪ ،‬والتخلف الاجتماعي والاقتصادي والعلمي‪،‬‬
‫كل ذلك من اجل اعاقة وحدتها ونهضتها‪.‬‬

‫‪ ‬محاولة المؤلف‪ ،‬الإجابة عن الأسئلة التي يمكن طرحها بشأن‬
‫العلاقة بين واقع الفكر السياسي العربي وعدم التعامل بنجاح مع‬
‫تحديات موجة العولمة الاقتصادية من جهة‪ ،‬و استيعاب عصر‬

‫الاكتشافات العلمية والتقنية من جهة اخرى‪.‬‬

‫ويدعو المؤلف من خلال فصول الكتاب وضمن معطيات تنوع الثقافة‬
‫العربية وحركيتها‪ ،‬إلى وجوب تثمين منجزات الحضارة الإسلامية التي‬
‫كان للعرب دور رئيسي فيها ‪ ،‬كذلك تثمين الثقافة العربية التي كانت‬

‫موجودة قبل الإسلام‪.‬‬

‫ومن الجدير بالذكر‪ ،‬ان الكتاب يشتمل على دراسة للنهضة العربية ما‬
‫بين ‪ ،0921-0121‬والنظريات والأحزاب المؤمنة بالقومية العربية‬
‫‪ 0911-0911‬والتيارات القومية العربية الأخرى ‪ ،‬ودور الفكر العربي‬
‫في مواجهة التآمر الدولي الذي ادى الى اخفاقات سياسية وعسكرية‪،‬‬
‫وأنواع التيارات المناهضة للقومية العربية‪ ،‬وغير ذلك من الفصول التي‬

‫تنتهي بنتيجة يقررها المؤلف ومفادها‪:‬‬

‫‪ ‬ذبول العلوم الإنسانية والاجتماعية العربية في ميادين الفكر‬
‫العربي‪ ،‬مما جعل الأجيال الحالية من المثقفين تعاني تجزئة‬
‫المعارف والتخصصات الصارمة في العلوم الإنسانية‪ ،‬وبالتالي‬
‫الفقر النسبي للإنتاج العربي في هذه العلوم وضعف ميزانيات‬
‫البحث‪ ،‬والتطبيق المحلي لمنهجيات علم الاجتماع الغربي‪ ،‬في‬

‫حين أن الجامعات الأجنبية والمراكز البحثية الكبرى في الغرب‬

‫‪01‬‬

‫وفروعها في الوطن العربي تمتلك إمكانيات مالية كبرى‪ ،‬الأمر‬
‫الذي يكون فيه البحث معداا لتلبية احتياجات الأجندات السياسية‬
‫والاقتصادية الغربية‪ ،‬وليس لحل المشكلات الداخلية للاقطار‬

‫العربية‪.‬‬
‫ودعا د‪ .‬جورج قرم إلى الحذر من الوقوع في فكرة "الجوهرانية"‬
‫بمعنى عدم تغير الشعوب والثقافات بسبب وجود صفات أبدية أو أزلية‬
‫لها‪ ،‬مما يقتل فكرة تطورها وفق سنن الحياة‪ ،‬وقال‪ :‬إن فكرة‬

‫"الجوهرانية" مستوردة من الفكر الغربي الألماني وانتقلت إلى روسيا‬
‫في مرحلة معينة‪ ،‬فهي ليست نتاجاا عربياا‪ ،‬وبالتالي من المهم تأكيد‬
‫قضية الاستقلال الفكري الفلسفي بحيث لا يظل هذا الفكر جامداا بمعزل‬

‫عن تطورات العصر ‪ ،‬ولا يقع من جهة أخرى في عبودية أفكار الغرب‪.‬‬

‫وفي ظل اختلال التوازن بين البيئات المتنوعة اجتماعياا‪ ،‬فقد اكد على‬
‫ضرورة الإجابة عن السؤال المتعلق بالإمكانات التي يمكننا بها إدراك‬

‫العالم؛‬

‫‪ ‬هل بإمكانات الثقافة العربية ؟‬
‫‪ ‬أم بالاستشراق الآتي من الغرب؟‬

‫ودعا المؤلف‪ ،‬في هذا الصدد للالتفات إلى أعمال مفكرين عرب ُكثر‬
‫أغنوا الفكر العربي والعالمي بالرؤى والأفكار المستنيرة‪ .‬وش ّدد على أن‬
‫وجود النخبة الواعية ضرورة نحو التطوير في منهجيات التفكير‬
‫واحداث مزيد من الوعي لمسارات العالم‪ .‬التي تتجاوز اليوم مرحلة‬
‫الصناعة إلى مرحلة الذكاء الاصطناعي‪ .‬والتأكيد على أهمية امتلاك دور‬

‫في الابداع العلمي والتقدم التكنولوجي الذين يشكلان أساس الصراع‬

‫‪00‬‬

‫الحالي والمستقبلي في النظام الدولي‪ ،‬والذي سيستمر حتى ظهور‬
‫تحولات كونية جديدة تؤسس نحو التغيير الشامل‪.‬‬

‫إن كتاب الفكر والسياسة في العالم العربي في معالجته للفكر والسياسة‬
‫وتطور الفكر العربي يجيب على الكثير من الأسئلة ذات الافاق‬
‫المستقبلية والمطروحة حالياا على الصعد الفكرية والسياسية‬
‫والاقتصادية والاجتماعية‪ ،‬اضافة الى كونه يشكل دراسة علمية نقدية‬
‫تشمل أيضاا الفكر الغربي لاسيما الاستشراقي منه الذي حاول أن يش ّوه‬

‫الفكر العربي السياسي وحتى الفكر العربي الديني‪.‬‬

‫محاور التوجهات ال ُمستقبلية للدراسات في هذا المجال ‪:‬‬

‫بناء على ما تقدم‪ ،‬يفترض الاستمرار في مناقشة الاعمال النقدية للفكر‬
‫السياسي العربي من قبل المثقفين العرب في ندوات متعددة‪ ،‬بغية تطوير‬
‫الرؤية العربية المستقبلية المشتركة إزاء حاجات مجتمعنا في الوطن‬
‫العربي و تنشيط التفاعل مع التطورات العالمية‪ ،‬ولا سيما فيما يتعلق‬
‫بالحقوق والعدالة‪ ،‬والمشاركة والديمقراطية والتعددية‪ ،‬وكذلك قدرتها‬
‫على دخول العصر الحديث في كل المجالات وعلى رأسها التنموية‬
‫المعنية بالصناعة والزراعة والتجارة الدولية‪ ،‬والحفاظ على ثروات‬
‫الأ ّمة وتنميتها وافشال مؤامرات خنقها والعمل على تنوع مصادر الدخل‬

‫القومي ‪ ،‬لضمان مستقبل أجيالها‪.‬‬

‫أن تلاقي الأفكار وتفاعلها عبر الحوار سيمكن من توفير الجهود الفكرية‬
‫وتعميق الحوار بين رواد الفكر والرأي‪ ،‬من شأنه أن يوفر ضمانات‬
‫لمستقبل ومصالح الأ ّمة العربية في حياة توفر الكرامة؛ كرامة العقل‬

‫والتفكير‪ ،‬وكرامة العيش‪ ،‬وكرامة الإنسان ككل والمجتمع دون تميز‪،‬‬

‫‪02‬‬

‫على أسس النزاهة والكفاءة‪ ،‬وفي إطار من الارتباط بواقع المجتمعات‬
‫الإنسانية والالتزام بالقضايا المصيرية‪ ،‬مايعيد للفكر العربي حيويته من‬
‫خلال تحقيق معادلة الأصالة والمعاصرة‪ ،‬والقدرة الخلاقة على اثراء‬

‫ثقافة نهضوية معاصرة‪.‬‬

‫وهنا ومرة اخرى لابد من التأكيد على ضرورة الإجابة عن السؤال‬
‫المتعلق بأي الإمكانات يمكننا إدراك العالم؟‪:‬‬

‫‪ ‬هل بإمكانات الثقافة العربية فقط ؟‬
‫‪ ‬أم من خلال التكييف مع الحداثة؟‬

‫وهذا ما يتطلب الدعوة للالتفات إلى أعمال المفكرين العرب الذين أغنوا‬
‫الفكر القومي العربي والعالمي بالرؤى والأفكار المستنيرة‪.‬‬

‫نستخلص‪ ،‬ان القوى الخارجية والقوى الداخلية الماضوية‪ ،‬لن تتمكن‬
‫من تدمير الشخصية العربية‪ ،‬لكن في الوقت نفسه‪ ،‬فإن وجود النخبة‬
‫المثقفة الواعية يشكل ضرورة نحو التطوير العلمي في منهجيات التفكير‬
‫والانفتاح والمواكبة و الوعي العميق لطبيعة واهداف المسارات العالمية‬

‫نحو ال ُمستقبل‪.‬‬

‫ولتحقيق الأهداف ال ُمستقبلية في التطور الفكري السياسي والاجتماعي‬
‫والاقتصادي‪ ،‬لابد ان يتبلور الدور الفاعل للفكر العربي في إيجاد الحلول‬
‫العلمية والمعالجات الابتكارية لإنقاذ الواقع العربي من مختلف مظاهر‬
‫وأوضاع التردي الناجمة عن الخلافات السياسية البينية والهيمنة‬
‫الاقتصادية والعسكرية الخارجية وانتقاصها من حقوق السيادة للاقطار‬
‫العربية‪ .‬وهذا يتطلب عملا ابداعياا دؤوباا لبناء مشروع النهضة العربية‬

‫‪03‬‬

‫لتحقيق الانتقالات النوعية التاريخية نحو النجاح في مواجهة التحديات‬
‫الشرسة التي تستهدف الامة العربية والتي افرزت التخلف الحضاري‬
‫والعلمي والتكنولوجي الذي تعاني منه‪ ،‬وبما يوفر السبل المناسبة‬
‫لامتلاك مقومات مشروع النهضة العربية‪ ،‬لتحقيق الإرادة ال ُمستقلة عن‬
‫أي شكل من اشكال الهيمنة الدولية والإقليمية ومشاريعها الاستعمارية‬
‫التوسعية‪ ،‬واستمرار التفاعل العلمي الخلاق مع تجارب الشعوب والأمم‪.‬‬

‫ولابد من التذكير بأهمية العمل الجدي على ان يتجاوز الفكر العربي ما‬
‫يعانيه من تداعيات التجزئة السياسية والاقتصادية منذ اتفاقية سايكس‬
‫بيكو وحتى الاشكال المختلفة من الاستقلال غير الناجز‪ ،‬والعوامل‬
‫المعيقة الاخرى‪ ،‬التي كبلت العقل العربي وافضت الى عدم قدرته على‬
‫تحقيق انتقالات نوعية وتدشين دور تاريخي يضع الثقافة العربية على‬
‫قائمة الحضارة الإنسانية‪ ،‬التي تتجاوز اليوم مرحلة الصناعة إلى مرحلة‬
‫الذكاء الاصطناعي بامتياز‪ ،‬مما يطرح على المثقفين العرب أهمية العمل‬
‫الابداعي لامتلاك دور في التقدم العلمي والتكنولوجي‪ ،‬الذي يشكل أساس‬
‫الصراع الحالي والمستقبلي في النظام الدولي‪ ،‬والذي سيستمر حتى‬

‫ظهور تحولات كونية جديدة تدعو إلى التغيير ‪.‬‬

‫إن التطور التكنولوجي الهائل في الواقع المعاصر اليوم يمثل المستقبل‪،‬‬
‫مما يعكس الحاجة للتنوير الفكري‪ ،‬والقدرة على إيجاد حلول علمية‬
‫مبتكرة لمواجهة التحديات المعاصرة الكبرى بردود علمية وفكرية‪،‬‬
‫والاهتمام بدور الشباب العربي في الوطن وفي خارجه وخاصة المتواجد‬
‫في الدول الغربية ليتحمل مسؤوليته في نشر الثقافة العربية ورسالة‬

‫الامة الحضارية المعاصرة وقضاياها باللغات الأجنبية‪.‬‬

‫‪04‬‬

‫ولأن الأفكار والنظريات لا يمكن ان تتطور إذا بقيت البنى الاقتصادية‬
‫والسياسية والاجتماعية في حالة ركود وتخلف‪ ،‬لذا لابد من نهضة‬
‫علمية وحضارية شاملة تتحقق من خلال استيعاب كل ماهو جديد وذو‬
‫ابعاد مستقبلية لتحقيق ذلك وفتح آفاق واسعة للعقل والتطور الفكري‬

‫الذي يطمح به ابناء الامة في صراع البقاء والوجود الذي تخوضه‪.‬‬

‫‪05‬‬


Click to View FlipBook Version