The words you are searching are inside this book. To get more targeted content, please make full-text search by clicking here.

مفهوم الديمقراطية المركزية
عند حزب البعث العربي االشتراكي

Discover the best professional documents and content resources in AnyFlip Document Base.
Search
Published by raadsk, 2020-03-17 09:56:40

مفهوم الديمقراطية المركزية

مفهوم الديمقراطية المركزية
عند حزب البعث العربي االشتراكي

Keywords: مفهوم الديمقراطية المركزية

‫أمة عربية واحدة‬ ‫وحـــدة‬
‫ذات رسالة خالدة‬ ‫حـريـة اشـتراكـيـة‬

‫سلسلة فكر البعث‬

‫مفهوم الديمقراطية المركزية‬
‫عند حزب البعث العربي الاشتراكي‬

‫المحتويات ‪:‬‬

‫مقدمة ‪ :‬مفهوم العلاقة بين طرفي ثنائية الديمقراطية والمركزية‬

‫أ‪ -‬راي الفلاسفة في الحرية‬
‫ب‪ -‬الحرية اهم منطلقاتها واسسها وابعادها‬

‫ثانيا‪ :‬اهم منطلقات واسس الحرية‬

‫الأبعاد الفلسفية والسياسية للحريـــــــــة‬ ‫‪-‬‬

‫الحرية الفردية والحقوق العامة‬ ‫‪-‬‬
‫الابعاد النفسية والخلقية‬ ‫‪-‬‬
‫الحرية والاختيار الواعي‬ ‫‪-‬‬
‫‪-‬‬
‫اشكالية الاختيار الواعي وقناعة المجتمع‬ ‫‪-‬‬
‫الثقافة الملتزمة وحرية اختيار الهدف والوسيلة‬ ‫‪-‬‬
‫في البعد السياسي – الاجتماعي للحريـــة (الديمقراطية)‬

‫ثالثا ‪ :‬طرفي معادلة الديمقراطية – المركزية‬

‫رابعا ‪ :‬مفهوم الحزب ووظائفـه‬

‫الحزب مجتمع مصغر‪:‬‬ ‫‪-‬‬

‫‪ -‬الدور الوظيفي لالتزام العضو الحزبي يزاوج بين المركزية والديمقراطية‬

‫‪ -‬التشريعات التنظيمية تعالج مسألة الهيمنة المتبادل بين المركزية والديمقراطية‬

‫‪1‬‬

‫أمة عربية واحدة‬ ‫وحـــدة‬
‫ذات رسالة خالدة‬ ‫حـريـة اشـتراكـيـة‬

‫اولاً‪ :‬مقدمة‬

‫مفهوم العلاقة بين ثنائية الديمقراطية والمركزية‬

‫تشكل ثنائية الديمقراطية المركزية محوراً مهما في عقيدة وممارسة بعض‬
‫الاحزاب الثورية ومنها حزب البعث العربي الاشتراكي ‪ .‬حيث يعتبر مصطلح‬
‫الديمقراطية المركزية مفهوم حديث جاء مع مجيء الاحزاب العقائدية رغم ان‬
‫مفهوم الديمقراطية يعود اصلا الى الحضارة اليونانية‪ ،‬الا انه تطور حيث اصبح‬

‫لكل حزب معاصر رؤيته وتصوره لهذا المصطلح‪.‬‬

‫ولقد تباين مفهوم العلاقة بين الطرفين فاخذ شكلين حسب اولوية طرف‬
‫وتقديمه على الاخر وهما‪:‬‬

‫‪ -‬تقديم الديمقراطية على المركزية كما عند حزب البعث العربي الاشتراكي‪.‬‬

‫‪ -‬تقديم المركزية على الديمقراطية كما عند الاحزاب الشيوعية‪.‬‬

‫وكل من هذه التسميات تترتب عليها قوانيين ونظم ووممارسات ‪.‬‬

‫فالأحزاب الماركسية تع ِّرف (المركزية الديمقراطية) على أنها (انتخاب جميع‬
‫الهيئات القيادية في الحزب من الأسفل إلى الأعلى‪ .‬والمحاسبة الدورية للأجهزة‬
‫الحزبية أمام منظمات الحزب‪ .‬والضبط الحزبي العالي يكون بخضوع الأقلية‬

‫للأكثرية‪ ،‬والالتزام اللاشرطي بقرارت الهيئات العليا من قبل الهيئات السفلى)‪.‬‬

‫أما حزب البعث العربي الاشتراكي وفي نظامه الداخلي‪ ،‬فيع ِّرف (الديمقراطية‬
‫المركزية)‪ ،‬على أساس أن هذا المفهوم ينبع من مفهومين أساسين للحزب‬
‫هما‪( :‬الحرية والثورية)‪ .‬فالديمقراطية تعترف بحرية اعضاء الحزب‪ ،‬وتفسح‬

‫‪2‬‬

‫أمة عربية واحدة‬ ‫وحـــدة‬
‫ذات رسالة خالدة‬ ‫حـريـة اشـتراكـيـة‬

‫المجال أمامهم لممارسة حقهم في النقاش والاقتراح والنقد وفي انتخاب القيادة‬
‫التي تعبر عن ارادة الحزب وتتحمل المسؤولية النضالية‪ .‬وأما المركزية فهي‬
‫ضرورة ثورية يمليها الحرص على وحدة الحزب القومية تنظيمياً وفكرياً‬
‫وسياسياً‪ .‬وعلى تعزيز السلطة المركزية في الحزب‪ ،‬بما يمكنها من بنائه‬
‫وقيادته وتنفيذ استراتيجيته ومقررات مؤتمراته‪ .‬على أن تكون هذه المركزية‬

‫نتاج تحقيق الديمقراطية واجراء انتخابات حرة واعية ومسؤولة‪.‬‬

‫وبالنظر لاهمية التباين بين مفهومي الديمقراطية المركزية‪ ،‬والمركزية‬
‫الديمقراطية‪ ،‬لذا نجد انه من الضروري شرحه بهدف توضيحه إلى جماهير‬
‫حزبنا‪ .‬ولتحقيق ذلك لابد من العودة الى الاسس الفلسفية والاجتماعية لطرفي‬
‫المعادلة اي الديمقراطية والمركزية للتوصل الى اي منها يشكل الاكثر ملائمة‬
‫لطبيعة مجتمعنا العربي‪ ،‬ويشكل بالتالي المنظومة الاكثر كفاءة في معالجة ما‬

‫يواجهه من تحديات‪.‬‬

‫إن تناول الحرية الفردية وعلاقتها بالمجتمع فلسفياً واجتماعياً موضوع مهم‬
‫تناوله الفلاسفة‪ .‬حيث يرى البعض منهم ان تطويع مفهوم الديمقراطية من قبل‬
‫المركزية فيه شيء من القسرية‪ .‬ومن المرجعيات التي تعاملت معها في هذا‬
‫الشأن مرجعية تنتمي الى الفلاسفة المثاليين‪ ،‬في حين أن الفلاسفة الماديين لهم‬

‫رأي بهذا الشأن‪.‬‬

‫وبصورة عامة يرى الفلاسفة وعلماء الاجتماع حول علاقة الفرد بالمجتمع‪:‬‬
‫(إن من اهم مشكلات السوسيولوجيا هي حل التناقض القائم في أن الفرد من‬
‫جهة ‪ ،‬يشكل جز ًءا من المجتمع‪ ،‬ويخضع تصرفاته للظروف العامة‪ .‬وإنه من‬
‫جهة أخرى‪ ،‬ذو استقلالية معينة‪ ،‬له حرية المبادرة وله حرية الإرادة‪ .‬وإنه من‬
‫المبالغة بمكان اعطاء دور للمجتمع فوق دور الفرد لتحديد نمط افعاله وافكاره‪،‬‬

‫‪3‬‬

‫أمة عربية واحدة‬ ‫وحـــدة‬
‫ذات رسالة خالدة‬ ‫حـريـة اشـتراكـيـة‬

‫أو في حرية إرادة الانسان الذي يزعمون أنه يحدد تصرفاته بصورة مستقلة‬
‫عن الوسط الاجتماعي )‪ .‬وباختصار فان الشقين الاساسيين يمكن تلخيصهما‬
‫في مجموعة اولى تقول إن تصرفات الانسان تمثل إرادة الإله‪ ،‬وهي (الفكرة‬

‫المطلقة)‪ ،‬التي ع َّرفها هيغل‪ .‬و هولاء هم المثاليون الموضوعيون‪.‬‬

‫وأما المجموعة الثانية فتشمل الذين كانوا يفتشون عن المصدر في الانسان‬
‫ذاته وهم (الطبيعيون ‪ ،‬الماديون)‪ .‬أو في وعيه أو لاشعوره وهم (المثاليون‬
‫الذاتيون)‪ .‬ثم جاءت الماركسية لتقول إنها الحل من خلال ما سمته (النشاط‬
‫العملي)‪ ،‬حيث تتشكل بموجبها شخصية الفرد في المجتمع‪ ،‬الذي يتوقف بدوره‬
‫على مضمون نشاط الناس‪ .‬وإن الإنسان حين يقف على قوانين المجتمع‬
‫وظروف حياته‪ ،‬يغدو بوسعه أن يحور القوة الاجتماعية ويحور ذاته عبر‬
‫النشاط الفعال‪ ،‬الهادف الموجه‪ .‬والمعرفة هي طريق الانسان الفرد الى الاندماج‬

‫والتفاعل مع المحيط العام‪.‬‬

‫كانت تلك مقدمات لموضوع الديمقراطية المركزية التي يبدأ موضوعها من‬
‫اليوم الذي يقرر فيه الانسان بإرادة حرة واعية الانضمام إلى حزب أو حركة‬

‫سياسية عقائدية ‪ .‬فما هي اهم منطلقاتها واسسها وابعادها ؟‬

‫ثانياً‪ :‬اهم منطلقات وأسس الحرية‬

‫الأبعاد الفلسفية والسياسية للحريـــــــــة‬

‫تشكل الحرية حاجة اساسية وهاجس دائم يبحث عنه الإنسان‪ ،‬أياً كان عمره‪،‬‬
‫وأياً كان مستواه وموقعه‪ .‬هذا الموضوع لا يكتسب معناه‪ ،‬ولا يشكل مشكلة في‬
‫ذهن الفرد وتساؤلاته سوى في الوقت الذي يلتقي فيه‪ ،‬هذا الفرد‪ ،‬مع الآخرين‪،‬‬

‫‪4‬‬

‫أمة عربية واحدة‬ ‫وحـــدة‬
‫ذات رسالة خالدة‬ ‫حـريـة اشـتراكـيـة‬

‫وفي الوقت الذي تظهر فيه قضية ما في دائرة التعارض أو التناقض بين‬
‫طرفين ‪ :‬الأنا والآخر‪ .‬فالفرد المنعزل عن غيره من الأفراد‪ ،‬في أفكاره‬
‫وطموحاته وحاجاته‪ ،‬لا يشعر أنه بحاجة إلى أن يطرح السؤال التالي ‪ :‬إلى أي‬
‫حد يُسمح لي بأن افكر كما اريد ‪ ،‬وأن امارس‪ ،‬دون عوائق أو حواجز‪ ،‬ما‬

‫أعتقد أنه صحيح‪.‬‬

‫والإنسان‪ ،‬يتعلم ويكتسب خبرات وعادات وثقافة المجتمع الذي يعيش فيه‬
‫ومعه‪ ،‬ويتلقاها بطريقة تفاعلية بينه وبين الآخرين‪ .‬فالمجتمع يشبع الفرد‬
‫بثقافته وعاداته الاجتماعية‪ ،‬كما أنه يعلمه الخبرات والمهارات‪ .‬هذا الاكتساب‬
‫الذي يناله الفرد من مجتمعه‪ ،‬أو الثقافة التي يتلقاها منه تحمل‪ ،‬في حد ذاتها‪،‬‬
‫قيوداً وحواجز وممنوعات‪ .‬وعندما يصل الفرد‪ /‬الإنسان اًلى مرحلة من النضج‬
‫الاجتماعي والثقافي – والنضج هنا هو مسألة نسبية لا تنفصل عن مستوى‬
‫الثقافة الخاصة بالمجتمع الذي يعيش فيه‪ -‬يقوم بدور فاعل‪ ،‬مستنداً إلى كفاءاته‬
‫الذاتية‪ ،‬حينئذ قد يمتلك المقدرة على تطوير هذه الثقافة‪ .‬وفيما يضخه الفرد من‬
‫ابتكاراته الفكرية والثقافية إنما يصبح ملكاً لهذا المجتمع‪ ،‬إذا حاز على قناعته‬

‫به ‪.‬‬

‫ومن هنا فان الفرد مكبل بالثقافة السائدة في مجتمعه‪ ،‬لأنها في غالب الاحيان‬
‫تكون ملزمة له‪ ،‬هذا الأمر يضع قيوداً على حريته الشخصية إذا لم تشكل لديه‬
‫القناعة الكافيه بها‪ .‬لكن هذه القيود قد تو ِّلد عند الفرد‪ /‬حافزاً له لكي يضخ في‬
‫مجتمعه أفكاراً جديدة تعب ِّر عن حريته الشخصية وتفسح له المجال للإسهام في‬
‫بناء ثقافة هذا المجتمع‪ .‬وقد لا تلقى هذه الإضافات الفكرية قبولاً لدى أفراد‬

‫‪5‬‬

‫أمة عربية واحدة‬ ‫وحـــدة‬
‫ذات رسالة خالدة‬ ‫حـريـة اشـتراكـيـة‬

‫المجتمع الآخرين‪ ،‬لكنه إلى الحين الذي يقتنع بها المجتمع ويستوعبها عندئذ‬
‫تصبح إضافات جديدة في ثقافة المجتمع العامة‪.‬‬

‫وتحمل الثقافة العامة لأي مجتمع من المجتمعاًت قيوداً للأفراد‪ ،‬وكلما أزدادت‬
‫الوظائف الاجتماعية أو السياسية أو التقنية لمجتمع ما تزداد هذه القيود لأن‬
‫هذه الوظائف تحتاج إلى مزيد من الأدوار والتقسيمات والتنظيمات الاجتماعية‪.‬‬
‫ولأن الإنسان اًجتماعي بمتطلباته وحاجاته ورغباته‪ ،‬ولأن المجتمع هو الوسط‬
‫الضروري لكي يمارس الإنسان فيه اًنسانيته‪ ،‬ينبع السؤال التالي ‪ :‬أين نحدد‬

‫موقع الحرية في دائرة الفرد‪ ،‬وأين نحدد موقعها في دائرة المجتمع؟‬

‫عندما يبقى الفرد فرداً‪ ،‬أي عندما لا يعيش في داخل مجتمع ما‪ ،‬تكتسب الحرية‬
‫بُعداً فلسفياً خالصاً ومفهوماً مجرداً لأن الفرد يمارس نشاطاته دون ضغط أو‬
‫إكراه من المحيط الاجتماعي‪ ،‬ولأن غيابهما مرتبط بغياب الإنسان اًلآخر‪ ،‬وكأن‬
‫قيود الأنا مرتبطة بوجود الغير‪ .‬وقد يتبادر الى الذهن السؤال التالي‪ :‬هل‬
‫نستطيع القول‪ -‬وفي سبيل الحصول على الحرية الكلية المجردة ‪ -‬إن الغاء‬

‫الآخر شرط ضروري لممارسة الحرية؟‪.‬‬

‫في الواقع فان الاجابة هي ان هذا الإلغاء‪ ،‬بحد ذاته‪ ،‬هو عمل ضد الحرية‪.‬‬
‫فوجود الآخر هو واقع حتمي وضرورة ماسة للاسباب التالية ‪:‬‬

‫فأما الوجود كواقع حتمي‪ ،‬فلأن الإنسان يولد من إنسان آخر‪.‬‬
‫وأما هو ضرورة ماسة‪ ،‬فلأن الإنسان المولود هو بحاجة إلى مساعدة الوالد‪.‬‬

‫لذلك فالفرد‪ ،‬كجزء من مجتمع‪ ،‬له رغباته وحاجاته وأفكاره وهذه حقوق‬
‫شخصية‪ ،‬ولكل فرد آخر له مثل هذه الحقوق‪ .‬لكن الرغبات والحاجات والأفكار‬

‫‪6‬‬

‫أمة عربية واحدة‬ ‫وحـــدة‬
‫ذات رسالة خالدة‬ ‫حـريـة اشـتراكـيـة‬

‫عند الأنا والآخر ليست متجانسة‪ ،‬ولأن الإنسان لا يمكنه تحقيق كل رغباته‬
‫وحاجاته بنفسه فهو بحاجة إلى الآخرين‪ ،‬فإنه يعمل للاندماج مع الآخرين‬
‫لتأمين هذه الحاجة بإختيار حر‪ ،‬فالحاجة الاجتماعية للإنسان هي حاجة‬
‫أساسية‪ :‬حيث تشكل الأنا والغير ركيزتها‪ ،‬فكيف يتم التوافق والتوفيق بين‬

‫حرية الأنا وحرية الغير؟‬

‫الحرية الفردية والحقوق العامة‬

‫من اجل ذلك ُوضعت معايير ومقاييس‪ ،‬أو ما نستطيع تسميته حدوداً وحواجز‬
‫بين حقوق الأفراد لكي يمنع عندها التصادم‪ ،‬وهذا ما نُطلق عليه مفهوم الحقوق‬
‫العامة‪ ،‬التي لا يمكن أن تستقيم إلا بوجود طرف المعادلة الذي يسوي بينهما‬
‫وهو مفهوم الواجبات‪ .‬فالتصادم بين حقوق الأفراد تم ضبطه بوضع مجموعة‬
‫من القيم القانونية والسياسية والأخلاقية لتقوم بوظائفها في تنظيم حركة‬
‫التبادل في العلاقة بين الأفراد‪ ،‬ومن هنا أصبحت معادلة التسوية قائمة على‬

‫نظرية الحقوق والواجبات العامة‪.‬‬

‫لكن عندما تتجاوز الحقوق الفردية الحدود المرسومة لها‪ ،‬أو لأن الحدود ليست‬
‫مرسومة بدقه‪ ،‬تطغى حينئذ تلك الحقوق على الحريات العامة‪ ،‬أو قد يحصل‬
‫العكس‪ ،‬عندئذ تُطرح الإشكالية التالية ‪ :‬كيف نؤ ِّمن التوازن بين الحقوق‬
‫والواجبات لكي نمنع طغيان طرف على الطرف الآخر؟‪ .‬إن مناقشة هذه‬
‫الإشكالية تتطلب‪ ،‬باعتقادنا‪ ،‬معالجة مسألتين هما‪ :‬البُعدان الفلسفي والسياسي‬

‫للحرية‪.‬‬

‫‪7‬‬

‫أمة عربية واحدة‬ ‫وحـــدة‬
‫ذات رسالة خالدة‬ ‫حـريـة اشـتراكـيـة‬

‫‪ -1‬المعنى والبعد الفلسفي للحريـة‬

‫جاء في القاموس الفلسفي‪ ،‬عن الحرية ان للحرية معان ثلاث‪:‬‬
‫الأول‪ :‬المعنى العام وهو ان الحرية خاصة الموجود‪ ،‬الخالص من القيود‪،‬‬

‫العامل بارادته أو طبيعته‪.‬‬
‫الثاني ‪ :‬المعنى السياسي والاجتماعي‬

‫الثالث‪ :‬الابعاد النفسية والخلقية‬

‫ويشمل الثاني ما يلي ‪:‬‬

‫أ‪ -‬الحرية النسبية‪ :‬وهي الخلاص من القسر والإكراه الاجتماعي‪،‬‬
‫ومفهومها ان الحر هو الذي يأتمر بما أمر به القانون‪ ،‬ويمتنع عما نهى عنه‪.‬‬

‫ب‪ -‬الحرية المطلقة‪ :‬وهي حق الفرد في الاستقلال عن الجماعة التي انخرط‬
‫في سلكها‪ .‬وليس المقصود حصول الاستقلال بالفعل‪ ،‬بل المقصود منها الاقرار‬

‫بالاستقلال واستحسانه‪ ،‬وتقديره‪ ،‬واعتباره قيمة خلقية مطلقة‪.‬‬

‫الحريـة لها بعد اجتماعي‬

‫هنا قد يطرح السؤال التالي‪ :‬إذا دخل عقل الفرد دائرة العقل الجماعي‪ ،‬هل‬
‫يحصل انتقاص في حريته الفردية؟‬

‫ان حاجة الإنسان اًلأساسية هي أن يعيش في داخل مجتمع‪ ،‬لكنه لو عاش‬
‫منعزلاً عن هذا المجتمع لانتقصت إنسانيته‪ ،‬ولا معنى لأن نقول عنه إنه حر أو‬

‫‪8‬‬

‫أمة عربية واحدة‬ ‫وحـــدة‬
‫ذات رسالة خالدة‬ ‫حـريـة اشـتراكـيـة‬

‫مقيد‪ .‬لكن الإنسان حتى لو لم يخضع إلى عوامل الضغط والإكراه البشري‪ ،‬فإنه‬
‫سوف يخضع لعوامل الضغط والإكراه من جانب الطبيعة سواء كانت مادية أو‬
‫حيوانية‪ ،‬فهو في مثل هذه الحالة لن يستطيع أن يمارس الاختيار الحر في‬
‫طرائق مأكله ومنامه لأنه لن يستطيع أن يجبر نظام الطبيعة لأن يسير كما‬

‫يشتهي هو كفرد‪.‬‬

‫فالحرية المطلقة هي شأن من شؤون الخالق‪ ،‬وليست من شأن المخلوق‪ ،‬لأن‬
‫امكانيات المخلوق قاصرة عن تنفيذ كل الأهداف الفكرية التي يؤمن بها‪.‬‬
‫فالحرية الفردية‪ ،‬إذن‪ ،‬مرتبطة ارتباطاً وثيقاً مع امتلاك وسائل القوة الكفيلة‬
‫بتحقيق الأهداف المختارة إرادياً‪ .‬وحيث إن وسائل القوة الفردية عاجزة عن‬
‫ذلك‪ ،‬أصبح على الفرد أن يكون عضواً في داخل مجتمع‪ ،‬لأن المجتمع هو الذي‬
‫يستطيع‪ ،‬بتضافر جهود أعضائه‪ ،‬امتلاك وسائل القوة النسبية التي تحقق‬

‫الأهداف التي يختارها أعضاؤه مجتمعين أو الأكثرية منهم‪.‬‬

‫لا ينتقص من قيمة حرية الفرد انتماؤه المشروط إلى مجتمع ما‪ ،‬لأن الحرية‬
‫الفردية ليست مطلقة‪ ،‬وإنما هي حرية اجتماعية لا فلسفية‪ ،‬فوجودها أو عدم‬
‫وجودها خارج المجتمع لا قيمة له ‪ .‬فمن هنا كان الإنسان مخلوقاً اجتماعياً‬
‫يكتسب قيمته من داخل مجتمعه‪ .‬وتكتسب الحرية‪ ،‬إذن‪ ،‬معناها الاجتماعي‬

‫المق ِّيد وتبتعد بالمقدار ذاته عن معناها الفلسفي المطلق‪.‬‬

‫وحيث إن الحرية تكتسب مفهومها من خلال المجتمع‪ ،‬فإن للحرية الفردية‬
‫وممارستها مفهوم نسبي‪ ،‬يحقق الغاية من وجودها بالقدر الذي يض ّيِق هذا‬

‫‪9‬‬

‫أمة عربية واحدة‬ ‫وحـــدة‬
‫ذات رسالة خالدة‬ ‫حـريـة اشـتراكـيـة‬

‫المفهوم شق التناقض أو التعارض بين أفراد المجتمع في خياراتهم الفكرية أو‬
‫السياسية أو الاجتماعية أو الاقتصادية‪.‬‬

‫فالحرية لا تكتسب مفهومها من خارج المجتمع‪ ،‬والمجتمع لا يكتسب مفهومه‬
‫الإنساني من خارج دائرة الحرية‪ ،‬فكيف نوفق بين المستوى الذي يرفض وجود‬
‫الحرية بالمطلق‪ ،‬أي بمفهومها الماورائي النفسي‪ ،‬وبين تجسيدها في حقوق‬

‫وواجبات محددة؟‬

‫الابعاد النفسية والأخلاقية للحرية‬

‫الحرية هي الحد الأقصى لاستقلال الإرادة العالمة بذاتها‪ ،‬المدركة لغايتها‪ ،‬وإذا‬
‫كانت الحرية مضادة للهوى والغريزة‪ ،‬دلت على حالة إنسان يحقق بفعله ذاته‬

‫العأقلة والفاضلة‪.‬‬

‫ويعتقد المثاليون‪ ،‬كما جاء في الموسوعة الفلسفية إن الحرية والضرورة‬
‫مفهومان يستبعد كل منهما الآخر ‪ ،‬ويعتبرون أن الحرية هي تقرير الروح‬
‫لمصيرها‪ ،‬وحرية الإرادة وإمكانية التصرف يتم وفق إرادة لا تحددها الظروف‬
‫الخارجية‪ .‬لكن‪ ،‬كما جاء في الموسوعة ذاتها‪ ،‬فإن التفسير العلمي للحرية‬
‫والضرورة يقوم على أساس تفاعلهما وتداخلهما الجدلي‪ ،‬وقد قدم الفلاسفة‬
‫تصوراً دقيقاً للوحدة الجدلية بينهما إنطلاقاً من مواقف مثالية‪ .‬حيث يعتقدون أن‬
‫الضرورة الموضوعية هي أولية وأن ارادة الإنسان ووعيه ثانويان مشتقان‬

‫منها‪.‬‬

‫‪10‬‬

‫أمة عربية واحدة‬ ‫وحـــدة‬
‫ذات رسالة خالدة‬ ‫حـريـة اشـتراكـيـة‬

‫فالضرورة توجد في الطبيعة والمجتمع على شكل قوانين موضوعية‪ .‬فالقوانين‬
‫غير المدركة تكون ( عمياء )‪ .‬ففي بداية تاريخ الإنسان‪ ،‬حيث كان غير قادر‬
‫على استكشاف كنه أسرار الطبيعة‪ ،‬ظل عبداً للضرورة غير المد َر َكة وكانه غير‬
‫حر‪ .‬وكلما ازداد الإنسان عمقاً في إدراك القوانين الموضوعية سواء كانت‬
‫طبيعية أم اجتماعية أم سياسية كلما ازداد نشاطه حرية ووعياً‪ .‬ومن جهة‬
‫اخرى فقد جاء تعريف الحرية عند الفكر الليبرالي الأوروبي‪ ،‬على انها غياب‬
‫الإكراه والقيود التي يفرضها طرف على آخر‪ ،‬فالإنسان حر عندما يكون قادراً‬
‫على اختيار هدفه وطريقه ‪ ،‬وأن لا يكون مرغماً على اختيار ما لا يريد أن‬
‫يختاره من خلال خضوعه لإرادة شخص أو دولة أو أية سلطة مجتمعية‪ .‬وهذا‬
‫ما نسميه بالحرية السلبية لانها تعتبر الحرية شئ مطلق لا يحدده شئ بما فيها‬
‫مصلحة المجموع‪ .‬لكن‪ ،‬لكي تكتسب الحرية الفردية مفهومها الصحيح‪ ،‬وهو‬
‫حرية اختيار الهدف والطريق‪ ،‬يشترط أن يكون الاختيار واعياً‪ ،‬فكيف يتحقق‬

‫الاختيار الواعي؟‬

‫الحرية والاختيار الواعي ‪:‬‬

‫يشكل التعليم والثقافة‪ ،‬بتوسيعهما لقدرة الإنسان على الاختيار والقرار‪ ،‬شرطاً‬
‫أولياً مهماً من شروط ممارسة الحرية‪ ،‬فالمعرفة تطور قدرة الإنسان على‬
‫الافعال الحرة والتصرف الحر والموضوعي في نفس الوقت ‪ .‬فالحرية في بعدها‬
‫الفلسفي الخالص‪ ،‬استناداً إلى ما عددناه من تعريفات‪ ،‬هي حرية مطلقة تتنافر‬
‫مع مبدأ الضرورة الطبيعية والاجتماعية‪ .‬أما الحرية في بعدها الاجتماعي‬
‫المسؤول ‪ ،‬فهي حرية نسبية‪ ،‬من شروطها الخلاص من القسر والإكراه‪ ،‬على‬

‫‪11‬‬

‫أمة عربية واحدة‬ ‫وحـــدة‬
‫ذات رسالة خالدة‬ ‫حـريـة اشـتراكـيـة‬

‫أن لا تتنافى مع الأعراف والقوانين الاجتماعية السائدة المشروطة بالوعي‬
‫والمعرفة من قبل الفرد‪.‬‬

‫وهنا نتوقف للسؤال ما هي الثقافة المطلوبة للأعراف والقوانين؟ هل هي ثقافة‬
‫المجتمع السائدة؟ أم هي ثقافة النخبة من الناس؟ وكيف يكون الأمر فيما لو‬

‫تناقضت مفاهيم المعرفة عند الأفراد‪ ،‬مع الثقافة السائدة؟‬

‫وبصورة عامة كلما كان المجتمع متقدماً‪ ،‬يؤمن للفرد طرائق متقدمة لاكتساب‬
‫ثقافة مجتمعه‪ ،‬وكلما تقدمت وسائل التعليم وطرائقه تسهم في تطوير ثقافة‬
‫الفرد وتعمقها‪ ،‬ساعتئذ تتراكم العوامل الثقافية التي تؤهل الفرد إلى الوصول‬
‫للمستوى الذي يصبح فيه قادراً على الاختيار الواعي‪ ،‬أي الاختيار الحر الذي‬
‫يشبع قناعته الذاتية على أن لا يتخطى دائرة حقوق الآخرين ومصلحة المجتمع‪.‬‬

‫اشكالية الفكر الجديد وقناعة المجتمع‬

‫ويتميز كل مجتمع بثقافته الخاصة‪ ،‬ولأن ليس كل أفراد المجتمع يقتنعون بهذه‬
‫الثقافة يظهر في داخل كل مجتمع عدد من الرافضين لها‪ ،‬كلياً أو جزئياً‪ .‬هذا‬
‫الرفض قد يؤدي إلى إنتاج فكري جديد‪ ،‬فإذا أخذ طريقة في اقناع آخرين‬
‫بصحته‪ ،‬يتشكل حينئذ تجمعاً ثقافياً متميزاً في داخل مجتمعهم ير ِّوجون فيه‬
‫لفكرهم الجديد‪ .‬فإذا كان الفكر الجديد بمستوى من العمق يجيب فيه على حل‬
‫مشكلات كثيرة في المجتمع ‪ ،‬فإنه يشق طريقاً لكي يأخذ موقعاً في التراث‬
‫الثقافي للمجتمع بما يُسهم في تطويره أو تغييره‪ .‬وتصبح الثقافة الجديدة‪ ،‬أكثر‬
‫جدية‪ ،‬عندما تتحول إلى مشروع سياسي او مجتمعي قابل للتنفيذ‪ .‬وهنا تتحول‬

‫‪12‬‬

‫أمة عربية واحدة‬ ‫وحـــدة‬
‫ذات رسالة خالدة‬ ‫حـريـة اشـتراكـيـة‬

‫هذه الثقافة إلى دائرة الالتزام في داخل التجمع البشري الذي يعمل على‬
‫تحقيقها‪.‬‬

‫الثقافة الملتزمة وحرية اختيار الهدف والوسيلة‬

‫فالثقافة الملتزمة‪ ،‬من هنا‪ ،‬تحمل عنصرين أساسيين وهما ‪ :‬حرية اختيار‬
‫الهدف‪ ،‬وحرية اختيار الوسيلة لتحقيقه‪ .‬لكن الثقافة الملتزمة تثير إشكالية حول‬

‫مفهوم الحرية في بعدها الفلسفي وتتمثل فيما يلي‪:‬‬

‫كيف يستطيع الإنسان اًلملتزم ان يوفق بين الحرية الفردية‪ ،‬وبين القيود التي‬
‫يفرضها التجمع الذي انتسب إليه؟ ‪ .‬هنا تحقق الحرية الفردية ذاتها في اختيار‬
‫الهدف ‪ ،‬وقد تم دون ضغط أو إكراه‪ .‬لكن المشكلة تنبع عندما ينتقل الفرد إلى‬
‫المرحلة الثانية وهي اختيار الوسيلة أو الطريق الذي على أساسه سوف يعمل‬

‫لترجمة خياره الفكري إلى واقع عملي‪ ،‬فهل يتم هذا الاختيار فردياً أم جماعياً؟‬

‫بداية‪ ،‬لا يمكن للفرد أن يح ِّول أفكاره إلى واقع عملي دون الاستعانة بالآخر‪،‬‬
‫ومن هنا تواجه حرية الاختيار الفردي تحديا إذا اصطدمت بحرية الاختيار عند‬
‫الآخرين‪ ،‬خاصة إذا انقسم أفراد الجماعة الواحدة حول تحديد وسائل التنفيذ إلى‬

‫أكثر من فريق؟‬

‫ولان الثقافة التي تجمع أفراداً كثيرين‪ ،‬تتحول إلى ثقافة ملتزمة لأنها تحمل‬
‫إمكانية التطبيق ‪ ،‬عندها يكون للتنفيذ شروط‪ ،‬منها‪ :‬ضرورة امتلاك وسائل‬
‫القوة الكفيلة بتحقيق الأهداف المختارة جماعياً‪ .‬فوسائل القوة لها شروط العمل‬
‫الجماعي‪ ،‬فإذا لم يقتنع فريق أو فرد من الجماعة بوسائل التنفيذ التي أختارها‬

‫‪13‬‬

‫أمة عربية واحدة‬ ‫وحـــدة‬
‫ذات رسالة خالدة‬ ‫حـريـة اشـتراكـيـة‬

‫فريق آخر من داخل الجماعة الواحدة‪ ،‬فسوف تواجه هذه الجماعة عددا من‬
‫الأحتمالات منها‪:‬‬

‫‪ -‬إما أن ينخرط الفرد أو الفريق في التنفيذ حسب الوسائل التي اختارها الفريق‬
‫الآخر‪ ،‬وهنا تفتقد حرية الاختيار الإرادي ‪ ،‬وهذا ما يتعارض مع البعد الفلسفي‬

‫للحرية‪.‬‬

‫‪ -‬وإما أن يبتعد الفرد‪ /‬الفريق عن التجمع لأنه غير مقتنع بالطريق الذي حدده‬
‫الفريق الآخر ولأن هذا الطريق لا يعبر عن الاختيار الإرادي‪ .‬وانه في ابتعاده‬

‫هذا يكون قد أنقذ حقه في الاختيار الحر‪.‬‬

‫ومن هنا ولكي لا يختل التوازن بين الحرية الفردية (في اختيار الهدف الفكري)‬
‫وبين الحرية الفردية ( في اختيار وسيلة تطبيقه)‪ ،‬جاءت الاليات الديمقراطية‬

‫لكي تجيب على هذه الإشكالية‪.‬‬

‫‪ -2‬في البعد السياسي– الاجتماعي للحريـة (الديمقراطية)‪:‬‬

‫جاء في القواميس الفلسفية حول الديمقراطية ما يشير الى ان معنى‬
‫الديمقراطية هي سيادة الشعب‪ ،‬باعتبارها نظام سياسي تكون فيه السيادة‬
‫لجميع المواطنين لا لفرد أو لطبقة واحدة منهم‪ .‬ولهذا النظام ثلاثة اركان هي ‪:‬‬

‫الأول‪ :‬سيادة الشعب‪.‬‬
‫والثاني‪ :‬المساواة والعدل‪.‬‬
‫والثالث‪ :‬الحرية الفردية والكرامة الإنسانية‪.‬‬

‫‪14‬‬

‫أمة عربية واحدة‬ ‫وحـــدة‬
‫ذات رسالة خالدة‬ ‫حـريـة اشـتراكـيـة‬

‫وتكون هذه الاركان الثلاثة متكاملة‪ ،‬فلا مساواة بلا حرية‪ ،‬ولا حرية بلا‬
‫مساواة‪ ،‬ولا سيادة للشعب الا إذا كان افراده أحراراً‪.‬‬

‫إن كل نظام سياسي يعتبر إرادة الشعب مصدراً لسلطة الحكام هو نظام‬
‫ديمقراطي‪ ،‬إلا أن إرادة الشعب في الواقع هي إرادة الأغلبية فيه‪.‬‬

‫فالديمقراطية‪ ،‬إذن كما جاء في الموسوعة السياسية‪ ،‬هي نظام سياسي‪-‬‬
‫اجتماعي يقيم العلاقة بين أفراد المجتمع والدولة وفق مبدأي‪ :‬المساواة بين‬

‫المواطنين‪ ،‬ومشاركتهم الحرة في وضع التشريعات التي تنظم الحياة العامة‪.‬‬

‫فإذا كانت الحرية في بعدها الفلسفي هي الإرادة الحرة على بناء مجموعة من‬
‫الأفكار أو اختيارها اختياراً حراً‪ .‬وشعور الفرد‪ ،‬بعد اعتناقه لها أو الإسهام في‬
‫انتاجها‪ ،‬أنه غير مقيد أو ُمك َره باختيارها أو الاعتقاد بها‪ .‬وإذا كانت هذه العملية‬
‫الفكرية مرتبطة بتوليد إحساس ذاتي بالسعادة وتحقيق الذات‪ ،‬فإنما‬
‫الديمقراطية تبحث عن تجسيد هذا الاحساس في صورة العلاقة بين الأنا والآخر‬
‫( اي بين الفرد والمجموع) ‪ ،‬العلاقة التي لن تولد إحساساً بالسعادة إلا إذا‬

‫حافظت على التوازن‪ ،‬في تأمين السعادة الذاتية وسعادة المجموع ‪.‬‬

‫فالديمقراطية تفتش عن الوضع الأفضل الذي يتحقق فيه البعد الفلسفي للحرية‬
‫بنتائجها الفكرية والنفسية على الأنا وعلى الآخر ( المجتمع ) ‪ .‬فهي‪ ،‬بهذا‬
‫المعنى‪ ،‬تفتش عن أفضل إطار سياسي واجتماعي ممكن يستطيع أن ينظم‬
‫العلاقة بين الأنا والآخر بشكل يطلق إرادة الحرية لدى الفرد ويمنع طغيان إرادة‬
‫على أخرى‪ .‬ومن هنا برزت معادلة الديمقراطية – المركزية ‪،‬فما هما طرفي‬

‫معادلة الديمقراطية – المركزية؟‬

‫‪15‬‬

‫أمة عربية واحدة‬ ‫وحـــدة‬
‫ذات رسالة خالدة‬ ‫حـريـة اشـتراكـيـة‬

‫ثالثاً‪ :‬طرفي معادلة الديمقراطية – المركزية‬

‫أ‪ -‬الديمقراطية‪:‬‬

‫يرتبط مفهوم الديمقراطية إذن‪ ،‬مع عوامل فكرية وسياسية واقتصادية‬
‫واجتماعية‪ .‬وهذه العوامل يفترض وجودها في بناء العلاقات بين الإنسان‬

‫والآخر‪.‬‬

‫فالفرد الواحد هو كيان مستقل بذاته‪ ،‬وعدة أفراد يشكلون مجتمعاً تتمايز‬
‫طبائع أفراده ورغباتهم وحاجاتهم الفكرية والسياسية والاقتصادية‪ ،‬وكل‬
‫منهم يشعر أنه يجب أن يعبر عن حريته وأن يمارسها‪ .‬ولكي لا تتصادم‬
‫طرائق التعبير والممارسة للحرية الفردية‪ ،‬جاء المفهوم الديمقراطي ليقوم‬
‫بدور التوفيق بين الحريات الفردية التي بمجرد اصطفافها في اطار مجتمعي‪،‬‬

‫تكتسب صفتها الاجتماعية‪ ،‬ثم صفتها الاقتصادية والسياسية‪ ...‬الخ‪.‬‬

‫ويأتي الدور التوفيقي بين الحريات الفردية الذي يلعبه المفهوم الديمقراطي‬
‫كتسوية بين حرية الفرد وحرية الآخر ليقدم كل منهما تنازلات للآخر‪ .‬وكلما‬
‫كانت التشريعات قادرة على تأمين التوازن والدقة في التنازلات كلما أصبحت‬
‫المعادلة قابلة للاستمرار‪ .‬وكلما اختل التوازن يتخلخل البناء الديمقراطي‬

‫ويصاب بالاهتزاز‪.‬‬

‫فالمفهوم الديمقراطي في إطاره النظري‪ ،‬هو إقامة تسوية ما بين الأفراد‪ .‬أما‬
‫في حالة تطبيقه فتظهر صعوبة في تأمين التسوية العادلة ما بين الحقوق‬
‫والواجبات الفردية‪ ،‬وهنا تظهر الحاجة المبدئية للتطوير في أن لا تكون‬
‫التشريعات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية جامدة ‪ ،‬وإنما يجب أن تحمل‬

‫‪16‬‬

‫أمة عربية واحدة‬ ‫وحـــدة‬
‫ذات رسالة خالدة‬ ‫حـريـة اشـتراكـيـة‬

‫إمكانية الحركة والقدرة على تطويرها كلما برز الاختلال في التوازن بين‬
‫الحريات الفردية‪.‬‬

‫من هذا المنظار‪ ،‬وكي لا تصبح مسألة إعادة التوازن‪ ،‬الهدف المراد تحقيقه‬
‫من تطوير التشريعات‪ ،‬ميكانيكية مادية تدفع الفرد كي يتسلط للحصول على‬
‫مكاسب على حساب الآخرين‪ ،‬يأتي المفهوم الأخلاقي رادعاً معنوياً‪ ،‬لكي‬

‫يلعب دوراً ذاتياً كابحاً ضد الانزلاق في دائرة التسلط الفردي‪.‬‬

‫ب‪-‬المركزيـة‪:‬‬

‫إن التشريعات كما الرادع الأخلاقي لا يمثلان سوى سلطة معنوية ليس لها‬
‫قوة إقامة الحدود ومنع الحريات الفردية من الطغيان على الحريات العامة‪.‬‬
‫لذلك كان لا بد من سلطات مركزية يتم اختيارها اختياراً حراً من قبل الأفراد‪،‬‬
‫كتعبير عن الحرية الفردية‪ ،‬لكي تمارس قوة الرقابة على تنفيذ التشريعات‬

‫الديمقراطية‪.‬‬

‫ومن اجل ان لا تتحول المركزية إلى أداة للتسلط او الهيمنة او الاكراه ‪ ،‬يأتي‬
‫بناء المؤسسات الديمقراطية وآليات ممارستها‪ ،‬كضمان لتحقيق التوازن‬

‫المطلوب ‪.‬‬

‫رابعاً ‪ :‬مفهوم الحزب ووظائفـه‬

‫ا‪ -‬تكوين الحزب كمجتمع مصغر‪:‬‬

‫يتميز الإنسان الواعي بالمقدرة على التفكير في عناصر الثقافة التي يكتسبها‬
‫وفي الظروف الموضوعية للأحداث المحيطة به‪ ،‬وبالتالي فانه يمتلك الحرية‬

‫‪17‬‬

‫أمة عربية واحدة‬ ‫وحـــدة‬
‫ذات رسالة خالدة‬ ‫حـريـة اشـتراكـيـة‬

‫في اختيار النظريات الفكرية والسياسية بناءاً على ما يتوصل اليه من‬
‫قناعات‪.‬‬

‫وتُ َعد النظريات الفكرية والسياسية‪ ،‬إسهامات من الأفراد والجماعات في‬
‫إغناء الفكر الإنساني وايجاد الحلول التي تحقق مصلحة المجتمع الذي ينتمي‬
‫اليه اصحابها‪ .‬ولا تكتسب أهميتها إلا بمقدار اكتشافها للحقيقة كما هي بدون‬
‫تمويه ‪،‬واستجابتها لحاجات الإنسان وتحقيق رفاهيته‪ .‬ولا يمكن لها أن تؤمن‬
‫هذه الحاجات سوى بالعمل على تطبيق الاهداف المعلنة لها‪ .‬والتطبيق لا يأخذ‬
‫طريقه الجدي إلا إذا تظافرت جهود المؤمنين بهذه النظريات والعقائد‬

‫لترجمتها إلى أهداف واختيار الطرق المناسبة لتحقيقها‪.‬‬

‫وعندما تخرج الأفكار من دائرة الفرد إلى دائرة الجماعة فإنها تصبح ملكاً‬
‫عاماً لها؛ وعندها تدخل العلاقة والتفاعل بين الفرد والمجموع مرحلة‬

‫حساسة من شأنها ان تضمن نجاح الفكر او العقيدة في تحقيق اهدافها نجاحاً‬
‫كبيرا‪ ً،‬او بالعكس تتعرض الى اخفاق كبير‪.‬‬

‫وتتمثل هذه المرحلة بقدرة النظرية او العقيدة على ضمان دخول العقل‬
‫الفردي‪ ،‬باختياراته الفكرية الحرة من دون خضوع أو إكراه‪ ،‬الى دائرة‬
‫الجماعة‪ ،‬ليتفاعل معها‪ ،‬فيأخذ منها ويرفد أهدافها الفكرية والعملية بطاقاته‬
‫الفردية بكل حيوية وتجدد‪ ،‬وضمن الضوابط الموضوعية التي تضعها‬

‫المجموعة بموافقة وإقرار افرادها ‪.‬‬

‫فما هي طبيعة هذه العوامل بقدر تعلق الامر بالعلاقه بين الفرد والحزب‬
‫السياسي الذي ينتمي إليه؟‬

‫‪18‬‬

‫أمة عربية واحدة‬ ‫وحـــدة‬
‫ذات رسالة خالدة‬ ‫حـريـة اشـتراكـيـة‬

‫ان الحزب هو تجمع لأفراد اختاروا أهدافاً فكرية ذات مضامين سياسية‬
‫واقتصادية واجتماعية‪ ،‬وارتضوا فيما بينهم العمل معاً لتحقيق هذه الأهداف‪.‬‬
‫عندها يشكل تج ُّمعهم ما اصطلح على تسميته حزباً‪ .‬فوظيفة الحزب هي‬
‫ترجمة الأهداف الفكرية إلى واقع عملي‪ .‬وعلى الرغم من أن الحزب هو ليس‬
‫كل المجتمع الا انه تج ُّمع لمجموعة من هذا المجتمع‪ .‬ويصبح صورة مصغرة‬
‫عن المجتمع الذي يطمح لبنائه بقدر تمسك الاعضاء فيه بترجمة العقيدة الى‬
‫واقع حي في سلوكهم وممارساتهم اليومية والمستقبلية‪ .‬وعندها يمثل الحزب‬
‫أهدافاً فكرية في السياسة والاقتصاد والمجتمع‪ ،‬و يشكل في نفس الوقت قوة‬

‫لتنفيذ الخطط الكفيلة بتحقيق تلك الأهداف ثانياً ‪.‬‬

‫وعليه فإن لكل فرد في داخل الحزب وظيفة‪ ،‬فبالانخراط الحر للفرد في‬
‫الحزب‪ ،‬وبقيامه بوظيفته فإنه يك ِّمل قيام الأفراد الآخرين بوظائفهم‪ .‬لذا فإن‬
‫أي اختلال في ممارسة وظيفة الفرد ينتج عنه اختلال في وظائف الآخرين‪.‬‬
‫ومن هنا يصبح دور الفرد في داخل الحزب ذا قيمة معنوية هامة‪ .‬وتكتسب‬
‫وظيفته قيمة عملية كبيرة إذ يصبح التفاعل بين وظائف الافراد كلهم عنصراً‬
‫أساسياً وحاسماً في المحافظة على هيكلية البناء الحزبي الداخلي وتماسكه‬
‫من جهة‪ ،‬وفي تطوير وسائل العمل وارتقائها نحو الأفضل وصولاً الى‬

‫تحقيق الاهداف المعلنة من جهة ثانية‪.‬‬

‫‪ -2‬الدور الوظيفي لالتزام العضو الحزبي يزاوج بين الديمقراطية و‬
‫المركزية‬

‫داخل هذه الدائرة المجتمعية التي اصطلح على تسميتها حزباً‪ ،‬والتي حازت‬
‫على شرط الاطلاع والوعي بالظروف الموضوعية والأهداف الفكرية ووسائل‬
‫تحقيقها ‪ ،‬كيف يمكن للحزب التوليف بين جوهري الديمقراطية والمركزية ؟‪.‬‬

‫‪19‬‬

‫أمة عربية واحدة‬ ‫وحـــدة‬
‫ذات رسالة خالدة‬ ‫حـريـة اشـتراكـيـة‬

‫لتنظيم العلاقات بين الأعضاء المنتسبين إليها اتخذت الاحزاب العقائدية التي‬
‫تتبع النظرية التنظيمية الهرمية التسلسل‪ ،‬جملة من الاجراءات للتوليف بين‬
‫الديمقراطية والمركزية‪ .‬وقد تبنى حزب البعث العربي الاشتراكي إطاراً نظرياً‬
‫وعملياً متميزاً ينظم العلاقات الداخلية سواء بين اعضائه من جهة او بين‬
‫تشكيلاته الهرمية ابتداءاً من قواعده وصعوداً الى قياداته ‪ ،‬على قاعدة‬
‫الديمقراطية المركزية ‪ .‬وذلك حرصاً من البعث على ضمان حيوية التفاعل‬
‫بين الفرد والمجموعة داخل الحزب ‪ ،‬وتسخير طاقات كل فرد من رفاقه من‬
‫اجل تحقيق الاهداف التي آمنوا بها بطريقة نظامية وحضارية في نفس‬
‫الوقت‪ .‬فإلى ماذا تستند عوامل التوليف بين هذين الطرفين الأساسيين في‬

‫مفهوم الحزب؟‬

‫بالنظر إلى كل من هاتين الآليتين (المتعارضتين فلسفياً ) على انفراد‪ ،‬نرى أن‬
‫ضمان التوازن بينهما و ضبطه يعد العامل الحاسم لضمان ديمومة الحزب‬
‫كقوة حية متجددة في المجتمع ‪،‬وكذلك ضمان وصوله الى تحقيق اهدافه‬

‫الاستراتيجية التي آمن بها افراده وانتموا اليه بموجبها ‪.‬‬

‫فالديمقراطية إذا لم تستند إلى مفهوم العلاقة المنظمة والمسؤولة بين الأنا‬
‫والآخر‪ ،‬فإنها تقترب إلى حدود المفهوم المنفلت للحرية الذي لا يرتضى أن‬
‫يكون خاضعاً لأي إكراه أو أية قيود أو معوقات تحول دون تحقيق قناعاته‬

‫الفردية‪.‬‬

‫ولأن الديمقراطية كمفهوم عام ‪،‬جاءت ذات مضمون سياسي مجتمعي‪ ،‬فقد‬
‫حملت داخل ذاتها قيوداً محددة ومدروسة من شأنها ان تضمن توجيه الحرية‬
‫بالاتجاه الصحيح بحيث لا تنفلت باتجاه الفوضى ‪ ،‬وانما تضمن حقوق الفرد‬
‫في المجتمع في التعبير والممارسة من جهة وحقوق المجموع في تحقيق‬
‫الاهداف العامة من جهة اخرى‪ .‬كذلك‪ ،‬في نفس الوقت فقد حملت‬

‫‪20‬‬

‫أمة عربية واحدة‬ ‫وحـــدة‬
‫ذات رسالة خالدة‬ ‫حـريـة اشـتراكـيـة‬

‫الديمقراطية إمكانية ذاتية لتخفيف هذه القيود بحيث لا تتكاثر إلى الحد الذي‬
‫تنحرف فيه باتجاه العبودية‪.‬‬

‫أما المركزية‪ ،‬فهي نظام فكري وآليات عمل تفضي الى التنازل عن القرار‬
‫الذاتي لمصلحة الغير والنابع من الرضا والقناعة بالخضوع لها ‪ ،‬ولكنها قد‬
‫تجنح احياناً الى استخدام القرار الفردي (سواء كان فرداً أو أقلية ضئيلة)‬
‫باتجاه تكبيل المجموع بإرادة الفرد وقراره‪ ،‬اي ممارسة الغلبة على هذا‬

‫المجموع‪.‬‬

‫وسواء استند مفهوم المركزية في بعض الاحزاب إلى مبدأ الرضا بالخضوع‬
‫أو مبدأ ممارسة الهيمنة او الغلبة فقد تحولت لدى تلك الاحزاب الى "‬
‫ديكتاتورية" على صعيد الشكل والمضمون‪ .‬ويرى البعض ان هذا بحد ذاته‬
‫يشكل النقيض للديمقراطية بمضمونها الفلسفي ‪ ،‬واكبر تهديد لحيوية التفاعل‬
‫بين الفرد والمجموعة داخل الحزب الواحد ‪ ،‬و عائق يمنع تسخير طاقات كل‬
‫افراده من اجل تحقيق الأهداف التي آمنوا بها مما يعيق في النهاية الوصول‬

‫الى تلك الاهداف‪.‬‬

‫ومن اجل تفادي كل هذه التحديات فقد تميز فكر حزب البعث العربي‬
‫الاشتراكي بانه نجح في صهر هذين العاملين في بوتقة واحدة من خلال‬
‫آليات تضمن أن يتنازل كل منهما عن أقصى مضامين التطرف‪ ،‬اي عن ما قد‬
‫تفضي اليه الديمقراطية المطلقة من فوضوية‪ ،‬و ما قد تفضي اليه المركزية‬

‫المطلقة من ديكتاتورية‪.‬‬

‫فوضع الحزب تشريعات منصوص عليها في عقد يتوافق عليه الاعضاء‬
‫الملتزمون حزبياً‪ ،‬وهو ما يعرف بالنظام الداخلي ‪ .‬وسوف تتم مناقشة‬
‫مضامين هذه التشريعات والضوابط التي من خلالها تقوم نظرية الديمقراطية‬
‫المركزية في حزب البعث العربي الاشتراكي بتحقيق التوالف والتكامل بين‬

‫‪21‬‬

‫أمة عربية واحدة‬ ‫وحـــدة‬
‫ذات رسالة خالدة‬ ‫حـريـة اشـتراكـيـة‬

‫طرفين يبدوان متناقضين للوهلة الاولى لكن في الواقع لا غنى عن تكاملهما‬
‫للوصول الى تحقيق اهداف الحزب العقائدية على ارض الواقع‪.‬‬

‫‪ -3‬التشريعات تعالج النزوع الطبيعي للهيمنة المتبادلة‬
‫بين المركزية والديمقراطية‪:‬‬

‫في البداية لا بد من إعادة التذكير بمسلمتين اثنتين‪ ،‬لا يمكن بدون تفاعلهما‬
‫أن يستقيم العمل الحزبي‪ ،‬وهما‪:‬‬

‫أولا‪ :‬وجود أهداف فكرية‪ -‬إيديولوجية عامة يعتنقها كل رفيق من أعضاء‬
‫الحزب بوعي وحرية‪ ،‬من دون ضغط أو إكراه‪ ،‬وهذا يمثل جانب الحرية‬

‫الفردية بمفهومها الفلسفي‪.‬‬

‫ثانياً ‪ :‬وجود قناعة بوجوب تحقيق هذه الأهداف‪ .‬فبهذه المسلمة يتحول الفكر‬
‫من الدائرة النظرية إلى الدائرة العملية‪ /‬الاجتماعية‪ ،‬وبها يتحول الامر من‬
‫فكر من أجل الفكر‪ ،‬إلى فكر من أجل مصلحة المجتمع والامة‪ .‬وهنا يتحول‬

‫مفهوم الحرية لكي يصب في المصلحة الجماعية بدلاً من الفردية‪.‬‬

‫ولقد اشرنا سابقاً الى إن تحويل الأهداف الفكرية‪ /‬الإيديولوجية‪ ،‬من أهداف‬
‫نظرية إلى اهداف ومصالح مجتمعية لعموم المجتمع والامة ‪ ،‬يفترض جهوداً‬

‫تتجاوز إمكانيات الفرد‪ ،‬وهذه الجهود تتوفر في تشكيل الحزب السياسي‪.‬‬

‫وفي البداية يمكن في داخل الحزب لكل عضو فيه أن يعتنق أهدافه الفكرية‪/‬‬
‫الإيديولوجية بحرية ووعي ودون ضغط أو إكراه‪ .‬ولكن عند البدء بالترجمة‬
‫العملية لهذه الأهداف سوف تتعدد الآراء حول أفضل الوسائل لإنجاح العمل‪.‬‬

‫‪22‬‬

‫أمة عربية واحدة‬ ‫وحـــدة‬
‫ذات رسالة خالدة‬ ‫حـريـة اشـتراكـيـة‬

‫وهذا امر طبيعي نظراً الى تباين الخبرات والظروف التي ينطلق منها كل‬
‫رفيق ‪ .‬هنا‪ ،‬تتولد الإشكالية الأولى التي تتلخص في أي رأي يمكن اختياره‬
‫لكي يمكن اعتماده كأساس للتنفيذ العملي ؟ وهل ان هذا الاختيار يُل ِّزم‬

‫المعارضين له بقبوله وتنفيذه ؟‪.‬‬

‫وتتولد الإشكالية من الإلزام الذي ينطوي في تطبيقه احياناً على معنى من‬
‫معاني الضغط والإكراه‪ ،‬لانه سيشكل انتقاصأ من مفهوم الحرية في بعده‬
‫الفلسفي‪ .‬وعندها سيكون سبب يبرر للمعترض الانفصال عن الجماعة التي‬
‫انخرط معها على أساس وجود قناعة مشتركة بالأهداف الفكرية‪/‬‬

‫الإيديولوجية‪.‬‬

‫ولان من طبائع الامور ان الواقع التعددي في وسائل التطبيق يفرز اراءاً‬
‫متعددة قد تتعارض فيما بينها ‪ ،‬لذا فان البعض ممن يصعب عليه الموازنة‬
‫بين ممارسة حرية الرأي وبين الالتزام بالقرار النهائي ‪ ،‬سيفضل الانفصال‬
‫عن أصحاب الرأي الآخر بحجة المحافظة على قدسية الحرية الفردية‪ .‬لذا‬
‫فان الضوابط والتشريعات تعد امراً في غاية الأهمية لضمان عدم استمرار‬
‫هذه الحالات التي من شأنها ان تحدث استنزافاً في الطاقات والجهود‬
‫والقدرات مما يعيق قيام الحزب بوضع الخطط التنفيذية الكفوءة لتحقيق‬

‫أهدافه‪.‬‬

‫ولكي يتم التوفيق بين الحرية الفردية في اختيار الأهداف‪ ،‬وبين الالزام في‬
‫ترجمتها كحاجة مجتمعية للأمة‪ ،‬جاءت النظرية التنظيمية لحزب البعث‬
‫العربي الاشتراكي في الديمقراطية المركزية بعدد من التشريعات للتوفيق بين‬

‫‪23‬‬

‫أمة عربية واحدة‬ ‫وحـــدة‬
‫ذات رسالة خالدة‬ ‫حـريـة اشـتراكـيـة‬

‫الحرية الفردية للرفيق والالتزام الجماعي‪ ،‬أي بين الحرية بمفهومها الفلسفي‬
‫المطلق وبين الإلزام بمفهومه الانضباطي ‪.‬‬

‫وتكون القاعدة الأساسية في التشريعات او الانظمة الداخلية هي تحقيق‬
‫التوازن بين المركزية كمفهوم للسيطرة وتنظيم العمل بكفاءة ‪ ،‬وبين‬
‫الديمقراطية كمفهوم للحرية‪ ،‬مع اعطاء الديمقراطية الاولوية وهذا ما ميز‬
‫فكر البعث وعقيدته ‪ .‬ويستند ذلك إلى عملية التنازل المتبادل للحدود‬
‫المتباعدة بين دائرتيهما للاحتفاظ بالعناصر المشتركة المتقاربة وتفعيلها‬
‫بحيث يصب كل منهما في خدمة الآخر‪ .‬ويشمل ذلك التنازل عن حالة الإكراه‬
‫والتفرد التي تنطوي عليها المركزية المفرطة ‪ ،‬والتنازل عن الحرية المؤدية‬
‫الى الحالة الفوضوية في الديمقراطية المنفلتة‪ ،‬من خلال التخلي عن جزء‬

‫من الحرية المطلقة للفرد لصالح حرية ومصلحة الآخرين‪.‬‬

‫إن التنازل المتبادل هي عملية إلزام ذاتي لكل من حدَّي العملية التنظيمية‪،‬‬
‫وهو التزام مقيَّد برضى الطرفين‪ ،‬و بالضوابط التنظيمية المنصوص عليها‬
‫في اللوائح والنظام الداخلي ‪ .‬ويأتي الالزام الذاتي والالتزام المقيَّد مستنداً‪،‬‬
‫ليس إلى عملية آلية بحتة ‪ ،‬وإنما إلى حصانة أخلاقية لها علاقة بالطبيعة‬
‫البشرية للإنسان‪ .‬ذلك ان هذه الطبيعة بما تحتويه من تعقيدات اجتماعية‬
‫ونفسية‪ ،‬قد تؤثر سلباً على حسن تنفيذ العقد الرضائي بين الديمقراطية و‬
‫المركزية ما لم يتم الاستناد الى الحصانة الاخلاقية فكان وجود هذه الحصانة‬
‫في الحياة الداخلية لحزب البعث العربي الاشتراكي ميزة اخرى تميز عقيدته‬

‫وتنظيماته‪.‬‬

‫‪24‬‬

‫أمة عربية واحدة‬ ‫وحـــدة‬
‫ذات رسالة خالدة‬ ‫حـريـة اشـتراكـيـة‬

‫ففي إطار هذا العقد الرضائي‪ ،‬تأتي التشريعات والنظام الداخلي لكي تمنع‬
‫طغيان المركزية وبالتالي تحولها إلى ديكتاتورية‪ .‬ويتم ذلك من خلال اقرارها‬
‫للديمقراطية بحق الاختيار الحر للقيادات الأعلى في عملية الانتخابات الحزبية‬
‫وصولاً الى القيادة المركزية‪ .‬وفي ممارسة نقد القيادة ومحاسبتها في‬
‫المؤتمرات الحزبية‪ .‬وفي تثبيت فقرة النقد والنقد الذاتي كنهج ثابت في‬
‫الاجتماعات الحزبية‪ ،‬وغير ذلك من الممارسات الاخرى ‪ .‬وفي الجانب الآخر‬
‫جاءت التشريعات والنظام الداخلي‪ ،‬ومن اجل تسهيل اتخاذ القرارات‬
‫وتنفيذها‪ ،‬لتنص على حق الأكثرية في إلزام الأقلية بالتقيد بالقرارات المتخذة‬

‫والاشتراك في تنفيذها بكل فاعلية‪.‬‬

‫ورغم سلامة النظرية وسمو الموزنة بين طرفي المعادلة ( الديمقراطية‬
‫والمركزية ) ‪ ،‬الا انه من الأهمية بمكان عدم التوقف عن متابعة التطبيق‬
‫العملي لها و دراسة الإشكاليات التي يثيرها واقع تطبيق التشريعات التنظيمية‬
‫في هذه القضية على صعيد الممارسة العملية ‪ ،‬وصولاً الى ايجاد الحلول‬

‫الكفيلة بتجاوز اية عوائق‪.‬‬

‫لإن الواقع والتجربة ‪ ،‬وعلى الرغم من وجود نصوص واضحة تحدد العلاقة‬
‫بين الديمقراطية و المركزية ‪ ،‬يؤشران الى امكانية حدوث مصاعب وعوامل‬
‫ذاتية وموضوعية تسعى الى عرقلة هذه الآليات وبالتالي عرقلة مسيرة اية‬

‫حركة ثورية‪.‬‬

‫ويعزى سبب وجود هذه التحديات الى جسامة المهام الملقاة على عاتق‬
‫الحزب وعظمة الاهداف التي يسعى لتحقيقها في حياة الامة‪ ،‬والى التعقيد‬

‫‪25‬‬

‫أمة عربية واحدة‬ ‫وحـــدة‬
‫ذات رسالة خالدة‬ ‫حـريـة اشـتراكـيـة‬

‫الذي تتسم به الطبيعة البشرية لأسباب اجتماعية ونفسية‪ .‬كما ان الحرية‬
‫بطبيعتها تجنح باستمرار نحو الفردية‪ ،‬لذا فإن عدم إلمام العقود التشريعية‬
‫بكل هذه التعقيدات السياسية والاجتماعية والذاتية‪ ،‬سوف يبقي الإشكاليات‬
‫قائمة في التوفيق بين الذات والمجموع ما لم تتسم النظرية التنظيمية بسمة‬

‫الحركة والتطور والتحرر من اية عوامل تحاول ان تفرض عليها الجمود‪.‬‬

‫لذا فإنها وإن لم تستطع الخلاص من الإشكاليات بشكل كامل لاستحالة ذلك في‬
‫اي تشكيل مجتمعي ‪ ،‬فإنها ستكون قادرة على مواجهتها بكفاءة عالية وذلك‬
‫بالمعالجة المستمرة وذلك لضمان تحقيق شقي المعادلة الأساسيين وهما‬
‫الديمقراطية والمركزية وصولاً الى ديمومة النضال وتصاعد وتائره بكفاءة‬
‫عالية على طريق تحقيق الاهداف العظيمة للأمة العربية في الوحدة والحرية‬

‫والإشتراكية ‪.‬‬

‫مكتب الثقافة والاعلام القومي‬
‫‪2020/3/15‬‬

‫‪26‬‬


Click to View FlipBook Version