ن ازر السام ارئي
الجزء الأول
أيلول 2020
الب ارق للد ارسات والبحوث والتوثيق
القمع الفكري وأثره في كتابة التاريخ
(عندما أرى ما تفعله المعارضة الع ارقية مع الأسرى الع ارقيين أشك في وطنيتي).
(هاشمي رفسنجاني)
استكمل الغ ازة الأمريكيون والبريطانيون ومعهم قوات من دول حلف الأطلسي ومليشيات
من الخونة الع ارقيين كانت إي ارن قد دربتها وهيأتها بالتنسيق مع دول العدوان ،استكملوا آخر
صفحات الغزو وذلك باحتلال بغداد واسقاط تمثال الرئيس صدام حسين في ساحة الفردوس،
يوم 9نيسان /أبريل ،2003ومن مفارقات هذا التاريخ ،أنه هو اليوم الذي تم توقيع أول
معاهدة صداقة وتعاون است ارتيجي بين الع ارق والاتحاد السوفيتي السابق عام ،1972مما
يعطي درسا بليغا لكل دول العالم بأن الأمن الاست ارتيجي لا يتحقق بتحالفات خارجية غير
متكافئة ،وأن سيادة الدول الصغيرة ووحدة أ ارضيها تحققهما هي لوحدها اعتمادا على جملة
عوامل إذا ما أحسنت استخدام طاقاتها البشرية والاقتصادية على الوجه الأكمل ،أي أن الأمن
الذاتي لا يوازيه الأمن المجلوب من الخارج مهما اشتملت الضمانات التي تعرضها الدول
الكبرى من وعود واغ ارءات.
فإذا كان التاريخ يكتبه المنتصرون كما يقال ،فمن هو المنتصر في الع ارق في عدوان
2003؟ هل هم الأمريكيون؟ إذا كان لهم تاريخ يكتبونه عن هذه الحرب ،فإن الأمر لن يتعدى
كيفية التحضير للملفات السياسية التي لفقتها المخاب ارت المركزية الأمريكية بالتعاون مع أجهزة
الاستخبا ارت الغربية ،ثم التنسيق الذي أجرته مع بعض الدول العربية التي وضعت تحت
تصرف الغ ازة الأموال اللازمة وفتحت لها حدودها للتحشيد لشن العدوان ،وسلمتها قواعدها
البحرية والجوية ومم ارتها المائية ،وكذلك لن تكتب أكثر من تفاصيل المعارك التي اشتبكت
خلالها القوات الأمريكية منذ ليلة 19على 20آذار 2003حتى 9نيسان ،وما واجهته من
مقاومة ضارية في أكثر من جبهة ،ولكن فارق القوة والقدرة على تعويض الخسائر مكنّها من
2
الب ارق للد ارسات والبحوث والتوثيق
التقدم نحو بغداد حتى احتلتها بعد معارك استخدمت فيها اليو ارنيوم المّنضب وخاصة معركة
مطار بغداد الخالدة ،ثم ما أعقب الاحتلال من فعل مقاوم امتد من ذلك اليوم حتى تم ّكن الغ ازة
من زرع فتنة صحوات الغدر السنية ،التي لعبت أقذر الأدوار في الإجهاز على المقاومة
الوطنية المسلحة التي كبدت الأمريكان خسائر فادحة أعادت للذاكرة الجمعية الأمريكية مآسي
الهزيمة الأمريكية في فيتنام ،ويعترف قادة عسكريون أمريكان أن الصحوات كانت بمثابة قارب
نجاة لهم من المأزق الذي تورطوا فيه.
أم كان الإي ارنيون هم المنتصرين؟
الإي ارنيون تاريخيا أجبن من أن يتورطوا في حرب مباشرة مع الع ارق وجها لوجه ،لا سيما
وأن سجلهم التاريخي يذ ّكرهم دائما بثلاث ه ازئم منكرة مع الع ارقيين أو كان للع ارقيين الدور
الأبرز فيها ،تبدأ بمعركة ذي قار ثم معركة القادسية التي قوضت أركان الإمب ارطورية الساسانية
في عهد الخليفة الفاروق رضي الله عنه ،أو القادسية الثانية (قادسية صدام) التي جّرعت
الخميني كأس السم باعت ارفه هو ،لذلك لا يمكن أن يعتبر أحد من المؤرخين إي ارن من
المنتصرين في حرب لم تخضها بأي قدر من المقادير.
إذن من هو المنتصر في هذه الحرب ومن هو المهزوم؟
باختصار شديد المهزوم في الصفحة الأولى من المنازلة كان الشعب الع ارقي الذي
تضافرت عليه تحالفات قوى الشر من الجهات الأربع ولكنه سرعان ما استعاد ما يختزنه من
عزم فانطلقت أسرع مقاومة عرفها شعب من الشعوب ،وبدأت تنشر الموت في صفوف المحتلين
في مواجهة غير متكافئة ولكنها كبدت العدو المحتل فوق ما يتصور من خسائر ،فبعد أن
تجّرعت الولايات المتحدة وبريطانيا ذل هزيمة ما كان بإمكانهما تصورها في أي ظرف ،لجأتا
إلى سلاح الاستعمار القديم ،وهو الثأر من الشعب الع ارقي بإثارة الفتن الدينية المذهبية والعرقية،
ولهذا فقد عاش الع ارق منذ ذلك الوقت أكثر حقبه التاريخية سوادا ورعبا وقمعا ،مارسته مليشيات
مسلحة نفذت مهماتها على مرحلتين ،الأولى بدعم مباشر من سلطة الاحتلال أو بدعم معبٍر
3
الب ارق للد ارسات والبحوث والتوثيق
عنه بصم ٍت وبغ ِض النظر عن ج ارئمها التي كان معظم ضحاياها من الأف ارد أو الجماعات
التي لا صلة لها بالعمليات الحربية ،أو المؤسسات الحكومية ،فغرقت الدولة في مستنقع
الفوضى المنظمة التي خطط لها المحتلون الكبار وأوكلوا مهمة الإش ارف عليها إلى الوكلاء
الصغار.
كان القمع السياسي والفكري وتسخير موارد السلطة من سلاح وأموال ،على مر العصور
أهم الأسباب التي أدت إلى إشاعة أجواء الهلع الفردي أو الجمعي واظهار ما لا يخفي من
القناعات ،حتى تحول السلوك السائد سلوكا منافقا يسعى لقلب الحقائق وتزييفها وخاصة في
مجال تدوين الأحداث الجارية بحيث يدخل عليها الغرض السياسي ،فتقل ُب الحقائق التاريخية
التي يجب أن تسرد كما هي من دون إضافة أو حذف ثم يترك أمر تفسيرها للمهتمين من
باحثين أو مؤرخين ،واذا كان القمع سببا في طمس كثيٍر من الصفحات التي ي ارد طمسها
وتجاوزها من التدوين ،فإن التاريخ العربي هو الأكثر تعرضا للأهواء والأغ ارض في تدوينه،
بسبب التباين الحاد بين توجهات السلطات التي تعاقبت على حكم الدولة العربية الإسلامية
من نهاية حكم الدولة ال ارشدة بل حتى في السنوات الأخيرة من حكمها ،والذي كان يصل حد
الصدام المسلح ،فقد تنقّل الحكم بحد السيف بين تلك الدول وهذا ما فرض وجهات نظر
المتصدين للحكم على التدوين والفقه والأدب ،إما نتيجة القمع الذي كانت تلك السلطات تمارسه
فعلا ،أو نتيجة نزعة البعض نحو الكسب والتقرب من السلطان بصرف النظر عن المواقف
السياسية.
قلت في بداية المقال إن التاريخ يكتبه المنتصرون وهذا حكم عام وهو صحيح ولكنه لا
يصح في كل زمان ومكان ،ففي الع ارق ،مما مّر على الأمة من أحداث ،يمكن أن نتعرف
على مدونات في تاريخ التشّيع ُينظُر إليها كمسلما ٍت مقدسة ،وهي تفتقر إلى الدليل العقلي،
وتم ّكن الإلحاح الفارسي في التدوين وال ُخ َط ْب من خلال تك اررها من تحويلها من مجرد روايات
مرسلة إلى حقائق ثابتة ،بل فرضت نفسها على الشارع الع ارقي وكأنها لوحدها التي تحمل
المصداقية وما عداها مجرد حكايات من دون دليل ،فمن أين جاءت وكيف تسللت إلى كتب
التاريخ وكأنها استعارت العبارة الاقتصادية المشهورة "العملة الرديئة تطرد العملة الجيدة من
4
الب ارق للد ارسات والبحوث والتوثيق
السوق" ،فإذا كان الشيعة يقولون إنهم مظلومون عبر التاريخ الإسلامي فكيف مّرروها إلى
المدونات التاريخية إذا كان التاريخ يكتبه المنتصرون فقط؟
نعرف أن الشيعة لم يتس َن لهم الوصول إلى الحكم بمنهاج التشّيع المعروف في الوقت
الحاضر بتفاصيله وممارساته ،حتى أثناء خلافة علي بن أبي طالب رضي الله عنه والتي
استمرت لخمس سنوات تقريبا ،ومع ذلك فإن التاريخ الذي كتبه المدونون الشيعة خلال أربعة
عشر قرنا قد خضع لأكبر عملية تزوير عبر العصور ،كما لم يحصل في تاريخ أية أمة
أخرى ،ولنضرب أمثلة على أهم الأحداث التي كتب تفاصيلها مدونون شيعة أخذوا صفة
المؤرخين بمرور الوقت لما أضفاه عليهم أتباعهم من هالة الصدق والدقة والأمانة في تثبيت
أحداث عاشتها الأمة ،ولعل أبرزها:
أولا :موضوع غدير خم وما ُنسب للرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ،من أنه أوصى
لعلي بن أبي طالب من بعده بالولاية ،وهذا لا بد أن يطرح تساؤلات مل ّحة ما ازلت تتردد على
الألسن منذ 1400سنة من دون أن تجد لها إجابة وافية.
هل تمّرد المسلمون على ما قاله لهم نبُيهم الذي كانوا يطيعونه حتى في الإقدام نحو
الموت إذا ما أمرهم به ،وبمجرد انتقاله إلى الرفيق الأعلى انقلبوا عليه ،واختاروا شخصا
آخر كخليفة للمسلمين من بعد النبي الكريم صلى الله عليه وسلم؟
هنا يطرح سؤال منطقي هل كانت كلمة أبي بكر الصديق أمضى عند المسلمين من
أمِر النبي الكريم ،ذلك أن أبا بكر أوصى بالخلافة من بعده لعمَر بن الخطاب فأذعن
المسلمون لأمره أو أطاعوه عن طيب خاطر ،فكيف نجد تفسيرا لهذا التناقض الذي يحمل
إساءةا بالغة لمكان ِة النبي الكريم؟ ما لكم كيف تحكمون؟
ثانيا :حديث الكساء ،ومن هم المشمولون بحكم الآية الكريمة (َوأَ ِط ْع َن الّلَ َه َوَر ُسولَ ُه ،إَِّن َما
يُِريُد الّلَهُ ِليُْذ ِه َب َعن ُك ُم الِّرْج َس أَ ْه َل اْلَبْي ِت َويُ َط ِّهَرُك ْم تَ ْط ِهياار) ،فقد ظل الشيعة يؤكدون أن
المقصودين بحكم هذه الآية هم (علي بن أبي طالب وفاطمة الزه ارء وأولاده منها) ،في حين
5
الب ارق للد ارسات والبحوث والتوثيق
أن تدفق الصور العقلية في الآيات الكريمة من سورة الأح ازب لا يترك أدنى مجال للشك في
أن المقصود بها هن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم المطه ارت من الأرجاس.
ثالثا :ما جاء في خطبة الرسول الكريم في حجة الوداع (فلا ترجعوا بعدي كفااار يضر ُب
بع ُضكم رقا َب بع ٍض ،فإني قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا من بعدي كتاب الله
وسنتي) ،وهنا يدخل التزوير الشيعي فيلغي كلمة سنتي ويضع بدلا منها "عترتي أهل بيتي"،
هنا لا أريد أن أخوض فيما خاض به الأولون ،ولكنني أقول شيئا واحدا:
من هم أهل بيت النبي؟ ومن منهم ما ازل على قيد الحياة كي نرجع إليه للتعرف منهم
على أمور الدين والدنيا؟ واذا كان المقصود من هذا النص ت ارثهم المكتوب في كتب الشيعة
المعتمدة فمن هو الأولى بالإتباع؟ ت ارث النبي صلى الله عليه وسلم أم ت ارث أبناء علي من
أئمة الشيعة الاثني عشر؟ أم أن تحريف النص كان يهدف إلىُ تكريس سلطة ما يسمى بالسادة
من رجال الدين الشيعة على أتباعهم وما يتبع ذلك وخاصة بالسطو على جهدهم باستيفاء
ال ُخمس؟
اربعا :ما ارفق معركتي الجمل وصفين من سرد من كل طرف على ما يشتهي ،بحيث
أدخلوا المؤرخين في حيرة والتباس لم يتمكنوا من الخروج منه حتى اليوم ،لا بل أدخلت العصبية
المرتدية ألبسة دينية إلى جانب علي بن أبي طالب رضي الله عنه ،مستندة من ق اربته من
الرسول الكريم صلى الله عليه وسلمُ ،سلما للقفز فوق حقائق ما حصل ،وفي الجانب الآخر
أي الذين نقلوا وقائع المعركة كما حصلت أو الذين انحازوا إلى جانب معاوية بن أبي سفيان،
فقد نقل المدونون صو ار مغايرة تماما لوقائع المعركتين ،ورسم المدونون وخاصة في القرنين
العشرين والواحد والعشرين صورة ما حصل انطلاقا من عصبية متطرفة ،حيث ارتدى التشي ّع
طابعا متعصبا وقمعيا من خلال تبني إي ارن خميني له ،وتكفير كل من لا يأخذ بتفسيرهم أو
حتى ق ارءتهم للتاريخ ،مما أشاع أسوأ أنواع القمع الفكري والسياسي والعقائدي المدعوم بالإرهاب
المسلح الذي تتبناه فصائل مسلحة أنشأها النظام الجديد في إي ارن بعد وصول خميني إلى
السلطة في 11شباط .1979
6
الب ارق للد ارسات والبحوث والتوثيق
خامسا :ولعل ما حصل في واقعة الطف والتي استشهد فيها الحسين رضي الله عنه على أيدي
عشائر ورطته بالمجيء إلى الع ارق ثم خذلته كما خذلت أباه وشقيقه الحسن رضي الله عنه
من قبل ،ما َيحكي صو ار من مأساة كتابة التاريخ ،فقد تحول سرد تفاصيلها إلى ت ارجيديا من
الأدب الشعري أكثر مما هو سرد للحقائق ،وهنا برز غلو الع ارقيين في تعاطيهم مع ما كل
يمر بهم من أحداث.
اللافت أن أحفاد قتلة الحسين ما ازلوا يعيشون في الكوفة وكربلاء والنجف وما جاورها،
ثم تحولوا إلى مطالبين بالثأر من قتلته ولكن ليس في موقع ألطف بل في نينوى والأنبار
وصلاح الدين ،تلك هي الصفحة المأساوية المرة التي ما ازل التاريخ العربي الإسلامي يدفع
أثمانها الباهظة بين ُمتاجٍر بها عن غير وعي واد ار ٍك ،وبين حزين صادق في حزنه لما حصل
لابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم تُرَع له مكانتُه من النبي الكريم.
ولعل أكبر مفارقة في تلك المأساة أن مرتكبيها هم من أقرب خاصة علي بن أبي طالب
في حروبه المختلفة ،ولكن كان للم ازج الع ارقي المتقلب دوره في رسم صور الت ارجيديا
الحسينية.
ما عاشته الأمة من ص ارعات سياسية وفكرية ون ازعات مسلحة منذ 1400سنة ،بدا
وكأنه تج ّمع في سلة واحدة واختار الع ارق أن يحتكر استي ارده أكثر من أي مكان آخر في
العالم ،فأعطى نفسه حق النيابة عن مسلمي العالم أجمع ،ليحمل عنهم عبء المت اركم من
الأزمات والمحن الناجمة عن خلافات قديمة ومستحكمة عجزت الأجيال السابقة من مفكرين
وعقلاء وعلماء عن حلّها ،وأدت إلى ن ازعات وص ارعات دموية لم يعشها أحد من الأجيال
المعاصرة ولكنها سيطرت على مشاعر الجيل الحالي أكثر مما عاشها أصحابها الأصليون،
وتف ّجر ذلك الخزين كلُه دفعة واحدة خلال فترة ما بعد الاحتلال الأمريكي عام ،2003فلقد
حفلت هذه الفترة الوجيزة بأكبر قدرٍ من التعاطي المغرض مع التاريخ العربي الإسلامي من
قبل معممين جهلة و"رواديد" لا هم لهم إلا كسب المال على قدر نجاحهم في صناعة الحزن
7
الب ارق للد ارسات والبحوث والتوثيق
الجمعي والنواح وانت ازع دموع ع ارقيين مجبولين على التفاعل مع الأح ازن أكثر مما يعرفون
طقوس الفرح والأمل دموع تبحث لها عن أي سبب لتهطل بغ ازرة ،فأعاد متصدرو المشهد طرح
الص ارع بإضافة مجلدات إلى ما حصل في القرن الأول الهجري بصور ت ارجيدية معاصرة
اقتبسوها مما تعلّموه من القاموس الفارسي الز اردشتي.
وواقعة السقيفة المعروفة بعد رحيل الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى
والتي أسفرت عن مبايعة الصديق أبي بكر رضي الله عنه بالخلافة ،وق ارره التاريخي بمواجهة
حروب الردة التي كادت أن تعود بالعرب إلى جاهليتهم الأولى ،ثم وصية الصديق بالخلافة
للفاروق عمر بن الخطاب عندما حضره الموت ،وعهد عمر بن الخطاب بعد أن طعنه الفارسي
أبو لؤلؤة وهو يؤم المسلمين في صلاة الفجر في المسجد النبوي الشريف ،لمجلس الشورى
لاختيار الخليفة من بعده والذي اختار عثمان بن عفان رضي الله عنه ،ثم واقعة اغتيال ذي
النورين والتي كانت إيذانا ببدء الفتنة الكبرى في تاريخ الإسلام ،ثم استخلاف علي بن أبي
طالب رضي الله عنه ،أحداث باتت هي وما أعقبها من أزمات متناسلة بدأت بمعركة الجمل
وحروب الخوارج ومعركة صفين ثم انتقال الحكم إلى الدولة الأموية ،ازدا يوميا لألسنة تبحث
عن فقه الاختلاف أكثر من بحثها ع ّما يوحد كلمة المسلمين و ارء كلمة التوحيد ،كل هذا الحمل
الثقيل من الوقائع والافت ارء على التاريخ ،فتقّت ذهن الع ارقيين المعروفين بغلوهم في الولاء
والب ارء في الحب والك ارهية ،على إضافات تاريخية لم يعرفها الأولون وتم حذف كثير من
صفحات الصفاء في التاريخ العربي من وقائع مؤكدة.
وكان حجب الخلافة عن علي بن أبي طالب على ما يقول الشيعة في أدبياتهم ،محو ار
لتاريخ متصل من الص ارع مع أنه حدث مضى وانتهى في وقته ،ومحطة لإنتاج أزمات متواصلة
وأخذت بعدها المأساوي في استشهاد الحسين رضي الله عنه في واقعة ألطف في عاشو ارء،
وربما كان حجم التحريف الذي تعرض له تاريخ الواقعة منذ 2003وحتى الآن هو الأكبر،
حتى وصل إلى أن نوري المالكي قال أثناء التحضير لمعركة ضد "داعش" في المحافظات
السنية( ،إن المعركة بين أنصار الحسين وأتباع يزيد) وجعل من ذلك الشعار منهاجا لغلاة
الشيعة في سلطة الأمر الواقع في الع ارق ،فهل لمعركــــــــــــــة ألطّف امتدادات تتجدد كلمـا أرى
8
الب ارق للد ارسات والبحوث والتوثيق
مسؤول سياسي فاشل أن مصلحته تقتضي استخ ارجها من كتب التاريخ واقامة متاريسها
واعداد أسلحتها في المكان الذي اختاره لها؟ لقد كان هذا التوظيف هو الأسوأ مما حصل في
الماضي والحاضر معا ،فهو الأكبر من بين كل التصو ارت والحكايا التي نُسجت بدقة لتنتزع
البكاء وجلد الذات ولتستثير الأحقاد والضغائن وتنشر الفتنة والاقتتال بين المسلمين ،فقد حصل
تزوير وأضيفت مشاهد وأساطير وخ ارفات إلى الواقعة ،كان الشيخ أحمد الوائلي وعدد من ذوي
الغيرة والحرص على التشّيع والخائفين عليه قد حذروا من أن تتحول مأساة الحسين رضي الله
عنه إلى "مسخرة" على حد وصف الوائلي مما يلحق أفدح الأض ارر بفكرة التشيع نفسه ،ولكن
القضية تحولت إلى تجارٍة ارئجة ومصدر ث ارء لمرتزقة يكتنزون منها عش ارت بل ومئات الملايين
من الدولا ارت ،ومن يحاول عقلنة أحداثها يتحول إلى هدف لسهام ورماح تنتظر نصب شاخص
لتختبر جدارتها في التصويب.
إن القمع الذي تمارسه الطبقة الدينية التي تقود المذهب والتي تمسك بأدوات السلطة من
مال وقوة عسكرية ،على كل صوت يحاول إخ ارجه من القوالب المصّنعة في فارس ،تجسّد
بشكل كامل ما يجري حاليا في الع ارق ،فإحساس الشيعة بالاضطهاد المزمن منذ 1400سنة
والذي يبدو أنه لا يريد مغادرتهم على الرغم من أنهم تحولوا من الفئة المظلومة إلى الفئة
الحاكمة القادرة على إ ازلة الظلم عن نفسها بل وظلم الآخرين ،جّر كتّاَبهم ومدونّيهم إلى صناعة
تاريخ ازئ ٍف ومحّر ٍف ومخٍز بكل معنى الكلمة ،يستحث فيهم كل نوازع الانتقام ،ولنركز على
الظاهرة العاشو ارئية التي تفاقمت صورها المستحدثة منذ 2003وحتى الآن ،فقد حصل أكبر
تزوير لأحداث حركة الحسين منذ تلقيه آلاف الرسائل بالبيعة من أهل الكوفة وتَعُده بالوقوف
معه في قيامه ضد الدولة الأموية.
ربما ينظر بعض المهتمين إلى أن تدوين التاريخ هو أهم مفردة في كل هذا المشهد ،لكن
هناك غيرهم ممن يعتقد أن ما يعانيه الناس من القمع الانتقائي مما يتسبب بالقهر الجمعي،
يتقدم على التدوين في أهميته ،لأّنه يفترض أ ّن سلوكا للفئة المستهدفة بالقمع سيبرز على
السطح مما لا يعبر عن حقيقة مشاعرها أو قناعاتها ،وهذا النوع من الاستعباد هو أسوأ ما
يعيشه المجتمع أف اردا وجماعات ،وهذه الحالة الإنسانية المتردية إلى أدنى درجات الذل هي
9
الب ارق للد ارسات والبحوث والتوثيق
التي جاءت الأديان السماوية وحركات التثوير والتنوير الفكري في العالم للقضاء عليها وعلى
معاناة الإنسان من ويلات الذل والعبودية ،لأن القوة يمكن أن تفرض وضعا معينا على المجتمع
أو فئة منه لوقت محدود ،ولكن هذه العوامل نفسها هي التي تدفع به للثورة على القهر والقمع،
مع كل ما ي ارفقها من أحداث مأساوية أو دموية وخاصة عندما يتساوى الموت قه ار أو الموت
تحت سياط الجلادين أو القتل في ساحة المنازلة ،وعادة ما يعقب مثل هذه الثو ارت أو الفو ارت
انتقام سينال كل المتسببين في مآسي الحقبة السابقة ،وربما يسود خلالها شعار الثورة الفرنسية
(الموت للنبلاء المذنب منهم والبريء) إن كان ثمة بريء من مسرح الذل المنصوبة خيمته فوق
أرض العرب ،فسلطة العقل ستتعطل أمام فورة الغضب.
لقد شهدت فترة حكم سلطة الأمر الواقع المفروض إي ارنيا وأمريكيا في الع ارق ،والذي
يحكم باسم الشيعة صدقا أو كذبا ،خروجا على قواعد القانون الدولي والإعلان العالمي لحقوق
الإنسان بل خروجا على كل الشعا ارت التي تطرحها سلطة الحكم ،التي استدرجت إليها الرعاع
من سفلة المجتمع ليكونوا أدوات بيد مليشيات مسلحة مارست القتل والتهجير والتغييب على
معارضيها ،وارتكبت أسوأ أنواع القمع والقهر واذلال الناس الذين يحملون عقائد أخرى ،كل
ذلك أمام سمع الحكومة وبصرها ودعمها وتسليطها عليهم حثالات المجتمع ومنبوذيه بعد أن
جهزتهم بالسلاح ودربتهم على استخدامه والتلويح به استف از از للك ارمة الإنسانية ،وخاصة في
المحافظات ال ُسنّية ومدنها.
ولم يتوقف سيل الدم بعد واقعة الطف سريعا بل تدفق غزي ار في الكوفة ،إذ قاد المختار
بن عبيد الثقفي ثورة للانتقام من قتلة الحسين ،وسيطر على الكوفة واستمر حكمه لمدة 18
شه ار ،ويقال إن أرس عمر بن سعد والشمر بن ذي الجوشن جيء بهما إليه بصينية من ذهب،
كما قتل عبيد الله بن زياد بعد أن سّير المختار إليه إب ارهيم بن الأشتر فقتله في الموصل.
ولكن الأمر لم يستتب للمختار طويلا فقد ثارت عليه الكوفة التي كانت مدينة أخلاط
استوطنها كثير من الفرس ،وانتصر عليه مصعب بن الزبير الذي أعلن الثورة لدعم ثورة أخيه
عبد الله بن الزبير في مكة المكرمة ،وجيء ب أرس المختار إلى مصعب بنفس الصينية على
ما تقول روايات غير موثقة تسردها الذاكرة الشعبية الع ارقية ،ولكن الرواية التاريخية تقول إن
10
الب ارق للد ارسات والبحوث والتوثيق
مصعبا أمر بتعليق أرس المختار على جدار مسجد الكوفة كما أمر مصعب بكف المختار
فقطعت وس ّمرت بمسمار إلى جانب مسجد الكوفة ،حتى ظهر الحجاج بن يوسف الثقفي فأمر
بإن ازله ودفنه في َنزعٍة قبليٍة لم يذكرها كارهو الحجاج له.
ومن يتابع ما ُكتب في تلك الحقبة من مدونات تاريخية أو نصوص أدبية سيجد أنها
تنتمي إلى ضفتي نهر مختلفتين في كل شيء ،فكل فريق يكتب على هواه ويصور الأحداث
ليس من ال ازوية التي كان يرصدها فيها وان كانت مكانة الحسين من النبي الكريم قد أدت إلى
انحسار الروايات المحايدة أو المنحازة إلى جانب القتلة ،لهذه الأسباب وغيرها ترسخت الصور
الذهنية التي تخيلّتها العواطف انحيا از لهذا الطرف أو ذاك ،ولقد برز الفكر الشيعي كفكٍر يركز
على خطأ كل المذاهب التي لا تشاطره الإق ارر بفكرة الولاية ولا تعترف بعصمة الأئمة ،هذا
فكر تكفيري يسبق كل الحركات التكفيرية التي ظهرت في حق ٍب لاحقٍة من عمر الإسلام ،ولهذا
نلاحظ التصادم في كل شيء بالسيوف والأفكار والشعر وفي كتابة التاريخ ،ولم يتوقف الأمر
على هذه الحقبة الصاخبة من الزمن العربي فقط ،بل عاد المؤرخون إلى تخطئة كل ما لا
ينسجم مع هواهم وميلهم ،عودة إلى عصر الرسالة كما مّر ذكره في الحديث عن خطبة حجة
الوداع وغدير خم وواقعة السقيفة وهكذا.
أما ما حصل في العصر العباسي من كتابة للتاريخ ،فربما يتطلب وقفة طويلة للتدبر فيه
كله ،نظ ار لدخول العنصر الفارسي على خط السياسة والدين ودواوين الدولة ومجالس الخلفاء
والتدوين والأدب ،ويكفينا أن نستذكر أن بني العباس ما وصلوا إلى الحكم إلا بعوٍن فارسي قاد
جم َعه أبو مسلم الخ ارساني الذي انتهى بأبي جعفر المنصور إلى التخلص من الخ ارساني بقتله
في واقعة معروفة ،بعد أن شعر المنصور أن أبا مسلم الخ ارساني صار خط ار جديا على
الخلافة العباسية.
ونعي جيدا أن منطق الثأر الذي حمله بنو العباس على بني أمية نتيجة قتلهم صاح َب
الدعوة العباسية إب ارهيم الإمام بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس رضي الله عنه ،وما
أعقب ذلك من سفك دماء كثيرة من الأمويين وأتباعهم حدد مسار التدوين لفترة طويلة.
11
الب ارق للد ارسات والبحوث والتوثيق
ففي واقعة يذكرها ابن عبد ربه في العقد الفريد وابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة
وكثير من المؤرخين ،أن أبا العباس السفاح أعطى الأمان لمن بقي من وجوه الأمويين ودعاهم
إلى وليمة ثم قتلهم بأبشع صورة بعدما حّرضه الشاعر سديف مولى آل أبي لهب بأبيات شعر
قال فيها:
ل يغــــــــــــــــــــرنك ما ترى من رجال ....إن تحت الضلوع داء دويا
فضع الســـيف وارفع السوط حتى ....ل ترى فوق ظـهرها أمويا
هذا العنف أشاع جوا من الرعب والإرهاب الفكري وخاصة بعدما تناقلت الركبان قصة
تلك المجزرة بين أبناء العمومة المتقاتلين على ال ُملك ،مما أدى إلى نشوء الفكر المتزلف لدولة
بني العباس وتدوين كثير من الوقائع بما ينسجم مع رغباتهم ،لكن ذلك لم يمنع نشوء حركات
فكرية باطنية وسياسية ومسلحة ،واجهتها الدولة العباسية بما تمتلك من قد ارت وموارد بشرية
ومادية ،ولكن اتساعها وتعدد واجهاتها أدى بالنتيجة النهائية إلى سقوط الدولة العباسية على
يد هولاكو عام 1258بعد أن تضافرت جهود المعارضين لها من حركات غالية وباطنية اتخذ
كثيٌر منها (حب آل البيت شعارا).
لقد عاشت الأمة العربية وخاصة في الع ارق أسوأ م ارحل تاريخها بسبب التحريف الخطير
الذي تعرض له التدوين ،ذلك أن الفرس الذين عانوا من قهر إسقاط الامب ارطورية الساسانية
في معركة القادسية لم ولن يغفروا للعرب فعلتهم هذه ،ولأن الفرس مجبولون على الغدر
والخديعة ،فقد اتخذ ح ارس معبد النار في يزد ق ار ار صارما ،هو أن يزوروا التاريخ في أي مقطع
يستطيعون الوصول إليه ،ولم يجدوا أفضل من ارتداء قميص (مظلومية آل بيت النبي) وسلبهم
حقهم في خلافة النبي الكريم ،و ارحوا يضعون النصوص والمدونات وينسبونها إلى الرسول
الأكرم صلى الله عليه وسلم ،فكانت أول واقعة لفقوها ،كسر ضلع فاطمة الزه ارء رضي الله
عنها ،في مشهد فيه من الإساءة لمكانة علي بن أبي طالب وغيرته على زوجته ،ولشجاعته
وهو يقف متفرجا عاج از عن حماية زوجته وأم أولده وابنة رسول الله ،فكان غلاة المتأسلمين
الفرس على استعداد للإساءة بأبشــــــــــــــــع الصور لآل البيت من أجل الإساءة إلى رموز دحر
12
الب ارق للد ارسات والبحوث والتوثيق
امب ارطورية فارس المجوسية ،فن ّشطوا مها ارتهم في اختلاق قصص وأساطير للطعن في الجانب
الآخر أي كل من كان له دور في إسقاط الدولة الساسانية ،وبمقابله تأليه الطرف الذي يريدون
التسلق على ظهره وصولا إلى هدفهم.
لقد بقي التشّيع الولائي لفارس غامضا في معظم صفحاته لفترة طويلة حتى استطاع أن
يحقق لنفسه مواطئ أقدام خارج بلاد فارس ،ذلك أن الفرس كانوا يمارسون أعلى درجات
الخديعة والتقّية السياسية في خطابهم المعلن ،فلا يجد الم ارقب إلا أن يصّدق دعواتهم للتقريب
بين المذاهب ،وأخذت هذه الدعوة قوة دفع إعلامية بعد عام من وصول خميني إلى الحكم
،1979في الوقت الذي نشطت إي ارن في برنامجها الباطني في تطوير خططها للإساءة لرموز
الإسلام الخالدة ،صحابة رسول الله وأزواجه أمهات المؤمنين رضي الله عنهن ،وفي السعي
الحثيث لنشر التشّيع ليس في أوساط غير إسلامية وانما في الوسط الذي يخوضون معه حوار
التقريب بين المذاهب ،وهنا أشار كثير من الم ارقبين أن مرجعية خميني وخامنئي وكذلك
مرجعية النجف ،وزعت الأدوار على معممين لتأدية ثلاثة أدوار تلتقي كلها عند نقطة واحدة
وهي الجهد الذي بدأ بوصول إسماعيل الصفوي أي نقطة تشييع المسلمين السنة ،وهذه الأدوار
هي:
-1رجال دين يلقون محاض ارت تنقل على الفضائيات ووسائل التواصل الجتماعي
تبالغ في إضفاء صور من الخوارق والمعج ازت على آل البيت لم تتسن حتى للأنبياء والرسل،
ومع أن تلك الأقاصيص ل يمكن أن تدخل في عقل إنسان سوي ،فإن أحدا ممن يسمون
أنفسهم الم ارجع الكبار لم يكلف نفسه في وضع حد لهذا الكفر.
-2رجال دين يمارسون نفس الدور في التهجم على صحابة رسول الله وتكفيرهم،
وتكفير أتباع المذاهب الأخرى ،واعتبار التشيع هو الإسلام الحقيقي وما عداه فكفر ،ولهذا
منحت إي ارن نفسها الحق في نشر التشّيع في سوريا عن طريق تجنيد الأطفال في المناطق
التي أفقرها ودمرها نظام القاتل بشار الأسد بالتعاون مع حزب الله اللبناني والمليشيات
الشيعية الع ارقية والحرس الثوري ،وذلك بتنظيم مسي ارت في مدن لم يكن فيها شيعي واحد،
واذا بها بسبب الجوع والفقر المدقع تشهد تلك المسي ارت الستف اززية والمخدشة للعيون
13
الب ارق للد ارسات والبحوث والتوثيق
والآذان والمشاعر ،والتي تحمل أعلى درجات القمع الفكري والعدوان على حق الإنسان
بالتعبد من دون قهر أو فرض دين أو مذهب اعتمادا على التخويف أو التجويع.
وهناك معممون فقدوا أي وازع أخلاقي أو ديني وأ ِمنوا العقاب لأن السلطة في الع ارق
معهم ومرجعية النجف توفر لهم المظلة السياسية والقانونية ،خرجوا عن كل ما يمت للقيم
بصلة ،والأمثلة كثيرة ولا تحصى.
واحد من سوقتهم كان يتحدث في محاضرة منقولة على موقعه للتواصل الاجتماعي قال
فيها (عند ولدة الإنسان يحضر إبليس ولدته ،فإن كان من شيعتنا فإن الله يحُول بينه وبين
المولود الجديد ،وان كان من النواصب "السنة" فإن إبليس يمد سبابته في "است" هذا المولود
الذي سيكون مأبونا).
لا أحد يعرف فك ار بهذا الانح ارف الخلقي والسلوكي إلا عند هذه الحفنة من الأفاقين
المنحرفين عن جادة الإسلام ،ومع ذلك فإنهم يتحركون على "النواصب" لتحويلهم نحو التشيع،
فما هو حكم التشّيع في هذا المأبون على حد وصف هذا المعمم الفاسد الساقط؟ فإذا كانت
هذه عاهتهم فلماذا تحولونهم نحو التشيع؟ واذا سلمنا بهذا اله ارء والسقوط فمن حقنا أن نسأل
هذا السؤال ....ترى كم في أوساط الشيعة الآن من هذا الصنف؟
-3رجال دين ل يظهرون في محاض ارت ول على الفضائيات بل يمارسون أعلى درجات
التقية والنفاق ،ويقدمون أنفسهم في مؤتم ارت مغلقة على أنهم حملة مشعل التسامح بين
المذاهب والتقريب بينها ،ومن اللافت أن مثل هذه الدعوات انطلت على بعض ال ُسنة إما
عن قناعة بصدق مطلقيها ،أو نفاقا أو لمصلحة مادية أو خضوعا لمنطق الغالب والمغلوب.
وهنا يتجسد أسوأ ركن من أركان التحرك الفارسي في الوطن العربي والعالم الإسلامي،
أي طرح إي ارن زعيمة للتسامح والتآخي والوحدة الإسلامية ،وللحق فإن إي ارن تمكنت من خداع
كثير من علماء الدين المسلمين وتضليل أعلى الم اركز الإسلامية مكانة في العالم الإسلامي
سواء في مصر أو باكستان أو في بلاد المغرب العربي ،فقد مّد لها ال ُسّنة يدا بيضاء ،في حين
أنها كانت تخطط لاجتياح بلدانهم وطعنهم بخنجر الغدر ،والتأثير على م اركز الإشعاع
الإسلامي فيها مثل الأزهر في مصر ،لا سيما وأنه لأسباب سياسية كان الأزهر قد أصدر
فتوى من قبل شيخه محمود شلتوت ،بتأثير من الرئيس جمال عبد الناصر في ستينيات القرن
14
الب ارق للد ارسات والبحوث والتوثيق
الماضي باعتبار المذهب الجعفري مذهبا إسلاميا يّدرس في الأزهر ،وكذلك الحال مع غير
الأزهر من م اركز الإشعاع الإسلامي في العالم.
ولكن أكثر المتحمسين لما يسمى بحوار المذاهب وهو الداعية المصري والمقيم في
قطر الدكتور يوسف القرضاوي رئيس التحاد العالمي لعلماء المسلمين ،شن يوم 25كانون
الثاني /يناير 2016هجوما قاسيا على فكرة التقريب بين المذاهب ،منتقدا المرجعيات
الشيعية التي قال إنها ت ّكفر الصحابة وزوجات النبي ولم تُف ِت بجواز التعبد بالمذهب السني،
معتبرا أن فكرة التقريب صبت لصالح الشيعة ولم يستفد السنة منها شيئا.
ويبدو القرضاوي في الفيديو الذي أعاد نشر تقرير حوله كان يعبر عن "ندمه" لمحاولاته
في السنوات الماضية للتقريب بين السّنة والشيعة قائلا" :بعد هذا العمر الطويل لم أجد فائدة
من التقريب بين السنة والشيعة سوى تضييع السنة وتكسيب الشيعة ،السنة ل يكسبون
شيئا وهم يكسبون من و ارئنا".
وتابع القرضاوي ،الذي كان يتحدث خلال ندوة نظمها الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين
الذي ي أرسه ،بالقول" :الشيعة يكفرون الصحابة جميعا ويكفرون سيدنا أبي بكر الصديق
وسيدنا عمر بن الخطاب ،وسيدنا عثمان بن عفان وسيدنا طلحة والزبير والسيدة عائشة
والسيدة حفصة" في إشارة إلى عدد من أصحاب النبي محمد وزوجاته الذين يتمتعون بمنزلة
رفيعة عند السنة.
لكن هل يعبر هذا الموقف عن إجماع لكل من شارك في ندوات التقريب بين المذاهب
التي استنزفت وقتا طويلا من عمر الأمة؟
لقد تمكنت إي ارن من ربط التشيع بصورة محكمة مع الولاء لمرجعية خميني ومن بعده
خامنئي ،ونجحت إلى حدود بعيدة في زرع أسلحة هي أخطر بكثير من السلاح النووي بين
ظه ارنينا من أبناء جلدتنا ويتكلمون بلغتنا ولكن ولاءهم عابر للحدود نحو فارس ويتحركون
بأوامرها.
وكان لاحتلال الع ارق من قبل أمريكا وبريطانيا عام 2003ثم تسليمه هدية أطلسية
لإي ارن بصفقة تخادم شامل بين إي ارن والتشّيع الولائي من جهة والغرب والشرق من جهة أخرى
15
الب ارق للد ارسات والبحوث والتوثيق
لشق العالم الإسلامي عموديا ،الدور الأكبر في تحويل أتباع إي ارن إلى جنود مجندة يتحركون
بأمر خامنئي ووكلائه في المنطقة ،لإشغال العالم الإسلامي بحروب بينه وبين نفسه لن تعرف
نهاية أبدا ،وهذا ما أدخل العالم في مرحلة جديدة من الص ارعات الفكرية والسياسية والعسكرية،
فتكشفت الحقيقة الكاملة عن النوايا المضمرة لإي ارن والتي ظلت تتستر عليها عدة قرون ،فقد
أظهر احتلالها للع ارق "مع أن ثمنه كان باهظا على الع ارقيين والوطن العربي" جوهر التشّيع
الفارسي الصفوي ومدى حقده التاريخي على الأمة والذي لن تُطفئ ناره إلا بسيطرة فارس على
العالم الإسلامي استنادا إلى تصور ت ّكرس في عقول دهاقنة التشّيع في قم ونقلوه بأمانة إلى
شيعة الع ارق خاصة ،من أن العرب قادوا العالم الإسلامي عدة قرون وهم أمة لا رصيد حضاريا
لها إلا الشعر والرمال والج ارد والابل ،ثم انتقل ال ُملك عدة قرون أخرى إلى قبائل تركية متخلفة
جمعها مؤسس الدولة العثمانية وهم بلا رصيد حضاري ولا يحسنون إلا القتال ،وها هي ساعة
الفرس قد دقت لتدشين الحقبة الفارسية الغنية بإرثها الحضاري الثقافي العميق لقيادة العالم
الإسلامي ،والذي لن تستكمل حلقاته ما لم يصل الفرس إلى حكم مكة المكرمة والمدينة المنورة
وذلك من أجل امتلاك شرعية تمثيل المسلمين من خلال مكانة الحرمين الشريفين.
إن ما برز على السطح من نزعة ك ارهية لصحابة الرسول الأكرم ولأزواجه من جانب
شيعة الع ارق وبلاد الشام والجزيرة العربية ،وخاصة أثناء إحياء المناسبات المذهبية تثير كثي ار
من التساؤلات عن التقية التي كانت معتمدة في علاقات الشيعة مع بقية المكونات وكيف
استطاع الشيعة اخت ازن هذا القدر من الضغينة لأجيال عديدة ،حتى تف ّجر بركانه دفعة واحدة
بعد عام .2003
وهنا يبرز السؤال الأهم وهو ....كيف نجح الفرس في غرس مشاعر الك ارهية لدى
الشيعة العرب وخاصة في الع ارق على أقرب صحابة النبي الأكرم صلى الله عليه وسلم
وأزواجه ولرموز الإسلام الذين كان لهم الفضل الأول في توسيع رقعة بلاد المسلمين وفي
تثبيت أركان الدولة الإسلامية الفتية؟ وهل كان ذلك ممكنا لو لم يكن م ارجع التشيع الأوائل
من الفرس فقط؟
16
الب ارق للد ارسات والبحوث والتوثيق
حكم البويهيون (سلالة من الديلم) غرب إي ارن ،والع ارق من سنة 334إلى سنة 447هـ،
ويرجعون في نسبهم إلى ملوك الساسانيين الذين أسقط العرب إمب ارطوريتهم سنة 16هـ ،واستمد
البويهيون اسمهم من أبو شجاع بويه ،واستطاع ثلاثة من أبنائه الاستيلاء على السلطة في
الع ارق وفارس ،وخلع عليهم الخليفة العباسي المطيع لله ألقاب السلطنة ،وتسلطت الدولة البويهية
على الخلافة العباسية ابتداء من عهد الخليفة المطيع لله سنة 334هـ ،وهي السنة التي دخل
فيها معز الدولة أحمد بن بويه بغداد واستلم السلطة الفعلية.
وبعد قفز البويهيين إلى حكم فارس ،م ّكنوا لمؤلفات علماء الشيعة من أمثال محمد يعقوب
الكليني ال ارزي صاح ِب كتاب "الكافي" ،وابن بابويه القمي المعروف بالصدوق صاحب كتاب
"من لا يحضره الفقيه" ،ومحمد بن جعفر الطوسي صاحب كتابي "الاستبصار" و"تهذيب
الأحكام" ،وهي كت ُب الحديث الأربعة ،الأكثُر ثقة ومصداقية عند الشيعة الإمامية ،مكنّوها من
الانتشار بحرية تامة لنشر الفكر الشيعي في بلاد فارس ،وتلك الكتب هي التي وضعت اللبنات
الأولى للمعتقدات والعقائد المسيطرة في الوقت الحاضر على أتباع التشّيع ومنها يأخذون
معتقداتهم وممارساتهم ،وركزت تلك الكتب على عقائد الشيعة كما وردت عن أئمتهم الاثني
عشر كما يزعم هؤلاء المّدونون ،وحفلت بأحاديث منسوبة لهؤلاء الأئمة من أجل تأكيد مبدأ
الولاية والب ارء من أعدائهم ،وكي تكتمل الصورة فقد أدخل أصحاب الكتب الأربعة أحادي َث
منسوبة للأئمة الاثني عشر تؤكد على فضل فارس في الدين والإيمان ،وهذا النهج لم يقصد
به الترويج لفارس فقط وانما للح ّط من قدر العرب ومكانتهم في نشر الإسلام وفهمهم العميق
لأحكامه ،ثم الانتقال إلى الصفحة الثانية وهي الأكثر أهمية أي النيل من صحابة رسول الله
صلى الله عليه وسلم.
فقد غرس المؤسسون الأوائل للتشّيع في بلاد فارس الحقد على العرب وخصوا به كل من
أمر أو قاد أو شارك في معركة القادسية التي سحقت الامب ارطورية الفارسية ،ونتيجة التلقين
المستمر لمئات السنين ،تحولت نصوصهم إلى مقدسات ،وصوروها لهم إنها هي التي تقربهم
إلى الله بقدر ما يبغضون تلك الرموز ويجاهرون في ذلك.
17
الب ارق للد ارسات والبحوث والتوثيق
فلقد أسسوا لبناء فكري وتربوي متماسك وهو أن تَشيع الك ارهي ُة التي غرسوها في
عقول أتباعهم حتى حولوهم إلى كائنات مسلوبة الإ اردة والعقول وتتصرف بآلية حمقاء تنكر
أصلها وتتنكر لتاريخها؟ ومن هنا نفهم لماذا تحرص المنظمات والحركات التابعة لإي ارن
والتي تسلمت حكم الع ارق بعد 2003على إشاعة الجهل والأمية فيه لأ ّن الوعي يمنع هذا
الستلاب الفكري ،فهل يدل هذا على عبقرية الفرس وقدرتهم في كسب الأتباع والعملاء؟
قطعا لا ،لك ّن الفرس درسوا طبيعة الإنسان وأيقنوا أن قدرة العقائد الدينية على التحكم في
سلوك بني البشر وهي من أقوى المحركات لسلوك الإنسان ،هي التي ستضمن ولاء ميكانيكيا
لعقيدة التشّيع والتسليم بكل ما يرد فيها حتى إذا كان مما تأباه العقول ،ولهذا سطا الفرس على
موروث التاريخ الإسلامي وأدخلوا عليه من الكذب ما يفوق ما فعله أعداء الإسلام المكشوفين،
ولأن الّدين عقيدة يتلقاها الطفل مع ولادته وتنمو معه في م ارحل عمره ،فإن التشّيع وعلى
خلاف بقية المذاهب الإسلامية الأربعة ،ما كان يسمح للمولود الشيعي أن يفلت لحظة واحدة
من أمام بصره ،فمن البيت إلى الشارع إلى المدرسة إلى الحسينية ،يتلقى الشيعي ضخا طائفيا
يشعره بالتمّيز عن الآخرين وعدوانيا على الآخر ،حتى تتكرس تلك القناعات وتصبح جزء من
الشخصية بل ومن خلاياها العقلية ،ولنأخذ نماذج من الشيعة الذين حصلوا على أعلى
الشهادات الجامعية من الولايات المتحدة وأوروبا ،فإنهم يجاهرون بعلمانيتهم بل وبإلحادهم،
ولكنهم ملحدون طائفيون حتى النخاع ويتحسسون من كل شخص اسمه عمر أو أبو بكر أو
عائشة ،بل لا يطيقون هذه الأسماء.
هنا تحضرني واقعة حصلت في إحدى مدن الع ارق الجنوبية ،عندما كان يتحدث رجل
عاقل في المسألة الطائفية ومدى خطورتها على سلامة المجتمع الع ارقي ،فأخذ عمر بن
الخطاب كنموذج لشخصية القائد العادل ورجل الدولة البارز التي كان له الفضل في نشر
الإسلام واقامة الدولة الإسلامية بمؤسساتها الإدارية ،فما كان من أحد الحضور إلا أن يسأله
18
الب ارق للد ارسات والبحوث والتوثيق
هذا السؤال "إذا كان عمر خوش آدمي هيج جا ليش س ّموه عمر؟" أي إذا كان عمر على
هذا القدر من العدل فلماذا أسموه عمر؟
من هذه الواقعة يتبين أن البناء التربوي للفرد الشيعي جعل من اسم عمر عنوانا للسوء،
على هذا فالموضوع ليس عقليا على الإطلاق بل هو غرس وبناء يتلقاه الطفل مع حليب أمه
ومع رغيف الخبز الذي يأكله وكأس الماء ،أو "الويسكي" الذي يشربه.
هذا البناء التربوي والعقائدي ،جعل معظم الشيعة بمن فيهم (إلى حد ما) الطبقة المثقفة
أو لأقل بدقة أكثر الفئة المتعلمة ،تتعامل مع القمع الذي مارسته السلطة المن ّصبة من قبل
الولايات المتحدة والمدعومة من قبل إي ارن ،ضد الع ارقيين ال ارفضين للاحتلال واف ار ازته السياسية
والاجتماعية بلا مبالاة حينا وتأييد صامت في معظم الأحيان.
ولكن ما هي أشكال القمع الذي مارسته المليشيات المسلحة الولئية لإي ارن والتي
أخذت صفتها الرسمية من أنها جزٌء من القوات المسلحة الع ارقية؟
مع أن الديانة اليهودية سابقة للإسلام وللتشّيع ،ومع أن التشّيع سابق للحركة الصهيونية،
إلا أن الم ارقب لا بد أن يلاحظ تبادلا نشيطا للخب ارت الميدانية بينهما في ط ارئق السيطرة على
المجتمع الذي تحل فيه ،وهنا نجمل أهم الأساليب المعتمدة في التوسع المناطقي والتوسع في
مجال نشر التشّيع في المناطق غير الشيعية.
أو ال :عسكرة المجتمع ونشر السلاح السائب لإضاعة المسؤولية القانونية عما يقع من
ج ارئم قتل جماعي ،وتشكيل منظمات مسلحة توكل لها واجبات محددة للدفاع عن العقيدة.
ثانيا :إقامة معسك ارت للمليشيات الطائفية المسلحة تحت لفتة محاربة الإرهاب،
وحقيقة دورها أنها توجه بنادقها لقهر السكان الآمنين وملاحقة المعارضين بأية صورة من
صور المعارضة السلمية ،ويتبع ذلك فتح مقار للمليشيات والأح ازب التي تتبعها ،وتبدأ بفرض
ب ارمجها السياسية والعقائدية عبر مكب ارت الصوت ،وتلاحق حتى أولئك الذين تظهر على
محياهم علامات عدم الرضا ،أي تلاحق على الفكرة المختزنة داخل الرؤوس.
19
الب ارق للد ارسات والبحوث والتوثيق
ثالثا :افتتاح حسينيات في مناطق ل يوجد فيها حضور شيعي ،والهدف من مثل هذه
الخطوة هو استف ازز الناس أو استمالتهم بالمال والإغ ارءات الأخرى ،ورفع ال اريات التي تحمل
شعا ارت عدوانية ،واقامة ما تسمى بالشعائر الحسينية في محرم وصفر وحيثما توجد مناسبة
ي ارد استغلالها من أجل تأكيد الهيمنة الشيعية وخاصة في الع ارق والمدعومة بالبندقية
المليشياوية والمستظلة بمظلة السلطة الحكومية وما تسمى بالمرجعية الدينية ومن بين هذه
الممارسات تنظيم مسي ارت لأطفال لم يبلغوا الحلم من أبناء المناطق السنية وهم يحملون
السلاسل ويرددون الشعا ارت الطائفية.
اربعا :تهجير سكان المدن السنية بدعوى احتضانها للإرهاب أو دعمها له ،كما حصل
في مدن محافظة ديالى وح ازم بغداد ومدينة جرف الصخر ،وناحية يثرب في محافظة صلاح
الدين ،وتفريغ مركز مدينة سام ارء من سكانه بحجة حماية مرقد العسكريين ،والستيلاء
على أ ار ٍض واسعة من أط ارف سام ارء العائدة لدائرة الآثار ،من أجل إعمارها واقامة المجمعات
السكنية الكبرى كما جرى في كربلاء وجلب السكان الغرباء الشيعة إليها من إي ارن وشبه
القارة الهندية وأفغانستان ،فصاروا عبئا اجتماعيا اقتصاديا على تلك المدينة.
خامسا :إطلاق يد المليشيات لممارسة أعلى درجات القمع قتلا وتهجيرا وتغييبا واذللا
لسكان المدن السنية وتعريضهم إلى حصار اقتصادي وتقطيع أوصالها وجعل التنقل بين
أحيائها المختلفة أمرا في غاية الصعوبة والستحالة أحيانا ،وفرض صيغ أج ارءات أمنية ل
مثيل لها في أسوأ الحتلالت التي تعرضت لها دول أخرى ،ولنأخذ ما يحصل في المدن
الفلسطينية المحتلة ،فإنها ستغدو أمام ما تشهده مدن السنة في الع ارق وسوريا وكأنها
تعيش نزهة سياحية ،فما هو الهدف من كل ذلك؟
سادسا :توفير مظلة الحماية الرسمية والدينية لعناصر المليشيات من أجل ارتكاب
مختلف الج ارئم المخلة بالشرف مثل تهريب المخد ارت والزنا بالمحارم والسرقة والسطو على
20
الب ارق للد ارسات والبحوث والتوثيق
المال العام ،ومن اللافت أن أكبر الج ارئم التي يرتكبها أحد فصائل الحشد أو يرتكبها العنصر
الميليشياوي أو القريب من الحشد الشعبي التي تطلق عليها السلطة القائمة صفة الفصائل
غير المنضوية تحت سلطة الحشد ،مثل خزن الأسلحة في المناطق الآهلة بالسكان ،أو
إطلاق الصواريخ على المعسك ارت والسفا ارت العاملة في الع ارق ،فإنه ل يمكث في التوقيف
إل سويعات معدودات كما حصل مع عش ارت الحالت المسجلة ،أما ج ارئم المليشيات في
محافظات نينوى وصلاح الدين والأنبار أثناء ما ُسمي بعمليات التحرير من قتل جماعي
وتغييب عش ارت الآلف والإهانات التي كانت عناصر الحشد تعرضها على مواقع التواصل
الجتماعي إمعانا في إهانة ك ارمة الإنسان واثارة الرعب الجمعي ،وتفكيك المصانع مثل
مصفى بيجي العملاق ونقله إلى الوطن الأم وسرقة الممتلكات الخاصة والعامة ،فكلها تمر
لأنها ببساطة سياسة الأرض المحروقة التي اعتمدتها قيادات في سلطة الحكم الطائفي منذ
.2003
سابعا :التمييز الفاضح في توزيع أبواب مي ازنية الدولة السنوية على المحافظات حسب
نسب السكان منذ أن بدأت المي ازنية السنوية تعتمد بعد الحتلال ،وكذلك التوظيف في أدنى
الوظائف الحكومية التي ل تعتمد الكفاءة والمقدرة بل النتماء ،وكذلك القبول في الجامعات
وفي المعاهد العسكرية الذي صار مستنقعا آسنا تسبح به مخلوقات ل تمت إلى الضبط
العسكري بصلة ،ولعل فضيحة حكومات ما بعد الحتلال في تثبيت الدين والمذهب في قوائم
قبول طلبة الكلية العسكرية ما يثير الشمئ ازز.
هذا السلوك المنحرف عن الضوابط المهنية والأخلاقية ،يعزز القناعة بطائفية النظام
المقيت بل ومجاهرته بها من دون اردع أخلاقي أو قانوني أو عرفي ،وهذه التفرقة العنصرية
التي كان العالم يتوقع أنها انتهت بنهاية نظام الفصل العنصري في جنوبي أفريقيا ،ما ت ازل
تفرض نفسها على الواقع الع ارقي لأن سلطته التي أقامها الأمريكيون وتلقفها الإي ارنيون في
تخادم مقدس بينهما حتى وان أظه ار عداء سياســـيا وفكريا على كل المحاور تقف حائلا دون
21
الب ارق للد ارسات والبحوث والتوثيق
تسليط الضوء على انتهاكاتها لأبسط حقوق الإنسان في العيش في وطنه على أساس التكافؤ
في الحقوق والواجبات ،فهل شهد الع ارق منذ تأسيس الدولة الحديثة عام 1921مثل هذا
السلوك؟ أم أن النظم التي حكمت الع ارق قبل 2003كانت كلها على خطأ؟
بالمقابل فإن السّني إذا طالب بحق مضاع أو بالعودة إلى مدينته ودياره التي ه ّجر منها
بقوة السلاح واُستلبت ممتلكاته فإنه مدان قبل أن يستكمل المطالبة بحقه ،واذا ُضبط ومعه
مسدس شخصي ،فإنه يزج بالسجن وتوجه له تهمة الإرهاب بموجب المادة 4إرهاب ،فالسني
مذنب حتى ُيثبت ب ارءته بنفسه ،فأين هو العدل والمساواة اللذين نص عليها الدستور الكاذب
الذي مرره إسلاميو الحكم الأمريكي الإي ارني سنة وشيعة وأك ارد ،وان كان الحزب الإسلامي
الذي يتحمل وزره كاملا لأنه تواطأ مع حليفه الشيعي على حساب السّنة بل وعلى حساب
الع ارق.
ما ينطبق على سلوك المليشيات ينطبق على تصرفات شائنة تصّدر عن معممين شيعة
وتعرض على فضائيات شيعية تخصصت بإثارة الفتن الطائفية ،ويخرج أولئك المعممون عن
حدود الأخلاق والقيم والشرف في حديثهم عن السّنة وتاريخهم الذي هو تاريخ الأمة ،وتحظى
تلك الفضائيات بالحماية القانونية لتفعل ما تشاء وتخرج عن كل القوانين والأع ارف والقيم
الاخلاقية ،مما يعّرض السلم الأهلي لأفدح المخاطر ،وبالمقابل فإن أي فضائية لا تلتزم
بالمنهاج الشيعي ،فإنها تتعرض لملاحقات قانونية بل ولهجمات مسلحة تشنها عليها المليشيات
المسلحة في ظل حماية قانونية ،ولعل ما حصل لقناة دجلة في آب 2020يجسد ثنائية التعامل
وازدواجية المعايير التي تعتمدها حكومة الاحتلال بسلطاتها الثلاث التشريعية والتنفيذية
والقضائية مع أدواتها المسلحة.
الهدف النهائي هو تشييع السكان أو تخييرهم بين التهجير أو القتل أو العتقال
بموجب المادة 4إرهاب ،ومع هذا المنهاج التعسفي ،تنشط سلطة المعممين لضمان سكوت
رجال الدين ال ُسّنة على ما يحصل ،أو تعريض حياتهم للخطر ،وكذلك التحرك على الوجهاء
22
الب ارق للد ارسات والبحوث والتوثيق
وشيوخ العشائر للهدف نفسه ،وللأسف وجدت ضالتها في بعض ذوي النفوس الضعيفة
ورخيصي السعر في السوق الجتماعي المزدحم بكل النماذج المعزولة دينيا وعشائريا بل
وأخلاقيا ،ف ارح بعضهم يبرر للسلطة الغاشمة سلوكها المنحرف و ارح كثير من معممي ال ُسّنة
يغطون على ج ارئم المليشيات في الموصل والرمادي.
ولأن المليشيات كانت تنشر ما ترتكبه من فظائع ضد المعتقلين وطرق قتلهم بوحشية
منقطعة النظير ،فإن بعضا من أولئك آثروا السلامة ودعة العيش على القيام بواجباتهم
الأخلاقية والشرعية ،وبذلك فقد فرطوا بأهم شروط العقد الاجتماعي بينهم وبين من يزعمون
تمثيله.
اللافت للنظر أن هذا الإرهاب والقمع حصل في العقدين الأول والثاني من الألفية الثالثة
وما ازل متواصلا وسط صمت مميت وُمدان ،من جانب الأمم المتحدة ومكتبها في بغداد
واللجنة الدولية للصليب الأحمر ومنظمة العفو الدولية والمنظمات الحقوقية والإنسانية الدولية،
والأهم من ذلك الصمت الذي يطبع سلوك الدول الكبرى التي جاءت بكل الشرور إلى الع ارق
عام 2003وجعلت من نفسها قّيمة على التنفيذ الحرفي للإعلان العالمي لحقوق الإنسان
ولميثاق الأمم المتحدة وقواعد القانون الدولي ،فأين يكمن الخلل؟
هناك مخطط لإحداث دمار شامل في البنية السياسية والاجتماعية والاقتصادية في
الع ارق ،ترتكز على موقف است ارتيجي سبق وأن أعلنه وزير خارجية الولايات المتحدة في
تسعينيات القرن الماضي جيمس بيكر والذي حدده بإعادة الع ارق إلى عصر ما قبل الصناعة،
وأنيط تنفيذ صفحته الثانية بإي ارن ومليشيات مرتبطة بها ارتباطا ولائيا ،فالدول الكبرى تنظر
إلى إي ارن كشريك سياسي واقتصادي مرغوب فيه ويتحدث لغة واحدة مع الأسرة الدولية ،ويُحكم
سيطرته على قوى مسلحة يمكن أن تعبث بأمن المنطقة ومصالح الدول الكبرى عبر تحريك
أدواتها وخلاياها النائمة متى اقتضت مصلحتها ذلك ،ولهذا الشريك سواحل طويلة على أهم
المم ارت الملاحية للتجارة الدولية بين اليابان والصين والهند وأوروبا والولايات المتحدة ،مما
يمنحه قدرة على السيطرة على المم ارت الملاحية الدولية ،ثم إنها القوة الوحيدة التي تستطيع
بما وضع تحت سيطرتها من سلاح وغ ِض نظِر عن أهدافها السياسية المعلنة وعن برنامجها
23
الب ارق للد ارسات والبحوث والتوثيق
النووي الموجه لردع العرب دون سواهم ،وبسبب أطماع إي ارن ونوايا التغيير المذهبي الذي
تخطط له بقوة الإغ ارء حينا والضغط في معظم الأحيان على السكان يجد العالم نفسه معجبا
بذلك الإص ارر على الوصول إلى الهدف مهما طال الانتظار ،كل ذلك م ّكن إي ارن من إثارة
الهلع في نفوس حكام الخليج العربي منطقة الخاصرة الضعيفة في الجسد العربي ،فسارعوا
للبحث عن قوة تحميهم من الخطر الإي ارني الداهم ،بعد أن هّدموا بأيديهم وأموالهم جدار الصد
العربي الأول عن الأمة "أي الع ارق" وانطلت عليهم ابتسامات إي ارنية مسمومة كما هو معهود
فيها ،ففرشوا لها ولعملائها مما يسمى "بالمعارضة الع ارقية" السجاد الأحمر وفتحوا لها خ ازئنهم
بل تعاملوا معهم كضيوف مرموقين من وزن" ،"VIPعلى الرغم من أن وطنهم الأم "أي إي ارن"
كان يتعامل معهم كعبيد أرقّاء وكخدٍم م ّجانيّين ،وتركتهم يتسكعون على السفا ارت وأجهزة
المخاب ارت الشرقية والغربية لكسب الرضا الدولي ،وظن النظام الرسمي العربي أنه قادر على
تجنيد القوى الدولية الكبرى كمرتزقة لحمايته من أي خطر إي ارني مستقبلي ،كما حصل عام
1991بالعدوان الثلاثيني على الع ارق ،وما عرفوا أن أي تدخل خارجي محكوم بحسابات
الأمن القومي لتلك القوى الدولية.
إي ارن تعرف أنها ستحر ُك إن أ اردت ،كل هذه الأدوات الرخيصة من دون أن تتحمل
التبعات القانونية من و ارء أي عمل ارهابي قد تتعرض له المنطقة وطرق المواصلات الدولية
ومصالح الدول الكبرى.
لعل أخطر ما في القمع ال ارهن والمتواصل في الع ارق أنه إرهاب دولة ويمارسه من يمتلك
السلطة لإسكات الآخرين ،ويلبسه أردية دينية مستندا على أمرين الأول أن المجتمعات التي
تعاني من الإرهاب الفكري عادة ما تكون مجتمعات متدينة من جانب وتعيش حالة مزرية من
التخلف الثقافي والفكري ،والثاني أن سلطة القمع ستستطيع تحريك قطعان من البسطاء والسذج
والجهلة لتقمع بحركتها الطبقة المثقفة المتنورة والواعية.
واذا كان القمع الديني شاملا في المجتمعات المنسجمة دينيا ومذهبيا وله آثار مدمرة
على الأمن المجتمعي ،فإنه سيؤدي إلى حالة من الانقســـــــام الأفقي ،أما إذا كانت مجتمعات
24
الب ارق للد ارسات والبحوث والتوثيق
غير موحدة عرقيا ومذهبيا ،فإن الانشطار سيكون عموديا ومفضيا إلى التصادم والن ازع المسلح
بحكم اصطفاف كل مجموعة سكانية حول نفسها.
ما يحصل في الع ارق منذ الاحتلال وحتى اليوم هو تطبيق للنموذج الصفوي في فرض
التشّيع تدريجيا وبنفس الأسلوب الذي اعتمده إسماعيل الصفوي أي إعمال السيف في رقاب
المعاندين ،وهو ما أّدى إلى قتل مليون إنسان في فارس وحدها في حينه كما تقول الروايات
التاريخية الموثوقة ،وما ت ازل قصص قتلهم والطرق التي اعتمدت في تنفيذها تُروى من قبل
المؤرخين بم اررة.
ولكن ما يجري الآن في الع ارق يكتسب خصوصية تمّيزها عن تجربة إسماعيل الصفوي،
بسبب ثورة الاتصالات وانتشار وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة وانتشار مواقع
التواصل الاجتماعي ووجود منظمات حقوقية وانسانية ومنظمات سياسية دولية مهمتها حماية
القانون الدولي وحقوق الإنسان ،ولكن هذه الممارسات المسكوت عنها دوليا أغرت منفذيها
بالمضي قدما في تنفيذها ،بدلا من أن تكون تلك الج ارئم سببا في تأجيج الغضب العالمي على
الجناة سواء من قبل أجهزة الإعلام أو المنظمات الدولية والإنسانية أو الدول المتحضرة ،فإنها
أدت إلى رعب كارثي لضحايا الاعتقال والاختطاف وخوفهم من البطش الطائفي ،كما أن
الطرف المنفذ للج ارئم المبتكرة أي المليشيات الطائفية الولائية المدعومة من إي ارن والتي اكتسبت
صفتها الرسمية بفتوى الجهاد الكفائي التي أصدرها علي السيستاني ،وتلقفها مجلس نواب
المنطقة الخض ارء ليصدرها في ق ارر آل ٍي مضحك خلال فترة قياسية ،ثم لتصبح جزء مما يسمى
بالقوات المسلحة المرتبطة شكلا لا مضمونا بالقائد العام ،تحولت إلى كابوس مرعب لكل من
يفكر بمعارضة خطط إي ارن ونواياها ،خاصة بعدما كانت تلك المليشيات تصّور ج ارئمها التي
لم يشهْد لها تاريخ البشرية مثيلا وتوزعه على أوسع نطاق متحملة المسؤولية الجنائية ال ازئفة
مقابل زرع الرعب والهلع في بيئة الضحايا وذويهم الذين ما ازلت في قلوبهم نزعة الرفض
القاطع لدولة الولي الفقيه إي ارن الشر ،وهذا النموذج ي ارد تعميمه على سائر البلاد العربية ،وقد
برزت على سطح الأحداث تجارب المآسي التي عاشها المواطنون في سوريا ولبنان واليمن
ومناطق في أفريقيا أثناء التطبيق العملي لهذا الفعل المدان وبعد مباشرة التطبيق.
25
الب ارق للد ارسات والبحوث والتوثيق
ولكن ما هو المانع من إعلان الحكم الشيعي في الع ارق رسميا بعد تطبيقه عمليا في
سلوك سلطة الحكم في الدولة الع ارقية وتطبيقاتها؟ منذ اليوم الأول الذي صار الع ارق تابعا
لإي ارن ،هي التي ترسم سياساته وتفرض عليه ما يفعل وما ل يفعل؟
ويمكن طرح السؤال السابق بصيغة أخرى ،هل أن الحكم الشيعي لم يُعَل ْن فعلا حتى
الآن؟ يجيب الدستور عن السؤالين السابقين وخاصة في ديباجته فينص على ما يلي:
[عرفانا مّنا بح ِق الله علينا ،وتلبي اة لنداء وطننا ومواطنينا ،واستجاب اة لدعوِة قياداتنا
الدينية وقوانا الوطنية واص ارِر م ارجعنا العظام وزعمائنا وسياسيينا ،ووس َط مؤازرٍة عالمية
من أصدقائنا ومحبينا ،زحفنا لأول مرٍة في تاريخنا لصناديق القت ارع بالملايين ،رجالا ونسا اء
وشيبا وشبانا في الثلاثين من شهر كانون الثاني من سنة الفين وخمسة ميلادية ،مستذكرين
مواجع القمع الطائفي من قبل الطغمة المستبدة].
فهل في هذا النص التباس أو شك عن دور ما يسمى بالم ارجع العظام الذين يمثلون
مذهبا واحدا لشعب متعدد الأديان والأع ارق والمذاهب؟ ومن الذي امتلك تفويضا لتسليط مذهب
واحد ليحكم باسم الدستور بلدا بمكانة الع ارق وتاريخه وحضارته؟ ومن هو الذي منحهم سلطة
التدخل في الشأن الع ارقي وليس فيهم شخص ع ارقي واحد؟ أليست هذه طائفية مبكرة في إعلان
الع ارق دولة شيعية؟
أليست هذه لغة الغالب والمغلوب في مواجهة غير متكافئة بين الشعب الع ارقي وقوى
الشر والعدوان الأطلسية؟
تم الجزء الأول بعون الله
26