KINGDOM OF SAUDI ARABIA \
MINISTRY OF EDUCATION وزارة التعــــليم
TAIBAH UNIVERSITY جامعة طيبة /كلية الحقوق
COLLEGE OF LAW
المسؤولية الجنائية للذكاء الاصطناعي
بحث مقدم ضمن متطلبات مقرر م رشوع التخرج (حقق )498
يف برنامج بكالوريوس الحقوق ،المستوى الثامن
إعداد الطالبة:
مشاعل مسعد الفايدي
الرقم الجام يع:
3978277
إ رشاف:
أ.د .عادل حسن
العام الدرا يس 1442/1441هـ
أ
ب
شكر
الحمدالل والشكر له عز وجل على توفيقه وتيسيره لإنجاز هذا البحث
أتو َّجه بالشكر لمشرف بحثي الدكتور عادل حسن على توجيهه ونصحه لإكمال بحثي
كما أتوجه بالشكر لجامعتي جامعة طيبة وكليتي كلية الحقوق هذا الصرح التعليمي الذي علمني الكثير وما زال
ولكل من أعانني لإتمام بحثي هذا.
ج
إهداء
إلى سندي وصاحب الفضل بعد الل عز وجل فيما وصلت إليه ،إلى من وقف بجانبي وأمدني بالكثير ..أب
إلى القلب الكبير ،نور الحياة وركنها الآمن ..أمي
إلى مصدر الأمان ،ملجئي ،سندي ..أسرت
إلى سر البركة في حياتنا ،إلى دعوات السحر التي ترفع بأسمائنا ..جدت
إلى الخريجة ورفيقة الرحلة ،معها وبها تكتمل الحكاية ..أخت
أهدي لكم جميًعا بحثي هذا حَبّا وعرفاًًن .
د
المقدمة
الحمدلل خالق الإنسان معلم البيان واهب العقل نعمة والفكر موهبة وجعل ركائزها القراءة والاطلاع وسيفها العلم
لنرقى إلى أسمى المعارف والعلوم والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله وأصحابه الكرام.
وبعد :
شهد العالم خلال السنوات الماضية تطور هائل في مجال التكنولوجيا ،أدى إلى ظهور العديد من العلوم الحديثة من
بينها علم الذكاء الاصطناعي ،الذي ظهر نتيجة جهود وخبرات وذكاء الإنسان و أصبح يلعب دوًرا مه ًما في
المجتمع ،حيث تم استخدامه في مجالات عديدة ومختلفة مثل المجالات الطبية والعسكرية والنقل والتعليم وغيرها،
على الرغم من فعالية الذكاء الاصطناعي وآثاره الإيجابية إلا أن هذا التقدم ساهم في ظهور فئة جديدة من الجرائم
المرتبطة بالذكاء الاصطناعي والتي يصعب مواجهتها في ظل قواعد المسؤولية الجنائية الحالية ،خاصة فيما يتعلق
بتحديد الشخص المسؤول عن ارتكاب مثل هذه الجرائم ،ومدى إمكانية إعطاء الشخصية القانونية للذكاء
الاصطناعي لذلككان من المهم التطرق للمسؤولية الجنائية للذكاء الاصطناعي و الاستعداد له قانونيًا و التفكير
في القواعد التي سيتم تطبيقها على الجرائم التي ترتكب بواسطة الذكاء الاصطناعي من خلال التشريع والتقنين لمثل
هذه الجرائم .
لذلك سأتناول في هذا البحث مفهوم المسؤولية الجنائية و الذكاء الاصطناعي والمسؤولية عن الجرائم التي يقوم بها
وأطراف هذه المسؤولية .وتوضيح فكرة إمكانية ترتيب المسؤولية الجنائية للذكاء الاصطناعي وإعطاءه شخصية
قانونية خاصة به ومدى الحاجة إلى وجود تنظيم تشريعي يعالج هذه المسائل .وأطراف المسؤولية الجنائية عن جرائم
الذكاء الاصطناعي والعقوبات التي يمكن إيقاعها عليهم.
ونظًرا لقلة المصادر وعدم تناول هذا الموضوع في إطار تشريعي واضح لذلك أسعى في هذا البحث إلى استعراض
كافة الفرضيات محاولة الوصول إلى الرأي الأقرب للصواب.
أهمية البحث :
تكمن أهمية هذا البحث من جانبين ؛ أهمية علمية تتمثل في تسليط الضوء على المسؤولية الجنائية عن الجرائم التي
ترتكب بواسطة الذكاء الاصطناعي وإثراء المحتوى القانوني في هذا الجانب نظًرا لندرة الأبحاث والمراجع العلمية
والأحكام القضائية حول المسؤولية عن جرائم الذكاء الاصطناعي خاصة مع توجه الدول إلى إدخال الذكاء
الاصطناعي في مختلف المجالات .وأهمية عملية تتمثل في تنبيه المشرع و أفراد المجتمع إلى ضرورة مواجهة هذه
المسألة و وضع إطار تنظيمي لها بما يضمن مصلحة الفرد والمجتمع .
1
إشكالية البحث :
ساهم التقدم الهائل الذي أصبح واض ًحا في مجال الذكاء الاصطناعي ودخول الذكاء في مجالات عديدة في ظهور
فئة جديدة من الجرائم المرتبطة بالذكاء الاصطناعي ،وبناء عليهكانت الحاجة ملحة لوضع هذا الموضوع محل
الدراسة والبحث .الإشكالية الرئيسية التي يثيرها البحث هي من سيتحمل المسؤولية الجنائية عن الجرائم التي
ترتكب بواسطة الذكاء الاصطناعي في ظل عدم وجود تنظيم تشريعي يعالجكافة تفصيلات هذا الجانب .
تساؤلات البحث :
يدور هذا البحث حول تساؤل رئيسي
على من تقع المسؤولية الجنائية عن الجرائم التي ترتكب بواسطة الذكاء الاصطناعي ؟
وللإجابة عن هذا التساؤل تم تقسيم البحث لعدة تساؤلات فرعيةكالتالي :
• ما المقصود بالمسؤولية الجنائية ؟
• ما هو الذكاء الاصطناعي ؟
• على من تقع المسؤولية عن الجرائم المرتكبة بواسطة الذكاء الاصطناعي ؟
• هل يمكن إعطاء الذكاء الاصطناعي الشخصية القانونية ؟
• هل يمكن إسناد المسؤولية الجنائية للذكاء الاصطناعي وحده باستقلال عن كلًا من المالك أو المصنع أو
المستخدم ؟
منهج البحث :
ارتكزت في هذا البحث على منهجين ،المنهج الوصفي من خلال توضيح المقصود بالذكاء الاصطناعي
وخصائصه وأبعاده سعيًا للتوصل إلى وصف متكامل له ،و المنهج التحليلي من خلال تحليل ظاهرة جرائم الذكاء
الاصطناعي ومحاولة تطبيق القاعدة العامة في المسؤولية الجنائية محاولة على الذكاء الاصطناعي .
الدراسات السابقة :
الدراسة الأولى :محمد عرفان الخطيب( ،المركز القانوني للأنسآلة بين الشخصية والمسؤولية)
تطرقت الدراسة لموضوع المسؤولية والشخصية القانونية للإنسآلة ،ومدى إمكانية مساءلة الإنسان الذي لا
يتمتع حاليًا بالشخصية القانونية عن الأضرار التي يحدثها دون الرجوع لأي من الأشخاص الطبيعيين.
الدراسة الثانية :همام القوصي (إشكالية الشخص المسؤول عن تشغيل الروبوت – نظرية النائب الإنساني)
2
تطرقت الدراسة للمسؤولية المدنية للإنسان الآلي ،وتحديد الجهة المسؤولة أمام القانون عن الأضرار التي يتسبب
بها الإنسان الآلي ،والأساس الذي يمكن الاستناد عليه في إسناد هذه المسؤولية.
خطة البحث:
وللإحاطة بكافة الجوانب التفصيلية لموضوع البحث قمت بتقسيمه إلى أربعة مباحث على النحو التالي:
المبحث الأول :ماهية المسؤولية والذكاء الاصطناعي
المطلب الأول :مفهوم المسؤولية الجنائية
المطلب الثاني :مفهوم الذكاء الاصطناعي
المبحث الثاني :أطراف المسؤولية الجنائية
المطلب الأول :المسؤولية الجنائية للمصنع
المطلب الثاني :المسؤولية الجنائية للمالك
المطلب الثالث :المسؤولية الجنائية للمشغل
المبحث الثالث :الإشكال الناجمة عن الذكاء الاصطناعي والمسؤولية عن أعمالها
المطلب الأول :الطبيعة القانونية للذكاء الاصطناعي
المطلب الثاني :المسؤولية القانونية للذكاء الاصطناعي
المبحث الرابع :العقوبات التي توقع على تقنية الذكاء الاصطناعي
المطلب الأول :عقوبات توقع على مصنع تقنية الذكاء الاصطناعي
المطلب الثاني :عقوبات توقع على مالك تقنية الذكاء الاصطناعي
المطلب الثالث :عقوبات توقع على تقنية الذكاء الاصطناعي
3
المبحث الأول :مفهوم المسؤولية الجنائية والذكاء الاصطناعي
تتجلى أهمية الذكاء الاصطناعي فيما تقوم به من مهام عديدة وبشكل دقيق قد يعجز البشر عن القيام بها إلا أنها
قد تكون مصدر خطر أو قلق بالنسبة لحياة الإنسان إذا قامت بارتكاب جرائم باستقلالية عن كلًا من مصنعها أو
المبرمج أو المستخدم لابد أوًلا من تعريف مفهوم المسؤولية الجنائية ثم مفهوم الذكاء الاصطناعي.
المطلب الأول :مفهوم المسؤولية الجنائية
لا يكفي أن يرتكب الشخص جريمة كي يستحق العقاب ،إنما يجب أن يكون مسؤوًلا قانوًًن عن هذه الجريمة إذ
من غير المتصور وجود فاعلية قانونية للجريمة دون توافر مسؤولية جنائية ،كما أنه لا وجود للمسؤولية الجنائية بدون
وجود جريمة ،إن قوام المسؤولية الجنائية هو الالتزام بتحمل النتائج القانونية المترتبة على ارتكاب فعل يحظره القانون
الجنائي ويعاقب عليه .والجاني بمقتضى هذه المسؤولية يتحمل الجزاء الذي ترتبه القواعد القانونية كأثر للفعل الذي
يرتكبه.
أوًلا :تعريف المسؤولية الجنائية
المسؤولية هي تحمل الفرد لتبعة أفعاله .ويقصد بالمسؤولية الجزائية تلك الرابطة التي تنشأ بين الدولة والفرد الذي
يثبت من خلال الإجراءات القضائية التي رسمها المشرع صحة إسناد فعل مكون لجريمة إليه متى شمل هذا الإسناد
كافة العناصر القانونية التي أوجب المشرع توافرها حتى يكتسب الفعل صفة الجريمة1
والمسؤولية الجنائية في الشريعة الإسلامية تعني أن يتحمل الإنسان نتائج الأفعال المحرمة التي يقوم بها مختاًرا ومدرًكا
لما يفعله والنتائج التي تترتب على فعله أما من يأت فعلًا محرًما لا يريده كالمكره أو المغمى عليه فلا يسأل جنائيًا2
وتعتبر المسؤولية هي الأساس القانوني الذي يبنى عليه اتهام شخص معين بارتكاب الجريمة ،لذلك لابد من وجود
عناصر معينة تقوم عليها.
ثانيًا :أسس قيام المسؤولية الجنائية
الأصل في الجزاء هو تحمل المسؤولية والأصل في تحمل المسؤولية هو حرية الاختيار أي كون الجاني مخيًرا بين الإقدام
على الفعل المجرم والإحجام عنه واختيار غيره.
أي تقوم المسؤولية الجنائية على أساس التكليف وهو العقل (الإدراك وحرية الاختيار) وهما مناط الأهلية الجنائية
1الحديثي ،فخري ،خالد الزعبي :شرح قانون العقوبات القسم العام( ،دار الثقافة للنشر والتوزيع ،ع ّمان ،الأردن ،ط2010 ،2م) صفحة.253
2الزهيري ،أشجان ،ليندا نيص:شرحالنظامالجزائيالسعوديالقسمالعام(،دارالثقافةللنشروالتوزيع،ع ّمان،الأردن،ط2017،1م)
صفحة.157
4
الإدراك :ويقصد به (العقل والتمييز) فمن لم يكن مدرًكا لأفعاله يسقط عنه التكليف مثل المجنون فإنه لا يتحمل
تبعة أعماله لأنه غير مكلف .فالإدراك يختلف عن الإرادة ،الإرادة هي توجيه الذهن إلى عمل من الأعمال ،ولكن
الإرادة قد تكون واعية وقد تكون غير واعية.
حرية الاختيار :يقصد بكلمة حرية الاختيار هي قدرة الإنسان على توجيه نفسه إلى عمل معين أو إلى الامتناع
عنه ،وهي لا تقتصر على حريته مادًًي في أن يأت عملًا من الأعمال ،بانعدام المؤثر المادي الذي يحول دون توجه
إرادته إلى هذا العمل ،ولكنها تشمل أيضاً حريته أدبيًا ،فيكون مسؤوًلا الشخص الذي يرتكب عملًا وهو حر في
ان يعمله أو لا يعمله 1
المطلب الثاني :مفهوم الذكاء الاصطناعي
لقد ظهر الذكاء الاصطناعي نتيجة جهود كبيرة وفي مجالات علمية متعددة بدأت نتائج هذه الجهود تظهر جليًا
خلال القرن العشرين ليمس جانبًاكبيرًا من حياة الإنسان اليومية ،لذلك يتوجب علينا توضيح المقصود بالذكاء
الاصطناعي ومجالاته لذلك سأتناول في هذا المطلب أولاً تعريف الذكاء الاصطناعي وثانيًا مجالاته.
أوًلا :تعريف الذكاء الاصطناعي
اختلف الباحثون في وضع تعريف دقيق للذكاء الاصطناعي ،كما أشارت العديد من القواميس لعدة تعريفات
للذكاء الاصطناعي نورد منها ما يلي:
الذكاء الاصطناعي :هو فرع من علم الحاسب يبحث في فهم وتطبيق تكنولوجيا تعتمد على محاكاة الحاسب
لصفات ذكاء الإنسان.
كما يمكن تعريف الذكاء الاصطناعي بأنه :تطور علمي أصبح من الممكن بموجبه جعل الآلة تقوم بأعمال تقع
ضمن نطاق الذكاء البشري كآلات التعليم والمنطق والتصحيح الذات والبرمجة الذاتية.
أو هو مجال الدراسة في علم الحاسب الذي يهتم بتطوير آلة تستطيع القيام بعمليات شبيهه بعمليات التفكير
الإنسانيكالاستنتاج والتعلم والتصحيح الذات2
الذكاء الاصطناعي هو سلوك وخاصيات معينة تتسم بها البرامج الحاسوبية تجعلها تحاكي القدرات الذهنية البشرية
وأنماط عملها ومن أهم هذه الخاصيات القدرة على التعلم والاستنتاج ورد الفعل على أوضاع لم تبرمج لها الآلة
1الزهيري،أشجانليندانيص:شرحالنظامالجزائيالسعوديالقسمالعام،مرجعسابق،صفحة .159
2عبد الهادي ،زين :الذكاء الاصطناعي والنظم الخبيرة في المكتبات( ،المكتبة الأكاديمية ،القاهرة ،مصر ،ط )2000 ،1صفحة .20
5
وينتمي الذكاء الاصطناعي إلى الجيل الحديث من أجيال الحاسب الآلي ويهدف إلى أن يقوم الحاسب بمحاكاة
عمليات الذكاء التي تتم داخل العقل البشري .بحيث تصبح لدى الحاسوب المقدرة على حل المشكلات واتخاذ
القرارات بأسلوب منطقي ومرتب بنفس طريقة تفكير العقل البشري
هذه العمليات تتضمن :
التعليم ،التعليل ،التصحيح التلقائي أو الذات ،نظام البياًنت خوارزميات ،لغة برمجة 1 .
على الرغم من اختلاف وتباين تعريفات الذكاء الاصطناعي إلا أنها اجتمعت في أنه علم هدفه الرئيسي جعل
الحاسوب وغيره من الآلات تقوم بعمليات كانت حصًرا على الإنسان.
عند الحديث عن تقنيات الذكاء الاصطناعي نجد أنها تعتمد على تخصصات مثل علم الكمبيوتر ،والبيولوجيا،
وعلم النفس ،واللغوًيت ،والرًيضيات ،والهندسة ،حيث يتمثل الهدف الرئيسي للذكاء الاصطناعي في تطوير
وظائف الكمبيوتر المرتبطة بالذكاء البشريكالتفكير والتعلم وحل المشكلات.
ثانيًا :من أهم مجالات الذكاء الاصطناعي
-النظم الخبيرة
-إثبات النظرًيت آليًا
-تفهم اللغات الطبيعية
-علم الروبوتات ( الأنسنة)
-تمثيل المعارف آليًا
-التعليم والتعلم باستخدام الحاسبات
-الوسائط المتعددة
ثالثًا :اتجاهات الذكاء الاصطناعي
يأخذ الذكاء الاصطناعي اتجاهين :
1ـ يحاول الفرع الأول تسليط الضوء على طبيعة ذكاء البشر ومحاولة التشبيه له ،بقصد نسخه أو مطابقته أو ربما
التفوق عليه .
2ـ يحاول الاتجاه الثاني بناء نظم خبيرة تعرض سلوك ذكي بغض النظر عن مشابهته لذكاء اصطناعي الإنسان2 .
1عفيفي،جهاد:الذكاءالاصطناعيوالأنظمةالخبيرة(،دارأمجدللنشروالتوزيع،ع ّمان،الأردن،ط2015،1م)صفحة.21
2 2عفيفي :الذكاء الاصطناعي والأنظمة الخبيرة ،مرجع سابق ،صفحة 24
6
المبحث الثاني :أطراف المسؤولية الجنائية عن جرائم الذكاء الاصطناعي
لقد اختلف الفقهاء حول مدى استقلالية تقنيات الذكاء الاصطناعي خاصة وأنه هناك بعض التنبؤات بأنها
سوف تمتلك قدرات تفوق قدرات البشر ،ومن ثم تستدعي هذه الاستقلالية أن تتحمل المسؤولية الجنائية وذلك
لعدم إمكانية مساءلة مصنعها أو او المبرمج أو المستخدم لكونها تمتلك الاستقلال الكامل لكن هذه التقنية آلة
مجردة من الإرادة أو الإدراك لذلك لابد من تحديد على من تقع عليه تحمل هذه المسؤولية الجنائية أتطرق في هذا
المبحث إلى مسؤولية المصنع في المطلب الأول ثم مسؤولية المالك في المطلب الثاني ثم مسؤولية تقنية الذكاء
الاصطناعي نفسها في المطلب الثالث .
المطلب الأول :المسؤولية الجنائية للمصنع.
تعد المسؤولية الجنائية لمصنع الذكاء الاصطناعي أهم ما يثار عند ارتكاب هذا الأخير لأي سلوك يشكل جريمة
طبًقا للقانون ،باعتباره الطرف الأول الذي ساهم في ظهور تقنية الذكاء الاصطناعي لذلك كان من المهم بحث
المسؤولية الجنائية للمصنع ضرورة لتوضيح مدى دوره في المسؤولية الجنائية ،وخاصة أنه قد ينتهي دوره في عملية
إدارة هذه التقنية بمجرد تسليمها إلى مالك أو مستخدم آخر ويحمي نفسه من خلال الاتفاقية الموقعة بينهما بأن
يضمن فيها بنود خاصة ترتب تح َّمل المالك أو المستخدم وحدهم المسؤولية عن الجرائم والأضرار والمرتكبة من خلال
هذا الكيان وتخخلى مسؤولية المصِنّع عن أي جريمة ترتكب من قبله .وقد تحدث الجريمة نتيجة خطأ برمجي من
مبرمج الذكاء الاصطناعي فقد يحدث أن يصدر المبرمج تقنية الذكاء الاصطناعي بأخطاء تتسبب في جرائم جنائية
وبالتالي يكون مسؤوًلا عنها جنائيًا ويجب التفرقة بين تعمد سلوكه هذا أم لا حتى يتبين معرفة وقوع الجريمة عن
طريق العمد أم الخطأ لاختلاف العقوبة المقررة في كلًا منهما .
ويعتبر من أهم النقاط التي يجب تقنينها للتأكيد عليها وإلزام المصنع أو المنتج لها أن يراعى معايير محدده بها ،من
أهمها توافر الأمان والسلامة بالإضافة إلى توافقها مع قيم وتقاليد مجتمعنا ،كما يجب وضع معايير تحمي من الغش
التجاري الذي قد يرتكبه المصنع وتضمن حمايةكافية للمستهلك .
ونظًرا لما تشكله تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي من خطورة بسبب أنها قادرة على التعلم الذات واتخاذ قرارات فردية
وتنفيذها وغيرها من القدرات يجب أن تسن تشريعات تنظم حقوق وواجبات المصنع الذي ينتج الذكاء
الاصطناعي وتحدد المعايير التي يجب توافرها في المنتج والعقوبات المقررة لمخالفة ذلك وتعالج مشكلة انتهاك
الخصوصية وحقوق الملكية الفكرية باعتبار انها من أبرز الانتهاكات التي تمارس في ظل الذكاء الاصطناعي1.
1دهشان ،يحيى :المسؤولية الجنائية عن جرائم الذكاء الاصطناعي (مجلة الشريعة والقانون ،جامعة الإمارات العربية المتحدة ،الإمارات العربية
المتحدة ع2019/6/30 ،474م) صفحة 36
7
ولم تحدد القوانين الخاصة بالمنتجات من هو المسؤول عن الأضرار التي تنتج عن الخطأ الذي يحدثه الذكاء
الاصطناعي وفي المقابل لا يمكن عدها إنسان ومساءلتها ذلك أن المسؤولية القانونية تتطلب أن يكون الشخص
أهلًا لها فهي تشترط في الشخص الأهلية متمثلة في الإدراك وحرية الاختيار.
المطلب الثاني :المسؤولية الجنائية للمالك
يعتبر المالك أو المستخدم هو الشخص الذي بحوزته تقنية الذكاء الاصطناعي ومن المحتمل أن يسيء استعمال
تقنية الذكاء الاصطناعي مما يترتب عليه حدوث جريمة معينة يعاقب عليها القانون .ولكن يجب التفريق بين
احتمالين :
1ـ حدوث الجريمة نتيجة استخدامه وحده في هذه الحالة لا تثير المسؤولية إشكال حيث تقع المسؤولية الجنائية
كاملة عليه باعتباره فاعلًا أصلياً .
"والفاعل الأصلي هو الشخص الذي يبرز إلى حيز الوجود العناصر التي تؤلف الجريمة والشخص الذي ينفرد في
تنفيذ الجريمة ويقوم بجميع الأفعال المكونة للجريمة1".مثل تعطيل المالك أو المستخدم التحكم الآلي في السيارات
ذاتية القيادة والإبقاء على التوجيهات الصوتية التي تصدر من برًنمج الذكاء الاصطناعي .لأن المالك هو من أساء
استخدام هذه التقنية بالتالي هو من يجب أن يتحمل المسؤولية القانونية في حال حدوث مشكلة أو خطأ.
2ـ حدوث الجريمة نتيجة سلوك المالك مع اشتراك طرف آخر (كالمصنع أو الذكاء الاصطناعي نفسه أو طرف
آخر خارجي) في هذه الحالة تكون المسؤولية الجنائية مشتركة بين المالك والطرف الآخر حسب مشاركة ودور كل
طرف في ارتكاب الجريمة .مثل قيام مالك سيارة بتغيير أوامر التشغيل الموجودة في السيارة ذاتية القيادة بمساعدة
متخصص في هذا المجال من أجل استغلالها في أغراض غير مشروعة .
المطلب الثالث :المسؤولية الجنائية للطرف الخارجي
يحدث هذا عند قيام طرف خارجي بالدخول على نظام الذكاء الاصطناعي عن طريق الاختراق أو أي وسيلة
أخرى تمكنه من السيطرة عليه واستخدامه في ارتكاب جريمة .وهنا يجب أن نفرق بين احتمالين قد تحدث هما :
1الزهيري،أشجانليندانيص:شرحالنظامالجزائيالسعوديالقسمالعام،مرجعسابق،صفحة 137
8
1ـ قيام الطرف الخارجي باستغلال ثغرة في تقنية الذكاء الاصطناعي لارتكاب جريمة وكانت هذه الثغرة نتيجة
إهمال من المالك او مصنع هذه التقنية في مثل هذه الحالة تكون المسؤولية مشتركة بين الطرف الخارجي والشخص
الذي ساهم في الجريمة نتيجة إهماله .
2ـ قيام الطرف الخارجي باستغلال ثغرة في تقنية الذكاء الاصطناعي بدون إهمال من المالك أو المصنع تقع
المسؤولية الجنائية على هذا الطرف الخارجي وحده1.
1دهشان ،يحيى :المسؤولية الجنائية عن جرائم الذكاء الاصطناعي ،مرجع سابق ،صفحة 38
9
المبحث الثالث :الإشكاليات الناجمة عن الذكاء الاصطناعي والمسؤولية عن أعمالها
على الرغم من المزاًي العديدة للذكاء الاصطناعي إلا أن استخدام الذكاء الاصطناعي في مختلف المجالات أثار
العديد من التحدًيت منها ما يتعلق بالمسؤولية عن أعمال هذه البرامج ومدى ملائمة التشريعات الحالية وقدرتها
على استيعاب الخصائص الفريدة لهذه التقنية .خاصة أن التقنية لا تزال معرضة للفايروسات أو الأعطال الفنية
الأمر الذي يؤدي إلى إلحاق ضرر بالغير .وكيفية إسناد المسؤولية عن التصرفات التي ترتكبها هذه التقنية وتؤدي
إلى إلحاق ضرر بالغير .سوف أتطرق في هذا المبحث إلى إشكاليتين :الأولى الطبيعة القانونية للذكاء الاصطناعي
ما سيطرح احتمالية الحاجة إلى وجود شخصية قانونية ثالثة بالإضافة للشخصية الطبيعية والاعتبارية .الثانية:
المسؤولية القانونية المترتبة على هذا الكائن .باعتبار أنها أبرز الإشكاليات التي يثيرها الذكاء الاصطناعي
المطلب الأول :الطبيعة القانونية للذكاء الاصطناعي:
يمنح القانون الشخصية القانونية لنوعين من الأشخاص إما الشخص الطبيعي وإما الشخص الاعتباري ولكلًا
منهما طبيعته وخصائصه تميزه عن غيره .وهؤلاء الأشخاص هم من تنسب لهم الحقوق إذ لا يتصور نسبة الحق إلى
غير هؤلاء الأشخاص ،والشخص الطبيعي هو الذي تثبت له الشخصية القانونية أصلًا وبمجرد ولادته وهو الذي
يصلح أن يكون دائنًا بحقوق أو مدينًا بحقوق أو ملتزًما بها ولا تلازم بين هذه الصلاحية وضرورة توافر عنصري
الإدراك والتمييز أو الإرادة 1.والشخص الاعتباري هو الكيان المستقل عن مجموعة الأشخاص المكونين له أو عن
أولئك الذين قاموا بتخصيص الأموال لوجوده .
هذه فكرة الشخصية القانونية الحالية بشقيها الطبيعي والاعتباري لكن التساؤل الذي يثور هنا هل من الممكن
منح الذكاء الاصطناعي الشخصية القانونية؟
إن الطبيعة القانونية هي محل كل بحث قانوني ورأي لكل ظاهرة حديثة وفي عصرًن هذا ليس هناك أحدث من
تقنيات الذكاء الاصطناعي وقد ثارت عدة خلافات حول الطبيعة القانونية له هل يعتبر من الأموال أم الأشياء أو
كيان مستقل؟ وقد بذلت دولة الإمارات العربية المتحدة جهود في محاولات لصياغة مشروع قانون يوضح هذه
الطبيعة إلا أنه لم تتم صياغته.
يذهب اتجاه إلى القول بأن الذكاء الاصطناعي يمكن اعتباره مال ذو طبيعة خاصة ولا يوجد في التشريعات
القانونية للدول أي إشارة تحدد طبيعته إلا أنه من الممكن قياس هذه الطبيعة مع الفارق بالمقارنة بالسفن .اختلفت
الآراء في تحديد هذه الطبيعة للسفن وظهرت عدة اتجاهات نورد منها ما يلي:
الاتجاه الأول :ذهب إلى أن السفينة منقول ،لكنها تمتلك بعض خصائص العقار أي أن السفينة وفق هذا الاتجاه
ذات طبيعة منقولة عقارية في آن واحد وبالتالي تتمتع ببعض خصائص الأموال المنقولة وبعض خصائص العقارات
1الرويس ،خالد ،رزق الريس :المدخل لدراسة العلوم القانونية (دار الشقري ،الرياض ،المملكة العربية السعودية ،ط 2015 ،6م) صفحة .236
10
الاتجاه الثاني :يذهب إلى أن السفينة ذات طبيعة خاصة فهي وحدة مستقلة بذاتها تتبع في حياتها نظام يشبه حياة
الإنسان نظًرا لتمتعها بهوية ،وموطن ،وجنسية ،واسم.
الاتجاه الثالث :يذهب إلى رفض فكرة كون السفينة شبيهه بالإنسان ويرى أن السفينة مال لكن هناك ضرورة
وحاجة لتمتعها ببعض الخصائص التي تميزها عن غيرها والتي تشكل الحالة المدنية لها بالقدر اللازم لتمييزها فقط
دون مقارنة بالأشخاص الطبيعيين وهذا هو الاتجاه الغالب.
من خلال عرضنا للاتجاهات المختلفة حول طبيعة السفينة نستطيع المقارنة مع الفارق الطبيعة القانونية للروبوتات
باعتبار أنها من أحدث تقنيات الذكاء الاصطناعي ،لابد أن نوضح أننا نذهب من الاتجاه الثاني الذي يرى أن
للسفينة طبيعة خاصة تشترك فيها ببعض الخصائص التي تشابه الإنسان منها الاسم ،والموطن ،والجنسية ،وغيرها.
الاسم :يرى البعض منح الروبوت أسماء تميزها عن غيرها ولعل أقرب مثال وأكثرهم انتشاًرا الروبوت "صوفيا" .
الموطن :بالاستناد إلى مبدأ الإقليمية يرى البعض أن الروبوتات تخضع لقانون دولة الموطن باعتبار أنها من
الأشخاص الموجودين فوق إقليمها .
خلاصة القول وبعد عرض التوجهات المختلفة نرى أنه يمكن القول إن الروبوتات ذات طبيعة قانونية خاصة فهو
منقول لكنه يتمتع ببعض الخصائص القانونية للإنسان1 .
وقد ًنقش الفقه القانوني هذه المسألة بالنسبة للروبوت الذي هو أحد تطبيقات الذكاء الاصطناعي على عدة
اتجاهات نذكر منها ما يلي :ذهب اتجاه إلى القول يعدم وجود مبرر قوي يدعو للاعتراف بالشخصية الالكترونية
للروبوت وستبقى الروبوتات عبارة عن أشياء من ًنحية التوصيف القانوني ويتم حل الإشكاليات الناشئة عن
الأضرار التي تسببها تلك الروبوتات من خلال إقرار نظام التأمين الإلزامي عن حوادث الروبوت وإنشاء صناديق
خاصة لتغطية أضرارهاكنظام مكمل لنظام التأمين في حال عدم وجود غطاء تأميني وذهب اتجاه آخر إلى القول
بأن الروبوت يمكن اعتباره وكيلًا عن الانسان في القيام بالأعمال الموكلة اليه وأي ضرر يصيب الغير نتيجة عمل
الروبوت يمكن الرجوع به على الإنسان (الموكل )انطلاقًا من أن تصرفات الوكيل تنصرف إلى ذمة الأصيل .
فيما ذهب اتجاه ثالث إلى إمكانية إعطاء الروبوت شخصية اعتبارية (معنوية ) شأنه شأن بقية الأشخاص المعنوية
كالشركات التي يمنحها القانون الشخصية القانونية وبالتالي يتمتع بالاسم والموطن والذمة المالية المستقلة والجنسية
والأهلية ويكتسب شخصيته القانونية بعد اكمال إجراءات تسجيله في سجل عام تع َّده الدولة لهذا الغرض 2
للإجابة عن هذا التساؤل نرجع إلى أصل فكرة الشخصية القانونية ،يجب التمييز بين مفهوم الإنسان والشخصية
بشكل عام ،فإذا كانت صفة الإنسان لا تمنح إلا للشخص الطبيعي فإن صفة الشخصية تجاوزت ذلك بعد أن
كانت حكًرا على الإنسان ببعده الطبيعي ،لتظهر الشخصية الاعتبارية لمعالجة بعض المشاكل القانونية التي ترتبط
بنشاط الإنسان من الناحية قانونية ،ما جعل فكرة الشخصية تتجاوز الوجود المادي إلى الوجود الاعتباري فيعد
1حاتم ،دعاء :الذكاء الاصطناعي والمسؤولية الجنائية الدولية (مجلة المفكر ،كلية الحقوق والعلوم السياسية ،بغداد ،ع )2019 ،18صفحة . 27
2حبيب ،الكرار ،حسام عبيس :المسؤولية المدنية عن الأضرار التي يسببها الروبوت (مجلة المسار التربوي للعلوم الاجتماعية ،بغداد ،كلية الإمام
الكاظم 2019/5/15 ،م) صفحة .744
11
شخ ًصا بالمعنى القانوني كل كائن أو تكوين يصلح لاكتساب الحقوق وتحمل الالتزامات فلا تلازم بين صفة
الإنسان وصفة الشخصية .ومما يؤكد ذلك أنه قديمًا على الرغم من تحقق صفة الإنسان في الرق إلا أنه لم تكن له
شخصية قانونية إلا أنه عندما يصبح حًرا يصبح أهلًا لاكتساب الحقوق وتحمل الالتزامات .
ووفًقا لهذا التحليل نستبعد إمكانية تصنيف الذكاء الاصطناعي على أنه شخص طبيعي فعلى الرغم من تمتع بعض
تقنيات الذكاء الاصطناعي بكيان مادي ملموس فهذا لا يكفي لإكسابها صفة الشخص الطبيعي فكثير من
الأشياء المادية الملموسة لا تتمتع بالشخصية القانونية وإنما يصنفها القانون من عداد الأشياء.
ويمكن اعتبار بعض تقنيات الذكاء الاصطناعي التي تتمتع بخصائص تماثل الأشخاص الاعتبارية شخ ًصا اعتبارًًي ،
إلا أن هذا التشبيه مع الفارق غير دقيق فالشخص المعنوي تتم إدارته من قبل إنسان أما الروبوت فيدير نفسه
بنفسه بشكل آلي ومستقل كما أن ليست كل جميع تقنيات الذكاء الاصطناعي مستقلة بما فيه الكفاية حتى يمكن
القول بإعطائها شخصية قانونية خاصة بها إنما تظل في نظر القانون من عداد الأشياء .وإن سلمنا بصحة اعتبار
تقنيات الذكاء الاصطناعي شخ ًصا اعتبارًًي فإن هذه الفرضية يمكن أن يعالج هذا التصنيف كيفية إسناد المسؤولية
عن الجرائم التي ترتكب بواسطة ممثلين الذكاء الاصطناعي سواء قاموا بارتكابها بصفة أصلية أو بوجود أطراف
أخرى لكن هذا التصنيف لا يعالج جميع الإشكاليات المتعلقة بكيفية إسناد المسؤولية عن أعمال الذكاء
الاصطناعي خاصة وأن الذكاء الاصطناعي في تطور مستمر حتى وصلت اليوم إلى مرحلة لا يمكن اعتبارها مجرد
كياًنت اعتبارية فهي تقوم بسلوكيات ومعالجة بياًنت وتقييم ذات وإنشاء ردة فعل تلقائية لا تشبه طريقة عمل
الجمادات .كذلك الجرائم التي قد تقع في أوساط افتراضية .
ونستعين بذات الاعتبارات التي استند عليها المعترفون بمسؤولية الشخص المعنوي للقول بضرورة الاعتراف للذكاء
الاصطناعي بشخصية قانونية مستقلة عن كلًا من المالك والمصنع والمستخدم ".والمعترفون بالمسؤولية الجنائية
للشخص المعنوي يستندون إلى ما يلي :
1ـ وجود الإرادة حيث يرى هؤلاء الفقهاء ان الشخص المعنوي له إرادة متميزة عما تمثله مجموع إيرادات الأعضاء
الداخلين أو المشاركين أو المساهمين في تكوينه وهم يستندون في ذلك على تسليم علماء الاجتماع بوجود ذاتية
مستقلة للتكتل البشري متميزة عن إرادة الأعضاء الداخلين في تكوينه .
2ـ اتحاد العلة :نظًرا لاعتراف فقهاء القانون المدني بوجود الإرادة المتميزة للشخص المعنوي فإنه من نفس المنطلق
يعترفون بوجود تلك الإرادة نظًرا لوجود علة مشتركة بين أساس تحميل الشخص المعنوي المسؤولية المدنية وأساس
تحميله المسؤولية الاعتبارية .
3ـ العدالة فيه تحقيق للعدالة بين حقوق الشخص المعنوي وواجباته سواء المدنية أو الجنائية .
4ـ العقوبات البديلة :انعدام وجود محل لتوقيع العقوبة البدنية لا يعني إعفاء الشخص المعنوي من المسؤولية الجنائية
وذلك لوجود عقوبات بديلة قابلة للتوقيع على الشخص المعنوي وهي العقوبات المالية أي الغرامة أو حل الشخص
المعنوي أي انهاء وجوده ونشاطه .
12
5ـ حماية مصالح المجتمع :الاعتراف بالمسؤولية الجنائية للشخص المعنوي يحقق أي ًضا مصالح المجتمع حيث ان معاقبة
الشخص المعنوي تؤدي إلى الردع مثلها في ذلك مثل العقوبات التي توقع الأشخاص الطبيعيين على اعتبار ان
توقيع العقوبة على الشخص المعنوي تجعل القائمين على الأمر فيه أكثر حر ًصا وحذًرا ومحافظة على الالتزام بتنفيذ
القوانين " الأمر الذي يشير إلى الحاجة لإيجاد تصنيف قانوني لتقنيات الذكاء الاصطناعي يميز بينها تبعًا لعدة
عوامل منها مدى الاستقلالية وقدرتها على معالجة البياًنت واتخاذ القرارات والحركة ليتم إسناد المسؤولية القانونية
بشكل متوازن وعادل بين مختلف أطراف المسؤولية الجنائية .خاصة مع اتجاه الدول إلى إدخال الذكاء الاصطناعي
في مختلف القطاعات والمجالات حيث قامت دولة الإمارات العربية المتحدة بإنشاء البرًنمج الوطني للذكاء
الاصطناعي وهو مجموعة متكاملة من الموارد المخصصة لتسليط الضوء على أحدث التطورات في مجال الذكاء
الاصطناعي والروبوتات ،مع التركيز بوجٍه خاص على الهدف الطموح لدولة الإمارات العربية المتحدة في أن تصبح
شريكاً رائداً في الاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي وتطبيقاته المختلفة على مستوى العالم1.كذلك منحت
المملكة العربية السعودية الجنسية السعودية للروبوت صوفيا وتبذل المملكة العديد من الجهود في مجال الذكاء
الاصطناعي من خلال الهيئة السعودية للبياًنت والذكاء الاصطناعي ( سداًي) 2
"وبالرغم من حالة الجدل القانوني القائم حول منح الشخصية القانونية للإنسآلة فإ َّن المسألة بالنسبة لنا هي ضرورة
وليست ترفًا ،فسواء شئنا أم أبينا ،فإ َّن الذكاء الاصطناعي سينشئ جيلًا جدي ًدا إلى جانب الإنسان ،على
المشرع أن يحدد طبيعة تعاملاته القانونية البينية ،كما تعاملاته ضمن المجتمع ومع الإنسان في إطار قواعد أخلاقية
وقانونية تبين مختلف هذه الحدود الفاصلة ،ما يوجب منحه شخصية قانونية تميزه عن غيره من الأشخاص
الطبيعيين والاعتباريين ،وتراعي خصوصيته والمسؤوليات التي يمكن أن تلقى عليه ،في إطار نظام مسؤولية متعاقب
يمكن أن يصل لمزود برمجيات الإنسآلة ،قبل الوصول إلى مالكها أو مصِنّعها أو موِّردها"3
المطلب الثاني :المسؤولية القانونية للذكاء الاصطناعي
تنقسم المسؤولية القانونية إلى قسمين رئيسيين هما المسؤولية المدنية والمسؤولية الجنائية تقوم كلًا منهما على ارتكاب
فعل غير مشروع ،وتتمثل المسؤولية المدنية في تحمل الفرد ما التزام به بموجب العقد الذي يكون طرفًا فيه وتسمى
في هذه الحالة (المسؤولية العقدية) أو التعويض عن الضرر الذي ترتب على فعل صدر منه وتسمى في هذه الحالة
(المسؤولية التقصيرية) ،أما المسؤولية الجنائية تتمثل في أهلية الشخص لتحمل الجزاء الجنائي المترتب على الفعل
المخالف للقانون الذي صدر منه.
1البرنامج الوطني للذكاء الاصطناعي /https://ai.gov.ae/ar/about-us-arتاريخ الدخول 1442/ 8 / 30هـ
2الهيئة الوطنية للبيانات والذكاء الاصطناعي /https://sdaia.gov.saتاريخ الدخول 1442/ 8 / 30هـ
3الخطيب ،محمد :المركز القانوني للإنسآلة الشخصية والمسؤولية دراسة تأصيلية مقارنة (مجلة كلية القانون الكويتية العالمية ،الكويت ،ع،4
ديسمبر 2018م) صفحة .112
13
درجت الأنظمة العقابية لفترات زمنية طويلة ،على إغفال توجيه خطابها إلى الشخص المعنوي استناًدا إلى افتقاره
للإرادة الذاتية التي هي قوام الركن المعنوي في النظرية العامة للجريمة وعلى ذلك فإن القاعدة القانونية تخاطب
الانسان باعتبارها تحكم تصرفاته وسلوكياته في محيط الجماعة البشرية .
والجريمة كحقيقة قانونية يمكن أن تقع من أي إنسان وبغض النظر عن جواز محاكمته من عدمه وسواء حدثت
مسؤولية او تعذرت وسواء تقرر عقابه أو استوجبت حالته الاعفاء من المسؤولية"1
والحاجة القانونية هي دائ ًما ما يدفع المشرع إلى تبني نظام قانوني جديد ،وظهرت جليًا هذه الحاجة مع دخول
تقنيات الذكاء الاصطناعي في العديد من المجالات وظهور بعض الجرائم المرتبطة بها ففي مجال النقل ظهرت
السيارات ذاتية القيادة تعمل السيارات ذاتية القيادة عن طريقة تقنية الذكاء الاصطناعي بحيث يتعامل مع بياًنت
من المستشعرات الموجودة في السيارة ،التي تجمع بياًنت البيئة المحيطة و تعالج البياًنت وتصدر أوامر بعد تحليل
هذه البياًنت وهي تعمل بنظام تشغيل غالبًا يتم ربطه بنظام سحاب لتخزين البياًنت ويمكننا من خلاله بعد ذلك
مراجعة جميع أوامر السيارة والوصول إلى السبب أو المسؤول عن ارتكاب الجريمة ومن أشهر الجرائم المرتكبة عن
طريق السيارات ذاتية القيادة هي قضية وفاة سيدة متأثرة بحادث سير ارتكبته أحد السيارات التابعة لشركة
. UBERوفي المجال التجاري ظهر الوكلاء الإلكترونيين وهي من أكثر برامج الذكاء الاصطناعي شيوًعا في
عالم التجارة الإلكترونية حيث تحرص العديد من مواقع التجارة على شبكة الإنترنت على توظيف هذه البرامج التي
يتنوع دورها تبعًا لدرجة تطورها ومستوًيت قدراتها .ففي الوقت الذي تعرض فيه تطبيقات الجيل الأول من الوكلاء
أو الوسطاء الإلكترونيين درجة محدودة من الذكاء والاستقلالية والحركة بحيث يقتصر دورها على مجرد البحث
ضمن الخيارات والمقارنة بين الأسعار واقتراح العروض التي قد تشبع احتياجات مستخدميها ،نجد أن تطبيقات
الجيل الثاني والثالث من الوكلاء الإلكترونيين الأذكياء تتمتع بدرجة عالية من الاستقلالية والقدرة على التفاوض
وإبرام الصفقات وفًقا لخبراتها المكتسبة وتعليماتها المعدلة ذاتيًا ودون أدنى معرفة أو تدخل بشري في أعمالها .وفي
المجال العسكري بدأت معدات الذكاء الاصطناعي تغزو القطاعات العسكرية فظهرت الطيارات بدون طيار وفي
المجال المالي بدأت الأسواق المالية باستخدام برامج ذكية لتحليل البياًنت المالية وتوقع التغيرات التي تطرأ على
الأسعار .في مجال الرعاية الصحية فإن استخدام الروبوتات وأنظمة الرقابة الذكية يثير التكهنات حول نطاق
المسؤولية عن الإصابات أو الوفيات التي قد تتسب بها هذه الروبوتات والأنظمة لا سيما تلك المزودة بالقدرة على
التعلم والعمل باستقلالية وفًقا للحالة الصحية للمريض ومن جهة أخرى لا يزال من غير الواضح ما إذاكانت تلك
المسؤولية خاضعة لذات القواعد العامة المتعلقة المتصلة بالمنتجات أم أنها تخضع للقواعد التقليدية الخاصة
بالخدمات ،كما لا تزال الحدود مبهمة بين مسؤولية كل من المستشفى و الطبيب والشركة الصانعة والمبرمج ومزود
خدمة الاتصال وذلك نظًرا لتداخل أدوار هذه الجهات فضلًا عن حداثة ومحدودية استخدام الروبوتات في القطاع
1القطري ،محمد :المسؤولية الجنائية للشخص الاعتباري دراسة مقارنة (مجلة العلوم الإنسانية والإدارية ،جامعة المجمعة ،المملكة العربية
السعودية ،ع 1435 ،5هـ) صفحة 22
14
الطبي الأمر الذي يجعل من الصعوبة إثبات خطأ الطبيب ودوره في إحداث الضرر ،كذلك فإن الخطأ الطبي الناتج
عن استخدام الآلات الطبية لا يمكن تحديد أطرافه بدقة ما يجعل إثبات العلاقة السببية بين الخطأ والضرر أمر في
غاية الصعوبة 1 .وبخلاف البرامج التقليدية التي تعمل فقط ضمن إطار التعليمات المحددة مسبًقا و بصورة نمطية
متوقعة تعمل البرامج الذكية بطريقة استقلالية غير متوقعة وفًقا لما تمليه عليها البيئة المحيطة وتتخذ قراراتها دون
الرجوع لمستخدميها مما قد يخلق بعض المخاوف بشأن المسؤولية التي قد تترتب على أعمال هذه البرامج فما العمل
لو تسبب الروبوت الجراحي بإصابة بالغة للمريض ؟
يجب التفريق بين فرضيتين :
1ـ ارتكاب الجريمة نتيجة خطأ برمجي أو ثغرات موجودة في النظام نتيجة إهمال أو تقصير أطراف أخرى في هذه
الحالة لا تثير المسؤولية مشكلة حيث وقعت الجريمة نتيجة خطأ أو إهمال المالك أو المصنع .ومن المسلم به أن ممثل
الشخص المعنوي أو من قام بارتكاب هذه الجرائم من العاملين لدى الشخص المعنوي يسألون جزائيًا عن جرائمهم
حتى لو ارتكبوا هذه الجرائم لمصلحة الشخص المعنوي الذي يمثلونه قانونيًا .
2ـ ارتكاب الجريمة من قبل الذكاء الاصطناعي بنفسه ،بدون خطأ برمجي من المصنع أو تدخل طرف آخر وذلك
عن طريق تقنيات حديثة تمكن الذكاء الاصطناعي من التفكير وإصدار قرارات ذاتية يكون هو وحده المسؤول عن
إصدارها ففي هذه الحالة من المفترض أن تقع المسؤولية على الذكاء الاصطناعي وحده .
بالنظر إلى الفرضية الأولى ،ليس هناك شك أن الأشخاص الطبيعيين الذين ارتكبوا هذه الجرائم باسم الشخص
المعنوي أو لحسابه أو لمصلحته يكونون مسؤولين طبًقا للقواعد العامة المنصوص عليها في قانون العقوبات كما لو
أسند الفعل إلى مجلس إدارة شركة أو الجمعية العمومية أو مصنع أو مالك أو مستخدم الذكاء الاصطناعي
باعتبارهم ممثلين عنه .وهذه الحالة لا تثير إشكال بالنسبة لإسناد المسؤولية لهؤلاء الأشخاص .كما تناولناها في
المبحث السابق .بينما تثير الفرضية الثانية إشكال لعدم وجود أساس قانوني لإسناد المسؤولية إلى الذكاء
الاصطناعي .فهل يمكن اعتبار الذكاء الاصطناعي مسؤولا؟ وهل يمكن القول بأنه في وضعه الحالي مدرك
لتصرفاته؟ للإجابة عن هذا التساؤل نوضح أوًلا التداخل بين فكرة الشخصية والمسؤولية وهل فكرة المسؤولية
مرتبطة بفكرة الشخصية القانونية؟
من خلال ما تناولناه سابًقا من توضيح لفكرة الشخصية القانونية فهي لا ترتبط بوجود الإنسان وبالتالي فهي لا
ترتبط بوجود العقل والإدراك مما يوصلنا الى فكرة أن الشخصية القانونية منفصلة عن الوجود القانوني وعن الوجود
المادي والوجود الإدراكي أي كونه عاقلًا مدرك لتصرفاته .لما كانت المسؤولية الجنائية قائمة على الإدراك فهل يمكن
القول بأن الذكاء الاصطناعي في وضعه الحالي مدرك لتصرفاته؟ مع وجود بعض الفرضيات لتطور الذكاء
الاصطناعي في عصر قريب الى مستوى الذكاء البشري وقد يتجاوزه .بما أن توافر الإدراك وحرية الاختيار أساس
1الدحيات ،عماد :نحو تنظيم قانوني للذكاء الاصطناعي في حياتنا( ،مجلة الاجتهاد للدراسات القانونية والقضائية ،كلية القانون ،الإمارات العربية
المتحدة ،ع 2019 ،05م) صفحة 18
15
المسؤولية الجنائية وبدونهما او بدون أحدهما لا يكون الشخص اهلا لهذه المسؤولية .ولكن لقيام المسؤولية
الجنائية وتحققها لابد من تحقق سببها إضافة الى تحقق الاهلية (الادراك وحرية الاختيار) لها وسببها هو الخطأ.
فلا يكفي توافر الإدراك وحرية الاختيار في الشخص لكي يسأل عن أعماله ،بل يجب مع ذلك أن يثبت أنه
قد ارتكب خطأ .وهكذا فالخطأ هو سبب قيام المسؤولية الجنائية إذا انعدم فلا يسأل الفاعل عما حدث.
والبحث في توافر الخطأ يستلزم بالضرورة توافر الادراك وحرية الاختيار ذلك ان الخطأ وصف يلحق الإرادة
المميزة .فاذا انعدمت الإرادة في شخص أو كان غير متمتع بإدراكه فلا محل لنسبة الخطأ إليه .وإذا تعمقنا في
كشف الأساس القانوني الذي يرتكز عليه مسؤولية الشخص المعنوي الجزائية لوجدًن أن الركن المعنوي للجرم ممكن
التحقق عبر إرادة ومعرفة المساهمين فيه فإن أركان المسؤولية الجزائية تتوافر في الشخص المعنوي بتوافر إرادة الفعل
لديها عبر القائمين مع معرفة هؤلاء بطابعه غير الشرعي وبقيام النتيجة الضارة الحاصلة من جراء النشاط الحاصل
باسم الشخص المعنوي او إحدى وسائله .بالرجوع إلى أبرز التشريعات على الصعيدين الدولي والمحلي لبيان موقفها
من برامج الذكاء الاصطناعي نجد أن هذه التشريعات لم تتضمن معالجة شاملة للجوانب المختلفة لتقنية الذكاء
الاصطناعي وإن تضمنت إشارات لخصائصها ودورها في العملية التعاقدية .ولعل القاسم المشترك بين هذه
التشريعات هو تعاملها مع الذكاء الاصطناعي وكأنها جميعها تنتمي إلى ذات المجموعة دون أي تمييز بينها تبعًا
لدرجة التطور والذكاء والاستقلالية ،كما خلطت معظم هذه التشريعات بين مفهومي الأتمتة والاستقلالية الذاتية
لهذه البرامج اعتبرت أن جميع أعمال هذه البرامج ما هي سوى امتداد لمستخدميها الذين يسألون بشكل مطلق
عن نتائج أعمالهاكما لو كانت صادرة منهم مباشرة 1".
إن عدم التوافق بين القانون وتقنية الذكاء الاصطناعي يؤدي إلى وجود فجوة بين التنظيم القانوني النظري والتطبيق
التقني مما يترتب عليه عرقلة التطور التقني ،وفي ظل أن التشريعات لم تتضمن أي معالجة شاملة للجوانب المختلفة
لتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي ،إذ إن معظم التشريعات اعتبرت أعمال البرامج امتداداً لمستخدميها الذين يسألون
بشكل مطلق عن نتائج أعمالها كما لو كانت صادرة مباشرة عنهم ،لتساوي التشريعات في الحكم بين البرامج
الذكية والبرامج الأخرى التي تفتقد لخصائص الذكاء والاستقلالية والحركة إذ أن بعض تقنيات الذكاء تتمتع
باستقلالية كبيرة في أعمالها ،وفقاً لما تمليه عليها البيئة المحيطة ،وتتخذ قراراتها دون الرجوع إلى مستخدميها ،ما قد
يخلق مخاوف بشأن المسؤولية القانونية والأخلاقية التي قد تترتب على أعمال هذه البرامج ،مثل أن تلحق مركبة
ذاتية القيادة أضراراً بالغة ،نتيجة عوامل لا يمكن التنبؤ بها أو دفعها ،الأمر الذي يخلق تسائلاً عن المسؤول الذي
ينبغي أن يخسأل في مثل هذه الاحتمالات ،أهو المستخدم ،أم المبرمج ،أم الشركة الصانعة ،أم مدير الموقع
الإلكتروني ،أم مزود الخدمة أم الآخرون؟ خاصة أن ارتكاب تقنية الذكاء الاصطناعي لخطأ لا يرجع دائ ًما إلى
1الدحيات ،عماد :نحو تنظيم قانوني للذكاء الاصطناعي في حياتنا ،مرجع سابق ،صفحة .23
16
ووجود إهمال أو خطأ من أحد الأطراف ( المصنع أو المالك أو المبرمج ) فقد يرتكب بعض الأخطاء نتيجة للبيئة
الرقمية وتحليله الخاطئ للبياًنت أو البيئة المحيطة أو عوامل أخرى لا يمكن تحديدها بدقة.
تطرح هذه التقنيات العديد من الإشكاليات حول الطريقة التي ينبغي أن يسند بها القانون المسؤولية عن هذه
البرامج فالبعض ينادي بإعطاء هذه التقنية الشخصية القانونية بالتالي يتمتع بالذمة المالية وأهلية وموطن وجنسية
بطريقة تشبه الشخصية التي تتمتع بها السفن والشركات وفي الجانب الآخر ينادي يرى البعض أنه ما يزال الوقت
مبكر للحديث عن إعطاء هذه التقنية الشخصية القانونية وأن إنشاء سجل خاص أو جهة ما تقيد فيها هذه
التقنيات أو تطبيق قواعد الوكالة على العلاقة بين كلًا من المصنع أو المستخدم أو المالك و هذه التقنية .مع
إمكانية إسناد جزء من المسؤولية لهذه التقنية مستقبلًا .
وقد يثار تساؤل هنا ما هي خطورة هذا الاعتراف بالشخصية القانونية للذكاء الاصطناعي على الانسان ؟ إن
الاعتراف بالشخصية القانونية للذكاء الاصطناعي سيؤدي إلى إيجاد مجتمع غير بشري له حقوق وواجبات الأمر
الذي قد يش ِّكل خطر على حياة البشر في حال خروجها عن السيطرة .لذلك يذهب البعض القول بأن
الاعتراف بالشخصية القانونية للذكاء الاصطناعي ضروري لاستقرار التعاملات والحياة البشرية لكن أي ًضا ينبغي
مراعاة تفادي سلبياته وتهديداته عن طريق آليات تنظيمية وأخلاقية تحكمها مع التشجيع على الابتكار في مجال
الذكاء الاصطناعي الصديق للإنسان .
وقد نص القانون المدني الأوروب الخاص بالروبوتات الصادر عام 2017م صراحة على إلزام المصممين و المنتجين
والمشغلين بقوانين إسحاق أسيموف وهي قواعد او قوانين أخلاقية تحكم إنتاج صناعة الروبوتات حتى الآن والتي
تنص على:
أوًلا :يجب عل الروبوت ألا يؤذي الإنسان وألا يتسبب في إهماله بإلحاق الأذى بأي إنسان .
ثانيًا :يجب على الروبوت أن يطيع أوامر الإنسان التي يصدرها له ما عدا الأوامر التي تتعارض مع الفقرة أوًلا
ثالثًا :يجب على الروبوت أن يحمي وجوده ما دام ذلك لا يتعارض مع الفقرة أوًلا و ثانيًا 1 .
1حبيب ،كرار ،حسام عبيس ،مرجع سابق صفحة .740
17
المبحث الرابع :العقوبات المترتبة عن جرائم الذكاء الاصطناعي
يشكل مبدأ الشرعية أساس في القانون الجنائي فلا جريمة ولا عقوبة إلا بنص حيث لا نستطيع القول بضرورة
مساءلة مصنع أو مستخدم أو مالك الذكاء الاصطناعي بغير نص قانوني لذلك نتناول العقوبات التي توقع على
مصنع المسؤولية الجنائية في مطلب أول والعقوبات التي توقع على المالك في المطلب الثاني ثم العقوبات التي توقع
على الذكاء الاصطناعي في مطلب ثالث.
المطلب الأول :عقوبات توقع على مصنع تقنية الذكاء الاصطناعي
يعتبر مصنع تقنية الذكاء الاصطناعي الطرف الأول الذي يساهم في نشأة هذه التقنية وبالتالي هو المتحكم الأول
في برمجة أنظمة تشغيلها والتي يجب أن تتوافر فيها معايير محددة تضمن السلامة والأمان في حال خروج هذه
التقنية عن السيطرة حيث أن هذه التقنية في تطور مستمر ومن المحتمل أن تصل في المستقبل القريب إلى درجة
عالية من الاستقلالية في اتخاذ القرار وهذه المعايير لابد أن تصدر بها تشريعات توجب المصنع على الالتزام بها
وتضمينها في تقنية الذكاء الاصطناعي وسن عقوبات في حال عدم التزامه بها وتحمله المسؤولية الجنائية كاملة في
حال وقوع جرائم نتيجة إخلاله بها .نرى أن العقوبات التي توقع على المصنع لابد أن تتدرج طبًقا لجسامة الجريمة
التي ارتكبتها تقنية الذكاء الاصطناعي والناتجة عن إهماله الالتزام بالضوابط المحددة لعمل هذه التقنية بحيث تتدرج
من السجن أو الغرامة أوكلاهما م ًعا.
المطلب الثاني :عقوبات توقع على مالك تقنية الذكاء الاصطناعي
يعتبر مالك تقنية الذكاء الاصطناعي هو الشخص المنتفع بها وبمجرد انتقال ملكيتها له فهو مسؤول عنها وعن
الجرائم التي ترتكبها هذه التقنية تظهر لنا في هذه الحالة فرضيتين:
الأولى :الجرائم التي تحدث نتيجة إهمال أو خطأ المالك أو المستخدم ،وتكثر هذه الجرائم بسبب حداثة هذه
التقنية وعدم معرفة طريقة التعامل معها ،إذ يقوم المالك أو المستخدم بإصدار أوامر بطريقة خاطئة تعطل العمل
أو تؤدي إلى ارتكاب جريمة جنائية في هذه الحالة يجب أن توقع العقوبة على المالك او المستخدم لأن سلوكه هو
الذي أحدث النتيجة بالتالي تحققت علاقة السببية بين الخطأ والنتيجة الجرمية وقام الركن المادي للجريمة ،أما الركن
المعنوي المتمثل في القصد يتم بحثه وإيقاع العقوبة المناسبة حسب ما إذا تم ارتكابها عم ًدا أو عن خطأ غير عمدي.
الثانية :الجرائم التي ترتكب من تقنية الذكاء الاصطناعي نفسها بدون تدخل طرف خارجي.
18
المطلب الثالث :عقوبات توقع على تقنية الذكاء الاصطناعي
من المتصور في المستقبل القريب تطور وانتشار تقنيات الذكاء الاصطناعي إلى درجة تمتلك معها إرادة منفردة دون
تدخل من مالك أو مستخدم أو خطأ من مصنعها ،وتقوم بارتكاب جرائم في هذه الحالة تظهر إشكالية وهي
كيفية عقاب تلك التقنيات وبالتطبيق لمبدأ شخصية العقوبة الذي يعتبر من المبادئ الأساسية في القانون الجنائي
لا يمكن إيقاع العقوبة على المالك أو المصنع أو المستخدم ومن خلال استقراء القوانين الحالية نجد أنها لا تعترف
بهذه المسؤولية ولا تقر بتوقيع العقوبة على هذه التقنية ،لذلك نرى ضرورة تعديل وتطوير التشريعات الحالية لمواكبة
المستجدات وتحديد أنواع العقوبات المقررة على كيان الذكاء الاصطناعي بما يتناسب مع طبيعته وخصائصه خاصة
مع التوجه إلى إدخال الذكاء الاصطناعي في شتى المجالات واهتمام الدول وتنافسها في هذا المجال .
والقول إن طبيعة الذكاء الاصطناعي لا تحتمل إمكانية إيقاع العقوبة عليه بالتالي إيقاع العقوبة المقررة على ما يرتب
على أعماله من مخالفة للقوانين والأنظمة يمكن الإجابة عليه بأن الواقع التشريعي والتطور الذي طرأ على الأنظمة
الاقتصادية والاجتماعية أدى إلى إيجاد عقوبات تتلاءم وتنسجم مع طبيعة الشخص المعنوي مثل الغرامة والمصادرة
إذ أن طبيعة الذكاء الاصطناعي لا تعد سبب من أسباب إنكار المسؤولية الجنائية للذكاء الاصطناعي فالعقوبة
قابلة للتطوير شأنها شأن أي موضوع من موضوعات قانون العقوبات.
19
الخاتمة
تم بحمد الل بحثي هذا ،استعرضت من خلاله المسؤولية الجنائية للذكاء الاصطناعي ابتداءً بتوضيح لمفهوم المسؤولية
الجنائية والتي هي الالتزام بتحمل النتائج القانونية المترتبة على ارتكاب فعل يحظره القانون الجنائي ويعاقب عليه
وأساس المسؤولية الجنائية ثم استعرضت أبرز التعريفات للذكاء الاصطناعي نظًرا لتباين التعريفات لهذا العلم .والتي
اجتمعت جميعها على أنه تقنية تسعى لمحاكاة عمليات كانت حصًرا على الإنسان ،ثم تطرقت لأطراف المسؤولية
الجنائية عن جرائم الذكاء متمثلة بالمصنع والمالك أو المستخدم والطرف الخارجي باعتبار أنهم في ظل القواعد الحالية
هم من يتحملون المسؤولية الجنائية عن جرائم الذكاء الاصطناعي حسب مساهمة ودور كلًا منهم .ثم تعرضنا لأبرز
الإشكاليات التي يثيرها الذكاء الاصطناعي ممثلة في إشكاليتين الأولى الشخصية القانونية للذكاء الاصطناعي و
مدى الحاجة لإضفاء شخصية قانونية على الذكاء الاصطناعي وعدم قدرة التصنيف الحالي للشخصية القانونية
على استيعاب الذكاء الاصطناعي نظًرا لاختلاف طبيعته الثانية المسؤولية القانونية للذكاء الاصطناعي وإمكانية
اسناد المسؤولية لهذه التقنية بشكل مستقل عن كلًا من المصنع و المالك والطرف الخارجي ثم استعرضنا العقوبات
المرتبة على جرائم الذكاء الاصطناعي .
وقد توصلت لعدة نتائج وتوصيات من أبرزها:
النتائج:
1ـ سرعة تطور تقنيات الذكاء يترتب عليه ظهور جرائم مستحدثة مرتبطة بهذه التقنية.
2ـ ليس هناك تنظيم قانوني شامل لتقنية الذكاء الاصطناعي كما أن التشريعات لا تواكب التطور السريع لهذه
التقنية.
3ـ قلة المصادر والأبحاث والمراجع العربية في هذا الجانب رغم توجه الدول واهتمامها بهذا المجال.
4ـ عدم ملائمة القواعد العامة للمسؤولية الجنائية للتطبيق على تقنية الذكاء الاصطناعي .
التوصيات:
1ـ ضرورة سن قوانين خاصة بتقنية الذكاء الاصطناعي تعالج كافة جوانبها وتتماشى مع الخصائص المختلفة لها
يشترك في وضعها مختصين في مجال الذكاء الاصطناعي وكافة المجالات ذات العلاقة.
2ـ ضرورة وضع معايير مهنية ملزمة لكلًا من المصنع ومستخدم الذكاء الاصطناعي لتحمل النتائج التي تترتب على
تقنية الذكاء الاصطناعي.
3ـ تأهيلكوادر وطنية للتعامل مع هذه التقنية ونشر الوعي المجتمعي بشأنها.
4ـ ضرورة التمييز بين تقنيات الذكاء الاصطناعي تبًعا لدرجة استقلاليتها وقدرتها على معالجة البياًنت واتخاذ
القرارات
5ـ عدم تحميلكامل المسؤولية على المصنع او المالك عن أفعال تقنيات الذكاء الاصطناعي الغير المتوقعة.
20
فهرس المراجع
أوالا :الكتب
1ـ الزهيري ،أشجان ،ليندا نيص :شرح النظام الجزائي السعودي القسم العام( ،دار الثقافة للنشر والتوزيع ،عمان،
الأردن ،ط2017 ،1م)
ـ الحديثي ،فخري ،خالد الزعبي :شرح قانون العقوبات القسم العام( ،دار الثقافة للنشر والتوزيع ،عمان ،الأردن،
ط2010 ،2م)
الرويس ،خالد ،رزق الريس :المدخل لدراسة العلوم القانونية (دار الشقري ،الرًيض ،المملكة العربية السعودية ،ط
2015 ،6م)
3ـ عبد الهادي ،زين :الذكاء الاصطناعي والنظم الخبيرة في المكتبات( ،المكتبة الأكاديمية ،القاهرة ،مصر ،ط،1
)2000
4ـ عفيفي ،جهاد :الذكاء الاصطناعي والأنظمة الخبيرة( ،دار أمجد للنشر والتوزيع ،عمان ،الأردن ،ط 2015 ،1
م)
ثانياا :المجلات والدوريات
1ـ الدحيات ،عماد :نحو تنظيم قانوني للذكاء الاصطناعي في حياتنا( ،مجلة الاجتهاد للدراسات القانونية
والقضائية،كلية القانون ،الإمارات العربية المتحدة ،ع 2019 ،05م)
2ـ القطري ،محمد :المسؤولية الجنائية للشخص الاعتباري دراسة مقارنة (مجلة العلوم الإنسانية والإدارية ،جامعة
المجمعة ،المملكة العربية السعودية ،ع 1435 ،5هـ)
3ـ الخطيب ،محمد :المركز القانوني للإنسآلة الشخصية والمسؤولية دراسة تأصيلية مقارنة (مجلةكلية القانون الكويتية
العالمية ،الكويت ،ع ،4ديسمبر 2018م)
4ـ دهشان ،يحيى :المسؤولية الجنائية عن جرائم الذكاء الاصطناعي (مجلة الشريعة والقانون ،جامعة الإمارات العربية
المتحدة ،الإمارات العربية المتحدة ،ع2019/6/30 ،474م)
5ـ حاتم ،دعاء :الذكاء الاصطناعي والمسؤولية الجنائية الدولية (مجلة المفكر ،كلية الحقوق والعلوم السياسية ،بغداد،
ع )2019 ،18
6ـ حبيب ،الكرار ،حسام عبيس :المسؤولية المدنية عن الأضرار التي يسببها الروبوت (مجلة المسار التربوي للعلوم
الاجتماعية ،بغداد ،كلية الإمام الكاظم 2019/5/15 ،م)
21
ثالثاا الروابط الإلكترونية:
1ـ البرًنمج الوطني للذكاء الاصطناعي /https://ai.gov.ae/ar/about-us-arتاريخ الدخول / 30
1442/ 8هـ
2ـ الهيئة الوطنية للبياًنت والذكاء الاصطناعي ،تاريخ الدخول 1442 / 8 / 30هـ
/https://sdaia.gov.sa
22
المحتويات
شكر ..............................................................................................ج
إهداء ..............................................................................................د
المقدمة 1.............................................................................................
المبحث الأول :مفهوم المسؤولية الجنائية والذكاء الاصطناعي4...........................................
المطلب الأول :مفهوم المسؤولية الجنائية4............................................................
المطلب الثاني :مفهوم الذكاء الاصطناعي5...........................................................
المبحث الثاني :أطراف المسؤولية الجنائية عن جرائم الذكاء الاصطناعي7..................................
المطلب الأول :المسؤولية الجنائية للمصنع7..........................................................
المطلب الثاني :المسؤولية الجنائية للمالك 8...........................................................
المطلب الثالث :المسؤولية الجنائية للطرف الخارجي8..................................................
المبحث الثالث :الإشكاليات الناجمة عن الذكاء الاصطناعي والمسؤولية عن أعمالها10....................
المطلب الأول :الطبيعة القانونية للذكاء الاصطناعي10..............................................:
المطلب الثاني :المسؤولية القانونية للذكاء الاصطناعي 13.............................................
المبحث الرابع :العقوبات المترتبة عن جرائم الذكاء الاصطناعي 18.......................................
المطلب الأول :عقوبات توقع على مصنع تقنية الذكاء الاصطناعي 18................................
المطلب الثاني :عقوبات توقع على مالك تقنية الذكاء الاصطناعي18..................................
المطلب الثالث :عقوبات توقع على تقنية الذكاء الاصطناعي 19......................................
الخاتمة 20............................................................................................
فهرس المراجع 21....................................................................................
23