51 والسؤال الذي يطرح نفسه بعد كل ذلك هل ان ضرب الصدور والبكاء والعويل يقضي على الفقر والفساد ويوفر لنا االمن واالمان اليوم في العراق مثال ؟. وهل يحرر بلدنا االحتراب واالقتتال الطائفي الذي شجعت وتشجع عليه القيادات التي تقود الحركات واالحزاب االسالموية ؟ . ان الخالص الحقيقي يكمن في التوجه بسالحنا نحو المحتل وتابعيه، و العوده الى روح االيمان الحقيقي بالدين الحنيف واستلهام كل ماهو مشرق من قيمه . وااليمان بالنفس وقدراتها الخالقة والعمل في ظل قيادة تنبذ الطائفية هو الخالص. وللخالص طرق كثيرة اخرى بعيدة كل البعد عن تلك التي نراها اليوم في العراق وغير العراق على يد فرق االسالم السياسي . ومن االسباب االخرى التي تؤدي الى ظهور الحركات الدينية بشكلها السياسي الطائفي المعروف هو ردود االفعال السطحية على النكسات ال مؤقته التي تمر باالمة ، وهي ال تعدو ان تكون مشروع لسد الفراغ مؤقتا بسبب االستهداف االستثنائي للقوى الحية في امتنا العربية ومنها العراق، فعندما تستهدف الحركات السياسية والعقائد ذات قوة جماهيرية وزعامة قوية تحشد طاقات الشعب نحو تحقيق اهدافه الحقيقية والتغلب على تحدياته المعاصرة ، تبرز الحركات الدينية االسالموية في محاولة منها لسد الفراغ، والتجربة في العراق خير دليل على ذلك . ان تعرض قوى االمة الحية الى هجمة امبراطورية الشر امريكا وحلفائها من صهاينة وصفويين ادى الى بروز ظواهر تتستر بالدين كغطاء لتحقيق طموحات شخصية باالستيالء على السلطة معتقدين ان الظرف الذي يمر به العراق دائم فهي التعرف ان االحتالل سوف يزول وهذه هي حتمية التاريخ . ان االيمان الطبيعي وااليجابي بالدين يوفر لالنسان طاقة روحية كبيرة تدفعه نحو النضال والتضحية ، غير ان العلة تكمن في تصميم قيادات الحركات واالحزاب الدينية التي تسيطر اليوم على الحياة السياسية في العراق وفي اكثر من قطر عربي هي على عكس ذلك . فمن الجدير بالتنويه الى انه وبهدف اضفاء الشرعية على الحركات واالحزاب االسالموية نجد انها كانت والزالت تدعي انها تقف في بعض الحاالت مواقف مناهض ة للوجود االستعماري او الصهيوني ومصالحه بالمنطقة ، ولكنها في الغالب وعلى صعيد الواقع و المدى االستراتيجي يصب موقفها في خدمة المخططات االستعمارية والصهيونية، فالطبيعة الطائفية التي تمتاز بها تلك االحزاب والحركات معروفة للمحتل وبالتالي فهو يجيد العزف على وتره ا، مما يفضي الى تحقيق هدفين اساسيين هما تقسيم الوطن واالمة من جهة، واالمعان في تعزيز التخلف من خالل التجهيل المنظم الجيالها الصاعدة من جهة أخرى . فما يدور في العراق واستغالل المحتل االمريكي والصفوي االيراني للحركات واالحزاب الدينية معروف، فهل القتل المتبادل الذي يعتمد على اسسس طائفية يصب في خدمة المحتل ام يصب في خدمة الوطن ؟ ومالذي يفسر وقوف تلك االحزاب والحركات الدينية السياسية مع المحتل االجنبي ضد حركة القومية العربية التي تأكد بما اليقبل الشك انها حركة تحرر وحدوي يهدد الوجود والنفوذ الصهيوني واالستعماري في الوطن العربي، وهل ينسجم موقفها هذا مع موقف
52 االستعمار االمريكي الصهيوني الصفوي او الينسجم؟ وماذا يعني تأييد الحركات االسالموية لقانون بريمر باجتثاث البعث كفكر قومي عربي تقدمي؟ ولقد شخص حزب البعث العربي االشتراكي في وقت مبكِّر الحقيقة الموضوعية لآلثار االجتماعية واالقتصادية التي ستنعكس على المجتمع في حالة سيادة االحزاب االسالموية وتمكنها من الواقع السياسي. وبيَّن اثر ذلك على المسيرة الحضارية للشعب وخطوات نهوضه، ووثق ذلك في التقرير السياسي للمؤتمر القطري التاسع لحزب البعث العربي االشتراكي في العراق عام 1982م حيث اشار : } لو قدر وان استلمت الحركات واالحزاب الدينية الحكم في العراق او في اي بلد عربي اخر فانها ستحتاج الى )10ـ20 )سنة من أجل تدمير البنى السياسية واالقتصادية والثقافية واالجتماعية القائمة في المجتمع، واعادة بنائها وفق أسس دينية كما يفترض ذلك، على افتراض أن هذه العملية ممكنة وستنتهي بالنجاح خسارة )10ـ20 )سنة في سياق التطور السياسي والعسكري واالقتصادي واالجتماعي والثقافي بين االمة العربية من جهة ، وبين االستعمار والصهيونية من الجهة االخرى وليس صعبا معرفة الجهة التي ستستفيد من ذلك ، غير ان االمر المؤكد هو ان عملية كهذه ، على ما تتطلبه من فترة طويلة، اليمكن ان تتكلل بالنجاح{. الطائفية السياسية يف العراق العراق من بين االقطار العربية التي عرفت االسالم السياسي، والمقصود هنا هو االحزاب والتيارات التي تتستر باالسالم، كغطاء لتنفيذ اجندتها الداخلية والخارجية ، وهي االحزاب التي تعتمد الطائفة في تشكيلها وهيكلها التنظيمي ، وبسبب افتقارها للحلول واالستراتيجيات لمواجهة التحديات السياسية واالقتصادية واالجتماعية التي تواجهها االمة في الزمن المعاصر والتي من المفروض ان ت كسِب تلك االحزاب الجماهيرية المطلوبة ، نجد ان آليات عملها تعتمد على إثارة النعرات الطائفية بين افراد المجتمع الواحد لتحقيق الشعبية واالنتشار وللوصول الى اهدافها التي غالبا ما تكون خفية والتنسجم مع االهداف المعلنة. ان تجربة هذه االحزاب الطائفية في العراق وخاصة خالل فترة ما بعد احتالله 2003م دليل حي وواقعي على ما نقول. فمن منا سمع ان عضوا او كادرا في حزب من هذه االحزاب دعا بالعلن وعلى رؤوس االشهاد الى تقسيم النسيج العراقي الواحد الى شيعة وسنة باستثناء القلة ؟ . لكننا نعرف من هو الذي يرمي الجثث في شوراع العراق ومن ه و الذي يحرق االخضر واليابس ونعرف ايضا ان تلك االحزاب لم توجه بنادقها الى المحتل االمريكي بل انها وبسلوكها الطائفي تقدم خدمة مجانية للمحتل بوعي منها او بغير وعي. ويحق لنا ان نتساءل ونحن ابناء الوطن الواحد المتعايش بسالم ووئام عم بين كل ابنائه، متى عرف ابناء العراق مصطلحات مثل ) الرافضة والنواصب (؟ . لقد تعزز ذلك في االعوام 2005-2006 ،وما يحدث اليوم في ساحات التحرير من تدخل بعض تيارات االسالم السياسي وتصديها للشباب الثائر والمطالب بوحدة العراق ونبذ الطائفية امتداد لتلك االعوام وبطريقة ابشع واخس وتحت تسميات مختلفة.
53 والسؤال هو متى عرف ابناء العراق القتل على الهوية والذي تمارسه كل االحزاب االسالموية ؟ ، ومتى عرف ابناء العراق االغتياالت والخطف وشتى انواع االعتداءات كما يحدث اليوم مع ثوار وثائرات تشرين الشبابية . والمتفحص لتاريخ العراق الحديث يجد ان االحزاب االسالموية بقيت تعاني من العزلة عن ابناء الشعب العراقي حتى عن المتدينين الحقيقيين طيلة السنوات التي سبقت االحتالل النها لم تجد البيئة الحاضنة والمشجعة لتتحول من خاللها الى ظاهرة كما كانت في البعض من االقطار العربية وما نراه اليوم في ظل االحتاللين االمريكي وااليراني وتابعيهم. والسبب الذي يقف وراء ذلك معروف، فاالحزاب السياسية الوطنية التي ناضلت في العراق ومنذ تأسيس الدولة العراقية وعلى رأسها حزب البعث العربي االشتراكي كانت على معرفة تامة ودراية بخطر تأثير هذه االحزاب الطائفية على الدولة العراقية وعلى نسيج الشعب العراقي ، فما كان منها اال التصدي لتلك االفكار الهدامة في الوقت الذي تتعامل فيه مع المسألة الدينية الحقّة تعامال مبدئيا وبصورة ايجابية . ففكر البعث العربي االشتراكي لم يدفن رأسه بالرمال فلم يعمل على التعامل مع الدين على انه افيون الشعوب كالفكر الماركسي ، بل على العكس من ذلك فكتابات القائد المؤسس وقادة ومفكري الحزب الحقا واالمين العام للحزب الرفيق عزة ابراهيم ، قد تعاملوا مع االيمان الحقيقي ومع المسألة الدينية بروح منفتحة دعت الى الوقوف مع االيمان بوجه االلحاد ودعت الى العودة الى الدين كرسالة توحِّد االمة ال تفرقها كما يعمل االسالم السياسي الذي يتعامل مع االمور الثانوية في الدين ويترك االصل. ذلك اال صل الذي تمسك به البعث وقيادته في العراق واالمة العربية جمعاء. وقد عمل البعث على زيادة وعي الشعب بمخاطر هذه الظاهرة واتصالها بمصادر تمويلها وتدريبها الخارجي الذي يحركها كما ت حَرَّك الدمى في مسرح العرائس وألغراض معروفة. فمن منا اليعرف على سبيل المثال ال الحصر ان حزب الدعوة العميل ذو الصبغة الطائفية واالتجاهات المشبوهه كانت تقوده عناصر ايرانية ايام الثمانينات من القرن الماضي وتاريخ هذا الحزب يشهد بذلك . وقد استفحل تاثير هذه االحزاب االسالموية بعد االحتالل فلم تصل اي من االحزاب والحركات االسالموية في اي وقت من االوقات الى مستوى يمكن ان تشكل تهديدا جديا على المجتمع العراق كما هو حاصل اليوم وفي ظل االحتالل والحكومة العميلة االمر الذي يدعونا الى البحث عن السبب الكامن وراء ذلك ، فنجد ان االحزاب والحركات االسالموية لم تنته ايام النظام الوطني في العراق برغم عزلتها ولالسباب التالية : 1ـان حزب البعث العربي االشتركي حزب مؤمن أصال يحترم الدين والذين يمارسون الطقوس الدينية ويدعم رجال الدين والمؤسسات الدينية. واالسالم في الدولة التي يقودها البعث هو المصدر االساسي واالول للتشريع . اال ان الحركات االسالموية الطائفية استخدمت االماكن الدينية كمراكز للنشاط واستطاعت ان تغلف نشاطاتها السياسية التخريبية المعادية للعراق ووحدته
54 وتنفذ اهداف واغراض القوى االجنبية المرتبطة بها تحت ستار ممارسة الطقوس الدينية مستغلة تلك الحرية الدينية وممارسة الشعائر والطقوس والدعم الذي كانت تتلقاه المؤسسات الدينية بكل اطيافها في ظل قيادة البعث للدولة العراقية . 2ـاتاح البعث حرية ممارسة العالقات الطبيعية القائمة بين رجال الدين في العراق مع العالم االسالمي واالتصاالت بين رجال الدين المسلمين في مختلف البلدان االسالمية ومن مختلف المذاهب. فالمرجعية الدينية في محافظة النجف االشرف مثال كانت تفتح ابوابها الستقبال الضيوف من كل القوميات واالجناس دون تدخل من جانب الدولة العراقية. والنها كانت تتعامل باحترام مع رجال الدين ، فالدولة في ظل نظام البعث كانت تفترض حسن النية والصدق والشجاعة في رجال الدين ، فمن يصدر فتوى قبل االحتالل ويغيرها بعده، ومن يرفع شعار الجهاد قبل االحتالل وينظم لعمليته السياسية فيما بعد في ظل محتل اجنبي هم بعيدين كل البعد عن التصور المبدئي الذي يتسم به رجال الدين الحقيقيين والذي افترضته قيادة البعث فيهم. فالصدق بالتعامل هو من اهم الشروط التي يفترض انها تتوفر بالمتدينين ورجال الدين، وهذا ما لم نجده في قادة االسالم السياسي فالسياسة حولت رجل الدين الى شيطان، انتهازي، منافق ، وقاتل. 3ـان من االسباب التي جعلت ظاهرة االسالم السياسي )الطائفي( تنتشر بين اوساط البعض من الشباب كانت تعود الى بعض العوامل منها : أـاالستهداف الذي تعرضت له حركة القومية العربية وحركة الثورة العربية والتحديات الكبيرة التي واجهتها في العصر الحديث وبخاصة قضية ت حرير فلسطين وما الم بها من نكسات . ب ـان ظاهرة التدين عند الشباب وغيرهم من المراتب االجتماعية تبقى بنسبة معينة ظاهرة طبيعية مرتبطة بالسن، وتتصل بمسألة االيمان والعالقة بين االنسان والدين وحاجته اليه مع الخصوصيات التي ينفرد بها اغلبية الشباب في مرحلة السن المبكرة وعنفوانها . ج ـان حالة االنتقال الحاسمة من عصر الى عصر اخر ومن مرحلة الى مرحلة اخرى تحدث حالة من الخلل والقلق وعدم التوازن لدى اوساط معينة من المجتمع، وفي مثل هذه الظروف تبرز ظواهر عديدة كرد فعل على مرحلة االنتقال منها ظاهرة التدين، حيث يشكل الدين والتدين وعاءا او مناخا مالئما تماما الستقطاب الحاالت السلبية او التي تمر بظروف صعبة تحول دون قدرة االفراد على مواجهتها او التكيف معها. وفي هذه الظروف بالذات يمكن لالسالم السياسي ان يستثمر ذلك لصالحه وذلك في استقطاب الشباب ودفعهم لتحقيق االغراض التي يريد تحقيقها وهذا ما يحدث اليوم في العراق. فما نراه اليوم في ظل االحتالل خير دليل على ما نقول. فنرى انتشار بعض المظاهر الشاذة والالعقالنية والم قحَمة على المجتمع ال عراقي الضارب عمقه الحضاري الالف السنين. فما معنى الزحف على البطون باتجاه المراقد المقدسة في العراق، وجلد الصدور والظهور، والبكاء الهستيري كتعبير عن االيمان ؟؟ .
55 4ـان الحركات واالحزاب االسالموية التي ارتدت قناع التقوى والورع، والتي رفعت شعارات دينية مخالفة لحقيقتها الخفية ، قد انكشفت بسرعة بعد اربع سنوات من عمر الثورة العراقية المسلحة على يد رجال المقاومة الشجعان الذين تكسرت على صخرة صمودهم كل االفكار الطائفية الهدامة والتي عمل المحتل على تغذيتها لتحقيق مبدأ فرق تسد القديم الجد يد. ان الحقيقة الواضحة والجلية اليوم هي ان االسالم السياسي في العراق يمر بمأزق وجودي كبير فاالحزاب والحركات الطائفية التي اشتركت فيما سمي بالعملية السياسية بشقيها الشيعي والسني قد حكمت على نفسها بالموت ، وهذا بالذات هو ما افرزته ثورة تشرين الشبابية في العراق . ان الترويج االعالمي في وسائل االعالم العربية وغير العربية والتي ادعت نهاية الفكر القومي العروبي في العراق وعلى امتداد الساحة العربية مع اجتياح اول دبابة امريكية ارض العراق ، قد دحضته الحقائق التي تفرزها االيام يوما بعد اخر. فهذه االيام هي ايام الثورة العراقية التي تنادي باستعادة الوطن الواحد والحق والهوية العربية. انها االيام التي اثبتت وتثبت ان الفكري القومي العروبي الموحِّد هو في عنفوانه وانه اصيل ومتجذر في االرض العربية وهوالبديل الحقيقي لكل ما يحدث اليوم في العراق. وان االحباط الذي اصاب البعض في بداية االحتالل اخذ يتحول الى امل بمستقبل مشرق المة العرب، مستقبل افضل واسمى، ينطلق من العراق العظيم عبر ثورة شبابه الكبرى .
56 الطليعة البعثية - املهام والواجبات ما هي المهام والواجبات الملقاة على حزبنا العظيم حزب البعث العربي االشتراكية وطليعته المجاهدة اليوم وفي المستقبل؟ ان حزب البعث العربي االشتراكي هو التنظيم الجهادي لطليعة نذرت نفسها من اجل تحرير العراق من االحتالليين االمريكي والفارسي في العراق والصهيوني في فلسطين على طريق تحقيق اهداف االمة العربية الكبرى في الوحدة والحرية واالشتراكية ، االه داف التي لم يخترعها الحزب اختراعا بل جاءت نتيجة معاناة ومخاض عسير المة العرب و نتيجة لدراسة علمية للقوانين المحركة للواقع العربي والصراع الطويل الذي خاضته وتخوضه الجماهير العربية الواعية وغير الواعية من اجل حريتها وانعتاقها وسيادتها ، الجماهير التي قامت وتقوم بدورها المطلوب هي القوة التي لها القدرة على صناعة التاريخ وهي الملهمة للحركات الجهادية وليس العكس ، فال ينبغي ان تضع االحزاب والحركات الجهادية ومنها حزب البعث العربي االشتراكي نفسها بديال للجماهير وال تبتعد او تنعزل عنها، وبقدر تعلق االمر بحزبنا فان الدور الذي اخذه على عاتقه ، هو دور الطليعة في الصراع القائم بين الجماهير العربية ومنها ابناء العراق من جهة وبين القوى االستعمارية وكل من تعاون معها من جهة اخرى. ان اعضاء حزبنا الطليعي اليوم وفي ظل التامر الذي يحيط بهم وبحزبهم من كل جانب مطالبين بالتماسك وادراك واجباتهم تمام االدراك والتجاوب مع الجماهير والتفاعل معها و طرح افكار واهداف الحزب المشروعة المعبرة عن الجماهير وتطلعاتها، الجماهير التي فقدت ثقتها بالزعامات التي نصبتها االمبريالية والصهيونية العالمية والتي جاءت مع االحتالل االمريكي للعراق، فهذه الجماهير ال يمكن ان تبقى في نفق مظلم ليس في نهايته ضوء، وحزبنا هو الوحيد المؤهل كما نعتقد لتقديم هذا الضوء ، فهو المعبر عن الجماهير في صراعها التاريخي مع اعدائها ، والمعبر عن تطلعاتها في التحرر واالنعتاق والسيادة واالستقرار، والمؤمن باهمية التنظيم الطليعي قوة محركة للجماهير، الجماهير التي لم تعد تصدق االقوال والشعارات ، فقد استمعت في السنوات االخيرة الى احسنها دون ان تلمسها في الواقع المعاش ، الجماهير تنتظر االعمال لتحكم لها او عليها، وحزبنا، حزب البعث العربي االشتراكي هو القادر على ربط القول بالعمل وايام الحكم الوطني في العراق والمنجزات الكبرى التي تحققت ومنها حملة اعادة البناء واالعمار البرهان الساطع على ذلك . ماذا نعن ي بالطليعة وما هو دورها؟ الطليعة كما عرفتها ادبيات حزبنا )هي ذلك الجزء من جماهير الشعب الواعي لدور الشعب التاريخي ، وهي التي تخوض المعارك بشكل عفوي وطبيعي ، الينقصه الصدق في التعبير وال االخالص في التنفيذ، فالجماهير تخوض -كلها- المعركة، ولكن طليعتها هي التي تعي معنى هذه الصراع تحليال وتركيبا، ووضعا له في اطاره التاريخي الصحيح( ، الطليعة هي الضمان الستمرار
57 المقاومة، مقاومة الشعب للمحتل واعوانه، فالجماهير الشعبية قد تستسلم الى الحياة اليومية الرتيبة ومعاناتها في البحث عن لقمة العيش والحصول على الماء والكهرباء والوقود، االمر الذي تتصدى له الطليعة التي تقود الجماهير وذلك من خالل االبقاء على جذوة الصراع والمقاومة مشتعلة. الطليعة هي التنظيم وااللتزام ، فمعارك االمة المصيرية ال يقودها افراد وال تتوالها جماهير من غير تنظيم وال التزام، وانما تقودها قيادة منظمة ملتزمة ليست منفصلة عن جماهير الشعب ، هي فئة من فئات الشعب، الهي فوقه، والهي وصية عليه، وانما هي بحكم وعيها وتنظيمها وممارستها للعمل المقاوم، قائدة له من داخله وليس من خارجه، فال فرق بين الحزب والجماهير، فتطلعات الحزب واهدافه هي تطلعات واهداف الجماهير، والفرق هو في مقدار التنظيم، وااللتزام، والتضحية، واستمرارية المقاومة والمطاولة في معركة مصيرية بين ابناء االمة العربية المجيدة وبين من يحاول اجتثاث وجود هذه االمة الحية التي وجدت لتبقى وتمارس دورها التاريخي الرسالي الذي اجتباها اهلل جلت قدرته له ، ومن هنا علينا ان نتذكر دائما شعار )البعثي اول من يضحي واخر من يستفيد( ونعمل على تطبيقه اليوم، ان مهمة الطليعة كما تقول ادبيات حزبنا )العمل على تفتيح بذور النضال وتحويل قطاعات الشعب من جماهير عفوية الى جماهير منظمة واعية لمهمتها التاريخية(. ان من الواجبات التي على الطليعة القيام بها هو قيادة المقاومة الشعبية المسلحة التي تهدف الى اقتالع العوامل التي تقف حجر عثرة امام تحقيق االهداف المشروعة لجماهير شعبنا، سواء تمثلت هذه العوامل باالحتالل ومشتقاته وارتباطاته، او بما يسمى بالحكومات العميلة ، وان من اهم الواجبات هو العمل على اقناع الجماهير الشعبية في دعم المقاومة والمشاركة الطوعية في العمل من اجل تحقيق االهداف المرحلية واالستراتيجية وذلك من خالل انتزاع روح االتكا ل، ودعوة الجماهير الى تطهير الذات وخلق روح االبداع، والتوعية المستمرة في صفوف الشعب ، والتوعية المقصودة ليست عملية نظرية ، وهي ال يمكن ان تتم بالقاء المحاضرات والخطب على ابناء الشعب ، ولكنها تتم في العمل المقاوم يدا بيد مع جماهير الشعب المشارك في حمل البندقية والحضن ماديا ومعنويا للمقاومة التي تقودها طليعة البعث العظيم.
58 األخالق مسة من مسات حزب البعث العربي االشرتاكي األخالق كمفهوم فلسفي ومصطلح لغوي قد تناوله الفالسفة بالشرح والتحليل، وكذلك تناوله علماء اللغة وعلماء االجتماع بما يتناسب ودراساتهم بهذا الشأن، الرسائل التي وصلتنا عبر هؤالء العلماء تقول إن األخالق )نسبية من حيث الزمان والمكان(. إن ما يعتبره شعب من الشعوب أو أمة من األمم من المسلمات األخالقية لشعب في زمان ما، قد ال يعتبره كذلك في زمن أخر، وهكذا الحال بالنسبة للمكان. فاألخالق والمفاهيم األخالقية التي تتعامل وتعمل بموجبها الشعوب األوروبية هي ليست كذلك بالنسبة للشعوب األسيوية، وقد يصل االختالف بينهما حد التناقض الحاد الذي يقود إلى صراعات مختلفة. هناك من يقول إن بعض المفاهيم األخالقية ال تخضع لقاعدة النسبية وهذه المفاهيم هي الشجاعة، اإلخالص، األمانة...الخ، يقولون إنها مدلوالت مطلقة وهذا التصور الذي يرى المطلق فيما ذكرنا بحاجة إلى إعادة نظر من وجهة نظري الشخصية فالوفاء واإلخالص واألمانة لم تعد لها نفس الداللة في زمن الهيمنة األمريكية على حياة الشعوب واألمم، فالغزو األمريكي اإلمبريالي للعالم ومنه غزوه المتنا العربية واإلسالمية وبالخصوص العراق وفلسطين، هو عبارة عن حملة شرسة لتغير المفاهيم األخالقية ومنها ما نتصوره مطلق وبما يتناسب مع مفاهيم المغول الجدد والتي تندرج تحت شعارات براقة منها )الشرق األوسط الجديد( وعبر خطته أطلق عليها تسمية ) الصدمة والترويع ( . األخالق هي من سمات حزبنا حزب البعث العربي االشتراكي، فاألخالق كما يراها البعث هي ليست تعبيرا إنشائيا وال تندرج تحت أي من التصورات الفلسفية التي تقسم منظومة األفكار واالتجاهات إلى ما هو مادي وما هو مثالي والمعروف إن الغوص بال مادية والمثالية وأيهما اسبق في الوجود سيقودنا إلى جدال طويل وربما عقيم، فاألخالق كما يرها البعث والمنشورة في الكثير من أد بياته تعني ما يرتبط بالسلوك اليومي للبشر أي ارتباطها بالواقع الحي المتحرك وبالتحديد هي نمط السلوك الفاضل في مجتمع معين، فرفض الواقع الفاسد والنضال لتحقيق مجتمع أفضل وفق تصور علمي يعتمد اإلنسان كغاية ووسيلة، يناضل من اجل التخلص من الغش والخداع والوصولية...الخ يعتبر من صلب األخالق. إن النظرة األخالقية للبعث نجدها في ما كتبه الرفيق المرحوم احمد ميشيل عفلق في سبيل البعث حيث يقول ) تنحصر في ا آلمر األتي : ـ مادام هذا النوع من العيش الطبيعي الكريم محرما على األكثرية الساحقة من الشعب نتيجة لألوضاع الفاسدة، فان المؤمنين بحق الشعب ال يقبلون أن يشاركوا في شيء يعتبرونه اآلن غير مشروع، ويرونه ظلما للشعب، لذلك فهم يفضلون عليه حياة المبدأ، فالنضال وقانون الحياة الذي ال هزل فيه ال يمكن أن يسمح بتحقيق غاية كبرى وتقدم خطير وانقالب جوهري دون أن يقابل ذلك ثمن كبير هو التضحية (، إن أي منصف يحاول إسقاط ما قاله القائد المؤسس على الواقع الحالي في وطننا العربي والعراق على وجهة الخصوص يجد
59 أن العيش الكريم مفقود في العراق على سبيل المثال، نتيجة االحتالل األمريكي وحفنة اللصوص التي نصبها على رقاب الشعب العراقي، فاألقلية تسرق وتبني بيوت لها في أوربا بمساعدة السارق األكبر وهو المحتل والشعب العراقي بين مشرد وجائع وأسير، واستنادا إلى قول المؤسس فأننا نجد حزب البعث العربي االشتراكي كان وال يزال أمين على مبادئه وذلك بوقفته المشهودة بوجه المحتل وأعوانه وذلك من خالل البندقية والرفض المطلق ألي مساومة تحت شعار ) المصالحة واالشتراك في العملية السياسية ( ، وهذا يعني أن البعث كان قد ترجم مفهومه لألخالق إلى واقع ملموس وقد حافظ على المرتكزات األساسية التي انطلق منها وفيها منذ المؤتمر التأسيسي األول، فالتضحية التي قدمها البعثيون هي ما يجب عليهم أن يفاخروا فيه العدو والصديق فهي الدليل الحي على تمسكهم بأخالقية البعث التي حدثنا عنها المؤسس، فشهداء البعث واألسرى تعبير حي وحسي على األخالق البعثية التي تمتع بها رفاقنا والتي تربوا عليها، فالتضحية هي من ابرز السمات األخالقية التي يسعى البعث إلى بلورتها في نفوس المناضلين وهاهم رفاقنا الشهداء واألسرى يجسدونها تجسيدنا حيا، فالتضحية بالنفس ومتاع الدنيا هي من العالمات التي تدل على وعي كل مناضل بعثي بمستلزمات الصراع مع القوى الغاشمة، إمبريالية كانت أو صهيونية أو رجعية عفنة، فال يمكن مجابهة اإلمبريالية األمريكية والصهيونية العالمية والرجعية العربية التي تحولت إلى قطيع من العمالء وكذلك النفس دونما امتالك قدرة طوعيه في التضحية بالنفس والراحة من اجل التحرر واالنعتاق وتحقيق مستقبل أفضل لوطننا وامتنا المجيدة. إن التضحية وكما يراها البعث مرتبطة ارتباط وثيق بجوهر حركته أي ) حزب انقالبي ( ، االنقالب على الذات والواقع وصوال إلى بناء إنسان عربي جديد وواقع أفضل، واالنقالب بمعنى التضحية هو محور حركة البعث ومفهومها الخاص باألخالق، فاألخالق التي يدعو البعث إليها هي أوسع من أن تكون برنامجا سياسيا وأكثر من أن تكون أسلوبا أو وسيلة لتحقيق مبادئ الحزب، إنها النفس الصافية، المتجاوزة لكل ما هو خسيس وجبان ومتعفن، إنها سلوك يعتمد القيم األخالقية التي عرفها أسالفنا العرب ونشروا رسا لة اإلسالم من خاللها، إنها اإلخالص، التضحية، الشجاعة، التواضع، نكران الذات في سبيل الغاية السامية، االلتزام، إنها السلوك الفاضل، هذه هي األخالق من وجهة نظر البعث والتي يربي ويثقف أعضائه واألجيال العربية عليها . إن حزب البعث العربي االشتراكي ال يستطيع أن يحقق أهدافه إال من خالل تنظيم نضالي وهذا التنظيم ال يمكن أن يقوم دون مناضلين يؤمنون بالشعب و األمة والتحرر وحتمية النصر، أي يجسدون في أنفسهم النموذج النضالي للمجتمع الذي يطمحون إلى تحقيقه، أنهم وسيلة النضال وغايته األساسية وحتى تتحقق أهداف حزبنا حقا البد أن تهيأ له كما يقول الرفيق المرحوم احمد ميشيل عفلق ) أدوات حية من البشر تكون من نوعه وجوهره حتى تكون أمينة في تطبيقه، واعية ألساليبه وطرقه، إن النضال الذي سميته التعبير العملي عن االنقالب، هو الذي يخلق األدوات الحية، أي المناضلين، الذين يصبح االنقالب شيئا حيا في نفوسهم وعقولهم و أخالقهم أو يصبح حياتهم ذاتها، فال بد إذن من اجتياز هذا الطريق الذي يخلق لنا المناضلين تباعا والذي يكون
60 امتحانا للنفوس القوية المثالية التي تتعفف عن المصلحة الشخصية وتنظر إلى الحياة نظرة ابعد وارفع من اللذات واالستمتاع، والتي ترى فيها تحقيقا لعنصر سام سماوي وجد اإلنسان لكي يشع في سلوكه، هذا النضال هو المصنع لألدوات االنقالبية األمينة الوفية (. من خالل ما تقدم نرى إن السمات األخالقية البعثية التي تتصل بالسلوك الفردي والجماعي في آن واحد قد تبلورت أمامنا من خالل المسيرة النضالية الحافلة بال تضحيات وخاصة في السنين المنصرمة. تحية إجالل و إكبار لحزبنا العظيم حزب البعث العربي االشتراكي وقيادته المناضلة القابضة على الجمر في هذا الزمن الرديء.
61 االخالق العربية يف زمن االسالمويني هناك من يقول إن بعض المفاهيم األخالقية ال تخضع لقاعدة النسبية وهذه المفاهيم هي الشجاعة، اإلخالص، األمانة...الخ، لكنها وحسب الواقع الذ ي نعيشه اليوم في عالمنا العربي واالقليمي والعالمي لم تعد مطلقة او هي على االقل بحاجة الى اعادة نظر، فالوفاء واإلخالص واألمانة لم تعد لها نفس الداللة االخالقية التي تعارف العرب عليها في زمن االسالمويين الجدد. ان العمل على استعراض االخالق كمفردة لغوية او فلسفية تأريخا يجعلنا نقف حائرين بين مطلق ونسبية المفردة لغويا وفلسفيا لكن هذا ال يلغي المعرفه العربية التي توارثتها االجيال عن مفردة االخالق وما تضم بين ثناياها من مفردات اخرى تشير الى ما هو صالح وما هو طالح، فحاتم الطائي يعني الكرم وعنترة العبسي يعني الشجاعة وعروة بن الورد يعني التضحية وبو رغال يعني الخيانة وابو لهب يعني الكفر ...الخ. ينظرالفيلسوف اليوناني ) أفالطون ( إلى المسألة األخالقية من خالل نظريته االجتماعية حيث يقول،إن ما يحمل قيمة حقيقية هي ثالثة أمور العدالة والجمال والحقيقة وأرجع هذه األمور الثالثة إلى شيء واحد وهو الخير وهو الشيء الوحيد الذي يجب السعي إليه والعمل من اجله وهو الذي تقوم عليه األخالق. ويقول أيضا تبعا ألستاذه الفيلسوف التوليدي )سقراط(، إن معرفة الخير تكفي للقيام به إذ أنه من غير المعقول وغير المنطقي أن يصل اإلنسان إلى معرفة الخير وال يؤديه وأن سبب عدم العمل به هو الجهل ولذلك وألجل محاربة فساد األخالق فيجب القضاء أوال على الجهل ولذلك يرى أفالطون أن اإلنسان إذا أصبح فيلسوفا فإنه سوف يصبح إنسانا جيدا بالتأكيد فمن ال مستحيل أن يكون المرء فيلسوفا وفاقدا لألخالق الحسنة ألن السوء يأتي من الجهل. واذا ما اسقطنا هذا الرأي على ما نعيشه في هذا الزمان فاننا نجد ان الجهل )االفكار االسطورية والخرافية( الذي نشره االسالموين وبقوة بين شريحة واسعة من ابناء وطننا العربي يعني ان ال خير في هذه االمة وبالتالي العدالة وال جمال وال حقيقة. تأرجح الفالسفة عبر التاريخ بين تصورين في مجال تصوراتهم للفلسفة االخالقية ، فهناك التصور المعياري الذي جاء به الفيلسوف اليوناني )سقراط( والذي يحدد غاية السلوك في كونه يضمن الخير والكمال ، وهناك التصور االجرائي الذي جاء به الفيلسوف االلماني )كانت( والذي حدد بموجبه قابلية السلوك على التعميم والصياغة الكونية، فالتصور األول ينطلق من أن السلوك األخالقي ال يرمي إلى مجرد ضبط العالقات اإلنسانية حسب مدونة إجرائية تضمن لهم العدل والتكافؤ، بل يهدف الى غاية أسمى وهي تحقيق رغبة اإلنسان الطبيعية في العيش السعيد والحياة الفاضلة ومن هنا القول بتماهي الخير )أي األخالق( والقيمة األسمى أي السعادة . فالفيلسوف اليوناني أرسطو طاليس يعرف الخير في كتابه )األخالق النيماخوي( بأنه ما يبحث عنه البشر، وما يشكل غاية قصوى ألفعال الناس )أنه ما تنزع إليه األشياء أجمعه(،بيد أن السعادة ليست مفهوما ذاتيا أو نفسيا، وليست رغبة أو منفعة، انها حسب تعريف أرسطو ) تحقيق الفضيلة(، ليس بمعنى التزام قاعدة قانونية أو ضوابط إجرائية، بل االنسجام مع الطبيعة اإلنسانية ذاتها. أي السعي لتحقيق السلوك الذي يضمن اكتمال وتحقق االنسان.
62 احلياة الفاضلة = السعادة = التحديد األخالقي للسعادة ال ندري عن اي حياة فاضلة وسعادة من حقنا كعرب ان نطمح اليها ونحن قد فقدنا الخير بسبب الجهل كما اسلفنا وبسبب االحتراب الطائفي والعرقي والعشائري والشخصي الذي اوصلنا اليه االسالمويون الجدد الذين تحالفوا مع الشيطان االكبر واالصغر ليتمكنوا من الجلوس على عروشهم الواهية التي ارتهنت الى االجنبي الذي يحركهم واحزابهم كالدمى المتحركة . والتصور الفلسفي االخالقي )الكانتي( يستبدل )أخالق السعادة( بأخالق الواجب، والتصور الغائي للسلوك األخالقي بالتصور اإلجرائي له، وبذا يبلور الخلفية الفلسفية للتصورات القانونية الحديثة القائمة على مفهوم )استقاللية الذات( في مواجهة التصور االنطولوجي )الوجودي( للطبيعة اإلنسانيةن أي القول بطبيعة إنسانية مطلقة ومكتملة على السلوك األخالقي الذي ينسجم معها ففي كتابه )أسس متيافزيقا األخالق( يحدد الفعل األخالقي بأنه ما ينسجم مع )القانون األخالقي( أي )الواجب(، فمصدر الفعل األخالقي هو ليس مدى تالؤمه مع غائياتنا أو سعادتنا وال مصالحنا، بل مع المقوم الكوني إلنسانيتنا كما يترجم في واجبات شاملة تتخذ شكل قوانين ملزمة موضوعية وذاتية فالنموذج الذي يطرحه هنا للقانون األخالقي هو القانون الموضوعي الذي يحكم الظواهر الطبيعية ، فمعيار السلوك األخالقي ليس قي مضمونه بل في شكله الذي يجب أن يكون له خاصية اإللزام غير المشروطه، انها اخالق مبنية على العقل العلمي الذي يتعلق بالفعل ال المعرفه، فبالنسبة الى )كانت( ال يمكن ان نبني االخالق على مفهوم )السعادة( باعتباره من االفكار المجردة التي المضمون محددا لها، كما انه يتماهى مع اللذة التي هي موضوع ذاتي ونفعي. ولذا فان المبدأ المؤسس لألخالق هو االرادة الحرة التي تمنحنا الوعي بالواجب األخالقي الذي يحررنا من النوازع التجريبية النفعية ويضمن لنا التصرف كأفراد مستقلين. ومن المعروف ان )كانت( ال يميز بين المشاكل األخالقية والمشاكل التشريعية ـ السياسية، بل أنه يتناول الموضوع القانوني من منطلقات أخالقية، باعتبار أن القانون هو تجسيد عملي للضوابط األخالقية، بقدر ما أن هذه الضوابط قوانين إجرائية وليست معايير قيمية مطلقة وهكذا تفضي التصورات الكانتية الى نتيجتين هامتين لهما أثر حاسم في الفكر السياسي الحديث والمعاصر. -أوالهما هو إناطة الفاعلية األخالقية بالقوانين، التي أصبحت لها استقالليتها عن دائرة الحكم، ومن هنا فكرة استقاللية السلطة القضائية في جهاز الدولة الحديثة، فالقوانين من هذا المنظور هي مدونات اجرائية تعبر عن الجانب القيمي المتعلق بالمجال العام. -وثانيتهما هو بناء الشرعية السياسية على المقوم األخالقي بمفهومه الحديث أي الحرية بصفتها إرادة ذاتية تنزع للكونية من خالل إقامة مؤسسات كلية . ان فقدان اي شعب من الشعوب للسعادة بسبب الجهل واالفكار الظالمية التي تسود جراء هيمنة الظالميين التكفيريين والطائفيي ن والمتعصبين على دفة الحكم تقود حتما الى فقدان كلمة الواجب لمعناها الحقيقي فيتحول بفضلهم الجندي الذي واجبه حماية الوطن من االعتداء
63 الخارجي الى قتل الشعب جراء انتما ئه الحزبي المذهبي متوهما بانه يدافع عن عقيدته الدينية وكذلك الحال بالنسبة للشرطي والتاجر والمعلم وعامل النظافة والبناء ...الخ، فكلمة الواجب تتحول الى معنى اخالقي معاكس فالرشوة والسرقة واستغالل الفرص تكون هي داللة لكلمة الواجب. يطرح سؤال مهم حول ماهية الفعل األخالقي اإلنساني. وهل هو ينطلق من جانب عقلي كما يقول بذلك بعض الفالسفة أم أ ن له منطلقات دينية على قاعدة الثواب والعقاب كما هو مقرر في المنظومة الدينية التقليدية. فالجماعات الدينية تعتقد بان المصدر الوحيد لالخالق ولمعرفة الخير والشر هو النص. وأقصد بالنص الكتب المقدسة وفي مقدمتها القرآن الكريم واالحاديث المتواترة عن النبي محمد صلى اهلل عليه وسلم بالنسبة للمسلمين. ولذلك يرى األشاعرة وهم الجمهور األعظم من المسلمين أن الشرع وحده هو الذي يحدد ما هو الخير وما هو الشر، بينما العقل يؤكد حكم الشرع على خالف المعتزلة الذين ذهبوا إلى القول بالحسن والقبح العقليين وتبعهم في ذلك جمهور الشيعة من اإلمامية والزيدية وإن كانوا لم ينكروا الحجج التي جاْء بها الشرع وإنما قالوا :إن ما ينص عليه الشرع هو إثبات لحكم العقل وليس العكس. فاألخالق في اإلسالم عبارة عن المبادئ والقواعد المنظمة للسلوك اإلنساني ، والتي يحددها الوحي لتنظيم حياة اإلنسان على نحو يحقق الغاية من وجوده في هذا العالم على الوجه األكمل واألتم. ويتميز هذا النظام اإلسالمي في األخالق بطابعيه: -األول: أنه ذو طابع إلهي، بمعنى أنه مراد اهلل سبحانه وتعالى. -الطابع الثاني: أنه ذو طابع إنساني، أي لإلنسان مجهود ودخل في تحديد هذا النظام من الناحية العملية. ليس من الصعب علينا معرفة االيات التي ذكرت في القران الكريم التي تحدثنا عن االخالق بصور شتى، مثل العرف والمعروف والخير والصالحات والباقيات الصالحات والبر في اآليات : )يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون( . و)خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين( ، و) كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون باهلل(. و)التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون اآلمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود اهلل وبشر المؤمنين(. و)والذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون(. و)المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أمال(. و)تعاونوا على البر والتقوى وال تعاونوا على اإلثم والعدوان(. و)يا أيها الذين آمنوا إذا تناجيتم فال تتناجوا باإلثم والعدوان ومعصية الرسول وتناجوا بالبر والتقوى واتقوا اهلل الذي إليه تحشرون(. و)يوم ينفع الصادقين صدقهم(. لكن هذا الذي ذكر في القرآ ن الكريم يتحول من خالل االسالمويي ن الى عكس معناه من خالل تفسيراتهم المختلفة التي تنسجم مع انتمائهم الطائفي والعرقي والحزبين وهذه هي الطامة الكبرى فاآلية الواحدة
64 نجد ان لها اكثر من تفسير، وان كل صاحب تفسير يكفر صاحب التفسير االخر, ومن هنا فإن كالم اهلل جلت قدرته ورسوله الكريم صلوات اهلل عليه تتحول الى النقيض على يد االسالمويي ن الجدد. ومن هنا يفقد التصور الفلسفي الذي يعتقد بان الوحي وما جاء به هو المصدر االخالقي الوحيد ، معناه في ظل الصراع الحقيقي والوهمي الذي يمارسه رجال الدين والذي ينعكس على العامة بطريقة دراماتيكية . للفيلسوف المسلم الفارابي رأي في الفلسفة االخالقية نجد من الضروري ذكره والنه يتميز بميزتين وهما: 1 ـان االخالق قائمة على المعرفة العقلية، اي انها اخالق معرفة العتقاد الفارابي. ان االنسان ال يمكن ان يختار المالء مة المؤدية الى السعادة اال اذا عرف مراتب الموجودات وعرف مركزه من درجات الوجود فتطلع الى االفضل ورغب عن االدنى. 2ـان األخالق عند الفارابي تعتبر الفضيلة وسيلة ال غاية ، لذلك تسمي هذه االخالق، اخالق سعادة ال اخالق واجب، فليست السعادة مكافأة تعطى مقابل الطموح اليها او االمتناع عن االفعال القبيحة، وليست الفضيلة ثوابا على افعال حسنة، واالنسان ال يأتي النبيل من االفعال ويرفض الرذيل طلبا لمنفعة ، فالفضيلة بالنسبة اليه مكتفية بنفسها، وهي تقف ضد كل المحاوالت المنافقة لتحويلها الى سلعة للمتاجرة وللثواب في العالم االخر. يعتقد الفارابي ان االنسان اذا ما امتنع عن االتيان ببعض االفعال ، اعتقادا منه بأنه سيحصل من وراء ذلك على ثواب ، تكون الفضيلة هنا أقرب الى ان تكون رذيلة، وان االنسان الفاضل يأتي بالعمل الفاضل ألن ذلك خير في ذاته دون ان يكون له هدف ان ينال ثواب اضافي، ويمتنع عن فعل الشر، الن الشر عمل قبيح في ذاته، وهو بذلك يرفض ارساء الفضيلة على أسس نفعية ـ عملية، من اجل الحصول فيما بعد على مكسب مادي، فالفضائل ذات قيمة بحد ذاتها. اتمنى من اهلل العزيز القدير ان ال يتهم الفارابي من قبل فئة اسالموية تفسر كالمه على انه زندقة او هرطقة او انحراف او الحاد، وان ال يبحثوا عن قبره لحفره واخراج ما تبقى منه لمحاكمته محاكمة اسالموية عادلة وذلك بجز رقبته على الطريقة االسالموية او بنسفه بعبوة الصقة. ما يهمنا في ما تقدم هو معرفة راي الفالسفة والديانات السماوية ومنها االسالم الحنيف في موضوع مهم وهو االخالق الننا نعتقد ان االمتين العربية واالسالمية تعيشان ازمة اخالق قبل كل شيء وهذه االزمة االخالقية هي وراء االقتتال الطائفي والعرقي و)لغة الطرشان( التي يعانيها عالمنا العربي واالسالمي . ويحضرني االن قول أمير الشعراء أحمد شوقي )إنما األمم األخالق ما بقيت.... فـإن ه م و ذهبــت أخـالقهم ذهــبو ا(. فاألخالق التي ندعو إليها اليوم هي أوسع من أن تكون برنامجا سياسيا. واكثر من أن تكون أسلوبا أو وسيلة لتحقيق مبادئ معينة، إنها النفس الصافية، المتجاوزة لكل ما هو خسيس وجبان ومتعفن، إنها سلوك يعتمد القيم األخالقية التي عرفها أسالفنا العرب ونشروا رسالة اإلسالم من خاللها إنها، اإلخالص، التضحية، الشجاعة، التواضع، نكران الذات في سبيل الغاية السامية،
65 االلتزام، إنها السلوك الفاضل، هذه هي األخالق من وجهة نظر الخيرين من العرب الذين يواجهون اخالقيات غريبة علينا جاء بها االسالمويون وفرضوها وسوف يفرضونها علينا بحد السيف . ان االخالق العربية التي نريدها ونطمح اليها هي الصالبة في الرأي وهي صفة يجب ان تكون من اسمى صفاتنا فهي التي ستدفعنا الى عدم القبول باية مهادنة على حساب عقيدتنا ، فاننا كعرب -وكما اعتقد- ال ت عرف المسايرة. وإذا رأينا الحق في جهة عادينا من اجله كل الجهات األخرى، وبدال من أن نسعى إلرضاء كل الناس اغضبنا كل من نعتقد بخطئه وفساده، إننا يجب ان نكون قساة على أنفسنا، اذا اكتشفنا في فكرنا خطأ رجعنا عنه غير هيابين وال خجلين، الن غايتنا الحقيقة. نحن كعرب نتاج مجتمع يحمل الكثير من اال مراض والترسبات ، وبالتالي فاننا مطالبون بالتخلص من هذه اإلمراض والرواسب، لنكون القدوة والنموذج، وان من أهم المبادئ األخالقية هي التوافق بين الغاية والوسيلة فالوسيلة النبيلة تقود إلى الهدف السامي النبيل. وعكسها سنسقط في )الميكافيلية( المقيتة التي تضع الهدف فوق كل اعتبار ، وال تعير أي أهمية للوسيلة التي تقودها إلى الهدف. المكافيلية هذه تصلح ألعدائنا األمريكان والصهاينة واالسالمويي ن الجدد ولكنها ال تصلح لنا كعرب حملوا راية السماء.
66 التنظيم بني النظرية والتطبيق المقدمة: لكل األحزاب الثورية نظرية هي نتاج دراسة القوانين المحركة للواقع دراسة علمية تحليلية . ومن هذه األحزاب حزب البعث العربي االشتراكي الذي اكتشف نتيجة دراسته إن األسباب التي تقف وراء ما تعانيه األمة العربية من انحطاط وتدهور هو الفقر والجهل والمرض والمستعمر الطامع بخيرات هذه األمة. وبالوقت نفسه فقد تأكد من دراسته إن األمة العربية هي من األمم الحية التي ستنهض سريعا إذا ما توفرت لها أسباب النهوض، فكان أن خرج البعث بنظريته التي يعتقد بأنها ستكون من المرتكزات التي سترتكز عليها األمة في نهوضها، ولخص نظريته بشعاره )امة عربية واحدة ذات رسالة خالدة( ، وبأهدافه اإلستراتيجية وهي )الوحدة والحرية واالشتراكية(. وبما إن النظرية بحاجة إلى أن تنقل إلى حيز الواقع -أي إلى التطبيق العملي- فقد عمل الحزب وعلى مدى األعوام الذي حكم فيها العراق من العام 1968ـــ2003 نقل النظرية إلى الواقع العملي كتطبيق. ومن البديهي فان هناك جدلية، فالواقع سيغني النظرية وقد تصطدم هذه النظرية بالواقع الذي يرفض البعض منها، وهنا ال نريد التحدث عن النظرية البعثية والتطبيق لما لها وما عليها، إن ما نريد تسليط الضوء عليه هو الناقل الذي يضطلع بدور مميز وهو التنظيم الحزبي الذي يترجم النظرية الى الواقع العملي وينقل الدروس المستنبطة من الواقع إلغناء النظرية . التنظيم هو نظام القيم والعادات والتقاليد والطقوس والرموز السائدة بين أعضاء الحزب بدعم من النظام الداخلي والدستور ومدى االلتزام بهما، وااللتزام هو ما يميز تنظيم حزب البعث العربي االشتراكي عن غيره من التنظيمات األخرى. وتعتبر الثقافة التنظيمية عنصرا مهما في التأثير على السلوك التنظيمي. وتختلف النظرة للثقافة التنظيمية، حيث يتعامل معها البعض باعتبارها عامال مستقال. والنظر للقيم بأنها تنتقل بواسطة العاملين إلى التنظيمات كأحد نواتج التنظيم المتمثلة بالقيم، واللغة المشتركة, والرموز والطقوس المختلفة التي تتطور مع مرور الوقت. وتؤكد هذه النظرة على أهمية اإلجماع واالتفاق على مفهوم الثقافة التنظيمية وجزئياتها المختلفة من قبل القيادة والقاعدة. فالثقافة التنظيمية عنصر أساسي موجود جنبا إلى جنب مع مكونات التنظيم األخرى من األ عضاء واألهداف والهيكل التنظيمي. ووفقا لهذه النظرة فان من الضروري إدارة الثقافة التنظيمية بشكل يحقق األهداف التي يسعى إليها التنظيم. إن إمكانية حدوث الصراع داخل التنظيم قائمة ، والن الصراع ظاهرة طبيعية في حياة األفراد والجماعات والمنظمات والمجتمعات على حد سواء ، إذ أن الصراع إحدى اإلفرازات االعتيادية للتفاعل االجتماعي القائم بين األعضاء كالتعاون والمنافسة والمهادنة والتقليد والمحاكاة ..الخ، وهو من الظواهر الطبيعية في العالقات والتفاعالت االجتماعية، ونظرا لكون طبيعة األعضاء تستدعي
67 التطور والتغ يير. وألن االستقرار والثبات حالة غير طبيعية، لذا فان الصراعات غالبا ما ترافق التغيرات الحاصلة في مجمل العالقات السائدة. وقد يتعامل مع الثقافة التنظيمية باعتبارها تتشكل وتتطور بشكل تدريجي، وقد تكون ثقافات متعارضة ما بين الحلقات الفرعية في التنظيم وما بين الثقافة التي تتبناها القيادة العليا، لذا يقتضي بذل جهود التقريب بين هذه الثقافات توخيا لسالسة العمل وتقليل التناقضات ما أمكن األمر. ما الذي نعنيه بالثقافة التنظيمية؟ هي البرمجة الفكرية، خاصة بأعضاء التنظيم الحزبي، يعملون في بيئة معينة، حيث يبحث عن التالؤم أو التكيف معها، يتضح أن الثقافة التنظيمية أحد عناصر البيئة الداخلية للتنظيم الحزبي ، محصلة للعالقات المتكررة بين األعضاء، والتي تشكل أنماطاص سلوكية للنظام التنظيمي، الذي يكيف األعضاء مع متطلبات العمل التنظيمي من خالل تلك البرمجة الفكرية ، وهذه البرمجة الفكرية هي نمط من االفتراضات األساسـية، الـذي ابتـدعه و طوره التنظيم الحزبي خالل مسيرته النضالية ليكون السبيل لإلدراك، والتفكير واإلحساس في كل ماله عالقة بالمشاكل التي تنشأ جراء العمل. أن الثقافة التنظيمية هي كل ما يشكل هوية التنظيم، ويميزه عن غيره ثقافيا، بما يحقق التماثل بين أعضائ ه في السلوكيات الموجهة في حل المشكالت التي تواجه أعضاء التنظيم كتجمع هادف. أن الثقافة التنظيمية بمكوناتها تفيد في توجيه السلوك في حل المشكالت الداخلية والخارجية للتنظيم في اتخاذ القرارات المناسبة ، وتعني األنماط، والتكون، والممارسات التي تحدث أثناء العمل الحزبي، وقد تكون نتيجة لألعضاء أنفسهم، أو نتيجة األنظمة والقوانين، واألعراف. إن من أهم ما يجب أن يشيع في الثقافة التنظيمية هو: -اإلبداع والمخاطرة: أي درجة تشجيع األعضاء على اإلبداع والمخاطرة، حتى يكونوا مبدعين ولديهم روح المبادرة، والمدى الذي يكون فيه األعضاء جسورين و يسعون للمخاطرة. -االنتباه إلى التفاصيل: الدرجة التي يتوقع فيها من األعضاء أن يكونوا دقيقين منتبهين إلى التفاصيل. -االنتبـاه نحو النتـائج: درجة تركيـز قيادة التنظيم على النتائج ، وليس العمليات المستخدمة لتحقيق هذه النتائج. -التوجه نحو األعضاء: درجة اهتمام القيادة بتأثيرها على األعضاء داخل التنظيم. -العدوانية: درجة عدوانية األعضاء وتنافسهم، ال سهولة، وال ودية التعامل معهم. -درجة وضوح األهداف والتوقعات من األعضاء: أي مدى توجه التنظيم في وضع أهداف وتوقعات أدائية واضحة.
68 -درجة التكامل بين المنظمات المختلفة في التنظيم للعمل بشكل منسق، و درجة التعاون والتنسيق بين مختلف وحدات وأقسام المنظمة . -مدى دعم القيادة العليا لألعضاء، في قدرتها على توفير اتصاالت واضحة، و مساعدة ومؤازرة األعضاء الفاعلين . -مدى الرقابة المتمثلة في اإلجراءات والتعليمات، وأحكام اإلشراف الدقيق على األعضاء. -مدى الوالء للمنظمة الرئيسية وتغليبه على الوالءات التنظيمية الفرعية الذي يعبر عن الشرعية الحزبية. -طبيعة أنظمة الحوافز والمكافآت، فيما إذا كانت تقوم على األداء أو معايير الوساطة. -درجة تقبل االختالف بسماع وجهات نظر المعارضة، أي درجة تشجيع األعضاء على إعالن االنتقادات وفق مبدأ النقد والنقد الذاتي وبصورة مكشوفة والتسامح. -طبيعة نظام االتصاالت وفيما إذا كانت قاصرة على القنوات الشرعية التي يحددها نمط السلم الحزبي، أو نمط شبكي يسمح بتبادل المعلومات في كل االتجاهات كاالتصاالت الجانبية المقيتة. -درجة المبادرة الفردية أي مستوى المسؤولية وحرية التصرف الممنوحة لألعضاء. -طبيعة صنع القرارات و أسلوب اتخاذ القرار، بالمشاركة أو بطريقة فردية. تلعب الثقافة التنظيمية دورا حيويا في نجاح أو فشل التنظيم، بتأثيرها على العناصر التنظيمية واألعضاء في التنظيم، أن سر نجاح التنظيم في سيطرته و سيادته . اتخاذ القرارات : تقسم حاالت اتخاذ القرارات إلى ثالث حاالت رئيسية، وذلك وفقا إلى توفر أو عدم توفر معلومات وهذه الحاالت هي: 1ـاتخاذ ال قرارات في حاالت التأكد: في ظل حاالت التأكد يتوافر لدى القيادة العليا كافة المعلومات الالزمة عن عناصر تقييم البدائل المتاحة، وتستطيع القيادة أن تحدد كافة المعلومات الالزمة عن كل بديل والمتعلقة بعناصر المفاضلة بينها، حتى يتمكن من تقدير الترتيب النسبي لكل بديل وتحديد مساهمة كل بديل وتحديد مساهمة كل بديل في تعظيم النتائج المرجوة . 2ـاتخاذ القرارات في حاالت عدم التأكد : أحيانا يتوافر لدى متخذ القرار معلومات عن النتائج المحتملة لكل بديل من البدائل المتاحة، وهذا يعني عدم التأكد من نتائج عناصر تقييم كل بديل، وهنا تزداد المشكلة تعقيدا، حيث إ ن القيادة ال تتمكن من جمع المعلومات الكافية عن البدائل المتاحة، حتى تتمكن من اختيار البديل االفضل، ويتطلب األمر في هذه الحالة االعتماد على مزيج من الخبرة الشخصية والحلول الذاتية وأسلوب المحاكاة، حتى يستطيع التنظيم من التغلب على حاالت عدم التأكد والوصول إلى اختيار البديل األنسب وتجنب مشكلة االختيار الخاطئ. 3ـاتخاذ القرارات في حاالت المخاطرة: في حاالت المخاطرة يواجه متخذ القرار مشكالت تتعلق بتقدير نتائج كل بديل من البدائل المتاحة وفقا لعناصر التقييم المختلفة، فالقيادة ال تستطيع
69 أن تلم بجميع جوانب المشكلة وتحديد بدقة نتائج كل بديل،نظرا لعدم توفر المعلومات الكافية، وبذلك تزداد درجة المخاطرة في تحديد النتائج المتوقعة من كل بديل. ويتوقف النجاح في اتخاذ القرار واختيار البديل األحسن على مهارات وخبرات القيادة وكذلك االستعانة والمشورة مع أعضاء القيادة العليا. العو امل المؤثرة في عملية اتخاذ القرارات في التنظيم: يعتبـر اتخاذ القرار جوهر عمل القيادة ونقطة االنطالق بالنسبة لجميع األنشطة التي تتم داخـل التنظيم، وتزداد أهمية القرارات كلما كبـر حجم التنظيم، وتعقدت وتشعبت نواحي أنشطته. هناك عدة عوامل تتأثر بها القرارات من بينها: -العوامل الخارجية: يمثل التنظيم جزءا من تنظيمات الحزب، فهو يتأثر مباشرة به، ومن بين العوامل الخارجية التي تؤثر على عملية القرارات هي العوامل االقتصادية، السياسية واالجتماعية، القيم والعادات والقوانين الحكومية والرأي العام، وكذلك السياسة العامة للحزب . -تأثير البيئة الداخلية: ومن العوامل التي تؤثر على اتخاذ القرار تلك التي تتعلق بالهيكل التنظيمي، وطرق االتصال، وطبيعة العالقات اإلنسانية السائدة وإمكانية األعضاء، وقدراتهم. كما أن نوعية القرارات تتأثر بالقيم والمفاهيم التي يعمل ضمنها المسؤولون في التنظيم لمواجهة المشاكل التي تستدعي الحل. -العوا مل النفسية: أن أهمية الجوانب النفسية لمتخذي القرار، من بين أهم العوامل المتحكمة في سلوك القائد المتخذ للقرار، ولذلك يصبح تأثيرها سلبيا إذا اتخذ القرار تحت ضغوطات نفسية، حيث أن هذه الضغوط تؤثر على حرية القائد في اتخاذ القرار فتصبح حرية القائد مقيدة بهذه الض غوط . -توقيت اتخاذ القرار: يعتبر عامل الوقت من العوامل الرئيسية في عملية اتخاذ القرارات في التنظيم الحزبي، خاصة وأن كثير ا من القرارات لها تأثير كبير على روح العمل بالتنظيم . -المعلومات والقرار: تتأثر القرارات التي تتخذ من المنظمة سلبا أو إيجابيا، بالبيانات والمعلومات والحقائق التي تتواجد، والمتعلقة بالمشكلة المراد اتخاذ القرار بشأنها. -أهداف التنظيم: مما الشك فيه أن أي قرار يتخذ وينفذ البد وأن يؤدي في النهاية إلى تحقيق أهداف التنظيم، فأهداف التنظيم هي محور التوجيه األساسي لكل العمليات فيها، لذلك فإن بؤرة االهتمام في اتخاذ القرار هي اختيار أنسب الوسائل التي يبدو أنها سوف تحقق أهداف التنظيم اإلستراتيجية أو التكتيكية . -الثقافة السائدة في الحزب والتنظيم : تعتبر ثقافة الحزب وعلى األخص نسق القيم من األمور الهامة التي تتصل بعملية اتخاذ القرار، فالتنظيم ال يقوم في فراغ وإنما يباشر نشاطها في الحزب ، ومن ثم فالبد من مراعاة األطر التنظيمية والثقافية للحزب عند اتخاذ القرار.
70 -الواقع ومكوناته من الحقائق والمعلومات المتاحة: ال يكفي المحتوى القيمي أو األخالقي كما يسميه البعض بل يجب أن يؤخذ في االعتبار الحقيقة والواقع وما ترجحه من وسيلة أو بديل على بديل. فالقرارات هي شيء أكبر من مجرد افتراضات تصف الواقع ألنها بكل تأكيد تصف حالة مستقبلية. هناك تفصيل لها على حالة أخرى وتوجه السلوك نحو البديل المختار، ومعنى هذا باختصار أن لها محتوى خلقي باإلضافة إلى محتواها الواقعي. الخاتمة : تعتبر الثقافة التنظيمية كمدخل لزيادة فعالية القرارات بكل أنواعها، ويمكن أن يتم ذلك عن طريق بناء ثقافة تنظيمية قوية تركز على سمات مميزة، ويأخذ الحزب والتنظيم بها إلى حيز التطبيق وفقا لما يلي: تحليل الثقافة الحالية، تحديد التغير المطلوب ثم تقييم برنامج التغيير وتنفيذه ثم تقيي مه، مع ضرورة استثمار عناصر القوة في الثقافة التنظيمية السائدة بالحزب كسمة المنافسة الموضوعية بما يدعم كفاءة القرارات، دعم خاصية االبتكار وكذلك خاصية العمل الجماعي ، و دعم وترويج ثقافة المعرفة التنظيمية، وأساليب توفيرها لالستفادة منها بما ينعكس على أداء المنظمات الحزبية، و التأكيد على ضرورة إتباع المنهج العلمي عند صناعة قرار وخاصة فيما يتعلق بـ: وجود سياسة واضحة ومفهومة بكيفية فحص بدائل القرار، ووضع معايير واضحة يجب االلتزام بها بما يتعلق بإنجاز مرحلة االختبار بين البدائل، ووضع سياسة واضحة للمتابعة وتقييم قرارات المتخذة، واالستفـادة من التغذية المرتدة خاصة من جانب أعضاء التنظيم إلدخالها ضمن تعديالت القرار، والتأكيد على ضرورة توافر بعض السمات الثقافية مثل : االبتكار، جماعية العمل، المشاركة، إبداء الرأي، المنافسة، المخاطرة...
71 االشتــراكيــة هـــدف إستــراتيـــجي عقدت جلسه حوارية بين مجموعة من الشباب العربي المقيم في السويد والمتطلع إلى غد أفضل المتنا العربية المجيدة وكان ذلك في 25/11/2017. ذكرتني هذه الجلسة بمحاضرة للرفيق القائد والمعلم المرحوم احمد ميشيل عفلق مع الشباب في المغرب العربي. وأشر ت هذه الجلسة إلى مالحظة مهمة جدا مفادها إن الخطاب السياسي يتغير من جيل إلى جيل أخر، ما نعنيه هنا بالتغ يير هو في لغة الخطاب وليس بالمنطلقات النظرية التي استند إليها الجيل األول وثبتها المؤتمر القومي السادس عام 1963 .إي نحن بحاجة ماسة إلى ان نخاطب الجيل الرابع أو الخامس بلغة العصر عصر الثورة المعلوماتية وعصر التطور الهائل بوسائل االتصال الحديثة ، وهذه مسؤولية تقع على الجيل الثالث والذي نتمنى علي ه ان يغادر مفردات الجيل األول اللغوية والسرد الطويل والوصف المبرر له ليخاطب الجيل الشاب اليوم . طرحت في الجلسة محاور كثيرة للنقاش تحتاج إلى جلسات ، تم االتفاق أن نبقى بمحور االشتراكية وما يتفرع عنها. اعتبر حزب البعث العربي االشتراكي أ ن أهدافه اإلستراتيجية هي الوحدة والحرية واالشتراكية منطلقا من أيدلوجيته العلمية والثورية ، وان أيديولوجيته القومية االشتراكية هي أيديولوجية علمية، والعقل العلمي بطبيعته ينفتح على الواقع وعلى كل التجارب العالمية لكنه يرفض اإلحكام المسبقة والجاهزة. إن الفترة الزمنية التي ولد فيها حزبنا كانت فتره الصراع الحاد بين األحزاب العالمية التي تحمل شعار االشتراكية، فكانت هناك االشتراكية الديمقراطية اإلصالحية وهناك التطبيق الستاليني الشيوعي الذي كان يمارس اإلرهاب الذي وصل إلى التالعب باالشتراكية نفسها، والذي انتهجته وثقفت عليه الحركات الشيوعية في وطننا العربي . وخالل تلك األجواء اختار حزبنا أن ال يكون سلبيا في موقفه م ن تلك الحركات وان يتعامل معها من منطلق الثقة بالنفس، إن موقف حزبنا الحيادي بين الفهمين لألطروحات االشتراكية لم يكن موقفا انتهازيا، سياسيا، بل كان موقفا حضاريا ينبع من فهم حركة التطور التاريخي لإلنسانية وإمكاناتها المتجددة . إن الحزب يعرف جيدا إن العلمية تعن ي اكتشاف القوانين المحركة للواقع والعمل على إيجاد قوانين بديلة تلبي حاجة الجماهير. واستناد هذا ال يمكن أن نستورد نظرية جاهزة تعاملت مع واقع غير واقعنا وتستهدف جماهير غير جماهيرنا. فالواقع واقع حي ، وفي تغير مستمر، والقانون العلمي وان كان يستند إلى منطلقات ثابتة، لكنه ال يعطي نفس النتائج عندما تتغير الظروف المصاحبة للتجارب . من الحكمة إن نقول إن ما يجمع بيننا وبين التراث العالمي هو العلم وان هناك حقيقة وهي ان ليس هناك نظرية مهما كانت تدعي حيازة العلم كله ، فالعلم رحب وفسيح ألنه يرتبط بالحياة . والتطبيق الحقيقي لالشتراكية اإلنسانية ال يمكن أن يكون إال على أساس مراعاة الخصائص القومية كما يؤكد حزبنا على ذلك.
72 إن اإليمان باالشتراكية كهدف استراتيجي لم ينبع من أفكار مجردة ليس لها عالقة بالواقع ولم يكن شعور بالشفقة على الكادحين في امتنا ، ان هذا اإليمان يأتي من حاجة امتن ا الحيوية نفسها إلنقاذ نفسها من فناء في ظل معركة الوجود التي تخوضها مع الطامعين في السيطرة على مقدراتها ، وهنا نجيب على سؤال احد الشباب الذي اعتقد بان حزبنا لم يعد بحاجة إلى االشتراكية في عالم يتجه إلى االقتصاد الحر. وهنا نؤشر اختالف حزبنا في نظريته االشتراكية التي انتهجها الحزب الشيوعي في النموذج السوفيتي، فالحزب يعتقد إن الصراع الطبقي لم يأت جراء االنقسام الحاد بين طبقة الرأسمالي ة وطبقة العمال . وإنما جاء بسبب عجز اإلقطاع والبرجوازية عن حماية ثروة البالد من الغزو األجنبي الذي عمل ويعمل على مؤسسات اإلنتاج الوطني. ويأتي أيضا عن عجز هذه القوى عن البناء الذي يستهدف إنقاذ الفقراء من الجوع وذلك بتوفير فرص العمل وإلغاء التفاوت بين زيادة السكان في الوطن العربي وزيادة الناتج القومي. ما نراه في العراق اليوم يؤكد ما ذكرناه أعاله، فبالرغم من ان العراق يعتبر من الدول الغنية لكننا نجد إن نسبة الفقر اكبر من التوقع والسبب معروف، خونة وعمالء ولصوص وأميين هم الذين يمسكون بالسلطة، وهذا يعني ا ن التفاوت الطبقي ليس بسبب ملكية وسائل اإلنتاج الن العراق االن ال يملك أصال وسائل إنتاج . وإذا أردنا أن نلخص هدف االشتراكية التي يهدف إليها حزب البعث العربي االشتراكي نقول: 1ـتمكين الكادحين )عمال، فالحون، طلبة ، عسكري ون(، من السيطرة على وسائل اإلنتاج وليس العمال فقط. 2ـاالشتراكية تعني رفع الفقراء إلى مستوى األغنياء وليس األخذ من األغنياء والتوزيع على الفقراء على طريقة روبن هود والطريقة الماركسية . 3ـحق اإلنسان بالملكية الفردية ولكن ليس على حساب المجموع. والن حرمان اإلنسان من الملكية الفردية كما تهدف االشتراكية الشيوعية يعني تحول اإلنسان إلى إله. 4ـ حق البرجوازية الوطنية والقطاع الخاص في االستثمار ولكن ليس على حساب القطاع العام ، وهذا محرم في االشتراكية الشيوعية. 5ـ ترتبط االشتراكية بهدف الوحدة والحرية ارتباطا جدليا متالزما. فمشكالتنا ليست اقتصادية فقط بل هي قومية وتحررية ، وهنا نقول إن اشتراكيتنا نابعة من العلمية التي درس فيها حزب البعث العربي االشتراكي القوانين المحركة للواقع العربي . يقول الرفيق احمد ميشيل عفلق في كتاب في سبيل البعث صفحة 221( فليس فقط الرأسماليون واإلقطاعيون هم أعداء الشعب العربي بل أيضا هم السياسيون الذين يتمسكون بالتجزئة ألنها تفيدهم شخصيا، وليس هؤالء فحسب بل أولئك الذين يسايرون االستعمار بشكل من اإلشكال وأولئك الذين يعادون الفكر والعلم والتطور والتفتح والتسامح والذين يقاومون أو يحولون دون تحرر امتنا(. ويقول معلمنا األول كبعثين وفي نفس الكتاب ، الصفحة 219( :وحزبنا عندما ربط الوحدة العربية باالشتراكية لم يتعسف ولم يرتجل بل وجد في ذلك السبيل الوحيد لكي تصبح الوحدة في حياة الجماهير حقيقة حيه متحركة يطالب بها كل عامل عندما يطالب بخبزه وبزيادة أجره وبالدواء ألبنائه، وعندما يطالب كل فالح فقير ومظلوم باسترداد حقه في إنتاجه ويرفع الظلم عن كاهله (.
73
74
75 الدميقراطية بني الشكل واملضمون ما هي الديمقراطية التي يحتاجها شعبنا في العراق؟ وما هو شكلها؟ الديمقراطية تعني حكم الشعب، اي ان الشعب وحده له الحق في ممارسة السلطة في الدولة بوصفه صاحب السيادة فيها. والديمقراطية تقوم على مباديء اساسية وهي الحرية والمساواة والمشاركة . وديمقراطية من هذا النوع تسهم في بناء مجتمع مدني ، والمجتمع المدني المنشود ال ياتي بوصفة سحرية او بقرار او عبر بندقية المحتل ، بل يأتي عبر عملية تراكمية طويلة ومستمرة. والعملية الديمقراطية وبناء المجتمع المدني عملية تتداخل فيها عناصر عديدة من اهمها الحرية التي تساعد في بناء المجتمع الديمقراطي. وشعبنا العراقي من الشعوب الحية التي تتمتع بعمق حضاري متميز. وهو جدير ببناء تجربته الديمقراطية الحقيقية التي يتطلع اليها بالرغم من الظروف التي مر بها جراء الحروب المفروضة عليهن وجراء الحصار الجائر الذي تسبب في خلق وضع اقتصادي واجتماعي وثقافي متخلف . الديمقراطية التي يحتاجها شعبنا هي الديمقراطية التي تتناسب مع ارثه الحضاري ودوره في خلق تاريخه الخاص ن ومساهمته في اغناء الحضارة االنسانية عبر هذا التاريخ. فالديمقراطية التقليدية التي جاء بها المحتل -كصيغة جاهزة- لما هو موجود في الدول البورجوازية او الديمقراطية الشكلية التي عرفتها البلدان المجاورة للعراق ، ومنها البلدان العربية ، التي اتخذت اشكاال مختلفة من حيث البناء الخارجي للديمقراطية كالدستور والمجالس النيابية واالحزاب الكارتونية الخالية من اي مضمون حقيقي )جوهر( ال تتناسب باي حال من االحوال مع الشعب العراقي الذي يتمتع بمواصفات خاصة ال يعرفها المحتل والوافدين معه. الديمقراطية الشكلية التي ليس لها مضمون ن هي التي تتستر بستار عصري تخفي وراءه القوة المحافظة والرجعية بميولها االستبداية، والتي عرفها شعبنا خالل سنوات االحتالل. فالقوى الدينية الظالمية التي لبست العباءة الديمقراطية والتي جاء بها المحتل جاهزة، استطاعت ان تتحكم بمقدرات شعبنا عبر شعارات ديمقراطية زائفة ال تنسجم مع حقيقتها المعروفة. كلنا سمع وشاهد ما حدث ويحدث في السجون السرية من عمليات سلخ الجلود، واغتصاب الرجال والنساء على حد سواء. وديمقراطية من هذا النوع ال يمكن ان تكون هي الديمقراطية التي يتطلع لها شعبنا ، وهي ال تتعدى ان تكون ديمقراطية شكلية تضفي الشرعية على القيم والمعتقدات التي يؤمن بها هذا الرهط الذي يمثل المصالح االستعمارية الجديدة في ثروات بالدنا، والديمقراطية هذه ستكون مصدر ازمة للبلد يتعذر معها تحقيق االستقرار السياسي واالقتصادي المنشود. ان ما حدث في البرلمان العراقي ، الذي جاء عبر الديمقراطية المشوهة التي فرضها المحتل على شعبنا ، قبل يومين يعتبر تجاوزا على الديمقراطية المصنعة امريكيا حينما تمكن البعض من اعضا ئه من انتزاع مشروع قرار تشكيل لجنة لتقصي الحقائق حول الظروف المحيطة بغلق مكاتب
76 قناة البغداية في العراق، االمر الذي جع ل البعض من اعضاء البرلمان الذين صوتوا لصالح هذا القرار وجها لوجه مع القوى الظالمية. وبالتالي المحتل الذي ال يريد لالعالم في العراق المحتل حتى التابع له من ممارسة دوره الذي يفترض ان يكون منحازا للشعب، فقرار االنتصار لوسيلة اعالمية -وحسب اعتقادنا- سيكون له عواقب وخيمة على المدى المنظور . فالمحتل والقوى الظالمية سوف لن تسكت على هذا التجاوز وستعمل على تراجع االصوات التي يعتقدون انها تعزف خارج اطار المعزوفة االمريكية المعدة سلفا، وقد يتطور االمر الى حل هذا البرلمان لصالح حكم يتناغم في عزفه مع المايستروا االمريكي . الديمقراطية التي يحتاجها شعبنا هي الديمقراطية التي تقود الى قيام حكم شعبي يمثل ارادة الشعب ويخضع لرقابته، وهي التي تمنح الشعب كافة الحقوق والوسائل التي تكفل توعيته وزيادة مساهمته في البناء ، وهي التي تمنح الشعب القدرة على انجاز التحرر الناجز من االحتالل الجاثم على صدور ابناء العراق. والديمقراطية المنشودة هي التي يجب ان تحقق العدالة االجتماعية التي تعطي الفئات المسحوقة فرصة تنظيم نفسها سياسيا ونقابيا من اجل الوصول الى مجتمع خال من اي شكل من اشكار الصراع الطبقي. ان المقياس الصحيح للديمقراطية هو ممارسة الشعب االختيارية لحقوقه ، وليس مظاهرات التاييد والتصفيق المدفوعة الثمن التي تمارسها السلطة الحاكمة، او التحشيد بالمناسبات الدينية التي تمثل اعتزاز وتمسك المجتمع العراقي بتراثه الديني. فديمقراطية االثارة الحماسية ديمقراطية مزيفة لدخول عوامل التهيئة والخوف واالنتهازية فيها ، وكل حكم يشكل على اساس التأييد وجعله اكثر ضجيجا هو تشويه للديمقراطية ، اذ ان الحكم الشعبي الصحيح هو الذي يمثل القاعدة الجماهيرية وآرا ئ ها، وليس الذي ينقل اراء الحاكم ويدفع الشعب دفعا وباساليب واشكال ملتوية لتبني هذه االراء. ان اي فصل بين الديمقراطية وبين نزوع الشعب الى التحرر واالنعتاق من اي شكل من اشكال الهيمنة االستعمارية سيقود الى افراغ الديمقراطية من محتواها وكذلك الفصل بين الديمقراطية وبين التطور االجتماعي واالقتصادي )الغاء التم ييز الطبقي( سيقود حتما الى نفس النتيجة. فالديمقراطية الحقيقية هي ديمقراطية الشكل الذي يعبر بصدق عن المضمون المنحاز الى تطلعات الجماهير ويشكل سياجه الخارجي الجميل.
77 االيـمـــــان بــالـفـــكــــرة لكل انسان منا هدف وغاية، والبحث عن اسلوب او طريقة لتحقيق هذه الغاية والهدف مشروع، لكن االمر يتطلب ان تكون الغاية )الهدف( والوسيلة )الطريقة( من نفس الجنس والجوهرة، وبهذا فان الهدف السامي يتطلب ان تكون الوسيلة لتحقيقه سامية والعكس صحيح. واالهداف التي يتطلع اليها االنسان متعددة ومنها الهدف السياسي، والهدف السياسي نوعان: االول يتدنى عند البعض ليكون ارضاء للشهوات الشخصية التي نراها تتجلى في الهوس للوصول الى السلطة، وبالتالي يعطي العمل السياسي مفهوم الدجل ومسايرة الظروف، والثاني يرتقي الى التعبير عن حاجات الشعب وام انيه في التخلص من السياسين الفاسدين، واستعادة ثقتة هذا الشعب بنفسه وبأنه اهل لنوع ارقى من هذا النوع من السياس يين، ولمستوى ارقى من مستوى خلقهم وفكرهم وكفاءتهم. السياسيون الجدد -الذين ابتلى بهم شعبنا في العراق بعد االحتالل- هم من النوع االولى الذي اقل ما يقال عنهم انهم غرباء ال يفهمون روح هذا الشعب ومصالحه. وهم نتاج احتاللين امريكي وايراني الرض العراق المقدسة. وهم ثمار انحطاط وسقوط االخالق والقيم وسيادة المفاهيم الميك يافيلية والبرا غماتية في ظل الهيمنة االمريكية ويمينها المتصهين على العالم، وهم نبات نما وترعرع في اجواء الفساد بعيدا عن االم الشعب ومآسيه وعلى راسها الم )الحصار القاتل(. جاء بهم االحتالل االمريكي في )بساطيل( جنوده، فاسحا امامهم مجال التنفيذ والسيطرة، فتحولوا بقدرة المحتل الى وزراء ونواب ووجهاء. اما النوع الثاني من السياسيين الذين امنوا بفكرة )عقيدة(، فهم من ابناء الشعب الذي نبتوا في جو الشعب واالم ة وعرفوا حقيقته . وهم من سيأ تي من رحم العمل الشعبي المسلح، متوجهين الى الشعب وحده معبرين عن روحه وامانيه ، يمل ؤهم االعتزاز بالماليين من ابناء هذا الشعب المعزولة عن سلطة توجيه مقدراته. هذا النوع من السياسين سيثبت بان القيادة الصحيحة القوية المخلصة ال بد وان يكون من نتاج الشعب المجاهد والمكافح، ال من الفئة الفاسدة التي تتسلط اليوم على رقاب الناس بمساعدة االجنبي. ان اساليب العمل الصحيح لتحقيق االهداف السياسية العليا ال بد من ان تستمده من الفكر القومي ومن الحياة التي يعيشها ابناء شعبنا في العراق وابناء امتنا العربية هذه االيام . فالعمل السياسي الحقيقي مرتبط بالفكرة )العقيدة( تراقبه وتالزمه، وهذا العمل هو نابت من الواقع الحي، يجيب على ضرورات هذه المرحلة التاريخ ية التي يجتازها الشعب واالمة، مرحلة ضعف وانحراف، وبدء يقظة نراها في المقا بالت التي تجريها الفضائيات مع ابناء شعبنا في العراق وعلى امتداد االرض العربية الذي يعبر بصدق وعفوية عن تطلعاته. ال بد ان نزيل عنها الغبار عبر االبتعاد عن الصيغ الجامدة والقيم الميت ة، والبد للعمل السياسي المرتبط بفكرة ان يستقر في اعماق االرض والمجتمع، وهذا لن يكون اال بتغ يير كل االوضاع والمفاهيم الذاتية والموضوعية القائمة.
78 علينا االيمان بان الفكرة الصحيحة قابلة دوما الن تتجسد بعمل صحيح، وهذا يعني التخلص من االعتقاد بان الفكرة ال تصلح اال ذريعة وستار ا لعمل ال يمت اليها بصلة ، واليقوى على التخلص من االساليب وا الغراض السياسية المعروفة، وال يطمح الى احداث اي تغيير جوهري في تفكير الناس واخالقهم وبالتالي في اساس حياتهم، ان عدم فهم الفكرة وضعف التعلق بها يؤدي الى اختالط الحابل بالنابل وذوبان الفوارق بالقيم وفقدان الثقة بالمبدأ من حيث هو مبدأ وتشابه التصرفات والنتائج بين الوطنية والخيانة. ان التهاون والتساهل في االسلوب يعني تفريطا بالفكرة )العقيدة( نفسها، ومهمة العقائديي ن هي التنبيه والعمل على رصد اي انحراف، والعمل على استرجاع قيمة الفكرة والثقة بها، وان توجه العناية الى االسلوب باعتباره انه اصبح المميز الوحيد والفارق الحقيقي بين الفكر والمبادىء من اختالف وتفاوت . وان يركزوا على عالقة الفكرة باالسلوب، وان تحدد هذه العالقة بشكل يجعل االسلوب تتمة عضوية للفكرة، فال تبقى هناك غاية وهناك وسيلة وهذا ما تقتضيه المرحلة الحالية. ان الواقع الحالي الذي يعيش فيه ابناء العراق فاسد لكنه ال يعبر عن الحقيقة الكامنة في عمق االرض وفي نفوسهم، وان النظام السياسي واالجتماعي واالقتصادي الذي يعيشه ابناء هذا الشعب متفسخ، لكن هناك ما هو ارقى منه، وهناك مستوى اعلى من هذا الواقع ياتي عبر العمل الشعبي المسلح الذي تتكامل فيه االداة التي تقوى على احداث التغير، العمل الجهادي الذي تنتشر فكرته وتعمم على انحاء العراق والوطن العربي الكبير ليتم التغير الشامل في االخالق والفكر والحكم والتشريع للوصول الى المجتمع المنشود )الحلم(، الحر الموحد، حيث يكون االنسان العربي )الفرد( في مكانه المناسب ويبدل حكم الخونة والمأجورين بحكم الفكر )العقيدة( والعمل.
79 االغرتاب العربي يف زمن االسالمويني استعمل الفيلسوف االلماني هيجل مصطلح االغتراب - Entfremdag- بصورة مزدوجة فهو في البعض من معالجاته يستعمله في سياق االنفصال وفي مواقع اخرى من بحوثه يعطيه معنى التخلي او التنازل - Relinguishment- لقد استعملت فكرة االنفصال من قبل المفكرين القدامى، بمعنى يشير الى تحلل العالقة بين الفرد واعضاء مجتمعه. وهذا االستخدام ال ينسجم مع المعنى الذي اراده هيجل. فالمعنى الذي اراده هيجل هو انفصال بين الفرد وجوهره االجتماعي غير الشخصي. وهذا االستعمال يعد ابتكارا يؤمن اساسا مثمرا لدراسة االغتراب ويودي استعماله بهذا المعنى الى مفهوم االنفصال عن النفس او االغتراب الذاتي. لقد استمد هيجل المعنى االول لالغتراب بصورة مباشرة نسبيا من االستخدام العادي لكلمة غريب في اللغة االلمانية وما تعنيه الغربة واالنتماء الى ماهو اجنبي واالختالف والالتطابق. اما المعنى الثاني فمستمد من فكرة غالبا ما نصادفها في نظرية العقد االجتماعي وهي فكرة تسليم ونقل حق ما الى شخص اخر. وفي مالحظة اجدها مهمة وهي ما قاله ه يجل )ان الحب يتطلب التنازل عن االستقالل وال يتفق مع انفصال الفردية(، لكنه يتفق مع ما ذهب اليه عالم االجتماع الفرنسي جان جاك روسو من انهما يرفضان التخلي عن الحب حينما يسفر عن الخضوع او االعتماد على شخص اخر )ما اقصده بالحب هو الحب العام(. ويربط هيجل بين الثقافة واالغتراب . فالثقافة عنده ان يعارض الفرد ذاته، ذلك ان الذات الفردية تسلب ذاتها من اجل الحصول على حقيقتها الشاملة، وحقيقتها الشاملة هي الثقافة. والن الثقافة هي كل ما ينتجه االنسان ، وهذا االنتاج يشمل عنصرين هما الدولة والثروة . فالدولة توحد بين االفراد من خالل الكل، اما الثروة فانها توحد بين االفراد من خالل الفرد. والدولة عند هيجل تنطوي على ثالثة عناصر وهي: االسرة او الدولة في شكلها المباشر ، والمجتمع المدني او دولة االقتصاد الحر ، والدولة بالمعنى الدقيق تمثل الوحدة العضوية للحياة السياسية وهذا المعنى الثالث للدولة والذي يقابل الفكرة الشاملة عنده. يرى هيجل ان الكل سابق على االجزاء وان االجزاء موجودة من اجل ان يحقق الكل وجوده الواقعي، ومعنى ذلك ان التناقض القائم بين المجتمع والحياة السياسية، قائم بين الفرد المنشغل بحياته اليومية والمواطن المدرك لحقيقته الخالدة في حياة المدنية، والرادته المماثلة الرادة العامة ، وهذا التناقض يولد )الوعي التعس( او )االغتراب(. ان االغتراب السياسي عند هيجل يالزمه اغتراب ديني، الن الفرد حين يغترب سياسيا يلجأ الى االحتماء في طبيعة ابدية تجاوز ذاته، لقد حاول هيجل رفع هذا التناقض بين الفرد والدولة من خالل تصوره امكانية تحول الفرد الى مواطن، والنزول بمملكة السماء الى مملكة االرض وهذا التصور تصور غير واقعي من وجهة النظر الماركسية على اعتبار ان التناقض ليس بين البرجوازية والدولة انما هو الصراع الداخلي للمجتمع البرجوازي اي )الصراع الطبقي(.
80 ما يهمني في ما تقدم -كمواطن عربي يعيش حالة من ابشع حاالت )الوعي التعي س( ، و)االغتراب ( في هذه المرحلة التاريخية من تاريخ امته- هو البحث عن الخالص. فاذا كان هروب الفرد عند هيجل من اغترابه في ذوبانه في الكل او الهروب من االغتراب السياسي الى االحتماء بمملكة السماء اي الى )التدين(، فانا اجد ان الكل ال يؤمن لي حياة انسجم فيها مع نفسي الن الكل مهموم بالحال المزري التي اوصلنا اليها العالم الغربي االستعماري الشره، الذي يهدف إلى تحويلنا الى عبيد بعد ان تمكن او في طريقه ليتمكن من السيطرة المطلقة على ثرواتنا الطبيعية والبشرية المادية والمعنوية. هذا من جانب ومن الجانب االخر فان ديننا االسالمي الحنيف الذي مأل الدنيا نورا قد تحول الى ما يشبه الكابوس جراء التناقضات التي نراها اليوم بين الملل والنحل )الطوائف وامراء الحرب والذين ينفذون ارادة االستعمار الجديد وشرق اوسطه المزعوم( ، و بالتالي فقد تم افراغه من محتواه النه لم يعد يؤمن لنا المالذ اآل من من اغترابنا السياسي، فما معنى الفتاوى المتناقضة التي يطلقها المتفقهون بالدين والتي تبيح المحرمات وكل منهم يترجم او يفسر شريعة السماء السمحاء التي تدعو الى الحكمة والموعظة الحسنة الى ذبح االنسان المسلم وغير المسلم على )الطريقة االسالمية( ال لذنب اقترفه سوى التعبير عن رأيه الحر الذي ال يتناقض مع قوانين االرض والسماء، او النه يقف بوجه االستعمار الجديد الذي تمثله امريكا والكيان الصهيوني. لقد استفاد االلماني كارل ماركس من ه يجل عندما اخذ فكرة )صيرورة االنسان التأريخية( عنه، واستفاد من الفيلسوف فيورباخ الذي اخذ عنه افكاره المادية ومفاهيمه عن )االنسان العياني( و)صيغة النزعة االنسانية ـ النزعة الطبيعية( ، وصاغ تصوره الخاص الذي نظر فيه الى االنسان واغترابه في كليته الديالكتيكية، ا ي ان ماركس تجاوز الجدل الهيجلي المثالي والمذهب االنثربولوجي الفيورباخي الى الجدل المادي في تحليل ظاهرة االغتراب . وكان للماركسية رأي بتصور هيجل الذي حاول رفع التناقض بين الفرد والدولة من خالل امكانية تحول الفرد الى مواطن، والنزول بمملكة السماء الى مملكة اال رض وهذا التصور غير واقعي من وجهة النظر الماركسية على اعتبار ان التناقض ليس بين البورجوازية والدولة انما هو الصراع الداخلي للمجتمع البرجوازي اي الصراع الطبقي. فالماركسية ترد مشكلة االغتراب الى الواقع االجتماعي واالقتصادي والسياسي اوال، وان البحث عن اسباب هذه المشكلة ونتائجها و آثارها على االشياء ياتي من خالل تحليل النظام الرأسمالي وتناقضاته ثانيا. يؤكد اوغست كورنو بأن ماركس هو اول من اثار مشكلة االغتراب في المجال السياسي واالجتماعي، كما واعتبر االغتراب التعبير السلبي للنظام االجتماعي، واكد كذلك على ان االستالب االقتصادي هو مصدر استالب الحياة الواقعية لالنسان باعتباره وجودا نوعيا واجتماعيا . ومن المالحظ ان ماركس كثيرا ما استخدم مصطلح االغتراب في مؤلفاته المبكرة )المخطوطات(. ومن المالحظ ايضا ان ماركس عالج االغتراب في )المخطوطات باعتباره المشكلة الفلسفية لجوهر االنسان وظروف وجوده( .
81 لقد طور ماركس مفهوم االستالب في كتابه )رأس المال( من خالل معالجته طبيعة االنسان االجتماعية ونشاطه السياسي وممارسته االجتماعية. ولقد اكد ماركس على ان االنسان حين تستلب قواه ، تنزع عنه انسانيته، اي ان العامل حين يغترب عن قوة عمله ونشاطه االنساني يتحول الى مجرد سلعة، وهذا ما اطلق عليه ماركس )التشيؤ(. وكما كان لهيجل تصور في الحد من االغتراب الذي يعانيه االنسان ، فإن الحل الذي جاء به ماركس للتغلب على هذه المعض لة ياتي عبر الثورة الموضوعية الجذرية التي تشمل الذات والعالم، ذلك الن االغتراب ظاهرة تاريخية تولدها الشروط الموضوعية وال دخل للذات فيها، لذلك يجب ازالة االغتراب عبر الثورة. والسؤال هنا هو: هل يستطيع كل من هيجل بمثاليته وفيورباخ بماديته وماركس باالستفادة من مثالية االول ومادية الثاني وخروجه علينا بالديالكتيك والصراع الطبقي والتطور التاريخي ، ان يحللوا ظاهرة االغتراب المتعددة الجوانب التي يعيشها االنسان العربي الذي يعيش في عصر، اقل مايقال عنه انه مفزع؟ فاالنسان العربي يعيش اليوم حالة من حاالت االغتراب الفريدة والنادرة فهو غريب عن نفسه ومجتمعه وارضه ، وهذا الطرح ال يمثل الصورة السوداوية القاتمة بل يمثل الحد االدنى من الواقعية ، فمن هو العربي ومن هو الذي يمثل تطلعاته المستقبلية في حياة حرة كريمة، وهل هناك حقيقة مطلقة يعيشها هذا االنسان؟ ان االنسان العربي الذي اجتاز اخطر مراحل انهيار امته ابتداء من سقوط بغداد على يد التتر ، مرورا بالحقبة العثمانية واالستعمارية الغربية، ومرورا بما يمر به هذا االنسان في العصر الحديث الذي يتشابه الى حد كبير بالعهد الجاهلي الذي سبق االسالم. ذلك العهد الذي كانت تضطرم في داخله تفاعالت الحياة وتنمو في اعماقة بذور النهضة الحديثة، وتتحفز في جنبات االنهيار الثورة على كل القيم الجاهلية وواقعها. ففي عيوبنا االجتماعية والسياسية واالقتصادية اليوم بذور نهضتنا في الغد، وفي سؤ اوضاعنا وكثرة العقبات التي تعترض حياتنا، تقوم امكانات الخصب لبذور الحياة الجديدة واالفكار والمفاهيم والمصطلحات الفلسفية مطالبة اليوم بدراسة وادراك طبيعة الشعب العربي الذي خلقت فيه ووجدت لتمثله، والبد لها من ان تدرك مسار تاريخه وطبيعة تطوره، والبد لها من ان تفهم روحيته لتمثل بالتالي مثله واماله وطموحاته وان تعي الشروط الحياتية واالجتماعية والسياسية واالقتصادية التي ينبغي ان تتوفر لهذا الشعب العربي حتى يحقق ذاته ويتخلص افراده من مرض االغتراب . اننا ال نطلب مستحيال في حياتنا او مستقبلنا ، ذلك ان كل نهضة مهما صغرت وكل تقدم مهما كان بسيطا يبدو مستحيال بل وخياليا اذا قيس بمنظر التاخر والخمول واالنحالل. ومن ضمن المقاييس الجامدة واالنحطاط، ولكن كل نهضة يمكن ان تقع في نطاق الممكن حينما تقاس بمقياس سير التاريخ واتجاهاته. ونهضة امتنا وانساننا العربي -الذي ابتاله اهلل باالستعمار والصهيونية والرجعية العربية واالسالمويون الجدد- هي اليوم اقرب الى التحقق والممكن اذا قسناها بمقاييس تاريخنا، واذا اخذناها بمقتضى حقائقه. انها نهضة واقعية اذا فكرنا بروح
82 واعية، ثائرة على مفاسد التأ خر واالنحطاط ،، انها نهضة واقعية اذا قيست بروح االيمان والثقة بالنفس . علينا ان نرفض سموم الكفر بمعتقداتنا والقيم االصيلة التي تربينا عليها ، فامتنا العربية مقبلة على والدة جديدة ال يمثلها هذا الزبد الذي تبثه الفضائيات المسمومة والتي ال تنتمي الى العرب . علينا تحقيق الثورة في نفوسنا على القيم البالية واالمال الخداعة وان نقضي على التردد واالغتراب في نفوسنا ، وان ال نتلفت الى الوراء، مستقبلنا ال يبنيه احد غيرنا . علينا ان ننفصل عن الجسم المريض ونتطهر من اجل تحقيق الهدف المنشود، فليس بالبعيد والبالعج يب ان ينقلب الواقع الفاسد في نفوسنا وفي واقعنا كما حدث في الجزيرة العربية عندما حمل العرب راية السماء .