أمة عربية واحدة وحـــدة
ذات رسالة خالدة حـريـة اشـتراكـيـة
سلسلة فكر البعث
مفهوم الديمقراطية المركزية
عند حزب البعث العربي الاشتراكي
المحتويات :
مقدمة :مفهوم العلاقة بين طرفي ثنائية الديمقراطية والمركزية
أ -راي الفلاسفة في الحرية
ب -الحرية اهم منطلقاتها واسسها وابعادها
ثانيا :اهم منطلقات واسس الحرية
الأبعاد الفلسفية والسياسية للحريـــــــــة -
الحرية الفردية والحقوق العامة -
الابعاد النفسية والخلقية -
الحرية والاختيار الواعي -
-
اشكالية الاختيار الواعي وقناعة المجتمع -
الثقافة الملتزمة وحرية اختيار الهدف والوسيلة -
في البعد السياسي – الاجتماعي للحريـــة (الديمقراطية)
ثالثا :طرفي معادلة الديمقراطية – المركزية
رابعا :مفهوم الحزب ووظائفـه
الحزب مجتمع مصغر: -
-الدور الوظيفي لالتزام العضو الحزبي يزاوج بين المركزية والديمقراطية
-التشريعات التنظيمية تعالج مسألة الهيمنة المتبادل بين المركزية والديمقراطية
1
أمة عربية واحدة وحـــدة
ذات رسالة خالدة حـريـة اشـتراكـيـة
اولاً :مقدمة
مفهوم العلاقة بين ثنائية الديمقراطية والمركزية
تشكل ثنائية الديمقراطية المركزية محوراً مهما في عقيدة وممارسة بعض
الاحزاب الثورية ومنها حزب البعث العربي الاشتراكي .حيث يعتبر مصطلح
الديمقراطية المركزية مفهوم حديث جاء مع مجيء الاحزاب العقائدية رغم ان
مفهوم الديمقراطية يعود اصلا الى الحضارة اليونانية ،الا انه تطور حيث اصبح
لكل حزب معاصر رؤيته وتصوره لهذا المصطلح.
ولقد تباين مفهوم العلاقة بين الطرفين فاخذ شكلين حسب اولوية طرف
وتقديمه على الاخر وهما:
-تقديم الديمقراطية على المركزية كما عند حزب البعث العربي الاشتراكي.
-تقديم المركزية على الديمقراطية كما عند الاحزاب الشيوعية.
وكل من هذه التسميات تترتب عليها قوانيين ونظم ووممارسات .
فالأحزاب الماركسية تع ِّرف (المركزية الديمقراطية) على أنها (انتخاب جميع
الهيئات القيادية في الحزب من الأسفل إلى الأعلى .والمحاسبة الدورية للأجهزة
الحزبية أمام منظمات الحزب .والضبط الحزبي العالي يكون بخضوع الأقلية
للأكثرية ،والالتزام اللاشرطي بقرارت الهيئات العليا من قبل الهيئات السفلى).
أما حزب البعث العربي الاشتراكي وفي نظامه الداخلي ،فيع ِّرف (الديمقراطية
المركزية) ،على أساس أن هذا المفهوم ينبع من مفهومين أساسين للحزب
هما( :الحرية والثورية) .فالديمقراطية تعترف بحرية اعضاء الحزب ،وتفسح
2
أمة عربية واحدة وحـــدة
ذات رسالة خالدة حـريـة اشـتراكـيـة
المجال أمامهم لممارسة حقهم في النقاش والاقتراح والنقد وفي انتخاب القيادة
التي تعبر عن ارادة الحزب وتتحمل المسؤولية النضالية .وأما المركزية فهي
ضرورة ثورية يمليها الحرص على وحدة الحزب القومية تنظيمياً وفكرياً
وسياسياً .وعلى تعزيز السلطة المركزية في الحزب ،بما يمكنها من بنائه
وقيادته وتنفيذ استراتيجيته ومقررات مؤتمراته .على أن تكون هذه المركزية
نتاج تحقيق الديمقراطية واجراء انتخابات حرة واعية ومسؤولة.
وبالنظر لاهمية التباين بين مفهومي الديمقراطية المركزية ،والمركزية
الديمقراطية ،لذا نجد انه من الضروري شرحه بهدف توضيحه إلى جماهير
حزبنا .ولتحقيق ذلك لابد من العودة الى الاسس الفلسفية والاجتماعية لطرفي
المعادلة اي الديمقراطية والمركزية للتوصل الى اي منها يشكل الاكثر ملائمة
لطبيعة مجتمعنا العربي ،ويشكل بالتالي المنظومة الاكثر كفاءة في معالجة ما
يواجهه من تحديات.
إن تناول الحرية الفردية وعلاقتها بالمجتمع فلسفياً واجتماعياً موضوع مهم
تناوله الفلاسفة .حيث يرى البعض منهم ان تطويع مفهوم الديمقراطية من قبل
المركزية فيه شيء من القسرية .ومن المرجعيات التي تعاملت معها في هذا
الشأن مرجعية تنتمي الى الفلاسفة المثاليين ،في حين أن الفلاسفة الماديين لهم
رأي بهذا الشأن.
وبصورة عامة يرى الفلاسفة وعلماء الاجتماع حول علاقة الفرد بالمجتمع:
(إن من اهم مشكلات السوسيولوجيا هي حل التناقض القائم في أن الفرد من
جهة ،يشكل جز ًءا من المجتمع ،ويخضع تصرفاته للظروف العامة .وإنه من
جهة أخرى ،ذو استقلالية معينة ،له حرية المبادرة وله حرية الإرادة .وإنه من
المبالغة بمكان اعطاء دور للمجتمع فوق دور الفرد لتحديد نمط افعاله وافكاره،
3
أمة عربية واحدة وحـــدة
ذات رسالة خالدة حـريـة اشـتراكـيـة
أو في حرية إرادة الانسان الذي يزعمون أنه يحدد تصرفاته بصورة مستقلة
عن الوسط الاجتماعي ) .وباختصار فان الشقين الاساسيين يمكن تلخيصهما
في مجموعة اولى تقول إن تصرفات الانسان تمثل إرادة الإله ،وهي (الفكرة
المطلقة) ،التي ع َّرفها هيغل .و هولاء هم المثاليون الموضوعيون.
وأما المجموعة الثانية فتشمل الذين كانوا يفتشون عن المصدر في الانسان
ذاته وهم (الطبيعيون ،الماديون) .أو في وعيه أو لاشعوره وهم (المثاليون
الذاتيون) .ثم جاءت الماركسية لتقول إنها الحل من خلال ما سمته (النشاط
العملي) ،حيث تتشكل بموجبها شخصية الفرد في المجتمع ،الذي يتوقف بدوره
على مضمون نشاط الناس .وإن الإنسان حين يقف على قوانين المجتمع
وظروف حياته ،يغدو بوسعه أن يحور القوة الاجتماعية ويحور ذاته عبر
النشاط الفعال ،الهادف الموجه .والمعرفة هي طريق الانسان الفرد الى الاندماج
والتفاعل مع المحيط العام.
كانت تلك مقدمات لموضوع الديمقراطية المركزية التي يبدأ موضوعها من
اليوم الذي يقرر فيه الانسان بإرادة حرة واعية الانضمام إلى حزب أو حركة
سياسية عقائدية .فما هي اهم منطلقاتها واسسها وابعادها ؟
ثانياً :اهم منطلقات وأسس الحرية
الأبعاد الفلسفية والسياسية للحريـــــــــة
تشكل الحرية حاجة اساسية وهاجس دائم يبحث عنه الإنسان ،أياً كان عمره،
وأياً كان مستواه وموقعه .هذا الموضوع لا يكتسب معناه ،ولا يشكل مشكلة في
ذهن الفرد وتساؤلاته سوى في الوقت الذي يلتقي فيه ،هذا الفرد ،مع الآخرين،
4
أمة عربية واحدة وحـــدة
ذات رسالة خالدة حـريـة اشـتراكـيـة
وفي الوقت الذي تظهر فيه قضية ما في دائرة التعارض أو التناقض بين
طرفين :الأنا والآخر .فالفرد المنعزل عن غيره من الأفراد ،في أفكاره
وطموحاته وحاجاته ،لا يشعر أنه بحاجة إلى أن يطرح السؤال التالي :إلى أي
حد يُسمح لي بأن افكر كما اريد ،وأن امارس ،دون عوائق أو حواجز ،ما
أعتقد أنه صحيح.
والإنسان ،يتعلم ويكتسب خبرات وعادات وثقافة المجتمع الذي يعيش فيه
ومعه ،ويتلقاها بطريقة تفاعلية بينه وبين الآخرين .فالمجتمع يشبع الفرد
بثقافته وعاداته الاجتماعية ،كما أنه يعلمه الخبرات والمهارات .هذا الاكتساب
الذي يناله الفرد من مجتمعه ،أو الثقافة التي يتلقاها منه تحمل ،في حد ذاتها،
قيوداً وحواجز وممنوعات .وعندما يصل الفرد /الإنسان اًلى مرحلة من النضج
الاجتماعي والثقافي – والنضج هنا هو مسألة نسبية لا تنفصل عن مستوى
الثقافة الخاصة بالمجتمع الذي يعيش فيه -يقوم بدور فاعل ،مستنداً إلى كفاءاته
الذاتية ،حينئذ قد يمتلك المقدرة على تطوير هذه الثقافة .وفيما يضخه الفرد من
ابتكاراته الفكرية والثقافية إنما يصبح ملكاً لهذا المجتمع ،إذا حاز على قناعته
به .
ومن هنا فان الفرد مكبل بالثقافة السائدة في مجتمعه ،لأنها في غالب الاحيان
تكون ملزمة له ،هذا الأمر يضع قيوداً على حريته الشخصية إذا لم تشكل لديه
القناعة الكافيه بها .لكن هذه القيود قد تو ِّلد عند الفرد /حافزاً له لكي يضخ في
مجتمعه أفكاراً جديدة تعب ِّر عن حريته الشخصية وتفسح له المجال للإسهام في
بناء ثقافة هذا المجتمع .وقد لا تلقى هذه الإضافات الفكرية قبولاً لدى أفراد
5
أمة عربية واحدة وحـــدة
ذات رسالة خالدة حـريـة اشـتراكـيـة
المجتمع الآخرين ،لكنه إلى الحين الذي يقتنع بها المجتمع ويستوعبها عندئذ
تصبح إضافات جديدة في ثقافة المجتمع العامة.
وتحمل الثقافة العامة لأي مجتمع من المجتمعاًت قيوداً للأفراد ،وكلما أزدادت
الوظائف الاجتماعية أو السياسية أو التقنية لمجتمع ما تزداد هذه القيود لأن
هذه الوظائف تحتاج إلى مزيد من الأدوار والتقسيمات والتنظيمات الاجتماعية.
ولأن الإنسان اًجتماعي بمتطلباته وحاجاته ورغباته ،ولأن المجتمع هو الوسط
الضروري لكي يمارس الإنسان فيه اًنسانيته ،ينبع السؤال التالي :أين نحدد
موقع الحرية في دائرة الفرد ،وأين نحدد موقعها في دائرة المجتمع؟
عندما يبقى الفرد فرداً ،أي عندما لا يعيش في داخل مجتمع ما ،تكتسب الحرية
بُعداً فلسفياً خالصاً ومفهوماً مجرداً لأن الفرد يمارس نشاطاته دون ضغط أو
إكراه من المحيط الاجتماعي ،ولأن غيابهما مرتبط بغياب الإنسان اًلآخر ،وكأن
قيود الأنا مرتبطة بوجود الغير .وقد يتبادر الى الذهن السؤال التالي :هل
نستطيع القول -وفي سبيل الحصول على الحرية الكلية المجردة -إن الغاء
الآخر شرط ضروري لممارسة الحرية؟.
في الواقع فان الاجابة هي ان هذا الإلغاء ،بحد ذاته ،هو عمل ضد الحرية.
فوجود الآخر هو واقع حتمي وضرورة ماسة للاسباب التالية :
فأما الوجود كواقع حتمي ،فلأن الإنسان يولد من إنسان آخر.
وأما هو ضرورة ماسة ،فلأن الإنسان المولود هو بحاجة إلى مساعدة الوالد.
لذلك فالفرد ،كجزء من مجتمع ،له رغباته وحاجاته وأفكاره وهذه حقوق
شخصية ،ولكل فرد آخر له مثل هذه الحقوق .لكن الرغبات والحاجات والأفكار
6
أمة عربية واحدة وحـــدة
ذات رسالة خالدة حـريـة اشـتراكـيـة
عند الأنا والآخر ليست متجانسة ،ولأن الإنسان لا يمكنه تحقيق كل رغباته
وحاجاته بنفسه فهو بحاجة إلى الآخرين ،فإنه يعمل للاندماج مع الآخرين
لتأمين هذه الحاجة بإختيار حر ،فالحاجة الاجتماعية للإنسان هي حاجة
أساسية :حيث تشكل الأنا والغير ركيزتها ،فكيف يتم التوافق والتوفيق بين
حرية الأنا وحرية الغير؟
الحرية الفردية والحقوق العامة
من اجل ذلك ُوضعت معايير ومقاييس ،أو ما نستطيع تسميته حدوداً وحواجز
بين حقوق الأفراد لكي يمنع عندها التصادم ،وهذا ما نُطلق عليه مفهوم الحقوق
العامة ،التي لا يمكن أن تستقيم إلا بوجود طرف المعادلة الذي يسوي بينهما
وهو مفهوم الواجبات .فالتصادم بين حقوق الأفراد تم ضبطه بوضع مجموعة
من القيم القانونية والسياسية والأخلاقية لتقوم بوظائفها في تنظيم حركة
التبادل في العلاقة بين الأفراد ،ومن هنا أصبحت معادلة التسوية قائمة على
نظرية الحقوق والواجبات العامة.
لكن عندما تتجاوز الحقوق الفردية الحدود المرسومة لها ،أو لأن الحدود ليست
مرسومة بدقه ،تطغى حينئذ تلك الحقوق على الحريات العامة ،أو قد يحصل
العكس ،عندئذ تُطرح الإشكالية التالية :كيف نؤ ِّمن التوازن بين الحقوق
والواجبات لكي نمنع طغيان طرف على الطرف الآخر؟ .إن مناقشة هذه
الإشكالية تتطلب ،باعتقادنا ،معالجة مسألتين هما :البُعدان الفلسفي والسياسي
للحرية.
7
أمة عربية واحدة وحـــدة
ذات رسالة خالدة حـريـة اشـتراكـيـة
-1المعنى والبعد الفلسفي للحريـة
جاء في القاموس الفلسفي ،عن الحرية ان للحرية معان ثلاث:
الأول :المعنى العام وهو ان الحرية خاصة الموجود ،الخالص من القيود،
العامل بارادته أو طبيعته.
الثاني :المعنى السياسي والاجتماعي
الثالث :الابعاد النفسية والخلقية
ويشمل الثاني ما يلي :
أ -الحرية النسبية :وهي الخلاص من القسر والإكراه الاجتماعي،
ومفهومها ان الحر هو الذي يأتمر بما أمر به القانون ،ويمتنع عما نهى عنه.
ب -الحرية المطلقة :وهي حق الفرد في الاستقلال عن الجماعة التي انخرط
في سلكها .وليس المقصود حصول الاستقلال بالفعل ،بل المقصود منها الاقرار
بالاستقلال واستحسانه ،وتقديره ،واعتباره قيمة خلقية مطلقة.
الحريـة لها بعد اجتماعي
هنا قد يطرح السؤال التالي :إذا دخل عقل الفرد دائرة العقل الجماعي ،هل
يحصل انتقاص في حريته الفردية؟
ان حاجة الإنسان اًلأساسية هي أن يعيش في داخل مجتمع ،لكنه لو عاش
منعزلاً عن هذا المجتمع لانتقصت إنسانيته ،ولا معنى لأن نقول عنه إنه حر أو
8
أمة عربية واحدة وحـــدة
ذات رسالة خالدة حـريـة اشـتراكـيـة
مقيد .لكن الإنسان حتى لو لم يخضع إلى عوامل الضغط والإكراه البشري ،فإنه
سوف يخضع لعوامل الضغط والإكراه من جانب الطبيعة سواء كانت مادية أو
حيوانية ،فهو في مثل هذه الحالة لن يستطيع أن يمارس الاختيار الحر في
طرائق مأكله ومنامه لأنه لن يستطيع أن يجبر نظام الطبيعة لأن يسير كما
يشتهي هو كفرد.
فالحرية المطلقة هي شأن من شؤون الخالق ،وليست من شأن المخلوق ،لأن
امكانيات المخلوق قاصرة عن تنفيذ كل الأهداف الفكرية التي يؤمن بها.
فالحرية الفردية ،إذن ،مرتبطة ارتباطاً وثيقاً مع امتلاك وسائل القوة الكفيلة
بتحقيق الأهداف المختارة إرادياً .وحيث إن وسائل القوة الفردية عاجزة عن
ذلك ،أصبح على الفرد أن يكون عضواً في داخل مجتمع ،لأن المجتمع هو الذي
يستطيع ،بتضافر جهود أعضائه ،امتلاك وسائل القوة النسبية التي تحقق
الأهداف التي يختارها أعضاؤه مجتمعين أو الأكثرية منهم.
لا ينتقص من قيمة حرية الفرد انتماؤه المشروط إلى مجتمع ما ،لأن الحرية
الفردية ليست مطلقة ،وإنما هي حرية اجتماعية لا فلسفية ،فوجودها أو عدم
وجودها خارج المجتمع لا قيمة له .فمن هنا كان الإنسان مخلوقاً اجتماعياً
يكتسب قيمته من داخل مجتمعه .وتكتسب الحرية ،إذن ،معناها الاجتماعي
المق ِّيد وتبتعد بالمقدار ذاته عن معناها الفلسفي المطلق.
وحيث إن الحرية تكتسب مفهومها من خلال المجتمع ،فإن للحرية الفردية
وممارستها مفهوم نسبي ،يحقق الغاية من وجودها بالقدر الذي يض ّيِق هذا
9
أمة عربية واحدة وحـــدة
ذات رسالة خالدة حـريـة اشـتراكـيـة
المفهوم شق التناقض أو التعارض بين أفراد المجتمع في خياراتهم الفكرية أو
السياسية أو الاجتماعية أو الاقتصادية.
فالحرية لا تكتسب مفهومها من خارج المجتمع ،والمجتمع لا يكتسب مفهومه
الإنساني من خارج دائرة الحرية ،فكيف نوفق بين المستوى الذي يرفض وجود
الحرية بالمطلق ،أي بمفهومها الماورائي النفسي ،وبين تجسيدها في حقوق
وواجبات محددة؟
الابعاد النفسية والأخلاقية للحرية
الحرية هي الحد الأقصى لاستقلال الإرادة العالمة بذاتها ،المدركة لغايتها ،وإذا
كانت الحرية مضادة للهوى والغريزة ،دلت على حالة إنسان يحقق بفعله ذاته
العأقلة والفاضلة.
ويعتقد المثاليون ،كما جاء في الموسوعة الفلسفية إن الحرية والضرورة
مفهومان يستبعد كل منهما الآخر ،ويعتبرون أن الحرية هي تقرير الروح
لمصيرها ،وحرية الإرادة وإمكانية التصرف يتم وفق إرادة لا تحددها الظروف
الخارجية .لكن ،كما جاء في الموسوعة ذاتها ،فإن التفسير العلمي للحرية
والضرورة يقوم على أساس تفاعلهما وتداخلهما الجدلي ،وقد قدم الفلاسفة
تصوراً دقيقاً للوحدة الجدلية بينهما إنطلاقاً من مواقف مثالية .حيث يعتقدون أن
الضرورة الموضوعية هي أولية وأن ارادة الإنسان ووعيه ثانويان مشتقان
منها.
10
أمة عربية واحدة وحـــدة
ذات رسالة خالدة حـريـة اشـتراكـيـة
فالضرورة توجد في الطبيعة والمجتمع على شكل قوانين موضوعية .فالقوانين
غير المدركة تكون ( عمياء ) .ففي بداية تاريخ الإنسان ،حيث كان غير قادر
على استكشاف كنه أسرار الطبيعة ،ظل عبداً للضرورة غير المد َر َكة وكانه غير
حر .وكلما ازداد الإنسان عمقاً في إدراك القوانين الموضوعية سواء كانت
طبيعية أم اجتماعية أم سياسية كلما ازداد نشاطه حرية ووعياً .ومن جهة
اخرى فقد جاء تعريف الحرية عند الفكر الليبرالي الأوروبي ،على انها غياب
الإكراه والقيود التي يفرضها طرف على آخر ،فالإنسان حر عندما يكون قادراً
على اختيار هدفه وطريقه ،وأن لا يكون مرغماً على اختيار ما لا يريد أن
يختاره من خلال خضوعه لإرادة شخص أو دولة أو أية سلطة مجتمعية .وهذا
ما نسميه بالحرية السلبية لانها تعتبر الحرية شئ مطلق لا يحدده شئ بما فيها
مصلحة المجموع .لكن ،لكي تكتسب الحرية الفردية مفهومها الصحيح ،وهو
حرية اختيار الهدف والطريق ،يشترط أن يكون الاختيار واعياً ،فكيف يتحقق
الاختيار الواعي؟
الحرية والاختيار الواعي :
يشكل التعليم والثقافة ،بتوسيعهما لقدرة الإنسان على الاختيار والقرار ،شرطاً
أولياً مهماً من شروط ممارسة الحرية ،فالمعرفة تطور قدرة الإنسان على
الافعال الحرة والتصرف الحر والموضوعي في نفس الوقت .فالحرية في بعدها
الفلسفي الخالص ،استناداً إلى ما عددناه من تعريفات ،هي حرية مطلقة تتنافر
مع مبدأ الضرورة الطبيعية والاجتماعية .أما الحرية في بعدها الاجتماعي
المسؤول ،فهي حرية نسبية ،من شروطها الخلاص من القسر والإكراه ،على
11
أمة عربية واحدة وحـــدة
ذات رسالة خالدة حـريـة اشـتراكـيـة
أن لا تتنافى مع الأعراف والقوانين الاجتماعية السائدة المشروطة بالوعي
والمعرفة من قبل الفرد.
وهنا نتوقف للسؤال ما هي الثقافة المطلوبة للأعراف والقوانين؟ هل هي ثقافة
المجتمع السائدة؟ أم هي ثقافة النخبة من الناس؟ وكيف يكون الأمر فيما لو
تناقضت مفاهيم المعرفة عند الأفراد ،مع الثقافة السائدة؟
وبصورة عامة كلما كان المجتمع متقدماً ،يؤمن للفرد طرائق متقدمة لاكتساب
ثقافة مجتمعه ،وكلما تقدمت وسائل التعليم وطرائقه تسهم في تطوير ثقافة
الفرد وتعمقها ،ساعتئذ تتراكم العوامل الثقافية التي تؤهل الفرد إلى الوصول
للمستوى الذي يصبح فيه قادراً على الاختيار الواعي ،أي الاختيار الحر الذي
يشبع قناعته الذاتية على أن لا يتخطى دائرة حقوق الآخرين ومصلحة المجتمع.
اشكالية الفكر الجديد وقناعة المجتمع
ويتميز كل مجتمع بثقافته الخاصة ،ولأن ليس كل أفراد المجتمع يقتنعون بهذه
الثقافة يظهر في داخل كل مجتمع عدد من الرافضين لها ،كلياً أو جزئياً .هذا
الرفض قد يؤدي إلى إنتاج فكري جديد ،فإذا أخذ طريقة في اقناع آخرين
بصحته ،يتشكل حينئذ تجمعاً ثقافياً متميزاً في داخل مجتمعهم ير ِّوجون فيه
لفكرهم الجديد .فإذا كان الفكر الجديد بمستوى من العمق يجيب فيه على حل
مشكلات كثيرة في المجتمع ،فإنه يشق طريقاً لكي يأخذ موقعاً في التراث
الثقافي للمجتمع بما يُسهم في تطويره أو تغييره .وتصبح الثقافة الجديدة ،أكثر
جدية ،عندما تتحول إلى مشروع سياسي او مجتمعي قابل للتنفيذ .وهنا تتحول
12
أمة عربية واحدة وحـــدة
ذات رسالة خالدة حـريـة اشـتراكـيـة
هذه الثقافة إلى دائرة الالتزام في داخل التجمع البشري الذي يعمل على
تحقيقها.
الثقافة الملتزمة وحرية اختيار الهدف والوسيلة
فالثقافة الملتزمة ،من هنا ،تحمل عنصرين أساسيين وهما :حرية اختيار
الهدف ،وحرية اختيار الوسيلة لتحقيقه .لكن الثقافة الملتزمة تثير إشكالية حول
مفهوم الحرية في بعدها الفلسفي وتتمثل فيما يلي:
كيف يستطيع الإنسان اًلملتزم ان يوفق بين الحرية الفردية ،وبين القيود التي
يفرضها التجمع الذي انتسب إليه؟ .هنا تحقق الحرية الفردية ذاتها في اختيار
الهدف ،وقد تم دون ضغط أو إكراه .لكن المشكلة تنبع عندما ينتقل الفرد إلى
المرحلة الثانية وهي اختيار الوسيلة أو الطريق الذي على أساسه سوف يعمل
لترجمة خياره الفكري إلى واقع عملي ،فهل يتم هذا الاختيار فردياً أم جماعياً؟
بداية ،لا يمكن للفرد أن يح ِّول أفكاره إلى واقع عملي دون الاستعانة بالآخر،
ومن هنا تواجه حرية الاختيار الفردي تحديا إذا اصطدمت بحرية الاختيار عند
الآخرين ،خاصة إذا انقسم أفراد الجماعة الواحدة حول تحديد وسائل التنفيذ إلى
أكثر من فريق؟
ولان الثقافة التي تجمع أفراداً كثيرين ،تتحول إلى ثقافة ملتزمة لأنها تحمل
إمكانية التطبيق ،عندها يكون للتنفيذ شروط ،منها :ضرورة امتلاك وسائل
القوة الكفيلة بتحقيق الأهداف المختارة جماعياً .فوسائل القوة لها شروط العمل
الجماعي ،فإذا لم يقتنع فريق أو فرد من الجماعة بوسائل التنفيذ التي أختارها
13
أمة عربية واحدة وحـــدة
ذات رسالة خالدة حـريـة اشـتراكـيـة
فريق آخر من داخل الجماعة الواحدة ،فسوف تواجه هذه الجماعة عددا من
الأحتمالات منها:
-إما أن ينخرط الفرد أو الفريق في التنفيذ حسب الوسائل التي اختارها الفريق
الآخر ،وهنا تفتقد حرية الاختيار الإرادي ،وهذا ما يتعارض مع البعد الفلسفي
للحرية.
-وإما أن يبتعد الفرد /الفريق عن التجمع لأنه غير مقتنع بالطريق الذي حدده
الفريق الآخر ولأن هذا الطريق لا يعبر عن الاختيار الإرادي .وانه في ابتعاده
هذا يكون قد أنقذ حقه في الاختيار الحر.
ومن هنا ولكي لا يختل التوازن بين الحرية الفردية (في اختيار الهدف الفكري)
وبين الحرية الفردية ( في اختيار وسيلة تطبيقه) ،جاءت الاليات الديمقراطية
لكي تجيب على هذه الإشكالية.
-2في البعد السياسي– الاجتماعي للحريـة (الديمقراطية):
جاء في القواميس الفلسفية حول الديمقراطية ما يشير الى ان معنى
الديمقراطية هي سيادة الشعب ،باعتبارها نظام سياسي تكون فيه السيادة
لجميع المواطنين لا لفرد أو لطبقة واحدة منهم .ولهذا النظام ثلاثة اركان هي :
الأول :سيادة الشعب.
والثاني :المساواة والعدل.
والثالث :الحرية الفردية والكرامة الإنسانية.
14
أمة عربية واحدة وحـــدة
ذات رسالة خالدة حـريـة اشـتراكـيـة
وتكون هذه الاركان الثلاثة متكاملة ،فلا مساواة بلا حرية ،ولا حرية بلا
مساواة ،ولا سيادة للشعب الا إذا كان افراده أحراراً.
إن كل نظام سياسي يعتبر إرادة الشعب مصدراً لسلطة الحكام هو نظام
ديمقراطي ،إلا أن إرادة الشعب في الواقع هي إرادة الأغلبية فيه.
فالديمقراطية ،إذن كما جاء في الموسوعة السياسية ،هي نظام سياسي-
اجتماعي يقيم العلاقة بين أفراد المجتمع والدولة وفق مبدأي :المساواة بين
المواطنين ،ومشاركتهم الحرة في وضع التشريعات التي تنظم الحياة العامة.
فإذا كانت الحرية في بعدها الفلسفي هي الإرادة الحرة على بناء مجموعة من
الأفكار أو اختيارها اختياراً حراً .وشعور الفرد ،بعد اعتناقه لها أو الإسهام في
انتاجها ،أنه غير مقيد أو ُمك َره باختيارها أو الاعتقاد بها .وإذا كانت هذه العملية
الفكرية مرتبطة بتوليد إحساس ذاتي بالسعادة وتحقيق الذات ،فإنما
الديمقراطية تبحث عن تجسيد هذا الاحساس في صورة العلاقة بين الأنا والآخر
( اي بين الفرد والمجموع) ،العلاقة التي لن تولد إحساساً بالسعادة إلا إذا
حافظت على التوازن ،في تأمين السعادة الذاتية وسعادة المجموع .
فالديمقراطية تفتش عن الوضع الأفضل الذي يتحقق فيه البعد الفلسفي للحرية
بنتائجها الفكرية والنفسية على الأنا وعلى الآخر ( المجتمع ) .فهي ،بهذا
المعنى ،تفتش عن أفضل إطار سياسي واجتماعي ممكن يستطيع أن ينظم
العلاقة بين الأنا والآخر بشكل يطلق إرادة الحرية لدى الفرد ويمنع طغيان إرادة
على أخرى .ومن هنا برزت معادلة الديمقراطية – المركزية ،فما هما طرفي
معادلة الديمقراطية – المركزية؟
15
أمة عربية واحدة وحـــدة
ذات رسالة خالدة حـريـة اشـتراكـيـة
ثالثاً :طرفي معادلة الديمقراطية – المركزية
أ -الديمقراطية:
يرتبط مفهوم الديمقراطية إذن ،مع عوامل فكرية وسياسية واقتصادية
واجتماعية .وهذه العوامل يفترض وجودها في بناء العلاقات بين الإنسان
والآخر.
فالفرد الواحد هو كيان مستقل بذاته ،وعدة أفراد يشكلون مجتمعاً تتمايز
طبائع أفراده ورغباتهم وحاجاتهم الفكرية والسياسية والاقتصادية ،وكل
منهم يشعر أنه يجب أن يعبر عن حريته وأن يمارسها .ولكي لا تتصادم
طرائق التعبير والممارسة للحرية الفردية ،جاء المفهوم الديمقراطي ليقوم
بدور التوفيق بين الحريات الفردية التي بمجرد اصطفافها في اطار مجتمعي،
تكتسب صفتها الاجتماعية ،ثم صفتها الاقتصادية والسياسية ...الخ.
ويأتي الدور التوفيقي بين الحريات الفردية الذي يلعبه المفهوم الديمقراطي
كتسوية بين حرية الفرد وحرية الآخر ليقدم كل منهما تنازلات للآخر .وكلما
كانت التشريعات قادرة على تأمين التوازن والدقة في التنازلات كلما أصبحت
المعادلة قابلة للاستمرار .وكلما اختل التوازن يتخلخل البناء الديمقراطي
ويصاب بالاهتزاز.
فالمفهوم الديمقراطي في إطاره النظري ،هو إقامة تسوية ما بين الأفراد .أما
في حالة تطبيقه فتظهر صعوبة في تأمين التسوية العادلة ما بين الحقوق
والواجبات الفردية ،وهنا تظهر الحاجة المبدئية للتطوير في أن لا تكون
التشريعات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية جامدة ،وإنما يجب أن تحمل
16
أمة عربية واحدة وحـــدة
ذات رسالة خالدة حـريـة اشـتراكـيـة
إمكانية الحركة والقدرة على تطويرها كلما برز الاختلال في التوازن بين
الحريات الفردية.
من هذا المنظار ،وكي لا تصبح مسألة إعادة التوازن ،الهدف المراد تحقيقه
من تطوير التشريعات ،ميكانيكية مادية تدفع الفرد كي يتسلط للحصول على
مكاسب على حساب الآخرين ،يأتي المفهوم الأخلاقي رادعاً معنوياً ،لكي
يلعب دوراً ذاتياً كابحاً ضد الانزلاق في دائرة التسلط الفردي.
ب-المركزيـة:
إن التشريعات كما الرادع الأخلاقي لا يمثلان سوى سلطة معنوية ليس لها
قوة إقامة الحدود ومنع الحريات الفردية من الطغيان على الحريات العامة.
لذلك كان لا بد من سلطات مركزية يتم اختيارها اختياراً حراً من قبل الأفراد،
كتعبير عن الحرية الفردية ،لكي تمارس قوة الرقابة على تنفيذ التشريعات
الديمقراطية.
ومن اجل ان لا تتحول المركزية إلى أداة للتسلط او الهيمنة او الاكراه ،يأتي
بناء المؤسسات الديمقراطية وآليات ممارستها ،كضمان لتحقيق التوازن
المطلوب .
رابعاً :مفهوم الحزب ووظائفـه
ا -تكوين الحزب كمجتمع مصغر:
يتميز الإنسان الواعي بالمقدرة على التفكير في عناصر الثقافة التي يكتسبها
وفي الظروف الموضوعية للأحداث المحيطة به ،وبالتالي فانه يمتلك الحرية
17
أمة عربية واحدة وحـــدة
ذات رسالة خالدة حـريـة اشـتراكـيـة
في اختيار النظريات الفكرية والسياسية بناءاً على ما يتوصل اليه من
قناعات.
وتُ َعد النظريات الفكرية والسياسية ،إسهامات من الأفراد والجماعات في
إغناء الفكر الإنساني وايجاد الحلول التي تحقق مصلحة المجتمع الذي ينتمي
اليه اصحابها .ولا تكتسب أهميتها إلا بمقدار اكتشافها للحقيقة كما هي بدون
تمويه ،واستجابتها لحاجات الإنسان وتحقيق رفاهيته .ولا يمكن لها أن تؤمن
هذه الحاجات سوى بالعمل على تطبيق الاهداف المعلنة لها .والتطبيق لا يأخذ
طريقه الجدي إلا إذا تظافرت جهود المؤمنين بهذه النظريات والعقائد
لترجمتها إلى أهداف واختيار الطرق المناسبة لتحقيقها.
وعندما تخرج الأفكار من دائرة الفرد إلى دائرة الجماعة فإنها تصبح ملكاً
عاماً لها؛ وعندها تدخل العلاقة والتفاعل بين الفرد والمجموع مرحلة
حساسة من شأنها ان تضمن نجاح الفكر او العقيدة في تحقيق اهدافها نجاحاً
كبيرا ً،او بالعكس تتعرض الى اخفاق كبير.
وتتمثل هذه المرحلة بقدرة النظرية او العقيدة على ضمان دخول العقل
الفردي ،باختياراته الفكرية الحرة من دون خضوع أو إكراه ،الى دائرة
الجماعة ،ليتفاعل معها ،فيأخذ منها ويرفد أهدافها الفكرية والعملية بطاقاته
الفردية بكل حيوية وتجدد ،وضمن الضوابط الموضوعية التي تضعها
المجموعة بموافقة وإقرار افرادها .
فما هي طبيعة هذه العوامل بقدر تعلق الامر بالعلاقه بين الفرد والحزب
السياسي الذي ينتمي إليه؟
18
أمة عربية واحدة وحـــدة
ذات رسالة خالدة حـريـة اشـتراكـيـة
ان الحزب هو تجمع لأفراد اختاروا أهدافاً فكرية ذات مضامين سياسية
واقتصادية واجتماعية ،وارتضوا فيما بينهم العمل معاً لتحقيق هذه الأهداف.
عندها يشكل تج ُّمعهم ما اصطلح على تسميته حزباً .فوظيفة الحزب هي
ترجمة الأهداف الفكرية إلى واقع عملي .وعلى الرغم من أن الحزب هو ليس
كل المجتمع الا انه تج ُّمع لمجموعة من هذا المجتمع .ويصبح صورة مصغرة
عن المجتمع الذي يطمح لبنائه بقدر تمسك الاعضاء فيه بترجمة العقيدة الى
واقع حي في سلوكهم وممارساتهم اليومية والمستقبلية .وعندها يمثل الحزب
أهدافاً فكرية في السياسة والاقتصاد والمجتمع ،و يشكل في نفس الوقت قوة
لتنفيذ الخطط الكفيلة بتحقيق تلك الأهداف ثانياً .
وعليه فإن لكل فرد في داخل الحزب وظيفة ،فبالانخراط الحر للفرد في
الحزب ،وبقيامه بوظيفته فإنه يك ِّمل قيام الأفراد الآخرين بوظائفهم .لذا فإن
أي اختلال في ممارسة وظيفة الفرد ينتج عنه اختلال في وظائف الآخرين.
ومن هنا يصبح دور الفرد في داخل الحزب ذا قيمة معنوية هامة .وتكتسب
وظيفته قيمة عملية كبيرة إذ يصبح التفاعل بين وظائف الافراد كلهم عنصراً
أساسياً وحاسماً في المحافظة على هيكلية البناء الحزبي الداخلي وتماسكه
من جهة ،وفي تطوير وسائل العمل وارتقائها نحو الأفضل وصولاً الى
تحقيق الاهداف المعلنة من جهة ثانية.
-2الدور الوظيفي لالتزام العضو الحزبي يزاوج بين الديمقراطية و
المركزية
داخل هذه الدائرة المجتمعية التي اصطلح على تسميتها حزباً ،والتي حازت
على شرط الاطلاع والوعي بالظروف الموضوعية والأهداف الفكرية ووسائل
تحقيقها ،كيف يمكن للحزب التوليف بين جوهري الديمقراطية والمركزية ؟.
19
أمة عربية واحدة وحـــدة
ذات رسالة خالدة حـريـة اشـتراكـيـة
لتنظيم العلاقات بين الأعضاء المنتسبين إليها اتخذت الاحزاب العقائدية التي
تتبع النظرية التنظيمية الهرمية التسلسل ،جملة من الاجراءات للتوليف بين
الديمقراطية والمركزية .وقد تبنى حزب البعث العربي الاشتراكي إطاراً نظرياً
وعملياً متميزاً ينظم العلاقات الداخلية سواء بين اعضائه من جهة او بين
تشكيلاته الهرمية ابتداءاً من قواعده وصعوداً الى قياداته ،على قاعدة
الديمقراطية المركزية .وذلك حرصاً من البعث على ضمان حيوية التفاعل
بين الفرد والمجموعة داخل الحزب ،وتسخير طاقات كل فرد من رفاقه من
اجل تحقيق الاهداف التي آمنوا بها بطريقة نظامية وحضارية في نفس
الوقت .فإلى ماذا تستند عوامل التوليف بين هذين الطرفين الأساسيين في
مفهوم الحزب؟
بالنظر إلى كل من هاتين الآليتين (المتعارضتين فلسفياً ) على انفراد ،نرى أن
ضمان التوازن بينهما و ضبطه يعد العامل الحاسم لضمان ديمومة الحزب
كقوة حية متجددة في المجتمع ،وكذلك ضمان وصوله الى تحقيق اهدافه
الاستراتيجية التي آمن بها افراده وانتموا اليه بموجبها .
فالديمقراطية إذا لم تستند إلى مفهوم العلاقة المنظمة والمسؤولة بين الأنا
والآخر ،فإنها تقترب إلى حدود المفهوم المنفلت للحرية الذي لا يرتضى أن
يكون خاضعاً لأي إكراه أو أية قيود أو معوقات تحول دون تحقيق قناعاته
الفردية.
ولأن الديمقراطية كمفهوم عام ،جاءت ذات مضمون سياسي مجتمعي ،فقد
حملت داخل ذاتها قيوداً محددة ومدروسة من شأنها ان تضمن توجيه الحرية
بالاتجاه الصحيح بحيث لا تنفلت باتجاه الفوضى ،وانما تضمن حقوق الفرد
في المجتمع في التعبير والممارسة من جهة وحقوق المجموع في تحقيق
الاهداف العامة من جهة اخرى .كذلك ،في نفس الوقت فقد حملت
20
أمة عربية واحدة وحـــدة
ذات رسالة خالدة حـريـة اشـتراكـيـة
الديمقراطية إمكانية ذاتية لتخفيف هذه القيود بحيث لا تتكاثر إلى الحد الذي
تنحرف فيه باتجاه العبودية.
أما المركزية ،فهي نظام فكري وآليات عمل تفضي الى التنازل عن القرار
الذاتي لمصلحة الغير والنابع من الرضا والقناعة بالخضوع لها ،ولكنها قد
تجنح احياناً الى استخدام القرار الفردي (سواء كان فرداً أو أقلية ضئيلة)
باتجاه تكبيل المجموع بإرادة الفرد وقراره ،اي ممارسة الغلبة على هذا
المجموع.
وسواء استند مفهوم المركزية في بعض الاحزاب إلى مبدأ الرضا بالخضوع
أو مبدأ ممارسة الهيمنة او الغلبة فقد تحولت لدى تلك الاحزاب الى "
ديكتاتورية" على صعيد الشكل والمضمون .ويرى البعض ان هذا بحد ذاته
يشكل النقيض للديمقراطية بمضمونها الفلسفي ،واكبر تهديد لحيوية التفاعل
بين الفرد والمجموعة داخل الحزب الواحد ،و عائق يمنع تسخير طاقات كل
افراده من اجل تحقيق الأهداف التي آمنوا بها مما يعيق في النهاية الوصول
الى تلك الاهداف.
ومن اجل تفادي كل هذه التحديات فقد تميز فكر حزب البعث العربي
الاشتراكي بانه نجح في صهر هذين العاملين في بوتقة واحدة من خلال
آليات تضمن أن يتنازل كل منهما عن أقصى مضامين التطرف ،اي عن ما قد
تفضي اليه الديمقراطية المطلقة من فوضوية ،و ما قد تفضي اليه المركزية
المطلقة من ديكتاتورية.
فوضع الحزب تشريعات منصوص عليها في عقد يتوافق عليه الاعضاء
الملتزمون حزبياً ،وهو ما يعرف بالنظام الداخلي .وسوف تتم مناقشة
مضامين هذه التشريعات والضوابط التي من خلالها تقوم نظرية الديمقراطية
المركزية في حزب البعث العربي الاشتراكي بتحقيق التوالف والتكامل بين
21
أمة عربية واحدة وحـــدة
ذات رسالة خالدة حـريـة اشـتراكـيـة
طرفين يبدوان متناقضين للوهلة الاولى لكن في الواقع لا غنى عن تكاملهما
للوصول الى تحقيق اهداف الحزب العقائدية على ارض الواقع.
-3التشريعات تعالج النزوع الطبيعي للهيمنة المتبادلة
بين المركزية والديمقراطية:
في البداية لا بد من إعادة التذكير بمسلمتين اثنتين ،لا يمكن بدون تفاعلهما
أن يستقيم العمل الحزبي ،وهما:
أولا :وجود أهداف فكرية -إيديولوجية عامة يعتنقها كل رفيق من أعضاء
الحزب بوعي وحرية ،من دون ضغط أو إكراه ،وهذا يمثل جانب الحرية
الفردية بمفهومها الفلسفي.
ثانياً :وجود قناعة بوجوب تحقيق هذه الأهداف .فبهذه المسلمة يتحول الفكر
من الدائرة النظرية إلى الدائرة العملية /الاجتماعية ،وبها يتحول الامر من
فكر من أجل الفكر ،إلى فكر من أجل مصلحة المجتمع والامة .وهنا يتحول
مفهوم الحرية لكي يصب في المصلحة الجماعية بدلاً من الفردية.
ولقد اشرنا سابقاً الى إن تحويل الأهداف الفكرية /الإيديولوجية ،من أهداف
نظرية إلى اهداف ومصالح مجتمعية لعموم المجتمع والامة ،يفترض جهوداً
تتجاوز إمكانيات الفرد ،وهذه الجهود تتوفر في تشكيل الحزب السياسي.
وفي البداية يمكن في داخل الحزب لكل عضو فيه أن يعتنق أهدافه الفكرية/
الإيديولوجية بحرية ووعي ودون ضغط أو إكراه .ولكن عند البدء بالترجمة
العملية لهذه الأهداف سوف تتعدد الآراء حول أفضل الوسائل لإنجاح العمل.
22
أمة عربية واحدة وحـــدة
ذات رسالة خالدة حـريـة اشـتراكـيـة
وهذا امر طبيعي نظراً الى تباين الخبرات والظروف التي ينطلق منها كل
رفيق .هنا ،تتولد الإشكالية الأولى التي تتلخص في أي رأي يمكن اختياره
لكي يمكن اعتماده كأساس للتنفيذ العملي ؟ وهل ان هذا الاختيار يُل ِّزم
المعارضين له بقبوله وتنفيذه ؟.
وتتولد الإشكالية من الإلزام الذي ينطوي في تطبيقه احياناً على معنى من
معاني الضغط والإكراه ،لانه سيشكل انتقاصأ من مفهوم الحرية في بعده
الفلسفي .وعندها سيكون سبب يبرر للمعترض الانفصال عن الجماعة التي
انخرط معها على أساس وجود قناعة مشتركة بالأهداف الفكرية/
الإيديولوجية.
ولان من طبائع الامور ان الواقع التعددي في وسائل التطبيق يفرز اراءاً
متعددة قد تتعارض فيما بينها ،لذا فان البعض ممن يصعب عليه الموازنة
بين ممارسة حرية الرأي وبين الالتزام بالقرار النهائي ،سيفضل الانفصال
عن أصحاب الرأي الآخر بحجة المحافظة على قدسية الحرية الفردية .لذا
فان الضوابط والتشريعات تعد امراً في غاية الأهمية لضمان عدم استمرار
هذه الحالات التي من شأنها ان تحدث استنزافاً في الطاقات والجهود
والقدرات مما يعيق قيام الحزب بوضع الخطط التنفيذية الكفوءة لتحقيق
أهدافه.
ولكي يتم التوفيق بين الحرية الفردية في اختيار الأهداف ،وبين الالزام في
ترجمتها كحاجة مجتمعية للأمة ،جاءت النظرية التنظيمية لحزب البعث
العربي الاشتراكي في الديمقراطية المركزية بعدد من التشريعات للتوفيق بين
23
أمة عربية واحدة وحـــدة
ذات رسالة خالدة حـريـة اشـتراكـيـة
الحرية الفردية للرفيق والالتزام الجماعي ،أي بين الحرية بمفهومها الفلسفي
المطلق وبين الإلزام بمفهومه الانضباطي .
وتكون القاعدة الأساسية في التشريعات او الانظمة الداخلية هي تحقيق
التوازن بين المركزية كمفهوم للسيطرة وتنظيم العمل بكفاءة ،وبين
الديمقراطية كمفهوم للحرية ،مع اعطاء الديمقراطية الاولوية وهذا ما ميز
فكر البعث وعقيدته .ويستند ذلك إلى عملية التنازل المتبادل للحدود
المتباعدة بين دائرتيهما للاحتفاظ بالعناصر المشتركة المتقاربة وتفعيلها
بحيث يصب كل منهما في خدمة الآخر .ويشمل ذلك التنازل عن حالة الإكراه
والتفرد التي تنطوي عليها المركزية المفرطة ،والتنازل عن الحرية المؤدية
الى الحالة الفوضوية في الديمقراطية المنفلتة ،من خلال التخلي عن جزء
من الحرية المطلقة للفرد لصالح حرية ومصلحة الآخرين.
إن التنازل المتبادل هي عملية إلزام ذاتي لكل من حدَّي العملية التنظيمية،
وهو التزام مقيَّد برضى الطرفين ،و بالضوابط التنظيمية المنصوص عليها
في اللوائح والنظام الداخلي .ويأتي الالزام الذاتي والالتزام المقيَّد مستنداً،
ليس إلى عملية آلية بحتة ،وإنما إلى حصانة أخلاقية لها علاقة بالطبيعة
البشرية للإنسان .ذلك ان هذه الطبيعة بما تحتويه من تعقيدات اجتماعية
ونفسية ،قد تؤثر سلباً على حسن تنفيذ العقد الرضائي بين الديمقراطية و
المركزية ما لم يتم الاستناد الى الحصانة الاخلاقية فكان وجود هذه الحصانة
في الحياة الداخلية لحزب البعث العربي الاشتراكي ميزة اخرى تميز عقيدته
وتنظيماته.
24
أمة عربية واحدة وحـــدة
ذات رسالة خالدة حـريـة اشـتراكـيـة
ففي إطار هذا العقد الرضائي ،تأتي التشريعات والنظام الداخلي لكي تمنع
طغيان المركزية وبالتالي تحولها إلى ديكتاتورية .ويتم ذلك من خلال اقرارها
للديمقراطية بحق الاختيار الحر للقيادات الأعلى في عملية الانتخابات الحزبية
وصولاً الى القيادة المركزية .وفي ممارسة نقد القيادة ومحاسبتها في
المؤتمرات الحزبية .وفي تثبيت فقرة النقد والنقد الذاتي كنهج ثابت في
الاجتماعات الحزبية ،وغير ذلك من الممارسات الاخرى .وفي الجانب الآخر
جاءت التشريعات والنظام الداخلي ،ومن اجل تسهيل اتخاذ القرارات
وتنفيذها ،لتنص على حق الأكثرية في إلزام الأقلية بالتقيد بالقرارات المتخذة
والاشتراك في تنفيذها بكل فاعلية.
ورغم سلامة النظرية وسمو الموزنة بين طرفي المعادلة ( الديمقراطية
والمركزية ) ،الا انه من الأهمية بمكان عدم التوقف عن متابعة التطبيق
العملي لها و دراسة الإشكاليات التي يثيرها واقع تطبيق التشريعات التنظيمية
في هذه القضية على صعيد الممارسة العملية ،وصولاً الى ايجاد الحلول
الكفيلة بتجاوز اية عوائق.
لإن الواقع والتجربة ،وعلى الرغم من وجود نصوص واضحة تحدد العلاقة
بين الديمقراطية و المركزية ،يؤشران الى امكانية حدوث مصاعب وعوامل
ذاتية وموضوعية تسعى الى عرقلة هذه الآليات وبالتالي عرقلة مسيرة اية
حركة ثورية.
ويعزى سبب وجود هذه التحديات الى جسامة المهام الملقاة على عاتق
الحزب وعظمة الاهداف التي يسعى لتحقيقها في حياة الامة ،والى التعقيد
25
أمة عربية واحدة وحـــدة
ذات رسالة خالدة حـريـة اشـتراكـيـة
الذي تتسم به الطبيعة البشرية لأسباب اجتماعية ونفسية .كما ان الحرية
بطبيعتها تجنح باستمرار نحو الفردية ،لذا فإن عدم إلمام العقود التشريعية
بكل هذه التعقيدات السياسية والاجتماعية والذاتية ،سوف يبقي الإشكاليات
قائمة في التوفيق بين الذات والمجموع ما لم تتسم النظرية التنظيمية بسمة
الحركة والتطور والتحرر من اية عوامل تحاول ان تفرض عليها الجمود.
لذا فإنها وإن لم تستطع الخلاص من الإشكاليات بشكل كامل لاستحالة ذلك في
اي تشكيل مجتمعي ،فإنها ستكون قادرة على مواجهتها بكفاءة عالية وذلك
بالمعالجة المستمرة وذلك لضمان تحقيق شقي المعادلة الأساسيين وهما
الديمقراطية والمركزية وصولاً الى ديمومة النضال وتصاعد وتائره بكفاءة
عالية على طريق تحقيق الاهداف العظيمة للأمة العربية في الوحدة والحرية
والإشتراكية .
مكتب الثقافة والاعلام القومي
2020/3/15
26