The words you are searching are inside this book. To get more targeted content, please make full-text search by clicking here.
Discover the best professional documents and content resources in AnyFlip Document Base.
Search
Published by , 2017-01-12 03:35:19

ملكوت

ملكوت

‫الحقيق ُة كرابينعتالثامنرآ ًية‪8‬ب‪3‬ي ِ‪4‬د‪1‬الهلـه‪ -‬يناير ‪2017‬م ‪1‬‬ ‫َمن َعر َف الح ّق شهده في ك ِّل شيء‬
‫َو َقعت وتش َّظت‬ ‫ومن فن َي ب ِه َغا َب َعن ك ِّل شيء‬
‫ك ُل فر ٍد أخ َذ قطع ًة منها‬ ‫و َمن أح َّب ُه لم يؤ ِثر عليه شيئ ًا!‬

‫نظ َر إليها‪...‬‬ ‫ابن عطاء الله السكندري‬
‫وظ َّن أ ّنه يمل ُكها كا ِملة!‬

‫جلال الدين الرومي‬ ‫َكتب الإحسا َن على ك ّل شيء‬

‫» ‪ -‬العدد الأول ‪ :‬ربيع الثاني ‪1438‬هـ ‪ -‬يناير ‪2017‬م‬ ‫ملحق فصلي تصدره «‬

‫مفتاح‬ ‫كــأنك تـراه!‬

‫جمال الملا‬
‫َل ْن تج َد المفتاح في الجهة الم�ضاءة والوا�ضحة خارج الدار‪ ،‬طالما أ�نت‬
‫ُموقن ب�أ َّنك أ��ضعته بداخلها‪ .‬ثم إ� َّنه لي�س كل نور هدى‪ .‬حتى و إ� ْن‬
‫توهمت ب�أ َّن الباب مقفل فب إ�مكانك أ�ن تك�سره و�أن ت�ستعير فانو�س‬
‫جارك وهو فانو�سك في الحقيقة الذي ن�سيته عنده منذ زمن‪ ،‬ومن‬

‫ثم تلج إ�ليها‪ .‬وطالما �أنك تمكنت من الدخول‪ ،‬ف ِل َم المفتاح؟!‬
‫من َح ْيث ن�شعر �أو لا ن�شعر‪ ،‬ف�إ َّن جميعنا يبحث ب َت ْوق عن �شيء‬
‫واحد يتجلَّى في �صور �شتى ُيكن لنا أ� ْن ُنطلق عليه «النقلة البعيدة»‬
‫خطوة وا�سعة‪ .‬قفزة هائلة نتجاوز بها آ�لاف ال�سنين‪� .‬إ َّننا نطمح ألن‬
‫نختطف في لمحة مطلقة تك�شف الحقيقة فيها عن وجهها الم�شرق‪،‬‬
‫ومن المفارقات الوجودية �أن هذه النقلة البعيدة التي من �ش�أنها أ�ن‬
‫ترفعك إ�لى معارج الكمالات اللانهائية‪ ،‬لا تف�صلك عنها م�سافة ولا‬
‫�أزمان‪ ،‬بل �إ َّنها تكمن فقط في إ�يقاظ �شعورك الداخلي بالانتماء �إلى‬
‫الله‪ ،‬إ�ذ كلما كبر هذا ال�شعور تتلا�شى مظاهر الندية لله‪ ،‬وهو ما‬
‫يدفع لاإن�سان للترقي في وجوده و�شهوده حتى لا يرى ولا ي�سمع‬
‫ولا يح�س �إلا بالحق‪ .‬قيل لأحد �أهل الله‪ :‬كيف و�صلت؟ فقال‪:‬‬

‫ا�ستقبلت القبلة التي ا�ستدبرها لاآخرون!‬
‫�إ َّن توجيه وجهك للذي فطر ال�سموات ولاأر�ض يورث في القلب‬
‫المحبة للجميع‪ ،‬والتخلق ب�أخلاق الم�صطفى �صلى الله عليه و�سلم التي‬
‫تدعو �إلى رفع الجهل بالتح ّلم عليه و�إخراج النا�س من الظلمات �إلى‬
‫النور بال�صبر وال�صلاة على الحقيقة المحمدية المنطوية في الجميع‬
‫بالجميع حتى يتحقق ظهورها « َوا�ْس َت ِعي ُنو ْا ِبال َّ�ص ْ ِب َوال َّ�صل َا ِة»‪ُ « ،‬ه َو‬
‫ا َّل ِذي ُي َ�ص ِّلي َع َل ْي ُك ْم َو َم َل ِئ َك ُت ُه ِل ُي ْخ ِر َج ُكم ِّم َن ال ُّظ ُل َما ِت �ِإ َل ال ُّنو ِر َو َكا َن‬
‫ِبا ْلُ ؤ�ْ ِم ِني َن َر ِحي ًما»‪ ،‬وبذلك ت�سقط حظوظ النف�س فيك ليقوم حظ‬
‫الحق العظيم « َو َما ُي َل َّقا َها ِإ� َّل ا َّل ِذي َن َ�ص َ ُبوا َو َما ُي َل َّقا َها �ِإ َّل ُذو َح ٍّظ‬

‫َع ِظي ٍم»‪.‬‬
‫�إ َّن ال�صحائ َف التي بين يديك لاآن لي�ست �س ًّرا ولا مفتاحا‪.‬‬
‫ولي�ست هي ما ينق�صك بل لعلها تريد �أن تقول لك �أنت بالتحديد‪:‬‬

‫«لا �شيء ينق�صك!»‪ ،‬باعتبار أ�ن النق�ص مجرد فكرة عقلية تن�ش�أ‬

‫نتيجة مقارنة نف�سك بالآخر بينما لو عدت �إلى جذورك الداخلية‬
‫التي تمتد إ�لى ح�ضرة ل إاطلاق وتمعنت في ن�سبك الروحي وح�سبك‬
‫ال�سبوحي لوجدت �أن حقيقتك الروحية هي المركز الذي ي�صدر‬
‫العالم منه وهو باق فيه‪ .‬من هنا ت�ضمحل المقارنات لتتجلى �آثار ا�سم‬
‫الله الم�ؤمن الذي يع ِّب عن مرايا ل أاكوان؛ فلا ت�شاهد إ�لا ذاتك‪ ،‬وهذا‬
‫كما أ��شار العارفون معنى قول النبي محمد ‪�-‬صلى الله عليه و�سلم‪-‬‬
‫«الم�ؤمن مر�آة أ�خيه الم�ؤمن»؛ لت�شهد حقيقة �أن كل �شيء خلق لأجلك‪،‬‬
‫و�شيئا ف�شيئا تت�سع نظرة الفرد تجاه المجتمع والكون ب�أ�سره لتكون‬
‫نظرة مفعمة بالحب والهدوء نابعة من �ضمير حي بذكر الله دون‬
‫اإِ��َأَتولَ�اْذكسْلاكلَل َيث َ َمْيوجفرَاَمو�أ َ«ءْولَْلُجهاََآاهق َدُِْهدخْلعََِراكَيَّاَوءِِلَ‪َ،‬جنذ َْوَدَوكل ُُُهَهكره َوْ�َمذلشاُِْيلَّ ًلئَْفاماا ََ�ِركَيسوِ�ثُ ٌَسكوين ًوورَ َفجاِنَلل»َد‪�ُ،‬إهللولأَ�الَّملَِّْاتبجَا ُ�ُأر»رى‪ْ�ُ،‬ه َسفجوَِاونِعٌيهةءنذَاتدَهلحنَرل�َرفِّبسهتَ�ُِنهسوب ٌاةَوةلكَِّلَيلولون إامَجَخك ْاحلدو َ�اآنٌستفا َايخ َنْلعرر َلل«ُْيهَوجب ِهاَل«ولْمَىحذل َوََّتمكلََّ َْىرانل‬
‫ُه ْم َي ْح َز ُنو َن»‪ ،‬وهو م�ضمار ال�سباق والمناف�سة �إلى أ�ن تبلغ مقامك «فـِي‬
‫َم ْق َع ِد ِ�ص ْد ٍق ِعن َد َم ِلي ٍك ُّم ْق َت ِد ٍر»‪ ،‬بل إ�لى ما لا نهاية للكمالات « َل ُهم َّما‬

‫َي�َشا ُءو َن ِفي َها َو َل َد ْي َنا َم ِزي ٌد»‪.‬‬

‫‪[email protected]‬‬

‫تأ ّملات‬ ‫ربيع الثاني ‪ 1438‬هـ ‪ -‬يناير ‪2017‬م‬ ‫‪2‬‬

‫ا إلح�سان‪ ..‬غاية الدين‬

‫ال َّل َه َو َر ُسو َل ُه َل َي ِل ْت ُكم ِّم ْن َأ ْع َما ِل ُك ْم‬ ‫وهــنــا نـضـع ســــؤالا واحـــــدا لـأمـة‬ ‫لا شــــك أ ّن كــــل مــســلــم يـعـرف‬
‫َش ْي ًئا إ َّن ال َّل َه َغ ُفو ٌر َّر ِحـيـ ٌم» ليقرر‬ ‫ذلـك الـحـوار الـــوارد فـي روايــة عن‬
‫بثبات كامل وقول قاطع أن الدين‬ ‫وللفرد ولأنفسنا نرى أهمية طرحه‬ ‫سيدنا‪ ‬عمر بن الخطاب رضي الله‬
‫مـقـامـات‪ ،‬وأن لـكـل مـقـام أحـكـام‬ ‫عنه قـال‪« :‬بينما نحن جلوس عند‬
‫فخطاب الإسلام خطاب‬ ‫وعلامات وأهل‪ ،‬وأن التفاضل في‬ ‫فــي وقـتـنـا الـــراهـــن أكــثــر مــن أي‬ ‫رسول الله صلى الله عليه وسلم‬
‫جوارح‪ ..‬وخطاب الإيمان‬ ‫الـمـقـامـات أمــر واقــع والـفـرد عند‬ ‫ذات يوم‪ ،‬إذ طلع علينا رجل شديد‬
‫خطاب قلوب‪ ..‬وخطاب‬ ‫الله بقدر مقامه لا بظاهر تدينه‪.‬‬ ‫وقت مضى‪ ،‬ما مدى التفاتنا إلى‬ ‫بياض الثياب‪ ،‬شديد سواد الشعر‪،‬‬
‫جــاء أمـيـن الـوحـي بـصـورة حس ّية‬ ‫لا يرى عليه أثر السفر‪ ،‬ولا يعرفه‬
‫الإحسان خطاب روح‬ ‫لــيــراجــع مـــع أمــيــن الأمـــــة أمــــورا‬ ‫كلية هذا الحديث والأخـذ بدلالاته‪.‬‬ ‫مـنـا أحـــد‪ ،‬حـتـى جـلـس إلــى النبي‬
‫مـعـروفـة عـنـد صـحـابـة رســول الله‬ ‫صـلـى الـلـه عليه وسـلـم‪ ،‬فأسند‬
‫من حيت أنه حقيقة اعتقاد تتعلق‬ ‫ولـكـنـه هــذه الـمـرة جــاء ليبث في‬ ‫إ ّن الالــتــفــات الـــواعـــي إلـــى تلك‬ ‫ركبتيه إلى ركبتيه‪ ،‬ووضع كفيه على‬
‫بعدم القدرة على إنكار وجود الله‪،‬‬ ‫معانيها نورا كليا ودلالات مختلفة‬ ‫فخذيه‪ ،‬وقال‪ :‬يا محمد أخبرني عن‬
‫ومـــا بـقـى إلا دعــــوة الـبـشـر إلـى‬ ‫فهو عليه السلام لم يسأل فيما‬ ‫الإشـــــــارة يـهـديـنـا إلــــى الـمـعـنـى‬ ‫الإســام فقال رسـول الله صلى‬
‫تـحـقـيـق الإحــســان بـربـوبـيـة كاملة‬ ‫كان يسأل إلا عن هذه المقامات‪:‬‬ ‫الله عليه وسلم‪ :‬الإسلام أن تشهد‬
‫تنفي خبث الندية وآلامها وتفني‬ ‫مــا الاســــــــام؟ مــا الايـــــمـــــان؟ مـا‬ ‫العميق الــذي حـرص عليه الصلاة‬ ‫أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول‬
‫وهـم الأنـا الخلقية بثبوت حقيقة‬ ‫الإحــــســــان؟ ولــــم يــأتــي الـخـطـاب‬ ‫الله‪ ،‬وتقيم الصلاة‪ ،‬وتؤتي الزكاة‪،‬‬
‫الأنا الحقية وتلك هي الدعوة الحقة‬ ‫الـنـبـوي إلا ليوضح أن لكل مقام‬ ‫والـسـام على إيـصـالـه إلـى ذوق‬ ‫وتـصـوم رمـضـان‪ ،‬وتـحـج البيت إن‬
‫لـلـرسـل الأنـبـيـاء وورثـتـهـم لجميع‬ ‫خـطـاب وعـامـة فخطاب الإســام‬ ‫استطعت إليه سبيلا‪ ،‬قال‪ :‬صدقت‪،‬‬
‫العالمين إلى تحقيق العبودية لله‪.‬‬ ‫خــطــاب جـــــوارح وخــطــاب الإيــمــان‬ ‫الفرد المسلم بأ ّنه أتاكم ليعلمكم‬ ‫قـال‪ :‬فعجبنا له يسأله ويصدقه‪.‬‬
‫ولأن الإحسان تجربة فردية روحية‬ ‫خـطـاب قـلـوب وخــطــاب الإحـسـان‬ ‫قال فأخبرني عن الإيمان‪ .‬قال‪ :‬أن‬
‫ذوقـيـة لا تقبل التقليد ولا الأخـذ‬ ‫خطاب روح كلية واحـدة‪ ،‬وليقرر أ ّن‬ ‫بــأن الــديــن حـقـيـقـة كــبــرى واحــدة‬ ‫تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله‬
‫عـن وعـن كانت الرسالة المحمدية‬ ‫مـن بلغ الإحـسـان طـواهـا جميعها‬ ‫واليوم الآخـر‪ ،‬وتؤمن بالقدر خيره‬
‫التي هي رسالة الكمال تحمل في‬ ‫واستخرج جواهرها وارتقى معارجها‬ ‫يتجلى كمالها وجمالها بهذا النور‬ ‫وشره‪ .‬قال‪ :‬صدقت‪ .‬قال فأخبرني‬
‫مضمونها ورشـــة عـمـل إحسانية‬ ‫وليقرر أ ّن الأمـر من بـاب الضرورة‬ ‫عـن الإحـسـان‪ .‬قــال‪ :‬أن تعبد الله‬
‫متكاملة الأركـــان مـحـددة الوسائل‬ ‫والـواجـب‪ ‬مـتـاح ومـبـاح وحـتـى ولو‬ ‫الكلي المتصل وبإشاراته الروحية‬ ‫كأ ّنك تـراه فـإن لم تكن تـراه فإ ّنه‬
‫والمنهج والغاية لتترك للفرد خوض‬ ‫كان ُمتعل َق ُه بشهود العابد للمعبود‬ ‫يـراك‪ ،‬قـال‪ :‬فأخبرني عن الساعة‪.‬‬
‫تجربته بإرادته؛ فردا خالص العبودية‬ ‫شـــهـــودا قـلـبـيـا فـــي عــبــادتــه عن‬ ‫المتتالية كوحدة هدي واحدة أقصى‬ ‫قال‪ :‬ما المسؤول عنها بأعلم من‬
‫لله‪ ،‬حملت في طياتها قيما عليا‬ ‫قوله في الإحـسـان (أن تعبد الله‬ ‫السائل‪ ،‬قال فأخبرني عن أماراتها‪.‬‬
‫ومثلا قدسية وأسرارا تلبس صورة‬ ‫كـأنـك تــراه) «وقــد تـقـرر ذلـك على‬ ‫غاياتها بلوغ الفرد مقام الإحسان‬ ‫قـال‪ :‬أن تلد الأمـة ربتها‪ ،‬وأن ترى‬
‫الخلافة تحقيقا وتمنح من ارتقى‬ ‫لسان الأمينين علامة من علامات‬ ‫الـحـفـاة الــعــراة الـعـالـة رعـــاء الـشـاة‬
‫الـمـقـام مـنـح الـكـمـال مـنـحـة منحة‬ ‫هـــذا الـمـقـام بــا شــك ولا ريــب‪.‬‬ ‫مقام الرشد الكامل وصورة الخلافة‬ ‫يـتـطـاولـون فـي الـبـنـيـان‪ .‬قــال‪ :‬ثم‬
‫وخلعة خلعة لم يكن ليدركها لو تقطع‬ ‫لقد جاءت إشـارات المعصوم عليه‬ ‫انطلق‪ ،‬فلبث مليا (أي قليلا) ثم‬
‫في طلبها‪ ،‬وأفنى العمر في فهم‬ ‫الـصـاة والــسـام لـتـحـدد عـامـات‬ ‫الاحـسـانـيـة الــراشــدة الـتـي تتجلى‬ ‫قال لي‪ :‬يا عمر أتدري من السائل؟‬
‫معناها ناهيك عن إدراكها‪ ..‬وذلك‬ ‫ثابتة لمكونات الدين الثلاثة الإسلام‬ ‫قـلـت‪ :‬الـلـه ورســولــه أعـلـم‪ ،‬قـال‪:‬‬
‫أ ّن مقام الإحـسـان مقام الشهود‬ ‫والإيـمـان والإحـسـان ومـن تقررت‬ ‫َحجا ِقعي ٌقلت ِهفايفا ْ َيل ْرقِوضل َهخ ِليع َزف ًةو»ج يلس«تِإ ِّنطريد‬ ‫فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم»‬
‫الـكـامـل بــا كـيـف ولا أيـــن بـمـا لا‬ ‫العلامات تحقيقا تقرر لـه المقام‬ ‫الأمين جبريل عليه السلام ويسأل‬ ‫قيل فـي هـذا الحديث إ ّنــه حديث‬
‫يخطر على بال أو يتصور بخيال «ما‬ ‫ومــن عـبـد الـلـه كـأنـه يـــراه بشهود‬ ‫جبريل وهو حديث عظيم الدلالة إذ‬
‫لا أذن سمعت ولا عين رأت ولا‬ ‫قلبي بقوله «كـأنـك تـــراه» تحقق‬ ‫ويقرر والأمين محمد صلوات الله‬ ‫أنه لم يكن مجرد حوار خبري دار بين‬
‫خطر على قلب بشر»‪ ..‬إ ّنـه مقام‬ ‫له مقام الإحسان وحاز كل ّية الدين‬ ‫الأمينين أمين الأمة صلى الله عليه‬
‫العتق الـكـامـل والـحـريـة المطلقة‪.‬‬ ‫وكماله‪ ،‬وكـان‪ ‬قـرآن كما ٍل يمشي‬ ‫عليه وسلم يفصل العبارة‪ ،‬ويضع‬ ‫وسلم وأمين الوحي عليه السلام‬
‫إن التفت الفرد المسلم إلى هذا‬ ‫على الأرض بأنوار الخلافة الكاملة ‪.‬‬ ‫بــل إنــه خــطــاب هــدى كـلـي ونــور‬
‫الـــــدلالات الـعـمـيـقـه ابــتــداء بفهم‬ ‫إ ّن مـقـام الإســــام مـقـام حاصل‬ ‫الإشـــارة ثـم يدعونا لفهم الـدرس‬ ‫متصل لا يقبل التجزئة غايته قول‬
‫الـسـؤال عـن إشـــارات هـذا المقام‬ ‫بالضرورة والسنة الكونية والإيمان‬ ‫المعصوم عليه الصلاة والسلام‪:‬‬
‫حاصل لـدى الـفـرد بـالـضـرورة أيضا‬ ‫الكلي لا من قشر العبارة بل من‬ ‫«إ ّنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم»‪.‬‬

‫لب الإشارة‪ ،‬إلى أنوار كل مقام وما‬

‫هي علامته وما الخطاب فيه ومن‬

‫يخاطب وأيـن ظاهره وأيـن باطنه؟‬

‫ومــا الـــذي يـعـول عـلـيـه بـالـضـرورة‬

‫لـكـي يـهـتـدي الــفــرد إلـــى معرفة‬

‫ومراقبة حاله ومقامه وباطنه قبل‬

‫ظاهره في حتمية السير إلى الله‬

‫والرجوع اليه بـالإرادة دون ادعاء أو‬

‫تزييف أو تظاهر ليكون بذلك هو‬
‫الحاكم على حقيقته «ا ْقــ َر ْأ ِك َتا َب َك‬
‫َك َف ٰى ِب َن ْف ِس َك ا ْل َي ْو َم َع َل ْي َك َح ِسي ًبا»‬
‫إن الالـتـفـات إلــى جـوهـر الحديث‬

‫بكليته يكشف الـمـغـزى والارتـبـاط‬

‫الذي جاء في تكامل بديع من ذلك‬

‫التقرير والخطاب القرآني الفاضح‬

‫لــزيــف الادعـــــاء عــن جـهـل الـمـقـام‬

‫وأحكامه وهو يخاطب أولئك القوم‬
‫ُت ْؤ ِم ُنوا‬ ‫َو« َٰلَ ِقكا َلن ِت ُاقْ َولُلْع َوراا ُ َأب ْآ َس َملَّنْام َن ُاقلَو ََّلل َّْمما‬
‫َي ْد ُخ ِل‬
‫ا ْ ِلي َما ُن ِفي ُق ُلو ِب ُكم َو ِإن ُت ِطي ُعوا‬

‫ربيع الثاني ‪ 1438‬هـ ‪ -‬يناير ‪2017‬م ‪3‬‬ ‫تأ ّملات‬

‫جميل الجيلي‬ ‫فما قررت الوسائل في الدين إلا‬ ‫الهدى النبوي يحمل وحـدة واحـدة‬ ‫وعـامـة ارتـبـاط الـعـبـادة بافتراض‬
‫لتتوجه بالفرد المسلم نحو الهدف‬ ‫لـحـقـيـقـة واحـــــدة لـهـا أول وطــرف‬ ‫الشهود (كأنك تراه) ماذا تعني وإلى‬
‫والمقاصد‪ ،‬وتـفـرق بين الوسيلة‬ ‫الإحـسـانـي معرفة وتحقيقا بسر‬ ‫وبــدايــة ونـهـايـة‪ ،‬هــي بـحـد ذاتـهـا‬ ‫أين تقود وما هي الزيادة الحاصلة‬
‫والغاية‪ ‬بأ ّنها هـي مـدرسـة النبوة‬ ‫هـذه الـوحـدة فـي الخطاب النبوي‬ ‫بداية إلـى الـا منتهى ومـن عرف‬ ‫عن رتبتي الإسـام والإيـمـان في‬
‫الـتـي جـاء صلى الـلـه عليه وسلم‬ ‫ليشمل الوسائل والهدف معا حتى‬ ‫من لا منتهى له فقد أدرك‪ ،‬ولهذا‬ ‫هـذا المقام بـإشـاراتـه العجيبة ثم‬
‫أنموذجا إحسانيا كاملا فري ًدا لها‪،‬‬ ‫لا يكون الدين مفر ًغا من حقيقته‬ ‫الـهـدف أيضا جمعت هـذه الوحدة‬ ‫تساءل‪ :‬هل لهذا الإحسان من أهل؟‬
‫وأســـــس مـنـهـجـهـا الـــروحـــي حسا‬ ‫الكبرى قائ ًدا إليها هاديا عليها ومن‬ ‫في الهدى النبوي لحقيقة الدين‬ ‫ومن هم أهله؟ لما ساوره شك في‬
‫ومـعـنـى‪ ،‬فـكـان الخليفة الأعـظـم‬ ‫فهم الدين على نحو غير ذلك فقد‬ ‫الكبرى بين وسيلة وغاية فحملت‬ ‫حقيقة هـذا المقام ومـا أشـار إليه‬
‫سيد العالمين ونور الدنيا والآخرة‬ ‫أفرغ الدين من جوهره وض ّل وأض ّل‪.‬‬ ‫إشــــارات الإســام إلـيـنـا الـوسـائـل‬ ‫المعصوم صلى الله عليه وسلم‪.‬‬
‫حفظ الله نورها المحمدي المرسل‬ ‫من هذه المنطلقات والفهم الروحي‬ ‫الحسية وحملت إشـــارات الإيمان‬ ‫ثم إ ّنـه إن تساءلنا على هذا النحو‬
‫قديما في رسل الله قبل ظهوره‬ ‫لهذه الإشـــارات تتحقق البشارات‬ ‫الوسائل الذوقية وجـاءت إشـارات‬ ‫لقادتنا تساؤلاتنا إلى حقيقة الهدى‬
‫حسا‪ ،‬ووراثــة نبوية محمدية في‬ ‫التي تخرج العقل من الظلام إلى‬ ‫مقام الإحسان في معناه بالغاية‬ ‫وأهـــل الـهـدى والــنــور وإلـــى فهم‬
‫ورثـة محققين مـن بعده مـن أهل‬ ‫النور ومن الشك إلى اليقين وما‬ ‫والهدف «أن تعبد الله كأنك تراه»‬ ‫تتالي هذه الإشارات واختطت نسق‬
‫الإحسان بالشهود‪ ،‬وبالإذن النبوي‬ ‫بين الخلق والخالق إلا اليقين الكامل‬ ‫وصـــــولا إلــــى الــخــافــة الـــراشـــدة‬ ‫هـدايـة يـهـدي فـي نهايته الطالب‬
‫ي ًدا بيد وببصيرة كاملة‪ ..‬والله يقول‬ ‫المطلوب تحقيقا؛ وليس اليقين‬ ‫الكاملة فـي الـفـرد والأ ّمــة‪ ،‬وأيـن‬ ‫الــصــادق إلــى هــذا الـمـقـام مقام‬
‫إلا من ثمرات الإحسان‪ ،‬كونه مقام‬ ‫الـغـايـة مــن الـوسـيـلـة ومـــا قيمة‬ ‫الإحــســان؛ مــن حـيـث أ ّن إشــارات‬
‫الحق ويهدي إلى السبيل‪.‬‬ ‫الشهود ولا يقين إلا بثبوت أنوار‬ ‫الوسيلة اذا لـم تحقق غايتها؟! ‪.‬‬ ‫الإســــــام جـــــاءت لــتــاخــذ الـــجـــوارح‬
‫المشاهدة التي ليس بعدها خوف‬ ‫من هنا ندرك أهم ّية المعرفة في‬ ‫وتدفعها نحو التركيز في الجهد على‬
‫الـفـرق بين وسيلة الـديـن وهدفه‬ ‫محور انتماء ثابت غير متشتت‪ ،‬ثم‬
‫ولا حزن ولا زيغ ولا ضلال‪.‬‬ ‫ونـــــدرك أ ّن الاهــتــمــام بالوسيلة‬ ‫جاءت إشارات الإيمان برابط الذوق‬
‫علينا أن نقول أ ّن الـقـراءة الروحية‬ ‫وتحسين أدائها في غياب الهدف‬ ‫لربط عمل الجوارح بالقلب لتحويل‬
‫الكلية لإشـارات المصطفى صلى‬ ‫والـغـايـة وفـي عـدم تركيزها على‬ ‫ذلـك الانتماء إلـى معتقد إيماني‬
‫الله عليه وسلم تثبت بـدون جدل‬ ‫هدف يحرك مؤديها نحوه فلا ثمرة‬ ‫غيبي والتعلق به لياخذنا إلى عالم‬
‫أ ّن مدرسة الإحسان لا يدور حولها‬ ‫مـنـهـا ولا تـحـسـيـن فــي جـوهـرهـا‬ ‫ملكوتي يخاطب الأرواح لا الأشباح‬
‫أي شك‪ ‬عند عقول تفهم الغايات‬ ‫لـ ُيـعـدنـا الإعــــــداد الــكــامــل لتلقي‬
‫الخطاب الإحساني وإشاراته وتنقلنا‬
‫إلـى الحقيقة الإحسانية الحاضرة‬
‫وجودا يجمع بين الغيب والشهادة‬
‫والقرب والرضوان وما بعدها غاية‪.‬‬
‫إ ّن الفرد الملتفت بوجدانه إلى هذه‬
‫الإشارات حت ًما سوف يدرك بذوقه‬
‫أ ّن الإشكال أمـام العقل لن يكون‬
‫فـي تلقي إشــارات الإســـام ولا‬
‫حتى إشـارات الإيمان بقدر ظهوره‬
‫لحظة تلقي إشارات الإحسان كونها‬
‫إشارات إلى ما وراء العقل وطاقته‬
‫ووظـيـفـتـه وأمـــــام هـــذا الإشــكــال‬
‫الحتمي سوف يجزم بتراجع العقل‬
‫كـلـيـة عــن ادراكـــهـــا أو ســيــدرك أن‬
‫العقل لابد وأن يذهب في افتراض‬
‫مـعـان لا تـمـت لـإحـسـان مطلقا‬
‫لمجرد الـخـروج مـن الـمـأزق وتـجـاوز‬
‫هـذا المفترق وهـذا عين الضلال‪.‬‬
‫مـن هنا فــإ ّن حقيقة التطلع إلى‬
‫هــــذا الــمــقــام بــهــذه الــتــســاؤلات‬
‫والإشكالات تبرز الحاجة إلى البحث‬
‫عــن أهــل هــذا الـمـقـام دون إنـكـار‬
‫أو إرجـــاف ولـهـذا الـهـدف جــاء هذا‬

‫تأ ّملات‬ ‫ربيع الثاني ‪ 1438‬هـ ‪ -‬يناير ‪2017‬م‬ ‫‪4‬‬

‫م�شاهد‬

‫رسالة‬

‫أيها السائرون إلى الله‪ ،‬العابرون حدود المادة نحو فضاءات الروح‪ ،‬لا تزالون تجدون‬

‫ريح الج َّنة في سماوات القرب‪ ،‬وعلامتها برد الأكباد وانفساح القلوب‪ ،‬وقرابين‬

‫أبو الحسن الهنائي‬ ‫الطاعة قرب‪ ،‬والقرب جنة عرضها السموات والأرض‪ ،‬أعلاها للمتجردين‪ ،‬غراسها‬

‫يا ليل‬ ‫كمال التسليم والانقياد‪ ،‬وسقيها الاستغراق في الافتقار‪ ،‬وما تجرد على الحقيقة‬

‫للحالكات سكو ٌن ُق َّد من ُق ُبل‬ ‫إلا من اعتزل قلبه الدنيا في مقام الحضرات‪ ،‬حتى تصبح الدنيا عنده كلها حضرة‬
‫في ثوبه أثر من قلب كل ولي‬
‫واحدة متصلة‪ ،‬أولئك الواصلين وأولئك المقربين‪.‬‬
‫والشاهدون سكو ٌن عن شهادتهم‬
‫في مشهد عجب يهواه ك ُّل ع ِل‬ ‫أ ُّيـهـا الـحـيـارى الـتـائـهـون بين مضائق الـمـحـسـوسـات‪ ،‬خــواء الـبـاطـن بـعـد‪ ،‬والبعد‬
‫ما بات عاشقهم إلا وخمر ُته‬
‫ِصر ٌف معتق ٌة من كرمة الزجل‬ ‫حجب وعـــذاب‪ ،‬ألـم تسمعوا «كـا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون» ؟‪ ،‬أليس‬

‫يغيب عنها بها في خشية ورجا‪ ‬‬ ‫لكم في ذلـك نذير؟ أمـا علمتم أ ّنـه لا يحجب في الآخـرة إلا من حجب في الدنيا‬
‫كيما تسح عليه من يد ال ّن َفل‬
‫وأن للحجب علامات وأن من علاماته حب الدنيا وقسوة القلب وضيق الصدر؟‬
‫يعاق ُر اللي ُل فينا رو َح خمرته‬ ‫ا ْلو َحم ِّتقىَو َاللا َيع ُتكباو ُرن؟وا« ََأكَلا َّ ْل ِمذيَي َْأن ِن ُأ ِلو َُّلتـِذويا َنا ْلآِكَ َمت ُان َوبا‬
‫فيسكر الفج ُر حتى رشف َة الوجل‬ ‫التيه‬ ‫« َن ُسوا ال َّل َه َف َن ِس َي ُه ْم»‪  ،‬فإلى متى‬
‫ِم َن‬ ‫َأ ْن َت ْخ َش َع ُق ُلو ُب ُه ْم ِل ِذ ْك ِر ال َّل ِه َو َما َن َز َل‬
‫يطوي رفارفه ُيلقي نمارقه‬ ‫ِمـ ْن َق ْب ُل َفـ َطـا َل َع َل ْي ِه ُم ا ْ َل َمـــ ُد َف َق َس ْت ُق ُلو ُب ُه ْم * َو َك ِثي ٌر ِم ْن ُه ْم َفا ِس ُقو َن»‪.‬‬
‫يسري بمحرابه سريا على مهل‬ ‫أيها الباحثون عن الطريق‪ ،‬ذك ُر الله حجر الصوى‪ ،‬وقليل دائم ُمتصل موصل منه خير‬

‫يسامر الأر َض منه حر ُف جبهته‪ ‬‬ ‫من كثير منقطع‪ ،‬وما يزال للذاكرين نور من الله يسعى بين أيديهم وبأيمانهم‪ ،‬تخالط‬
‫والرو ُح تسجد ملء العرش في خجل‬
‫أصواتهم أصوات المسبحين‪ ،‬ذكروا الله فذكرهم الله‪ ،‬وأحبهم فأحبوه‪ ،‬فدلهم بنوره‬
‫من ذا يبوح كص ّب وال ٍه َع َلن ًا‬
‫إلا مقالة مجبو ٍل على العجل‬ ‫عليه‪ ،‬حتى أبان لهم الطريق‪ ،‬فلحقوا بالركب‪ ،‬فيا فوز الذاكرين‪.‬‬

‫يا ليل خذني أبا ذ ّر بوحدته‬ ‫بصيرة‬
‫و ُر ّدني عمرا يبكي بلا خطل‬
‫الأوراد إنما جعلت لطي المسافات إلى الله ولأجل شهود الحضرات الشريفة والتخلق‬
‫بآدابها ليصل المريد للفناء‪ ،‬فناؤه ‪ -‬عن صفاته الذميمة ‪ -‬في صفات الكمال الإلهي‪،‬‬
‫وليشهد بها الملك والملكوت بانفتاح عين البصيرة حتى يغسل قلبه بماء اليقين كما‬
‫أيقن إبراهيم عليه السلام لما كشف له عن الملكوت‪ ،‬ولكن المريدين المدعين طلبوا‬
‫بها الأسرار لذاتها‪ ،‬وهذا عدول ب ّين عن الطريق‪ ،‬فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا‬
‫إذا هم يسخطون ويملون ويضجرون ويتركون‪ ،‬فهم أهل دعوى لا بينة لها‪ ،‬ولا فرق‬

‫بينهم وبين العوام‪.‬‬

‫نقطــة‬

‫«العلم نقطة كثرها الجاهلون»عبارة مروية عن الإمام علي ك َّرم الله وجهه‪ ،‬وباختصار يمكن أن يتوصل لمعناها من خلال فهم‬
‫قولهم (التوحيد إسقاط الإضافات)‪ ،‬أي أ ّن التوحيد الخالص عند الواصلين لا يحتاج لكثرة‪ ‬الموجودات لمعرفة واجب الوجود‪،‬‬
‫فالكل فناء محض والله ج َّل جلاله وجود محض‪ ،‬وإن شئت فقل النقطة هي الحد الفاصل بين الرب والمربوبات‪ ،‬فعندها تجتمع‬
‫المعرفة‪ ،‬وتتضح الحدود‪ ،‬ومنها تفرع كل شيء‪ .‬والذي يترقى أو ينتقل من الفرق إلى الجمع إنما ينتقل من المضافات إلى‬

‫حضرة النقطة‪ ،‬وهو الأقرب للعلم الحقيقي‪.‬‬

‫ربيع الثاني ‪ 1438‬هـ ‪ -‬يناير ‪2017‬م ‪5‬‬ ‫تأ ّملات‬

‫مقاطع مختارة من «�شرح �شرح العبيرية»‬

‫سماء عيسى‬ ‫المنفى‪ ،‬أبصرت ملكا يبتسم قائلا‪:‬‬ ‫يكون حديثي بالقلب أولا وبالعين‬ ‫لك الحمد جز لي بالذي أنا قائل‬
‫أرأيت‪ ‬كيف أكرمك الله وأحبك؟ قلت‬ ‫ثانيا‪ ،‬ثم أصمت كشجرة أمام‬ ‫شهيد على نفسي وأنت مجيرها‬
‫عمرك‪ ،‬تنظر إلى هذا الثمر ولا تأكل‬ ‫كيف؟ قال‪ :‬تلك المرأة كانت إبليس‪،‬‬
‫منه‪ ،‬متى أكلت ثمرة منه سقطت‬ ‫والأسد كان آخر أنبياء الله؟ قلت من‪،‬‬ ‫الحطاب‪ .‬مثلما منحت يا إلهي الطير‬ ‫مثلما تنفض الشجرة يباس الأوراق‬
‫ميتا‪ ..‬فبقي جائ ًعا جائ ًعا جائعا‪ ،‬أكل‬ ‫جمال التغريد في المساء‪ ،‬عندما‬ ‫في الخريف‬
‫ثمرة من البستان بعد جوع طويل‬ ‫قال‪ :‬محمد‪.‬‬ ‫تعود الحياة إلى هجعتها الأولى‪،‬‬
‫ومات‪.‬‬ ‫وجمال التغريد في الفجر‪ ،‬عندما‬ ‫لتتجدد الحياة تجدد الطفولة‪.‬‬
‫لا اعتقد أنني رأيت أصدق منك يا‬ ‫رجال شروا لله عقد ضميرهم‬ ‫من ينفض خطاياي وأوزاري‬
‫أنس بن معاذ‪ ،‬كان أنس كلما أصبح‬ ‫ولم يختلبهم للحياة غرورها‬ ‫تنطلق القوافل مع شروق الشمس‬
‫عليه الصبح‪ ،‬ظن أنه لن يمسي‪،‬‬ ‫وضحاها‪ .‬امنحني يا إلهي الصمت‪،‬‬ ‫ويعيدني إليه جسدا‪ ‬‬
‫رجوه فأعطوه الصفاوة والرضا‬ ‫لأنني صامت في محياي وصلاتي‪،‬‬ ‫من التراب والبكاء والدم!‬
‫وعندما يحل عليه المساء‪ ،‬ظن أنه لن‬ ‫ولم يخف من نفس عليه ضميرها‬
‫يصبح‪ ،‬كان لا يخطو خطوة واحدة‪،‬‬ ‫صامت في محبتي وموتي‪.‬‬ ‫ظمئا إلى الحب‬
‫حتى يظن أنها الأخيرة‪ ،‬ولن يخطو‬ ‫فقال هلموا يا أحباي أنتم‬ ‫ابعدني يا الهي عن النور‪ ،‬حتى لا‬ ‫إلى الشوق‬
‫بعدها خطوة أخرى‪.‬‬ ‫من الخلق عندي قلبها وصرورها‬ ‫أرى إلا جمالك‪ ،‬ولا أبصر إلا وهج‬ ‫في ألا أراه‪ ‬‬
‫مرآة الموت كانت أمام عينيه‬
‫سحابة تمتلئ ماء عذبا‬ ‫عندما التقت عابدة بابنها‪ ،‬وكانت‬ ‫ضيائك‪ ،‬دعني في الظلمة التي‬ ‫ولا أفقد محبتي إليه‬
‫كانت ظله في النهار‬ ‫خائفة ألا يلتقيا يوم القيامة‪ ،‬قالت‪:‬‬ ‫منها تشرق وتنبع الحياة‪ ،‬تبحث عني‬ ‫لأنه أحبني واصطفاني‬
‫وخيمته في الليل‬
‫نظرت إليك‪ ،‬وكنت اعتقد أنك‪،‬‬ ‫أتحب الموت يا بني؟ قال‪ :‬نعم‪.‬‬ ‫وحوش الأرض ولا تراني‪ ،‬يبتسم‬ ‫المجهول أمامي‬
‫بعد ألف‪ ‬وأربعمائة عام من لقيانا‬ ‫قالت‪ :‬ولم؟ قال‪ :‬لأصير إلى من هو‬ ‫لي الملاك حين يراني‪ ،‬ويأخذني‬ ‫النير‬
‫نسيتني‪ ،‬وأنك لن تعرف غريبا‬ ‫خير منك؟ قالت‪ :‬ولكن أهناك خير من‬ ‫إلى رحابك الظامئة إليها المخلوقات‪،‬‬
‫مثلي‪ ،‬لكنك ابتسمت وأشرت لي‬ ‫أمك يا ضيغم؟ قال‪ :‬من غذاني في‬ ‫من فتح أمامي ديامس الرؤئ‬
‫أحشائك‪ ،‬وأخرجني من مضيق‪ ،‬ولم‬ ‫السابحة في رحابها الكائنات‪،‬‬ ‫وتركني صامتا في الذهول‬
‫بالجلوس قربك‪ ،‬فجلست وحدثتني‬ ‫أمت ولم تموتي‪ .‬بكيا معا حتى مات‬ ‫المنتشرة في أرجائها النجوم‬
‫كيف افترقنا ذات مساء‪ ،‬ولم يكن‬ ‫فإني لم أطلب سواك مسامرا‬
‫الولد في‪ ‬حضنها‪ ،‬شهقت بعده‬ ‫والأفلاك والأقمار‪.‬‬ ‫وأنت لها من كل حب سميرها‬
‫بيني وبينك غير نهر من الدم‪ ،‬قلت‬ ‫وسقطت ميتة عليه‪.‬‬ ‫وعندما في الصحراء وفي الأودية‬
‫لك لا تعبر يا أنس‪ ،‬ابق معي‪ ،‬أو‬ ‫وفي الجبال‪ ،‬يشرق نورك‪ ،‬تشرق‬ ‫ليلا عندما تهجع البشرية‪ ،‬في رحيلها‬
‫هلم نعود الأدراج إلى قرانا‪ ،‬لكنك‬ ‫والذين عرفوا الموت‪ ‬ووصفوه في‬ ‫الأرض عن مياه قدسية ارتوي منها‪،‬‬ ‫المعتم إلى الظلام الدامس‪ ،‬أبقى‬
‫ابتسمت وعبرت‪ ،‬وبقيت أنا في‬ ‫قلوبهم وعقولهم‪ ،‬لا بد أنهم أكثر‬ ‫ترتوي الكائنات‪ ،‬تهجع الطفولة في‬
‫الناس زهدا وتواضعا وترفرفا في‬ ‫وحيدا باحثا عنك‪ ،‬أطلب عونك‪،‬‬
‫خوفي وهلعي‪ ،‬عشت خمسين عاما‬ ‫الحياة‪ ،‬لأنهم‪ ‬اغتسلوا بماء الجنة‬ ‫الأكواخ البعيدة شبعا وأمنا ‪.‬‬ ‫لأنك الساهر الأمين الناظر البصير‪،‬‬
‫بعد مماتك‪ ،‬وكنت خجلا من لقياك‬ ‫وعادوا‪ ،‬هم أكثر الناس زهدا ومحبة‬ ‫الواهب العطاء‪ ،‬كل حياة تدب في‬
‫قلوب جلاها الخوف والشوق والرجا‬
‫مرة أخرى‪ ،‬لكنك حتى عندما لقيتني‪،‬‬ ‫وصدقا‪ .‬عدوا أنفسهم من الموتى‬ ‫فأشرق في سبع السموات نورها‬ ‫الأرض والسماء‪.‬‬
‫بعد ألف عام وأكثر‪ ،‬حضنتني‬ ‫وهم أحياء‪ ،‬دخلوا المقابر وتركوا‬ ‫لكنني وجدت طائرا في شجرة‪،‬‬
‫القصور‪ ،‬اقتربوا واقترنوا بكل ما‬ ‫القلب مشكاة لكنه لا يفنى إلا بك‪،‬‬ ‫وحيدا في الليل مثلي‪ ،‬فآنست‬
‫وبكيت‪ ،‬بكينا معا وثانية افترقنا‬ ‫لأنك النور لأنك البهاء لأنك الزرقة‬ ‫إليه‪ ،‬مثلما أنس التائه إلى نار في‬
‫أبديا‪ ..‬افترقنا‬ ‫يخلد ويبقى‪ ،‬وتخلوا عن كل ما تأكله‬ ‫المتوارية نار البحر الطافحة بالغياب‪.‬‬ ‫الصحراء‪ ،‬ولم أكن إلا متأملا لجمال‬
‫النار‪ ‬وتفنى‪.‬‬ ‫خلقك‪ ،‬ولهدوء العالم الساكن في‬
‫‪-----------------‬‬ ‫متى أضاء المصباح واندلق من‬
‫من رأى قبره في المنام وبكى‪،‬‬ ‫الكوكب ماء الرهبة والمحبة‪ ،‬انتشر‬ ‫روح طائر الليل الحزين‪.‬‬
‫* العبيرية‪ :‬من عيون الشعر الروحي‬ ‫ثم نهض سائرا إليه‪ ،‬يبحث عنه‪،‬‬ ‫فلم أحطتني بعذابك‬
‫فوجد بابا تقف أمامه امرأة ابتسمت‬ ‫ضياء العلم في الأكوان‪ ،‬غزت‬ ‫ولم هجرتني بعقابك‬
‫ال ُعماني كتبها العلامة محمد بن إبراهيم‬ ‫عندما رأته وقالت‪ :‬اتبعني‪ ،‬فتبعها‬ ‫الأرض أجيال من الطيور المهاجرة‬ ‫ولم خلقت في طريقي حقول‬
‫الكندي مؤلف موسوعة بيان الشرع‪ ،‬الجامع‬ ‫حتى دلفت إلى بستان من الرمان‬
‫والعنب والزيتون‪ .‬قالت‪ :‬أتبحث عن‬ ‫من أطراف الصقيع‪.‬‬ ‫الجفاف‬
‫من علوم الإسلام الأصل والفرع‪ .‬قام‬ ‫هذا؟ قال كلا أبحث عن قبري! قالت‬ ‫في تلك الليلة كان المطر يشتد‪،‬‬ ‫وتركت دمعي مدرارا يشربه التراب!‬
‫لكنها الأرض التي س ُتدفن بها! ابق‬ ‫العواصف والرياح تهب قوية تقتلع‬
‫بشرحها العلامة محمد بن يوسف أطفيش‪.‬‬ ‫هنا ورحلت عنه‪ .‬تبعها‪ ،‬لكنها أغلقت‬ ‫الأشجار والمنازل‪ ،‬حسبت أنها نهاية‬ ‫أذابوا لها أكبادهم وقلوبهم‬
‫باب البستان عليه‪ ،‬وهناك اقترب‬ ‫الأرض المنتظرة‪ ،‬هرعت أبحث عن‬ ‫معلقة فيها وفيها مصيرها‬
‫«شرح شرح العبيرية» محاولة في شرح شرح‬ ‫منه الملك قائلا‪ :‬ستبقى هنا بقية‬ ‫مأوى يقيني الرعد والبرق‪ ،‬أبصرت‬
‫خيمة بها امرأة‪ ‬طردتني‪ ،‬حتى اتيت‬ ‫لكم تمنيت ان ينعدم كلامي فلا‬
‫العلامة أطفيش للنص‪.‬‬ ‫غارا به أسد‪ ،‬رب ّت عليه فابتسم‪،‬‬ ‫أتحدث‪ ،‬ليكون لي شفاء في الحياة‬
‫بقيت بحضنه حتى الشفق‪ ،‬عندما‬
‫انبلج الفجر ورحلت نجوم السماء إلى‬ ‫وثواب في الآخرة‪ .‬لكم تمنيت أن‬

‫تأ ّملات‬ ‫ربيع الثاني ‪ 1438‬هـ ‪ -‬يناير ‪2017‬م‬ ‫‪6‬‬

‫ال َدي ُنو َنة الداخلية‬

‫غيرنا ولا نستطيع التحرك معه في‬ ‫إلـى طفولتنا الدفينة وهـذا ليس‬ ‫ُكـ ُّل فـر ٍد ِم ّنا خـر َج إلـى هـذا العال ِم‬
‫إلا إشـارة إلى الحنين إلى نور الله‬ ‫وهـو صفح ٌة بيضاء لـم يمسسها‬
‫الحياة إلا بعد أن نصنف ُه ونسمي ِه‬ ‫ســوء‪ِ .‬جئنا « َج ِمي ًعا ِمـ ْنـ ُه» وفي‬
‫ونــنــســبــ ُه لـمـخـتـلـف مـــا نـتـوهـمـه‬ ‫المكنوز في أعما ِقنا‪.‬‬ ‫مكنوننا حقيقة الدين الواحد‪ .‬الدين‬
‫مـن الانـتـسـابـات والانـتـمـاءات غير‬ ‫الـذي أ َّصـ َلـ ُه الـلـ ُه فينا وجـعـ َل حركة‬
‫حسام الجابري‬ ‫والسنوا ِت‬ ‫تـمبـعد ُأمرو ِرصالفلحاح ُتنظاا ِاتلـبـوايـلأيضـاا ِءم‬ ‫كل متحر ٍك وسكون ك ّل ساك ٍن في‬
‫الإنـسـانـيـة‪ .‬وهــذا لا ينتهي إلا‬ ‫بـالإمـتـاء‬ ‫الآفا ِق وفي أن ُف ِسنا قائمة علي ِه ولا‬
‫ِش ْر َع ًة َو ِم ْن َها ًجا» لكن دينهم جميع ًا‬ ‫وجو َد لذر ٍة إلا وهذا الدين حقيق ُتها‪.‬‬
‫َأ ْرم َسص َدلا َقرًا ُسلوقَل ُوهل ِ ِهبا ْلت ُهع َادل ٰىى‪َ:‬و ِ«د ُيه َِون‬ ‫حينما ُنن ِص ُت لذلك الصوت الداخلي‬ ‫شيئ ًا فشيئ ًا بــالألــوان والأشـكـا ِل‬
‫واحد‬ ‫الـــذي يـدعـونـا كــ ّل لـحـظـ ٍة « َفــ َأ ِقــ ْم‬ ‫لو تأ ّملنا الطبيع َة حولنا لأحسسنا‬
‫ا َّل ِذي‬ ‫َو ْج َه َك ِلل ِّدي ِن َح ِني ًفا» ومـا معنى‬ ‫التي‬ ‫والصو ِر المختلف ِة والأسما ِء‬ ‫بطاقة الـ ُحـ ّب المبثوثة فـي الحياة‬
‫ا ْل َح ِّق‪ِ  ‬ل ُي ْظ ِه َر ُه َع َلى الـ ِّديـ ِن ُك ِّل ِه»‬ ‫«الـوجـه» هنا إلا ظاهرنا المغترب‬ ‫فتبد ُأ‬ ‫تسمت بها الأشياء من حولنا‬ ‫ولأبصرنا ُقــر َب جمي ِع المخلوقا ِت‬
‫والأشــيــاء مــن بـعـضـهـا الـبـعـض‪.‬‬
‫ولـم يقل أديـان بل هو ديـن واحد‬ ‫الـتـائـ ِه الـمـشـ ّر ِد وســط الـصـراعـات‬ ‫رحلة اغترا ِبنا عن داخلنا الذي لا يرى‬
‫والسجالات بين الإنسان والإنسان‬ ‫ضـد ًا ولا نـد ًا وبديل ًا ولا عديل ًا لله‬ ‫والأطــفــال ُهــم أكـثـر الـمـخـلـوقـا ِت‬
‫كما أشـــا َر الــد ّيــان جـل وعــا‪ِ « :‬إ َّن‬ ‫والتي بدورها جعلتنا نمي ُل إلى غي ِر‬ ‫الطبيعي ِة ُقرب ًا م ّنا لأ ّن حركة الحياة‬
‫ال ِّدي َن‪ِ  ‬عن َد‪ ‬ال َّل ِه ا ْ ِل ْ َســــا ُم» وهو‬ ‫وإنما يرى أنه واح ٌد ظه َر في جميع‬ ‫غير الطبيعية لم تش ّوههم بع ُد ولو‬
‫ما ذ ّكــ َر بـ ِه جمي ُع الأنبيا ِء والرس ِل‬ ‫ما فطرنا علي ِه‪.‬‬ ‫رأينا ردات فعلنا تجاههم والبهجة‬
‫والمتنورين أقوا َمهم الذين نسوا‬ ‫ما ترا ُه عين البصر والبصيرة‪ .‬ويزدا ُد‬
‫الـتـي تغمرنا عـنـد تفاعلنا معهم‬
‫هذا الاغترا ُب كلما ازدادت انتماءا ُتنا‬
‫والـفـرح الــذي تطي ُر بـ ِه قلوبنا عند‬
‫أن حقيقتهم واحـدة ودينهم واحد‬ ‫وهــذا الـصـوت يـتـرد ُد فينا ليرشد‬ ‫وازداد ميلا ُننا إلى الخار ِج فننسى‬ ‫رؤيتهم لعرفنا أن كل هذا السلام‬
‫بـعـدهـا الانــتــمــاء الـحـقـيـقـ ّي الــذي‬
‫وانتماؤهم واح ٌد ولا ُيك ِر ُه بعضكم‬ ‫وجهنا «لـلـديـ ِن» الــذي هـو دينونة‬ ‫نات ٌج عن صفاء سريرة الأطفال التي‬
‫بعض ًا فــ «لا ِإ ْكــ َرا َه‪ِ  ‬فــي‪ ‬الــ ِّديــ ِن»‬ ‫مـخـزونـة فـي كـل الـنـاس «حنيف ًا»‬ ‫ننتمي إليه وهو الانتماء إلى الله‪.‬‬ ‫تـسـري فينا ونـحـن معهم وجـمـال‬
‫الــمــخــزون فــي كــل فــــر ٍد مـ ّنـا لأن‬
‫مائل ًا إلى الداخل الحاوي « ِف ْط َر َة ال َّل ِه‬ ‫فنختل ُق لأنفسنا انـتـمـاءا ٍت ش ّتى‬ ‫فطرتهم الذي يخترقنا‪ .‬لهذا يقول‬
‫ا َّل ِتي َف َط َر ال َّنا َس َع َل ْي َها» والتي لا‬
‫الإكـــــــراه لــيــس ســــوى ردة فـعـ ٍل‬ ‫مثل انتمائنا إلـى أسما ِئنا وآبا ِئنا‬ ‫أحـد ال ُمستنيرين‪« :‬لـكـي تحصلوا‬
‫نفسي ٍة نابع ٍة من شعور الإنسان‬ ‫عــلــى الـنـعـمـة الإلــهــيــة يــجــب أن‬
‫تتب ّد ْل مهما عرضت عليها العوارض‬ ‫وأجنا ِسنا وأشكالنا وألواننا وأفكارنا‬
‫تكونوا بسطاء عفويين كالأطفال»‪.‬‬
‫أنـ ُه منت ٍم إلـى فكر ٍة أو طريق ٍة أو‬ ‫وحدثت فيها الحوادث فهي الدين‬ ‫وقبائلنا وأدياننا‪ .‬فجعلنا من الدين‬ ‫وكما يقول ال ّنفر ّي رحمه الله في‬
‫حتى قبيل ٍة وجماع ٍة من الجماعات‬ ‫مـخـاطـبـاتـه‪« :‬يــا عـبـ ُد اذكــرنــي كما‬
‫الحقيقي كما ع ّب َر عنها المولى ج ّل‬ ‫أديـان ومـن الوطن أوطـان يتصار ُع‬ ‫يذكرني الطفل»‪ .‬لأن ُه لا يعر ُف الله‬
‫وعلا بقول ِه « َذ ِل َك ال ِّدي ُن ا ْل َق ِّي ُم» أي‬ ‫ويـتـنـاحـ ُر ويـتـقـاتـ ُل كــ ّل منتسبيها‬ ‫إلا من عـا َد إلـى طفولت ِه الصافية‬
‫وكــذلــك شــعــور ُه أن انــتــمــاء ُه هو‬ ‫الخالية من ال ُح ُجب التي تتكاثف في‬
‫بشؤو ِن ك ّل حركة‬ ‫مع الآخـر حتى يصبح الإنـسـا ُن غير‬ ‫قلوبنا فتنطمس بصائرنا ونبتعد‬
‫الانـتـمـاء الـصـواب المحصور في‬ ‫من‬ ‫وظاهرنا « َل ِك َّن‬ ‫القائم‬ ‫ال ّس ّي ُد‬ ‫بعدها عـن حقيقة «كــأ َّنــ َك تـــرا ُه ‪..‬‬
‫َأ ْك َث َر‬ ‫باطننا‬ ‫حركا ِت‬ ‫الإنــســان وتـتـعـ ّمـق مـعـانـاتـه في‬ ‫«‪ .‬ونح ُن دا ِئـمـ ًا ما ُيـرا ِو ُدنـا الحنين‬
‫ذهن ِه‪ .‬ولكن من حيث حقيقة الأمر‬ ‫الحيا ِة وتتب ّد ُل مهمته من التعمير‬
‫ال َّنا ِس َل َي ْع َل ُمو َن» ذلك فنغيب عن‬
‫فالإكراه لا مسوغ ل ُه فالدين فينا‬ ‫دينونتنا الداخلية‪.‬‬ ‫إلى التدمير‪.‬‬
‫جميع ًا مكنون وسابح بكامل ُح ِّريت ِه‬

‫في فضاءا ِتنا الداخلي ِة والذي سما ُه‬ ‫وكــثــيــر ًا مــا نـخـلـط بـيـن الـديـنـونـة‬ ‫ل« ِأإإنّْ ُننف ِ ِهسهنـذا ِ َهي«ا َلِمإتــلاقا َأ َْنأســيـْ َزسمـَـالَمـاـتال ٌـ َّءلـو»ُاهلتاِبـخ َتصهـلنايقنِفاماـ ْهنات‬
‫الداخلية وبـيـن الـشـرائـع المختلفة‬ ‫ُس ْل َطان» ولـم يكن لها وجـو ٌد في‬
‫الله «الإســـام» بحيث نستسلم‬ ‫بحسب الظروف والأمكنة والأزمنة‬
‫والشعوب فشريعة محمد ليست‬ ‫أصـ ِل فطر ِتنا ولكننا نأبى إلا وأن‬
‫لـبـعـضـنـا الـبـعـض ونـسـتـخـرج من‬ ‫كشريعة موسى « ِل ُك ٍّل َج َع ْل َنا ِمن ُك ْم‬ ‫نتعامل مع الإنسان على أساس أنه‬

‫ذواتــنــا مـا أودعــــ ُه الـلـه مـن محب ٍة‬

‫وســا ٍم لجمي ِع مـا ظهر فـي هذا‬
‫الوجود وما بطن‪.‬‬

‫ربيع الثاني ‪ 1438‬هـ ‪ -‬يناير ‪2017‬م ‪7‬‬

‫َيا ابن آدم‬
‫َخلق ُت الأشيا َء ِمن َأج ِلك‬

‫َو َخلق ُت َك ِمن َأجلي‬
‫فلا َتنش ِغل بما ُهو َلك‬

‫ع َّمن أن َت له‪..‬‬

‫تأ ّملات‬ ‫ربيع الثاني ‪ 1438‬هـ ‪ -‬يناير ‪2017‬م‬ ‫‪8‬‬

‫َم ْو َلو ٌّي في ُعمان‬

‫نا�صر بن �أبي نبهان الخرو�صي (‪1237-1147‬هـ)‬

‫خالد محمد عبده‬ ‫بالفقه‪ ،‬وكما يشير مبارك بن‬ ‫زكــريــا الـمـحـرمـي صــــورة الابــن‬ ‫و ّجه ُت نحو رسول الله نازلتي‪..‬‬
‫والأب‪ ،‬و ُيح ّفزنا على ال َّتعرف‬ ‫وقلت يا نف ُس ع ّم النصر فانتظري‬
‫مشاكل التصوف القديمة‪ ،‬وما‬ ‫عبد الله الراشدي (‪ )6‬في بحثه‬ ‫على هــؤلاء الكبار المجهولين‬
‫ُيقال عنه حدي ًثا‪ ،‬لكن أن تعقد‬ ‫عـــنـــد كـــثـــيـــريـــن مـــــن دارســــــي‬ ‫أمنية الفوز منه غير خائبة‪..‬‬
‫مقارنة بين المدرسة السلوكية‬ ‫عن فقه النوازل عند الشيخ أبي‬ ‫الإسلاميات اليوم‪ ،‬وسنقتصر‬
‫والمدرسة الصوفية مع التركيز‬ ‫في هذا المقال على التعريف‬ ‫ومطمع النجح منه غير منحسر‪.‬‬
‫عـلـى مـــدرســـة الإمــــــام جـاعـد‪،‬‬ ‫نبهان‪ ،‬رجوع الناس إليه واعتباره‬ ‫بالابن‪ ،‬كما س ُنركز على كتاب له‬ ‫أبو مسلم البهلاني (‪.)1‬‬
‫ولا ُيعطينا المحقق (‪ )7‬لهذا‬
‫العمل سوى تكرار أحكام الإدانة‬ ‫المرجع الأ َّول في الفقه ما ُيبرر‬ ‫من جملة كتبه‪.‬‬ ‫ولو قال قائل‪:‬إ َّن شرح كل بي ٍت‬
‫للتصوف أمر لا أرى له مسو ًغا‪،‬‬ ‫هذه التسمية‪.‬‬ ‫من نظ ِم ابن الفارض يحتمل أن‬
‫وفـيـه قــدر مـن التحامل يجعل‬ ‫الــشــيــخ نــاصــر بـــن أبــــي نـبـهـان‬ ‫يكون كتا ًبا واس ًعا‪ ،‬لكان صاد ًقا‪.‬‬
‫نمط الخصومة هو الغالب في‬ ‫تل ّقى ناصر السلوك‪ /‬التصوف‬
‫التناول‪ ،‬ولا يقترب أكثر من فكر‬ ‫عـن أبيه ذو ًقــا وريـاضـة‪ ،‬ونماه‬ ‫الخروصي‬ ‫ناصر الخروصي (‪.)2‬‬
‫المدرسة ال ُعمانية التي د ّونت‬ ‫نـاصـر بـن جـاعـد بـن خميس بن‬
‫في هذا الباب‪ ،‬ومحاولة قراءة‬ ‫بجهده الشخصي قراءة وفه ًما‪،‬‬ ‫ُمبارك بن يحيى بن عبد الله بن‬ ‫مــن الـسـهـل جــــد ًا أن يــتــوارى‬
‫إنتاجها في سياق حركة التأليف‬ ‫وتم ّيز سلوكه هو وأبيه بعمق‬ ‫ناصر بن محمد بن حيان بن زيد‬ ‫الصغار أمام عظمة الأب الكبير‪،‬‬
‫الإسـامـيـة فــي ذلـــك الـوقـت‬ ‫التأمل في الوجود والتع ّمق في‬ ‫بـن منصور بـن ورد بـن الإمـام‬ ‫وبخاصة حين يـكـون هـذا الأب‬
‫علم الكلام والفلسفة والمنطق‬ ‫الخليل بـن شــــاذان بـن الإمــام‬ ‫بـمـثـل حـجـم جــاعــد بــن خميس‬
‫بشكل عام‪.‬‬ ‫الـصـلـت بــن مـالـك الـخـروصـي‬ ‫الخروصي الذي يصفه البعض‬
‫إ َّن الأوصــــــاف الــتــي يطلقها‬ ‫والخلوة وكثرة الأوراد‪ ،‬كما يقول‬ ‫الأزدي القحطاني (‪ )4‬و ُيشير‬ ‫بـأ ّنـه إمـام الـديـن ومحيي تـراث‬
‫العلامة المحقق سعيد بن خلفان‬ ‫محقق “إيـضـاح نظم السلوك‬ ‫ال ُمسلمين وباعث أمجاد الأولياء‬
‫الخليلي‪ ،‬وابن زريق على الوالد‬ ‫أحمد بن سعود السيابي‪ .‬لكننا‬ ‫إلى حضرات ملك الملوك” إلا‬ ‫الصالحين‪ ،‬إن الأقـزام يكفيهم‬
‫وولده تقتضي منا قراءة مدققة‬ ‫نتوقف قليل ًا عند هذا الوصف‬ ‫أن نسب الشيخ ناصر يعود إلى‬ ‫التسلق على أكـتـاف مثل هذا‬
‫أكــثــر فـكـاهـمـا يـصـف الـشـيـخ‬ ‫اثنين من الأئمة الذين بويعوا‬ ‫العملاق ليراهم الـنـاس نقاط ًا‬
‫ناصر وأباه بـ(القطب‪ ،‬والولي‪،‬‬ ‫الـجـامـع لـلـمـتـنـاقـضـات بشكل‬ ‫صغيرة أو ربما لا يرونها بسبب‬
‫والـبـحـر الـنـورانـي) وغـيـرهـا من‬ ‫بالإمامة في أوقات ُمختلفة‪.‬‬ ‫ظله الهائل‪ ،‬أما شأن العظماء‬
‫الأوصـــاف الـجـاريـة على لسان‬ ‫ظـــاهـــري‪ ،‬فـكـيـف لـلـسـالـك أن‬ ‫نشأ ناصر في بيت علم وحركة‬ ‫والـمـجـدديـن النجباء فهم وإن‬
‫الـصـوفـيـة والـمـتـرجـمـيـن لهم‬ ‫(‪ ،)5‬إذ كان والـده يتمتع بدراية‬ ‫ظـــهـــرت صـــورتـــهـــم فــــي قـعـر‬
‫في كتب الطبقات والمناقب‪،‬‬ ‫يتع ّمق فـي الفلسفة أو علم‬ ‫واطـاع واسعين لاسيما على‬ ‫مـيـاه الأب العملاق المنسابة‬
‫وكذلك فإ ّن نظرة إلى عنوانات‬ ‫الــكــام‪ ،‬والـمـوقـف الصوفي‬ ‫الصعيد السياسي‪ ،‬مما جعل‬ ‫أنـــهـــار ًا كـارزمـيـتـه‪ ،‬إلا أ َّن تلك‬
‫كـتـب الـشـيـخ نـاصـر تـجـعـل من‬ ‫مــن الفلسفة قـديـ ًمـا وحـديـ ًثـا‬ ‫الابــن لـه دور بــارز وفـاعـل في‬ ‫الـصـورة ليست سـوى انعكاس‬
‫درس المنحى الـصـوفـي في‬ ‫عـلـى غـيـر هــذه الــصــورة‪ ،‬فمن‬ ‫المسرح السياسي والاجتماعي‬ ‫لتألقهم كالنجوم فـي السماء‬
‫حياته أمـ ًرا ضرور ًيا‪ ،‬فمن أمثلة‬ ‫عـلـى حـــ ّد ســــواء‪ُ ،‬عــرف والـــده‬ ‫وكــالــشــمــوس فـــي الــفــضــاء‪.‬‬
‫ذلــــك‪( :‬كــتــاب مــبــدأ الأســفــار‪،‬‬ ‫ُيـراجـع كتابات الـ ُسـهـروردي عن‬ ‫بـلـقـب ُيــذ ّكــرنــا بـابـن سـيـنـا هو‬ ‫وهــذا هـو شـأن ناصر بـن جاعد‬
‫وكتاب الكشف‪ ،‬وكتاب المعارج‪،‬‬ ‫كشف الفضائح اليونانية‪ ،‬وكتب‬ ‫لـقـب (الـشـيـخ الــرئــيــس) ورغــم‬ ‫الــــذي حـلـق بـفـكـره عـالـيـ ًا حتى‬
‫وكــتــاب الـسـر الـعـلـي‪ ،‬وكـتـاب‬ ‫تكرار اللقب في السيرة الذاتية‬ ‫صـعـب عـلـى أصــحــاب الأعـيـن‬
‫سلامة الـحـال‪ ،‬وكـتـاب منتهى‬ ‫الشيخ عبد الحليم محمود عن‬ ‫المـــــخرـا ًرراو لاصـ ُيـيفـلــّسمـــراذلاناُأ اطـلـلــشيقخعبليدهر‬ ‫الكليلة رؤيته‪ ،‬وأنى لهم‪ ،‬وقد‬
‫الـــكـــرامـــات)‪ ..‬عــنــوانــات تحيلنا‬ ‫التفكير الفلسفي يتأنى قليل ًا‬ ‫هذا اللقب‪ ،‬ربما من خلال حصر‬ ‫ُعدم ذاك الزمان وسائل إبصار‬
‫إلـى المدونة الصوفية بشكل‬ ‫الشيخ مهنا بن خلفان لمؤلفات‬ ‫النجوم والأفلاك العظيمة خارج‬
‫في قبول مثل هذه الأوصاف‪،‬‬ ‫الشيخ التي تزيد عن العشرين‬
‫كـتـا ًبـا نــاحــظ اهـتـمـامـه الكبير‬ ‫دائرة المألوف (‪.)3‬‬
‫فـالـمـتـعـمـق فــي الــســلــوك لا‬ ‫بـهـذه الـصـورة البليغة يل ّخص‬

‫يتع ّمق في الفلسفة والمنطق‬
‫وإن مــ ّر عليها وتـخـ ّطـاهـا إلـى‬

‫غيرها‪.‬‬
‫نــــاحــــظ أيـــــ ًضـــــا فـــــي وصــف‬

‫الــمــدرســة الـسـلـوكـيـة للشيخ‬

‫ناصر وأبيه إصرارا على تسمية‬

‫الــتــصــوف بـــ(الــســلــوك) وهـو‬

‫أمــــر نـقـبـلـه كــمــحــاولــة لـوصـل‬

‫الــطــريــق الـمـتـخـذ بــمــا يتسق‬

‫مــع الـشـريـعـة‪ ،‬ولا يستدعي‬

‫فـي ذهــن المتلقي والـطـالـب‬

‫ربيع الثاني ‪ 1438‬هـ ‪ -‬يناير ‪2017‬م ‪9‬‬ ‫تأ ّملات‬

‫معانيها‪ ،‬فكنت كلما لاح لي‬ ‫التجريد وطريق المكاشفة براية‬ ‫في البلاد العربية وجدت ترحا ًبا‬ ‫مباشر‪ ،‬وتذ ّكرنا بالقشيري وابن‬
‫المح ّبة فأقل بيا ًنا‪ ،‬وإن تك ّلم‬ ‫وعناية في بلاد فارس‪ ،‬وربما‬
‫معنى من معاني شـيء من‬ ‫فيها بعض العلماء نث ًرا ونظ ًما‪،‬‬ ‫عربي والبسطامي‪ ،‬وغيرهم‬
‫فـكـامـهـم أشـــد غـمـو ًضـا من‬ ‫من هناك انتقلت إلى ُعمان!‬
‫بـيـوتـهـا‪ ،‬وسـمـت تـحـتـه بأشد‬ ‫نـخـتـم هـــذه الإشــــــارات بكلمة‬ ‫من الصوفية القدامى‪.‬‬
‫كلام العلماء في علم الشريعة‬
‫إيجاز تذكرة لنفسي لئلا يغيب‬ ‫الظاهرة‪ .‬وأقوى وأج ّل وأشرف‬ ‫للشيخ ناصر الخروصي تؤكد‬ ‫هــــل كـــــان نـــاصـــر الــخــروصــي‬

‫عـلـ ّي حين أهـمـل أمـرهـا‪ ،‬ولم‬ ‫نـظـم عـرفـنـاه فـي هــذا العلم‬ ‫على اللقاء المصري ال ُعماني‬ ‫مولو ًّيا؟‬
‫يكن القصد ليكون كتا ًبا باق ًيا‬ ‫الـتـراثـي‪ ،‬وتمحو فكرة انعزال‬ ‫مــــن جــمــلــة الألـــــقـــــاب الــتــي‬
‫بـعـدي‪ ،‬ولــم أرســم غير تقدير‬ ‫نظم الشيخ العارف أبي حفض‬
‫بقعة مـن الـبـقـاع العربية عن‬ ‫أطلقها الشيخان ابــن خلفان‬
‫لفظ البيت بمعناه‪ ،‬وهو الذي‬ ‫عمر‪...‬الحمو ّي نس ًبا والمصري‬
‫مــولــ ًدا‪ ،‬وهــو الـمـعـروف بابن‬ ‫سائر أخواتها كما تقول نظرية‬ ‫الخليلي وابن زريق على ناصر‬
‫قصدت بيانه لنفسي لأشرح‬ ‫الفارض‪ ،‬وأعظم ما نظمه في‬
‫المركز والأطراف‪ ،‬نقتبس هذه‬ ‫وأبيه (الـمـولـوي) وهـي نسبة‬
‫الـمـعـانـي‪ ،‬فـإ ّنـه لـو شــرح كل‬ ‫العلم منظومته التائية وهي‬
‫الكلمة مـن مقدمته لإيـضـاح‬ ‫تـثـيـر الـبـاحـث الـمـتـابـع لحضور‬
‫بيت ما يحتمله من المعاني‪،‬‬ ‫التي س ّماها نظم السلوك إلى‬
‫حـضـرات ملك الملوك [‪].....‬‬ ‫نـظـم الـسـلـوك إلـــى حـضـرات‬ ‫المولوية في الثقافة العربية‪،‬‬
‫لأفضى إلى مجلدات كثيرة‪.‬‬ ‫واعــلــم أ ّنــــي لـمـا نـظـرت إلـى‬
‫مــلــك الــمــلــوك وهــــو الـنـص‬ ‫إذ المولوي نسبة إلى (الطريقة‬
‫‪-----------------‬‬ ‫منظومة هذا الشيخ واعتبرت‬ ‫المولوية) التي ُأسـسـت بعد‬
‫‪ -1‬ديوان أ�بي م�سلم البهلاني الرواحي‪ ،‬ن�شرة‬ ‫الـصـوفـي الــذي كتبه امـتـدا ًدا‬
‫لرحلته وتجربته السلوكية‪(:‬وأما‬ ‫انــتــقــال مــولانــا جــــال الـديـن‬
‫�صالح بن عي�سى الحارثي‪� ،‬ص ‪.275‬‬
‫‪ -2‬راج�ع مقدمة �إي�ضاح نظم ال�سلوك إ�لى‬ ‫عل ُم الحقيقة وطريقة وسائل‬ ‫الرومي على يد ولده سلطان‬
‫ح�ضرات ملك الملوك‪ ،‬تحقيق وليد محمود‬
‫خال�ص‪ ،‬ن�شرة دار الكتب الوطنية‪ ،‬أ�بو ظبي‬ ‫ولـــــد‪ ،‬ولــيــس كــمــا ُيـــقـــال إ ّن‬
‫الرومي مؤسسها‪ ،‬إذ تص ّوف‬
‫‪� ،2011‬ص ‪.5‬‬ ‫الـرومـي فـي طــوره النضجي‬
‫‪ -3‬راج��ع م�ق�ال زك�ري�ا الم�ح�رم�ي‪ ،‬نا�صر بن‬
‫جاعد‪ ،‬أ��سطورة أ�طلانط�س‪ ،‬في ملحق �شرفات‪،‬‬ ‫أحرق الوسائل والطرق ومضى‬

‫ومجلة الفلق‪ ،‬عمان‪ ،‬فبراير ‪.2012‬‬ ‫يخط فـي دفـتـر الـحـيـاة تجربته‬
‫‪ -4‬راجع في ترجمته‪ :‬الفتح المبين في �سيرة‬ ‫غــا ًّضــا طــرفــه عــن كــل تـحـديـد‬
‫ال�سادة البو�سعيديين‪ ،‬وزارة التراث والثقافة‪،‬‬
‫ُعمان‪ ،‬ط‪��� ،2‬ص‪ .146،147‬وتحفة لاأعيان‬ ‫وتقييد‪.‬‬

‫ب�سيرة أ�هل ُعمان‪ ،‬ج ‪� 2‬ص ‪.181‬‬ ‫كـانـت المولوية منتشرة في‬
‫‪ -5‬ناق�ش بدر بن حمود الخرو�صي في بحثه‬
‫ع�ن ال�شيخ نا�صر م�ا ُي�ق�ال ع�ن طلبه للعلم‬ ‫بقاع الشام منذ لحظة تأسيسها‬
‫مت�أخ ًرا بعد �سن ل أارب�ع�ين‪ ،‬وذك�ر لاأ�شياخ‬
‫الذين �ساهموا في تكوينه معرف ًيا‪ُ ،‬يراجع‬ ‫وكـذلـك فـي مـصـر‪ ،‬وظــل أمر‬
‫بحثه في الكتاب التذكاري (قراءات في فكر‬
‫أ�ب�ي نبهان) ال�صادر عن المنتدى لاأدب��ي في‬ ‫انتشارها مستم ًرا في البلدان‬
‫�سلطنة ًعمان‪ ،‬الطبعة الثانية ‪� ،2007‬ص �ص‬ ‫العربية حتى وقت قريب‪ ،‬إلى‬
‫‪ ،20-7‬بعنوان‪( :‬ال�سيرة الذاتية لل�شيخ �أبي‬
‫أن ُه ّمشت في مصر وآل أمر‬
‫نبهان)‪.‬‬ ‫مقر المولوية إلى (ال ُمتحفية)‬
‫‪ -6‬انظر بحثه‪( :‬التجديد الفقهي عند أ�بي‬ ‫وأمـسـى مكانهم مـــزا ًرا لرؤية‬
‫نبهان الخرو�صي) �ضمن أ�عمال ن�دوة (فقه‬ ‫الآثــــار الـبـاقـيـة‪ ،‬لـكـن هــل كـان‬

‫النوازل)‪.‬‬ ‫للمولوية حـضـور فـي ُعـمـان؟‬
‫‪� -7‬أ���ش�ير هنا �إلى درا��س�ة �سليمان ب�ن علي‬ ‫وهـل النسبة التي أكـد عليها‬
‫العبري‪ ،‬المن�شورة �ضمن كتاب (ق��راءات في‬
‫الخليلي وابــن زريــق حقيقية؟‬
‫فكر أ�بي نبهان)‪ ،‬مرجع �سابق‪.‬‬
‫‪ -8‬نا�صر الخرو�صي‪� ،‬إي�ضاح نظم ال�سلوك‪� ،‬ص‬ ‫أم أ َّن الإشــارة للمولوية أتت‬
‫بـسـبـب حــضــور نـــ ّص سلطان‬
‫‪.59 ،58‬‬ ‫العاشقين ابن الفارض هناك‬

‫وشــرح الشيخ نـاصـر لــه؟ وإذا‬

‫سـرنـا مــع الافـــتـــراض الـثـانـي‬

‫سيكون النص المولوي حاض ًرا‪،‬‬
‫فـــا يـــــدرك الــصــلــة بــيــن ابــن‬

‫الفارض وجلال الدين الرومي‬

‫إلا من طالع المثنوي والديوان‬

‫الـكـبـيـر‪ ،‬فكما فـرضـت التائية‬

‫نفسها على الشعر الصوفي‬

‫إنارة‬ ‫ربيع الثاني ‪ 1438‬هـ ‪ -‬يناير ‪2017‬م‪10‬‬

‫كلمة التوحيد لتوحيد الكلمة‬

‫يدفع كل إنسان لأن ينصب نفسه‬ ‫إن كل شيء له بداية وإن بداية أي‬
‫فـــي مــقــام الــمــهــذب والــمــربــي‬
‫الأمة الراشدة إنما‬ ‫كما لـو أن الـنـاس دونــه وهــذا ما‬ ‫عمل إدلائـي من أي شخص يجب‬
‫تختلف قدرا ُتها ومواه ُبها‬ ‫يؤجج التجاذبات ويفتح المساحة‬
‫د‪ .‬محمد عبد الرب النظاري‬ ‫للمتسلقين وإننا لو أمعنا لوجدنا‬ ‫أن يعود فيه إلـى أصله وهدفه‬
‫بواسطة الاجتهاد‪ ..‬في‬ ‫أن علاقة الناس ببعضهم البعض‬
‫ليحقق الأهـداف الإحسانية التي‬ ‫فــي الـحـيـاة وهـــدف الـحـيـاة منه‪،‬‬
‫بــدورهــا تجعل الـنـاس يتخلصون‬ ‫حين تتوحد إرادتها باعتبار‬ ‫علاقة ثلاثية الأبعاد‪:‬‬
‫من الأحقاد والمناطقية والفئوية‬ ‫أولا‪ :‬الإحسان وذلك بأن يتعاونوا‬ ‫والــلــه خـلـق الــمــوت والـحـيـاة في‬
‫والطائفية والحزبية التي تستهلك‬ ‫أنها السفينة التي‬ ‫عـلـى الـبـر والــتــقــوى وهـــو منهج‬
‫الـفـرد والـطـاقـات لصالح حــزب أو‬ ‫مـمـكـن الـتـطـبـيـيـق لأنـــه مـؤسـس‬ ‫الإنسان للبلاء بالإحسان‪( ،‬ا َّل ِذي‬
‫فكرة لا لصالح المجتمع ككل‪ .‬إن‬ ‫تحمل الجميع‬ ‫على قانون واضح المعالم له آثار‬ ‫ـ َيـا َة ِل َي ْب ُل َو ُك ْم‬ ‫َأ ْا ْحلــ َ َسمــُ ْنو َ َعت َم ًَولا ْلـ َ*ح‬ ‫َخـ َلـ َق‬
‫الأمــة بحاجة إلـى طـاقـات الجميع‬ ‫قطعية الإثمار كما أنه موجب للخير‬ ‫َو ُ َهـو ا ْل َع ِزي ُز‬ ‫َأ ُّي ُك ْم‬
‫للجميع لأن الأمـــة الـتـي تختلف‬ ‫مـــن الـــذيـــن تــصــعــدهــم وســائــل‬ ‫ا ْل َغ ُفو ُر) وأعظم إحسان للإنسان‬
‫إرادات أفـرادهـا ليست أمـة وإنما‬ ‫الإعلام بوعي أو دون وعي وهم‬ ‫والوفرة والطمئنية والسلام‪.‬‬
‫تسمى أمة إذا كانت تقدم الغايات‬ ‫مـمـن لا يـنـتـمـون إلــى الـلـه بقدر‬ ‫ثانيا‪ :‬العدل وهي روح المساواة‬ ‫هو إخلاصه في دينه بشعوره بأنه‬
‫العامة في إصلاح الفرد والجماعة‪.‬‬ ‫انتمائهم لأحزابهم أولطوائفهم‬ ‫والذي يكون رخصة‪ ،‬وبه تثبت أركان‬
‫فالأمة الراشدة إنما تختلف قدراتها‬ ‫مما يخلف الآثار المدمرة للإنسان‬ ‫الـكـمـال بـعـد وجــودهــا فـي الأمـة‬ ‫فرد بالفرد الحي القيوم‪ ،‬وإخلاصه‬
‫ومواهبها بواسطة الاجتهاد في‬ ‫والأوطــان إذ حولوا دين الله إلى‬ ‫ولاشــك بـــأن الــعــدل يـعـد مطلبا‬
‫حـيـن تـتـوحـد إرادتـــهـــا بـاعـتـبـارأنـهـا‬ ‫فكرة وهذا ما يدفعهم لاستغلال‬ ‫لوطنه بحيث يشعر أن الوطن هو‬
‫السفينة التي تحمل الجميع‪ ،‬فلو‬ ‫وسـائـل الإعـــام لإذاعـــة كـل الـذي‬ ‫متعذرا بدون الإحسان‪.‬‬
‫خرق هذا من هنا وأشعل بعضهم‬ ‫من شأنه زعزعة الأمن والثقة وبث‬ ‫ثالثا‪ :‬الظلم وهو الـذي حرمه الله‬ ‫انتماء المواطن لحرية الانتماء إلى‬
‫الحطب ليشوي طبيخه هناك فإن‬ ‫َأاََ َجول ِذاإ َاَخلءُــعُو ٰهو ْاىمف ِبُأَِأه ْوف ِمل ٌـر*ي َ ِّويَمنل َْافونْ ََورلا ُّْْدمَـلـوِسِْرُمهـاِِإ َلملنْأن َُأفهـِى ْورامالاَّدَْرلل ََُخ(ع َِْسلوو َِإو ِمَ ِذُهفلا‬ ‫على نفسه وجعله بين عباده محرما‬
‫العملية ستتحول إلى حرق وغرق‬ ‫ا َّل ِذي َن َي ْس َتن ِب ُطو َن ُه ِم ْن ُه ْم) والنبط‬ ‫عـبـوديـة الـلـه والإخـــاص للوطن‪.‬‬
‫في اللغة هو إخراج الماء من البئر‬ ‫وهو معنى للإثم والعدوان‪.‬‬
‫وشتات‪.‬‬ ‫ونحوه ولاشك بأن إخراج الماء دون‬ ‫فـا يـجـوز أن يتهم الإنـسـان في‬
‫يـمـكـن الــقــول بـــأن أكـمـل طريقة‬ ‫حـاجـة أو غـايـة يعد هــدرا للموارد‬ ‫لقد أمـرنـا الـلـه بــأن نـتـعـاون على‬
‫للتعامل مع واقعنا اليوم تتمثل‬ ‫وللوقت بل وقد يصل بالمجتمع‬ ‫الـبـر والـتـقـوى ومـعـنـى الـتـعـاون‬ ‫انتمائه لدينه أو لوطنه‪ ،‬فالدين‬
‫فـــي الــنــظــرة الإيــجــابــيــة لــأمــور‬ ‫إلى زعزعة ثقته بنفسه لذلك فإن‬ ‫هو معنى مبني على أسـاس أن‬
‫والتي على أساسها يبنى منهاج‬ ‫منهاج الكمال الإلهي يقتضي رد‬ ‫الـزمـن جـزء مـن الـعـاج وبــأن علاج‬ ‫لا يـقـبـل الأنــانــيــة والــوطــنــيــة لا‬
‫الإحـسـان الكامل وبـهـا نشهد أن‬ ‫كبيريات الأمـور إلى الرسول في‬ ‫أي إشـكـال لا يـكـون إلا بـالـهـدوء‬
‫الدولة في مجموعها ليست سوى‬ ‫السياق الروحي وإلى أولي الأمر‬ ‫والحوار والإمعان في الأولويات‬ ‫تقبل الإلحاد ولذلك كان لابد من‬
‫رسالة تنوب فيها إرادة الجميع عن‬ ‫فـي الـسـيـاق العملي حـتـى يتم‬ ‫الــتــي تـصـلـح حـــال الأمــــة وتـدفـع‬
‫إرادة الجميع لأن الأمة التي كونت‬ ‫إخراج الخبر إخراجا سليما من خلال‬ ‫بعجلة التنمية بـمـا يحقق الـرخـاء‬ ‫شعور الإنسان أن وطنه هي كلمة‬
‫الوزارات والهيئات كانت تعلم مدى‬ ‫فهمه وتعقله بشكل يساعد على‬ ‫والخير للجميع‪ .‬لـذلـك فـإن حكمة‬
‫احتياجها لها‪ ،‬وعندما تكون الغايات‬ ‫إيجاد حل يتفق مع مصالح العامة‪.‬‬ ‫الله اقتضت بأ ّن بناء كمال الأفراد‬ ‫التوحيد لتوحيد الكلمة فأي ضياع‬
‫مصححة والإدارة نقية فإنها تكون‬ ‫ولــمــا كــــان الـمـجـتـمـع الإنـسـانـي‬ ‫والـمـجـتـمـعـات لا يـكـون إلا على‬
‫رسـالـة يـدفـع عنها الــروح والقلب‬ ‫يتكون مـن ثــاث طـاقـات فاعلة‪:‬‬ ‫التعاون لا الاندفاع الذي من شأنه‬ ‫لنور الكلمة المضيئة إنما يؤدي إلى‬
‫والعقل والضمير بما يعزز مفهوم‬ ‫أشـيـاء وأفـكـار وأفــــراد‪ ،‬فـإنـه لابد‬ ‫أن يوقظ النعرات الدفينة ويفتح‬
‫الميثاق الاجتماعي القائم على‬ ‫من جعل طاقات المجتمع تتمحور‬ ‫الـــبـــاب لـلـمـتـسـلـقـيـن لاسـتـغـال‬ ‫اختلال في الأفعال لأن الكلمات‬
‫الـــمـــؤازرة‪ ،‬وبـهـذا تتضافر جهود‬ ‫حول الأفكار الناضجة التي تتسم‬ ‫الأزمــات الوطنية من أجـل تحقيق‬
‫الطاقات الثلاث من أفكار وأفـراد‬ ‫بــالإحــســان فـــي الـبـعـد الــروحــي‬ ‫تضيء الأفعال فكلمة الرحمة تبث‬
‫وأشــيــاء لــتــزداد الأمـــة كـمـالا بعد‬ ‫والإتقان من خلال البعد العقلي‬ ‫مأرب سياسي أو مادي‪.‬‬
‫كمال في الغايات التي لأجلها كان‬ ‫إن الـهـدي الـقـرآنـي مـنـهـاج كمال‬ ‫فـي الـنـاس أفـعـالا رحيمة وكلمة‬
‫وإحسان يدعو الأمة لأن تكون أمة‬
‫ظهور هذا العالم‪.‬‬ ‫استنباطية تميل للهدوء والنظام‬ ‫الحلم والـغـفـران تمد فـي الناس‬
‫والرسوخ نابذة سلوكيات المرجفين‬
‫أفعالا فيها الحلم والغفران وعدم‬

‫المؤاخذة السريعة إلا بعد التأكد‬

‫بأن هذه الوسيلة الأخيرة للتهذيب‬

‫والتربية فمن بـدأ بالفعل الثاني‬

‫قـبـل الأول فـقـد أخـطـأ الـطـريـق‪،‬‬

‫وإنــمــا اخـتـالـنـا فــي هــذا العصر‬

‫يكمن في أن الناس يبحثون عن‬

‫الحل في خانة العشرات بمعنى‬

‫أنهم لا يبدؤون بالحل رقـم واحد‬

‫ثم بالحل رقـم اثنين في حـال لم‬

‫ينجح الأول بل إن البعد عن ذكر الله‬

‫يدفعهم للقفز إلى الحلول البعيدة‬

‫التي تستوجب العنف النابع من‬

‫النزعة الأنانية‪ ،‬وكل فكر أو حل لا‬

‫يبدأ بذكر الله لا شك بأنه سيبدأ‬

‫مـن النقطة الخاطئة‪ .‬إن مشاعر‬

‫الأنانية التي تعم المجتمع هي ما‬

‫ربيع الثاني ‪ 1438‬هـ ‪ -‬يناير ‪2017‬م ‪11‬‬ ‫مرآة‬

‫َق ْلب العا َل‬

‫أ‪ .‬محمد بن موسى‬ ‫إ ّن كل شيء مخلوق لك حتى تتفرغ أ ّيها‬ ‫صــاة دائــمــ ًا‪ ،‬وصـاتـه وصــال واتـصـال‪.‬‬ ‫الـنـفـس الإنـسـانـيـة مـجـمـع الـكـمـالات‪،‬‬
‫الإنــســان لمهمتك الحقيقية فــي هـذا‬ ‫والـصـاة عنده حق الـوقـت‪ ،‬وليست حق ًا‬ ‫والحياة ميدان إبراز تلك الكمالات‪ ،‬ال َنفس‬
‫وتعالى‪ ،‬فالأديب الأريب من يرى نفسه لا‬ ‫العالم‪ ،‬وهو أن تكون بدالة نور ومرآة عاكسة‬ ‫فــي الـــوقـــت‪ ،‬الــحــق الــــذي فــي الـوقـت‬ ‫مـن َنـ َفـس الـحـق‪ ،‬وبـهـا حصل التنفيس‬
‫شيء‪ ،‬وبلا شيئيته هذه يحقق كل شيء ‪.‬‬ ‫لجمال الله وجلاله وكماله‪ ،‬فإ ّن الله ينظر‬ ‫يمكن تـداركـه وقـضـاؤه‪ ،‬أمـا حـق الوقت‬ ‫عن الأسماء والصفات لتبرز تجلياتها في‬
‫وإ ّنه كلما ص ّفى الإنسان نفسه من الدعاوى‬ ‫إلى هذا العالم من خلال هذا الإنسان الذي‬ ‫فـا يمكن تــداركــه‪ ،‬فـمـا ذهــب لا يـعـود‪.‬‬ ‫هذا العالم‪ ،‬وبالأخص في هذا الانسان‬
‫والأنا كلما كان حضور الله فيه أكبر وفعاليته‬ ‫يرى نف َس ُه جرم ًا صغير ًا‪ ،‬ولكنه وسع العالم‬ ‫بـهـذا الـوعـي لعلاقة الإنـسـان الحميمة‬ ‫الـــذي هــو الـخـلـيـفـة والــــــذات الـجـامـعـة‪.‬‬
‫في الوجود أعظم‪ ،‬وإنه عندما يتخلى عن‬ ‫كله‪ ،‬بل إن قلبه يسع الـرب كما جاء في‬ ‫بالعالم من كونه تجسدا له ومـرآة تجلي‬ ‫والــعــالــم هــو تـفـصـيـل الإنــســان‪ ،‬كما‬
‫قوته إنما يتركها ليحصل على قوة أعظم‪.‬‬ ‫الحديث ((ما وسعني أرضي ولا سمائي‬ ‫حقائقه‪ ،‬يكتمل أدب النفس والحياة عند‬ ‫أن الإنــســان هــو مـخـتـصـر هـــذا الـعـالـم‪،‬‬
‫نعم قد تكون هناك مرحلة من التأرجح وعدم‬ ‫ولـكـن وسـعـنـي قـلـب عـبـدي الـمـؤمـن))‬ ‫السالك‪ ،‬وبه تختصر له الطرق وتطوى له‬ ‫فالإنسان عا َلم صغير‪ ،‬والعالم إنسان كبير‪.‬‬
‫الوضوح أو الضعف الظاهر قبل الرسوخ‬ ‫فقلب الإنـسـان واســع يسع كـل شـيء‪.‬‬ ‫المسافات‪ ،‬فلا يشغله ظاهر عن باطن‪،‬‬ ‫إنــهــمــا مــرآتــان مـتـقـابـلـتـان تـعـكـس كل‬
‫في هذه الحقيقة‪ ،‬لكنها كمن يتفرغ أربع‬ ‫ولا يعني ذلك أن يتملك الإنسان العجب‬ ‫ولا يغيب بباطن عن ظاهر‪ ،‬وعندما يرى‬ ‫واحـــد ٍة منهما مـا فـي الأخـــرى‪ ،‬ولـن يرى‬
‫سنين أو أكثر ليدرس في كليته وجامعته‬ ‫والـــغـــرور إذا رأى نـفـسـه بـهـذه الـمـرتـبـة‬ ‫نفسه حقيقة جامعة للحقائق لا يتجاوز نظر‬ ‫الإنـسـان فـي عالمه الـخـارجـي إلا مـا هو‬
‫ليتفرغ بعد ذلك لخدمة الناس بعد أن ك ُم َل‬ ‫والمثابة عند الله‪ ،‬فإنما هو في الحقيقة‬ ‫همته خارجها‪ ،‬فمن عرف نفسه عرف ربه‪.‬‬ ‫فــي بـاطـنـه مــن الـمـعـانـي والــصــفــات‪،‬‬
‫بناؤه العلمي والمعرفي‪ ،‬يحتاج الأديب‬ ‫عب ٌد‪ ،‬أي معبد مذلل لظهور تجليات الحق‬ ‫ثم يعلم يقينا أن النفس مجلى الربوبية‬ ‫تجسدت تلك المعاني ليشهد الإنسان‬
‫إلى هذه المرحلة من التهذيب والتشذيب‬ ‫عليه‪ ،‬فما عنده إنما هو عارية وليس ملك‬ ‫ومنصة ظهور الحقيقة‪ ،‬فيتجاوزها كذلك‬ ‫حقائق ذاتــه بــارزة أمــام عينيه‪ ،‬متجسدة‬
‫والتربية ليتخلى عن كل نقص وكل مذموم‬ ‫خاص ًا‪ ،‬بل هو منة وتفضل من الله عليه‪.‬‬ ‫ويـفـنـى عـنـهـا بــربــه‪ ،‬فـيـطـوي مـسـافـات‬ ‫فــي الــصــور الـحـسـيـة والـمـعـنـويـة التي‬
‫ويتحلى بكل كمال وجمال ونـور‪ ،‬لابـد أن‬ ‫كما أ ّن هذا ليس خاص ًا به كفرد إنما يعم كل‬ ‫الـطـريـق كلها فـي خـطـوة واحـــدة ينجزها‬ ‫تعرضها شاشة الحياة والحركة الكونية‪.‬‬
‫ُيـعـرض عـلـى الـنـار حـتـى يتصفى « َو ِإ ْن‬ ‫أفراد البشرية‪ ،‬فكل واح ٍد منهم مرك ٌز من‬ ‫في لمحة واحــدة (اتــرك نفسك وتعال)‪.‬‬ ‫وإذا تصورنا العالم كيانا حيا فإ ّن الإنسان هو‬
‫ِم ْن ُك ْم ِإ َّل َوا ِر ُد َها»‪ ،‬فمن عرض لنفسه لنار‬ ‫حيث هو‪ ،‬وكأن العالم يتعدد بحسب كل فرد‬ ‫أي تـجـرد مــن ثـــوب الــوهــم الــــذي يستر‬ ‫قلبه النابض‪ ،‬ووجوده في مركز العالم هو‬
‫المجاهدات والتصفية وقاه الله بعد ذلك‬ ‫فيه‪ ،‬فهو عوالم لا حصر لها لا عالم واحد‪،‬‬ ‫حقيقتك‪ ،‬واخلع نعل الجفاء والقطيعة‪،‬‬ ‫ما يعطي الحياة معناها والأشياء قيمتها‪،‬‬
‫نار الجحيم والعناء في الدنيا أو الشقاء‪.‬‬ ‫وكـ ٌل منا حيث خليفة وسيد فـي عالمه‪،‬‬ ‫واقتل الأنـا الأ ّمــارة بسوء الظن الحاكمة‬ ‫وبدونه لا يعود لشيء قيم ٌة ولا معنى‪.‬‬
‫إن الـدخـول إلـى هـذا العالم تجربة روحية‬ ‫لا فضل لأحـد على أحـد‪ ،‬بل الجميع في‬ ‫بالجهل والضياع والاغـتـراب عن موطنك‬ ‫ويظل العالم عاج ًزا عن تجاوز رتبة الساذجية‬
‫فـريـدة‪ ،‬ومـمـارسـة الـوجـود فـيـه بفاعلية‬ ‫هذا سواسية كأسنان المشط‪ ،‬ولذا كانت‬ ‫الأصلي‪ ،‬الذي هو مولاك لا سواه‪ ،‬الذي‬ ‫والحياد حتى يبرز له هذا الإنسان ناظرا أو‬
‫يحقق الـغـايـة الـتـي قصدتها الــروح من‬ ‫ممارسة هذه السيادة إنما تكون بالتواضع‪،‬‬ ‫إليه ترجعون وتقلبون وتـعـودون‪ ،‬وبعد‬ ‫واصفا أو متفاعلا‪ ،‬فتبدأ الحياة بالسير‪،‬‬
‫الــحــضــور هــنــا‪ ،‬وحــتــى لا يـضـيـع وقــت‬ ‫ولهذا شرعت العبادات والركوع والسجود‪.‬‬ ‫التخلي يكون التجلي‪ ،‬حيث تـرى وجهك‬ ‫والأشياء بالحركة والتغير‪ ،‬وتظهر تجليات‬
‫الإنسان في الجري خلف حاجاته الثانوية‪،‬‬ ‫إن العبودية جوهر ٌة باطنها الربوبية‪ ،‬فلا‬ ‫ظـاهـرا فـي الأشــيــاء‪ ،‬ونــور ذاتــك يتلألأ‬ ‫الأسـمـاء والـصـفـات وآثـارهـا فـي العالم‬
‫فـقـد تــم تـجـهـيـز الـعـالـم بـكـل مــا يحتاجه‬ ‫تظهر حقائق الـربـوبـيـة فـي الانـسـان إلا‬ ‫فــي الـسـمـوات والأرض‪ ،‬حـتـى تشهد‬ ‫كنتيجة لحركة الإنسان الظاهرية والباطنية‪.‬‬
‫الإنسان ليقوم بمهمته بسلاسة ويسر‪.‬‬ ‫بـكـمـال الـعـبـوديـة الـتـي هـي كـمـال الـذل‬ ‫الـوحـدة التامة بينك وبين العالم‪ ،‬فأ ّنى‬ ‫مـن هــذا الـتـصـور لمركزية الإنـسـان في‬
‫اقبل العالم كهدية وانطلق فيه‪ ،‬أل ِق نفسك‬ ‫وكـمـال الـحـب‪ ،‬وكلما بـالـغ الإنـسـان في‬ ‫توجهت ترى الحقيقة ماثلة أمامك «ف َأ ْي َن َما‬ ‫العالم تبدأ رحلة الـعـارف‪ ،‬إنها رحلة إلى‬
‫بكاملك فيه ولا تتردد‪ ،‬أل ِق نفسك في بحر‬ ‫حبه لله وحبه لخلق الله‪ ،‬وكلما كمل تذلله‬ ‫ُتـ َو ُّلـوا َفـ َثـ َّم َو ْجــ ُه الـ َّلـ ِه» حيث لا انقطاع‬ ‫الــداخــل الـبـاطـنـي‪ ،‬مـن حـيـث إنــه الأصـل‬
‫العالم فإنه بحر الله‪ ،‬وإن الشعور بهذه‬ ‫وتواضعه لغيره من البشر وللكائنات أجمع‬ ‫ولا انـفـصـال ولا غيبة‪ ،‬بـل حـضـور دائـم‬ ‫الجامع‪ ،‬وما الخارج سوى تجل وانعكاس‪،‬‬
‫العلاقة الرائعة مع العالم سر سعادة الأبد‪،‬‬ ‫كلما ظهر فيه سـر الربوبية أكثر فأكثر ‪.‬‬ ‫يشهدك قـرب الـلـه ومعيته أينما كنت‪،‬‬ ‫وإن كــانــت تـلـك الــرحــلــة الـبـاطـنـيـة غير‬
‫إ ّنـه الجنة المعجلة والـفـردوس المفقود‪.‬‬ ‫وتـعـنـي الــعــبــوديــة فـــي أحــــد تـجـلـيـاتـهـا‬ ‫« ِإ َذا َس َأ َل َك ِع َبا ِدي َع ِّني َف ِإ ِّني َق ِري ٌب»‪.‬‬ ‫مفصولة عن وقعها وأثرها في الخارج‪.‬‬
‫الجنة هي الرضا والقبول‪ ،‬هي التوافق‬ ‫السماح‪ ،‬أي السماح لصفات الربوبية أن‬ ‫جمال هـذا الكون ونـوره وبـهـاؤه إنما هو‬ ‫إن الـداخـل والـخـارج هنا صـورتـان لمعنى‬
‫والتوحد مع الحياة‪ ،‬والخروج من الجنة بأكل‬ ‫تتجلى من خلال الإنسان‪ ،‬أن يرى نفسه‬ ‫مـن نـور الإنـسـان الــذي هـو خليفة الله‪،‬‬ ‫واحـــد‪ ،‬وتجليان لحقيقة واحـــدة‪ ،‬وأديــب‬
‫الشجرة‪ ،‬أي بالتشاجر والتخالف والمقاومة‪،‬‬ ‫منفذ ًا لتلك القوة الغيبية‪ ،‬ويكون دوره‬ ‫والكون بكل ما فيه فقير إلـى الإنسان‪،‬‬ ‫الــنــفــس بــقــصــده الــبــاطــن ســالــك إلــى‬
‫واذا كـان العالم مخلوقا لـك ولخدمتك‪،‬‬ ‫في الحضور والشهود‪ ،‬فيشهد فعل الله‬ ‫والانسان إنما فقره إلى الله وحده وليس‬ ‫ذاتــــه‪ ،‬وبـنـظـره إلــى الـظـاهـر هــو سالك‬
‫فـا معنى لمعاداته أو المواجهة معه‪.‬‬ ‫وتصرفه فيه ومن خلاله وفي الأشياء‪،‬‬ ‫إلـــى الــكــون‪ ،‬إذ الــكــون مـخـلـوق مسخر‬ ‫في ذاتــه‪ ،‬وبقدر الوعي وعمق الإدراك‬
‫يــفــوز بـالـعـالـم مــن يـحـبـه‪ ،‬مــن يمشي‬ ‫فإنه يعلم يقين ًا أنه لا فاعل في الحقيقة‬ ‫لخدمة هذا الإنسان « َو َس َّخ َر َل ُك ْم َما ِفي‬ ‫الـــمـــعـــرفـــي يــتــمــيــز الـــســـيـــر والــتــحــقــق‬
‫بمحاذاته‪ ،‬لا من يواجهه ويصارعه‪ ،‬لأنه في‬ ‫إلا الـلـه‪ ،‬ولـكـن إنـمـا يـفـعـل الـلـه بخلقه‬ ‫ال َّس َما َوا ِت َو َما ِفي ا ْ َل ْر ِض َج ِمي ًعا ِم ْن ُه»‪.‬‬ ‫بالمعنى‪ ،‬كما قال أبو مدين الإشبيلي‪:‬‬
‫الحقيقة يصارع نفسه‪ ،‬العالم مرآتك‪ ،‬وإذا‬ ‫مـن خــال خـلـقـه‪ ،‬فيعلم الـسـالـك يقين ًا‬ ‫قـال أبـو الحسن الشاذلي يوم ًا لتلميذه‬ ‫(السالك سائر إليه‪ ،‬والعارف سائر فيه)‪.‬‬
‫عبست للمرآة عبست لك‪ ،‬وإذا ابتسمت‬ ‫أنـه لا حـول له ولا قـوة إلا بربه سبحانه‪.‬‬ ‫أبو العباس المرسي‪ :‬إ ّنك لن تبلغ حقيقة‬ ‫والسلوك دائـري‪ ،‬حيث النقطة التي يبدأ‬
‫ابتسمت لك‪( ،‬فمن وجد خيرا فليحمد الله‪،‬‬ ‫ولذلك يتجرد ذهني ًا وفكري ًا من ادعـاء أي‬ ‫الـشـكـر حـتـى تــرى جـمـيـع مــا فــي الـعـالـم‬ ‫منها الـسـالـك هـي الـتـي ينتهي إليها‪،‬‬
‫ومن وجد غير ذلك فلا يلوم ّن إلا نفسه)‪.‬‬ ‫قوة‪ ،‬ويرى كل ما يحصل على يديه أو يدي‬ ‫إ ّنـمـا خـلـق لـك وحـــدك! فـقـال يـا سـيـدي‪:‬‬ ‫لتكتمل دورة الحياة فيه‪ ،‬ورحلة حجه منه‬
‫غيره من الخلق إنما هو من قوة الله‪ ،‬وبهذا‬ ‫فـالأنـبـيـاء؟! قــال‪ :‬أرسـلـهـم ليعلموك‪،‬‬ ‫إلــيــه‪ ،‬والــعــارف لا يـشـهـد شـيـئـا خـارجـه‪،‬‬
‫المعنى الجميل تعظم عنده القوه ويعظم‬ ‫قــال‪ :‬فـالـمـلـوك؟! قــال‪ُ :‬يـأمـنـوك‪ ،‬قـال‪:‬‬ ‫لأن العيش فـي الـخـارج غـربـة وانـقـطـاع‪،‬‬
‫التأثير وتنفعل له الأشياء بقوة الله تبارك‬ ‫فــالــتــجــار؟! قــــال‪ :‬يـجـلـبـون لــك الأرزاق‪.‬‬ ‫وهـــو صــاحــب وصــلــة دائـــمـــ ًا‪ ،‬فـهـو في‬



‫ربيع الثاني ‪ 1438‬هـ ‪ -‬يناير ‪2017‬م ‪13‬‬ ‫بعين ثالثة‬

‫قراءة في كتاب‬

‫«الفتوح الفائق‪ ..‬الحاوي للمعاني الرقائق‬

‫والإ�شارات الدقائق» لل�شيخ أ�حمد بن علوان‬

‫عبد العزيز سلطان المنصوب‬

‫بعض أهــم خصائصها‪ .‬ونشير أ ّولا إلى‬ ‫وقال‪َ :‬ل َق ْد كا َد َأ ْن َي ْن ُص َب َك َهذا ال َّشا ِه ُد على‬ ‫يعتبر الـشـيـخ أحـمـد بـن عـلـوان مـن أشهر‬
‫أ ّنـه تعاطى مع ‪ 14‬بحرا شعريا‪ ،‬ولم يكتب‬ ‫َخ َش َب ِة ال َح َّلج‪.‬‬
‫فـي بحري الـمـضـارع والمقتضب النادرين‬ ‫وقال لي‪ :‬ا ْك ُت ْب َن ْع َت َك ُمضا ًفا‪.‬‬ ‫شيوخ التصوف في اليمن‪ ،‬ولا يكاد اسمه‬
‫لـدى الـشـعـراء الـعـرب بشكل عــام‪ ،‬كما أنه‬
‫كان أ ّول شاعر يمني كتب الموشح‪ ،‬وترتيبه‬ ‫يغيب عن وعي أي يمني منذ ثمانية قرون‬
‫هو الـ ‪ 20‬بين شعراء العربية في هذا الفن‬
‫وفقا لتحليل شعراء الموشحات العرب في‬ ‫َف َك َت ْب ُت‪َ :‬ع ْبد الل ِه‪.‬‬ ‫حتى الـيـوم‪ .‬وللشيخ ابـن عـلـوان عـدد من‬
‫«موسوعة الشعر العربي»‪ ،‬ومجموع من‬ ‫َخ َب َل‬ ‫لي‪َ :‬خ َر َج ال َح َّل ُج ِم َن‬ ‫َفقا َل‬
‫سبقه في القرون السابقة لعصره بلغ ‪19‬‬ ‫ِذي‬ ‫َأاِللـ َّدِافِل َ‪،‬ت ْعَِور َيق ِْدف‬ ‫شا ِه ُد ال َجما ِل‪ ،‬إلى‬ ‫َع ْق ُل ُه‬ ‫المؤلفات في مجال التصوف من أهمها‬

‫شاعرا نظموا ‪ 127‬موشحا فقط‪.‬‬ ‫ال َج َل ِل‪ُ ،‬موا ِفقا ِلشا ِه ِد الفناء ِإ ْذ قا َل‪.‬‬ ‫كتاب «الفتوح الفائق» موضوع قراءتنا هذه‪.‬‬
‫وكان هو قد وصف شعره بقوله‪:‬‬
‫ِل ِف َاسْ ِّنصكَْكليَِتبن ِا َه‪،‬بِل َاقولْ َاأْطِنلَِكع َُِتهفَ‪،‬بِب َواق ََللـظَِـفَمـ ْهـر َارُقْْست َِبتيْنـَظا ٌنرها ِاِرلم َأاِلنلــ ِ ُعِنْـلفِْومِرو َااخللــَ ََّّش َااب ًِِممة‬ ‫تضمن هـذا الكتاب ‪ 290‬نصا توزعت على‬
‫َق َصـــــا ِئ ِدي َأ ْلــــــــ َوا ُن َغـــــ َرا ِئ ٌب أ ْف َنـــــــــا ُن‬ ‫عدد من الموضوعات كالوعظ والإرشاد و ِذ ْكر‬

‫الفتوحات والمقامات وبيان أحوال المحبين‬

‫وأوصــافــهــم‪ ،‬وتـضـمـنـت هـــذه الـنـصـوص‬

‫ِل َذ ْر ِو ِه‪.‬‬ ‫َ ِفم َنش ِ َهجَدِّو َأاْلنهلا ِاء‬ ‫ل ِإ ْحرا ِق ِه‪ ،‬و َه َّب ْت ِري ٌح‬ ‫‪ 246‬قـصـيـدة (‪ 2687‬بـيـتـا) تـمـ ّثـل ‪ %80‬من‬
‫ُي ْق َتل على‬ ‫َفقا َم شا ِه ُد ال َفنا ِء‬
‫ُااِبقللَأَِّاأْْْطرننــ ِعُيفـْـضقترَتا ِْدبولا‪،‬لَف ّـس َـلواسـُكْكلّميل ُينـا ْلسقـأاحَبنئـُالو ِالهم‪،،‬م َلل ُههوو َ‪،‬أَُ ْعنشّـدوفِ َاهـجلـََ‪.‬ردسهىشإادل ِهم ُىهد‬ ‫إنتاجه الشعري الـذي وصل إلينا تخصصت‬

‫ُحـ ْكـ ِم‬ ‫كلها تقريبا في توضيح الجانب الصوفي‬
‫ال َبقا ِء‬
‫َت ْه ِوي َل َها الأ ْك َوا ُن‬ ‫ِل َبا ُس َهــــــا ال َأ ْل َحــــــــا ُن‬ ‫َف َل َّما‬ ‫تطرق فيه إلى قصة الحلاج‪:‬‬ ‫المعرفي‪ .‬كما أ ّن موضوعاته ارتبطت بالنص‬
‫و ِل ْل ُمــــــــ َوا ِلي َخ ْمـ ُر‬ ‫ِلي ِفي ال َم َعا ِلي َأ ْم ُر‬ ‫على‬
‫ـر َو ْلـ ُت‬ ‫ِِبع“ِ َهرلـي‪َّ ،‬ا ًمنـاوا َأ خفَشلا َرعي ُإلت َ َّط ََليقِـب ِِهمفـ‪،‬يـي َف َأالصل َب َّالشـاسَ ِجنـه ِهدـي‪ِ:‬لِإَقَِّب ِـنـم ِ ِيهع ْ‪،‬ل َ َ َمصه‬ ‫القرآني والحديث النبوي‪ ،‬فقد استشهد بـ‬
‫ال ِع ْل ِم‬
‫َجفماُْحِق ُبه ُلطو ِهبعِ‪،‬هوفرا ُنصكسلتائ ُلببه َ‪،‬ود ُأُمَأحُ ْهرن‪:‬قَأ ُني َابوِّ ُراذيلرله ُيه‪ِ ،‬مق ََّاومتاُُلهُ َهو‪.‬قـ َامَ َلع‬ ‫الوا ِح ِد‬ ‫‪ 272‬آية من ‪ 73‬سورة‪ ،‬كما أنه عاد إلى ‪28‬‬

‫علي ِه‬ ‫حديثا نبويا في الكتاب‪.‬‬
‫َذ ِل َك‬
‫و ِل ْل ُم َعـــــــا ِدي َج ْمــــــ ُر ُي ْر َمى ِب َها ال َّش ْي َطــا ُن‬ ‫ِبالوا ِح ِد‪ُ ،‬ه َو ِع ْل ُم الوا ِح ِد ِبالوا ِح ِد‪.‬‬ ‫تـمـ ّيـزت لغته الـنـثـريـة بالفصاحة السلسة‬

‫بريء‪ ،‬و َل ِك ْن‬ ‫فـا ْسـ َتـ ْظـ َهـ ْر ُت الـ ِعـ ْلـ َم واسـ َتـبـ َطـنـ ُتـ ُه‪ ،‬فـإذا‬ ‫المعروفة بالسهل الممتنع‪ ،‬وهـي التي‬
‫و ِل َئ َّل يجتري‬
‫َحا ِلي ِ َل ْه ِلي َحا ِلي و َخ ْم ُر ُه ْم أ ْقــ َوا ِلي‬ ‫َم ْح ُبو َب ُه َص ْب َر ُه‬ ‫ِ َلأَيَ َحرـدى‬ ‫ال ِّش ْر ِك‬ ‫ِم َن‬ ‫َ ِِوففمَأاسسَُِّّّتعررُ ُليطخه َ‪:‬وعذم ِاُ ُمسماَِّأِتر‪،‬ستنا ٍ ِِرمطيسا َّس ُرفاٍَُأقرهلوَا ِيملوفحَأ َُِِّّفسسيس َِّاسرِهر ُِيوممَسيأِّا‪،‬ر َِأفشهـمع ُاِسعَايُقٍَرأرُي‪ِ .‬لسسفَِّ َروم َمأَأُعيععُ َللسُِوورُمأاسمِِّ‪،‬بررا ُتُِ ُوهصمُسُارج‪،‬ا ٍر‪َ،‬أو ِ ُدوفِإشسيُّاذ ٍ‪،‬رميا‬ ‫ت ّتسم بإمكانية استيعاب الـقـارئ لها من‬
‫بعده على ما‬ ‫و ُيـ ِري‪،‬‬ ‫ِفي ِه‬ ‫ال ُمس َتغ ِر ُق ل َأسرار ُر ُسو ِمي و ُحـ ُدو ٍدي‪ُ ،‬ه َو‬
‫أ ّي مستوى ثقافي كان مع عمق دلالاتها‪.‬‬

‫و ُن ْو ُر ُهــــــ ْم ِإ ْق َبا ِلي و ِل ْل ِعــــ َدا ِم ْط َعــــــا ُن‬ ‫كان يجتري”‪.‬‬ ‫وامـتـطـى نهج السجع المعتبر عند علماء‬
‫وفي معراجه الروحي والذي يتب ّين منه عل ّو‬
‫كما تض ّمنت لغته فرائد ِح َكمية عالية المقام‪..‬‬ ‫البلاغة « ِملح الـكـام» الـذي يكسبه حلاوة‬

‫ومن نماذج حكمه الرائعة‪:‬‬ ‫التذوق ويجعله مستساغا مقبولا ومؤ ّثرا‪،‬‬
‫وخاصة إذا ابتعد به صاحبه عن التك ّلف الذي‬
‫‪”-‬ال َّتط ُّفل بالافتقار يوجب دوام الكفالة‪ ،‬مقامه يقول‪:‬‬

‫والـ َّتـو ُّكـل باليقين يـوجـب دوام المعونة‪َ ،‬ت َما َرى ال َّشا ِه َدا ِن ِب ُن ْو ِر َع ْق ِلي‬ ‫يذهب بالمعنى ويكون غالبا على حسابه‪.‬‬

‫َف َذا ُي ْح ِيي َوذا َك ُي ِر ْي ُد َق ْت ِلي‬ ‫ ‬ ‫وال ّتسليم للقدر يوجب الـ ِّرضـا بالمقدور‪،‬‬ ‫َمش ُهو ِدي و َمح ُبو ِبي و َمع ُبو ِدي‪.‬‬ ‫ونجح شيخنا في تسخيره لهدفه المتمثل‬
‫والإقبال على الكريم يوجب حلاوة ال ّتكريم‪.‬‬
‫َف َوا َف ْق ُت ال ُم ِش ْي َر إ َلى ال َّت َج ِّلي‬ ‫ُث َّم َك َتب ُت بقلم استظها ِر ال ِع ْل ِم‪ ،‬اسمي َتح َت‬ ‫فـي إيـصـال المعنى الـمـراد بأنجح السبل‬
‫‪ -‬ليس لمخلوق عن خالقه مندوحة‪ ،‬ولا لعبد‬
‫و َخــــــا َل ْفــــ ُت ال ُم ِش ْي َر إ َلـــــى ال َّت َخ ِّلـــي‬ ‫َعن س ِّيده مفر‪ ،‬ولا لفقير عن متص ِّدق ِغنى‪ ،‬‬ ‫َتح َت‬ ‫ِع ْل ِمي‬ ‫ال ِع ْل ِم‪،‬‬ ‫استبطا ِن‬ ‫وبقلم‬ ‫اسمه‪،‬‬ ‫وأجملها‪.‬‬
‫ِع ْل ِم ِه‪.‬‬
‫َف َل ْو َأ ِّني َن َط ْق ُت َع َلى َف َنا ِئي‬ ‫انـظـر قـولـه فــي تـعـريـف الـتـصـوف الــذي‬

‫ولا لعا ِلم من مكر الله أمان‪.‬‬ ‫فرأي ُت اس َم ُه َب ْح ًرا تغر ُق ِفي ِه الأسما ُء‪ ،‬ورأيت‬ ‫يلخصه بـالـسـلـوك الـقـويـم وتـكـون ثمرته‬

‫َل ُق ْل ُت َم َقا َل َة ال َح َّل ِج َق ْب ِلي‬ ‫ ‬ ‫‪ -‬بصدق المعاملة ت َنال أقصى ال ّرجاء‪ ،‬وبأداء‬ ‫ِع ْل َم ُه َب ْح ًرا تغرق ِفي ِه ال ُع ُلوم‪.‬‬ ‫الـعـلـم والـمـعـرفـة‪« :‬بـنـي قـصـر الـتـصـ ّوف‬
‫الأمانة تلقى مفاتيح ال َأسرار‪.‬‬
‫و َل ِك ْن َش َّد َم ْن َأ ْه َوا ُه َأ ْز ِري‬ ‫فأفنى ِم ِّني ما أفنى ِب ِع ْل ِمه‪ ،‬وأبقى ِم ِّني‬ ‫من جوهرين‪ :‬أحدهما كمال ال َّتقوى‪ ،‬والآخر‬
‫و َق َّوى ِه َّم ِتي و َأ َم َّد َع ْق ِلي‬ ‫‪ -‬في ريـاض الحكمة ترتع َأسـرار العارفين‪،‬‬ ‫حسن الـ ّسـخـاء‪ .‬فكمال الـ َّتـقـوى َأسـا ُسـه‪،‬‬
‫ ‬ ‫وفـي سباخ الجهل ترتع َأســرار الغافلين‪،‬‬ ‫ما أبقى باسمه‪:‬‬
‫فإ ْن ُق ْل ُت‪َ « :‬أنا» ك ّذبني شا ِه ُد ال َفنا ِء‪ ،‬و ِإ ْن‬ ‫َوحسن ال َّسخاء رأسه»‪.‬‬
‫َف َب ْع ِضي ِفي ُف ُنو ِن ال ُح ِّب َفا ٍن‬ ‫وعـلـى حكم مـراتـع الأســـرار تنطق شواهد‬ ‫“إنما الفقر هو‪ :‬عل ٌم بال َّطريق‪ ،‬وعمل على‬
‫و َب ْع ِضي َب ْي َن ِإ ْخ َوا ِني َو َأ ْه ِلي‬ ‫ال َأخبار‪.‬‬ ‫ُق ْل ُت‪ُ « :‬ه َو» ك ّذبني شا ِه ُد ال َبقا ِء‪.‬‬ ‫المتابعة وال ّتحقيق‪ ،‬والإيمان وال ّتصديق‪،‬‬
‫ ‬ ‫«ف ُهطــــف َوق»تو أ»أجـنــــوـال»‪َ،‬ب ُيكـَ َّلنـماـلاَب َدق َاخِـءـ ْلــو ُالتـ َفـفـنـا ِءي‪ََ «،‬أو َنـبــيا َ»ن‬
‫‪ -‬ترك اليسير من فعل الخير من كبائر العجز‪،‬‬ ‫َأَ ْ«فخـ ُـ ََهرخـََ َجورـ ِْنج»ــ َأُ ْيتخ َر َِمج ِـنشان ِيه ُ«د ُهشـاـاـل َِ َوهف ُن»دا ِإءالل‪،‬ـَبقوىا ُِكءَّل‪َ «.‬أمناــا َد» َخ‪،‬ـ ْل ُـمـُتوا ِفـف ًقـاي‬ ‫مع ما يم ّد الل ُه به من العصمة وال ّتوفيق”‪.‬‬
‫َف َل َأ ْد ِري َأ ِلل ِإ ْخ َوا ِن َأ ْب َقى‬ ‫“واعلم أ ّن الفقر صفة‪ ،‬و َأ َّن ال ّصفة معرفة‪،‬‬
‫َأ ِم ال َأ ْه ِل ْي َن َأ ْم لل ِه َأ ْم ِلي‬ ‫كبائر الحمق‪.‬‬ ‫‪-‬و لفاع حلياللةي لـسيمـرنم َأنحــاال َّطــش ِّرتمبـنه‬ ‫و َأ َّن المعرفة أدب‪ ،‬و َأ َّن من لا أدب له لا‬
‫ ‬ ‫إل َّا‬ ‫قــدر ُة الـلـه‬ ‫معرفة لـه‪ ،‬ومـن ل َا معرفة له لا صفة له‪،‬‬

‫َف ِلي َو ْج َها ِن َم ْك ُن ْو ٌن َو َبا ٍد‬ ‫بالانقياد له‪.‬‬

‫َو ِلي ِع ْل َما ِن ُج ْز ِئ ٌّي َو ُك ِّلي‬ ‫‪-‬الا ّتقاء من عا ِلم الغيب وال َّشهادة محال‪ .‬‬ ‫ِلشا ِه ِد ال َبقا ِء‪ُ ،‬مخا ِل ًفا ِلشا ِه ِد ال َفنا ِء‪.‬‬ ‫ومن لا صفة له لا فقر له‪.‬‬
‫‪َ -‬من َع َر َف الل َه َع َف َت ُط َر َقه عن غيره”‪.‬‬ ‫َفال ّصفة ِهـ َي القيام بـال َأخـاق ال ُم َح َّم ِد َّي ِة‬
‫“الـحـافـظ َمــن حـ ِفـظ الـوقـت لا َمــن ح ِفظ وهكذا تدور بنا رحى الحب في شعره حول كل معنى‪:‬‬ ‫َفقا َل لي‪َ :‬ه َب ْط َت ِم َن ال َّش ْمس إلى ال َّر ْم ِس‪،‬‬ ‫الـ َّشـرعـ َّيـة ظـاهـرا‪ ،‬والـمـعـرفـة هـي القيام‬
‫َو ِم َن ال ُق ْد ِس إلى ال َح ْب ِس؟‬
‫ُق ْطــــب‬ ‫ُكـــــــــ َّل‬ ‫َدا َر َ ْفــتـــــ َأ َدا َر ْت‬ ‫بال ُح ِّب‬ ‫ِلي َر َحى‬ ‫العلم”‪.‬‬ ‫َأ ْن‬ ‫{ َأ ُتـ ِريـ ُد‬ ‫َفـ َتـ َلـو ُت علي ِه ُم ِشي ًرا بال َخ ْم ِس‪:‬‬ ‫والآداب‬ ‫الحقيق ّية باطنا‪،‬‬ ‫َأبانلآ لد َاا تببتالد ُمع َح َّم ِشد َّييئاة‬
‫ ‬ ‫بأقوالك‬ ‫يخرج ِمـن فيك‬
‫َت ْق ُت َل ِني َك َما َق َت ْل َت َن ْف ًسا ِبا ْ َل ْم ِس}!‬
‫أ ّما لغته الشعرية فهي بحاجة إلى دراسة ال َم َعا ِني َت ْح َت َخ ْف ِضـي‬ ‫َف َت َب َّس َم شا ِه ُد الحا ِل‪ِ ،‬من َهذا ال ِحجا ِج وال ِع َل ِج‬ ‫وأفعالك و َأحوالك عن الاقتداء به»‪.‬‬

‫َت ْح َت َر ْف ِعي َت ْح َت َن ْص ِبي‬ ‫مستقلة توفيها حقها‪ ،‬وسنحاول هنا ذكر ‬ ‫وقـــــــال عـــن مــعــراجــه الـــــروحـــــي والــــــذي‬



‫ربيع الثاني ‪ 1438‬هـ ‪ -‬يناير ‪2017‬م ‪15‬‬ ‫الزاوية‬

‫الإن�سان الكبير‬

‫لما شاء الحق سبحانه من حيث أسمائه الحسنى التي لا يبلغها الإحصاء أن يرى أعيانها‪ ،‬وإن شئت قلت‪ :‬أن يرى عينه في كون‬
‫جامع يحصر الأمر لكونه متصفا بالوجود ويظهر به سره إليه‪ :‬فإن رؤية الشيء نفسه بنفسه ما هي مثل رؤيته نفسه في أمر آخر‬

‫يكون لها كالمرآة‪ ،‬فإنه تظهر له نفسه في صورة يعطيها المحل المنظور فيه مما لم يكن يظهر له من غير وجود هذا المحل ولا‬
‫تجليه له‪.‬‬

‫وقد كان الحق أوجد العالم كله وجو َد شب ٍح مس ّوى لا رو َح فيه‪ ،‬فكان كمرآة غير مجل ّوة‪ ،‬ومن شأن الحكم الإلهي أنه ما س ّوى محلا‬
‫إلا ولابد أن يقبل روح ًا إلهي ًا ع ّبر عنه بالنفخ‪ ،‬وما هو إلا حصول الاستعداد من تلك الصورة المس ّواة لقبول الفيض التجل ّي الدائم‬

‫الذي لم يزل ولا يزال‪ ،‬وما بقي إلا قاب ٌل والقابل لا يكون إلا من فيضه الأقدس‪ .‬فالأمر كله منه ابتداؤه وانتهاؤه (و ِإ َل ْي ِه ُي ْر َج ُع‬
‫ا ْ َل ْم ُر ُك ُّل ُه) كما ابتدأ منه‪ .‬فاقتضى الأمر جلاء مرآة العالم‪ .‬فكان آدم عين جلاء تلك الصورة وروح تلك الصورة وكان الملائكة بعض‬

‫قوى تلك الصورة التي هي صورة العالم المع ّبر عنه في اصطلاح القوم «بالإنسان الكبير»‪.‬‬

‫“فص حكمة إلهية في كلمة آدمية”‬
‫محي الدين ابن عربي‬

‫‪ ‬المعراج‪ ‬ل�سالك‪ ‬المنهاج‪ ‬‬

‫سـوى الـبـاذخ الـعـالي بنسبة إحـسـا ِن‬ ‫ومــــا بــعــد هــــذا مـــن مــقــام لإيمـــان‬ ‫قصيدة للشيخ‪ ‬العالم الشهيد الحبر البحر‪ ‬المحقق‪ ‬الكبير والقطب الشهير‬
‫لــعــبــ ٍد بـــتـــو ٍل في الــعــبــادة ولــهــان‬ ‫مـقـا ٌم بتحقيق الـشـهـود مخص ٌص‬ ‫سعيد‪ ‬بن‪ ‬خلفان‪ ‬الخليلي‪ ‬الخروصي رحمه الله ورضي عنه‪ .‬المولود في‬
‫يـــــــراك لمــــن لا قــــد رآه بـــإيـــقـــا ِن‬ ‫وعـــــ ّرفـــــه الـــــهـــــادي فــــقــــال‪ :‬كــأنــه‬ ‫سنة ‪1230‬هـ ببلدة بوشر من ضواحي مسقط عاصمة عمان‪ .‬تعلم في‬

‫***‬ ‫صباه الفقه والحديث وعلوم القوم على يد شيخه القطب ابن القطب‬
‫الشيخ ناصر بن جاعد بن خميس الخروصي وقد اصطفاه المولى ليعلمه ما‬
‫شــهــودا لمـشـهـود هــنــاك بــا ثــا ِن‬ ‫ولم يفنى حتى غـاب عـن ذكـر ذكـره‬
‫لم يكن يعلم من الأسرار الإلهية‪.‬‬
‫تــدكــدك طـــور الـعـقـل مـنـه بــإذعــا ِن‬ ‫ول ّمــا ُيـشـا ِهـد إن ُيـشـا َهـد شـهـو ُده‬ ‫كان ‪-‬رحمه الله‪ -‬منارة العلماء‪ ،‬ومرجع الفتوى وحل المشكلات العلمية وقد‬

‫لمــــرآتــــه كــشــفــا يـــــــراه بــــوجــــدا ِن‬ ‫ولاح تجــــ ّلــــي الحـــــق فـــيـــه لـعـيـنـه‬ ‫أثرى ‪-‬رحمه الله‪ -‬المكتبة الإسلامية بمجموعة من المؤلفات في شتى‬
‫المجالات‪،‬‬
‫***‬
‫ومنها كتابه الشهير في علم الأسرار المعروف بـــ النواميس الرحمانية‬
‫وخــ ِّل الـ ِّسـوى يخلو فما ثمة اثـنـان ِ‬ ‫فــــعــــ ّرج بــتــجــريــ ٍد لــتــفــريــد واحــــــ ٍِد‬ ‫واستشهد ‪-‬رضي الله عنه وأرضاه‪ -‬في شهر ذي القعدة من عام ‪1287‬هـ‪.‬‬
‫لـنـفـ ٍس تـصـل أعـلـى مــقــا ٍم لإخـــوان‬ ‫إذا ما كشفت الستر عن لَب ِس لبس ٍة‬
‫لعل قصيدة المعراج لسالك المنهاج تعد واحدة من أبدع من كتب شعرا‬
‫صـحـوت بـهـا في كـل غيبة سـكـران‬ ‫وتفنى عـن الأكــــوان في كـل حضر ٍة‬ ‫في علم التوحيد وعلوم أهل الله لما فيه من تجليات لرحلة روحية يتعرف‬
‫فيها الإنسان على درجات الوجود ومراتب الإسلام انطلاقا من الإسلام‬
‫لمـعـنـى بــه تـبـقـى إذا عـــ ّوض الـفـاني‬ ‫فــقــم في فــنــاهــا بــالــعــبــادة فـانـيـا‬ ‫كوظيفة بدن إلى الإيمان كوظيفة قلب وصولا إلى المقصد الأكبر للخليقة‬
‫حـــلـــ ًى وكـــــمـــــالا ٍت بــــدائــــع أفــــنــــان ِ‬ ‫تـرى ذيـك من أوصافها في صفاتها‬ ‫وهو الإحسان وقد أحسنت القصيدة في تعاطيها للمفاهيم الإلهية في‬

‫جــمــالا لـهـا حـصـن الــكــمــال بــه بـاني‬ ‫وتشهد في مــرآة كشفك حسنها‬ ‫سياق فني وأدبي رفيع لتظهر بكمال الدين وتمام النعمة‪ ،‬ويمكن لكل‬
‫متلق ٍ على قدر جيد من الاستعداد بأن يشعر بالحضرة التي نبعت منها‬
‫قـــريـــبـــا تجــلــيــه بـهـيـكـلـهـا الـــــداني‬ ‫تـريـك عـلـى بـعـد المـسـافـة مـن نـأى‬
‫القصيدة حتى تنتشله من عالم التوحيد إلى فضاء التفريد المنزه عن‬
‫عــن الخـلـق بـعـد الحـــق آيـــات فـرقـا ِن‬ ‫وتـقـرأ منها نسخة الـكـشـف كلها‬ ‫الإطلاق والتقييد في مشاهد روحية كانت ذكرى لكل ذي قلب واسع أو‬
‫لمن ألقى سمعه بعد شهوده للحقيقة (إ َّن ِفي َٰذ ِل َك َل ِذ ْك َر ٰى ِل َمن َكا َن َل ُه‬
‫وأمــاكــهــا والــطــر والإنـــــس والجـــان‬ ‫فتبدي لديك العر َش كالفرش والسما‬
‫َق ْل ٌب َأ ْو َأ ْل َقى ال َّس ْم َع َو ُه َو َش ِهي ٌد)‪.‬‬
‫لجـــوهـــر ِه الــكــلــي في ســــره الــقــاني‬ ‫ويـحـضـر أشــتــات الـــوجـــودات فـر ُدهـا‬
‫لــســ ّر ظــهــور الحــــق فـيـهـا بـتـبـيـان‬ ‫و ُيـر ِقـيـك منها في مـراقـي عروجها‬ ‫وهنا نورد مقتطفات لأبيات القصيدة التي يتحدث فيها عن‬
‫بـــــواطـــــ َن نــــــو ٍر في جـــالـــة رحــمــن‬ ‫تٌــعــايــن مـنـهـا بــالمــظــاهــر ظــاهــرا‬ ‫رتبة الإحسان‪:‬‬

‫الزاوية‬ ‫ربيع الثاني ‪ 1438‬هـ ‪ -‬يناير ‪2017‬م‪16‬‬

‫الطرق إلى الله بعدد نفوس الخلائق بل بعدد أنفاس الخلائق‪.‬‬
‫ليست مجرد ‪ 96‬دقيقة تلك التي تدعو العالم للدخول في حضرة‬
‫الرحلة الأبدية‪ ..‬الرحلة إلى الداخل‪ ..‬إذ لا يزال يجذبنا إليها المخرج‬
‫التونسي ناصر خمير عبر فيلم (بابا عزيز) بعد مرور أكثر من عشر‬

‫أعوام على عرضه الأول‪.‬‬

‫يروي الفيلم قصة الجد الضرير بابا عزيز مع حفيدته عشتار وهما‬
‫يقطعان الصحراء لبلوغ المكان الذي يجتمع فيه مريدو الله‬
‫القادمين من شتى بقاع الأرض كل ثلاثين عاما‪ .‬ليخطفنا معه‬

‫في تجليات أثر الغزالة التي تدفعك تلقائيا لملاحقتها معه!‬

‫وكقلب عشتار المتلهف تجد نفسك قد فتحت أبوابك الروحية‬
‫لتتلقى كلمات بابا عزيز ممعنا في المعاني الإلهية النابعة من‬
‫روح عارفة‪ ،‬لكن الدهشة تكمن في أن بابا عزيز يعرف طريقه في‬

‫الصحراء رغم أنه أعمى!‬

‫عبر الطريق تتقاطع القصص والأحداث مع عابري سبيل ومريدين‪،‬‬
‫لتحمل كل قصة شكلا ما من أشكال المحن والحنين إلى الله من‬

‫خلال بحث الإنسان عن إنسان آخر!‬

‫نرتد بالزمن إلى الوراء لنشاهد الأمير وهو يترك الدنيا بكامل‬
‫ملذاتها بعد أن ترك نفسه بمجرد استغراقه في صورته‬

‫المنعكسة على صفحات الماء‪.‬‬

‫يصعد الفيلم بوعي المشاهد ليكشف له حقيقة الدين الداخلية‬
‫وسر الطريق إلى الله لنشهد أن كل إنسان فر ٌد يأتي الله فردا‪،‬‬
‫وأن حياتنا لله وهي رحلة رجوع إليه سواء شعرنا بذلك أم لم‬

‫نشعر (وأ ّن إلى ربك المنتهى)‪.‬‬


Click to View FlipBook Version