إعداد الدراسة /ابن قاسيون
مركز البراق للدراسات والبحوث والتوثيق
التغيير الديموغرافي في سوريا مخطط إيراني خبيث
_____________________________________________________
التغيير الديموغرافي في سوريا
مخطط إيراني خبيث
إعداد الدراسة :ابن قاسيون
مركز البراق للدراسات والبحوث والتوثيق
لم يعد يقتصر التمدد الإي ارني في سوريا على احتلال مدن ومناطق ،ولا على مواقع
است ارتيجية قريبة من مناطق الجولان والقنيطرة كما سعت إي ارن في الفترة الأخيرة ،بهدف إيجاد
موطئ قدم لها ولجماعاتها عند حدود فلسطين المحتلة لغايات لم تعد خافية على أحد ،بل شمل
هذا التمدد أو الغزو كما ُيسميه الشعب السوري ،قطاعات عدة مثل الاستشفاء والبناء والتعليم
والنفط بالإضافة إلى الإعلام ومتفرعاته ،واللافت أن التمدد الإي ارني في سوريا ،لم يبدأ في عهد
رئيس النظام الحالي ،إنما يمتد إلى زمن الرئيس حافظ الأسد يوم سمح للتغلغل الإي ارني باخت ارق
المدن ال ُسنّية وتشييع قسم كبير من أهاليها ،بالإضافة إلى استباحة أملاكهم وأر ازقهم تحت ح ّجة
وجود م ارقد دينية شيعية تبّين لاحقاً أنها ليست سوى قبور لشخصيات متعددة كانت تُدفن في
بعض الأماكن بعد موتها أثناء ترحالها من بلد إلى آخر.
من كلام كان قاله علي يونسي ،مستشار الرئيس الإي ارني حسن روحاني ،إن "إي ارن اليوم
أصبحت امب ارطورية كما كانت عبر التاريخ وعاصمتها بغداد حالياً" ،في إشارة إلى إعادة
الامب ارطورية الفارسية الساسانية قبل الإسلام التي احتلت الع ارق وجعلت المدائن عاصمة لها،
يُمكن تلخيص المشروع الإي ارني الذي نسج أذرعاً له في المنطقة ابتدا ًء من لبنان ثم سوريا والع ارق
فاليمن ،وقد تك ّشف حجم هذا المشروع وخصوصاً في سوريا من خلال مشروع يحمل اسم "توينان"
يُعنى بتمديد خطوط الغاز والنفط تنفيذاً واش ارفاً من القلمون السورية إلى تدمر وبادية حمص،
وهذا بالتالي يكشف أهمية القلمون بالنسبة إلى إي ارن واستماتتها من خلال دماء حلفائها في
سبيل السيطرة على هذا الجزء السوري .وللتذكير ،فيوم سيطر تنظيم "داعش" على حقول الغاز
1
التغيير الديموغرافي في سوريا مخطط إيراني خبيث
_____________________________________________________
في القلمون ،تدخل الإي ارني على الفور من خلال حلفائه وتحديداً "حزب الله" الذي دفع بدوره ثمناً
باهظاً خلال معاركه هناك.
وبحسب د ارسة أعدها المركز الدول ّي للد ارسات الإي ارنَّية عام ،2016تأتي سوريا من بين
الدول العربية المستهدفة من قبل دولة إي ارن ،باعتبارها نقطة ارتكاز جوهرية في الاست ارتيجية
الإي ارنية ،وقد ساعدت ثو ارت الربيع العربي إي ارن في تحقيق هدفها ودخول سوريا والسيطرة عليها.
وتقول الد ارسة" ،إن الأزمة السورية في الوقت الحالي وبعد دخول إي ارن البلاد عام 2011
لمساندة رئيس النظام السوري بشار الأسد في حربه على الإرهاب ،أصبحت أكثر تعقيداً ،بسبب
الممارسات الخاطئة التي قامت بها طه ارن ،خاصة أن الأخيرة منذ أن وضعت قدميها في سوريا
عملت على تأجيج الص ارع الطائفي بين أبناء الشعب السوري.
وأشارت الد ارسة ،إلى أن طه ارن لا تهتم باستم اررية أو عدم استم اررية نظام الأسد ،بل تهتم
أكثر بأرض سوريا لأنها هـدف است ارتيجي لها ،بسبب وقوعها في عمق الح ازم المذهبي الصفوي
(القوس أو الهلال الشيعي) ،وهو مشروع استعماري توسعي مثله مثل المشاريع الأوروبية
والأمريكية والصهيونية ،ويمتد من الع ارق وحتى سوريا ولبنان.
وأوضحت الد ارسة ،أن سوريا تمثل ال اربط الحيوي ما بين طه ارن وحزب الله (الذي يعتبر أحد
أهم الأذرع الإي ارنية في المنطقة العربية) ،كما تؤمن سوريا لطه ارن الدفاع عن مم ارت عبور
السلاح للحزب في لبنان.
وتأكيداً لما جاء في هذه الد ارسة ،فهناك تصريح سابق لـ "مهدى طيب" (رجل دين إي ارني)
حول أهمية سوريا بالنسبة لإي ارن ،حيث قال" :إذا هاجمنا الأعداء وكانوا يريدون أخذ إما سوريا
أو محافظة خوزستان ،فإن الأولوية هنا هو المحافظة على سوريا ،فإذا حافظنا على سوريا ،فإنه
بإمكاننا استعادة خوزستان أيضاً ،ولكن إن فقدنا سوريا ،لا يمكننا أن نحافظ على طه ارن".
2
التغيير الديموغرافي في سوريا مخطط إيراني خبيث
_____________________________________________________
وكذلك قال القائد السابق للحرس الثوري الإي ارني ،حسين همداني ،قبيل اغتياله بحلب سوريا
عام " :2015إن إي ارن تُقاتل اليوم في سوريا دفاعاً عن مصلحة ثورتها".
وتشير الد ارسة السابقة ،إلى أن الوضع الحالي لسوريا بعد دخول إي ارن لها عقب الأزمة
السياسية السورية عام 2011أصبح أكثر سوءاً ،على الرغم من أن تركيا واس ارئيل وأمريكا جزء
من الأزمة ،فإن إي ارن كانت الأكثر تأثي ارً بالسلب على بلاد الشام.
ولم يقتصر الأمر عند هذا الحد ،فبعد دخول إي ارن سوريا نشبت حرب أهلية كبيرة بين
الفصائل المعارضة ،التي تتمثل في :الائتلاف الوطني السوري ،والجيش السوري الحر ،والجبهة
الإسلامية ،وفتح حلب ،وتحالف المهاجرين ،وجبهة أنصار الدين ،والحزب الإسلامي التركستاني،
والجماعات الإرهابية المسلحة كهيئة تحرير الشام وداعش ،وبين الطرف المؤيد للنظام وهو متمثل
في :القوات المسلحة السورية ،وقوات الدفاع الوطني ،وكتائب البعث ،والقوات الحليفة مثل لواء
الفاطميين ولواء أبو فضل العباس ،والمقاومة السورية ،والحرس القومي العربي ،وجيش
الموحدين ،وحتى وقتنا هذا تلك الحرب لم تنته بعد ،وبسببها طالب الكثيرون بتقسيم سوريا إلى
دويلات صغيرة.
كما تسببت تلك الص ارعات في ظهور وتنامي تنظيم "داعش" ،الذي ظهر في بداية الأمر
على أساس أنه حليف للقوات المعارضة ضد الرئيس السوري بشار الأسد في حين تبين لاحقاً
أنه حليف للنظام وصناعة إي ارنية.
ووف ًقا لد ارسة المركز الدولي للد ارسات الإي ارنية ،فإن الأزمة السورية الحالية ممتدة لأن إي ارن
لم تُحقق مصالحها بنسبة ،%100لذلك سيكون هناك مزيداً من الخ ارب والدمار وسقوط الكثير
من القتلى والجرحى ،وتفاقم أعداد اللاجئين ،خاصة أن إي ارن لا تريد أي استق ارر لسوريا ومن
مصلحتها استم ارر الص ارعات والأزمات ،لأنها من خلال تلك الأزمات تحصل على العديد من
الممي ازت السياسية والاقتصادية والاست ارتيجية وتسعى كذلك لتغيير ديموغ ارفي في التركيبة السكانية
السورية.
3
التغيير الديموغرافي في سوريا مخطط إيراني خبيث
_____________________________________________________
ومن جانبه يقول مختار الغباشي ،المحلل السياسي ونائب رئيس المركز العربي للد ارسات
السياسية والاست ارتيجية ،إن سوريا جزء لا يتج أز من إي ارن ،بسبب سبل التعاون المشترك بين
الدولتين منذ زمن بعيد ،خاصة في الوقت الحالي الذي ازداد فيه النفوذ الإي ارني.
وأكد "الغباشي" ،أن إي ارن خلال الأعوام الأربعة السابقة التي دخل فيها تنظيم داعش لسوريا
وبمساعدتها ،تغولت بشكل كبير في الأ ارضي السورية بحجة محاربة داعش ،وخلال تلك الفترة
قامت ببث أفكارها السامة.
ويتفق معه قليًلا في ال أري هشام النجار ،الباحث في شؤون الحركات الإسلامية ،حيث يقول:
إن إي ارن تريد منذ زمن بعيد أن تجعل سوريا جزءاً لا يتج أز منها ،وخلال السنوات السابقة سعت
فعلياً لأن يكتمل مشروعها الإقليمي في المنطقة العربية ،والذي يبدأ من الع ارق إلى لبنان وسوريا،
بحيث تكون سوريا هي "كلية" للق ارر والإ اردة الإي ارنية في المنطقة ،وساعدتها في هذا الأمر سوريا
بسبب اتفاقيات التعاون التي وقعت بينهما خلال السنوات السابقة ،مشي ارً إلى أن إي ارن تتخذ
سوريا ،وحزب الله اللبناني ،ذ ارعاً إعلامية كبيرة لها تستخدمه في وقت الأزمات العربية.
بقَيت حدود التمّدد الإي ارني في سوريا محل تكهنات عديدة حتى اندلاع الثورة ،إذ لعبت إي ارن
في سنوات الثورة من خلال الحرس الثوري والميليشيات الشيعية متعّددة الجنسيات التي ش ّكلتها
في سوريا دو ارً أساسيّاً في الحفاظ على نظام الأسد ومنع سقوطه ،وبالنظر إلى معرفة طه ارن أن
وجودها في سوريا سيبقى عامًلا مقلقاً ودافعاً" إلى الضغط عليها بالنسبة إلى الأط ارف المحلية
والإقليمية والدولية ،وربما حتى من حلفائها الحاليين ،فإن ذلك يجعلها تعمل أكثر على بناء
وتحويل وجودها وتأثيرها ال ارهن من است ارتيجية بقاء طويل الأمد إلى وجود وتأثير دائمين.
لقد سبق التد ّخ َل الإي ارني في سوريا عم ٌل دؤوب على تشكيل نفوذ لإي ارن فيها ،وعلى الرغم
من أن الاست ارتيجية التي اتبعت آنذاك لتشكيل مثل هذا النفوذ ط أر عليها تعديلات عديدة بعد اندلع
الثورة في سوريا ،فإ ّن الهدف النهائي لها يبقى هو ذاته ،وهو تأمين نفوذ إي ارني ارسخ ممتد إلى
4
التغيير الديموغرافي في سوريا مخطط إيراني خبيث
_____________________________________________________
البحر المتوسط يقطع المحور السني (التركي-السعودي) ويحول إي ارن إلى قوة إقليمية متحكمة
بالمنطقة.
كان تنفيذ الاست ارتيجية الإي ارنية في سوريا قبل الثورة يقوم أولًا على تأمين المم ارت البرية
من طه ارن إلى بيروت مرو ارً بالع ارق وسوريا من خلال تركيز التشييع في هذه المم ارت لإحداث
تغيير ديموغ ارفي مذهبي سريع ،مع بقاء عملية التشييع في المناطق الأخرى مستمرة باهتمام
وتركيز أقل ،فهذا الاستم ارر سيتحقق بصرف النظر عن المسعى الإي ارني في التركيز على المم ارت،
وسيساعد مع الزمن على تحقيق تغيير ديموغ ارفي جزئي في سوريا يمكن أن يكون له تأثير
سياسي فعال لاحقاً.
ويقوم تنفيذ الاست ارتيجية ثانياً على أساس الاعتماد على الأقلية الشيعية الصغيرة وأبنائها
الموالين للولي الفقيه في إي ارن بالإضافة إلى العلويين المتشيعين من تيار الموالين بالضرورة
لإي ارن للوصول إلى عمق مؤسسات الدولة ،وبشكل خاص في المؤسسات الحكومية السيادية،
كالجيش وأجهزة الأمن والاقتصاد والتعليم ،إلا أن إحداث تغيير ديموغ ارفي كبير في سوريا لخلق
وجود شيعي جديد في وقت قصير أمر شبه مستحيل ،ويمكن أن يكلف جهداً هائلًا ويحتاج إلى
وقت طويل للغاية ،وبالتالي حتى تكون عملية تحقق الهدف منها يجب أن تكون أهدافها متواضعة
بعض الشيء وقابلة للتطبيق وممنهجة وطويلة الأمد ،ذلك أن ثمة مشكلة كبيرة يواجهها هذا
المشروع هنا ،وهي تكمن في أمرين اثنين:
الأول :هو أن الديموغ ارفيا السكانية السورية تختلف كلًياً عن لبنان والع ارق واليمن والبحرين،
فالأكثرية سّنية وتكاد تكون الأقلية الشيعية معدومة ،إلى درجة أن معظم الد ارسات عن سوريا
قبل الألفية الثانية لا تذكرهم في الِّن َسب السكانية.
الثاني :وهو ناتج عن الأول-أنه لا يوجد في مواقع الق ارر في أجهزة الدولة شيعة سوريون
بحيث يمكن أن يكونوا المنفذين المحليين للمشروع.
في الواقع ،ساعدت الثورة الإي ارنيين على توسيع تد ّخلهم ،وحرق م ارحل في تنفيذ
است ارتيجيتهم لبقاء قوي ومؤثر وطويل الأمد ،فقد انتقلت من الاعتماد على التبشير إلى الاعتماد
5
التغيير الديموغرافي في سوريا مخطط إيراني خبيث
_____________________________________________________
على القوة العسكرية والأمنية ،عبر بناء شبكة قواعد عسكرية وتوطين المقاتلين الأجانب ،وعبر
بناء وجود محل ّي كأمر واقع من خلال الجيوب الشيعية الناشئة والميليشيات المحلية المتشيعة،
وتتكفل عمليات القصف والتهجير والاتفاقيات المحلية بتسهيل التغيير الديموغ ارفي واعادة رسم
الخارطة الاجتماعية والمذهبية للمجتمع السوري كما تريدها إي ارن ،ويستند هذا التغيير الجديد في
الاست ارتيجية إلى السيطرة الفعلية والمباشرة على مواقع الق ارر في مؤسسات الدولة السيادية:
الجيش والأمن (ومن خلالهما إلى باقي مؤسسات الدولة) والى المديونية السياسية والمالية لإي ارن
التي أنقذت نظام الأسد من السقوط عام .201٣
والواقع أنه عندما نتحدث في إطار مفهوم الدولة الحديثة عن التغيير المذهبي فإننا نتحدث
بالضرورة عن التغيير الديموغ ارفي ،أي عن تغيير التركيبة السكانية ،فنتائج التد ّخل الإي ارني في
التغيير الديموغ ارفي في سوريا وان كانت بشكل رئيسي تتعلق بالأكثرية السّنية إلا أن هذا التغيير
طال أقليات دينية مثل الدروز والإسماعلية ،والمسيحيين العرب .ولكن بما أن البحث متخصص بـ
"التغيير المذهبي" فإنه سيقتصر على التغيير المتعلق بالأكثرية السّنية المسلمة.
إن التغيير المذهبي في سوريا ،كما يمكن لم ارقب ملاحظته ،يقوم على ثلاث آليات:
-1التشييع.
-2تجنيس المقاتلين الشيعة.
-٣التهجير والتوطين.
وفي حين أن التبشير كان الأداة الرئيسية للتغيير المذهبي في مرحلة ما قبل الثورة فإن تغيي ارت
ما بعد اندلاعها منحت إي ارن الآليتين الأخريين المتولدتين من مناخ الحرب.
أولاً :جغ ارفيا التبشير في سوريا
ما بين عام 200٣و 2011ترّكزت عمليات التشييع في مناطق محّددة ،واعتمدت هذه
العمليات بشكل رئيسي على ضخ الأموال وانشاء شبكة َعلاقات مصالح اقتصادية ومعيشية مع
المجتمعات المحلية عبر خلق سوق للسياحة الدينية بإنشاء الم ارقد والحسينيات والم اركز
6
التغيير الديموغرافي في سوريا مخطط إيراني خبيث
_____________________________________________________
التعليمية ....إلخ ،وعلى الرغم من أن انتشاره الجغ ارفي في معظم المحافظات السورية فإنه كان
مرّك ازً بشكل مختلف في مناطق محّددة أكثر من الأخرى.
البادية والجزيرة:
لقد لاحظنا أن التشييع والتغيير الديموغ ارفي للعرب السّنة قبل الثورة تمت في البادية السورية
القريبة من الحدود الع ارقية ،إذ يتجاوز ٪ ٣0من جملة التشييع التي جرت في سوريا ،والقرى
التي جرى فيها نشر التشييع تبدو كسلسلة متصلة تمتد من الغرب إلى الشرق ،واذا ما تم التدقيق
أكثر في أماكن التوزع فإننا سنجد أن هذه القرى تقع على ضفاف نهر الف ارت ،وبشكل أدق على
المم ارت الرئيسية التي تصل سوريا بالع ارق ما بين بلدة ربيعة ومدينة البوكمال ( ٣20كم) ،وهذه
المم ارت البرية تصل بين الحدود الع ارقية-السورية ودمشق وحمص وحلب ،أي الحدود اللبنانية
الشرقية كلها والساحل السوري ،وبشكل خاص إلى اللاذقية والبقاع وبيروت.
اعتمد التشيع في البادية السورية على تشييع القبائل من خلال الإغ ارء بالمال ،وبربطها
بأصول لها بآل البيت ،خصوصاً أ ّن كثي ارً من القبائل تّدعي نسبتها إلى آل البيت (مثل :البكارة،
النعيم ،الجبول) ،وقد تعّدى الأمر في بعض القبائل (كقبيلة البكارة) إلى تأويل نسبها وربطه
بالأئمة الاثنا عشر (الإمام الباقر مثًلا) ،ومحاولة تجذير المسألة تاريخًياً بإشاعة زعم أ ّن الجزيرة
شيعية تاريخًياً والدولة العثمانية عملت على تسنينها وهو زعم يخالف الوقائع التاريخية.
ويمكن القول إ ّن الثورة السورية ج ّمدت عمليات التغيير المذهبي في تلك المنطقة
الاست ارتيجية ،إلا أ ّن الحرب نفسها عادت وفتحت فرصة جديدة لهذا التغيير عبر التجنيد في
صفوف الميليشيات الشيعية للتكسب ،في ريف دير الزور الشرقي ،خصوصاً قريتَي حطلة وم ارط،
ومدينة البوكمال والمناطق المحيطة بها على الحدود السورية-الع ارقية.
لا يتجاوز عدد المتشيعين َوْفقاً للتقدي ارت 7000شخص عام 2011وهو رقم لا يمثل تأثي ارً
كبي ارً في التغيير المذهبي ،إلا أنه لا ينبغي التوقف عن دلالة الرقم وحسب ،فهذا التغيير من جهة
7
التغيير الديموغرافي في سوريا مخطط إيراني خبيث
_____________________________________________________
مدعوم بالمال ،وصار بعد الثورة مدعوماً بقوة السلاح ،ومن جهة ثانية هو ناتج حركة تبشيرية
نامية ،أي إّنه ليس ثابتاً ويسعى على الدوام إلى التكاثر.
مناطق العلويين
وعلى الرغم من أن العلويين في سوريا هم نصيريو المذهب ،ويُ َعّدون انشقاقاً غير مرغوب
فيه في المذهب الشيعي ،فإ ّن ذلك لم يمنع من تكّون ظاهرة العلويين المتشيعين في النصف الثاني
من القرن التاسع عشر الميلادي ،إذ ُد ّشن أول مسجد في عام ،1869ولك ّن جهوداً مكثفة من
المب ّشرين الشيعة اللبنانيين والع ارقيين خلال أربعة عقود (منذ انقلاب حافظ الأسد وتوليه الحكم
عام )1970لإعادة جبال العلويين إلى أصله الشيعي أدت إلى تحّول الظاهرة إلى تيار مركزه
الرئيسي في "الفرع العلوي" بلدة القرداحة (مسقط أرس الأسد) ،ولكنه تيار نخبوي اعتنقه في
الغالب المتدينون المتعلمون والباحثون عن كسر طوق العزلة المديد الذي ضربته الطائفة حول
نفسها ،فقد وجد فيه التقليديون تهديداً للهوية من جهة ،ومن جهة أخرى فإن طبيعة المجتمع
العلوي التي لا تتقبل الكثير من التكاليف الدينية والطقوس وجدت في عقائد هذا التَّيار عبئاً،
وبطبيعة الحال فإن هؤلاء المتعلمين هم من شغلوا إدا ارت الدولة وش ّكلوا العصب الرئيسي لنظام
الأسد.
إ ّن التاريخ الطويل لوجود حركة تشييع بين العلويين يجعل ِن َسب التشيع مرتفعة قياساً
بالتشيع في المناطق السّنية ،فنحو ٪ 70من المتشيعين في سوريا هم من العلويين ،وقد دعمت
جمعية البستان (تأسست )1999التي ي أرسها ويمولها رسمًياً ارمي مخلوف (ابن خال بشار
الأسد) تشييع العلويين ،وتعّد الجمعية أحد ممولي الأنشطة التبشيرية بين العلويين وفي الساحل
السوري على وجه العموم من خلال "مجمع الرسول الأعظم" (جامع ومدرسة وحسينية) أو إرسال
الطلاب في بعثات تعليمية دينية إلى الجامعات الإي ارنية ،وتمويل وانشاء مؤسسات تعليم ديني
جعفرية ،ويمكن اعتبار هذه الجمعية مثالًا نموذجًياً للتغيي ارت التي ط أرت على النشاط التبشيري
في الساحل إبان سنوات إلى مركز تجنيد للشبيحة العلويين في الحرب ،فسرعان ما تحولت الجمعية
8
التغيير الديموغرافي في سوريا مخطط إيراني خبيث
_____________________________________________________
" الخيرية" والمتطوعين الشيعة أو المتشيعين للقتال في ميليشيات غير نظامية موالية للنظام،
وتجنيد العناصر في فروع أجهزة الأمن المختلفة ،وفي الوقت نفسه لعب دور السند الاقتصادي
لعائلات القتلى الموالين للنظام ،وضاعفت من نشاطها التبشيري كجزء من عمل تحشيدي لالتفاف
الطائفة العلوية حول نظام الأسد ،لكن الحرب التي استنزفت الطائفة لم يكن لمثل هذا العمل
التبشيري أن يعوضها.
محيط دمشق
ثمة اهتمام خاص أُوِل َي لمحيط دمشق وريفها ،وهي منطقة سّنية بالكامل ،إذ يقصر الوجود
الشيعي في دمشق على المدينة وفي أحياء محّددة (حي الأمين ،وحي الجورة (جعفر الصادق)،
وحي المتاولة (في جبل قاسيون) ،وهو وجود يعود في معظمه إلى عقود قليلة سابقة ،لكن الوجود
الحديث النشأة يقتصر على حي "عمارة جوانية".
إ ّن تنفيذ الاست ارتيجية الإي ارنية يتطلب تكثيف الوجود الشيعي حول العاصمة ،ولتنفيذها لم
يكن أنسب من ذلك سوى منطقة السيدة زينب ،القريبة من مطار دمشق الدولي ،وقد يفكر
الإي ارنيون أن توسيع الوجود الشيعي حول العاصمة يمكن أن يكرر سيناريو حزب الله إذا ما تم
خلق أقلية شيعية قادرة على التأثير ،وهو بدوره قد يضمن الممر البري أيضاً نحو البقاع اللبناني
ذي الأغلبية الشيعية ،ويؤمن العاصمة دمشق إذا ما حصل أي تحرك لتغيير نظام الحكم الموالي
لهم أو زعزعته ،وبالمثل فإن اختلاق مركز للتشيع (مقام ومجمع السيدة نفيسة) في الغوطة
الغربية وتحديداً في مدينة داريا عام 1999م على مقربة من طريق دمشق/بيروت ،وعلى مقربة
من مطار المزة العسكري ،يحمل أهدافاً است ارتيجية واضحة ،مما يشير إلى أن ثمة خطة منظمة
يتم تطبيقها بالتدريج ،لكن الملاحظ أن عمليات التشييع التي لقيت مقاومة واضحة من الأهالي
وأدت إلى شكل من أشكال الممانعة في قبول التمذهب الوافد ،تم تعويضها ديموغ ارفًياً بآلاف من
الوافدين الشيعة من الع ارق بشكل رئيسي ،بالإضافة إلى لبنان والخليج وأفغانستان.
وفعلًّيا بقي التبشير الشيعي عموماً محدود الأثر ،وظلت حالت التشييع محدودة للغاية على
الرغم من كل الإغ ارءات المقدمة لها ،وتجد مقاومة واضحة ،وعلى الرغم من ذلك تحّول محيط
9
التغيير الديموغرافي في سوريا مخطط إيراني خبيث
_____________________________________________________
دمشق إلى مركز لشيعة سوريا والوافدين إليها منهم ،وساهم في ذلك وجود م ازر ديني هو مقام
للسيدة زينب الذي تحّول إلى مركز لاستقطاب المتشيعين وتعليمهم بعدما أنشئ فيها العديد من
الحو ازت وبدأت تمارس فيها الطقوس الشيعية علناً.
ثانًيا :التجنيس آلي ًة للتغيير الديموغ ارفي المذهبي
في سوريا التي تعّد معقل الأُمويين فإن مقاومة التشيع والتغيير المذهبي يبدو أمراً قابًلا
للفهم ،خصوصاً إذا ما كان الأمر متصلاً بأهداف سياسية واضحة للعيان ،وفي مواجهة هذا
الوضع فإن فكرة إحداث تغيير ديموغ ارفي مذهبي في سوريا عبر طرق تبدو مغرية .وقد أثيرت
هذه القضية عام " 2006التجنيس" لكنها أسهل وأسرع مثلًا لم تكن وقتها مستندة إلى معطيات
ملموسة بقدر استنادها إلى تخمينات متعلقة بعدم الثقة بما يمكن أن يقوم به نظام الأسد من
جهة ،وبفرضية انسداد الأفق في التشييع في هذه البلاد.
حسب مذك ارت الجن ارل أحمد الهمذاني( ،تد ّخلت إي ارن فعلًياً في مارس ،201٣بينما كان
النظام آيلًا للسقوط ،وبنيت الخطة العسكرية الاست ارتيجية لحماية نظام الأسد من السقوط على
أساس تشكيل ميليشيات محلية غير نظامية عمادها وقيادتها علوية باستشارة خب ارء من الحرس
الثوري ،وميليشيات أجنبية شيعية متعّددة الجنسيات مكّونة من مرتزقة بالإضافة إلى حزب الله،
وصار التجنيس بالجنسية السورية واحداً من الامتيا ازت التي تُمنح لهؤلاء المرتزقة وعائلاتهم عند
إنهائهم الخدمة َوْفقاً لشروط التعاقد ،وعلى الرغم من أنه لا توجد معلومات دقيقة حول المناطق
التي تم إد ارج أسماء المتجنسين الجدد في سجلاتها المدنية ،إلا أ ّن شهود عيان يؤكدون أن كثي ارً
من عمليات التجنيس تركزت في أربع مناطق :دير الزور ،وحمص وريفها ،ودمشق ،واللاذقية
وريفها.
وتمثل وثائق التجنيس في تدمر (تابعة لحمص) واحداً من أبرز الشواهد على علميات
التجنيس إذ تشير إحدى الوثائق المصنفة تحت بند "سري للغاية" والموجهة من وزير العدل بتاريخ
16نوفمبر 2014إلى رئيس النيابة العامة في تدمر لتسهيل تنظيم الضبوط والتحقيقات اللازمة
10
التغيير الديموغرافي في سوريا مخطط إيراني خبيث
_____________________________________________________
والمتضمنة معاملات مكتومي القيد في البادية (للأصدقاء) ،والتي يشرف عليها فرع الأمن العسكري
في تدمر والإس ارع بإحالة الضبوط إلى أمين السجل المدني بتدمر أصولاً.
بناء على الوثيقة رقم 1٣266بتاريخ 9نوفمبر 2014المتضمنة كتاب رئيس مكتب
الأمن القومي بهذا الخصوص ،وتعبير "الأصدقاء" المستخدم في وثائق أخرى ،وهو يشير بحسب
تلك الوثائق إلى المقاتلين الأجانب الموالين للنظام في سوريا ،وحسب شهادة أحد القضاة الذي
نظم بعض تلك الضبوط فإن معظم المجنسين كانوا أفغانيين وع ارقيين واي ارنيين.
وكان الأسد قد قال في كلمة له أمام ممثلين عن منظمات شعبية في 26يوليو 2015
"الوطن ليس لمن يسكن فيه أو يحمل جنسيته وجواز سفره ،بل لمن يدافع عنه ويحميه".
وُي َعّد ذلك أوضح تصريح عن عمليات التجنيس للمقاتلين الشيعة متعّددي الجنسيات .لكن
عدد المجنسين من المرتزقة في الميليشيات الشيعية المتعّددة الجنسيات التي تقف إلى جانب
النظام غير معروف بعد على وجه الدقة ،لكن قياساً إلى عدد المقاتلين في صفوف هذه الميليشيات
والذي يصل إلى أكثر من 80ألف مقاتل ،مع الأخذ في الحسبان أن عديداً من هؤلاء المقاتلين
يتم تبديلهم عند انتهاء مدة خدمتهم ،وأيضاً إذا ما تم الأخذ في الحسبان تجنيس عائلاتهم معهم
(وهو أمر لا ي ازل غامضاً) فإنه بالإمكان تخمين أن الرقم قد يتجاوز مليون شخص خلال السنوات
الأربع الماضية.
لكن هذا التجنيس لم يكن الوحيد ،فلا أحد متأكد ما إذا كان هنالك عمليات تجنيس أخرى،
ونوع التجنيس الذي تم ،ولمن منحت تلك الجنسيات ،وما عددها ،إذ لا ت ازل الوثائق (وجميعها
مصنفة سّرية) مجهولة ،والأمل في كشف التلاعب بها قد يكون في النسخ الإلكترونية المحفوظة
من السجلات المدنية التي استطاعت المعارضة الحصول عليها من المنشقين في بداية الثورة.
وعلى الرغم من أن النظام السوري لم يجِر أي عمليات مسحية خلال السنوات السبع
الماضية ،من شأنها تحديد عدد السكان واحصاء اللاجئين منهم ،فإن رئيس الهيئة السورية
لشؤون الأسرة ،محمد أكرم القش ،أعلن في 14ديسمبر 2017أن عدد سكان سوريا يبلغ 28
11
التغيير الديموغرافي في سوريا مخطط إيراني خبيث
_____________________________________________________
مليوناً ،منهم 21مليوناً داخل الأ ارضي السورية! في حين كان عدد سكان سوريا قبل الثورة َوْفقاً
لمركز الإحصاء الحكومي نهاية عام 2011هو 20.866مليون ،ومن المعروف أن اللاجئين
السوريين حسب أرقام الأمم المتحدة يتجاوز تعدادهم 5.5مليون في دول الجوار والدول الأخرى،
في حين قتل ما يقارب مليون مواطن خلال سنوات الحرب الطاحنة ،كما أن هنالك العديد من
المواليد داخل وخارج الأ ارضي السورية غير مسجلين ،الأمر الذي يشير إلى إمكانية حدوث عملية
تجنيس واسعة النطاق قد تفسر هذا الرقم السكاني الغريب ،والذي يزيد ما لا يقل عن 4ملايين
نسمة عن الرقم التقديري ،فقد أعلنت الأمم المتحدة مطلع يوليو 2017أن عدد السكان في
سوريا يبلغ 27.18مليون نسمة.
ثالثًا :التهجير القسري والتوطين وأثرهما على الديموغ ارفيا المذهبية في سوريا
ركزت معظم البحوث في السنوات الأخيرة على التغيير الديموغ ارفي وتغيير التركيبة السكانية
بالتهجير القسري ،وواقع الحال أن التهجير إذا لم يتبع بتوطين أو تجنيس يمكن أن لا يؤدي إلى
تغيير في الخارطة المذهبية في سوريا ،وفي هذه الحال سيكون إفناء الحاضنة هو إفناء للثورة
وليس تغيي ارً ديموغ ارفًياً بمنزلة درس قاسي للحاضنة الشعبية للمناطق الثائرة ،وتلقين بقية المناطق
درساً بأن الاستم ارر في دعم الفصائل المعادية له سيؤدي بالبلدات الثائرة وأهلها إلى الدمار والقتل
والتهجير ،وعلى الرغم من أن التهجير لم يتبع دوماً بالتوطين ،لأن التوطين يحتاج إلى بشر
يمكنهم ملء الف ارغ ،وهو أمر تأمينه ليس بتلك السهولة ،إلا أنه في معظم الحالات كان هنالك
توطين واضح ،وعمليات التجنيس الجارية تسمح مع الوقت بهذا التوطين وتعزيزه ،وهو أمر
سيكون أسهل كلما طالت الحرب.
ما بين يونيو 2011وديسمبر 2012اتبع النظام سياسة تأجيج المشاعر الدينية ودفع
التطرف الديني إلى أقصاه ،من خلال مجازر طائفية بالسلاح الأبيض شملت الأطفال الرضع،
واستف ازز المشاعر الدينية (بالإجبار على السجود لصور بشار الأسد مثًلا) ،واخ ارج الجماعات
المتطرفة الجهادية من السجون (بدءاً من مايو )2011وكان الغرض تحويل الثورة من مسار
تغيير النظام من أجل الحرية والك ارمة إلى حرب طائفية سّنية-شيعية/علوية .وقد أفلحت هذه
12
التغيير الديموغرافي في سوريا مخطط إيراني خبيث
_____________________________________________________
الإج ارءات الفظيعة في تهجير عش ارت الآلف من بيوتهم ،ولكن هذا التهجير لم يكن يتبع بتوطين
لعدم وجود سكان بديلين عن السكان الأصليين.
وعلى الرغم من ذلك يجدر أن نلاحظ بأن إخلاء مناطق متداخلة في تركيبتها الطائفية
والمذهبية من السكان ،حتى ولو لم يتم توطين أحد بديلًا عنهم ،غير أن ذلك لا يحول دون حدوث
تغيير في تركيبتها السكانية بطريق السلب ،إذ يغير التهجير في النسب السكانية لكل مكون من
المكونات الدينية والمذهبية ،ينطبق هذا بشكل خاص على المناطق السّنية الساحلية (البيضا،
بانياس ،الحولة) ومدينة حمص بشكل رئيسي ،وهي مناطق تعرضت بالفعل لمذابح طائفية وتهجير
ممنهج ،وقد أتاح هذا التهجير تغيي ارً ملحوظاً في التركيبة المذهبية ،فمعظم الأحياء السنية ُه ِّجر
سكانها في حين بقيت الأحياء والقرى العلوية على ما هي عليه.
أصبحت عمليات التهجير تتم بشكل ممنهج تحت اسم "اتفاقات" أو "اتفاقات المصالحة" بدءاً
من سقوط مدينة القصير على الحدود اللبنانية في يونيو ،201٣وشكل سقوط مدينة داريا علامة
فارقة نهاية أغسطس ،2016فقد تم على الفور توطين ثلاثمئة أسرة ع ارقية محل السكان
المهجرين ،ومن المرجح أن يكون هؤلاء المستوطنون من المجنسين الجدد ،تكررت هذه العملية
في أماكن عديدة ،أهمها مدينة حلب ،التي سقطت في ديسمبر 2016بيد الميليشيات الع ارقية
بعد أن هجر جميع سكانها القاطنين في نصف المدينة الشرقي.
وأدى ما يعرف " اتفاق المدن الأربع" (كفريا ،الفوعة ،الزبداني ،مضايا) في أبريل ،2017
والذي تم بين الإي ارنيين وبعض الفصائل العسكرية السورية ،إلى تهجير ٣800شخصاً كانوا
محا َصرين من ِقبل حزب الله في مدينت َي الزبداني ومضايا قرب الحدود اللبنانية ،مقابل خروج
1500شخص من قريتي كفريا والفوعا الشيعيتين ،لكن هؤلاء الأخيرين تم توطينهم في مدينة
القصير السنّية والتي سبق وتم تغيير تركيبتها السكانية بالكامل بعد سيطرة حزب الله عليها وتهجير
سكانها.
13
التغيير الديموغرافي في سوريا مخطط إيراني خبيث
_____________________________________________________
تشمل خارطة التهجير والتوطين مناطق الشريط الممتد من دمشق إلى الحدود اللبنانية،
وعلى طول الحدود السورية اللبنانية وصولًا إلى طرطوس ،بالإضافة إلى ريف حمص وريفها بما
في ذلك الحولة وال ازرة وبانياس والبيضا وقلعة المرقب على الشريط الساحلي ،ومدينة حمص،
وهي مناطق متصلة تمثل مثلثاً علوياً-شيعًياً ،يعزل المنطقة من دمشق حتى طرطوس ،ويضمن
تحقيق هدفين رئيسيين هما :الأول تمكين وجود النظام في الشريط الواصل بين دمشق والساحل
باعتباره مركز الثقل السياسي .والثاني تمكين حزب الله في لبنان من خلال تشكيل منطقة عازلة
على الحدود اللبنانية السورية تحميه من الارتدادات السلبية للص ارع الدائر في سوريا.
في حين شمل التهجير مناطق أخرى لا تقل أهمية ،وهي على العموم تص ّب في الاست ارتيجية
الإي ارنية الكبرى في التغيير الديموغ ارفي وأهدافه ،مثل مدينة حلب ومدينة تدمر ومدينة دير الزور،
وهي تمثل العقد الرئيسية للمم ارت البرية الثلاثة نحو المتوسط.
ثمة عملية تغيير ديموغ ارفي جارية بموا ازة ذلك كله ،وهي تتم بأدوات ناعمة ،مثل ش ارء
العقا ارت ،خصوصاً داخل دمشق وفي المناطق القريبة من القصر الجمهوري (تحديداً في أحياء
المزة) ،أو عبر الق ار ارت التنظيمية للمدينة والتي تقتضي تجريف واعادة هندسة أحياء بكاملها،
كما في حمص ودمشق.
لقد أّدت عمليات التهجير إلى نزوح ولجوء ما لا يقل عن 4ملايين شخص جميعهم من
السّنة العرب ،وهو تغيير كبير ،لكن ثبات هذا التغيير مرهون بمآلات الحرب ،والتسوية السياسية
التي يمكن أن تتّم.
تأهيل المناطق بالشيعة
في عام ،201٣أفادت تقارير إعلامية أن لاجئين في إي ارن من الشيعة اله ازرة الأفغان ،قد
استقروا في أماكن قرب مسجد السيدة زينب الشهير الواقع في منطقة تسمى " السيدة زينب" بريف
دمشق ،كما أتى بعض اللاجئين مع فصيل الفاطميين أيضاً ،وهو عبارةٌ عن فصيٍل لمقاتلين شيعة
أفغان جندتهم قوات "الحرس الثوري الإي ارني" لمساعدة نظام الأسد.
14
التغيير الديموغرافي في سوريا مخطط إيراني خبيث
_____________________________________________________
وفي كانون الثاني عام ،2017كتب الكاتب البريطاني مارتن تشولوف في صحيفة
"الغارديان" البريطانية ،تقري ارً حول "طليعة" من الأجانب القادمين إلى سوريا" ،لإعادة تأهيل
المناطق بمسلمين شيعة ،لم يأتوا فقط من أماكن أخرى من سوريا ولكن أيضاً من لبنان والع ارق".
ونقل تشولوف عن مسؤول لبناني قوله إن "إي ارن ونظام الأسد ،لا يريدان أياً من السنة في
المناطق الممتدة بين دمشق وحمص والحدود اللبنانية .وهذا يمثل تغيي ارً تاريخياً للسكان".
هويات سورية للمقاتلين الأجانب
كشف الكاتب اللبناني أحمد عياش في مقاٍل نشره بصحيفة النهار اللبنانية حول تجنيس
النظام السوري أعداداً كبيرة من المليشيات الإي ارنية بالجنسية السورية ،ونقل عياش عن أوساط
دبلوماسية لم يسمها أن "بشار الأسد منح نحو مليون بطاقة هوية لإي ارنيين ولأف ارد في المليشيات
المنضوية في فيلق القدس المنبثق من الحرس الثوري وعائلاتهم ،وفي طليعتهم حزب الله
اللبناني".
ومن شأن منح نظام الأسد هويات سورية لمقاتلي "حزب الله" واي ارن ،أن يمكنهم من البقاء
في سوريا دون انتهاك للاتفاقيات ظاهرياً ،إضافة لذلك" ،فإن تجنيس إي ارنيين واعادة تأهيل مناطق
عبر جلب شيعة ،سيوطد من موقف نظام الأسد وسيضيف عدداً كبي ارً من القوات للمحاربة إلى
جانب جيش نظام الأسد.
كما يمكن ذكر ما أوردته قناة الجزيرة في العام ،2017أن الأفغان الذين يقاتلون لصالح
"الحرس الثوري" الإي ارني ،قد قيل لهم بأن عائلاتهم ستتلقى الجنسية الإي ارنية والسورية ،في حال
توفوا في المعركة ،وأشارت القناة إلى جهود "حزب الله" في توسيع قاعدته العسكرية في سوريا،
من خلال تجنيده لأناس لبنانيين لدعم نظام الأسد وحصولهم على م ازيا كثيرة منها توطين عائلاتهم
في أماكن بمحيط دمشق.
15
التغيير الديموغرافي في سوريا مخطط إيراني خبيث
_____________________________________________________
القانون رقم 10
أثار القانون رقم 10الذي أصدره بشار الأسد في أبريل /نيسان 2018مخاوف السوريين،
وكذلك المخاوف من إحداث تغيي ارت ديمغ ارفية بالمناطق السورية المدمرة ،إذ يتيح القانون للنظام
إمكانية سلب ممتلكات اللاجئين والنازحين السوريين في حال لم ُيثبتوا ملكيتهم خلال مدة محددة.
وحذرت الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي والمسؤولين اللبنانيين من عواقب القانون،
وقالوا إنه يمنع اللاجئين السوريين البالغ عددهم 5.6مليون شخص من العودة لبلدهم.
سوريا لمن يدافع عنها
تمكنت إي ارن من التغلغل في سوريا بعد أن استغلت الحرب الدائرة ودعم حليفها بشار الأسد،
وما عزز من ذلك مقولة أن "سوريا لمن يدافع عنها" ،فمن خلال تلك العبارة الصريحة التي قالها
الأسد في العام ،2015يمكن تلخيص جان ٍب من مبر ارت وأهداف النظام من فتح الأبواب أمام
عمليات التغيير الديموغ ارفي في سوريا لصالح إي ارن وتجنيس عناصر ميليشيات إي ارنية.
على اعتبار أن إي ارن من أكثر داعمي النظام السوري منذ بداية الأحداث في العام ،2011
ويشار أيضاً إلى أن المرسوم رقم 276للعام 1969في سوريا يجيز منح الجنسية لـ "من أدى
للدولة أو للأمة العربية خدمات جليلة" وفق نص المادة السادسة من المرسوم.
وثيقة مسربة
تم تداول مستندات مسربة من داخل شعبة المخاب ارت العامة تحمل رقم ،59954تاريخ 17
نوفمبر /تشرين الثاني .2018تضم جدولًا لأسماء عناصر من ميليشيات إي ارنية بوثيقة موجهة
لوزير داخلية النظام ،يطلب منه مدير شعبة المخاب ارت إد ارج الأسماء الموضحة في الجدول ضمن
قيود السجل المدني مع إخباره بالرقم الوطني والقيد والخانة.
16
التغيير الديموغرافي في سوريا مخطط إيراني خبيث
_____________________________________________________
وكشفت الوثيقة عن رغبة النظام السوري في منح الجنسية لمقاتلين إي ارنيين ،وتوطين
إي ارنيين في مناطق السنة بهدف إحداث تغيير ديمغ ارفي ،وفق معلومات مستندة إلى وثائق رسمية.
أهداف النظام من التجنيس
عمليات التجنيس التي تتم في سوريا لعناصر إي ارنية ،ومن بينهم عناصر من الحرس الثوري
وميليشيات إي ارنية ،وان ظلّت الكثير من تفاصيلها محاطة بسرية تامة لولا بعض التسريبات من
هنا وهناك ،دفعت إلى تحذي ارت واسعة من تغيير التركيبة السكانية للبلاد (التغيير الديمغ ارفي).
وهو ما أكده تقرير صدر لـ "معهد بحوث إعلام الشرق الأوسط" ،صدر في نهاية شهر
تشرين الثاني/نوفمبر ،2018وأشار إلى أن طه ارن استغلت الحرب السورية لـ "طرد سكان من
مناطقهم لاستقدام آخرين إلى أرضهم من إي ارن وتجنيسهم بالجنسية السورية ،مما يؤكد نيتها
تغيير التركيبة الديموغ ارفية للبلاد".
وبّين التقرير أن النظام بمنحه الجنسية لإي ارنيين وأعضاء ميليشيات تتبع لإي ارن ،فإنه يسعى
إلى هدفين" :الأول إخفاء وجود المقاتلين الإي ارنيين ،والثاني تغيير ديمغ ارفية سوريا".
واعتبر التقرير أن إخفاء وجود مقاتلي "حزب الله" ،واي ارن ،في جنوب سوريا ،مخالف
للاتفاقات التي تم التوصل إليها بين "إس ارئيل" وروسيا لإبقاء الميليشيات المدعومة من طه ارن
بعيدة عن الحدود.
وبحسب تقرير المعهد ،فإن "النظام السوري يعتمد مجموعة من الأساليب لطرد الأهالي من
بعض مناطق البلاد ،مثل التهديد والحصار والتجويع والتعذيب والاستيلاء على ممتلكاتهم ،مقابل
منح الجنسية للإي ارنيين".
أرقام واحصائيات
17
التغيير الديموغرافي في سوريا مخطط إيراني خبيث
_____________________________________________________
يبلغ عدد الشيعة في سوريا وفقاً للأرقام الرسمّية حوالي %0.4من إجمالي الس ّكان ،فيما
ترفع بعض المواقع الإلكترونّية التابعة لهم نسبتهم إلى ،%2علماً أّنه غالباً ما يتم دمجهم مع
العلويين حينما تتم الإشارة إلى نسبة العلويين من إجمالي الشعب السوري ،والتي تصل مع كل
الفئات الأخرى من المتشيعين إلى حوالي %12من الس ّكان .ناهيك عن المهاجرين من الإي ارنيين
واللبنانيين ،والع ارقيين أيضاً الذين يتجاوز عددهم المليون ،أي أكثر من %5من السكان ،وفق
ما ذكره الدكتور خالد أحمد الشنتوت في موسوعته "الرشيد" حول تجنيس الإي ارنيين.
وذكر الشنتوت أنه تم تجنيس الإي ارنيين والع ارقيين (الشيعة) ذوي التوجهات الإي ارنية،
بالجنسية السورية ،وأشار إلى أن أعدادهم قد تجاوزت المليون حتى الآن ،ويقيم معظمهم في
منطقة (السيدة زينب) وما حولها من دمشق.
وتصف بعض تقارير المعارضة السورية عمليات التشيع المنظمة والجارية حالياً في سوريا
بأنها "هجمة إي ارنية فارسية ،ظاهرها الدعوة والإرشاد والحب -لآل البيت-وحقيقتها مشروع
استعماري استئصالي إي ارني ،هدفه احتلال المنطقة ،وتغيير دين أهلها ،وتهجير وقتل من لا
يستجيب لهذه الدعوة ولهذا المشروع ،إنه حلم الخميني الذي دعا إليه ولم يستطع تحقيقه ،يحققه
أحفاده من بعده ،وشعاره الذي رفعه لثورته الإي ارنية الفارسية (تصدير الثورة)".
لع َّل الأرقام التي تتحدث عنها تقارير مؤسسات إعلامية سورّية مستقلة ،تكشف جانباً من
مدى خطورة التغي ارت الديمغ ارفية وتجنيس الإي ارنيين ،وان كانت كثير من تلك الأرقام المتداولة
غير رسمية ومتفاوتة إلى حد كبير ،إلا أنها تكشف عن تحقيق جزٍء كبيٍر من الخطة الإي ارنية
لتجنيس عناصر إي ارنية ومواليين لطه ارن بالجنسية السورية.
لكن ُيمكن هنا الإحالة إلى ما يكشفه رئيس تجمع المحامين السوريين غزوان قرنفل ،عن
أنه "بنا ًء عن معلومات تح ّصل عليها بنفسه من مصدر بو ازرة الداخلية السورية في العام 2014
–لم يفصح عن اسمه-فإنه قد تم تجنيس 45ألف إي ارني بالجنسية السورية" ....وحالياً للأسف
لا توجد لدينا أرقاماً واحصاءات دقيقة حول الإي ارنيين المتجنسين بالجنسية السورية.
18
التغيير الديموغرافي في سوريا مخطط إيراني خبيث
_____________________________________________________
ويوضح أنه في السياق العام هناك تحركات من قبل النظام السوري من أجل إحداث تغيي ارت
ديموغ ارفية في تركيبة السكان خاصة في قلب العاصمة وما حولها.
ويمكن هنا مقارنة ذلك الرقم بما جاء في بيان تحذيري أطلقه ناشطون من السويداء (تقع
على بعد 100كم جنوب مدينة دمشق) في العام ،201٣حذروا فيه من مشروع تجنيس 40
ألفاً من الع ارقيين واللبنانيين وغالبيتهم من عناصر حزب الله.
ُيزيد قرنفل" :أعتقد بأن هذا الرقم قد صار متواضعاً أمام الأرقام الحالية التي نعتقد بأنها
بلغت أكثر من نصف مليون على الأقل ،وهو رقم تقديري وليس رسمياً ،هذا على مستوى التجنيس
بخلاف التشُّيع الذي تعمل عليه إي ارن بوتيرة عالية" .ذلك في الوقت الذي نقلت فيه تقارير إعلامية
حديثة –لم نستطع التأكد من دقتها-عن دائرة الهجرة والجوا ازت في العام 2019أن النظام
السوري استخرج 200ألف جواز سفر لأشخاص من إي ارن.
ويشير قرنفل إلى ما حدث في منطقة بساتين ال ارزي في دمشق ،حيث أن سكان هذه المنطقة
كلهم محسوبون على غير الموالين للنظام ،فتم تهجير أهلها وتوطين عائلات شيعية وعائلات
المقاتلين في الميليشيات الإي ارنية وتجنيس الكثير منهم ،وذلك عن طريق ع ارب النظام المدعو
سامر الفوز ،وهو رجل أعمال سوري يمثل واجهة النظام التجارية والمقرب جداً من إي ارن ،وهو
عنوان المرحلة القادمة لتوطين الشيعة في سوريا.
رمزية دمشق لإي ارن
تحظى الأنشطة الشيعية في دمشق بأهمية خاصة ،ليس فقط لكونها عاصمة سوريا والقلب
النابض للشام كله ،ولكن أيضاً لأسباب وعوامل التاريخية ورمزية ،فـنشر التشّيُع في دمشق هو
في نظر النظام الإي ارني-نوع من الثأر بأثٍر رجع ٍي من الخلفاء الأمويين الذين كانوا يتخذون من
دمشق عاصمة لخلافتهم ،ونوع من التمدد ضمن المشروع الإي ارني في المنطقة.
19
التغيير الديموغرافي في سوريا مخطط إيراني خبيث
_____________________________________________________
هذا فضلًا عن الذاكرة التاريخية للمشروع الفارسي التي يربط بين الأمويين وبين المآسي
التي حدثت لأهل البيت ،والذين يتخذون من ذكرى استشهادهم مناسبات للبكاء والعويل وضرب
الصدور والظهور بالأيدي والسلاسل وللشحن والتعبئة المذهبية إلى أقصى حد.
تطهير طائفي عبر التجنيس
تشييع دمشق هو نوع من الانتصار الرمزي على ما جرى في التاريخ من أحداث ،وهو يأتي
في سلم الأولويات بالنسبة للنظام الإي ارني ومشروعها التوسعي كونه يعتبر فتحاً لحاضرة بني أمية
الذين هم أشد من "إس ارئيل" العنصرية ،لدى نظام الملالي ،وفقاً لما قاله الخميني في إحدى
خطاباته ،واكتساحاً لمدينة إسلامية عربية خالصة ترمز لعصر الفتوحات الإسلامية الخالدة ولقوة
دولة الخلافة الإسلامية التي امتدت من سور الصين العظيم شرقاً إلى جنوب فرنسا غرباً.
ويوم بعد يوم تتكشف الأو ارق عن عمليات تجنيس واسعة النطاق يقوم النظام الأسدي في
سوريا ضمن سياسته الهادفة إلى إعادة الهندسة السكانية ،وتنصرف عمليات التجنيس هذه
بشكل خاص إلى عناصر الميليشيات الداعمة له في حربه على الشعب السوري.
إن النظام السوري يرى في الميليشيات الشيعية العابرة للدول القادمة من أفغانستان واي ارن
والع ارق ولبنان مع عائلاتها ،حلًا يعّوضه عن تناقص المقاتلين من الموالين السوريين الذين أجهز
عليهم في حربه التي أدخلت البلاد في صدامات واحتلالات لن تخرج منها لسنين طوال وربما
عقود.
وان الميليشيات الإي ارنية تستولي اليوم على بيوت دمشق الواقعة في الأحياء القديمة ،ويقوم
هؤلاء بتغيي ارت جوهرية داخل هذه البيوت الدمشقية وفي شوارع وأحياء دمشق.
وقد دعم النظام ذلك من خلال العقاب الجماعي والحصار وتغيير الملكية وسياسة إعادة
الإعمار واستصدار القوانين التي تخدم نزع الملكيات والتدمير غير القانوني لممتلكات المدنيين
والاستيلاء عليها والتخلّص من الأهالي الأصليين بالقتل والتهجير.
20
التغيير الديموغرافي في سوريا مخطط إيراني خبيث
_____________________________________________________
وأن هذه السياسة تأخذ شكل التطهير الطائفي الذي يعتبر جريمة وفقاً لأحكام القانون
الدولي ،كما تمنع أجهزة الأمن التابعة للنظام تأجير أو بيع أو ش ارء أي منزل في دمشق إلا
بموافقة أمنية ،وترمي بذلك إلى الضغط على المالكين لإجبارهم على عمليات البيع لصالح إي ارن
ووكلائها.
ويقوم على هذه السياسة مزيج من ت ّجار حرب من الحلقة الضيقة للنظام السوري ،وبرنامج
تشييع يدفعه ويموله النظام الإي ارني؛ وذلك لتحقيق أهداف مشتركة بين الطرفين ،بقصد تغيير
الولاءات السياسية والتركيبة السكانية لجزء كبير من المناطق في سوريا.
وتسربت بعض الوثائق التي تبين سعي النظام إلى إدخال أعداد كبيرة من غير السوريين
ضمن قيود الأحوال المدنية عن طريق معاملات قيد المكتومين ،واستصدار أو ارق إقامة دائمة
لمنسوبي الميليشيات الشيعية الأفغانية مع عائلاتهم ،ومنح الهوية السورية لقسم كبير من
المقاتلين العابرين للحدود بغرض شرعنة وجودهم والاستفادة منهم في أي الت ازمات دولية بانتخابات
رئاسية أو استفتاء على الدستور الموعود ،وبغرض منع عودة اللاجئين إلى بيوتهم التي أخرجوا
منها وأرضهم ومواطنهم الأصلية.
وكدليل على تلك العمليات ما حدث –على سبيل المثال-في الغوطة الشرقية وجنوب دمشق
وفي مناطق أخرى شهدت عمليات تغيير ديمغ ارفي وبالتالي تجنيس أولئك المقاتلين التابعين لإي ارن
أو توطينهم .وليس ببعيٍد أيضاً ما تداولته تقارير إعلامية نقلًا عن مصادر ع ارقية رسمّية بشأن
منح النظام السوري ميلشيا الحشد الشعبي الع ارقي الجنسية السورّية.
عملاء محليون
المحلل العسكري العميد المنشق عن النظام السوري أحمد رحال ،الذي يشير في شهادته
حول الموضوع إلى داريا كمثال ،فتلك المدينة السورية العريقة التي تقع بالقرب من دمشق ،بعد
أن سيطر عليها النظام سارع القائد الع ارقي التابع لإي ارن أمجد البهادلي بزيارة مقام السيدة سكينة
فيها فو ارً ،في دلالة واشارة واضحة على هرولة الإي ارنيين للتشبث بتلك المناطق التي تمثل أهمية
21
التغيير الديموغرافي في سوريا مخطط إيراني خبيث
_____________________________________________________
قصوى لهم ،وتم تجنيس مجموعة من الشيعة الع ارقيين الذين سكنوا فيها بالجنسية السورية،
بحسب معلومات تح ّصل عليها رحال.
ووفق تلك المعلومات ،فإن الأمر لا يتوقف عند حدود داريا ،فهناك في القصير وفي حمص
وغيرها ،حتى أن "آخر عملية تجنيس وصلتنا معلومات بشأنها تتم في الميادين والبوكمال (مدينتان
سوريتان تتبعان محافظة دير الزور شرق سوريا) ،خاصة تجنيس ميلشيات أفغانيين وع ارقيين
وهناك عائلات ع ارقية تتوافد بحجة زيارة الم ارقد ومناطق مقدسة ،وبعض الأفغان الذين تم تجنيسهم
في بابا عمر (أحد أحياء حمص وسط سوريا)".
وبالتالي فإن الإي ارنيين يلعبون "لعبة خطيرة" حسب وصف رحال ،على أساس أّنهم يّدعون
في كل منطقة وجود مكا ٍن مقد ٍس لهم ،لكّنه يشير إلى النقطة الأخطر في المسألة والمرتبطة
بوجود "عملاء محليين".
الخاتمة
في الوقت الذي تُعاني فيه طه ارن من أزمة العقوبات الأميركية المفروضة عليها ،كما تواجه
الأصوات المطالبة بضرورة إخ ارج الإي ارنيين في سوريا ،فإنها لا تريد أن تخرج وتترك الساحة
فارغة وتخسر كل شيء ،وبالتالي تحاول زرع جسم جديد في النسيج السوري يضمن بقاءها
وسيطرتها ،وهي بذلك تريد استنساخ حزب الله آخر في سوريا أو الحشد الشعبي ،حتى بعض
الأفارقة قد تم جلبهم إلى سوريا –ضمن ذلك المخطط-لضمان بقاء السيطرة الإيرانية على سوريا،
لتكون الولاية رقم ٣5لإي ارن.
يساعد فهم ما يجري من التغيير المذهبي في سوريا وديناميته بشكل جيد على تقدير سير
الأمور في المستقبل ،وعلى وضع است ارتيجية مناسبة لمواجهة هذا التحدي في سوريا .وينبغي
هنا أن ينظر إلى التغيير المذهبي في سوريا على أنه جزء من است ارتيجية أعّم تشمل عمق العالم
السّني ممثًلا في الدول العربية .وثمة من يجادل في إمكان احتواء التأثير الإي ارني المذهبي من
خلال احتوائها عسكرًياً عن طريق دعم توسيع النفوذ الروسي المتنافس معها في سوريا ،وتتضمن
22
التغيير الديموغرافي في سوريا مخطط إيراني خبيث
_____________________________________________________
وجهة النظر هذه فكرة مفادها أن إي ارن لا تمتلك است ارتيجية واضحة من جهة ،وأن وجودها
العسكري منفصل عن التغيير المذهبي ،وهو أمر يبدو جلًياً أنه غير واقعي ،بالنظر إلى سيطرة
إي ارن على الأرض ودخولها إلى عمق ومفاصل الدولة وم اركز صنع الق ارر فيها وبشكل ممنهج.
كما ي ارهن البعض على فشل هذا التغيير المذهبي القائم على أساس التهجير نتيجة التفاوت
الكبير جًداً في عدد السكان على المستوى الوطني أو الإقليمي ،لكن هذا الرهان الذي يستند إلى
حقائق ديموغ ارفية ارهنة لا يأخذ في الحسبان أن تغيير تلك الحقائق ذاتها أمر بات ممكناً في ظ ّل
مجريات الأحداث في سوريا.
يبقى البعد الديني المذهبي الأداة الرئيسية في تنفيذ الاست ارتيجية الإي ارنية ،التي تستخدمه
في التمّدد وتعظيم النفوذ في المنطقة ،وعندما وضع الجن ارل أحمد الهمذاني خطة الحرس الثوري
الاست ارتيجية للتدخل العسكري في سوريا لإنقاذ نظام الأسد كانت الخطة مؤلفة من أربعة محاور:
عسكري ،وأمني ،واقتصادي ،وديني.
وحسب الهمذاني نفسه فإنه تم الأخذ بالجانبين العسكري والأمني وتأجيل الاقتصادي والديني
دون إهماله ،وهذه الخطة يبدو أنها تحقق نجاحاً ،ولكن الوضع السوري الميداني متحرك ،وقد
تنتبه القوى السّنية إلى أهمية وضع خطط لمواجهة الاست ارتيجية الإي ارنية تحول دون أن يصبح
هذا الواقع المتحرك واقعاً ثابتاً وصلباً.
ولا شك أ ّن تبّني است ارتيجية مواجهة تتطلب إنشاء م ارصد بحثية متخصصة في كل دولة من
الدول العربية لمتابعة التمّدد الإي ارني ،بما يمكن أن يساعد بشكل فعال في أي خطط لمواجهة
التغيير المذهبي من خلال توفير معلومات ومتابعة للتطّو ارت بشكل دقيق ،كما أنه يمكن أن يساعد
في تطوير وتصويب تلك الخطط ذاتها .كما أنه من الأهمية بمكان تبّني خطة است ارتيجية عامة
مشتركة للدول العربية ومعها بعض القوى السّنية الرئيسية كتركيا على الأقل لمواجهة التأثير
الإي ارني المذهبي في ديموغ ارفيا المنطقة ،ووضع خطط طويلة ومتوسطة وطويلة الأمد.
23
التغيير الديموغرافي في سوريا مخطط إيراني خبيث
_____________________________________________________
مع استم ارر الحرب في سوريا ،فسوف تبقى الجماعات الشيعية المسلحة في البلاد على ما
هي عليه ،وتستمر إي ارن من خلال هذه الجماعات في تعزيز موطئ قدمها في المشرق وفي
المجتمع الشيعي ،ويش ّكل تحويل هذه الجماعات إلى نسخ ٍة مشابهة من (حزب الله) بالاسم والبنية
والولاء إنجا ازً كبي ارً لطه ارن ،الأمر الذي يسمح لإي ارن بالحفاظ على نفوذ أكثر صلابة واب ارز القّوة
بصورة أكثر فعالية داخل سوريا ،وفي هذا السياق من غير الممكن الحديث عن تفكيك قدرة
الإي ارنيين على البقاء الدائم في سوريا وتثبيت وجودهم ونفوذهم ما لم تتم إعادة بناء الجيش
السوري وتفكيك الأجهزة الأمنية واعادة بنائها من جديد ،واذ يمثل هذا أهم مفتاح لعدم استق ارر
الإي ارنيين في سوريا ،وهو أمر يتطلب الدفع باتجاه أن يكون بنداً من أي اتفاق تسوية سياسية
لاحقاً ،فإ ّن الحسم العسكري لصالح إي ارن سيعزز بقوة فرص بقائها وتحكمها في الق ارر السياسي
والأمني واستم ارر تغييرها لبنية المجتمع السوري المذهبية إلى آماد طويلة.
يستند التد ّخل الذي تقوم به إي ارن في سوريا -كما في دول أخرى-إلى ضعف الهوية الوطنية
وهشاشتها ،وهو وضع عمل النظام على صنعه إلى حد كبير ،فقد اشتغل على تفكيك النسيج
الاجتماعي السوري خلال ما يقارب نصف قرن ليضمن الإمساك بالمجتمع ،والسيطرة على أ ّي
معارضة لحكمه قد تظهر فيه .وعندما ظهرت الاحتجاجات القوية ضده ،ولم يتمكن من ردعها،
اعتمد مع الإي ارنيين على سياسة التجريف الديموغ ارفي ،فالمنفعة كانت مزدوجة للطرفين.
وأًياً ما يكن الوضع الحالي ،فإن الحقيقة لا ت ازل أنه لا شيء ثابت في سوريا ،وكل شيء
مرهون بنتائج الحرب ،التي لا يبدو أن نهايتها قريبة.
تم بتاريخ 2021/01/16م
24