الحقيق ُة كرابينعتالثامنرآ ًية8ب3ي ِ4د1الهلـه -يناير 2017م 1 َمن َعر َف الح ّق شهده في ك ِّل شيء
َو َقعت وتش َّظت ومن فن َي ب ِه َغا َب َعن ك ِّل شيء
ك ُل فر ٍد أخ َذ قطع ًة منها و َمن أح َّب ُه لم يؤ ِثر عليه شيئ ًا!
نظ َر إليها... ابن عطاء الله السكندري
وظ َّن أ ّنه يمل ُكها كا ِملة!
جلال الدين الرومي َكتب الإحسا َن على ك ّل شيء
» -العدد الأول :ربيع الثاني 1438هـ -يناير 2017م ملحق فصلي تصدره «
مفتاح كــأنك تـراه!
جمال الملا
َل ْن تج َد المفتاح في الجهة الم�ضاءة والوا�ضحة خارج الدار ،طالما أ�نت
ُموقن ب�أ َّنك أ��ضعته بداخلها .ثم إ� َّنه لي�س كل نور هدى .حتى و إ� ْن
توهمت ب�أ َّن الباب مقفل فب إ�مكانك أ�ن تك�سره و�أن ت�ستعير فانو�س
جارك وهو فانو�سك في الحقيقة الذي ن�سيته عنده منذ زمن ،ومن
ثم تلج إ�ليها .وطالما �أنك تمكنت من الدخول ،ف ِل َم المفتاح؟!
من َح ْيث ن�شعر �أو لا ن�شعر ،ف�إ َّن جميعنا يبحث ب َت ْوق عن �شيء
واحد يتجلَّى في �صور �شتى ُيكن لنا أ� ْن ُنطلق عليه «النقلة البعيدة»
خطوة وا�سعة .قفزة هائلة نتجاوز بها آ�لاف ال�سنين� .إ َّننا نطمح ألن
نختطف في لمحة مطلقة تك�شف الحقيقة فيها عن وجهها الم�شرق،
ومن المفارقات الوجودية �أن هذه النقلة البعيدة التي من �ش�أنها أ�ن
ترفعك إ�لى معارج الكمالات اللانهائية ،لا تف�صلك عنها م�سافة ولا
�أزمان ،بل �إ َّنها تكمن فقط في إ�يقاظ �شعورك الداخلي بالانتماء �إلى
الله ،إ�ذ كلما كبر هذا ال�شعور تتلا�شى مظاهر الندية لله ،وهو ما
يدفع لاإن�سان للترقي في وجوده و�شهوده حتى لا يرى ولا ي�سمع
ولا يح�س �إلا بالحق .قيل لأحد �أهل الله :كيف و�صلت؟ فقال:
ا�ستقبلت القبلة التي ا�ستدبرها لاآخرون!
�إ َّن توجيه وجهك للذي فطر ال�سموات ولاأر�ض يورث في القلب
المحبة للجميع ،والتخلق ب�أخلاق الم�صطفى �صلى الله عليه و�سلم التي
تدعو �إلى رفع الجهل بالتح ّلم عليه و�إخراج النا�س من الظلمات �إلى
النور بال�صبر وال�صلاة على الحقيقة المحمدية المنطوية في الجميع
بالجميع حتى يتحقق ظهورها « َوا�ْس َت ِعي ُنو ْا ِبال َّ�ص ْ ِب َوال َّ�صل َا ِة»ُ « ،ه َو
ا َّل ِذي ُي َ�ص ِّلي َع َل ْي ُك ْم َو َم َل ِئ َك ُت ُه ِل ُي ْخ ِر َج ُكم ِّم َن ال ُّظ ُل َما ِت �ِإ َل ال ُّنو ِر َو َكا َن
ِبا ْلُ ؤ�ْ ِم ِني َن َر ِحي ًما» ،وبذلك ت�سقط حظوظ النف�س فيك ليقوم حظ
الحق العظيم « َو َما ُي َل َّقا َها ِإ� َّل ا َّل ِذي َن َ�ص َ ُبوا َو َما ُي َل َّقا َها �ِإ َّل ُذو َح ٍّظ
َع ِظي ٍم».
�إ َّن ال�صحائ َف التي بين يديك لاآن لي�ست �س ًّرا ولا مفتاحا.
ولي�ست هي ما ينق�صك بل لعلها تريد �أن تقول لك �أنت بالتحديد:
«لا �شيء ينق�صك!» ،باعتبار أ�ن النق�ص مجرد فكرة عقلية تن�ش�أ
نتيجة مقارنة نف�سك بالآخر بينما لو عدت �إلى جذورك الداخلية
التي تمتد إ�لى ح�ضرة ل إاطلاق وتمعنت في ن�سبك الروحي وح�سبك
ال�سبوحي لوجدت �أن حقيقتك الروحية هي المركز الذي ي�صدر
العالم منه وهو باق فيه .من هنا ت�ضمحل المقارنات لتتجلى �آثار ا�سم
الله الم�ؤمن الذي يع ِّب عن مرايا ل أاكوان؛ فلا ت�شاهد إ�لا ذاتك ،وهذا
كما أ��شار العارفون معنى قول النبي محمد �-صلى الله عليه و�سلم-
«الم�ؤمن مر�آة أ�خيه الم�ؤمن»؛ لت�شهد حقيقة �أن كل �شيء خلق لأجلك،
و�شيئا ف�شيئا تت�سع نظرة الفرد تجاه المجتمع والكون ب�أ�سره لتكون
نظرة مفعمة بالحب والهدوء نابعة من �ضمير حي بذكر الله دون
اإِ��َأَتولَ�اْذكسْلاكلَل َيث َ َمْيوجفرَاَمو�أ َ«ءْولَْلُجهاََآاهق َدُِْهدخْلعََِراكَيَّاَوءِِلََ،جنذ َْوَدَوكل ُُُهَهكره َوْ�َمذلشاُِْيلَّ ًلئَْفاماا ََ�ِركَيسوِ�ثُ ٌَسكوين ًوورَ َفجاِنَلل»َد�ُ،إهللولأَ�الَّملَِّْاتبجَا ُ�ُأر»رىْ�ُ،ه َسفجوَِاونِعٌيهةءنذَاتدَهلحنَرل�َرفِّبسهتَ�ُِنهسوب ٌاةَوةلكَِّلَيلولون إامَجَخك ْاحلدو َ�اآنٌستفا َايخ َنْلعرر َلل«ُْيهَوجب ِهاَل«ولْمَىحذل َوََّتمكلََّ َْىرانل
ُه ْم َي ْح َز ُنو َن» ،وهو م�ضمار ال�سباق والمناف�سة �إلى أ�ن تبلغ مقامك «فـِي
َم ْق َع ِد ِ�ص ْد ٍق ِعن َد َم ِلي ٍك ُّم ْق َت ِد ٍر» ،بل إ�لى ما لا نهاية للكمالات « َل ُهم َّما
َي�َشا ُءو َن ِفي َها َو َل َد ْي َنا َم ِزي ٌد».
[email protected]
تأ ّملات ربيع الثاني 1438هـ -يناير 2017م 2
ا إلح�سان ..غاية الدين
ال َّل َه َو َر ُسو َل ُه َل َي ِل ْت ُكم ِّم ْن َأ ْع َما ِل ُك ْم وهــنــا نـضـع ســــؤالا واحـــــدا لـأمـة لا شــــك أ ّن كــــل مــســلــم يـعـرف
َش ْي ًئا إ َّن ال َّل َه َغ ُفو ٌر َّر ِحـيـ ٌم» ليقرر ذلـك الـحـوار الـــوارد فـي روايــة عن
بثبات كامل وقول قاطع أن الدين وللفرد ولأنفسنا نرى أهمية طرحه سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله
مـقـامـات ،وأن لـكـل مـقـام أحـكـام عنه قـال« :بينما نحن جلوس عند
فخطاب الإسلام خطاب وعلامات وأهل ،وأن التفاضل في فــي وقـتـنـا الـــراهـــن أكــثــر مــن أي رسول الله صلى الله عليه وسلم
جوارح ..وخطاب الإيمان الـمـقـامـات أمــر واقــع والـفـرد عند ذات يوم ،إذ طلع علينا رجل شديد
خطاب قلوب ..وخطاب الله بقدر مقامه لا بظاهر تدينه. وقت مضى ،ما مدى التفاتنا إلى بياض الثياب ،شديد سواد الشعر،
جــاء أمـيـن الـوحـي بـصـورة حس ّية لا يرى عليه أثر السفر ،ولا يعرفه
الإحسان خطاب روح لــيــراجــع مـــع أمــيــن الأمـــــة أمــــورا كلية هذا الحديث والأخـذ بدلالاته. مـنـا أحـــد ،حـتـى جـلـس إلــى النبي
مـعـروفـة عـنـد صـحـابـة رســول الله صـلـى الـلـه عليه وسـلـم ،فأسند
من حيت أنه حقيقة اعتقاد تتعلق ولـكـنـه هــذه الـمـرة جــاء ليبث في إ ّن الالــتــفــات الـــواعـــي إلـــى تلك ركبتيه إلى ركبتيه ،ووضع كفيه على
بعدم القدرة على إنكار وجود الله، معانيها نورا كليا ودلالات مختلفة فخذيه ،وقال :يا محمد أخبرني عن
ومـــا بـقـى إلا دعــــوة الـبـشـر إلـى فهو عليه السلام لم يسأل فيما الإشـــــــارة يـهـديـنـا إلــــى الـمـعـنـى الإســام فقال رسـول الله صلى
تـحـقـيـق الإحــســان بـربـوبـيـة كاملة كان يسأل إلا عن هذه المقامات: الله عليه وسلم :الإسلام أن تشهد
تنفي خبث الندية وآلامها وتفني مــا الاســــــــام؟ مــا الايـــــمـــــان؟ مـا العميق الــذي حـرص عليه الصلاة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول
وهـم الأنـا الخلقية بثبوت حقيقة الإحــــســــان؟ ولــــم يــأتــي الـخـطـاب الله ،وتقيم الصلاة ،وتؤتي الزكاة،
الأنا الحقية وتلك هي الدعوة الحقة الـنـبـوي إلا ليوضح أن لكل مقام والـسـام على إيـصـالـه إلـى ذوق وتـصـوم رمـضـان ،وتـحـج البيت إن
لـلـرسـل الأنـبـيـاء وورثـتـهـم لجميع خـطـاب وعـامـة فخطاب الإســام استطعت إليه سبيلا ،قال :صدقت،
العالمين إلى تحقيق العبودية لله. خــطــاب جـــــوارح وخــطــاب الإيــمــان الفرد المسلم بأ ّنه أتاكم ليعلمكم قـال :فعجبنا له يسأله ويصدقه.
ولأن الإحسان تجربة فردية روحية خـطـاب قـلـوب وخــطــاب الإحـسـان قال فأخبرني عن الإيمان .قال :أن
ذوقـيـة لا تقبل التقليد ولا الأخـذ خطاب روح كلية واحـدة ،وليقرر أ ّن بــأن الــديــن حـقـيـقـة كــبــرى واحــدة تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله
عـن وعـن كانت الرسالة المحمدية مـن بلغ الإحـسـان طـواهـا جميعها واليوم الآخـر ،وتؤمن بالقدر خيره
التي هي رسالة الكمال تحمل في واستخرج جواهرها وارتقى معارجها يتجلى كمالها وجمالها بهذا النور وشره .قال :صدقت .قال فأخبرني
مضمونها ورشـــة عـمـل إحسانية وليقرر أ ّن الأمـر من بـاب الضرورة عـن الإحـسـان .قــال :أن تعبد الله
متكاملة الأركـــان مـحـددة الوسائل والـواجـب مـتـاح ومـبـاح وحـتـى ولو الكلي المتصل وبإشاراته الروحية كأ ّنك تـراه فـإن لم تكن تـراه فإ ّنه
والمنهج والغاية لتترك للفرد خوض كان ُمتعل َق ُه بشهود العابد للمعبود يـراك ،قـال :فأخبرني عن الساعة.
تجربته بإرادته؛ فردا خالص العبودية شـــهـــودا قـلـبـيـا فـــي عــبــادتــه عن المتتالية كوحدة هدي واحدة أقصى قال :ما المسؤول عنها بأعلم من
لله ،حملت في طياتها قيما عليا قوله في الإحـسـان (أن تعبد الله السائل ،قال فأخبرني عن أماراتها.
ومثلا قدسية وأسرارا تلبس صورة كـأنـك تــراه) «وقــد تـقـرر ذلـك على غاياتها بلوغ الفرد مقام الإحسان قـال :أن تلد الأمـة ربتها ،وأن ترى
الخلافة تحقيقا وتمنح من ارتقى لسان الأمينين علامة من علامات الـحـفـاة الــعــراة الـعـالـة رعـــاء الـشـاة
الـمـقـام مـنـح الـكـمـال مـنـحـة منحة هـــذا الـمـقـام بــا شــك ولا ريــب. مقام الرشد الكامل وصورة الخلافة يـتـطـاولـون فـي الـبـنـيـان .قــال :ثم
وخلعة خلعة لم يكن ليدركها لو تقطع لقد جاءت إشـارات المعصوم عليه انطلق ،فلبث مليا (أي قليلا) ثم
في طلبها ،وأفنى العمر في فهم الـصـاة والــسـام لـتـحـدد عـامـات الاحـسـانـيـة الــراشــدة الـتـي تتجلى قال لي :يا عمر أتدري من السائل؟
معناها ناهيك عن إدراكها ..وذلك ثابتة لمكونات الدين الثلاثة الإسلام قـلـت :الـلـه ورســولــه أعـلـم ،قـال:
أ ّن مقام الإحـسـان مقام الشهود والإيـمـان والإحـسـان ومـن تقررت َحجا ِقعي ٌقلت ِهفايفا ْ َيل ْرقِوضل َهخ ِليع َزف ًةو»ج يلس«تِإ ِّنطريد فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم»
الـكـامـل بــا كـيـف ولا أيـــن بـمـا لا العلامات تحقيقا تقرر لـه المقام الأمين جبريل عليه السلام ويسأل قيل فـي هـذا الحديث إ ّنــه حديث
يخطر على بال أو يتصور بخيال «ما ومــن عـبـد الـلـه كـأنـه يـــراه بشهود جبريل وهو حديث عظيم الدلالة إذ
لا أذن سمعت ولا عين رأت ولا قلبي بقوله «كـأنـك تـــراه» تحقق ويقرر والأمين محمد صلوات الله أنه لم يكن مجرد حوار خبري دار بين
خطر على قلب بشر» ..إ ّنـه مقام له مقام الإحسان وحاز كل ّية الدين الأمينين أمين الأمة صلى الله عليه
العتق الـكـامـل والـحـريـة المطلقة. وكماله ،وكـان قـرآن كما ٍل يمشي عليه وسلم يفصل العبارة ،ويضع وسلم وأمين الوحي عليه السلام
إن التفت الفرد المسلم إلى هذا على الأرض بأنوار الخلافة الكاملة . بــل إنــه خــطــاب هــدى كـلـي ونــور
الـــــدلالات الـعـمـيـقـه ابــتــداء بفهم إ ّن مـقـام الإســــام مـقـام حاصل الإشـــارة ثـم يدعونا لفهم الـدرس متصل لا يقبل التجزئة غايته قول
الـسـؤال عـن إشـــارات هـذا المقام بالضرورة والسنة الكونية والإيمان المعصوم عليه الصلاة والسلام:
حاصل لـدى الـفـرد بـالـضـرورة أيضا الكلي لا من قشر العبارة بل من «إ ّنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم».
لب الإشارة ،إلى أنوار كل مقام وما
هي علامته وما الخطاب فيه ومن
يخاطب وأيـن ظاهره وأيـن باطنه؟
ومــا الـــذي يـعـول عـلـيـه بـالـضـرورة
لـكـي يـهـتـدي الــفــرد إلـــى معرفة
ومراقبة حاله ومقامه وباطنه قبل
ظاهره في حتمية السير إلى الله
والرجوع اليه بـالإرادة دون ادعاء أو
تزييف أو تظاهر ليكون بذلك هو
الحاكم على حقيقته «ا ْقــ َر ْأ ِك َتا َب َك
َك َف ٰى ِب َن ْف ِس َك ا ْل َي ْو َم َع َل ْي َك َح ِسي ًبا»
إن الالـتـفـات إلــى جـوهـر الحديث
بكليته يكشف الـمـغـزى والارتـبـاط
الذي جاء في تكامل بديع من ذلك
التقرير والخطاب القرآني الفاضح
لــزيــف الادعـــــاء عــن جـهـل الـمـقـام
وأحكامه وهو يخاطب أولئك القوم
ُت ْؤ ِم ُنوا َو« َٰلَ ِقكا َلن ِت ُاقْ َولُلْع َوراا ُ َأب ْآ َس َملَّنْام َن ُاقلَو ََّلل َّْمما
َي ْد ُخ ِل
ا ْ ِلي َما ُن ِفي ُق ُلو ِب ُكم َو ِإن ُت ِطي ُعوا
ربيع الثاني 1438هـ -يناير 2017م 3 تأ ّملات
جميل الجيلي فما قررت الوسائل في الدين إلا الهدى النبوي يحمل وحـدة واحـدة وعـامـة ارتـبـاط الـعـبـادة بافتراض
لتتوجه بالفرد المسلم نحو الهدف لـحـقـيـقـة واحـــــدة لـهـا أول وطــرف الشهود (كأنك تراه) ماذا تعني وإلى
والمقاصد ،وتـفـرق بين الوسيلة الإحـسـانـي معرفة وتحقيقا بسر وبــدايــة ونـهـايـة ،هــي بـحـد ذاتـهـا أين تقود وما هي الزيادة الحاصلة
والغاية بأ ّنها هـي مـدرسـة النبوة هـذه الـوحـدة فـي الخطاب النبوي بداية إلـى الـا منتهى ومـن عرف عن رتبتي الإسـام والإيـمـان في
الـتـي جـاء صلى الـلـه عليه وسلم ليشمل الوسائل والهدف معا حتى من لا منتهى له فقد أدرك ،ولهذا هـذا المقام بـإشـاراتـه العجيبة ثم
أنموذجا إحسانيا كاملا فري ًدا لها، لا يكون الدين مفر ًغا من حقيقته الـهـدف أيضا جمعت هـذه الوحدة تساءل :هل لهذا الإحسان من أهل؟
وأســـــس مـنـهـجـهـا الـــروحـــي حسا الكبرى قائ ًدا إليها هاديا عليها ومن في الهدى النبوي لحقيقة الدين ومن هم أهله؟ لما ساوره شك في
ومـعـنـى ،فـكـان الخليفة الأعـظـم فهم الدين على نحو غير ذلك فقد الكبرى بين وسيلة وغاية فحملت حقيقة هـذا المقام ومـا أشـار إليه
سيد العالمين ونور الدنيا والآخرة أفرغ الدين من جوهره وض ّل وأض ّل. إشــــارات الإســام إلـيـنـا الـوسـائـل المعصوم صلى الله عليه وسلم.
حفظ الله نورها المحمدي المرسل من هذه المنطلقات والفهم الروحي الحسية وحملت إشـــارات الإيمان ثم إ ّنـه إن تساءلنا على هذا النحو
قديما في رسل الله قبل ظهوره لهذه الإشـــارات تتحقق البشارات الوسائل الذوقية وجـاءت إشـارات لقادتنا تساؤلاتنا إلى حقيقة الهدى
حسا ،ووراثــة نبوية محمدية في التي تخرج العقل من الظلام إلى مقام الإحسان في معناه بالغاية وأهـــل الـهـدى والــنــور وإلـــى فهم
ورثـة محققين مـن بعده مـن أهل النور ومن الشك إلى اليقين وما والهدف «أن تعبد الله كأنك تراه» تتالي هذه الإشارات واختطت نسق
الإحسان بالشهود ،وبالإذن النبوي بين الخلق والخالق إلا اليقين الكامل وصـــــولا إلــــى الــخــافــة الـــراشـــدة هـدايـة يـهـدي فـي نهايته الطالب
ي ًدا بيد وببصيرة كاملة ..والله يقول المطلوب تحقيقا؛ وليس اليقين الكاملة فـي الـفـرد والأ ّمــة ،وأيـن الــصــادق إلــى هــذا الـمـقـام مقام
إلا من ثمرات الإحسان ،كونه مقام الـغـايـة مــن الـوسـيـلـة ومـــا قيمة الإحــســان؛ مــن حـيـث أ ّن إشــارات
الحق ويهدي إلى السبيل. الشهود ولا يقين إلا بثبوت أنوار الوسيلة اذا لـم تحقق غايتها؟! . الإســــــام جـــــاءت لــتــاخــذ الـــجـــوارح
المشاهدة التي ليس بعدها خوف من هنا ندرك أهم ّية المعرفة في وتدفعها نحو التركيز في الجهد على
الـفـرق بين وسيلة الـديـن وهدفه محور انتماء ثابت غير متشتت ،ثم
ولا حزن ولا زيغ ولا ضلال. ونـــــدرك أ ّن الاهــتــمــام بالوسيلة جاءت إشارات الإيمان برابط الذوق
علينا أن نقول أ ّن الـقـراءة الروحية وتحسين أدائها في غياب الهدف لربط عمل الجوارح بالقلب لتحويل
الكلية لإشـارات المصطفى صلى والـغـايـة وفـي عـدم تركيزها على ذلـك الانتماء إلـى معتقد إيماني
الله عليه وسلم تثبت بـدون جدل هدف يحرك مؤديها نحوه فلا ثمرة غيبي والتعلق به لياخذنا إلى عالم
أ ّن مدرسة الإحسان لا يدور حولها مـنـهـا ولا تـحـسـيـن فــي جـوهـرهـا ملكوتي يخاطب الأرواح لا الأشباح
أي شك عند عقول تفهم الغايات لـ ُيـعـدنـا الإعــــــداد الــكــامــل لتلقي
الخطاب الإحساني وإشاراته وتنقلنا
إلـى الحقيقة الإحسانية الحاضرة
وجودا يجمع بين الغيب والشهادة
والقرب والرضوان وما بعدها غاية.
إ ّن الفرد الملتفت بوجدانه إلى هذه
الإشارات حت ًما سوف يدرك بذوقه
أ ّن الإشكال أمـام العقل لن يكون
فـي تلقي إشــارات الإســـام ولا
حتى إشـارات الإيمان بقدر ظهوره
لحظة تلقي إشارات الإحسان كونها
إشارات إلى ما وراء العقل وطاقته
ووظـيـفـتـه وأمـــــام هـــذا الإشــكــال
الحتمي سوف يجزم بتراجع العقل
كـلـيـة عــن ادراكـــهـــا أو ســيــدرك أن
العقل لابد وأن يذهب في افتراض
مـعـان لا تـمـت لـإحـسـان مطلقا
لمجرد الـخـروج مـن الـمـأزق وتـجـاوز
هـذا المفترق وهـذا عين الضلال.
مـن هنا فــإ ّن حقيقة التطلع إلى
هــــذا الــمــقــام بــهــذه الــتــســاؤلات
والإشكالات تبرز الحاجة إلى البحث
عــن أهــل هــذا الـمـقـام دون إنـكـار
أو إرجـــاف ولـهـذا الـهـدف جــاء هذا
تأ ّملات ربيع الثاني 1438هـ -يناير 2017م 4
م�شاهد
رسالة
أيها السائرون إلى الله ،العابرون حدود المادة نحو فضاءات الروح ،لا تزالون تجدون
ريح الج َّنة في سماوات القرب ،وعلامتها برد الأكباد وانفساح القلوب ،وقرابين
أبو الحسن الهنائي الطاعة قرب ،والقرب جنة عرضها السموات والأرض ،أعلاها للمتجردين ،غراسها
يا ليل كمال التسليم والانقياد ،وسقيها الاستغراق في الافتقار ،وما تجرد على الحقيقة
للحالكات سكو ٌن ُق َّد من ُق ُبل إلا من اعتزل قلبه الدنيا في مقام الحضرات ،حتى تصبح الدنيا عنده كلها حضرة
في ثوبه أثر من قلب كل ولي
واحدة متصلة ،أولئك الواصلين وأولئك المقربين.
والشاهدون سكو ٌن عن شهادتهم
في مشهد عجب يهواه ك ُّل ع ِل أ ُّيـهـا الـحـيـارى الـتـائـهـون بين مضائق الـمـحـسـوسـات ،خــواء الـبـاطـن بـعـد ،والبعد
ما بات عاشقهم إلا وخمر ُته
ِصر ٌف معتق ٌة من كرمة الزجل حجب وعـــذاب ،ألـم تسمعوا «كـا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون» ؟ ،أليس
يغيب عنها بها في خشية ورجا لكم في ذلـك نذير؟ أمـا علمتم أ ّنـه لا يحجب في الآخـرة إلا من حجب في الدنيا
كيما تسح عليه من يد ال ّن َفل
وأن للحجب علامات وأن من علاماته حب الدنيا وقسوة القلب وضيق الصدر؟
يعاق ُر اللي ُل فينا رو َح خمرته ا ْلو َحم ِّتقىَو َاللا َيع ُتكباو ُرن؟وا« ََأكَلا َّ ْل ِمذيَي َْأن ِن ُأ ِلو َُّلتـِذويا َنا ْلآِكَ َمت ُان َوبا
فيسكر الفج ُر حتى رشف َة الوجل التيه « َن ُسوا ال َّل َه َف َن ِس َي ُه ْم» ،فإلى متى
ِم َن َأ ْن َت ْخ َش َع ُق ُلو ُب ُه ْم ِل ِذ ْك ِر ال َّل ِه َو َما َن َز َل
يطوي رفارفه ُيلقي نمارقه ِمـ ْن َق ْب ُل َفـ َطـا َل َع َل ْي ِه ُم ا ْ َل َمـــ ُد َف َق َس ْت ُق ُلو ُب ُه ْم * َو َك ِثي ٌر ِم ْن ُه ْم َفا ِس ُقو َن».
يسري بمحرابه سريا على مهل أيها الباحثون عن الطريق ،ذك ُر الله حجر الصوى ،وقليل دائم ُمتصل موصل منه خير
يسامر الأر َض منه حر ُف جبهته من كثير منقطع ،وما يزال للذاكرين نور من الله يسعى بين أيديهم وبأيمانهم ،تخالط
والرو ُح تسجد ملء العرش في خجل
أصواتهم أصوات المسبحين ،ذكروا الله فذكرهم الله ،وأحبهم فأحبوه ،فدلهم بنوره
من ذا يبوح كص ّب وال ٍه َع َلن ًا
إلا مقالة مجبو ٍل على العجل عليه ،حتى أبان لهم الطريق ،فلحقوا بالركب ،فيا فوز الذاكرين.
يا ليل خذني أبا ذ ّر بوحدته بصيرة
و ُر ّدني عمرا يبكي بلا خطل
الأوراد إنما جعلت لطي المسافات إلى الله ولأجل شهود الحضرات الشريفة والتخلق
بآدابها ليصل المريد للفناء ،فناؤه -عن صفاته الذميمة -في صفات الكمال الإلهي،
وليشهد بها الملك والملكوت بانفتاح عين البصيرة حتى يغسل قلبه بماء اليقين كما
أيقن إبراهيم عليه السلام لما كشف له عن الملكوت ،ولكن المريدين المدعين طلبوا
بها الأسرار لذاتها ،وهذا عدول ب ّين عن الطريق ،فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا
إذا هم يسخطون ويملون ويضجرون ويتركون ،فهم أهل دعوى لا بينة لها ،ولا فرق
بينهم وبين العوام.
نقطــة
«العلم نقطة كثرها الجاهلون»عبارة مروية عن الإمام علي ك َّرم الله وجهه ،وباختصار يمكن أن يتوصل لمعناها من خلال فهم
قولهم (التوحيد إسقاط الإضافات) ،أي أ ّن التوحيد الخالص عند الواصلين لا يحتاج لكثرة الموجودات لمعرفة واجب الوجود،
فالكل فناء محض والله ج َّل جلاله وجود محض ،وإن شئت فقل النقطة هي الحد الفاصل بين الرب والمربوبات ،فعندها تجتمع
المعرفة ،وتتضح الحدود ،ومنها تفرع كل شيء .والذي يترقى أو ينتقل من الفرق إلى الجمع إنما ينتقل من المضافات إلى
حضرة النقطة ،وهو الأقرب للعلم الحقيقي.
ربيع الثاني 1438هـ -يناير 2017م 5 تأ ّملات
مقاطع مختارة من «�شرح �شرح العبيرية»
سماء عيسى المنفى ،أبصرت ملكا يبتسم قائلا: يكون حديثي بالقلب أولا وبالعين لك الحمد جز لي بالذي أنا قائل
أرأيت كيف أكرمك الله وأحبك؟ قلت ثانيا ،ثم أصمت كشجرة أمام شهيد على نفسي وأنت مجيرها
عمرك ،تنظر إلى هذا الثمر ولا تأكل كيف؟ قال :تلك المرأة كانت إبليس،
منه ،متى أكلت ثمرة منه سقطت والأسد كان آخر أنبياء الله؟ قلت من، الحطاب .مثلما منحت يا إلهي الطير مثلما تنفض الشجرة يباس الأوراق
ميتا ..فبقي جائ ًعا جائ ًعا جائعا ،أكل جمال التغريد في المساء ،عندما في الخريف
ثمرة من البستان بعد جوع طويل قال :محمد. تعود الحياة إلى هجعتها الأولى،
ومات. وجمال التغريد في الفجر ،عندما لتتجدد الحياة تجدد الطفولة.
لا اعتقد أنني رأيت أصدق منك يا رجال شروا لله عقد ضميرهم من ينفض خطاياي وأوزاري
أنس بن معاذ ،كان أنس كلما أصبح ولم يختلبهم للحياة غرورها تنطلق القوافل مع شروق الشمس
عليه الصبح ،ظن أنه لن يمسي، وضحاها .امنحني يا إلهي الصمت، ويعيدني إليه جسدا
رجوه فأعطوه الصفاوة والرضا لأنني صامت في محياي وصلاتي، من التراب والبكاء والدم!
وعندما يحل عليه المساء ،ظن أنه لن ولم يخف من نفس عليه ضميرها
يصبح ،كان لا يخطو خطوة واحدة، صامت في محبتي وموتي. ظمئا إلى الحب
حتى يظن أنها الأخيرة ،ولن يخطو فقال هلموا يا أحباي أنتم ابعدني يا الهي عن النور ،حتى لا إلى الشوق
بعدها خطوة أخرى. من الخلق عندي قلبها وصرورها أرى إلا جمالك ،ولا أبصر إلا وهج في ألا أراه
مرآة الموت كانت أمام عينيه
سحابة تمتلئ ماء عذبا عندما التقت عابدة بابنها ،وكانت ضيائك ،دعني في الظلمة التي ولا أفقد محبتي إليه
كانت ظله في النهار خائفة ألا يلتقيا يوم القيامة ،قالت: منها تشرق وتنبع الحياة ،تبحث عني لأنه أحبني واصطفاني
وخيمته في الليل
نظرت إليك ،وكنت اعتقد أنك، أتحب الموت يا بني؟ قال :نعم. وحوش الأرض ولا تراني ،يبتسم المجهول أمامي
بعد ألف وأربعمائة عام من لقيانا قالت :ولم؟ قال :لأصير إلى من هو لي الملاك حين يراني ،ويأخذني النير
نسيتني ،وأنك لن تعرف غريبا خير منك؟ قالت :ولكن أهناك خير من إلى رحابك الظامئة إليها المخلوقات،
مثلي ،لكنك ابتسمت وأشرت لي أمك يا ضيغم؟ قال :من غذاني في من فتح أمامي ديامس الرؤئ
أحشائك ،وأخرجني من مضيق ،ولم السابحة في رحابها الكائنات، وتركني صامتا في الذهول
بالجلوس قربك ،فجلست وحدثتني أمت ولم تموتي .بكيا معا حتى مات المنتشرة في أرجائها النجوم
كيف افترقنا ذات مساء ،ولم يكن فإني لم أطلب سواك مسامرا
الولد في حضنها ،شهقت بعده والأفلاك والأقمار. وأنت لها من كل حب سميرها
بيني وبينك غير نهر من الدم ،قلت وسقطت ميتة عليه. وعندما في الصحراء وفي الأودية
لك لا تعبر يا أنس ،ابق معي ،أو وفي الجبال ،يشرق نورك ،تشرق ليلا عندما تهجع البشرية ،في رحيلها
هلم نعود الأدراج إلى قرانا ،لكنك والذين عرفوا الموت ووصفوه في الأرض عن مياه قدسية ارتوي منها، المعتم إلى الظلام الدامس ،أبقى
ابتسمت وعبرت ،وبقيت أنا في قلوبهم وعقولهم ،لا بد أنهم أكثر ترتوي الكائنات ،تهجع الطفولة في
الناس زهدا وتواضعا وترفرفا في وحيدا باحثا عنك ،أطلب عونك،
خوفي وهلعي ،عشت خمسين عاما الحياة ،لأنهم اغتسلوا بماء الجنة الأكواخ البعيدة شبعا وأمنا . لأنك الساهر الأمين الناظر البصير،
بعد مماتك ،وكنت خجلا من لقياك وعادوا ،هم أكثر الناس زهدا ومحبة الواهب العطاء ،كل حياة تدب في
قلوب جلاها الخوف والشوق والرجا
مرة أخرى ،لكنك حتى عندما لقيتني، وصدقا .عدوا أنفسهم من الموتى فأشرق في سبع السموات نورها الأرض والسماء.
بعد ألف عام وأكثر ،حضنتني وهم أحياء ،دخلوا المقابر وتركوا لكنني وجدت طائرا في شجرة،
القصور ،اقتربوا واقترنوا بكل ما القلب مشكاة لكنه لا يفنى إلا بك، وحيدا في الليل مثلي ،فآنست
وبكيت ،بكينا معا وثانية افترقنا لأنك النور لأنك البهاء لأنك الزرقة إليه ،مثلما أنس التائه إلى نار في
أبديا ..افترقنا يخلد ويبقى ،وتخلوا عن كل ما تأكله المتوارية نار البحر الطافحة بالغياب. الصحراء ،ولم أكن إلا متأملا لجمال
النار وتفنى. خلقك ،ولهدوء العالم الساكن في
----------------- متى أضاء المصباح واندلق من
من رأى قبره في المنام وبكى، الكوكب ماء الرهبة والمحبة ،انتشر روح طائر الليل الحزين.
* العبيرية :من عيون الشعر الروحي ثم نهض سائرا إليه ،يبحث عنه، فلم أحطتني بعذابك
فوجد بابا تقف أمامه امرأة ابتسمت ضياء العلم في الأكوان ،غزت ولم هجرتني بعقابك
ال ُعماني كتبها العلامة محمد بن إبراهيم عندما رأته وقالت :اتبعني ،فتبعها الأرض أجيال من الطيور المهاجرة ولم خلقت في طريقي حقول
الكندي مؤلف موسوعة بيان الشرع ،الجامع حتى دلفت إلى بستان من الرمان
والعنب والزيتون .قالت :أتبحث عن من أطراف الصقيع. الجفاف
من علوم الإسلام الأصل والفرع .قام هذا؟ قال كلا أبحث عن قبري! قالت في تلك الليلة كان المطر يشتد، وتركت دمعي مدرارا يشربه التراب!
لكنها الأرض التي س ُتدفن بها! ابق العواصف والرياح تهب قوية تقتلع
بشرحها العلامة محمد بن يوسف أطفيش. هنا ورحلت عنه .تبعها ،لكنها أغلقت الأشجار والمنازل ،حسبت أنها نهاية أذابوا لها أكبادهم وقلوبهم
باب البستان عليه ،وهناك اقترب الأرض المنتظرة ،هرعت أبحث عن معلقة فيها وفيها مصيرها
«شرح شرح العبيرية» محاولة في شرح شرح منه الملك قائلا :ستبقى هنا بقية مأوى يقيني الرعد والبرق ،أبصرت
خيمة بها امرأة طردتني ،حتى اتيت لكم تمنيت ان ينعدم كلامي فلا
العلامة أطفيش للنص. غارا به أسد ،رب ّت عليه فابتسم، أتحدث ،ليكون لي شفاء في الحياة
بقيت بحضنه حتى الشفق ،عندما
انبلج الفجر ورحلت نجوم السماء إلى وثواب في الآخرة .لكم تمنيت أن
تأ ّملات ربيع الثاني 1438هـ -يناير 2017م 6
ال َدي ُنو َنة الداخلية
غيرنا ولا نستطيع التحرك معه في إلـى طفولتنا الدفينة وهـذا ليس ُكـ ُّل فـر ٍد ِم ّنا خـر َج إلـى هـذا العال ِم
إلا إشـارة إلى الحنين إلى نور الله وهـو صفح ٌة بيضاء لـم يمسسها
الحياة إلا بعد أن نصنف ُه ونسمي ِه ســوءِ .جئنا « َج ِمي ًعا ِمـ ْنـ ُه» وفي
ونــنــســبــ ُه لـمـخـتـلـف مـــا نـتـوهـمـه المكنوز في أعما ِقنا. مكنوننا حقيقة الدين الواحد .الدين
مـن الانـتـسـابـات والانـتـمـاءات غير الـذي أ َّصـ َلـ ُه الـلـ ُه فينا وجـعـ َل حركة
حسام الجابري والسنوا ِت تـمبـعد ُأمرو ِرصالفلحاح ُتنظاا ِاتلـبـوايـلأيضـاا ِءم كل متحر ٍك وسكون ك ّل ساك ٍن في
الإنـسـانـيـة .وهــذا لا ينتهي إلا بـالإمـتـاء الآفا ِق وفي أن ُف ِسنا قائمة علي ِه ولا
ِش ْر َع ًة َو ِم ْن َها ًجا» لكن دينهم جميع ًا وجو َد لذر ٍة إلا وهذا الدين حقيق ُتها.
َأ ْرم َسص َدلا َقرًا ُسلوقَل ُوهل ِ ِهبا ْلت ُهع َادل ٰىىَ:و ِ«د ُيه َِون حينما ُنن ِص ُت لذلك الصوت الداخلي شيئ ًا فشيئ ًا بــالألــوان والأشـكـا ِل
واحد الـــذي يـدعـونـا كــ ّل لـحـظـ ٍة « َفــ َأ ِقــ ْم لو تأ ّملنا الطبيع َة حولنا لأحسسنا
ا َّل ِذي َو ْج َه َك ِلل ِّدي ِن َح ِني ًفا» ومـا معنى التي والصو ِر المختلف ِة والأسما ِء بطاقة الـ ُحـ ّب المبثوثة فـي الحياة
ا ْل َح ِّقِ ل ُي ْظ ِه َر ُه َع َلى الـ ِّديـ ِن ُك ِّل ِه» «الـوجـه» هنا إلا ظاهرنا المغترب فتبد ُأ تسمت بها الأشياء من حولنا ولأبصرنا ُقــر َب جمي ِع المخلوقا ِت
والأشــيــاء مــن بـعـضـهـا الـبـعـض.
ولـم يقل أديـان بل هو ديـن واحد الـتـائـ ِه الـمـشـ ّر ِد وســط الـصـراعـات رحلة اغترا ِبنا عن داخلنا الذي لا يرى
والسجالات بين الإنسان والإنسان ضـد ًا ولا نـد ًا وبديل ًا ولا عديل ًا لله والأطــفــال ُهــم أكـثـر الـمـخـلـوقـا ِت
كما أشـــا َر الــد ّيــان جـل وعــاِ « :إ َّن والتي بدورها جعلتنا نمي ُل إلى غي ِر الطبيعي ِة ُقرب ًا م ّنا لأ ّن حركة الحياة
ال ِّدي َنِ عن َد ال َّل ِه ا ْ ِل ْ َســــا ُم» وهو وإنما يرى أنه واح ٌد ظه َر في جميع غير الطبيعية لم تش ّوههم بع ُد ولو
ما ذ ّكــ َر بـ ِه جمي ُع الأنبيا ِء والرس ِل ما فطرنا علي ِه. رأينا ردات فعلنا تجاههم والبهجة
والمتنورين أقوا َمهم الذين نسوا ما ترا ُه عين البصر والبصيرة .ويزدا ُد
الـتـي تغمرنا عـنـد تفاعلنا معهم
هذا الاغترا ُب كلما ازدادت انتماءا ُتنا
والـفـرح الــذي تطي ُر بـ ِه قلوبنا عند
أن حقيقتهم واحـدة ودينهم واحد وهــذا الـصـوت يـتـرد ُد فينا ليرشد وازداد ميلا ُننا إلى الخار ِج فننسى رؤيتهم لعرفنا أن كل هذا السلام
بـعـدهـا الانــتــمــاء الـحـقـيـقـ ّي الــذي
وانتماؤهم واح ٌد ولا ُيك ِر ُه بعضكم وجهنا «لـلـديـ ِن» الــذي هـو دينونة نات ٌج عن صفاء سريرة الأطفال التي
بعض ًا فــ «لا ِإ ْكــ َرا َهِ فــي الــ ِّديــ ِن» مـخـزونـة فـي كـل الـنـاس «حنيف ًا» ننتمي إليه وهو الانتماء إلى الله. تـسـري فينا ونـحـن معهم وجـمـال
الــمــخــزون فــي كــل فــــر ٍد مـ ّنـا لأن
مائل ًا إلى الداخل الحاوي « ِف ْط َر َة ال َّل ِه فنختل ُق لأنفسنا انـتـمـاءا ٍت ش ّتى فطرتهم الذي يخترقنا .لهذا يقول
ا َّل ِتي َف َط َر ال َّنا َس َع َل ْي َها» والتي لا
الإكـــــــراه لــيــس ســــوى ردة فـعـ ٍل مثل انتمائنا إلـى أسما ِئنا وآبا ِئنا أحـد ال ُمستنيرين« :لـكـي تحصلوا
نفسي ٍة نابع ٍة من شعور الإنسان عــلــى الـنـعـمـة الإلــهــيــة يــجــب أن
تتب ّد ْل مهما عرضت عليها العوارض وأجنا ِسنا وأشكالنا وألواننا وأفكارنا
تكونوا بسطاء عفويين كالأطفال».
أنـ ُه منت ٍم إلـى فكر ٍة أو طريق ٍة أو وحدثت فيها الحوادث فهي الدين وقبائلنا وأدياننا .فجعلنا من الدين وكما يقول ال ّنفر ّي رحمه الله في
حتى قبيل ٍة وجماع ٍة من الجماعات مـخـاطـبـاتـه« :يــا عـبـ ُد اذكــرنــي كما
الحقيقي كما ع ّب َر عنها المولى ج ّل أديـان ومـن الوطن أوطـان يتصار ُع يذكرني الطفل» .لأن ُه لا يعر ُف الله
وعلا بقول ِه « َذ ِل َك ال ِّدي ُن ا ْل َق ِّي ُم» أي ويـتـنـاحـ ُر ويـتـقـاتـ ُل كــ ّل منتسبيها إلا من عـا َد إلـى طفولت ِه الصافية
وكــذلــك شــعــور ُه أن انــتــمــاء ُه هو الخالية من ال ُح ُجب التي تتكاثف في
بشؤو ِن ك ّل حركة مع الآخـر حتى يصبح الإنـسـا ُن غير قلوبنا فتنطمس بصائرنا ونبتعد
الانـتـمـاء الـصـواب المحصور في من وظاهرنا « َل ِك َّن القائم ال ّس ّي ُد بعدها عـن حقيقة «كــأ َّنــ َك تـــرا ُه ..
َأ ْك َث َر باطننا حركا ِت الإنــســان وتـتـعـ ّمـق مـعـانـاتـه في « .ونح ُن دا ِئـمـ ًا ما ُيـرا ِو ُدنـا الحنين
ذهن ِه .ولكن من حيث حقيقة الأمر الحيا ِة وتتب ّد ُل مهمته من التعمير
ال َّنا ِس َل َي ْع َل ُمو َن» ذلك فنغيب عن
فالإكراه لا مسوغ ل ُه فالدين فينا دينونتنا الداخلية. إلى التدمير.
جميع ًا مكنون وسابح بكامل ُح ِّريت ِه
في فضاءا ِتنا الداخلي ِة والذي سما ُه وكــثــيــر ًا مــا نـخـلـط بـيـن الـديـنـونـة ل« ِأإإنّْ ُننف ِ ِهسهنـذا ِ َهي«ا َلِمإتــلاقا َأ َْنأســيـْ َزسمـَـالَمـاـتال ٌـ َّءلـو»ُاهلتاِبـخ َتصهـلنايقنِفاماـ ْهنات
الداخلية وبـيـن الـشـرائـع المختلفة ُس ْل َطان» ولـم يكن لها وجـو ٌد في
الله «الإســـام» بحيث نستسلم بحسب الظروف والأمكنة والأزمنة
والشعوب فشريعة محمد ليست أصـ ِل فطر ِتنا ولكننا نأبى إلا وأن
لـبـعـضـنـا الـبـعـض ونـسـتـخـرج من كشريعة موسى « ِل ُك ٍّل َج َع ْل َنا ِمن ُك ْم نتعامل مع الإنسان على أساس أنه
ذواتــنــا مـا أودعــــ ُه الـلـه مـن محب ٍة
وســا ٍم لجمي ِع مـا ظهر فـي هذا
الوجود وما بطن.
ربيع الثاني 1438هـ -يناير 2017م 7
َيا ابن آدم
َخلق ُت الأشيا َء ِمن َأج ِلك
َو َخلق ُت َك ِمن َأجلي
فلا َتنش ِغل بما ُهو َلك
ع َّمن أن َت له..
تأ ّملات ربيع الثاني 1438هـ -يناير 2017م 8
َم ْو َلو ٌّي في ُعمان
نا�صر بن �أبي نبهان الخرو�صي (1237-1147هـ)
خالد محمد عبده بالفقه ،وكما يشير مبارك بن زكــريــا الـمـحـرمـي صــــورة الابــن و ّجه ُت نحو رسول الله نازلتي..
والأب ،و ُيح ّفزنا على ال َّتعرف وقلت يا نف ُس ع ّم النصر فانتظري
مشاكل التصوف القديمة ،وما عبد الله الراشدي ( )6في بحثه على هــؤلاء الكبار المجهولين
ُيقال عنه حدي ًثا ،لكن أن تعقد عـــنـــد كـــثـــيـــريـــن مـــــن دارســــــي أمنية الفوز منه غير خائبة..
مقارنة بين المدرسة السلوكية عن فقه النوازل عند الشيخ أبي الإسلاميات اليوم ،وسنقتصر
والمدرسة الصوفية مع التركيز في هذا المقال على التعريف ومطمع النجح منه غير منحسر.
عـلـى مـــدرســـة الإمــــــام جـاعـد، نبهان ،رجوع الناس إليه واعتباره بالابن ،كما س ُنركز على كتاب له أبو مسلم البهلاني (.)1
ولا ُيعطينا المحقق ( )7لهذا
العمل سوى تكرار أحكام الإدانة المرجع الأ َّول في الفقه ما ُيبرر من جملة كتبه. ولو قال قائل:إ َّن شرح كل بي ٍت
للتصوف أمر لا أرى له مسو ًغا، هذه التسمية. من نظ ِم ابن الفارض يحتمل أن
وفـيـه قــدر مـن التحامل يجعل الــشــيــخ نــاصــر بـــن أبــــي نـبـهـان يكون كتا ًبا واس ًعا ،لكان صاد ًقا.
نمط الخصومة هو الغالب في تل ّقى ناصر السلوك /التصوف
التناول ،ولا يقترب أكثر من فكر عـن أبيه ذو ًقــا وريـاضـة ،ونماه الخروصي ناصر الخروصي (.)2
المدرسة ال ُعمانية التي د ّونت نـاصـر بـن جـاعـد بـن خميس بن
في هذا الباب ،ومحاولة قراءة بجهده الشخصي قراءة وفه ًما، ُمبارك بن يحيى بن عبد الله بن مــن الـسـهـل جــــد ًا أن يــتــوارى
إنتاجها في سياق حركة التأليف وتم ّيز سلوكه هو وأبيه بعمق ناصر بن محمد بن حيان بن زيد الصغار أمام عظمة الأب الكبير،
الإسـامـيـة فــي ذلـــك الـوقـت التأمل في الوجود والتع ّمق في بـن منصور بـن ورد بـن الإمـام وبخاصة حين يـكـون هـذا الأب
علم الكلام والفلسفة والمنطق الخليل بـن شــــاذان بـن الإمــام بـمـثـل حـجـم جــاعــد بــن خميس
بشكل عام. الـصـلـت بــن مـالـك الـخـروصـي الخروصي الذي يصفه البعض
إ َّن الأوصــــــاف الــتــي يطلقها والخلوة وكثرة الأوراد ،كما يقول الأزدي القحطاني ( )4و ُيشير بـأ ّنـه إمـام الـديـن ومحيي تـراث
العلامة المحقق سعيد بن خلفان محقق “إيـضـاح نظم السلوك ال ُمسلمين وباعث أمجاد الأولياء
الخليلي ،وابن زريق على الوالد أحمد بن سعود السيابي .لكننا إلى حضرات ملك الملوك” إلا الصالحين ،إن الأقـزام يكفيهم
وولده تقتضي منا قراءة مدققة نتوقف قليل ًا عند هذا الوصف أن نسب الشيخ ناصر يعود إلى التسلق على أكـتـاف مثل هذا
أكــثــر فـكـاهـمـا يـصـف الـشـيـخ اثنين من الأئمة الذين بويعوا العملاق ليراهم الـنـاس نقاط ًا
ناصر وأباه بـ(القطب ،والولي، الـجـامـع لـلـمـتـنـاقـضـات بشكل صغيرة أو ربما لا يرونها بسبب
والـبـحـر الـنـورانـي) وغـيـرهـا من بالإمامة في أوقات ُمختلفة. ظله الهائل ،أما شأن العظماء
الأوصـــاف الـجـاريـة على لسان ظـــاهـــري ،فـكـيـف لـلـسـالـك أن نشأ ناصر في بيت علم وحركة والـمـجـدديـن النجباء فهم وإن
الـصـوفـيـة والـمـتـرجـمـيـن لهم ( ،)5إذ كان والـده يتمتع بدراية ظـــهـــرت صـــورتـــهـــم فــــي قـعـر
في كتب الطبقات والمناقب، يتع ّمق فـي الفلسفة أو علم واطـاع واسعين لاسيما على مـيـاه الأب العملاق المنسابة
وكذلك فإ ّن نظرة إلى عنوانات الــكــام ،والـمـوقـف الصوفي الصعيد السياسي ،مما جعل أنـــهـــار ًا كـارزمـيـتـه ،إلا أ َّن تلك
كـتـب الـشـيـخ نـاصـر تـجـعـل من مــن الفلسفة قـديـ ًمـا وحـديـ ًثـا الابــن لـه دور بــارز وفـاعـل في الـصـورة ليست سـوى انعكاس
درس المنحى الـصـوفـي في عـلـى غـيـر هــذه الــصــورة ،فمن المسرح السياسي والاجتماعي لتألقهم كالنجوم فـي السماء
حياته أمـ ًرا ضرور ًيا ،فمن أمثلة عـلـى حـــ ّد ســــواءُ ،عــرف والـــده وكــالــشــمــوس فـــي الــفــضــاء.
ذلــــك( :كــتــاب مــبــدأ الأســفــار، ُيـراجـع كتابات الـ ُسـهـروردي عن بـلـقـب ُيــذ ّكــرنــا بـابـن سـيـنـا هو وهــذا هـو شـأن ناصر بـن جاعد
وكتاب الكشف ،وكتاب المعارج، كشف الفضائح اليونانية ،وكتب لـقـب (الـشـيـخ الــرئــيــس) ورغــم الــــذي حـلـق بـفـكـره عـالـيـ ًا حتى
وكــتــاب الـسـر الـعـلـي ،وكـتـاب تكرار اللقب في السيرة الذاتية صـعـب عـلـى أصــحــاب الأعـيـن
سلامة الـحـال ،وكـتـاب منتهى الشيخ عبد الحليم محمود عن المـــــخرـا ًرراو لاصـ ُيـيفـلــّسمـــراذلاناُأ اطـلـلــشيقخعبليدهر الكليلة رؤيته ،وأنى لهم ،وقد
الـــكـــرامـــات) ..عــنــوانــات تحيلنا التفكير الفلسفي يتأنى قليل ًا هذا اللقب ،ربما من خلال حصر ُعدم ذاك الزمان وسائل إبصار
إلـى المدونة الصوفية بشكل الشيخ مهنا بن خلفان لمؤلفات النجوم والأفلاك العظيمة خارج
في قبول مثل هذه الأوصاف، الشيخ التي تزيد عن العشرين
كـتـا ًبـا نــاحــظ اهـتـمـامـه الكبير دائرة المألوف (.)3
فـالـمـتـعـمـق فــي الــســلــوك لا بـهـذه الـصـورة البليغة يل ّخص
يتع ّمق في الفلسفة والمنطق
وإن مــ ّر عليها وتـخـ ّطـاهـا إلـى
غيرها.
نــــاحــــظ أيـــــ ًضـــــا فـــــي وصــف
الــمــدرســة الـسـلـوكـيـة للشيخ
ناصر وأبيه إصرارا على تسمية
الــتــصــوف بـــ(الــســلــوك) وهـو
أمــــر نـقـبـلـه كــمــحــاولــة لـوصـل
الــطــريــق الـمـتـخـذ بــمــا يتسق
مــع الـشـريـعـة ،ولا يستدعي
فـي ذهــن المتلقي والـطـالـب
ربيع الثاني 1438هـ -يناير 2017م 9 تأ ّملات
معانيها ،فكنت كلما لاح لي التجريد وطريق المكاشفة براية في البلاد العربية وجدت ترحا ًبا مباشر ،وتذ ّكرنا بالقشيري وابن
المح ّبة فأقل بيا ًنا ،وإن تك ّلم وعناية في بلاد فارس ،وربما
معنى من معاني شـيء من فيها بعض العلماء نث ًرا ونظ ًما، عربي والبسطامي ،وغيرهم
فـكـامـهـم أشـــد غـمـو ًضـا من من هناك انتقلت إلى ُعمان!
بـيـوتـهـا ،وسـمـت تـحـتـه بأشد نـخـتـم هـــذه الإشــــــارات بكلمة من الصوفية القدامى.
كلام العلماء في علم الشريعة
إيجاز تذكرة لنفسي لئلا يغيب الظاهرة .وأقوى وأج ّل وأشرف للشيخ ناصر الخروصي تؤكد هــــل كـــــان نـــاصـــر الــخــروصــي
عـلـ ّي حين أهـمـل أمـرهـا ،ولم نـظـم عـرفـنـاه فـي هــذا العلم على اللقاء المصري ال ُعماني مولو ًّيا؟
يكن القصد ليكون كتا ًبا باق ًيا الـتـراثـي ،وتمحو فكرة انعزال مــــن جــمــلــة الألـــــقـــــاب الــتــي
بـعـدي ،ولــم أرســم غير تقدير نظم الشيخ العارف أبي حفض
بقعة مـن الـبـقـاع العربية عن أطلقها الشيخان ابــن خلفان
لفظ البيت بمعناه ،وهو الذي عمر...الحمو ّي نس ًبا والمصري
مــولــ ًدا ،وهــو الـمـعـروف بابن سائر أخواتها كما تقول نظرية الخليلي وابن زريق على ناصر
قصدت بيانه لنفسي لأشرح الفارض ،وأعظم ما نظمه في
المركز والأطراف ،نقتبس هذه وأبيه (الـمـولـوي) وهـي نسبة
الـمـعـانـي ،فـإ ّنـه لـو شــرح كل العلم منظومته التائية وهي
الكلمة مـن مقدمته لإيـضـاح تـثـيـر الـبـاحـث الـمـتـابـع لحضور
بيت ما يحتمله من المعاني، التي س ّماها نظم السلوك إلى
حـضـرات ملك الملوك []..... نـظـم الـسـلـوك إلـــى حـضـرات المولوية في الثقافة العربية،
لأفضى إلى مجلدات كثيرة. واعــلــم أ ّنــــي لـمـا نـظـرت إلـى
مــلــك الــمــلــوك وهــــو الـنـص إذ المولوي نسبة إلى (الطريقة
----------------- منظومة هذا الشيخ واعتبرت المولوية) التي ُأسـسـت بعد
-1ديوان أ�بي م�سلم البهلاني الرواحي ،ن�شرة الـصـوفـي الــذي كتبه امـتـدا ًدا
لرحلته وتجربته السلوكية(:وأما انــتــقــال مــولانــا جــــال الـديـن
�صالح بن عي�سى الحارثي� ،ص .275
-2راج�ع مقدمة �إي�ضاح نظم ال�سلوك إ�لى عل ُم الحقيقة وطريقة وسائل الرومي على يد ولده سلطان
ح�ضرات ملك الملوك ،تحقيق وليد محمود
خال�ص ،ن�شرة دار الكتب الوطنية ،أ�بو ظبي ولـــــد ،ولــيــس كــمــا ُيـــقـــال إ ّن
الرومي مؤسسها ،إذ تص ّوف
� ،2011ص .5 الـرومـي فـي طــوره النضجي
-3راج��ع م�ق�ال زك�ري�ا الم�ح�رم�ي ،نا�صر بن
جاعد ،أ��سطورة أ�طلانط�س ،في ملحق �شرفات، أحرق الوسائل والطرق ومضى
ومجلة الفلق ،عمان ،فبراير .2012 يخط فـي دفـتـر الـحـيـاة تجربته
-4راجع في ترجمته :الفتح المبين في �سيرة غــا ًّضــا طــرفــه عــن كــل تـحـديـد
ال�سادة البو�سعيديين ،وزارة التراث والثقافة،
ُعمان ،ط��� ،2ص .146،147وتحفة لاأعيان وتقييد.
ب�سيرة أ�هل ُعمان ،ج � 2ص .181 كـانـت المولوية منتشرة في
-5ناق�ش بدر بن حمود الخرو�صي في بحثه
ع�ن ال�شيخ نا�صر م�ا ُي�ق�ال ع�ن طلبه للعلم بقاع الشام منذ لحظة تأسيسها
مت�أخ ًرا بعد �سن ل أارب�ع�ين ،وذك�ر لاأ�شياخ
الذين �ساهموا في تكوينه معرف ًياُ ،يراجع وكـذلـك فـي مـصـر ،وظــل أمر
بحثه في الكتاب التذكاري (قراءات في فكر
أ�ب�ي نبهان) ال�صادر عن المنتدى لاأدب��ي في انتشارها مستم ًرا في البلدان
�سلطنة ًعمان ،الطبعة الثانية � ،2007ص �ص العربية حتى وقت قريب ،إلى
،20-7بعنوان( :ال�سيرة الذاتية لل�شيخ �أبي
أن ُه ّمشت في مصر وآل أمر
نبهان). مقر المولوية إلى (ال ُمتحفية)
-6انظر بحثه( :التجديد الفقهي عند أ�بي وأمـسـى مكانهم مـــزا ًرا لرؤية
نبهان الخرو�صي) �ضمن أ�عمال ن�دوة (فقه الآثــــار الـبـاقـيـة ،لـكـن هــل كـان
النوازل). للمولوية حـضـور فـي ُعـمـان؟
� -7أ���ش�ير هنا �إلى درا��س�ة �سليمان ب�ن علي وهـل النسبة التي أكـد عليها
العبري ،المن�شورة �ضمن كتاب (ق��راءات في
الخليلي وابــن زريــق حقيقية؟
فكر أ�بي نبهان) ،مرجع �سابق.
-8نا�صر الخرو�صي� ،إي�ضاح نظم ال�سلوك� ،ص أم أ َّن الإشــارة للمولوية أتت
بـسـبـب حــضــور نـــ ّص سلطان
.59 ،58 العاشقين ابن الفارض هناك
وشــرح الشيخ نـاصـر لــه؟ وإذا
سـرنـا مــع الافـــتـــراض الـثـانـي
سيكون النص المولوي حاض ًرا،
فـــا يـــــدرك الــصــلــة بــيــن ابــن
الفارض وجلال الدين الرومي
إلا من طالع المثنوي والديوان
الـكـبـيـر ،فكما فـرضـت التائية
نفسها على الشعر الصوفي
إنارة ربيع الثاني 1438هـ -يناير 2017م10
كلمة التوحيد لتوحيد الكلمة
يدفع كل إنسان لأن ينصب نفسه إن كل شيء له بداية وإن بداية أي
فـــي مــقــام الــمــهــذب والــمــربــي
الأمة الراشدة إنما كما لـو أن الـنـاس دونــه وهــذا ما عمل إدلائـي من أي شخص يجب
تختلف قدرا ُتها ومواه ُبها يؤجج التجاذبات ويفتح المساحة
د .محمد عبد الرب النظاري للمتسلقين وإننا لو أمعنا لوجدنا أن يعود فيه إلـى أصله وهدفه
بواسطة الاجتهاد ..في أن علاقة الناس ببعضهم البعض
ليحقق الأهـداف الإحسانية التي فــي الـحـيـاة وهـــدف الـحـيـاة منه،
بــدورهــا تجعل الـنـاس يتخلصون حين تتوحد إرادتها باعتبار علاقة ثلاثية الأبعاد:
من الأحقاد والمناطقية والفئوية أولا :الإحسان وذلك بأن يتعاونوا والــلــه خـلـق الــمــوت والـحـيـاة في
والطائفية والحزبية التي تستهلك أنها السفينة التي عـلـى الـبـر والــتــقــوى وهـــو منهج
الـفـرد والـطـاقـات لصالح حــزب أو مـمـكـن الـتـطـبـيـيـق لأنـــه مـؤسـس الإنسان للبلاء بالإحسان( ،ا َّل ِذي
فكرة لا لصالح المجتمع ككل .إن تحمل الجميع على قانون واضح المعالم له آثار ـ َيـا َة ِل َي ْب ُل َو ُك ْم َأ ْا ْحلــ َ َسمــُ ْنو َ َعت َم ًَولا ْلـ َ*ح َخـ َلـ َق
الأمــة بحاجة إلـى طـاقـات الجميع قطعية الإثمار كما أنه موجب للخير َو ُ َهـو ا ْل َع ِزي ُز َأ ُّي ُك ْم
للجميع لأن الأمـــة الـتـي تختلف مـــن الـــذيـــن تــصــعــدهــم وســائــل ا ْل َغ ُفو ُر) وأعظم إحسان للإنسان
إرادات أفـرادهـا ليست أمـة وإنما الإعلام بوعي أو دون وعي وهم والوفرة والطمئنية والسلام.
تسمى أمة إذا كانت تقدم الغايات مـمـن لا يـنـتـمـون إلــى الـلـه بقدر ثانيا :العدل وهي روح المساواة هو إخلاصه في دينه بشعوره بأنه
العامة في إصلاح الفرد والجماعة. انتمائهم لأحزابهم أولطوائفهم والذي يكون رخصة ،وبه تثبت أركان
فالأمة الراشدة إنما تختلف قدراتها مما يخلف الآثار المدمرة للإنسان الـكـمـال بـعـد وجــودهــا فـي الأمـة فرد بالفرد الحي القيوم ،وإخلاصه
ومواهبها بواسطة الاجتهاد في والأوطــان إذ حولوا دين الله إلى ولاشــك بـــأن الــعــدل يـعـد مطلبا
حـيـن تـتـوحـد إرادتـــهـــا بـاعـتـبـارأنـهـا فكرة وهذا ما يدفعهم لاستغلال لوطنه بحيث يشعر أن الوطن هو
السفينة التي تحمل الجميع ،فلو وسـائـل الإعـــام لإذاعـــة كـل الـذي متعذرا بدون الإحسان.
خرق هذا من هنا وأشعل بعضهم من شأنه زعزعة الأمن والثقة وبث ثالثا :الظلم وهو الـذي حرمه الله انتماء المواطن لحرية الانتماء إلى
الحطب ليشوي طبيخه هناك فإن َأاََ َجول ِذاإ َاَخلءُــعُو ٰهو ْاىمف ِبُأَِأه ْوف ِمل ٌـر*ي َ ِّويَمنل َْافونْ ََورلا ُّْْدمَـلـوِسِْرُمهـاِِإ َلملنْأن َُأفهـِى ْورامالاَّدَْرلل ََُخ(ع َِْسلوو َِإو ِمَ ِذُهفلا على نفسه وجعله بين عباده محرما
العملية ستتحول إلى حرق وغرق ا َّل ِذي َن َي ْس َتن ِب ُطو َن ُه ِم ْن ُه ْم) والنبط عـبـوديـة الـلـه والإخـــاص للوطن.
في اللغة هو إخراج الماء من البئر وهو معنى للإثم والعدوان.
وشتات. ونحوه ولاشك بأن إخراج الماء دون فـا يـجـوز أن يتهم الإنـسـان في
يـمـكـن الــقــول بـــأن أكـمـل طريقة حـاجـة أو غـايـة يعد هــدرا للموارد لقد أمـرنـا الـلـه بــأن نـتـعـاون على
للتعامل مع واقعنا اليوم تتمثل وللوقت بل وقد يصل بالمجتمع الـبـر والـتـقـوى ومـعـنـى الـتـعـاون انتمائه لدينه أو لوطنه ،فالدين
فـــي الــنــظــرة الإيــجــابــيــة لــأمــور إلى زعزعة ثقته بنفسه لذلك فإن هو معنى مبني على أسـاس أن
والتي على أساسها يبنى منهاج منهاج الكمال الإلهي يقتضي رد الـزمـن جـزء مـن الـعـاج وبــأن علاج لا يـقـبـل الأنــانــيــة والــوطــنــيــة لا
الإحـسـان الكامل وبـهـا نشهد أن كبيريات الأمـور إلى الرسول في أي إشـكـال لا يـكـون إلا بـالـهـدوء
الدولة في مجموعها ليست سوى السياق الروحي وإلى أولي الأمر والحوار والإمعان في الأولويات تقبل الإلحاد ولذلك كان لابد من
رسالة تنوب فيها إرادة الجميع عن فـي الـسـيـاق العملي حـتـى يتم الــتــي تـصـلـح حـــال الأمــــة وتـدفـع
إرادة الجميع لأن الأمة التي كونت إخراج الخبر إخراجا سليما من خلال بعجلة التنمية بـمـا يحقق الـرخـاء شعور الإنسان أن وطنه هي كلمة
الوزارات والهيئات كانت تعلم مدى فهمه وتعقله بشكل يساعد على والخير للجميع .لـذلـك فـإن حكمة
احتياجها لها ،وعندما تكون الغايات إيجاد حل يتفق مع مصالح العامة. الله اقتضت بأ ّن بناء كمال الأفراد التوحيد لتوحيد الكلمة فأي ضياع
مصححة والإدارة نقية فإنها تكون ولــمــا كــــان الـمـجـتـمـع الإنـسـانـي والـمـجـتـمـعـات لا يـكـون إلا على
رسـالـة يـدفـع عنها الــروح والقلب يتكون مـن ثــاث طـاقـات فاعلة: التعاون لا الاندفاع الذي من شأنه لنور الكلمة المضيئة إنما يؤدي إلى
والعقل والضمير بما يعزز مفهوم أشـيـاء وأفـكـار وأفــــراد ،فـإنـه لابد أن يوقظ النعرات الدفينة ويفتح
الميثاق الاجتماعي القائم على من جعل طاقات المجتمع تتمحور الـــبـــاب لـلـمـتـسـلـقـيـن لاسـتـغـال اختلال في الأفعال لأن الكلمات
الـــمـــؤازرة ،وبـهـذا تتضافر جهود حول الأفكار الناضجة التي تتسم الأزمــات الوطنية من أجـل تحقيق
الطاقات الثلاث من أفكار وأفـراد بــالإحــســان فـــي الـبـعـد الــروحــي تضيء الأفعال فكلمة الرحمة تبث
وأشــيــاء لــتــزداد الأمـــة كـمـالا بعد والإتقان من خلال البعد العقلي مأرب سياسي أو مادي.
كمال في الغايات التي لأجلها كان إن الـهـدي الـقـرآنـي مـنـهـاج كمال فـي الـنـاس أفـعـالا رحيمة وكلمة
وإحسان يدعو الأمة لأن تكون أمة
ظهور هذا العالم. استنباطية تميل للهدوء والنظام الحلم والـغـفـران تمد فـي الناس
والرسوخ نابذة سلوكيات المرجفين
أفعالا فيها الحلم والغفران وعدم
المؤاخذة السريعة إلا بعد التأكد
بأن هذه الوسيلة الأخيرة للتهذيب
والتربية فمن بـدأ بالفعل الثاني
قـبـل الأول فـقـد أخـطـأ الـطـريـق،
وإنــمــا اخـتـالـنـا فــي هــذا العصر
يكمن في أن الناس يبحثون عن
الحل في خانة العشرات بمعنى
أنهم لا يبدؤون بالحل رقـم واحد
ثم بالحل رقـم اثنين في حـال لم
ينجح الأول بل إن البعد عن ذكر الله
يدفعهم للقفز إلى الحلول البعيدة
التي تستوجب العنف النابع من
النزعة الأنانية ،وكل فكر أو حل لا
يبدأ بذكر الله لا شك بأنه سيبدأ
مـن النقطة الخاطئة .إن مشاعر
الأنانية التي تعم المجتمع هي ما
ربيع الثاني 1438هـ -يناير 2017م 11 مرآة
َق ْلب العا َل
أ .محمد بن موسى إ ّن كل شيء مخلوق لك حتى تتفرغ أ ّيها صــاة دائــمــ ًا ،وصـاتـه وصــال واتـصـال. الـنـفـس الإنـسـانـيـة مـجـمـع الـكـمـالات،
الإنــســان لمهمتك الحقيقية فــي هـذا والـصـاة عنده حق الـوقـت ،وليست حق ًا والحياة ميدان إبراز تلك الكمالات ،ال َنفس
وتعالى ،فالأديب الأريب من يرى نفسه لا العالم ،وهو أن تكون بدالة نور ومرآة عاكسة فــي الـــوقـــت ،الــحــق الــــذي فــي الـوقـت مـن َنـ َفـس الـحـق ،وبـهـا حصل التنفيس
شيء ،وبلا شيئيته هذه يحقق كل شيء . لجمال الله وجلاله وكماله ،فإ ّن الله ينظر يمكن تـداركـه وقـضـاؤه ،أمـا حـق الوقت عن الأسماء والصفات لتبرز تجلياتها في
وإ ّنه كلما ص ّفى الإنسان نفسه من الدعاوى إلى هذا العالم من خلال هذا الإنسان الذي فـا يمكن تــداركــه ،فـمـا ذهــب لا يـعـود. هذا العالم ،وبالأخص في هذا الانسان
والأنا كلما كان حضور الله فيه أكبر وفعاليته يرى نف َس ُه جرم ًا صغير ًا ،ولكنه وسع العالم بـهـذا الـوعـي لعلاقة الإنـسـان الحميمة الـــذي هــو الـخـلـيـفـة والــــــذات الـجـامـعـة.
في الوجود أعظم ،وإنه عندما يتخلى عن كله ،بل إن قلبه يسع الـرب كما جاء في بالعالم من كونه تجسدا له ومـرآة تجلي والــعــالــم هــو تـفـصـيـل الإنــســان ،كما
قوته إنما يتركها ليحصل على قوة أعظم. الحديث ((ما وسعني أرضي ولا سمائي حقائقه ،يكتمل أدب النفس والحياة عند أن الإنــســان هــو مـخـتـصـر هـــذا الـعـالـم،
نعم قد تكون هناك مرحلة من التأرجح وعدم ولـكـن وسـعـنـي قـلـب عـبـدي الـمـؤمـن)) السالك ،وبه تختصر له الطرق وتطوى له فالإنسان عا َلم صغير ،والعالم إنسان كبير.
الوضوح أو الضعف الظاهر قبل الرسوخ فقلب الإنـسـان واســع يسع كـل شـيء. المسافات ،فلا يشغله ظاهر عن باطن، إنــهــمــا مــرآتــان مـتـقـابـلـتـان تـعـكـس كل
في هذه الحقيقة ،لكنها كمن يتفرغ أربع ولا يعني ذلك أن يتملك الإنسان العجب ولا يغيب بباطن عن ظاهر ،وعندما يرى واحـــد ٍة منهما مـا فـي الأخـــرى ،ولـن يرى
سنين أو أكثر ليدرس في كليته وجامعته والـــغـــرور إذا رأى نـفـسـه بـهـذه الـمـرتـبـة نفسه حقيقة جامعة للحقائق لا يتجاوز نظر الإنـسـان فـي عالمه الـخـارجـي إلا مـا هو
ليتفرغ بعد ذلك لخدمة الناس بعد أن ك ُم َل والمثابة عند الله ،فإنما هو في الحقيقة همته خارجها ،فمن عرف نفسه عرف ربه. فــي بـاطـنـه مــن الـمـعـانـي والــصــفــات،
بناؤه العلمي والمعرفي ،يحتاج الأديب عب ٌد ،أي معبد مذلل لظهور تجليات الحق ثم يعلم يقينا أن النفس مجلى الربوبية تجسدت تلك المعاني ليشهد الإنسان
إلى هذه المرحلة من التهذيب والتشذيب عليه ،فما عنده إنما هو عارية وليس ملك ومنصة ظهور الحقيقة ،فيتجاوزها كذلك حقائق ذاتــه بــارزة أمــام عينيه ،متجسدة
والتربية ليتخلى عن كل نقص وكل مذموم خاص ًا ،بل هو منة وتفضل من الله عليه. ويـفـنـى عـنـهـا بــربــه ،فـيـطـوي مـسـافـات فــي الــصــور الـحـسـيـة والـمـعـنـويـة التي
ويتحلى بكل كمال وجمال ونـور ،لابـد أن كما أ ّن هذا ليس خاص ًا به كفرد إنما يعم كل الـطـريـق كلها فـي خـطـوة واحـــدة ينجزها تعرضها شاشة الحياة والحركة الكونية.
ُيـعـرض عـلـى الـنـار حـتـى يتصفى « َو ِإ ْن أفراد البشرية ،فكل واح ٍد منهم مرك ٌز من في لمحة واحــدة (اتــرك نفسك وتعال). وإذا تصورنا العالم كيانا حيا فإ ّن الإنسان هو
ِم ْن ُك ْم ِإ َّل َوا ِر ُد َها» ،فمن عرض لنفسه لنار حيث هو ،وكأن العالم يتعدد بحسب كل فرد أي تـجـرد مــن ثـــوب الــوهــم الــــذي يستر قلبه النابض ،ووجوده في مركز العالم هو
المجاهدات والتصفية وقاه الله بعد ذلك فيه ،فهو عوالم لا حصر لها لا عالم واحد، حقيقتك ،واخلع نعل الجفاء والقطيعة، ما يعطي الحياة معناها والأشياء قيمتها،
نار الجحيم والعناء في الدنيا أو الشقاء. وكـ ٌل منا حيث خليفة وسيد فـي عالمه، واقتل الأنـا الأ ّمــارة بسوء الظن الحاكمة وبدونه لا يعود لشيء قيم ٌة ولا معنى.
إن الـدخـول إلـى هـذا العالم تجربة روحية لا فضل لأحـد على أحـد ،بل الجميع في بالجهل والضياع والاغـتـراب عن موطنك ويظل العالم عاج ًزا عن تجاوز رتبة الساذجية
فـريـدة ،ومـمـارسـة الـوجـود فـيـه بفاعلية هذا سواسية كأسنان المشط ،ولذا كانت الأصلي ،الذي هو مولاك لا سواه ،الذي والحياد حتى يبرز له هذا الإنسان ناظرا أو
يحقق الـغـايـة الـتـي قصدتها الــروح من ممارسة هذه السيادة إنما تكون بالتواضع، إليه ترجعون وتقلبون وتـعـودون ،وبعد واصفا أو متفاعلا ،فتبدأ الحياة بالسير،
الــحــضــور هــنــا ،وحــتــى لا يـضـيـع وقــت ولهذا شرعت العبادات والركوع والسجود. التخلي يكون التجلي ،حيث تـرى وجهك والأشياء بالحركة والتغير ،وتظهر تجليات
الإنسان في الجري خلف حاجاته الثانوية، إن العبودية جوهر ٌة باطنها الربوبية ،فلا ظـاهـرا فـي الأشــيــاء ،ونــور ذاتــك يتلألأ الأسـمـاء والـصـفـات وآثـارهـا فـي العالم
فـقـد تــم تـجـهـيـز الـعـالـم بـكـل مــا يحتاجه تظهر حقائق الـربـوبـيـة فـي الانـسـان إلا فــي الـسـمـوات والأرض ،حـتـى تشهد كنتيجة لحركة الإنسان الظاهرية والباطنية.
الإنسان ليقوم بمهمته بسلاسة ويسر. بـكـمـال الـعـبـوديـة الـتـي هـي كـمـال الـذل الـوحـدة التامة بينك وبين العالم ،فأ ّنى مـن هــذا الـتـصـور لمركزية الإنـسـان في
اقبل العالم كهدية وانطلق فيه ،أل ِق نفسك وكـمـال الـحـب ،وكلما بـالـغ الإنـسـان في توجهت ترى الحقيقة ماثلة أمامك «ف َأ ْي َن َما العالم تبدأ رحلة الـعـارف ،إنها رحلة إلى
بكاملك فيه ولا تتردد ،أل ِق نفسك في بحر حبه لله وحبه لخلق الله ،وكلما كمل تذلله ُتـ َو ُّلـوا َفـ َثـ َّم َو ْجــ ُه الـ َّلـ ِه» حيث لا انقطاع الــداخــل الـبـاطـنـي ،مـن حـيـث إنــه الأصـل
العالم فإنه بحر الله ،وإن الشعور بهذه وتواضعه لغيره من البشر وللكائنات أجمع ولا انـفـصـال ولا غيبة ،بـل حـضـور دائـم الجامع ،وما الخارج سوى تجل وانعكاس،
العلاقة الرائعة مع العالم سر سعادة الأبد، كلما ظهر فيه سـر الربوبية أكثر فأكثر . يشهدك قـرب الـلـه ومعيته أينما كنت، وإن كــانــت تـلـك الــرحــلــة الـبـاطـنـيـة غير
إ ّنـه الجنة المعجلة والـفـردوس المفقود. وتـعـنـي الــعــبــوديــة فـــي أحــــد تـجـلـيـاتـهـا « ِإ َذا َس َأ َل َك ِع َبا ِدي َع ِّني َف ِإ ِّني َق ِري ٌب». مفصولة عن وقعها وأثرها في الخارج.
الجنة هي الرضا والقبول ،هي التوافق السماح ،أي السماح لصفات الربوبية أن جمال هـذا الكون ونـوره وبـهـاؤه إنما هو إن الـداخـل والـخـارج هنا صـورتـان لمعنى
والتوحد مع الحياة ،والخروج من الجنة بأكل تتجلى من خلال الإنسان ،أن يرى نفسه مـن نـور الإنـسـان الــذي هـو خليفة الله، واحـــد ،وتجليان لحقيقة واحـــدة ،وأديــب
الشجرة ،أي بالتشاجر والتخالف والمقاومة، منفذ ًا لتلك القوة الغيبية ،ويكون دوره والكون بكل ما فيه فقير إلـى الإنسان، الــنــفــس بــقــصــده الــبــاطــن ســالــك إلــى
واذا كـان العالم مخلوقا لـك ولخدمتك، في الحضور والشهود ،فيشهد فعل الله والانسان إنما فقره إلى الله وحده وليس ذاتــــه ،وبـنـظـره إلــى الـظـاهـر هــو سالك
فـا معنى لمعاداته أو المواجهة معه. وتصرفه فيه ومن خلاله وفي الأشياء، إلـــى الــكــون ،إذ الــكــون مـخـلـوق مسخر في ذاتــه ،وبقدر الوعي وعمق الإدراك
يــفــوز بـالـعـالـم مــن يـحـبـه ،مــن يمشي فإنه يعلم يقين ًا أنه لا فاعل في الحقيقة لخدمة هذا الإنسان « َو َس َّخ َر َل ُك ْم َما ِفي الـــمـــعـــرفـــي يــتــمــيــز الـــســـيـــر والــتــحــقــق
بمحاذاته ،لا من يواجهه ويصارعه ،لأنه في إلا الـلـه ،ولـكـن إنـمـا يـفـعـل الـلـه بخلقه ال َّس َما َوا ِت َو َما ِفي ا ْ َل ْر ِض َج ِمي ًعا ِم ْن ُه». بالمعنى ،كما قال أبو مدين الإشبيلي:
الحقيقة يصارع نفسه ،العالم مرآتك ،وإذا مـن خــال خـلـقـه ،فيعلم الـسـالـك يقين ًا قـال أبـو الحسن الشاذلي يوم ًا لتلميذه (السالك سائر إليه ،والعارف سائر فيه).
عبست للمرآة عبست لك ،وإذا ابتسمت أنـه لا حـول له ولا قـوة إلا بربه سبحانه. أبو العباس المرسي :إ ّنك لن تبلغ حقيقة والسلوك دائـري ،حيث النقطة التي يبدأ
ابتسمت لك( ،فمن وجد خيرا فليحمد الله، ولذلك يتجرد ذهني ًا وفكري ًا من ادعـاء أي الـشـكـر حـتـى تــرى جـمـيـع مــا فــي الـعـالـم منها الـسـالـك هـي الـتـي ينتهي إليها،
ومن وجد غير ذلك فلا يلوم ّن إلا نفسه). قوة ،ويرى كل ما يحصل على يديه أو يدي إ ّنـمـا خـلـق لـك وحـــدك! فـقـال يـا سـيـدي: لتكتمل دورة الحياة فيه ،ورحلة حجه منه
غيره من الخلق إنما هو من قوة الله ،وبهذا فـالأنـبـيـاء؟! قــال :أرسـلـهـم ليعلموك، إلــيــه ،والــعــارف لا يـشـهـد شـيـئـا خـارجـه،
المعنى الجميل تعظم عنده القوه ويعظم قــال :فـالـمـلـوك؟! قــالُ :يـأمـنـوك ،قـال: لأن العيش فـي الـخـارج غـربـة وانـقـطـاع،
التأثير وتنفعل له الأشياء بقوة الله تبارك فــالــتــجــار؟! قــــال :يـجـلـبـون لــك الأرزاق. وهـــو صــاحــب وصــلــة دائـــمـــ ًا ،فـهـو في
ربيع الثاني 1438هـ -يناير 2017م 13 بعين ثالثة
قراءة في كتاب
«الفتوح الفائق ..الحاوي للمعاني الرقائق
والإ�شارات الدقائق» لل�شيخ أ�حمد بن علوان
عبد العزيز سلطان المنصوب
بعض أهــم خصائصها .ونشير أ ّولا إلى وقالَ :ل َق ْد كا َد َأ ْن َي ْن ُص َب َك َهذا ال َّشا ِه ُد على يعتبر الـشـيـخ أحـمـد بـن عـلـوان مـن أشهر
أ ّنـه تعاطى مع 14بحرا شعريا ،ولم يكتب َخ َش َب ِة ال َح َّلج.
فـي بحري الـمـضـارع والمقتضب النادرين وقال لي :ا ْك ُت ْب َن ْع َت َك ُمضا ًفا. شيوخ التصوف في اليمن ،ولا يكاد اسمه
لـدى الـشـعـراء الـعـرب بشكل عــام ،كما أنه
كان أ ّول شاعر يمني كتب الموشح ،وترتيبه يغيب عن وعي أي يمني منذ ثمانية قرون
هو الـ 20بين شعراء العربية في هذا الفن
وفقا لتحليل شعراء الموشحات العرب في َف َك َت ْب ُتَ :ع ْبد الل ِه. حتى الـيـوم .وللشيخ ابـن عـلـوان عـدد من
«موسوعة الشعر العربي» ،ومجموع من َخ َب َل ليَ :خ َر َج ال َح َّل ُج ِم َن َفقا َل
سبقه في القرون السابقة لعصره بلغ 19 ِذي َأاِللـ َّدِافِل َ،ت ْعَِور َيق ِْدف شا ِه ُد ال َجما ِل ،إلى َع ْق ُل ُه المؤلفات في مجال التصوف من أهمها
شاعرا نظموا 127موشحا فقط. ال َج َل ِلُ ،موا ِفقا ِلشا ِه ِد الفناء ِإ ْذ قا َل. كتاب «الفتوح الفائق» موضوع قراءتنا هذه.
وكان هو قد وصف شعره بقوله:
ِل ِف َاسْ ِّنصكَْكليَِتبن ِا َه،بِل َاقولْ َاأْطِنلَِكع َُِتهفَ،بِب َواق ََللـظَِـفَمـ ْهـر َارُقْْست َِبتيْنـَظا ٌنرها ِاِرلم َأاِلنلــ ِ ُعِنْـلفِْومِرو َااخللــَ ََّّش َااب ًِِممة تضمن هـذا الكتاب 290نصا توزعت على
َق َصـــــا ِئ ِدي َأ ْلــــــــ َوا ُن َغـــــ َرا ِئ ٌب أ ْف َنـــــــــا ُن عدد من الموضوعات كالوعظ والإرشاد و ِذ ْكر
الفتوحات والمقامات وبيان أحوال المحبين
وأوصــافــهــم ،وتـضـمـنـت هـــذه الـنـصـوص
ِل َذ ْر ِو ِه. َ ِفم َنش ِ َهجَدِّو َأاْلنهلا ِاء ل ِإ ْحرا ِق ِه ،و َه َّب ْت ِري ٌح 246قـصـيـدة ( 2687بـيـتـا) تـمـ ّثـل %80من
ُي ْق َتل على َفقا َم شا ِه ُد ال َفنا ِء
ُااِبقللَأَِّاأْْْطرننــ ِعُيفـْـضقترَتا ِْدبولا،لَف ّـس َـلواسـُكْكلّميل ُينـا ْلسقـأاحَبنئـُالو ِالهم،،م َلل ُههوو َ،أَُ ْعنشّـدوفِ َاهـجلـََ.ردسهىشإادل ِهم ُىهد إنتاجه الشعري الـذي وصل إلينا تخصصت
ُحـ ْكـ ِم كلها تقريبا في توضيح الجانب الصوفي
ال َبقا ِء
َت ْه ِوي َل َها الأ ْك َوا ُن ِل َبا ُس َهــــــا ال َأ ْل َحــــــــا ُن َف َل َّما تطرق فيه إلى قصة الحلاج: المعرفي .كما أ ّن موضوعاته ارتبطت بالنص
و ِل ْل ُمــــــــ َوا ِلي َخ ْمـ ُر ِلي ِفي ال َم َعا ِلي َأ ْم ُر على
ـر َو ْلـ ُت ِِبع“ِ َهرلـيَّ ،ا ًمنـاوا َأ خفَشلا َرعي ُإلت َ َّط ََليقِـب ِِهمفـ،يـي َف َأالصل َب َّالشـاسَ ِجنـه ِهدـيِ:لِإَقَِّب ِـنـم ِ ِيهع ْ،ل َ َ َمصه القرآني والحديث النبوي ،فقد استشهد بـ
ال ِع ْل ِم
َجفماُْحِق ُبه ُلطو ِهبعِ،هوفرا ُنصكسلتائ ُلببه َ،ود ُأُمَأحُ ْهرن:قَأ ُني َابوِّ ُراذيلرله ُيهِ ،مق ََّاومتاُُلهُ َهو.قـ َامَ َلع الوا ِح ِد 272آية من 73سورة ،كما أنه عاد إلى 28
علي ِه حديثا نبويا في الكتاب.
َذ ِل َك
و ِل ْل ُم َعـــــــا ِدي َج ْمــــــ ُر ُي ْر َمى ِب َها ال َّش ْي َطــا ُن ِبالوا ِح ِدُ ،ه َو ِع ْل ُم الوا ِح ِد ِبالوا ِح ِد. تـمـ ّيـزت لغته الـنـثـريـة بالفصاحة السلسة
بريء ،و َل ِك ْن فـا ْسـ َتـ ْظـ َهـ ْر ُت الـ ِعـ ْلـ َم واسـ َتـبـ َطـنـ ُتـ ُه ،فـإذا المعروفة بالسهل الممتنع ،وهـي التي
و ِل َئ َّل يجتري
َحا ِلي ِ َل ْه ِلي َحا ِلي و َخ ْم ُر ُه ْم أ ْقــ َوا ِلي َم ْح ُبو َب ُه َص ْب َر ُه ِ َلأَيَ َحرـدى ال ِّش ْر ِك ِم َن َ ِِوففمَأاسسَُِّّّتعررُ ُليطخه َ:وعذم ِاُ ُمسماَِّأِتر،ستنا ٍ ِِرمطيسا َّس ُرفاٍَُأقرهلوَا ِيملوفحَأ َُِِّّفسسيس َِّاسرِهر ُِيوممَسيأِّا،ر َِأفشهـمع ُاِسعَايُقٍَرأرُيِ .لسسفَِّ َروم َمأَأُعيععُ َللسُِوورُمأاسمِِّ،بررا ُتُِ ُوهصمُسُارج،ا ٍرَ،أو ِ ُدوفِإشسيُّاذ ٍ،رميا ت ّتسم بإمكانية استيعاب الـقـارئ لها من
بعده على ما و ُيـ ِري، ِفي ِه ال ُمس َتغ ِر ُق ل َأسرار ُر ُسو ِمي و ُحـ ُدو ٍديُ ،ه َو
أ ّي مستوى ثقافي كان مع عمق دلالاتها.
و ُن ْو ُر ُهــــــ ْم ِإ ْق َبا ِلي و ِل ْل ِعــــ َدا ِم ْط َعــــــا ُن كان يجتري”. وامـتـطـى نهج السجع المعتبر عند علماء
وفي معراجه الروحي والذي يتب ّين منه عل ّو
كما تض ّمنت لغته فرائد ِح َكمية عالية المقام.. البلاغة « ِملح الـكـام» الـذي يكسبه حلاوة
ومن نماذج حكمه الرائعة: التذوق ويجعله مستساغا مقبولا ومؤ ّثرا،
وخاصة إذا ابتعد به صاحبه عن التك ّلف الذي
”-ال َّتط ُّفل بالافتقار يوجب دوام الكفالة ،مقامه يقول:
والـ َّتـو ُّكـل باليقين يـوجـب دوام المعونةَ ،ت َما َرى ال َّشا ِه َدا ِن ِب ُن ْو ِر َع ْق ِلي يذهب بالمعنى ويكون غالبا على حسابه.
َف َذا ُي ْح ِيي َوذا َك ُي ِر ْي ُد َق ْت ِلي وال ّتسليم للقدر يوجب الـ ِّرضـا بالمقدور، َمش ُهو ِدي و َمح ُبو ِبي و َمع ُبو ِدي. ونجح شيخنا في تسخيره لهدفه المتمثل
والإقبال على الكريم يوجب حلاوة ال ّتكريم.
َف َوا َف ْق ُت ال ُم ِش ْي َر إ َلى ال َّت َج ِّلي ُث َّم َك َتب ُت بقلم استظها ِر ال ِع ْل ِم ،اسمي َتح َت فـي إيـصـال المعنى الـمـراد بأنجح السبل
-ليس لمخلوق عن خالقه مندوحة ،ولا لعبد
و َخــــــا َل ْفــــ ُت ال ُم ِش ْي َر إ َلـــــى ال َّت َخ ِّلـــي َعن س ِّيده مفر ،ولا لفقير عن متص ِّدق ِغنى ، َتح َت ِع ْل ِمي ال ِع ْل ِم، استبطا ِن وبقلم اسمه، وأجملها.
ِع ْل ِم ِه.
َف َل ْو َأ ِّني َن َط ْق ُت َع َلى َف َنا ِئي انـظـر قـولـه فــي تـعـريـف الـتـصـوف الــذي
ولا لعا ِلم من مكر الله أمان. فرأي ُت اس َم ُه َب ْح ًرا تغر ُق ِفي ِه الأسما ُء ،ورأيت يلخصه بـالـسـلـوك الـقـويـم وتـكـون ثمرته
َل ُق ْل ُت َم َقا َل َة ال َح َّل ِج َق ْب ِلي -بصدق المعاملة ت َنال أقصى ال ّرجاء ،وبأداء ِع ْل َم ُه َب ْح ًرا تغرق ِفي ِه ال ُع ُلوم. الـعـلـم والـمـعـرفـة« :بـنـي قـصـر الـتـصـ ّوف
الأمانة تلقى مفاتيح ال َأسرار.
و َل ِك ْن َش َّد َم ْن َأ ْه َوا ُه َأ ْز ِري فأفنى ِم ِّني ما أفنى ِب ِع ْل ِمه ،وأبقى ِم ِّني من جوهرين :أحدهما كمال ال َّتقوى ،والآخر
و َق َّوى ِه َّم ِتي و َأ َم َّد َع ْق ِلي -في ريـاض الحكمة ترتع َأسـرار العارفين، حسن الـ ّسـخـاء .فكمال الـ َّتـقـوى َأسـا ُسـه،
وفـي سباخ الجهل ترتع َأســرار الغافلين، ما أبقى باسمه:
فإ ْن ُق ْل ُتَ « :أنا» ك ّذبني شا ِه ُد ال َفنا ِء ،و ِإ ْن َوحسن ال َّسخاء رأسه».
َف َب ْع ِضي ِفي ُف ُنو ِن ال ُح ِّب َفا ٍن وعـلـى حكم مـراتـع الأســـرار تنطق شواهد “إنما الفقر هو :عل ٌم بال َّطريق ،وعمل على
و َب ْع ِضي َب ْي َن ِإ ْخ َوا ِني َو َأ ْه ِلي ال َأخبار. ُق ْل ُتُ « :ه َو» ك ّذبني شا ِه ُد ال َبقا ِء. المتابعة وال ّتحقيق ،والإيمان وال ّتصديق،
«ف ُهطــــف َوق»تو أ»أجـنــــوـال»َ،ب ُيكـَ َّلنـماـلاَب َدق َاخِـءـ ْلــو ُالتـ َفـفـنـا ِءيََ «،أو َنـبــيا َ»ن
-ترك اليسير من فعل الخير من كبائر العجز، َأَ ْ«فخـ ُـ ََهرخـََ َجورـ ِْنج»ــ َأُ ْيتخ َر َِمج ِـنشان ِيه ُ«د ُهشـاـاـل َِ َوهف ُن»دا ِإءالل،ـَبقوىا ُِكءَّلَ «.أمناــا َد» َخ،ـ ْل ُـمـُتوا ِفـف ًقـاي مع ما يم ّد الل ُه به من العصمة وال ّتوفيق”.
َف َل َأ ْد ِري َأ ِلل ِإ ْخ َوا ِن َأ ْب َقى “واعلم أ ّن الفقر صفة ،و َأ َّن ال ّصفة معرفة،
َأ ِم ال َأ ْه ِل ْي َن َأ ْم لل ِه َأ ْم ِلي كبائر الحمق. -و لفاع حلياللةي لـسيمـرنم َأنحــاال َّطــش ِّرتمبـنه و َأ َّن المعرفة أدب ،و َأ َّن من لا أدب له لا
إل َّا قــدر ُة الـلـه معرفة لـه ،ومـن ل َا معرفة له لا صفة له،
َف ِلي َو ْج َها ِن َم ْك ُن ْو ٌن َو َبا ٍد بالانقياد له.
َو ِلي ِع ْل َما ِن ُج ْز ِئ ٌّي َو ُك ِّلي -الا ّتقاء من عا ِلم الغيب وال َّشهادة محال . ِلشا ِه ِد ال َبقا ِءُ ،مخا ِل ًفا ِلشا ِه ِد ال َفنا ِء. ومن لا صفة له لا فقر له.
َ -من َع َر َف الل َه َع َف َت ُط َر َقه عن غيره”. َفال ّصفة ِهـ َي القيام بـال َأخـاق ال ُم َح َّم ِد َّي ِة
“الـحـافـظ َمــن حـ ِفـظ الـوقـت لا َمــن ح ِفظ وهكذا تدور بنا رحى الحب في شعره حول كل معنى: َفقا َل ليَ :ه َب ْط َت ِم َن ال َّش ْمس إلى ال َّر ْم ِس، الـ َّشـرعـ َّيـة ظـاهـرا ،والـمـعـرفـة هـي القيام
َو ِم َن ال ُق ْد ِس إلى ال َح ْب ِس؟
ُق ْطــــب ُكـــــــــ َّل َدا َر َ ْفــتـــــ َأ َدا َر ْت بال ُح ِّب ِلي َر َحى العلم”. َأ ْن { َأ ُتـ ِريـ ُد َفـ َتـ َلـو ُت علي ِه ُم ِشي ًرا بال َخ ْم ِس: والآداب الحقيق ّية باطنا، َأبانلآ لد َاا تببتالد ُمع َح َّم ِشد َّييئاة
بأقوالك يخرج ِمـن فيك
َت ْق ُت َل ِني َك َما َق َت ْل َت َن ْف ًسا ِبا ْ َل ْم ِس}!
أ ّما لغته الشعرية فهي بحاجة إلى دراسة ال َم َعا ِني َت ْح َت َخ ْف ِضـي َف َت َب َّس َم شا ِه ُد الحا ِلِ ،من َهذا ال ِحجا ِج وال ِع َل ِج وأفعالك و َأحوالك عن الاقتداء به».
َت ْح َت َر ْف ِعي َت ْح َت َن ْص ِبي مستقلة توفيها حقها ،وسنحاول هنا ذكر وقـــــــال عـــن مــعــراجــه الـــــروحـــــي والــــــذي
ربيع الثاني 1438هـ -يناير 2017م 15 الزاوية
الإن�سان الكبير
لما شاء الحق سبحانه من حيث أسمائه الحسنى التي لا يبلغها الإحصاء أن يرى أعيانها ،وإن شئت قلت :أن يرى عينه في كون
جامع يحصر الأمر لكونه متصفا بالوجود ويظهر به سره إليه :فإن رؤية الشيء نفسه بنفسه ما هي مثل رؤيته نفسه في أمر آخر
يكون لها كالمرآة ،فإنه تظهر له نفسه في صورة يعطيها المحل المنظور فيه مما لم يكن يظهر له من غير وجود هذا المحل ولا
تجليه له.
وقد كان الحق أوجد العالم كله وجو َد شب ٍح مس ّوى لا رو َح فيه ،فكان كمرآة غير مجل ّوة ،ومن شأن الحكم الإلهي أنه ما س ّوى محلا
إلا ولابد أن يقبل روح ًا إلهي ًا ع ّبر عنه بالنفخ ،وما هو إلا حصول الاستعداد من تلك الصورة المس ّواة لقبول الفيض التجل ّي الدائم
الذي لم يزل ولا يزال ،وما بقي إلا قاب ٌل والقابل لا يكون إلا من فيضه الأقدس .فالأمر كله منه ابتداؤه وانتهاؤه (و ِإ َل ْي ِه ُي ْر َج ُع
ا ْ َل ْم ُر ُك ُّل ُه) كما ابتدأ منه .فاقتضى الأمر جلاء مرآة العالم .فكان آدم عين جلاء تلك الصورة وروح تلك الصورة وكان الملائكة بعض
قوى تلك الصورة التي هي صورة العالم المع ّبر عنه في اصطلاح القوم «بالإنسان الكبير».
“فص حكمة إلهية في كلمة آدمية”
محي الدين ابن عربي
المعراج ل�سالك المنهاج
سـوى الـبـاذخ الـعـالي بنسبة إحـسـا ِن ومــــا بــعــد هــــذا مـــن مــقــام لإيمـــان قصيدة للشيخ العالم الشهيد الحبر البحر المحقق الكبير والقطب الشهير
لــعــبــ ٍد بـــتـــو ٍل في الــعــبــادة ولــهــان مـقـا ٌم بتحقيق الـشـهـود مخص ٌص سعيد بن خلفان الخليلي الخروصي رحمه الله ورضي عنه .المولود في
يـــــــراك لمــــن لا قــــد رآه بـــإيـــقـــا ِن وعـــــ ّرفـــــه الـــــهـــــادي فــــقــــال :كــأنــه سنة 1230هـ ببلدة بوشر من ضواحي مسقط عاصمة عمان .تعلم في
*** صباه الفقه والحديث وعلوم القوم على يد شيخه القطب ابن القطب
الشيخ ناصر بن جاعد بن خميس الخروصي وقد اصطفاه المولى ليعلمه ما
شــهــودا لمـشـهـود هــنــاك بــا ثــا ِن ولم يفنى حتى غـاب عـن ذكـر ذكـره
لم يكن يعلم من الأسرار الإلهية.
تــدكــدك طـــور الـعـقـل مـنـه بــإذعــا ِن ول ّمــا ُيـشـا ِهـد إن ُيـشـا َهـد شـهـو ُده كان -رحمه الله -منارة العلماء ،ومرجع الفتوى وحل المشكلات العلمية وقد
لمــــرآتــــه كــشــفــا يـــــــراه بــــوجــــدا ِن ولاح تجــــ ّلــــي الحـــــق فـــيـــه لـعـيـنـه أثرى -رحمه الله -المكتبة الإسلامية بمجموعة من المؤلفات في شتى
المجالات،
***
ومنها كتابه الشهير في علم الأسرار المعروف بـــ النواميس الرحمانية
وخــ ِّل الـ ِّسـوى يخلو فما ثمة اثـنـان ِ فــــعــــ ّرج بــتــجــريــ ٍد لــتــفــريــد واحــــــ ٍِد واستشهد -رضي الله عنه وأرضاه -في شهر ذي القعدة من عام 1287هـ.
لـنـفـ ٍس تـصـل أعـلـى مــقــا ٍم لإخـــوان إذا ما كشفت الستر عن لَب ِس لبس ٍة
لعل قصيدة المعراج لسالك المنهاج تعد واحدة من أبدع من كتب شعرا
صـحـوت بـهـا في كـل غيبة سـكـران وتفنى عـن الأكــــوان في كـل حضر ٍة في علم التوحيد وعلوم أهل الله لما فيه من تجليات لرحلة روحية يتعرف
فيها الإنسان على درجات الوجود ومراتب الإسلام انطلاقا من الإسلام
لمـعـنـى بــه تـبـقـى إذا عـــ ّوض الـفـاني فــقــم في فــنــاهــا بــالــعــبــادة فـانـيـا كوظيفة بدن إلى الإيمان كوظيفة قلب وصولا إلى المقصد الأكبر للخليقة
حـــلـــ ًى وكـــــمـــــالا ٍت بــــدائــــع أفــــنــــان ِ تـرى ذيـك من أوصافها في صفاتها وهو الإحسان وقد أحسنت القصيدة في تعاطيها للمفاهيم الإلهية في
جــمــالا لـهـا حـصـن الــكــمــال بــه بـاني وتشهد في مــرآة كشفك حسنها سياق فني وأدبي رفيع لتظهر بكمال الدين وتمام النعمة ،ويمكن لكل
متلق ٍ على قدر جيد من الاستعداد بأن يشعر بالحضرة التي نبعت منها
قـــريـــبـــا تجــلــيــه بـهـيـكـلـهـا الـــــداني تـريـك عـلـى بـعـد المـسـافـة مـن نـأى
القصيدة حتى تنتشله من عالم التوحيد إلى فضاء التفريد المنزه عن
عــن الخـلـق بـعـد الحـــق آيـــات فـرقـا ِن وتـقـرأ منها نسخة الـكـشـف كلها الإطلاق والتقييد في مشاهد روحية كانت ذكرى لكل ذي قلب واسع أو
لمن ألقى سمعه بعد شهوده للحقيقة (إ َّن ِفي َٰذ ِل َك َل ِذ ْك َر ٰى ِل َمن َكا َن َل ُه
وأمــاكــهــا والــطــر والإنـــــس والجـــان فتبدي لديك العر َش كالفرش والسما
َق ْل ٌب َأ ْو َأ ْل َقى ال َّس ْم َع َو ُه َو َش ِهي ٌد).
لجـــوهـــر ِه الــكــلــي في ســــره الــقــاني ويـحـضـر أشــتــات الـــوجـــودات فـر ُدهـا
لــســ ّر ظــهــور الحــــق فـيـهـا بـتـبـيـان و ُيـر ِقـيـك منها في مـراقـي عروجها وهنا نورد مقتطفات لأبيات القصيدة التي يتحدث فيها عن
بـــــواطـــــ َن نــــــو ٍر في جـــالـــة رحــمــن تٌــعــايــن مـنـهـا بــالمــظــاهــر ظــاهــرا رتبة الإحسان:
الزاوية ربيع الثاني 1438هـ -يناير 2017م16
الطرق إلى الله بعدد نفوس الخلائق بل بعدد أنفاس الخلائق.
ليست مجرد 96دقيقة تلك التي تدعو العالم للدخول في حضرة
الرحلة الأبدية ..الرحلة إلى الداخل ..إذ لا يزال يجذبنا إليها المخرج
التونسي ناصر خمير عبر فيلم (بابا عزيز) بعد مرور أكثر من عشر
أعوام على عرضه الأول.
يروي الفيلم قصة الجد الضرير بابا عزيز مع حفيدته عشتار وهما
يقطعان الصحراء لبلوغ المكان الذي يجتمع فيه مريدو الله
القادمين من شتى بقاع الأرض كل ثلاثين عاما .ليخطفنا معه
في تجليات أثر الغزالة التي تدفعك تلقائيا لملاحقتها معه!
وكقلب عشتار المتلهف تجد نفسك قد فتحت أبوابك الروحية
لتتلقى كلمات بابا عزيز ممعنا في المعاني الإلهية النابعة من
روح عارفة ،لكن الدهشة تكمن في أن بابا عزيز يعرف طريقه في
الصحراء رغم أنه أعمى!
عبر الطريق تتقاطع القصص والأحداث مع عابري سبيل ومريدين،
لتحمل كل قصة شكلا ما من أشكال المحن والحنين إلى الله من
خلال بحث الإنسان عن إنسان آخر!
نرتد بالزمن إلى الوراء لنشاهد الأمير وهو يترك الدنيا بكامل
ملذاتها بعد أن ترك نفسه بمجرد استغراقه في صورته
المنعكسة على صفحات الماء.
يصعد الفيلم بوعي المشاهد ليكشف له حقيقة الدين الداخلية
وسر الطريق إلى الله لنشهد أن كل إنسان فر ٌد يأتي الله فردا،
وأن حياتنا لله وهي رحلة رجوع إليه سواء شعرنا بذلك أم لم
نشعر (وأ ّن إلى ربك المنتهى).